← Общие книги

Общие книги · id 37728

الاتجاهات العقلانية المعاصرة أصولها ومناهجها

ناصر العقل

Полный текст (74 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الاتجاهات العقلانية المعاصرة أصولها ومناهجها [١] للعقل مكانته العظيمة في الإسلام، فهو مناط التكليف، وهو الوسيلة العظيمة لفهم نصوص الوحي، غير أن تلك المكانة لا ترفعه إلى مقام الحاكم على النصوص الشرعية وتحمله ما لا يطيق مما يعجز عن إدراكه، ولذا كانت الحيدة به عن هذا المنهج سلوكاً لطريق الضُلّال في اعتبار العقل من الفلاسفة والمتكلمين والعقلانيين الذين كثر لغطهم في القديم وتعددت مدارسهم في الحاضر، ومع ذلك فلهم قواسم مشتركة في مناهجهم وطرقهم المنحرفة.

стр. 2

مكانة العقل عند الفلاسفة مشاهدينا الكرام! أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامج (حراسة العقيدة). إن مسألة العقل أخذت حيزاً كبيراً عند فريق المبتدعة؛ حتى إنهم وصفوا أهل السنة أهل الحق بأنهم لا يعقلون، وليس لهم عقول يعملونها. فمن هذا المنطلق نودُّ أن نتعرف على مكانة العقل في الإسلام، ومكانه عند أهل السنة أهل الحق. الشيخ: نشأت معضلة العقل عن أفكار الفلاسفة الإلهيين الذين انطلقوا في الكلام في الغيبيات على غير أسس الوحي السليمة، وهؤلاء غالباً هم خصوم الأنبياء، نقصد الفلاسفة الذين تكلموا في الغيبيات، وليس كل الفلاسفة. فهؤلاء الفلاسفة لما رأوا هذا الكون العجيب، ورأوا بديع صنع الله وآياته الظاهرة، وهم لم يؤمنوا بحقيقة وجود الرب كما جاء بها الأنبياء؛ صاروا يعملون خيالاتهم وأوهامهم في البحث عن مصادر قوة هذا الكون ونظام هذا الكون وحركة هذا الكون؛ فتوهموا أن هناك عقولاً تدبر الكون. المقدم: لذلك أطلقوا مصطلح العقل الفعال. الشيخ: نعم، فمن هنا توهموا أن هذا العقل له أثر في الإنسان، وانطلقوا من هذا المنطلق، ثم تأثرت بهم مدارس واتجاهات في الأمم الأخرى وفي الأمة الإسلامية التي ضل بعض طوائفها عن طريق الحق، وأخذوا بمسالك الفلاسفة، فهؤلاء كلهم تأثروا بهذا المسلك، وظنوا أن العقل كيان مستقل؛ ولذلك عظموه وقدسوه بأكثر مما يستحق.

стр. 3

مكانة العقل عند أهل السنة وأما أهل السنة أهل الحق يعرفون للعقل قدره؛ فهو مناط التكليف، وهو أعظم وسيلة منحها الله الإنسان لفقه شرع الله، ومعرفة الواجبات المجملة، أعني الواجبات التي تتعلق بحق الله ، وواجبات الإنسان في هذا الكون على ضوء شرع الله، فهذا العقل له مكانته وله قدره، وهو الوسيلة لأئمة الدين لفهم شرع الله، وتطبيقه في الحياة. إذاً: مكانته عندهم لا شك في أنها عالية، ولكن لا يعطونه أكثر من قدره. المقدم: هذا رد على الفلاسفة وأهل الكلام؟ الشيخ: أي نعم، ولا يجعلون العقل يعيش في متاهات لا طاقة له بها؛ إذ العقل لا يعرف تفاصيل الغيب، ولا يدرك أسرار القدر، فمن هنا أعطوا العقل كرامته، ومن كرامة العقل ألا يقحم فيما لا يطيقه. ومن هنا اتهمهم الخصوم بأنهم ردوا تقريرات العقل حينما لم يقبلوا الأوهام التي تسمى عقليات، ولم يقبلوا التخرصات التي قال الله في أصحابها: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ [الذاريات:١٠ - ١١]؛ لأنها ليس لها مستند من مصادر الحق. المقدم: كمثل قول ابن سينا: إن العقل فعَّال، وقواه قدسية. ونحو ذلك، فهذه الأقوال من أين استقَوْها؟ وما هو المصدر لهؤلاء الفلاسفة؟ هل هو الفلسفة اليونانية؟ الشيخ: ليس لهم مصدر علمي ولا شرعي، حتى ابن سينا لو أخذناه بمبدئه الذي يدعيه؛ لما وجد أي دليل على ما يقول سوى التبعية للفلاسفة.

стр. 4

الأدلة على مكانة العقل في الإسلام المقدم: إذاً: أهل الحق ينظرون إلى العقل باتزان، فلا إفراط ولا تفريط، فهل هناك أدلة في القرآن والسنة تبين مكانة العقل في الإسلام؟ الشيخ: نعم، هناك آيات كثيرة، فالله يذكر نعمه، ويذكر آياته التي تدل على وجوده وعلى ضرورة عبادته، ثم يقول: ((أَفَلا تَعْقِلُونَ))، ولم يقل: ليس لكم عقول، بل قال: ((أَفَلا تَعْقِلُونَ))، يعني: تتفكرون، وبعض الآيات -أيضاً- نصت على التفكر، وليس بينهما تقارب في المعنى فحسب، بل هناك تطابق بين التفكر والتعقل. ومن ذلك أن الله لما ذكر بعض المنن والنعم، قال: ((لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ))، وقال : ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم:٢٨]. المقدم: وكذلك عاب على الكفار عدم التعقل بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠]. الشيخ: نعم، إذاً: الإسلام يدعو إلى التعقل، ويدعو إلى التفكير في معرفة الحق، ومعرفة حقوق الله خاصة، ومعرفة وجوه الخير والنفع للإنسان. المقدم: هناك من يقول: إن الدين يحجر على العقل، هل التقيد بالنصوص الشرعية تحجير على العقل؟ الشيخ: الحقيقة أن الدين يكرم العقل غاية التكريم؛ يدل على ذلك ما يأتي: أولاً: أن الله أكرم به الإنسان. ثانياً: أن الله جعله مناط التكليف، فكلف الإنسان بأن يفكر، وأن ينظر، وأن يتدبر آيات الله، وأن يعمر الكون على سنن الله. فالله لم يأمر بتدبر آياته المقروءة -وهي القرآن ونصوص الوحي- فحسب، بل أمر بتدبر الآيات الكونية كذلك. إذاً: الإسلام لا يحجر على العقل، بل يوظفه وظيفة تكده إلى قيام الساعة، ولكن على أسس تحميه من غوائل التيه، وتحميه من أسر الأوهام، وتحميه من أسر الخرافات، وتحميه أيضاً من أن يتجرأ على الله أو يتجرأ على الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. فهؤلاء يسمون هذه الشروط قيوداً، وليست قيوداً، بل هي في الحقيقة تعتبر مناط التكريم للعقل.

стр. 5

ذكر بعض الاتجاهات العقلانية المقدم: نودُّ أن نتعرف الآن على هذه الاتجاهات العقلانية، وأبرز الأفكار التي يمكن أن نناقشها في هذا البرنامج. الشيخ: الحقيقة أن الاتجاهات العقلانية في أصولها متشابهة، وهذا الذي جعلنا نتحدث عنها تحت هذا العنوان، أما في مناهجها التفصيلية وفي غاياتها وفي وسائلها فهي مدارس لا تكاد تحصى. ففي عصرنا هذا يمكن أن نقول: هناك اتجاهات تسمى الاتجاهات العقلانية حتى عند أصحابها، وهي جهات فكرية قائمة الآن، سواء تلك التي تنهج نهج المعتزلة والفلاسفة، والتي تنتهج مناهج حديثة لكنها تنزع إلى الاتجاه العقلاني الغربي. وهذه الاتجاهات أيضاً لها أسماء كثيرة جداً، فيدخل فيها كثير ممن يسمون بالعلمانيين وليس كلهم، وكثير ممن يسمون باللبراليين وليس كلهم، وكثير من أصحاب الفكر التغريبي الذين هم تلامذة للتيارات الغربية، وأصحاب الفكر الحداثي، بل الحداثة تعتبر اليوم الرائدة للاتجاه العقلاني. ويدخل في ذلك أصحاب نزعات فردية، وهنا أنبه على أمر مهم جداً، لأننا سنحتاج إلى هذا البيان فيما بعد، ذلك أنه ليس كل من أطلق عليه أنه (علماني) يكون كذلك، أو يعترف بهذا، وكذلك من أطلق عليه أنه لبرالي أو حداثي. فهذه الأوصاف الآن أصبحت أوصافاً فضفاضة، وهي حقيقية، ولكن لا يلزم أن يكون العقلاني علمانياً أو لبرالياً أو حداثياً، بل قد يكون غير هؤلاء، وقد لا يدري ولا يعرف معنى العلمانية واللبرالية، وإنما أردت التركيز على أشهر التيارات: العلمانية، واللبرالية، وأهل الاستغراب أو التغريب، وكذلك الحداثة، والعصرانية. المقدم: والشيوعية تدخل في هذا؟ الشيخ: إذا اعتبرنا المبادئ الغربية البحتة؛ فكل الاتجاهات الحديثة في الغرب عقلانية، ومنها الشيوعية وعكسها. المقدم: الرأسمالية؟ الشيخ: نعم، كلها تقوم على الاتجاه العقلاني؛ لأنهم ليس عندهم مصادر للتدين الحقيقي تضبطهم، حتى الذين يسمون مفكري النصارى، أو مفكري اليهود هم في الحقيقة عقلانيون، وإن تمسكوا ببعض المذاهب الدينية. المقدم: لكن من أي باب دخلت العلمانية واللبرالية في العقلانية؟ الشيخ: من باب أنها تشترك في الأصول التي سأذكرها بعد قليل. وقد ذكرتني بأمر مهم، فأقول للإخوة المشاهدين: من أجل أن تعرفوا وجه ارتباط هذه المذاهب بعضها ببعض أرجو أن تستمعوا جيداً عندما نعرض موضوع مناهج وأصول اتجاهات العقلانية. وينبغي أن نفهم حين نقول: اتجاهات العقلانية أنها كذلك مع أنها مدارس لها أصول مشتركة عامة، سواء في المنهج وفي الوسائل وفي الغايات، لكن عند الممارسة والتوجهات الفردية أو ما أشبه التوجهات الفردية تجد أنها مدارس.

стр. 6

وصف العقلانية لا يفيد أصحابه رفعة المقدم: عندما نقول: العقلانيون ألا يكون ذلك ثناء عليهم؟ الشيخ: لا يلزم، ومثال ذلك من يسمون بالقرآنيين الآن، فقد اشتهروا بالقرآنيين، أليست النسبة إلى القرآن -وهو كلام الله- شرفاً؟ المقدم: بلى. الشيخ: لقد أصبحت الاصطلاحات أحياناً هي التي تحكم المفاهيم، والمصطلح إذا شاع يحكم المفهوم ما لم يعارض الشرع. فالقرآنيون يقصد بهم الآن: الذين يزعمون أنه لا نأخذ الدين إلا من القرآن. المقدم: يتركون السنة؟ الشيخ: يتركون السنة والاقتداء بالنبي ﷺ ، وليس للنبوة عندهم اعتبار. ومثال ذلك أيضاً من يسمون بالقدرية، أليس الإيمان بالقدر ركناً من أركان الإيمان؟! المقدم: بلى. الشيخ: وعلى هذا فأنا قدري من هذا الوجه، لكن الذين أخطئوا في باب القدر كان كلامهم في القدر كثيراً. المقدم: ونفوا القدر. الشيخ: ونفوا القدر، وصاروا يتكلمون بغير علم في القدر، فسموا قدرية. وهكذا نقول: العقلانيون، لا لأن العقل مذموم، لكن لأنهم اشتهروا بتقديم العقل على الشرع، فجعلوا الشرع هو المحكوم، واستهانوا بدين الله بدعوى الرأي والعقل والفكر.

стр. 7

الحكم على المناهج دون الأشخاص منهج شرعي المقدم: هل هناك فرق بين أن نقرر مبادئ العلمانية أو مبادئ اللبرالية، وبين إطلاق هذا المصطلح على أشخاص معينين؛ إذ بعض الناس قد يتساهل فيقول: هذا علماني، هذا لبرالي. فهل هذا فيه إشكال؟ الشيخ: أنا أتصور أن فيه إشكالاً كبيراً، فينبغي أن لا نسارع في إطلاق العلمنة على أفراد، فهنا يحكمنا منهج القرآن ومنهج السلف، وهو الكلام عن الأصول البدعية والمناهج البدعية، وعن الأصول الضالة والمناهج الضالة، وأما تطبيقات ذلك فتترك للحاجة إليها التي يقوم بها أهل الاختصاص عند الضرورة. فنحن نحاكم الناس على منهج، بصرف النظر عن تسمية الأشخاص أو أوصافهم، والله ذكر لنا المنافقين، وذكر الفسق والفاسقين، والظلم والظالمين، ومع ذلك لم يسوغ لنا -كما هو منهج النبي ﷺ ومنهج الصحابة- أن ننادي من تظهر عليه علامات النفاق بقولنا: يا منافق، ولا بقولنا: يا فاسق، أو: يا فاجر. المقدم: أي نعم، والنبي ﷺ كان يعرف المنافقين بأسمائهم، ولم يسمهم ولم يعينهم. الشيخ: نعم كان يعرفهم، وكان أهل الفجور والفسق موجودين بين المسلمين، وما كان الصحابة ينادون من يظهر منه فجور بقولهم: يا فاجر أو: يا فاسق، إلا عند الضرورة فقط، وهذا أمر يعرفه أهل الاختصاص من أهل العلم.

стр. 8

ذكر بعض معالم المنهج العقلاني المقدم: أشرت -يا دكتور ناصر - إلى أن هناك فصولاً عامة ومعالم كبرى للمناهج العقلانية، فنود ذكر بعض هذه المناهج. الشيخ: لعلي أتمكن الآن من سرد أهمها على جهة الإجمال، والتفاصيل تترك إلى حلقات قادمة إن شاء الله تعالى. فالمناهج العامة للعقلانيين تتلخص فيما يأتي:

стр. 9

الخلط في مصادر تلقي الدين أولاً: الخلط في مصادر تلقي الدين. فنحن نتلقى الدين من مصادره النقية: الكتاب والسنة، أي: ما صح عن النبي ﷺ ، وأما هم فلا، وقد يدعون هذه الدعوى، لكن عند التحقيق تجدهم يجعلون للمقررات العقلية ولأفكار البشر وللنظريات وللفلسفات مقاماً كبيراً في الاستمداد يستمدون منها دينهم. فترى بعض كبار المتكلمين القدامى -وهو مشهور- يقول: أنا أستمد من الكتاب والسنة، وفي كتابه يستدل بكلام أرسطو طاليس في ثوابت الدين، لا في أمور علمية نظرية! المقدم: هل يستدلون بالكتاب والسنة للاعتضاد أم للاعتماد؟ الشيخ: يما خالفوا فيه أهل الحق يجعلون الدليل الشرعي فيه دليلاً ثانوياً غالباً، بل قد يردونه، وغالباً تكون استدلالاتهم بالشرع -كما تفضلت- للمساندة، فالدليل الشرعي عندهم مساند، والأصل هو الدليل العقلي الذي هو آراؤهم، فيقررون مقررات في أذهانهم، ثم يحاولون أن يستدلوا لها من الكتاب والسنة، وهذا انحراف. المقدم: ألا يمكن أن نقول -لتوضيح هذه المسألة بمثال تطبيقي-: هناك في المتكلمين من يرى أن هناك صفات عقلية وصفات خبرية، فالصفات العقلية يثبتها والصفات الخبرية ينفيها، مع أن الصفات العقلية والخبرية كلها ورد بها النص؟ الشيخ: نعم، هذا مثال صحيح. فالخلط في مصادر التلقي أول المناهج العامة للعقلانيين. ولهذا يعتمدون على الرأي، ويسمون نتائجه مقررات عقلية أو قواطع عقلية، وهي نتائج مبنية على الفلسفة، وعلى النظريات، وعلى آراء المستشرقين، بل على بعض كتب الأدب وكتب التاريخ أحياناً إلخ.

стр. 10

الخطأ في منهج الاستدلال ثانياً: الخطأ في منهج الاستدلال. ومن هنا تأتي العقدة الرئيسة عندهم، التي جعلت كثيراً من الناس يغترون بهم، ذلك أنهم يرون أنه إذا كان العقل هو الذي ينظر في الشرع؛ فهو المحكم، وهو الأول، وهو المقدم، فعندما يظهر للإنسان أن الشرع يعارض العقل فالعقل هو المقدم. المقدم: هذا القانون الكلي عند الرازي. الشيخ: أي نعم، هو القانون الكلي عند الفلاسفة، ثم أخذه الرازي وغير الرازي؛ لأنهم اعتبروا دلالة العقل قطعية، ودلالة الشرع ظنية نسأل الله السلامة، وهذا خذلان، وأرجو أن نتأمل هذه العبارة، فهذه مقدمات فاسدة؛ والذي لا يتأملها قد يكون ضحية هذه المقدمات. وهذه المقدمة حقها أن تقلب تماماً، فهم يقولون: المقررات العقلية قواطع، أي: قطعيات لا شك فيها، هكذا زعموا. نعم هناك من الأمور العقلية ما هو قاطع، لكن هل تكون المقررات العقلية قواطع فيما غاب عن العقول؟! الجواب لا. وهل تكون المقررات العقلية قواطع والشرع ظنياً، وإذا تعارض القطعي -وهو عقولهم وآراؤهم- مع الظني -وهو كلام الله وكلام رسوله ﷺ قدم القطعي وهو العقل؟! ولذلك نقول لهم: عقل من يتبع؟! عقلي أم عقلك؟! أنا لا أطيعك، فتفكيرك خاص بك، وتفكيري خاص بي. المقدم: بأي تفكير وبأي عقل نسير؟ الشيخ: لأنهم يتوهمون أن هناك عقولاً مجردة. المقدم: كبار الفلاسفة اختلفوا في أمور جوهرية. الشيخ: الفلاسفة هم الخراصون الذين ذمهم الله ، وحتى لا يكون هناك لبس عند بعض الناس أنبه على أن مصطلح (الفلاسفة) يطلق على العلماء التطبيقيين، الذين يقوم علمهم على الحس والتجربة، وهؤلاء لا نشك في أن مبدأهم صحيح إذا قام على أسس سليمة، ولذا كان الفلاسفة القدامى يجمعون بين الأمرين: يجمعون بين الخوض في الغيبيات والتخرص، وبين التجارب العلمية الحقيقية؛ ولذلك فاقوا في الطب والكيمياء والفيزياء، وكان لهم نظريات نفعت البشرية. كما يطلق المصطلح نفسه على الوجه الآخر المذموم، وهو الخوض في الغيب، فنحن في الجانب التطبيقي لا نعترض على مقررات الفلسفة العلمية التي منها الرياضيات وغيرها، فهذه مقررات ثبت فيها مشاعة بين البشرية ثبتت بالعلم. لكن الجانب المذموم هو استعمال عقولهم وتفكيراتهم في أمور ليس للعقل فيها مدخل، وهي أمور الدين.

стр. 11

المراد بعلم الكلام المقدم: وهذا تفريق جميل بين الفلاسفة القدامى أو العلماء التجريبيين المعاصرين، فما هو الفرق بين الفلسفة وعلم الكلام؟ الشيخ: الحقيقة أن علم الكلام اصطلاح يطلق على آراء العقلانيين من المسلمين، الذين نهجوا منهج الجهمية والمعتزلة فأخذوا شيئاً من الفلسفة وشيئاً من الشرعيات وجعلوا ذلك علماً، فنظراً إلى أن هذا العلم ليس فلسفة خالصة، ولا علماً شرعياً خالصاً، وإنما هو كلام عن الله في ذاته وأسمائه وصفاته، وفي القدَر والغيبيات بغير علم؛ سمي كلاماً؛ فلا هو وحي، ولا هو فلسفة خالصة، ولذلك لما قيل لهم: لم تدعون ذلك؟ قالوا: نريد أن نوفق بين الشريعة وبين الفلسفة. فحسبهم كثير من أجيال المسلمين أنهم على الحق.

стр. 12

الرد على اعتبار الطعن في العقل طعناً في النقل المقدم: هناك مسألة شائكة عند بعض الناس، وهناك بعض الحوارات في الإنترنت مع هؤلاء وغيرهم، ذلك أنهم يقولون: إن العقل هو الذي دل على النقل، فإذا طعنت في العقل فأنت تطعن في النقل، كما يقول الرازي وغيره. الشيخ: صحيح أن كثيراً من المقررات الشرعية دلل عليها العقل، بل لا نعرف شيئاً من الشرع في العقيدة والشريعة إلا عن طريق التعقل والتفكر الذي هو الاجتهاد، لكن ينبغي أن نفرق بين كون العقل وسيلة وبين كونه غاية، فالعقل ليس غاية، والعقل ليس أصلاً، وإنما هو نعمة من الله ووسيلة إلى فهم الشرع وإدراكه، ووسيلة إلى فهم نعم الله على خلقه، وإدراك حقه ، وعمارة الكون على ضوء الشرع. إذاً: العقل وسيلة، والوسيلة لا تلغي الغاية، والدليل لا يلغي المدلول. وقد ضرب العلماء لهذا مثلاً فقالوا: لو أن عامياً جاء يسأل عن العالم، وهناك خادم عند هذا العالم، فخرج فوجد هذا العامي، فقال له: أين العالم؟ أنا أريد أن أسأل عن ديني. فجاء بالعامي الذي يسأل عن الشرع إلى العالم، فسأله، فلما سأل العالم أجابه، فقام هذا الخادم واعترض وقال: هذا الرأي أنا أعترض عليه، وليس هذا هو الحكم الشرعي؛ فإن العامي سيرجع بفطرته إلى العالم، بل سيقول له: لماذا جئت بي من الطريق تدلني على العالم ثم الآن تعترض؟! أنت أحمق ليس عندك عقل. إذاً: العقل لا شك في أنه نعمة عظيمة ولكنه وسيلة. المقدم: وإن اعترض الخادم وقال: أنا دللتك على العالم، فطعنك فِيَّ طعن في العالم، هذا كما يقوله أولئك الفلاسفة؟ الشيخ: هذا تلبيس. المقدم: مردود أصلاً. الشيخ: أحياناً يلبس على بعض السذج.

стр. 13

الجهل بمنهج الاستدلال معلم للاتجاهات العقلانية نعود إلى المنهج العام الذي تجتمع فيه الاتجاهات العقلية، فأقول: بناء على هذا انحرفت مناهجهم في الاستدلال فقدموا العقل، ثم إنهم أيضاً لم يراعوا في نظرتهم للنصوص الشرعية إلى يومنا هذا منهج الاستدلال، فلو تأملنا بعض الكتابات في الفضائيات أو في غيرها من وسائل الإعلام التي لها أثر على الناس؛ لوجدنا أن أغلب هؤلاء الذين يتناولون القضايا الشرعية من أدلتها لا يعرفون منهج الاستدلال أصلاً، فيضربون الآيات بعضها ببعض، يأخذون بآية ولا يعرفون دلالتها وسبب نزولها، والقرائن والملابسات التي نزلت فيها، ولا يرجعون إلى فهم الصحابة لها، بل لا يردونها إلى الأدلة الأخرى التي قد تخصصها أو قد تعممها أو قد تنسخها إلخ. فهم يضربون النصوص بعضها ببعض، والأصل في منهج الاستدلال أن يرد القرآن إلى القرآن، وهم لا يردون القرآن إلى القرآن، بل يفسرونه بانتقائية مبنية على الهوى، وكذلك السنة يفسرونها بانتقائية مبنية على الهوى.

стр. 14

البعد عن الشمولية معلم للاتجاهات العقلانية ثم إنهم أيضاً ليس عندهم شمولية الرسوخ في العلم في النظرة إلى النصوص، فقارن بين إنسان مجرد تناول موضوعاً في الصحافة ربما عكف عليه عشرة أيام أو عشرين يوماً ولم يحط علماً بالنصوص، وبين مثل الإمام أحمد الذي كان يحفظ مليون سند، صح منها عنده أربعون ألف إسناد عن النبي ﷺ ، مع حفظه القرآن، فهل يستوي هو والرويبضة الذي يتكلم في الدين في الصحف، لا يعرف الأدلة ولا مناطاتها ولا وجه الاستدلال، ولا يعرف العموم والخصوص والنسخ وغير ذلك مما هو من ضرورات الاستدلال. ثم إنهم لا يهتمون بفقه ومعرفة الذين ننزل عليهم القرآن وهم الصحابة ﵃، ولا يعرفون قبل هذا تفسيرات النبي ﷺ للنصوص.

стр. 15

وسائل الإعلام ودور بعضها في الجرأة على الثوابت المقدم: وبعضهم قد يحتج أحياناً على بعض كبار العلماء في مسائل دقيقة، مع أن هذا العالم قد عاش مع هذه المسألة فترة طويلة حتى ترجح له هذا الرأي، ثم يأتي هذا الصحفي ويقول: أنا أخالف هذا الرأي. فهل وسائل الإعلام -يا دكتور ناصر - تتحمل جزءاً من تجرؤ أولئك وتطاولهم على العلماء، وتطاولهم على النصوص الشرعية؟ الشيخ: لا أريد أن أتكلم عن وسائل الإعلام عامة، فوسائل الإعلام منها النقية ومنها المشوبة، ومنها التي تسيء إلى الأمة ودينها. فوسائل الإعلام -مع الأسف- غاياتها ومنطلقاتها لا تراعي ثوابت الدين عندنا، ولا تراعي أيضاً ثوابت البلد المسلم كبلد له كيانه دولة وشعباً يقوم على أسس مشتركة، ولا تراعي أيضاً المصالح الكبرى للأمة، ولا قواعد الأخلاق، بل أهم شيء عندها الإثارة والإغراض. فكثير من القضايا تثيرها بعض الصحف، ويثيرها بعض الصحفيين، وحين يقال لهم: لماذا أثرتم هذا الموضوع وفيه من المفاسد كذا وكذا؟! يقولون: لأنه مثير، فكثير من وسائل الإعلام يهمها ما يجذب القارئ، ما يوسع نطاق نشر الصحيفة بدون مراعاة للأصول المعتبرة شرعاً وعرفاً وعقلاً. المقدم: هذا فيه طعن حتى في الوطنية التي ينادون بها، وإلا فما الفائدة من إيجاد شرخ كبير بين العلماء وبين بعض المفكرين وبعض المثقفين. الشيخ: في الحقيقة كثير منهم انطلقوا إلى حد الانفلات في مسألة حرية الرأي، وحرية الرأي لا بد من أن تنضبط بضوابط الشرع.

стр. 16

الضحالة في فقه النصوص وحفظها معلم للاتجاهات العقلانية هناك قضية يعرفها كل بصير بالدين، ولكن نحتاج إلى أن نبينها بشكل تفصيلي، وهي: الضحالة، فأغلب أصحاب الاتجاهات العقلية عندهم ضحالة في حفظ النصوص، وفي فقهها وفهمها، ضحالة تؤدي إلى أن نقول: سينظر إلينا الآخرون من غير المسلمين على أننا أناس ليس عندنا علم؛ بسبب هذه التوجهات، حيث ترى ضحالة في الثقافة الشرعية، وجهلاً بخصائص الدين وأصوله وسماته، بل بمفردات الدين، ولذلك أقول عن هذا الصنف: جاهل جهلاً مركباً؛ لأنه جاهل ولا يدري أنه جاهل. إن العوام من المسلمين قليلي المدارك، الذين ما شاغبوا عبر وسائل الإعلام هم على الفطرة، وهم جهلة، ويدرون أنهم جهلة، ولكن المشكلة في هؤلاء الذين لا يدرون أنهم جهلة، وهم الذين يتطاولون على العلماء، ويتطاولون على المسئولين، ويتطاولون على أهل الفكر والدعاة والصالحين. المقدم: لذلك قد يؤلف بعضهم أحياناً ويرى أنه قد وصل إلى درجة الاجتهاد في الفقه ولا يعرف عنه فقه، ولا يعرف عنه علم. الشيخ: نعم، أكثر أصحاب هذه الاتجاهات ليس لهم مؤلفات شرعية، ولكن لهم مؤلفات فكرية وثقافية، ويكثرون من هذا. المقدم: قد يأتي شخص يرى أن الصلاة غير واجبة ثم يستدل لها بأدلة من كتب أصحاب هذه الاتجاهات أو غيرها. الشيخ: على مبدأ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤]. المقدم: وبعضهم قد يشرح السنة شرحاً عقلانياً واضحاً وينزلها على ما يريد من أفكار. الشيخ: هذا إضافة إلى أنه نزعة هوى، وذلك يعود إلى قلة الفقه، ولو كان عنده بصر بالنصوص الشرعية؛ لخجل من أن يستدل بهذه الطريقة، وعلى الأقل سيخجل من أهل الاختصاص، وكما أننا نخجل من أن نتكلم عند الأطباء في الطب، ومن أن نتكلم عند المهندسين في الهندسة ونحن لسنا من أهل الاختصاص، ألا نستحي من أن نقول على الله بغير علم؟! فهم يقولون على الله بغير علم.

стр. 17

نظرة في نسبة المدارس العقلانية إلى العقل المقدم: قد نأخذ بعض القضايا الأخرى بعد هذه المداخلة من الأستاذ الدكتور فهد بن عبد الرحمن الرومي عضو هيئة التدريس في كلية المعلمين بجامعة الملك سعود. مرحباً بكم دكتور. مداخلة: حياكم الله. أهلاً وسهلاً. المقدم: دكتور! أنتم من المهتمين بهذا الجانب، ولكم مؤلف بعنوان (منهج المدرسة العقلية الحديثة في تفسير القرآن)، ونود أن نستفيد منكم، فما هي أبرز معالم هذه المنهجية في التعامل مع نصوص القرآن الكريم؟ مداخلة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أولاً: أشكركم على تفضلكم باستضافتي في هذه الحلقة الطيبة مع فضيلة شيخنا الأستاذ الدكتور ناصر. الشيخ: الله يحييك يا دكتور فهد. مداخلة: وفرصة طيبة أن أسمع صوته، وكنت أود أني سمعت الحلقة، لكن لا يتسنى لي أن أسمع هذا البرنامج. مداخلة: الإعادة إن شاء الله. مداخلة: إن شاء الله، ولكن علمت أن الحديث فيها عما يسمى بالمدرسة العقلية، والحقيقة -كما يقال- أن كل الصيد في جوف الفراء، ففضيلة الشيخ من المتخصصين والخبراء في مناهج هذه المدرسة، وقد أتعرض لنقاط أخشى أن يكون تناولها جزاه الله خيراً. الشيخ: موضوع التفسير -يا دكتور فهد - ما تناولناه، فمنهجهم في التفسير ما تناولناه بالتفصيل. مداخلة: الحقيقة أنها متداخلة. الشيخ: هو موضوعك على أي حال، فأنت فارس الحلبة في هذا الموضوع. مداخلة: الله يكرمكم، لكن الحقيقة أن جميع القضايا متداخلة في المدرسة العقلية مع العقيدة ومع القرآن، والحديث عما يسمى بالمدرسة العقلية حديث متشعب؛ لأن المدرسة العقلية ينضوي تحتها فرق ونحل متعددة، منها ما يتسع له رداء الإسلام، ومنها ما نستطيع أن نقول فيه: إنه خرَقَ رداء الإسلام أو خرج عنه ومنه. لكن أود أن أنبه إلى أمرين: أولهما: أن في تسميتها بالمدرسة العقلية تجوزاً، فهي في الحقيقة عن العقل نائية، والعقل كل العقل لا يخرج عما ورد في الوحيين، كيف والنصوص الشرعية نفسها -وهي كثيرة، سواء أكانت قرآنية أم نبوية- تدعو إلى التعقل؟! وورد في نحو أربع وعشرين آية تقريباً يردُ الأمر فيها بالعقل: ((لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ))، فضلاً عن الألفاظ المرادفة لها من الأمر التفكر والتدبر. الشيخ: والنظر. مداخلة: والتفقه والتعلم والنظر إلخ. فالعقل -في الحقيقة- والعقلانية في أحكام الشريعة الإسلامية، وليس في الخروج عنها. المقدم: اسمح لي -دكتور فهد - أن أسألك في صلب الموضوع: ما هي أبرز معالمهم في النظر إلى النصوص الشرعية في تفسير القرآن الكريم؟ مداخلة: أنا أريد أن أصل من هذا إلى الأمر الثاني وهو أن أقرب التسميات لهذه المدرسة في رأيي ليس هو المدرسة العقلية؛ لأنهم يرون النصوص تعارض أو تخالف ما ألفته عقولهم عادة، فهم أصحاب مدرسة -إن صحت التسمية- اعتيادية؛ لأنهم ينكرون بمبادئهم ومقاييسهم ما يخالف ما ما ألِفته عقولهم من العادة، ويقدمونها على حقائق الشريعة. لأن عقولهم القاصرة لم تستوعب مخالفة ما اعتادته؛ فحسبوا أن ذلك حكماً عقلياً، والحقيقة أنه ليس حكماً عقلياً، بل هو حكم مخالفة العادة التي ألِفوها؛ ولهذا نراهم ينكرون المعجزات، والمعجزات لا تخالف العقل، لكنها خارقة للعادة، وليس هناك أمر شرعي أو حكم شرعي خارق للعقل.

стр. 18

ركوب مسالك التأويل للنصوص بما يوافق العادة سمة المدرسة العقلانية المقدم: دكتور فهد! كيف ينظرون للنصوص؟ مداخلة: النصوص يوظفونها على حسب ما يرونه، أو ما اعتادوه أيضاً، فإن كانت النصوص الشرعية فيها أمر ينبئ عن خرق للعادة؛ وظفوها على حسب معتقداتهم فأولوها؛ ولهذا ينكرون الجن؛ لأنهم لا يرونهم عادة، وينكرون الملائكة، أو يؤولون وجود الملائكة بأشياء اعتادوها وألفوها، كالجراثيم والميكروبات مثلاً، ويؤولون الجن بأرواح يزعمونها، وينكرون بعض الخوارق ويؤولونها بما لا تصبح به خارقة. المقدم: هذه هي الوسيلة الوحيدة عندهم في التأويل فقط؟ مداخلة: هذا الذي أراه، وهو أن كل ما يرونه مخالفاً لما اعتادوه وألفوه يؤولونه بما يناسب القاعدة الأصل عندهم، وهو مخالفة العادة. فالخوارق الواردة في القرآن أو السنة يتأولونها بما يخرجها عن مخالفة العادة، وهذه قاعدة كبيرة جداً؛ لأن كثيراً من النصوص الشرعية -كالواردة في شأن السحر- قد ينكرونه؛ لأنهم ما اعتادوه أو ما ألِفوه، أو لا تؤمن به عقولهم، فيؤولونه بما يوافق المعتقدات الحديثة. المقدم: كأنك تشير -دكتور- إلى أن من أبرز القضايا التي عندهم في التعامل مع النصوص: مسألة التأويل والتحريف، أعني تحريف النص عن ظاهره. كان معنا الأستاذ الدكتور فهد بن عبد الرحمن الرومي عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين بجامعة الملك سعود. شكراً لك دكتور فهد. أشار الدكتور إشارة سريعة إلى مسألة تأويل النصوص، وأن بعضهم قد ينكر الأمور الغيبية، مثل الجن، كالفلاسفة وغيرهم، ونعود إليكم دكتور ناصر. أخذنا بعض المعالم الأخرى لمنهج أولئك العقلانيين؟ الشيخ: أولاً: أنا أؤكد على ما قاله أخي وزميلي الدكتور فهد، وهو -في الحقيقة- يشاركني في هذا التخصص؛ لأنه صاحب كتاب (المدرسة العقلية في التفسير) كما أشرت، وله باع في هذا، ويعتبر كتابه مرجعاً في هذا التخصص. فما أشار إليه من أن أصحاب هذه الاتجاهات العقلانية ألفوا أشياء من العوائد صحيح، لكن أحب أن أنبه على أمر، وهو أن الدكتور فهد لا يقصد بالعوائد العادات الأخلاقية فقط، بل يقصد بالعوائد: ما اعتادوه من الأفكار، وما اعتادوه من الطروحات، وما اعتادوه من أنواع الثقافة. فأنماط الثقافة التي تلقوها أصبحت عندهم راسخة في أذهانهم وكأنها عوائد فكرية وعوائد ثقافية، كما أن هناك عوائد عملية موروثة، فهذا صحيح، وأنا أوافق الدكتور عليه. المقدم: وجعلوا هذه العوائد كالقواطع العقلية. الشيخ: نعم؛ لأنها ترسخت في أذهانهم، وليس عندهم موازين، والذي ليس عنده موازين يمتلأ عقله وفكره بأي وافد، وإلا فلماذا نجد جماهير عباد الأصنام من العامة قد تشبعوا بما ينافي عقولهم من عبادة الحيوانات وعبادة أشياء حقيرة نسأل الله السلامة ما أحب أن أسميها، وأعود إلى ما ذكرته.

стр. 19

الجهل بالفرق بين الثوابت والاجتهاديات معلم للمنهج العقلاني فمن جهلهم المطبق: عدم التفريق بين الثوابت والاجتهاديات، ودعني أشير إلى أمر؛ لأننا نرجو أن يكون هذا الحديث معالجة لواقع؛ فليس هؤلاء العقلانيون فحسب هم الذين يجهلون التفريق بين ثوابت الحق وبين الاجتهاديات، بل يوجد من يجهل هذا من بعض المنتسبين للعلم بسبب التأثيرات الثقافية الوافدة، وهذا الزخم من التشكيك وضرب العقيدة وضرب المسلَّمات، فأثر ذلك حتى على بعض طلاب العلم الشرعيين. وأحياناً أسمع من يستشكل في الثوابت، وإلى أي حد تكون الثوابت، وهل هناك ثوابت مختلف فيها. وهذا خطير من قبل من عندهم إلمام بالعلم الشرعي، أما عامة الناس فقد يحدث منهم هذا الاشتباه. المقدم: بعض الناس قد يتساءل فعلاً: ما هو ضابط هذه الثوابت؟ الشيخ: الثوابت: هي القطعيات التي تمثل أركان الإيمان وأركان الإسلام؛ هذا أولاً. ثانياً: ما ثبت بنص قطعي من أمور الغيب؛ لأن أمور الغيب ليست قابلة للتفسيرات، فهي غيب، ولو كانت قابلة للتفسيرات والنظر ما صارت غيباً، ولما امتدح الله المؤمنين بالغيب. الأمر الثالث: قطعيات الأحكام، أعني كون الربا حراماً، والغيبة حراماً، والكذب والغدر واستحلال الدماء حراماً، وكون الزنا حراماً، وكذلك السرقة؛ أليست هذه قطعيات؟! فهي ثوابت إذاً، وليست محل شك، نعم قد يكون المتغير هو بعض أحكامها، وبعض تطبيقاتها. أيضاً: ما يتعلق بالثوابت العملية للدين، أعني مناهج الدين الكبرى، مثل: الجهاد بشروطه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشروطه، والولاء والبراء، ومحبة ما يحبه الله ورسوله ﷺ ، وبغض ما يبغضه الله ورسوله ﷺ . فهذه ثوابت، ولكن قد يتفرع عنها بعض الأصول التي هي محل شك؛ لأن نصوصها لم تثبت. المقدم: ومحل خلاف. الشيخ: ومحل خلاف، وكذلك الأحكام العملية المنبثقة عن هذه الأصول، ومنها الأحكام التفصيلية، الأحكام الشرعية التي تسمى مفردات الشريعة، فهذه اجتهاديات. إذاً: الثوابت واضحة، وهم لا يفرقون بين الثوابت في الأشياء.

стр. 20

أهمية إيجاد الرقابة الشرعية على وسائل الإعلام المقدم: ألا توجد رقابة في بلد مثل هذا البلد؟ الشيخ: إنه يجب أن يكون لكل مسلم رقابة من ذاته، وإذا كنا نضطر إلى رقابة السلطة أو رقابة المجتمع فهذا إجراء -في الحقيقة- احتياطي في درجة ثانية. فيجب أولاً أن نناصح هؤلاء القائمين على بعض المقالات وبعض الزوايا في الصحف، ليس كلهم كذلك، نعلم أن فيهم أخيار، ولذا يجب أن ننصف، ففيهم أخيار، وفيهم أناس ليسوا ممن نصفهم بأنهم ضد الاتجاه الشرعي، لكن يوجد من يخطئ أو يزل، ويوجد نفوذ لبعض أصحاب الاتجاهات العقلانية من خلال شعارات معينة. فأنا أقول: يجب أن نعود الناس على أن يكون عندهم رقابة ذاتية، وأن نناصح هؤلاء، وأن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر بما نستطيع، فهؤلاء كلهم من أبناء جلدتنا وبين ظهرانينا، فمنهم أقارب ومنهم جيران ومنهم من نعرفه ومن لا نعرفه، وسائل الاتصال متاحة، فيجب يا إخوان -وأقول ذلك لجميع الإخوة- أن نناصح هؤلاء ونبين لهم وجه الحق. وهنا رسالة أعتبرها نصيحة لمن ولاه الله أمر المسلمين، والدين النصيحة، ولعل هذه الرسالة تصل -إن شاء الله- إلى المسئولين، ونحسبهم من الحريصين، وهم الذين حفظ الله بهم ثوابت الأمة، فنسأل الله أن يوفقهم ويسددهم، فهذه الدولة المباركة فيها حرص على الخير، ودستورها ونظامها يقوم على هذه الثوابت كما هو معلوم، لكن قد يغفل الرقيب، قد يكون هناك شيء من الأمور ليس بواضح، وهذه الرسالة هي: أن يكون لكل صحيفة مراقب شرعي على المستوى المطلوب، وقبل هذا يجب على القائمين على الصحف أن يتقوا الله .

стр. 21

حقيقة الخلاف المعتبر المقدم: هل هناك بعض المعالم التي تريد ذكرها في نهاية الحلقة؟ الشيخ: نعم، لعلي الآن أفرع على المعْلَم السابق، وهو أنهم لما جهلوا أصول الدين، وجهلوا أصول العقيدة العلمية والاعتقادية والقولية؛ تجرءوا على الثوابت، فإذا حدثت بعضهم أحياناً بشيء من تلك الأصول يقول: هذا ليس من الثوابت، هذا مما يختلف فيه، والناس يختلفون، والبشرية تختلف. وكلمة (تختلف) و (يختلفون)، من الكلمات الفضفاضة، وغالباً ما تستعمل على غير وجهها، وليس كل اختلاف معتبر؛ فالناس اختلفوا في ربهم ، فهل اختلاف الناس في ربهم معتبر عند أي عاقل يحترم نفسه؟! إذاً: الاختلاف الذي يقوم على منهج علمي وشرعي وعقلي ومنهجي وموضوعي هو المعتبر، أما أن نأخذ بكل هذيان؛ فهذه مصيبة تهدم الدين والدنيا.

стр. 22

دعوة لتلقي الثقافة من منابعها الصافية المقدم: نرى من هؤلاء العقلانيين التنكر للتراث الإسلامي، ومحاولة تجاهل هذا التراث. الشيخ: هذه مسألة ستأتي، ولكنها مناسبة الآن، فأقول: كل إناء بما فيه ينضح، فأي شاب مسلم ينشأ في أول حياته العلمية على استقاء ثقافته من المشارب غير الصافية -خاصة في الدين- فإنه من الطبيعي أن يتشبع بهذه المشارب، فمن أين جاءت هذه التوجهات؟ أجاءت من فراغ؟ لا، لم تأت من فراغ، بل جاءت من المشارب غير الصافية، ولذلك أذكر بالنهج الشرعي الذي رسمه النبي ﷺ للصحابة، ورسمه للأمة، ثم منهج السلف، فعلى الشاب المبتدئ في طلب العلم -حتى لو لم يكن تخصصه شرعاً- ألا يتلقى الدين والثقافة والفكر من غير المصادر النقية ابتداءً قبل أن يتشبع من المصادر النقية، ثم بعد ذلك لا مانع من أن يوازن، ولكن بقدر أيضاً. لقد غضب النبي ﷺ على عمر ﵁ -وهو الفقيه العالم- حينما رأى معه صحيفة من التوراة؛ ذلك لأن القرآن كان يتنزل، وكانت الأمة بحاجة إلى أن تستقي ثقافتها في الدين من المنابع الصافية. المقدم: طيب. أنكر على عمر. الشيخ: أنكر على عمر ذلك الفقيه العالم الذي هو الفاروق ﵁، ولم ينكر فحسب، بل غضب عليه غضباً شديداً، لماذا؟ لأن التوراة حرفت ولم تعد نقية، فكيف بغيرها، كالكتب التي أصبحت الآن مشاعة بكل الوسائل لكل الناس مع الأسف؟!

стр. 23

معالم بارزة للمنهج العقلاني المقدم: هل هناك بعض المعالم التي تريد أن تذكرها؟ الشيخ: سأذكر أشياء رئيسة، ولا بد من أن نفصلها في حلقة قادمة: فمن الأشياء المهمة: أنهم يسعون إلى إسقاط المرجعية الإسلامية بالكلام في العلماء وذمهم، بل الجفاء العملي والواقعي للعلماء، والجرأة في الرد على العلماء، والتطاول عليهم، فالآن إذا نظرت إلى الذين يردون على بعض أعضاء هيئة كبار العلماء أو من في مقامهم في الصحف؛ ستدهم غير أكفاء لهم، ولا قريبين من ذلك، لا في القدر والعلم فحسب، بل حتى في المقدرة المنهجية على التصدي للقضايا. ومن الأشياء المهمة: ما نسميه الانتقائية، أو الانحراف في الاستدلال في القضايا التي يطعنون بها في السنة، فهناك انتقائية بنوع من تحكيم الشهوات، وتلمس الشواذ والغرائب من الأحكام، فيجعلونها أصلاً، ويتناسون القضايا الأساسية والمنهج. ومن الأشياء المهمة: إخضاع الثوابت وأصول الاعتقاد للأهواء والأمزجة. ومن ذلك: تمييع الدين، ومحاولة عزله عن الحياة. ومن ذلك: التذرع بالشعارات الخادعة: التحرير، والتطوير، والتنوير، والحداثة، والعصرانية، والتجرد العلمي الموضوعي. وإذا حققنا في الأمر وجدنا أنهم أبعد الناس في الجملة عن هذه الشعارات وهذه الحقائق. وهناك أيضاً شعار جديد موهوا به على شبابنا، وهو ما يسمونه بالرأي والرأي الآخر. فيجب عليهم أن يفهموا أن الرأي والرأي الآخر معتبر بشروط، ومن ذلك أن يكون صاحب الرأي ممن تحققت فيه شروط الاجتهاد، ثم أن يكون الرأي والرأي الآخر في الاجتهاديات إذا كان عنده قدرة. أما في الثوابت والمسلَّمات ومصالح الأمة العظمى، وما يحفظ للأمة دينها وأمنها ويجمع شملها على ولاتها وعلى علمائها؛ فليس هناك رأي ورأي آخر. المقدم: الحقيقة أن الحديث معك ممتع وشيق، ونعتذر للأخ المشاهد من أننا سنستكمل هذه المسائل الحساسة والهامة في الحلقة القادمة. وهناك عناصر أخرى حول الاتجاهات العقلانية المعاصرة سنناقشها مع الأستاذ الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل أستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ومن أراد في الحلقات القادمة أن يشارك بمداخلة أو اقتراح أو اقتراح أو تفريع على هذا العنوان أو العناوين الأخرى التي سنناقشها؛ فالمرجو منه أن يكون منه تواصل في منتديات الصفوة، في النافذة التي خصصت لبرنامج حراسة العقيدة. وإلى أن نلتقي بكم في حلقة قادمة نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 24

الاتجاهات العقلانية المعاصرة أصولها ومناهجها [٢] يعتبر الحديث عن الاتجاهات العقلانية لتفنيدها أمراً مهماً لا يسع الغيورين من أبناء الإسلام إغفاله، إذ إن هذه الاتجاهات قد جعلت مسارها التشكيك في ثوابت الشريعة وهز عمود الاعتقاد، آخذة في ذلك جملة من الوسائل من أبرزها الجرأة على العلماء والسعي إلى إسقاطهم، وتنحية المرجعية الشرعية جانباً، مع ما عليه أغلب أصحابها من قلة البصيرة بالدين والجهل بأصوله، وضعف التدين والسعي وراء الشهوات.

стр. 25

الموقف من إثراء الحديث عن الاتجاهات العقلانية المقدم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامجكم: حراسة العقيدة. (الاتجاهات العقلانية المعاصرة أصولها ومناهجها) هو موضوعنا في هذه الليلة من برنامج حراسة العقيدة مع الأستاذ الدكتور/ ناصر بن عبد الكريم العقل أستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. أهلاً بكم شيخ ناصر! الشيخ: أهلاً بكم وبالمشاهدين. المقدم: أرحب بكم -مشاهدينا الكرام- مرة أخرى، ونتمنى منكم جميعاً المشاركة في إطار الموضوع الذي سنناقشه: الاتجاهات العقلانية أصولها ومناهجها. شيخ ناصر! تحدثنا في بداية حلقة (الاتجاهات العقلانية المعاصرة أصولها ومناهجها) عن بعض المسائل الأساسية، وأخذنا بعض المناهج العامة في ذلك. وقبل أن نطرق هذا الموضوع أشير إلى أنه من خلال منتديات الصفوة في الإنترنت في نافذة حراسة العقيدة طرح بعض الإخوة طرحين مختلفين في إطار فكرة هذا البرنامج. فمنهم من يقول: حاولوا أن تخففوا من المصطلحات الفلسفية والكلامية والعقلانية، وآخر يقول: الأمة ابتليت بهذه المصطلحات؛ فلا بد من مناقشتها، فما رأيكم فضيلة الشيخ؟ الشيخ: الخلاف في مثل هذه الأمور أمر عادي، لكن هذه الأمور ينبغي أن يراعى فيها رأي المتخصصين، وأنا -من وجهة نظري بوضعي متخصصاً في هذا الموضوع- أرى أنها من الأهمية بمكان؛ لعدة اعتبارات: أهمها: أن هذه القضايا أصبحت الآن قضايا ساخنة ومؤثرة، وقضايا تتسبب في التشويش على أذهان الأجيال. بل أقول وأنا جازم: إنه ذهب ضحيتها من أبنائنا ومن مثقفينا ومفكرينا عدد لا يستهان به، فركبوا موجة هذا التوجه الذي يصادم بعضه الدين، وبعضه يخل بالدين عن حسن نية في الغالب، لكن لشدة ضخ مثل هذه الأمور والمصطلحات والمفاهيم والنظريات أصبحت مؤثرة؛ حتى هزت ثوابت الكثير من الناس. فمن هنا أصبح طرحها ضرورياً، مع أنه قد يكون محرجاً للكثير، أو ربما يكون صعباً عليهم تناوله وفهمه. الأمر الثاني: أننا الآن في برنامج متخصص، وهو القناة العلمية، فهذا نوع من التخصص يحتاج إليه طائفة كبيرة من شبابنا وطلاب العلم، فمن هنا نطرحه على من يهمهم الأمر، أو من يستفيدون منه، وربما يكون كثير من المشاهدين لا يستفيد كثيراً من هذا البرنامج، أو لا يستوعب قضاياه، فليعذرنا حين نتكلم في جانب تخصصي هو فريضة من فرائض الأمة اليوم.

стр. 26

قلة الفقه في الدين سمة ذوي المنهج العقلاني المقدم: دعنا -يا شيخ- الآن نشرع في مسألة مناهج العقلانيين العامة، فقد ذكرت في بداية الحلقات أن العقلانيين ليسوا على مرتبة واحدة، وأن المناهج قد تختلف من مدرسة إلى أخرى، ولكن هناك مناهج عامة تجمع هؤلاء القوم، فمن المناهج العامة أننا نلحظ في هؤلاء العقلانيين ضحالة المعرفة الإسلامية والثقافة الإسلامية والجهل بعلوم الشريعة. الشيخ: نعم، هذه سمة عامة فأغلبهم -بل المؤثرون فيهم الذين لهم القيادة في هذه الاتجاهات على اختلاف طوائفها وأطيافها- يغلب عليهم الجهل، لا أعني الجهل بمفردات المعلومات؛ لأن الجهل له مصطلح شرعي ومصطلح عام، فلا أقصد المصطلح العام، وإنما أقصد المصطلح الشرعي، وهو قلة الفقه في الدين. فهم لا يعرفون الأدلة، وإن عرفوها لا يفقهون منهج الاستدلال، وهذا نوع من الجهل، والجهل بالأصول والثوابت والقواعد أشد خطراً من الجهل بمفردات الشريعة؛ ولذلك نجد وضع عامة المسلمين الذين هم جهلة بتفصيلات الدين أو قضاياه الجزئية ليس بالخطير؛ لأنهم لا يتبنون أفكاراً ومبادئ وأصولاً ومناهج خطيرة. أما هؤلاء فجهلهم جهل مركب وهم لا يشعرون، فهم يعلمون بعض المفردات، وعندهم كمٌ من الثقافة، ولكن ليس عندهم ضوابط ومناهج شرعية تسلم بها ذممهم ويسلكون بها المنهج الذي يرضي الله ، ويحقق مصالح للعباد، وهو منهج الدين في تطبيقاته وأصوله. المقدم: ذكرت -يا شيخ- فرقاً مهماً بين الشخص الجاهل الذي لا يعلم مفردات الدين، وبين ذلك الجاهل جهلاً مركباً، ونحن بهذا الكلام نحاول أن نسهل هذه المعلومة أكثر، فما المقصود بالجاهل؟ وهل الجهل كله مذموم؟ الشيخ: الجهل كله مذموم، لكنه بالنسبة إلى الأفراد راجع إلى الاستطاعة والقدرة، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فالإنسان الذي مداركه بسيطة مداركه يسيرة لا نحمله ما لا يطيق؛ إذ لا يستطيع أن يعلم ما يعلمه من هو أعلى منه مداركاً، فالقادر على العلم الشرعي والتمكن فيه يختلف عن غير القادر، حتى لو كان عنده مقدرة ومواهب، ولكنه منشغل بأمور حياته ومنشغل بالقيام بواجبات الأمة في جوانب أخرى، فهذا يسعه أن يجهل كثيراً من أمور الدين ما عدا الضروريات، أعني ما يقوم به دينه، إذاً: هذا الجهل نسبي. وعلى هذا فإنا نقول: إن أصحاب الاتجاهات العقلية جهلة؛ لأنهم -أعني الرواد والرءوس من ذوي المواهب- أصحاب ذكاء وأصحاب مقدرات، فهؤلاء لا يعذرون في تركهم المسلك الصحيح في الفقه في الدين، فجهلهم جاء من حيث إنهم انحرفوا في تلقي الدين بأصوله الصحيحة. المقدم: بعضهم قد يقول: كيف تقولون: إن هؤلاء جهَّال وأحدهم قد يكون بروفسوراً في تخصص معين، ومنهم من كتب بعض الكتابات، أو ألف بعض الكتيبات حول مسائل دقيقة في الفقه، كالمرأة والصلاة، فكيف نجمع بين هذا وذاك؟ الشيخ: لأنه -كما قلت- قد لا يكونون جهلة بالمفهوم العام، فالجهل هنا شأنه كأي مصطلح من المصطلحات العامة، فله مفهوم شرعي، مثل العلم، فالعلم إذا أطلق في النصوص -كالأمر به وفضل طلبه- يقصد به العلم الشرعي، ومع ذلك سمى الله سائر العلوم بأنها علوم، لكنها علوم مقيدة. وكذلك الجهل، فالجهل أمر نسبي، فنقول: إن هؤلاء جهلة في الجانب المتعلق بأصول الدين وثوابته، وإلا فهم يدخلون غالباً تحت تصنيف المثقفين، فهم مثقفون، لكنهم من المنظور الشرعي -فيما يتعلق بموضوعنا- جهلة. وهذا وارد في النصوص، فلماذا سميت المراحل التي كانت قبل الإسلام بالجاهلية الأولى، وجاء بذلك ذكرها في القرآن والسنة، مع أن فيهم شعراء وفيهم أدباء وفيهم أفذاذاً في بعض التخصصات؟! ذلك أنهم جهلوا حقيقة الحياة كما أراد الله ، وجهلوا مناهج الدين التي تضبط الحياة، ولم يكونوا على دين يهذب عقولهم ويهذب عواطفهم، ويجعلهم على مسلك يرضي الله فسموا أهل الجاهلية.

стр. 27

منشأ جهل العقلانيين بالثقافة الإسلامية المقدم: جهل العقلانيين بالثقافة الإسلامية بمصادرها وبطريقة الاستدلال الصحيحة هل هو ناتج عن عدم قدرتهم على معرفة هذه العلوم من منابعها، أم ناتج عن أمور أخرى كالهوى وغير ذلك؟ الشيخ: الذي يظهر لي من خلال الاستقراء أن كل هذا موجود، حيث يوجد أصحاب ضلالة ولجوا علينا من هذه المداخل، وأرادوا أن يفصلوا أجيالنا عن حقيقة النهج السليم، وهناك أناس أصحاب أمزجة شخصية وآراء شخصية، وربما لا يدركون خطر ما هم عليه، وهناك أناس أيضاً لهم أهواء ورغبات معينة، ولو لم يكونوا أصحاب مذاهب واتجاهات، فهذه التوجهات هي خليط، وينبغي أن نفهم أنه ليس همنا في مثل هذا التأصيل الدخول في المقاصد والنيات، فنحن نحكم على الآثار وعلى المناهج الظاهرة التي لها أثر بالغ على الأمة، وأما مقاصد الأشخاص وتوجهاتهم فهذا أمر لا ندخل فيه. المقدم: ولا نحكم على الأعيان. الشيخ: لا نحكم حتى لو كانت لنا قرائن معينة، فبعضهم قد يدان من كلامه، ولكن ليس هذا همنا، بل همنا أن نذكر الأصول والمناهج الحقة وما ينافيها، وأن نبين للناس هذه الأصول الخاطئة، وهذه المناهج الخاطئة؛ لتجنبها والحذر من شعاراتها الخادعة.

стр. 28

توجيه للمسلم في مورد منهله فيما يخص أمور دينه المقدم: قبل أن نخرج من هذه المسألة هل من رسالة من الدكتور ناصر العقل إلى المشاهد الكريم يعرف من خلالها من أين يستقي هذا العلم وهذه الثقافة الإسلامية وهذه العقيدة وهذه الشريعة؟ هل يستقيها من كل أحد أم من أناس متخصصين؟ الشيخ: هذا أمر مهم جداً، فأقول: أولاً: يجب على المسلم في مقتبل حياته سواء أكان طالب علم أم غيره أن يعرف ثوابت دينه، والأساسيات التي بها يعتقد اعتقاداً صحيحاً، فيعرف ما يجب عليه تجاه ربه وتجاه الخلق. وأيضاً لا بد من أن يعرف فرائض الدين التي تجب على الفرد، أو تجب عليه بحسب موقعه ذكراً كان أو أنثى، صغيراً أو كبيراً، يجب عليه أن يتعلم أساسيات دينه في العقيدة وفي الأمور المطلوبة منه في جوانب الشريعة. فهذه كلها مصادرها الكتاب والسنة وما انبثق عن الكتاب والسنة بجهود العلماء أهل الذكر الذين قال الله فيهم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، ومن سؤال أهل الذكر قراءة ما يكتبون، وسماع ما يقولون لمن لم يتمكن من حضور دروس العلماء، أو لم يتمكن من أن يقرأ، فيسمع عبر الأشرطة والوسائل الأخرى. المهم أن العلم الشرعي الذي يحصن به المسلم نفسه وأمته ودينه هو الذي يؤخذ من مصادره النقية: الكتاب والسنة وعلومهما. وقد ينشأ السؤال هل هذا يعني أن المسلم لا يقرأ الكتب الأخرى؟ فنقول: هذا الكلام يحتاج إلى تفصيل قد سيأتي، إلا أننا نقول ابتداءً: يقرأ، لكن بعدما يحصن نفسه، وللقراءة ضوابط أيضاً، وإلا فلماذا غضب النبي ﷺ على عمر بن الخطاب ﵁ وهو من هو في فقهه وجلالة علمه؟! فقد غضب عليه لما رآه يقرأ صحيفة من التوراة؛ لأن هذا كان وقت تنزل الوحي، والتوراة مخلوطة بالحق والباطل، فهي محرفة ومنسوخة، فهي مصدر غير نقي. فمن هنا يجب على الإخوة أن يعرفوا أن هذه حقيقية حتمية، ومن ثوابت الدين، وهي أنه لا يؤخذ الدين إلا من مصادره النقية.

стр. 29

الانتقائية في النصوص الموافقة للهوى سمة ذوي المنهج العقلاني المقدم: هذا مظهر ومنهج عام عند أولئك، وهو ضعفهم في الثقافة الإسلامية، ولكن هناك منهج آخر عندهم وانحراف في الاستدلال، حيث نجد أن هؤلاء قد يحاولون أن ينظروا في هذه النصوص الشرعية وينتقون منها ما يوافق أهواءهم، وما يوافق الفكر الذي هم عليه، فهل هذا منهج مطرد عندهم؟ الشيخ: نعم، الانتقائية عندهم تنبني على النزعة بشرية في الإنسان، فأي إنسان يقرر في عقله وقلبه وفكره مقررات معينة يتبناها، سواء دان بها أم كانت أفكاراً له، وهؤلاء لا يدينون بدين غالباً، بل عندهم فكر، فيتبنون هذا الفكر، ويضعون القناعات ابتداءً، ثم إذا اطلعوا على النصوص الشرعية، أو اطلعوا على كلام العلماء، أو أرادوا أن يعالجوا واقع المسلمين؛ جعلوا ما عندهم من القناعات هو المرجع، فمن هنا يستدلون لها، مع أنهم يدعون التجرد العلمي، فهم ليسوا متجردين، بل أبعد الناس عن التجرد. فهم عندهم انتقائية في اختيار النص، وفي اختيار الشاهد، وفي اختيار المعلومة، بل حتى في الطرائق العلمية التي يسلكونها في الاستبانات وفي الدراسات، فعندهم نوع من خدمة الفكر السابق في نوعية الأسئلة التي يطرحونها. وقد رأيت بعض الباحثين من هذا الصنف له بعض النتائج حول قضية معينة تخالف الشرع، فرجعت إلى صيغة السؤال فوجدت أنه صاغ السؤال على المقررات التي في عقله، يريد أن يصل إليها من خلال السؤال، ومن خلال القارئ الذي قد يدري أو لا يدري أنها مبنية على الهوى. المقدم: وفيها احتيال على القارئ. الشيخ: نعم، فهم عندهم انتقائية، ولذلك يتبعون شواذ الأدلة وشواذ الشواهد.

стр. 30

منهج العقلانيين في نقد الحق ولعلي أقف على أبرز مظهر لهذا التوجه عند الاتجاهات العقلانية والليبراليين والعلمانيين ومن سلك سبيلهم، وهو نقدهم للحق الذي هو منهج الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، ومنهج أهل السنة والجماعة ومنهج علمائنا في هذا العصر، ومنهج الدعاة الراشدين. ففي نقدهم لهذا المنهج تجدهم يركزون على التقاط الاجتهادات الخاطئة، وعلى انتزاع المواقف التي لا تمثل الموقف الشرعي، بل إما أن تكون زلات علماء، وإما أن تكون اجتهادات خاطئة، وقد تكون أحياناً ممارسات ممن ينتسبون إلى الدين أو إلى أهل السنة والجماعة؛ ومما ينبغي أن يفهم أنه يجب ألا ندعي أننا في عصمة، فمنهجنا هو المعصوم؛ لأنه الحق، لا لأنه منهجنا، بل لأنه دين الله، فالمنهج معصوم، وأما نحن فلسنا معصومين، ولذلك إذا أخطأ عالم من علمائنا قديماً أو حديثاً، أو داعية من دعاتنا، أو أخطأ أحدنا فإنه يجب ألا ندافع عن خطئه؛ لأن أعداء الحق ينتقون مثل هذه التجاوزات أو التصرفات أو الأقوال أو المواقف، أو الفتاوى أو غيرها، فيحاسبوننا على أنها هي الأصل، وهم يعرفون أنها ليست هي الأصل، وأنا أعرف أن أكثرهم عنده خبرة في المنهج العلمي، أعني التجرد والموضوعية، لكن هذا مشربهم، فهو يتلقط الظواهر الخارجة عن المنهج فردية أو جماعية ويجعلها أصلاً، ويتناسى أن الأصل خلاف ذلك.

стр. 31

أسباب الانتقائية عند العقلانيين المقدم: هل الانتقائية عندهم في الاستدلال -دكتور ناصر - ناشئة عن جهل بالأدلة الأخرى التي تعارض أقوالهم أم عن علم سابق؟ الشيخ: كل هذه أسباب، فهم من النوع الذي لا يحيط بعموم الأدلة كالعلماء الراسخين، ولذلك يندر أن يكون فيهم عالم راسخ، وأقول: يندر لئلا يكون فيما لا أعلم، وإلا فلا أعلم في هؤلاء عالماً راسخاً. قد يكون فيهم عالم متخصص معين، وهذا هو سبب هلكته وغروره، أما أن يكون فيهم عالم راسخ شمولي فلا، فهم -إذاً- لا يحيطون بعموم الأدلة، ولا يحيطون بمنهج الاستدلال، وغالباً ما يأتون بأفكار سابقة كما قلت، وأي إنسان يأتي بفكر سابق أو رغبة معينة سابقة؛ فمن الطبيعي أن يفتن بالدليل؛ لأن حرصه على نوع معين من الاستدلال يكبله ويغلقه، كحال الغلاة، فالغلاة انغلقوا، فهم ينظرون من زاوية وهم لا يشعرون، فحشروا الأدلة مع فكرهم حشراً، ولذلك لا يأخذون بأدلة السعة، وأدلة الإعذار، وأدلة التيسير، ولا وجود لها في قواميسهم. المقدم: هذه الأدلة ماذا يصنعون بها؟ الشيخ: يتجاهلونها ويجهلونها، والله يعمي أبصارهم عنها، وهذا معنى إخبار النبي ﷺ بأن هؤلاء يمرقون من الدين، فهذا عمى البصيرة، ولذلك كنا نعرف بعضهم قبل أن يقع في هوى الغلو رجلاً منفتحاً على الرأي يناقش بحيوية وأريحية، تجده يتبصر، ولا يستعجل، وعنده نوع من الهدوء والسكينة، فما أن دخله الغلو حتى أصبح عدوانياً شرساً مغلقاً، يغضب لمجرد أن تأتيه بدليل يحرجه ويخرج من سمته، فما هو ذاك الرجل الذي كنت تعرف فيه سعة الصدر والحلم والتثبت وبراءة الذمة أبداً، وهم لا يشعرون، هم أتوا من قبل شدة التدين، لا نقول: ليسوا متدينين، بل هلكوا من شدة التدين، فهذا مثال على هذه المسألة. وكذلك العكس؛ كي لا نظلم، فأصحاب المنهج الآخر هم أكثر ضيقاً من هؤلاء، لماذا؟ لأن هؤلاء الغلاة أمرهم بيِّن يعرفه العامي الذي هو على الفطرة، أما هؤلاء فأمرهم فيه تلبيس. المقدم: هؤلاء ينادون بالرأي والرأي الآخر. الشيخ: ينادون بالرأي الآخر وهم أكبر أعداء للرأي الآخر، ولكن بطريقة ملبسة مهذبة، مثلما نقول: هذا سارق مهذب، أو: كذاب مهذب. فأولئك الغلاة عندهم من البساطة والسذاجة، والعنف في طرح الرأي. أما هؤلاء فطرحهم غير مبني على التثبت، ولا قبول الرأي الآخر، ولكن يحتالون على نسف الرأي الآخر بالأساليب الخاطئة. المقدم: لا يواجهون الرأي الآخر مواجهة، إنما يحاولون أن يحتالوا عليه. الشيخ: نعم، وهذا منهج ذكره الله في كتابه وذكره النبي ﷺ ، وهو منهج المنافقين: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤]. المقدم: إذاً: عندهم خلل كبير في الاستدلال! الشيخ: نعم.

стр. 32

موقف العقلانيين من العلماء الراسخين ومن المرجعية الشرعية المقدم: ما هو موقف العقلانيين من العلماء الراسخين في العلم؟ وما هو موقفهم من المرجعية الشرعية لهؤلاء العلماء الذين يستدلون بالأدلة الشرعية ويأخذونها من منبعها الصحيح؟ الشيخ: هذا من أبرز وأوضح مواقفهم، وعامتهم ينتقصون العلماء انتقاصاً شديداً، ولأنهم أوتوا نوعاً من الفصاحة وحسن العرض، تجد عندهم شيئاً من المجاملة والمداراة للعلماء تخدع الآخرين، فكثير منهم لا يجرؤ على النقد الجارح للعلماء، لكنه يسقط العلماء بأساليب تعطي شيئاً من التفسير المرن من أجل أن يهربوا عندما يحاكموا. المقدم: ما الغرض من إسقاط العلماء؟ الشيخ: إن هؤلاء يرون الدين محصوراً في جانب معين من الحياة، فهم يسمون العلماء رجال الدين، وهذه التسمية غربية. المقدم: وهي تسمية خاطئة. الشيخ: نعم. وهي تنبع عن فهم الدين عند الغربيين، فالدين عند الغربيين دين محرف، وأيضاً جعلوه في زاوية معينة، فهذا المفهوم انتقل إلى العقلانيين، فتصوروا وتوهموا أن العلماء مهمتهم هي العبادات والمواريث والأحوال الشخصية، فإذاً: ينبغي ألا يتجاوزوا حدهم، هكذا تصوروا. ويرون أن العالم إذا تدخل في الاقتصاد وفي السياسة وفي جوانب الاجتماع وغيرها فقد تخطى وتجاوز حده. إذاً: هذا مفهوم أغلبهم، وهو مفهوم راسخ، ومن هنا ائت نظرتهم إلى العلماء، هذا شيء. الشيء الآخر: أن الإنسان إذا أشرب بهوى وضاق من التدين نظر إلى العالم نظرة المستثقل، فهم بطبيعتهم غالباً غير متدينين، وغير ملتزمين بالدين، تؤذيهم الاستقامة، فمن هنا كان من الطبيعي أن ينظروا إلى العالم نظرة الرجل الثقيل عليهم؛ لأن العالم هو قدوة المتدينين، والمتدينون عندهم لهم تجاههم تصور عجيب، كأنهم لا يعيشون بينهم.

стр. 33

نظرة العقلانيين إلى صلة الدين بالحياة المقدم: يقولون: لماذا يدخل العالم في أمور السياسة أو يدخل في أمور الاقتصاد، وينطلقون من منطلق أن العالم لا يعرف إلا الأدلة الشرعية والنصوص الشرعية، أو المعاملات التي وردت في الفقه الإسلامي، أما الاقتصاد العالمي والنظرة الشمولية فالعالم غير محيط بها. الشيخ: هذا شيء، شيء آخر قبل هذا ناتج عن نظرتهم إلى الدين نفسه، حيث يرون أن الدين لا علاقة له بكثير من شئون الحياة. المقدم: عجيب! الشيخ: نعم، هذا هو الأصل، لكنهم بين مقل ومكثر، فبعضهم يرى أن الدين لا بد من أن يحصر في الأحوال الشخصية فقط، ويصرحون بهذا. وبعضهم يقول: لا، الدين عبارة عن معان عامة مجملة، فهو فضائل وأخلاق، فالدين مجرد توصيات عامة تحكم الحياة، والتفاصيل نأخذها من أي مصدر، ونشرعها من عندنا. وطائفة أخرى تقول: الدين مقبول، ويدخل في جميع جوانب الحياة، لكن يجب أن نفسر الدين كما نشاء؛ وهؤلاء هم الطائفة الأكثر والأخطر. المقدم: أخطر من أي جهة يا شيخ؟ الشيخ: هم أخطر لأنهم يعترفون بأن الدين يدخل في جميع جوانب الحياة، وربما يطالبون بهذا، وقامت على أيديهم جماعات كبرى الآن، وتوجهات وأحزاب. المقدم: ويكون في رأيهم التلبيس على الناس؟! الشيخ: لا، فقد لا يقصدون التلبيس، لكن رأيهم ملبس، فهؤلاء يتحمسون للدين ويدعون إلى تطبيق الدين، لكن عندما تأتي إلى نظرتهم إلى التطبيق تجدهم يريدون أن يتنصلوا من كثير من أمور الدين الكبيرة، مثل الحدود، ومثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد.

стр. 34

نظرة العقلانيين إلى العلماء في ضوء الحضارة المعاصرة المقدم: لكن كيف نرد عليهم عندما يقولون: ما أدرى العالم بالسياسة، وما أدراه بالاقتصاد، وما أدراه بالمعاملات العالمية؟ الشيخ: هذه مسألة ذات جوانب متعددة، فهم أحياناً ينظرون إلى العلماء والمشايخ من خلال نماذج معينة قد يكون تخصصها أبعدها عن جوانب الحياة الأخرى، فيجعلون هذا النموذج من العلماء الذين ليس لهم تبصر في جوانب الحياة -وإن كانوا قلة- عندما يجيب أحدهم أو يتكلم لا يجيد عندهم، وربما كان هذا راجعاً إلى تقصيرهم؛ لأنهم لا يحسنون العرض على العالم، هذا جانب. الجانب الآخر: أنهم يرون أن العلماء يجب عليهم أن يحلوا جميع المشكلات الجزئية في التخصصات، وهذا خطأ، فليس على العالم أن يدخل في كل تخصص، وأن يكون أسبق إليه، فالعالم ما هو إلا عبارة عن مرجع يقدم له أهل الاختصاص ما عندهم من علوم بأسلوب يتناسب مع القواعد الشرعية. المقدم: هذه نقطة مهمة نود أن توضحها يا شيخ. الشيخ: نعم، هذه مسألة يمثلها -مثلاً- المجمع الفقهي، فالمجمع الفقهي الآن يمثل علماء العالم الإسلامي تقريباً، وهو يعتبر نموذجاً تقوم به الحجة على العلمانيين وأمثالهم؛ لأنهم ما خدموه، ولو خدموه لأبدع وحل أكثر النوازل، بل كل النوازل المعاصرة. فالمجمع العلمي تعرض عليه أي قضية معاصرة ليست من اختصاص علماء الفقه وعلماء العقيدة، فيرجعون فيها إلى المتخصص، فيعرض وجهة نظره، ثم يحكمون على ضوء هذا العرض. المقدم: سواء أكانت مسألة اقتصادية أم مسألة طبية أم غير ذلك؟ الشيخ: أي مسألة طبية أو اقتصادية، وفي أي علم من العلوم في الأرض والآفاق. المقدم: إذاً: العلماء يحترمون التخصص؟ الشيخ: نعم، العلماء يخدمون التخصص، لكن هذا العلماني لا يريد أن يعرض عليهم كل شيء، ولذلك يكبلون المؤسسات الدينية، فالعلمانيون في جميع العالم الإسلامي يحولون بين العالم وبين أن يكون عنده مؤسسة دينية تخدمه، فلا يوفرون له الوسائل؛ لأنهم يدعون أن العلماء عندهم قصور في استخدام الوسائل، وهل الطبيب يستطيع أن يوفر وسائل الطب وحده؟ المقدم: أبداً. الشيخ: إن الدولة والمؤسسات العلمية والثقافية هي التي توفر له ذلك، أليس كذلك؟ المقدم: بلى! الشيخ: إن هذه المؤسسات ما وفرت للعالم الآلية التي تجعله يقدم اجتهاده في كل قضية. وبعضهم يعرف هذا ولا يريده، وبعضهم لا يعرفه، يظن أن العالم لا بد له من أن يكون طبيباً ومهندساً وكيميائياً وفيزيائياً، وهذا ليس بصحيح. فإذا كنت صاحب الاختصاص فلا بد من أن ترجع باختصاصك إلى العالم لتجد عنده الجواب، وإذا ما وجدت الجواب عن واحد ستجده عند مجموعة؛ ولذلك فالقضايا المعاصرة إذا كانت كبيرة لا تحل غالباً عن طريق عالم واحد، بل يحلها العلماء الراسخون مع المختصين. وهذا الموضوع مهم جداً وإن كانت مناسبته بعيدة، وأنا أرى أنه من الأشياء التي ينبغي أن يفهمها المشاهد، وأرجو أن يسمعني كثير من طلاب العلم ومن المسلمين الذين يهمهم أمر الأمة. إنه يجب علينا أن نسعى إلى توفير الوسائل والتقنيات الحديثة لمراكز العلم والعلماء، مثل هيئة كبار العلماء، ومثل المجمع الفقهي، ومثل المؤسسات التي بدأت الآن تجمع فقهاء الأمة عبر مؤسسات علمية وإعلامية وثقافية ومراكز بحوث بدأت تظهر ولله الحمد، فهذه المنظومة من المؤسسات المتنوعة يجب علينا أن نتوجه إلى أن نعرض من خلالها مشاكلنا على العلماء؛ لنقطع الخط، ونقطع ألسنة هؤلاء المتقولين الذين يزعمون أن العلماء لم يعد لهم دور إلا الدور الهامشي، كما صرح به بعض رءوسهم اليوم.

стр. 35

هجوم العقلانيين على العلماء وجرأتهم عليهم والموقف المطلوب إزاء ذلك المقدم: من وسائل إسقاطهم للعلماء أن العالم لو رد على أحد منهم في صحيفة أو في كتاب أو في موقع إنترنت نجد أنهم يردون على هذا العالم جماعات وفرادى، وقد يكون منهم أشخاص مشهورون، أو أناس نكرات لا يعرفون، أليس في هذا تهجم على العالم ومحاولة إسقاط له؟ الشيخ: بلى! فهذه -والله- معضلة كبيرة، وأنا أناشد المسئولين عن الإعلام في بلادنا وفي جميع البلاد الإسلامية، فكما شرعوا أنظمة تحمي الإعلامي والصحفي وتحمي حتى بعض الحيوانات، عليهم أن يسعوا إلى حماية مرجعية الأمة؛ لأن هذا من الثوابت الضرورية، فإذا كانوا يقولون: نخشى من خلل الأمن من خلال الغلو، أو نخشى من خلل انفلات الأمة وتفرقها؛ فإن من أعظم أسباب الفرقة المعلومة اليقينية شرعاً وواقعاً حجب الأجيال عن مرجعيتها. ومن ذلك أيضاً جرأة بعض الكتاب على العلماء الكبار بأسلوب غير مؤدب، ونحن لا نقصد الرأي والرأي الآخر في الاجتهاديات، بل نقصد الجرأة على الطرح بأسلوب يستنقص قدر العلماء، مع أنه لو كان هذا الاستنقاص لمفكر كبير من العلمانيين لأقاموا الدنيا ولم يقعدوها. المقدم: صحيح. الشيخ: فعندما يعرِّض شخص بـ طه حسين وله زلات كبرى، أو يعرض -مثلاً- بـ محمد عبده وله زلات كبرى -غفر الله لنا ولهم- يقيم هؤلاء الدنيا ولا يقعدونها. وعندما يُتعرض لعالم -تحتاج إليه الأمة اليوم أكثر من أي وقت مضى- لا نجد من يحميه، فلا الصحافة ترشد هؤلاء، ولا وسائل الإعلام، بل تجرئهم وتشجعهم. المقدم: وأحياناً قد يكون ذلك وسيلة لابتزاز أموال الناس وشراء الصحيفة؛ لأنه يهجم على الشخصية الفلانية أو العالم الفلاني. الشيخ: هذا من الأساليب أو من الأسباب، لكن ليس هو السبب الأساسي. إن لهم أشياء مقننة لا يتخطونها، فكيف يتخطون هذا الثابت من الثوابت؟! وأنا أقول: كل أمة من الأمم الآن تحمي علماءها، فكيف وديننا يأمرنا باحترام العلماء؛ لأنهم ورثة الأنبياء، وأهل الذكر، ومرجع الأمة، وهم مع الولاة بعد الله صمام الأمان؟! المقدم: صحيح، فكما يحرص أولئك الإعلاميون على أن لا يمس الحكام وولاة الأمر بسوء، عليهم أن يحرصوا على أن لا يمس العلماء بسوء. الشيخ: حتى رموزهم لا يمسون إلا بطرائق معينة، فهم الآن يغربلون -فيما أعلم- ما يرد ضد رموزهم، فلماذا هذا وحقوق العلماء أكبر من كل ذلك؟! المقدم: صحيح.

стр. 36

نظرة العقلانيين إلى ثوابت الدين إذاً: واضح موقفهم من المرجعية الشرعية، ومحاولة إسقاطها، لكن يأتينا سؤال آخر: هل لهم موقف واضح من ثوابت الإسلام وأصول الاعتقاد؟ الشيخ: كل كلامنا حول هذا الموضوع، وقد يطول الكلام في هذا، لكن المستقرئ لتراث أو إنتاج هؤلاء العلمي يدرك ذلك، وقد تذهب الكلمات العابرة، والمشاركات العابرة في الفضائيات أو في غيرها قد تكون نتيجة ارتجالات، ولكن سنحاكمهم إلى الكتب والمقالات والبحوث. فسنجد -إذا نظرنا إلى مجموع ما يكتبون وما يقولون وما يبحثون وما يطرحونه طرحاً جاداً- أنهم يرون أن جميع ثوابت الدين ليست ثوابت؛ بمعنى أنها قابلة للنظر. المقدم: كأنها متغيرات عندهم. الشيخ: قابلة للنقاش. الشبهة الثانية -وهي الأخطر: أنهم يزعمون أو بعضهم أو كبارهم- أنه لا شيء هناك يتفق عليه، وأخص بذلك الحداثيين، فالحداثيون يزعمون أن كل شيء متغير، وأن الثوابت هذه ما هي إلا تقارير وأوهام وأساطير التاريخ. وهذا ناتج عن زيغ إن كان متعمداً، أو عن جهل مطبق ولذلك قلت: هؤلاء أغلبهم من أصحاب الجهل المركب؛ لأن المرء منهم جاهل ولا يدري أنه جاهل بالدين. إذاً: هم يقولون: مساحة الثوابت غير مستقرة، وهذا فهم خاطئ، فنحن نقصد بالثوابت الأمور المستقرة الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. وإن اتسع وقت المستقبل -إن شاء الله- فسأسرد نماذج الثوابت التي لا خلاف عليها؛ لأجل أن يفهم أني لا أتكلم من فراغ. المقدم: حتى لا يقال: يتكلم عن علم ولا يعرفه. الشيخ: مثلاً: أركان الإيمان، فهم عندهم شك في بعض أركان الإيمان، فيخوضون في القدر وينكرونه. وعندهم شك في مسألة النبوة والوحي، فالوحي يهدمونه هدماً، وأصلحهم -إن صح التعبير- ممن أعرف من الكبار يقول: الوحي عرفان يجده الشخص من نفسه، وقد لا يُفهَم هذا الكلام بدقة، لكن قصدي أنه يرى أن الوحي صادر عن بشر، وهذا من كبارهم ومن مراجعهم في العصر الحديث. الأمر الآخر: أنهم يكثرون الشكوك حول الثوابت، فبعضهم قد لا يستطيع أن يهدم، ولكنَّه يشكك، ويدخل في محارات الأمور المعضلة حول الثوابت ليثير الشبهات.

стр. 37

أنموذج الحدود شاهد على تجاوز العقلانيين لثوابت الدين المقدم: لو أخذنا مثالاً حتى يتضح كيف يحاولون أن يشككوا في هذه الثوابت. الشيخ: مثل الحدود، أليست من ثوابت الدين؟ المقدم: بلى! الشيخ: أغلبية العلمانيين لا يطيقون مجرد أن تتكلم عن الحدود، فكيف تكون ثابتاً من الثوابت عندهم؟! ولا يتصورون أن الحدود تصلح في هذا العصر؛ ولذلك عطلت في أكثر البلاد الإسلامية، وأما في بلادنا -ولله الحمد- فلا تزال قائمة، وأنا أسأل الله أن يثبت ولاتنا على هذا المنهج، وأنا أعرف أن الدولة -وفقها الله لكل خير- تلقى من المضايقات والهجوم الشيء الذي تحمد على الصبر عليه، فقد صبرت وصابرت ولا تزال تدافع، وبدلاً من هذه الأقلام التي تسلط على الحدود نحتاج إلى هذه الأقلام التي تدافع عن الشرع وعن الحدود. فهم لا يستسيغون الحدود، ويرون أنها من الأمور التي طبقت في عهد من العهود الإسلامية ولا تصلح في هذا العصر؛ فلذلك سموا بالعصرانيين. المقدم: من أنكر حداً من الحدود فما حكمه يا شيخ؟ الشيخ: الحدود الثابتة لا شك في أن إنكارها. المقدم: إذاً: هم على خطر عظيم، فهي مسألة إسلام أو كفر. الشيخ: هذه من الأمور التي ليست محل خلاف، ولئلا يلتبس الأمر علينا، يجب أن نعرف أن الكفر كفران: كفر لا مجال للنقاش فيه؛ ككفر من لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وككفر إنكار الثوابت، ومنها الحدود، وهناك كفر هو محل خلاف. فأغلب صور الكفر هي محل خلاف، وكفر دون كفر. إذاً: فإنكار حد من حدود الله كفر لا شك فيه، وهذا محل إجماع بين العلماء المعتبرين.

стр. 38

نظرة العقلانيين إلى الوحي والنبوة المقدم: لكننا نلحظ في موقفهم من القرآن الكريم هم لا ينكرون القرآن، ولكن يحاولون أن يفسروه بتفسير خاص لهم. الشيخ: ينبغي أن نسلسل أفكارهم بإيجاز حول نظرتهم إلى الوحي كله: القرآن والسنة. فنظرتهم غالباً تقوم على أن هذا إنتاج إنساني، فالنبي ﷺ عندهم رجل عبقري، يقول هذا من يحسن الظن منهم بالنبي ﷺ ، وإلا فبعضهم قد يرميه ببعض النقائص. المقدم: رجل عبقري؟! يعني: ليس بنبي عندهم؟! الشيخ: النبوة عندهم تعني أنه اشتمل بقوة عبقريته وحدسه وقوة فراسته على الوحي؛ فصار هذا هو النبوة. المقدم: هذا عند الغلاة منهم؟ الشيخ: هو -حسب تقديري- في الأغلبية، لكن بعضهم لا يعبر بهذا التعبير، وبعضهم يوجد في مفاهيمه، فليس هذا كلامه، لكن هذا لازم كلامه، فلازم موقفهم أنهم يرون أن النبوة ما هي إلا عبقرية، وما هي إلا جهد إنساني من إنسان فذ يسمونه مصلحاً. وكذلك القرآن لا يرون أنه كلام الله حقيقة، وهنا امتداد لقول المعتزلة، لكن قد لا يفقهون قول المعتزلة بحذافيره، يعني: يرون أن القرآن نتيجة البيئة ومؤثراتها ونتيجة حلول مشكلات معينة، وليس عندهم تصور أن القرآن كلام الله، وأنه -أيضاً- يتضمن شرع الله، وأن القرآن دستور الحياة إلى قيام الساعة، وأن القرآن يعالج جميع أمور الحياة صغيرها وكبيرها، ليس عندهم هذا التصور.

стр. 39

منهجية دعوى الفهم الخاص للقرآن عند العقلانيين المقدم: بعض العقلانيين عندنا قد يقول: أنا أؤمن بالله ، وأؤمن بالنبي ﵊، وأؤمن بأن القرآن هو كلام الله، لكن هذا القرآن فهمه أبو بكر ﵁ بفهمه الخاص، وفهمه الحسن البصري كذلك، وأفهمه أنا بفهم خاص! الشيخ: هذه من معضلاتهم، وهذا دليل جهلهم؛ فنصوص القرآن وما صح من السنة منها ثوابت ليست قابلة للجدل في نصها ومفهومها، وليست محلاً للنقاش. ومنها نصوص هي عبارة عن قواعد للشرع، فتطبيق جزئيات الحياة على ضوئها يحتاج إلى اجتهاد المجتهدين الذين يملكون القدرة على الاجتهاد، لماذا؟ لأن النصوص يفسر بعضها بعضاً، ويبين بعضها بعضاً، ويخصص بعضها بعضاً، وبعضها ناسخ وبعضها منسوخ، فمن الذي يستطيع أن يميز بعضها عن بعض؟ إنه العالم الذي يدرك هذا كله. ثم إنهم ليس لهم قاعدة في الاجتهاد، بمعنى أن فقهاء الإسلام كلهم عندهم قواعد في الاجتهاد منضبطة بضوابط الشرع، وأما هؤلاء فليس عندهم قاعدة. ثم إننا لو تركنا كلاً يفسر القرآن برأيه؛ فمعنى هذا أننا أسقطنا المرجعية الأساسية، مرجعية الرسول ﷺ الذي فسر القرآن بقوله وفعله وتقريراته، وكذلك الصحابة الذين أمر النبي ﷺ بأن يكونوا قدوة، وكذلك سبيل المؤمنين، فهذا عبارة عن حيدة عن الدين بحيلة، وخروج عن مقتضى الدين بحيلة أني أفهم كما يفهمون، وأننا رجال كما أنهم رجال، ولكن هل الرجال كالرجال؟! المقدم: وهذا فيه إسقاط لثوابت الإسلام ونصوص الشريعة. الشيخ: لا شك في أن أكبر وسيلة مريحة لهم تقرب لهم سبيل الهدم هي أنهم يقولون: هذه النصوص ننظر إليها كما ينظر إليها الآخرون. فنقول: نعم، تنظرون إليها بشروط، فأنا -مثلاً- لست متخصصاً في الأدب؛ لأجرؤ على أن أتناول النقد الأدبي كما يتناوله أصحابه، ولو تجرأت عليه لعابوني كلهم، فكيف بالشرع؟! وكيف بالدين الذي له قواعد وأسس شرعية ثابتة، رسمها القرآن ورسمها النبي ﷺ ورسمها سلف الأمة؟! فلماذا يتجاوزون التخصص في القول على الله بغير علم وهم من أكثر الناس حرصاً على أن لا ينقدوا في جوانب التخصصات الأخرى؟! إن الأديب لا يقتحم الطب، ولو اقتحمه عابه أصحابه قبل الآخرين، فلماذا يقال في الشرع الذي هو دين الله وله أسس ثابتة في الاستدلال بغير علم؟ كيف نأخذ بالنصوص؟ وكيف نستدل بها؟ وكيف نعرف النص الذي يستدل به والنص الذي لا يستدل به؟ إنها أمور يعرفها كل عاقل بفطرته. فهم تجاوزوا الحق بدعوى أننا نجتهد كما يجتهد الآخرون.

стр. 40

موقف العقلانيين من شمولية الشريعة المقدم: ننتقل إلى نقطة أخرى جوهرية في هذا الموضوع، وهي أن لهم موقفاً تجاه الصلة بين الدين والحياة، وتجاه شمولية هذه الشريعة، فما تعليقكم على ذلك؟ الشيخ: هم درجات، لكن غالبهم لا يرون أن الدين يحكم جميع أمور الحياة. المقدم: هذا الغالب. الشيخ: هذا الغالب، وهذا هو المنهج الذي هم عليه، لكن منهم أناس فيهم تدين تأثروا بالفكر، ومنهم أناس يدارون الآخرين، ومنهم أناس يستصعبون إخراج المجتمعات مما ألفته؛ فيأتون ويقولون: نحن نأخذ بعموم الدين، لكن الدين مفاهيم عامة، وقواعد، ونظم مشتركة، فدعونا من الجزئيات. فيتنصلون من الدين بهذه الدعوى، وأغلب هؤلاء من أصحاب الغفلة، أغلبهم ليسوا من أصحاب النيات والأهواء، بل من الذين انخدعوا بهذا التوجه. المقدم: كأنك تشير إلى -يا شيخ- أن أغلبهم يريدون فصل الدين عن الحياة. الشيخ: هذا هو الأصل عندهم، فصل الدين عن الحياة جزئياً أو كلياً هو الأصل عندهم، وهذا هو المنهج، لكن يتفاوتون. المقدم: لكن عندما ننظر الآن إلى نظرتهم لشمولية الشريعة، وأن الدين لا بد له من أن يسود جميع نواحي الحياة، ألا يرى هؤلاء القوم -من خلال معرفتك لهم -يا شيخ- ودراستك حول هذا الموضوع والبحث في هذا الأمر- ألا يرون أن هذا يعد من الكفر، أي: فصل الدين عن الدولة، أو عن الحياة. الشيخ: المشكلة أن هؤلاء بعيدون عن قضية الكفر، لا يميزون بين الكفر وغير الكفر، وأغلبهم يتعاطف مع الكفار من حيث طرح مناهج الحياة أكثر من تعاطفه مع المسلمين. إن المسلمون عندهم مشاكل جعلت هذا الصنف يحكم على المسلمين من خلال مشكلاتهم، ولا يفصل الدين عن واقع الناس، فالناس انحرفوا، وكثير من المسلمين انحرفوا، فهو يحكم على الدين من خلال واقع الأمة، فمن هنا تجد ميله إلى الغربيين وميله إلى الكفار أكثر من ميله إلى المسلمين. كما أنهم ليس عندهم تمييز حدي بين الإسلام والكفر، ولا بين المسلم والكافر، فكيف نتصور منه أنه يرى أن عزل الدين عن الحياة كفر؟! إنه يرى أن عزل الدين عن الحياة من سنة التطور، ومن مقتضى الحياة، وفحوى الشريعة، وانظر إلى هذه الكلمة المائعة، فما معنى فحوى الشريعة؟! إنه الهوى.
следующие страницы →