Полный текст (493 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الإسلام قيم وشرائع مثالية
أيضاً من أقوال المستشرقين: أن الإسلام قيم وشرائع مثالية، ومعنى مثالية: أنها قيم نتمناها في الخيال، لكن لا يمكن تطبيقها، وقالوا إن هذه المثالية تصلح للمجتمعات البدائية؛ لذلك طبّقها الصحابة تطبيقاً صحيحاً، لكن لا يمكن أن تُطبّق مرة أخرى هذا رأي المستشرقين، وهذا الذي بُنيت عليه حياة المسلمين الآن، ما دخلت الدساتير والأنظمة القانونية في بلاد المسلمين وحكموا بغير شرع الله، ودخلت الأنظمة الاجتماعية التي أفسدت الأسرة وأفسدت المرأة، حتى ما خرجت سافرة عارية وخرجت من الحشمة والفضيلة إلا باسم أن الشرع القديم كان مثالياً ولا يصلح للعصر الحديث.
هذا عقلانية متناهية فهم حكموا بعقولهم، والله أنزل الدين ليُعمل به إلى قيام الساعة، وهو الخير والصلاح للبشر في كل زمان، وإذا كانت البشرية قد انحرفت عن دين الله وعن منهجه فهل انحرافها يكون حُجّة؟ نعم هم بعقولهم يقولون: يكون حُجّة، الآن يحتج علينا العقلانيون العلمانيون والحداثيون بانحرافات البشرية في أوروبا وأمريكا، يقولون: الناس تطوروا وسبقوكم بالعقل والفكر، وأنتم تريدون أن تطبقوا أحكاماً لا تصلح إلا لعصور الجمل والوسائل البسيطة لعصور البداوة إلى آخره.
هذه شبهات الشيطان، الإسلام دين الله، وإذا انحرف عنه البشر أننحرف عنه معهم؟ لا، وإن كانت لهم عقولهم هذه.
هذه شبه من آثار المستشرقين.
стр. 107
حاجة الإسلام إلى تجديد يلائم الحياة
من آثار المستشرقين أيضاً: أن الدين الإسلامي دين يشتمل على قواعد وتعاليم جيدة، لكنه يحتاج إلى تجديد ليلائم الحياة، الدين كله يحتاج إلى تجديد، فلذلك ظهرت حركات التجديد في المسلمين، حتى في الحركات الإسلامية التي تتبنى هذا الاتجاه، ويقصدون بالتجديد ترك منهج السلف وإحداث مناهج جديدة حتى في السلوك، فبعضهم يقول: إلى متى نحن نقول بعدم الاختلاط؟ الاختلاط ضرورة أصلية، وإلى متى نحن نحجر على المرأة في البيت؟ المرأة لا بد أن تكون مهذّبة تشارك الرجل في عمله وتنفِّس عنه وتفتح نفسه للعمل ولآفاق الحياة ليسعد بالحياة الجميلة! كل هذا بعقولهم، وهذه الفكرة بدأت تروج حتى في المجتمعات الإسلامية المحافظة كما هي عندنا الآن.
стр. 108
الإسلام دين الحرية والديمقراطية
أيضاً ظهرت دعاوى من المستشرقين وتأثر بها العقلانيون عندنا، دعاوى أن الإسلام إنما هو دين الحرية، والحرية لها مفهوم آخر عندهم، ويقصدون بالحرية التحلل من الأخلاق والفضيلة والحشمة، هذا قصدهم بالحرية، ما قصدهم الحرية بمعناها الحقيقي وهي حرية السعادة التي بها يسعد الإنسان بمنهج الله ودينه! لا، بل يقصدون الحرية بمعناها المقلوب، الحرّية الشيطانية التي هي إيقاع الناس في حبائل إبليس، وكذلك يقولون الإسلام دين الديمقراطية إلى آخره.
стр. 109
وصف أهل السنة بالتزمت ووصف المعتزلة والجهمية بحرية الفكر
أيضاً هناك بعض الأفكار التي راجت عند العقلانيين وهي من آثار المستشرقين، وهي وصف أهل السنة بأنهم المجتمع المتزمت، المجتمع المحافظ الذي تصلّب على أحكام وتقاليد وعادات، وغير قابل للتطور، ولا يصلح أن يعيش القرن العشرين بين المجتمعات الحديثة، وبالمقابل الذي يروجه الآن الحداثيون والعلمانيون تبعاً للمستشرقين دعوى أن الفرق القديمة التي ظهرت في الإسلام كالمعتزلة والجهمية يمثّلون حرية الفكر، فهم الفرق المتحررة المتنورة التي استطاعت أن تخرج عن السمت الذي عليه السلف، ويرون أن المنهج الصحيح هو منهج هذه الفرق.
هذه دعوى من أخطر الدعاوى على المسلمين، والتي بدأت تظهر حتى بين بعض الدعاة، الآن هناك دعاة ليسوا في بلادنا بحمد الله لكن في البلاد الإسلامية الأخرى يتبنون اتجاه الاعتزال؛ لأنهم يرون أن المعتزلة هم أصحاب الحرية الفكرية، وسمعتم طرفاً من أقوالهم والمعتزلة عقلانيون يأخذون الدين كله بعقولهم، لا يعوّلون على التسليم لله تعالى ولا التسليم لرسول الله ﷺ ، ولا الأخذ بالنصوص.
стр. 110
مظاهر وأخطار الاتجاهات العقلانية في البلاد الإسلامية
لعلي أتجاوز إلى نقطة تهمنا جميعاً وهي ما يتعلق بالاتجاهات العقلانية في بلادنا مظاهرها وأخطارها.
التوجه العقلاني الآن في البلاد الإسلامية يظهر بشكل أكبر مما هو عندنا بحمد الله، لكن مع ذلك يجب أن نحرص على حماية بلادنا، كما أننا أيضاً من واجب النصيحة والنصح لجميع المسلمين أن نناصح إخواننا في كل البلاد الإسلامية، وأن نبيّن لهم طريق الحق، ونسأل الله أن يطهّر جميع البلاد الإسلامية من هذه التوجهات الخبيثة، فما دامت هذه البلاد لا تزال سليمة في العموم فيجب أن نحرص على حمايتها، والسعيد من وعظ بغيره، ولا يلدغ مؤمن من جحر مرتين، وقد لُدغنا عشرات المرات.
الاتجاه العقلاني في البلاد الأخرى يتلخّص في أمور، بعدها أنتقل إلى الاتجاه العقلاني عندنا.
стр. 111
الاتجاه التجديدي
أولاً: نجد الآن في المسلمين ما يسمى بالاتجاه التجديدي، وقد ظهر في بعض الدعوات الإسلامية.
هذا اتجاه عقلاني خطير، وإن كان أصحابه فعلاً يُعرفون بالخير والصلاح والتقوى وحسن النية، لكنهم يفقدون الفقه في الدين، ليس فيهم علماء متضلعون في الشرع، فلذلك يأخذون الدين بالأهواء والعواطف وهم لا يشعرون، فهؤلاء ظهر فيهم الاتجاه التجديدي العقلاني الخطير، ويتضّح هذا الاتجاه في بلاد السودان، كالاتجاه الذي يتزّعمه الترابي، هو اتجاه عقلاني اعتزالي خالص، فهو يأخذ بمبدأ التجديد الذي يعني: ترك مناهج السلف، وإنشاء مناهج جديدة تناسب المسلمين في العصر الحديث، لذلك أتباع هذه الحركة لا يتورعون عن بعض الأشياء، مثل: مسألة الاختلاط في الجامعات وغيرها، هذه أمور لا تهمهم، بل منهم من يرى أن الاختلاط بين الرجال والنساء ضرورة، وهم في السودان يحملون لواء أقوى دعوة إلى هذا الاتجاه العقلاني الخطير، وواجب طلاب العلم في هذا البلد خاصة أن يناصحوا أولئك؛ لأنهم ليس فيهم علماء، هذا أمر نعرفه جيداً، ليس فيهم علماء، ليس فيهم فقهاء في الدين، إنما هم مفكرون، والتفكير لا ينفع بدون الاهتداء بهدي الله، بل هو سبب الضلالة، ما أضل كثيراً من عباد الله الذين ضلوا إلا بسبب أن الله أعطاهم فكراً فاستخدموه بغير هدى، والناس الذين تفكيرهم بسيط أغلبهم على السنة والهداية؛ لأن تفكيرهم لا يرجع بهم إلى الأهواء الشيطانية؛ فلذلك أقول: إن هؤلاء فيهم خير لكن ليس عندهم فقهاء في الدين، وبينهم وبين أصحاب الفقه في الدين جفوة.
أيضاً يوجد هذا الاتجاه في تونس، وعلى رأسه الداعية راشد الغنوشي، هذا أيضاً رجل فيه إخلاص وفيه خير، لكن ما عنده فقه في الدين، ولا يعرف مناهج السلف بدقة من خلال ما ظهر من قبله، فعنده اتجاه عقلاني تجديدي يشبه اتجاه ما في السودان.
هناك أيضاً اتجاهات في البلاد الأخرى لست بحاجة الآن إلى أن أتكلم عنها تفصيلاً؛ لضيق الوقت، يعني: الآن هناك بعض التوجهات خرجت مثل: مجلة المسلم المعاصر، وأيضاً جريدة المسلمون فقد بدأت تبرز هذا الاتجاه بقوة، ومعهد الفكر في أمريكا الآن بدأ يتبنى هذا الاتجاه، وهو يقوم عليه بعض المفكرين الإسلاميين إن صح التعبير، وبدأت بوادر هذا الاتجاه عندنا على ألسنة بعض الدكاترة الذين عندهم حماس في الدعوة وعندهم حماس في نشر الخير، لكن ليس عندهم فقه في الدين، وإنما عندهم ثقافة إسلامية، وهذه الثقافة هي التي ضرت أكثر مما نفعت؛ لأنها أوجدت الغرور في الناس، يأخذ كثير من العلوم الإسلامية من خلال المجلات والصحف ويلتقطها من ألسنة المتكلمين ومن الإذاعة ومن التلفاز، ويظن أنه بذلك صار عالماً، فصار يتكلم في التجديد الفكري الإسلامي وفي أصول خطيرة جداً، أقول: هذه الاتجاهات بدأت بوادرها عندنا على أيدي بعض الدعاة الذين ليسوا متفقهين في الدين، ولا يرجعون إلى أهل العلم، ومع الأسف أن بعضهم يحتقر العلماء، وهذه بادرة خطيرة يجب أن نتناصح فيها، وأن نبادر لئلا تستفحل؛ لأنها بدأت على ألسنة أناس مخلصين وجادين في الدعوة، وفيهم من النشاط القوي، وعندهم قدرة على التأثير، فلذلك ينبغي أن نتنبه.
стр. 112
مظاهر وأخطار الاتجاهات العقلانية في بلادنا
أما الاتجاه العقلاني عندنا الآن، ولا أقصد في هذا الاتجاه الذي ذكرته أنه اتجاه عقلاني خالص، لكن أقول هناك رائحة أو بوادر العقلانية التي نخشى من أن تستفحل، وأن يكون لها أثرها مستقبلاً، لا سيما أنها ترفع لواء الدعوة.
الاتجاه العقلاني الخالص يتضح أو يبدو من خلال أمور بدأنا نشعر فيها أخيراً، بدأنا نسمعها ونقرؤها، وبدأت تصطبغ فيها أفكار بعض الناس وتُعلن في أحاديثهم وفي مجالسهم وفي الصحف وفي المجلات وفي الإذاعة وفي التلفاز، وتتلخص هذه الأفكار أولاً بالجرأة على الله تعالى وعلى الدين باسم الحرية العقلية، أحياناً جرأة صريحة في غفلة الناس أو عدم غفلتهم، لكن النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضعيف، أو بدأ يضعف عندنا، كم من زلة ظهرت في الصحف فيها جرأة على الله تعالى، فالمطلوب منا أن نحمي ديننا وبلادنا وعقيدتنا من هذا التوجه الخطير الذي هو بداية الانحراف.
стр. 113
الاستهزاء بالسنن
الأمر الأول من مظاهر الاتجاه العقلاني: الاستهزاء بالسنن، هذه المظاهر بدأت -مع الأسف- تظهر من خلال القنوات التي ذكرتها لكم من خلال بعض الأشخاص، الاستهزاء باللحية، كلمة شواكيش أو أصحاب المكانس! أصبحت هذه المظاهر مع الأسف -مع أنها إلحاد وكفر- أصبحت مستمرأة عند الناس، وكأنه أمر طبيعي، كذلك الاستهزاء بالسواك، وبتقصير الثياب، والاستهزاء بتمسك المرأة بالفضيلة وعدم الاختلاط وغير ذلك، هذه أمور بدأت تظهر جلياً.
стр. 114
الاعتراض على أحكام الله
الأمر الثاني من مظاهر الاتجاه العقلاني: الاعتراض على أحكام الله، هناك اعتراض صارخ وصريح، ويأخذ عدة وجوه ومسالك، بعضها اعتراض عملي، بمعنى أنه اعتراض بدأ في البنية التي بنيت عليها بعض المؤسسات، والأمور التي هي ظاهرة للأمة.
الاعتراض على أحكام الله فيما يتعلق بالمرأة خاصة؛ لأن إفساد المرأة كما تعرفون هو الوسيلة لإفساد المجتمع، وأكبر مدخل على الدين لهدمه هو إفساد المرأة؛ لأنها إذا فسدت فسد البيت، وإذا فسد البيت فسد المجتمع، وإذا فسد المجتمع فسدت الأمة هذه نتيجة حتمية تلقائية، فلذلك بدءوا يتكلمون عن مسألة القيادة، ومسألة العمل وترك المنزل، ومسألة الاختلاط وأنه ضرورة إلى آخره، ومسألة التبرج والسفور، وما يتعلق أيضاً بقضايا أخرى غير مسألة المرأة، كالربا فقد أصبح الآن محل نظر عند بعض الناس، حتى إن بعض العلماء يكاد لا يجرؤ أن يقول: الربا حرام علناً.
هذه مسألة خطيرة، مع أن المعروف أن الذي يُعمل به في المحاكم لا يزال يقوم على شرع الله، لكن كثرة الربا وانتشاره وإقراره بين الناس جعل القول بأن الربا حرام شذوذاً.
هذه مسألة خطيرة يجب أن تتنبهوا لها، أيهدم دينكم بين ظهرانيكم وبين أيديكم؟ أتهدم القيم وتهدم الفضيلة ويهدم الدين وما أنعم الله به علينا من نعمة؟ أيضاً انتشار شرب المسكرات، الآن صار التركيز على محاربة المخدرات لأنها أضرت بالدنيا أكثر من الدين، بينما المسكرات الغالب أنها تضر أصحابها، الآن المسكرات كثرت وإقامة الحدود للسكر تكاد لا تطبق إلا قليلاً، أغلب الناس يسكر ويُترك، وهذه انتشرت بشكل ذريع الآن، وأصبحت تكاد تكون ظاهرة مستمرأة عند الناس.
هذا أمر خطير.
والعقلانيون الآن يشيعون بأن هذه مسألة تتعلق بحرية الأفراد وأمزجتهم، والذي يشرب الخمر هو مريض والمريض يُعطف عليه، هكذا تشيع عند بعض الناس هذه الشائعة وهذه الظاهرة ما كانت سمتاً عند المجتمع بحمد الله، لكن بدأت تشيع وتظهر بين الناس، بسبب التساهل بهذه الأمور.
أيضاً كثرة الغناء، حتى أصبح الغناء لا يُستنكر لا في الشوارع ولا في البيوت، وأجهزة الإعلام تتولى كبرها في هذا، فهي التي عودت الناس والأجيال على أن الغناء أمر عادي، والموسيقى كذلك، ورفع الصور.
هذه كلها من أساليب العقلانيين؛ لترويض الناس على التهاون بالدين، والاستهانة به، وإدخال ما هو أعظم دفعة دفعة أو جرعة جرعة، وهذا أمر لا يخفى عليكم جميعاً.
وأظن أن الوقت لا يتسع لبقية الكلام، لكن ننهي الموضوع ونختم بالأسئلة.
وأسأل الله أن يقينا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يحفظنا بالإسلام، وأن يجعلنا من الهداة المتقين الصالحين، كما نسأله تعالى أن يحيينا مسلمين، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يلحقنا بالصالحين، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته كما وعد؛ لأن الله وعد بنصر الدين إلى أن تقوم الساعة، فنسأله تعالى أن يحقق وعده لنا وفينا.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 115
الأسئلة
стр. 116
حكم تسمية المعارضين لشرع الله بعقولهم بالعقلانيين
السؤال
لماذا لا نسمي هذه الفئة باسم أهل الأهواء كما كان السلف يسمونهم بخلاف تسميتهم بالعقلانيين؛ فإن هذا الاسم أولاً فيه ذم ومدح لهم، ثم إنه يوحي بأنهم فئة جديدة في التاريخ الإسلامي رغم أن لهم أصولاً قديمة، ثم إن الأصول السليمة دلّت على قصور العقل عن الإحاطة بكل شيء، وهذا ينافي تسميتهم بالعقلانيين، أفيدونا أفادكم الله؟
الجواب
في الحقيقة كلمة (العقلانيين) ليست اسماً إنما هي وصف لهم، ولذلك ليست مشتهرة، ولا ينبغي أن تشتهر على أنها هي الاسم لهم، فهم أوصافهم أوصاف شرعية، لكن من سماتهم ومن أصولهم: العقلانية، فلذلك كلمة العقلانية لا تعرف إلا عند المتخصصين الباحثين؛ لأنهم يرون من عدة وجوه أنهم أصحاب الباطل، ولهم عدة صفات وعدة توجهات: من توجهاتهم: العقلانية في الاستدلال، أو من أصولهم: العقلانية في الاستدلال، فإذا سميناهم بالعقلانيين لا يعني أن اسمهم العقلانيين؛ لكن لأنهم يعتمدون على العقل دون الشرع، لا الاعتماد الفطري الصحيح الذي هو تسخير العقل فيما وظّفه الله له، وإنما أقحموا العقول فيما لا تدرك، وأقحموا العقول في الاعتراض على شرع الله.
إذاً: فهذه صفة ليست اسماً ولا ينبغي أن تكون هي اسمهم، يسمون بالمنافقين كما سماهم الله، ويسمون بأهل الأهواء كما أشار الله إلى أهل النفاق، ويسمّون أيضاً بأهل الرأي في مقابل أهل السنة، ويسمّون بالفرق أو أهل الافتراق، ويسمّون الآن بالعلمانيين، وهذا المصطلح لا يزال يحتاج إلى شيء من الإيضاح والتفصيل عند الناس، كلمة علمانية لا يعرفها أغلب الناس، العلمانية: هي النفاق بأسلوب جديد، وأيضاً العلمانيون أغلب أحكامهم أحكام المنافقين، فالمنافقون منهم المنافق الخالص ومنهم المذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومنهم ومنهم.
بمعنى أنه ليس كل نفاق هو الخروج من الملة، قد يكون من المنافقين من لم يخرج من الملة، لكنه مفسد في الأرض عاص، فلذلك هم أحسن أوصافهم في هذا الوقت: العلمانيون.
وممكن أيضاً أن نتدرج في إفهام الناس معنى العلمانية حتى نصفهم بالمنافقين، وهذا هو الوصف الشرعي الذي ينبغي أن نستقر عليه، لكن بعد أن يفهم الناس ما معنى العلمانيين؟ ومن هم؟ وما صفاتهم؟ والغالب أن العلمانيين من الصعب تشخيصهم بأشخاصهم؛ لأنهم كالمنافقين يتلونون ويظهرون ما لا يبطنون، وأغلبهم يدسون على المسلمين دساً، الصريح منهم ممكن يُعرف، لكن أغلبهم لا يُعرفون، إنما الله وصفهم بقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] عجيب كلامهم إذا قرأته، وعندما كنا حديثي عهد بمقالات بعضهم، تجدهم مقالات عجيبة تسمع لها، تعجبك في أصالتها وفي عمقها، لكنها ضلال، ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون:٤] هذه الأيام بعض الناس بدأ يبتعد إذا سلم عليهم متدين، مع أنه ما قال له شيء، لكن كما قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:٤] هذا هو الوصف الشرعي لهم.
فهم إذاً: أهل الأهواء وهم المنافقون، لكن ومع ذلك بالمناسبة أحب أن أنبه لأمر مهم جداً، أنا أرى بعض الناس بدأ يتعجل للإشارة بالأصابع إلى أناس، فهناك من يقول: هذا علماني أو هذا غير علماني، لا، فالمسألة تحتاج إلى شيء من التروي، فليس كل علماني ينبغي التشهير به، وليس كل منافق ينبغي التشهير به؛ لأن أغلب المنافقين مذبذبون، وإذا شهّرت صار عدواً، وربما إذا سترت عليه قد تأخذه بالنصيحة والموعظة مستقبلاً، أو ربما يتبين له الحق؛ لأن العلمانيين الخلّص عدد قليل جداً في المجتمع الآن، فالقواد والرواد والمخططون وأصحاب الأفكار عدد قليل جداً، والبقية رعاع من رعاع المنافقين، فينبغي ألا نساعد الشيطان عليهم، ينبغي أن نتروى ونتثبت، أما الذين شهروا أنفسهم أعداء لله ورسوله فهؤلاء لا بد من فضحهم وبيان عوارهم؛ لكن هذا لا بد أن يكون بالحكمة وبالاسترشاد بأهل الذكر وأهل العلم.
стр. 117
فتن الشبهات
المرء بين فتنتين: فتنة الشهوات، وفتنة الشبهات، وأعظمها وأخطرها على الفرد والمجتمع هي فتنة الشبهات؛ لأنها تضر بعقيدة المرء ودينه، فقد تخرجه من الدين بالكلية، وقد توقعه في بدع عظيمه، فلذلك حذر منها الرسول ﷺ أعظم تحذير، وقبل ذلك حذر منها الله ، وأخبر أنها سبب الفرقة في الدين، وسبب ذهاب الربح والعزة عن الأمة، وسبب الذل والهوان.
стр. 118
خطورة فتن الشبهات وواجب العلماء والدعاة تجاهها
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن النبي ﷺ وهو الناصح الأمين قد حذّر من الفتن بجميع أنواعها، فتن الشهوات، وفتن الشبهات، لكنا لو استعرضنا نصوص الكتاب والسنة ونهج السلف الصالح لوجدنا أن فتن الشبهات الفتن في الدين والعقيدة هي الأخطر وهي الأنكى والأشد، وهي التي جاء النهي عنها أكثر من غيرها بإجمال، أما فتن الشهوات فقد جاء النهي عن مفرداتها: النهي عن أكل الربا، والنهي عن الزنا، والنهي عن الانغماس في الدنيا والافتتان بها، جاءت نصوص متواترة وكثيرة في النهي عن فتن الشهوات، لكن ما جاء في نصوص الكتاب والسنة عن فتن الشبهات جاء على سبيل التحذير من مناهج الشبهات وأهلها؛ لأنها تخل بالعقيدة؛ ولأنها مرض يصرف القلوب والعقول عن العقيدة وعن الحق، وأصحابها هم الذين وصفهم الله بالأخسرين أعمالاً، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٤] فأعظم أخطار فتن الشبهات التي هي مطاعن في العقيدة والدين أن أصحابها يظنون أنهم على هدى، ولذلك قال السلف: إن صاحب البدعة لا يتوب أو لا تقبل له توبة.
هم لا يقصدون أنه لو تاب لا يتوب الله عليه، فإن الله يتوب على من تاب من أي ذنب ولو كان الشرك، لكنهم يقصدون بذلك بأن صاحب البدعة وصاحب الضلالة لا يوفق للتوبة؛ لأنه يظن أنه على هدى، فهل يتوقع ممن يظن أنه على هدى أن يحرص على التوبة؟ بالعكس، المسلم الذي يُبتلى بالشهوة يعرف أنه وقع في ذنب، هذا هو الغالب، بل عامة المسلمين الذين يقعون في فتن الشهوات سواء كانت فتن الدنيا، أو فتن المعاصي، أو فتن الفسق والفجور، فإن أصحابها غالباً يعرفون أنهم ارتكبوا الموبقات، ولذلك تجد الذين يتوبون من هذا الصنف هم الأكثر، لكن صاحب الشبهة مريض القلب والعقل يظن أنه على هدى، فلا يسعى إلى التوبة إلا من بصّره الله .
وجاء في النصوص الإشارة إلى أن عواقب فتن الشبهات ليست على أصحابها فقط، بل تعم الأمة، ولذلك الفتن في العقائد ابتلي بها غالب الأمة بعد القرون الثلاثة الفاضلة، وبقيت فتن البدع والشركيات جراح غائر في جسد الأمة إلى يومنا هذا، وليعلم كل عاقل أن أعظم سبب لما تعانيه الأمة المسلمة اليوم من الذل والهوان والشتات هو الافتراق في الدين، الذي هو فتن الشبهات، والذي هو الخروج عن السنة والجماعة، وذكر أن هذا سبب الفشل وذهاب الريح، قال سبحانه: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦] فالأمة الآن تعيش أقسى ما مرّت عليه في تاريخها من مظاهر الفشل وذهاب الريح، والخذلان، وقلة البركة، والتناحر والتناطح؛ لأنها وقعت فيها الفرقة في الدين، والفرقة في الدين مع أنها أمر قدّره الله على جميع الأمم وعلى هذه الأمة، إلا أنه مع ذلك نهى الله عنه ويسّر العلاج والوقاية منه، وأعني بذلك الإشارة إلى شبهة كثير من الجاهلين وأصحاب العلمنة وما يسمون بالليبراليين وغيرهم، الذين يزعمون أننا نبالغ عندما نقول: إن الأمة افترقت، وأن الذين أوقعوا الأمة في هذا الحرج هم الذين خرجوا عن السنة والجماعة، وهم الذين استباحوا دماء أهل الحق والخير في كل البلاد التي فيها فتن وقلاقل إلى آخرها، يقولون: أنتم بهذا تفرّقون، نقول: نحن نحكي عن الواقع، ونريد للأمة أن ترجع إلى أسباب عزها بالاعتصام بالكتاب والسنة، يقول تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، إذاً: أعظم سبب الذل والهوان الذي أصاب الأمة، وتسلّط الكفار من اليهود والنصارى، وتسلّط أهل الأهواء والبدع الذين ينتسبون للإسلام، وهم ربما يكونون في بعض البلاد أشد نكاية بالأمة من الكفار أنفسهم، هو الفرقة في الدين، وأن الأمة لن تخرج من وهدة الذل والهوان والشتات والتقاتل إلا بالرجوع إلى مصدر العزة وهو الاعتصام بالكتاب والسنة، والالتفاف تحت لواء السنة والجماعة كما أوصى النبي ﷺ ، وإلا فالفرقة واقعة من سنن الله، ووقوعها ليس حجة في أن نرضى بها، بل وقوعها يستلزم منا أن نعالجها، وأن نحذّر من بقي من بعض فصائل الأمة التي لا تزال على الفطرة، وأن نناصح الذين افترقوا، ونبيّن لهم وجه الحق، ونقيم عليهم الحجة، ونعيدهم إلى سواء السبيل، والنبي ﷺ حينما ذكر افتراق الأمم الماضية: اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على ثنتين وسبعين فرقة، ذكر أن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة، أي: أن كلها سلكت مسلك الشبهات، وهلكت بالشبهات والضلالات والبدع، إلا واحدة، والهلاك هنا -وهذا ما ينبغي التنبه له خاصة عند طلاب العلم- لا يعني هلاك الخروج من الملة بالضرورة، ولا
стр. 119
المقصود بفتن الشبهات
ما المقصود بفتن الشبهات؟ المقصود بها كل ما يؤدي إلى بدعة أو ضلالة أو فرقة وخروج عن جماعة المسلمين، أهل السنة والجماعة، أو خروج عن السنة، وكل ما يؤدي إلى خلل في العقيدة أو المنهج الذي تمثله العقيدة، وكل ما يؤدي إلى خلل في المواقف تجاه مشكلات الحياة؛ لأن العقيدة الصحيحة الصافية كما أنها علم فهي كذلك عمل، كما أنها أمور اعتقادية علمية فهي كذلك أمور اعتقادية عملية، تتمثل بالأقوال والأفعال وبالمواقف، وهذا نجده في أصول العقيدة التي رسمها السلف الصالح على ضوء القرآن والسنة، نجدهم حينما تحدثوا عن العقيدة وحينما بينوها وشرحوها بيّنوها على أساس أنها تمثّل جميع أصول الدين، وجميع ثوابت الدين، وجميع مسلّمات الدين، سواء منها ما كان علمياً اعتقادياً كأركان الإيمان وما يتفرّع منها، أو ما كان منها عملياً كأركان الإسلام وما يتفرّع منها، ويدخل في هذا وذاك الأمور القولية الثابتة لشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، كذلك بيّنوا الأصول والثوابت العملية التي هي الإطار العام الذي يحكم العقيدة؛ لأن أمور العلم والاعتقاد في قلوب الأفراد لا يعلمها إلا الله ؛ لأنه قد يتكلم بالحق المؤمن والمنافق، لكن يبقى محك الاختبار العمل والمواقف.
ولذلك نجد في وصايا النبي ﷺ أنه جعل المصالح العظمى من ثوابت الدين، مواقف المسلم تجاه المسلمين وتجاه غير المسلمين، وتجاه الحياة كلها جعل كل ذلك من العقيدة، كقول النبي ﷺ : (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، (من غشّنا فليس منا)، (عليكم بالجماعة) وأمر ﷺ بالسمع والطاعة، وأمر بالحفاظ على مصالح الأمة العظمى وجعلها من ثوابت الدين، وأمر بدرء المفاسد على الأمة، وبرفع الحرج عن الأمة، كل هذه من ثوابت الدين التي يجهلها كثير من أبنائنا في الوقت الحاضر؛ لأنها ما بُيّنت على الوجه الذي يتناسب مع مستجدات العصر، فقد كان السلف ﵏ في كل زمن يعرضون العقيدة بحسب النوازل؛ لأن العقيدة كما أنها ثوابت قطعية -وهي مقتضى نصوص الكتاب والسنة- فهي كذلك مفاهيم علمية وعملية ومواقف، وهي تطبيقات ضرورية لمقتضى الكتاب والسنة، ولذلك من الشبهة التي قيلت عن السلف: إن عقيدتهم فيها ردود أفعال، فهؤلاء زعموا أن السلف تكلموا في أمور الاعتقاد في القرن الثاني بأمور لم يتكلم عنها السلف في القرن الأول، ثم تكلموا عن أمور في القرن الثالث مثل: بدعة القول بخلق القرآن ونحوها، وبعض مسائل حول الصفات لم يتكلم عنها السلف الأولون في القرنين الأولين، فقالوا: هذا إحداث في العقيدة، نقول: لا، هذا ليس إحداثاً في العقيدة، هذا يعتبر من مواقف العقيدة تجاه الأحداث؛ لأن الإسلام دين شامل لكل زمان ومكان، والحياة دائماً فيها مستجدات، وأعظم وأخطر هذه المستجدات مستجدات العقائد والأفكار التي تقول بها الأمم والموروثة، في القرن الأول الهجري لم تكن هناك شبه كثيرة، لكن وجدت بعض الشبهات، فكان الكلام فيها بقدر ما تحتاجه الأمة، لكن في القرن الثاني اتسع الخرق بدخول الفلسفات ودخول مذاهب الأمم والديانات السابقة على المسلمين؛ بسبب الترجمات، وبسبب دخول أفراد من هذه الأمم إلى الإسلام ظاهراً، وحينما عرفوا العربية عرضوا مذاهبهم الباطلة على صورة مصطلحات إسلامية، فجاء مذهب القدرية وجاء مذهب المرجئة، ثم جاء مذهب المعتزلة، ثم جاء مذهب الجهمية إلى آخره، كل ذلك نتيجة إدخال العقائد الموروثة من الأمم الضالة على المسلمين من خلال أشخاص عرفوا كيف يكيدون للأمة، وهؤلاء أدخلوا عقائدهم وشبههم بمصطلحات جذّابة للشباب الذين عندهم عشق للأفكار الغريبة، فتلقفوا هذه الأفكار عن الفلاسفة وغيرهم، ثم صاغوها بصياغة تحمل مصطلحات إسلامية، فدخلت على أجيال المسلمين هكذا، فالله سخّر السلف لحماية الدين، وسخّرهم للدفاع عن الحق، فاضطر السلف ﵃ أن يواجهوا هذه الوافدات بما يقابلها من مقتضى النصوص، فظهرت معان لم تكن ظاهرة في القرون الأولى؛ لأنها لم تكن موجودة في القرون الأولى، هذه إشارة عابرة إلى شبهة أن السلف قالوا بأشياء لم يقل بها من سبقهم، وأنهم في كل عصر يحدثون أشياء ليست ردود أفعال، ردود الأفعال هي العواطف التي لا تقوم على أدلة شرعية، ردود الأفعال هي الانتصار للرأي، كما ينتصر هؤلاء العقلانيون الذين أثّروا في عقول بعض شبابنا، هؤلاء هم الذين عندهم ردود الأفعال، أما السلف فإنهم يواجهون مشكلات العصر بما يتناسب مع مصطلحات أهله، بمقتضى النصوص والقواطع الشرعية.
فعلى هذا فتن الشبهات: هي كل ضلال أو بدعة أو شرك أو خلل في العقيدة والمنهج الثابت للسلف سواء كان علمياً أو قولياً أو عملياً، فكل ما يخل بهذا ويخرج عن أصول الاعتقاد عند السلف، فإنه يعتبر فتناً وشبهات.
стр. 120
أنواع الشبهات
الشبهات أنواع: النوع الأول: شبهات عارضة، وهذه خاصة، يعني: تحدث لشخص بسبب ما عنده من أفكار ومن خيالات وأحياناً تصل إلى حد الوساوس وغيره، هذه فتن وشبه خاصة يتعرض لها بعض الأفراد، بعض أفراد المسلمين تكون عنده أوهام وشكوك، شبهات في القدر، أحياناً في مقام الألوهية نسأل الله السلامة، غالباً هذا وسواس قهري، وأحياناً في بعض مسائل الدين في بعض أحكام الشرع، في علل التشريع، لكن بقدر قوة إيمان الشخص تزول بإذن الله، أو تكون مرضاً خاص به عندما يصل الأمر إلى حد الوسوسة، فإذا كانت مرضاً فهي لا تضر بإيمان الإنسان، بل ربما يؤجر على مكابدة هذا المرض، لا يهمنا هذا الشيء الفردي، فالأوهام والخطرات التي تكون للأفراد ليست هي الفتنة العامة، وإنما هي فتنة قد تضر بالشخص نفسه، فما دام لم يدع إليها فهو داخل في النوع الأول: وهي الشبهات الفردية.
النوع الثاني: الشبهات التي تؤثر في أصول الاعتقاد، وتصبح مذاهب يدعو إليها أصحابها، سواء كانت مستوردة أو مخترعة من قبل أشخاص أنفسهم، سواء كانت بسبب أوهام ووساوس لكن يدعو إليها صاحبها، أو كانت مقننة بفكر وثقافة معينة، كل ذلك يعتبر من الشبهات غير العارضة، بل من الشبهات الدائمة التي تبقى ويكون لها ضحايا من أبناء المسلمين.
النوع الثالث: الشبهات التي تصرف القلوب والعقول عن الهدى والحق صرفاً كاملاً أو جزئياً.
النوع الرابع: الشبهات العامة التي تؤدي إلى فرقة بين المسلمين، والفرقة أنواع: فرقة غير ظاهرة، وفرقة ظاهرة، سواء كانت فرقة عن عموم الأمة، أو عن عموم أهل السنة والجماعة، أو فرقة عن منهج العلماء ومنهج أهل الحق والعقد، سواء كانت فرقة في الدين، أو فرقة فيما يتعلق بمصالح الأمة العظمى.
والفرقة في الدين كالبدع والمحدثات وغيرها، والفرقة في المصالح العظمى كالخروج على العلماء والخروج على الولاة، وعن مقتضى السمع والطاعة.
والخروج عما أوصى به النبي ﷺ من ضرورة الجماعة والسمع والطاعة بالمعروف لولاة الأمر، وضرورة اجتماع الكلمة وحفظ الحقوق المعتبرة بين الأمة لأفرادها ومجموعاتها.
والخروج الذي يؤدي إلى الإخلال بمصالح الأمة العظمى، مثل: الإخلال بالأمن، أو الإخلال بقوة الجماعة وتماسكها، أو سلوك مسالك الإنكار التي تؤدي إلى فساد أعظم، وهذه كلها غالباً تحدث من فئات متدينة، بل لا أعرف أن هذه الشبهات تحدث إلا من متدينين؛ لأن غير المتدين يسلك مسالك لا تكون على شكل رايات دينية، إلا بعض أصحاب المصالح الشخصية الذين يغررون بالغوغاء باسم الدين، كما حدث في فتنة ابن الأشعث وغيرها، يغررون بالمتدينين باسم الدين، وتجد هؤلاء الرءوس لا يهمهم إلا السلطان أو الانتقام من الخصوم.
أو مصالح معينة شخصية أو أممية، لكن تجدهم يستغلون عواطف الناس ثم يتبين الحق، كما حدث من ابن سبأ من يتتبع سيرته يجد أنه أظهر الغيرة والحرقة على دين الأمة وعلى مصالحها، فاستثار طائفة من جُهّال شباب المسلمين في ذلك الوقت حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام، فاستمالهم إلى مذهبه، ثم تبيّن أنه يهودي كائد خبيث، يعتبر بمثابة رأس الاستخبارات اليهودية في ذلك الوقت، على حسب المصطلحات المستعملة اليوم.
إذاً: كل ما يؤدي إلى الفرقة والخروج عن الجماعة، أو يؤدي إلى الإخلال بمصالح الأمة العظمى، بجماعتها وبأمنها وبقوتها وعزتها، حتى وإن كان باسم الدين يعتبر من أعظم الشبهات التي حدثت في التاريخ، وهي أعظم ما يحدث في يومنا هذا وأخطره على الأمة؛ لأنها ملبسة غير بينة وغير واضحة، لو جاء واحد يحمل لواء الإرجاء لعرفه العلماء وقالوا: هذا مرجئ، أو لواء الاعتزال لقالوا: هذا معتزلي، لكن إنسان يقول: أنا مشفق على الأمة، أنا أريد أن أقضي على الفساد وكذا وكذا، فهذا أكثر الناس لا يميّز فيه بين المنهج الحق والمنهج الباطل، هذه من الشبهات المجملة وأسبابها كثيرة.
стр. 121
أسباب ظهور فتن الشبهات في هذا العصر
أهم أسباب ظهور فتن الشبهات في هذا العصر.
هناك أسباب علمية منهجية يفهمها طلاب العلم ويفهمها العلماء، وهي في الحقيقة البذرة الأساسية التي تنطلق منها إلى اليوم الفتن، خاصة من المتدينين أصحاب الغلو والتكفير والتفجير وغيرهم.
стр. 122
الخلل في منهج التلقي والاستدلال
السبب الأول: الخلل في منهج التلقي والاستدلال، تجد الواحد منهم يستدل بأدلة قوية صريحة من القرآن والسنة، فالإنسان الذي يجهل منهج الاستدلال يسلّم؛ لأنه يتلو عليه آية، لكن أسلوب تطبيق الآية على الواقعة هي المزلّة التي تحتاج إلى الراسخين في العلم في القضايا الكبرى والمصالح العظمى، فالخلل في منهج التلقي والاستدلال يعتبر من أعظم أسباب انتشار الشبهات، خاصة شبهات الغلو والتكفير وغير ذلك على الذين اغتروا بها.
أيضاً هذا المنهج نفسه سبب رئيس في ظهور مظاهر الانفلات والعلمنة، وضعف الولاء والبراء، وما يسمى بالليبرالية وغيرها من التوجهات الآن التي اجتذبت عدداً كبيراً من شبابنا، نحن الآن نعيش غوائل تيارين خطيرين، كل منهما شر، أنا في تقديري -وربما تستغربون- أن الأخطر منهما على المدى البعيد: هو تيار العلمنة والإعراض عن دين الله، هو تيار الليبرالية، هو تيار العقلانية المميعة، الذين يريدون أن يكون المسلم كالأوروبي والأمريكي، ولكنه يحمل شعار الإسلام واسمه فقط، كما يقولون: مظهر بلا مخبر، مع أنه إذا اختل المظهر اختل المخبر لكنهم يجهلون، هذا أخطر على المدى البعيد؛ لأنه يؤسس على فكر مقنن ودعوة هادئة، وينساب إلى الشباب عبر أساليب ومصطلحات وألفاظ يغتر بها أكثرهم، ولأنه يحمل معنى التنوّر، والثقافة، والفكر، والحرية، والرأي والرأي الآخر، والإنصاف، والعدل، والتجرد العلمي، يحمل شعارات خادعة فعلاً، ولأنه لا يستعجل، بل يهمه النتائج ولو بعد عقود، لا يهمه أن ينجح بعد سنتين أو ثلاث أو عشر، فهو ينخر في عقل الأمة منذ أكثر من عقد في جميع بلاد المسلمين.
أما الاتجاه الآخر فصحيح أنه خطير، وهو الذي نعانيه الآن، وهو اتجاه التكفير واتجاه الغلو، لكنه مثل نار السعفة إذا أوقدت فيها دقيقتين ثلاث دقائق تنتهي، صحيح أن الغلو استمر عندنا بعض الوقت، ولم أعلم أن الغلو في العصور الماضية يكون له مثل هذا الانجذاب، لكن هذا له أسبابه، أهمها ذنوبنا، يجب أن نعترف، لكن ومع ذلك ينتهي الغلو، وليس له حبل طويل، ليس عنده إستراتيجية بعيدة المدى؛ لأن صاحب الغلو نظرته بين رجليه لا يتعداها، وصاحب الغلو ينتهي ويَهْلَك؛ ولذلك النبي ﷺ ذكر الأهواء والبدع في جملتها وحذّر منها وحذّر من السبل، لكنه ما أمر بقتال أحد غير الخوارج؛ لأنهم يهلكون الحرث والنسل باسم الإصلاح، أي: أن الذي يدعو الآن إلى الليبرالية أو العلمانية أمره واضح ونفاقه واضح، حتى الذين ليس عندهم تدين يدركون أن هذا الليبرالي أو العلماني يستهدف الفضيلة وكرامة المرأة، ويستهدف ظهور الفجور والمعاصي، ويدندن حول إشاعة الشهوات أمره واضح، لكن الخوارج وأمثالهم على مرِّ التاريخ يحملون شعار الدين والغيرة، ولذلك يقلبون عقول الشباب المتدين خلال دقائق وساعات، خلال جلسة واحدة يتحوّل الشاب الذي يستهدفونه من شاب هادئ رقيق محترم إلى شخصية عدوانية شرسة، باسم الحرقة على الدين، فينفخونه مثل: نفخ البالون فينفجر.
إذاً: شبهات الغيرة على الدين خطيرة جداً؛ لأنها تحمل مضامين الانتصار للإسلام وللعقيدة، لكن العبرة بالعمل، ولذلك كثيراً ما تأتي أسئلة حينما أتكلم عن بعض رءوس البدع والمشاهير، ونقول: منهجهم غير سليم، يقول: أنت تتهم نيته؟ أقول: يا أخي أنا لا أستطيع أن أتكلم في نيته، ولا اطّلعت على قلبه، ولا يعلم النية إلا الله ، لكن هناك شرط آخر وهو صلاح العمل وليس صلاح النية فقط، فلا بد أن تصلح النية ويصلح العمل، فهؤلاء دعاة التفجير ودعاة التكفير، ودعاة الفساد في الأرض باسم الجهاد الذين يستحلون دماء رجال الأمن، ويستحلون دماء المخالفين لهم، والذين انتهكوا موبقات باسم الغيرة على الدين، نقول: هؤلاء عالجوا الخطأ بخطأ، نحن نتفق وإياهم على كثير من أمور العقيدة، خاصة الذين هم أهل سنة، نتفق نحن وإياهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نتفق وإياهم على ضرورة الإعداد للجهاد، نتفق وإياهم على أن الأمة بحاجة إلى تغيير إلى الأحسن، بحاجة إلى أن نصحح الأخطاء، نتفق وإياهم على ضرورة دفع الباطل، لكن الكلام على الأسلوب، ما يدفع المنكر بمنكر، بعض الناس إذا جئت له بالدليل قد لا يفقه الاستدلال، لكن عبر التاريخ يفهمها الصغير والكبير والمتعلم والعالم، على مدى تاريخ هذه الأمة، كم من طوائف غيورين منذ عهد الصحابة إلى يومنا هذا استعملوا العنف لإنكار المنكرات، ثم يؤدي الأمر إلى تجذّر المنكرات واستفحالها وزيادتها، ويؤدي الأمر إلى فساد أعظم، ألا نعتبر؟ هل يمكن أن يزال المنكر بالتكفير والتفجير، واستهداف رجال الأمن، واستهداف المنشآت السكنية، واستهداف المستأمنين من الكفار الذين يعيشون في بلادنا، ودخلوا بتأشيرات رسمية هم في ذمتنا وذمة الدولة؟ هل استهدافهم هذا يؤدي إلى إنكار المنكر وإقرار المعروف؟ وهل أدى إلى إنكار شيء من المنكر؟ بل العكس، وأي إنسان عاقل فضلاً عمن يتقي الله ويخافه أي إنسان عاقل فضلاً عمن يتق الله ويخافه، يعرف أن الفساد لا يُدفع بفساد ولا يُدفع بالقتل والإهلاك، ي
стр. 123
وسائل الإعلام بشتى أنواعها
كذلك من أسباب ظهور الشبهات: وسائل الإعلام بشتى أنواعها، وسائل الإعلام أشد نكاية على الأمة من جميع الوسائل الأخرى، حتى القوة العسكرية التي ضرب بها الكفار بعض بلاد المسلمين ويهددوننا بها، ليست أشد من وسائل الإعلام؛ لأنها بيّنة واضحة، ولأنها ظلم مكشوف لا يرضاه عاقل، لا مسلم ولا غير مسلم.
وكل عقلاء الأمم الآن يدركون أن هذا الانتهاك لحرمات بلاد المسلمين في العراق وفلسطين وأفغانستان والصومال وغيرها، كلهم يدركون أن هذا ظلم، لكنهم يخافون من جبابرة الدنيا اليوم، أما الذين يؤيدون إما لهوى وإما رغبة وإما رهبة، لكن لا يوجد أحد يؤيد بعقله السليم ما يحدث الآن من نكاية بالأمة.
إذاً: فتن الشبهات الإعلامية التي تنساب على عقول شبابنا وبناتنا ونسائنا ورجالنا بهذا الشكل المغرر هذا هو الخطير الآن على المدى البعيد، أما القوة العسكرية ستقاوم بقوة، والأمة لا تزال فيها طائفة على الحق ظاهرين بإذن الله، والفرج قريب، وكلما اشتدت انفرجت، والله جعل مع العسر يسرين، يجب أن نتفاءل، لكن مع التفاؤل نعمل، والانتصار على القوة العسكرية محتوم إن شاء الله، وهو وعد الله الصادق، لكن المشكلة الأفكار التي لا يتنبه لها أحد إلا القليل، المشكلة الشبهات التي تنساب على عقول أبنائنا وبناتنا حتى في غرف النوم، عبر الإنترنت (حمار الدجال)، عبر الفضائيات، عبر مجالس السوء، عبر كثير من الوسائل التي توافرت، حتى الجوال الآن في جيب كل واحد إلا القليل النادر، وفيه من الشر المستطير ما يقلب عقيدة الإنسان في دقائق، وهذا مصداق حديث النبي ﷺ (يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً) من كثرة ما يأتي من أفكار منحرفة تنساب إليه وهو لا يشعر، الآن نفاجأ سواء في وسائل إعلامنا أو في مجالسنا أو في بعض مظاهر اجتماعاتنا، أو من بعض شبابنا، نفاجأ ببروز أفكار خطيرة هدّامة تهدم العقيدة، وتهدم العقول، وتهدم الفضيلة، كثير من الشباب الآن بدءوا يتنكرون للعقيدة، بدءوا يتنكرون لآبائهم وأجدادهم وأسلافهم، بدءوا يتنكرون لدعوة الحق التي هي سبب هذا العز الذي نحن فيه، إنها دعوة التوحيد التي رفع رايتها الإمام محمد بن عبد الوهاب، ومع ذلك تظهر أجيال من أجيالنا تريد أن تهدمها بشبهات السوء، وتتنكر لها، بل تحملها مسئولية ما يحدث من انحرافات، العقيدة التي هي معقد العز الكتاب والسنة، العقيدة التي هي أصل الإسلام.
هذه الدعوة المباركة وجد الآن من أبنائها من يريد أن يهدمها، ويتهمها بشبهات قالها أسلافه ممن تصدوا للدعوة من الكفار وكبار رءوس البدع، ثم نسمعها من أبناء جلدتنا من أين جاء هذا؟ جاء عبر هذه الوسائل، انسابت إلينا ونحن في غفلة، بل فرطنا، فهذه مسئوليتنا، وليت جهود الذين يتعجلون بالأعمال العنيفة تنصب إلى استصلاح الأجيال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:٢] لو كل منهم اهتم بنفسه وبأسرته وبذويه وبالشباب من حوله، ورباهم على الاعتقاد الصحيح، ونمّى فيهم الغيرة على الدين بأسلوب منهجي سليم بعيداً عن التشنج والأعمال العنيفة، لكان للأمة من أمرها رشداً في هذا الواقع المؤلم، لكن شبابنا فرقوا ما بين المذاهب المتميعة وما بين المذاهب المتشددة.
وأنا عندي يقين بحكم التخصص فيما ندْرُسه وما ندَرِّسه، وما نتلقاه من تقارير وبحوث نعرف أن المحرك الأساس لهذه الفتن باسم الدين في بلدنا وفي غيرها عوامل خارجية، عوامل حاقدة حاسدة لنا، ما بين أصحاب فكر من الأصل يعادوننا، وإن كانوا يحملون اسم الدين والإسلام وما أكثرهم، فهؤلاء استغلوا غيرة شبابنا ودخلوا عليهم وتمسلموا لهم وتمذهبوا وكأنهم على مذهبهم، ثم زجوا بهم إلى مثل هذه التوجهات التي بدأت بذورها في آخر زمن الجهاد الأفغاني، الجهاد الأفغاني الأول بريء، لكن في آخره حينما نزحت جماعة التكفير والهجرة، ونزحت جماعة التبيّن، ونزحت الاستخبارات بمختلف أشكالها، بدءوا يصوغون أفكار بعض شبابنا بصبغة دينية سلفية، لكنها تحمل مضامين سياسية ومضامين فكرية ومفاهيم خاطئة نعرفها، ولو يتسع الوقت لأتيت بوثائق وما يشبه الوثائق، فرجع بعض شبابنا المتأخرين من أفغانستان وهم يحملون التنكر لبلادهم ومجتمعهم وعلمائهم ودولتهم، بدءوا يطعنون في ذمم العلماء، ثم طعنوا في الدولة وبيعتها وحقها في الشرع بمجرد وجود مفاسد، خالفوا وصية النبي ﷺ ، النبي ﷺ ذكر أن الأمة ستجد أمراء من مختلف الأنواع والأصناف، منهم التقي، ومنهم الفاجر، وأمر بالسمع والطاعة للجميع، لكن بالمعروف، وأمر بالتناصح والدعاء لولاة الأمر، في أحاديث لا تكاد تخفى على أحد وهي كثيرة وصحيحة، حتى في موضوع المظالم، المسلمون في كثير من بلادهم يلقون مظالم من ولاتهم يجب أن يصبروا على الظلم، حتى الظلم الشخصي من الأثرة التي ذكرها النبي ﷺ في أكثر من حديث صحيح، قال: (إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني ع
стр. 124
دعاوى الاتجاهات العقلانية المعاصرة حول عقيدة السلف
لقد انبرى العلماء الأفذاذ لدحض دعاوى الاتجاهات العقلانية المعاصرة حول عقيدة السلف، وبينوا أنها منبثقة عن الكتاب والسنة، لا عن أحداث تاريخية وردود أفعال كما تزعم العقلانية المعاصرة الأفاكة، ومما يدل على شمول الدين وكماله أنه ما من بدعة إلا وفي نصوص الكتاب والسنة ما يدحضها ويكشف عوارها، فكان لزاماً على كل مسلم أن يعي ما يصبو إليه أصحاب الاتجاهات العقلانية من مصادمة الشرع بعقولهم القاصرة.
стр. 125
دعوى تأثر عقيدة السلف بالأحداث التاريخية وأسبابها
المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم مشاهدينا الكرام! أهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامجكم: حراسة العقيدة.
إن دعاوى المناوئين لعقيدة السلف تحتاج منا وقفة جادة، نرى العقلانيين يلقون التهم جزافاً على عقيدة السلف مثلاً، وفي هذا اللقاء بإذن الله تعالى نحاول أن نجيب على عدد من دعاوى العقلانيين لعقيدة السلف أهل السنة والجماعة.
فهل عقيدة السلف عبارة عن ردود أفعال ونتيجة صراعات تاريخية؟ هل السلف يتساهلون في تكفير المخالفين؟ وهل تراث السلف ظلامياً كما يدّعون ويكرسون ثقافة الكراهية والعدائية؟ ما موقف السلف من أهل البيت؟ وما حقيقة وصفهم بالناصبة والجبرية مثلاً؟ (دعاوى الاتجاهات العقلانية المعاصرة حول عقيدة السلف الصالح) هو موضوعنا لهذه الليلة مع فضيلة الشيخ الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل أستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
مرحباً بكم شيخ ناصر.
الشيخ: أهلاً بك أستاذ تركي وبالمشاهدين.
المقدم: كما أرحب بكم مشاهدينا الكرام مرة أخرى، وأسعد بتواصلكم وأسئلتكم على أرقام البرنامج.
شيخ ناصر كما ذكرنا في مقدمة الموضوع أن هناك دعاوى، وفي الحلقات السابقة تحدثنا أيضاً عن دعاوى أخرى اتهم بها المناوئون وبالأخص العقلانيون عقيدة السلف أهل السنة والجماعة.
فهناك أحداث تاريخية مرت على الأمة منذ عهد النبي ﵊ إلى هذا العصر، وهذه الأحداث التاريخية منهم من قال: إن عقيدة السلف تأثرت بهذه الأحداث التاريخية التي تتابعت على الأمة، هل هذه الدعوى صحيحة؟ الشيخ: على أي حال هذه دعوى ليست جديدة، بل هي امتداد لدعاوى المنافقين في عهد النبي ﷺ الذين كانوا يشكون في مصادر الدين، وفي مصداقية الدين، بل كانوا يشكون أيضاً في عز الإسلام ونصره، وكانوا يشككون بالنبي ﷺ ويسخرون منه وبالمؤمنين، لكن تختلف المصطلحات وتختلف الشعارات من عصر إلى عصر، فكثير من أصحاب الاتجاهات العقلانية والنزعات العلمانية والليبرالية وغيرهم في هذا العصر يثيرون قضايا كبرى على عقيدة السلف، ومنها ما تفضلت به: من أن كثيراً من عقيدة السلف كانت نتيجة صراعات وردود أفعال وانطباعات عن أحداث تاريخية ونحو ذلك، وهذه كلها دعاوى عارية من الصحة، ولا تصمد أمام البحث العلمي الصحيح لعدة اعتبارات: أولاً: عقيدة السلف ليست من صنع أحد منهم ولا من غيرهم، عقيدة السلف إنما هي امتداد للوحي المعصوم من كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وسبيل المؤمنين الذين ضمن الله لهم بقاء الإجماع: (لا تجتمع أُمتي على ضلالة) ولعل مثل هذا يتضح بالأمثلة على وجه سريع.
فمثلاً: اعتبر العقلانيون ما قرره السلف من حقوق الصحابة ومراتبهم وآل البيت وحقوقهم من الإضافات، ثم اعتبروا اعتقاد شرعية خلافة معاوية ﵁ من الإضافات، وهذا نوع من الخنوع والخضوع والعمالة للسلاطين، ثم اعتبروا أيضاً شرعية خلافة بني أمية، وأيضاً بني العباس بعدهم من جهة السمع والطاعة لهم بالمعروف اعتبروا هذه الأمور من الإضافات، واعتبروها أيضاً نوعاً من الخنوع وما يسمى بالمجاملة أو المداهنة أحياناً للسلاطين، ثم أضافوا أيضاً أشياء في صميم العقيدة، فزعموا مثلاً: أن ما وقفه السلف في منهجهم تجاه المخالف وتجاه البدع والأهواء أنه نوع من ردود أفعال، وأنهم أضافوه إلى الدين وليس من الدين، في حين أنه من ثوابت الدين، كذلك على سبيل التمثيل في المسائل العقدية: زعموا أن القول بأن القرآن كلام الله منزّل غير مخلوق من الإضافات، وزعموا أيضاً أن ما نسميه بالتزام منهج السلف واحترام سبيل المؤمنين أنه نوع من الإضافات، والسنة والجماعة التي هي مسمى أهل الحق الذين بقوا على أصل الدين، زعموا أن هذه من الإضافات وهكذا.
المقدم: يبدو أن هناك إشكالاً عندهم ما بين التفصيل في هذه المسائل والتعمق فيها، ورد الشبهات على المخالفين، وبين أصل المسألة، وأن هذه المسألة أصلاً نابعة من قول الله تعالى أو من قول النبي ﵊؟ الشيخ: على أي حال هي إشكالات متعددة، قد يكون ما ذكرته، وقد تكون هذه الأمور نوعاً من الهروب من التزام الحق الذي لا محيد عنه، وأيضاً هو أسلوب الانتقائية الذي يزعمون أنهم يعيبون خصومهم عليه، فالانتقائية في اختيار الجوانب ملبسة على اعتبار أنها منهج السلف، مع أن هذه الجوانب في حقيقتها ليست ملبسة، لكن هم يجهلون أصول تقرير الحق، فلعل المنزع الأساسي عندهم يأتي من جهتين: النزعة الأولى: من جهة الجهل وهو الغالب، فهم عندما يقرءون يجدون مثلاً: أن السلف ما تكلموا بأن القرآن كلام الله منزّل غير مخلوق إلا في القرن الثاني والثالث، وظنوا أن هذه إضافة وهي ليست إضافة، بل هي تقرير لحق موجود في الكتاب والسنة (قواطع النصوص)، وإنما جاء الكلام فيه وظهر عندما ظهر المعارض.
وأيضاً عندما تكلموا في شرعية خلافة
стр. 126
وجه إدخال مسألة المسح على الخفين في العقيدة
المقدم: لكن قد يقولون: إن هناك مسائل فقهية ليس لها اتصال بالعقيدة، أدخلت في العقيدة وتُدرس في كتب العقيدة، والمؤلفون يتحدثون عنها، مثلاً: مسألة المسح على الخفين مسألة فقهية، ومع ذلك أُدرجت في مسائل العقيدة، هل هذا يُعتبر من الإضافات في العقيدة؟ الشيخ: هذا أيضاً يُعتبر من جهلهم في التأصيل، والسلف عندما يدرجون قضية من قضايا الفقه في العقيدة إنما هو نتيجة ضرورة حماية الأدلة والأحكام الضرورية، وإلا فباب المسح على الخفين هو كتب الأحكام، لكن لما وجدت فرق تمسح على الرجلين دون الجوربين وتُنكر المسح على الجوربين، في حين أنها ثبتت في أحاديث صحيحة، فمن هنا هؤلاء أنكروا أمراً قطعياً من الدين، وأي قطعي من الدين فهو من العقيدة، فلما كابرت بعض الفرق وأنكرت المسح على الخفين أدرجه السلف كنموذج لإثبات الثوابت من الأحكام التي خالفها المخالفون في كتب العقائد.
стр. 127
كيفية عرض الفقهاء لمسألة المسح على الخفين واختلافها عن عرض أهل العقيدة لها
المقدم: وهل يختلف عرض الفقهاء عن أهل العقيدة في هذه المسألة؟ الشيخ: قد يختلف، فالفقهاء يتكلمون عن الدليل واستنتاج الأحكام من الدليل، وصفة المسح ووقته وشروطه إلى آخره، لكن علماء العقيدة وهم أيضاً فقهاء أدرجوه في أبواب العقيدة؛ لإثبات أن هذا أصل من الأصول القطعية في الدين، بغض النظر عن تفاصيل أحكامه.
стр. 128
ضرورة تأصيل وتقرير الحق الذي يرد به الباطل في مسائل العقيدة
المقدم: ألا يمكن أن تمر فترة على الأمة من حدث أو موقف أو مصيبة أو مشكلة عامة على الأمة، فيحتاج فيها الناس إلى تأصيل مسألة بعينها، حتى إنها تبرز على أن القول فيها هو قول أهل السنة، فمثلاً: مسألة خلق القرآن وقول الإمام أحمد فيها؟ الشيخ: على أي حال كلما جدد أهل الباطل أصلاً في باطلهم على نمط وعلى منهج لم يكن قد سبق الكلام فيه كان من الضروري تأصيل الحق في هذا الأمر، ورد الباطل على ضوء الكتاب والسنة، فمن هنا قد يحدث للناس مصطلح لم يكن شائعاً ولا مشهوراً، فكما تفضلت حين تطاول أهل الكلام والفلسفة على كلام الله وأنكروه، ثم أنكروا أن يكون القرآن هو كلام الله، وهذا من الأصول القطعية في الدين، ولم يكن يتحدث عنه الناس في عهد الصحابة والتابعين إلا على جهة الإجمال، فلما تكلم فيه أهل البدع من المتكلمين وغيرهم والفلاسفة على النحو البدعي الذي ذكروه، وهو زعمهم أن القرآن مخلوق فهذه بدعة جديدة، حين حدثت اضطر السلف الذين جعلهم الله حماة الدين أن يقرروا الحق الذي يرد هذا الباطل بمصطلح يتناسب مع دعواهم وطرحهم في الساحة، وهكذا وإلى يومنا هذا نحتاج في رد بعض الباطل الذي يقوله أهل الباطل إلى تأصيل وتقرير على ضوء قواعد الشرع، على ضوء العقيدة وأصولها وثوابتها، وعلى ضوء منهج السلف.
стр. 129
ضرورة إبراز عقيدة معينة وتأصيلها ومناقشتها وتوضيحها عند الحاجة إلى ذلك
المقدم: إذاً: قد تكون هناك فترة من الفترات أولوية أن تبرز عقيدة معينة وتؤصّل وتناقش دون غيرها من العقائد التي لا تثار عند المخالفين، مثلاً: ألا يكون هذا دليلاً على أن عقيدة السلف في أصلها لا تتأثر، إنما قد يكون هناك في فترة من الفترات تركيز على قضية معينة؛ لأجل إبرازها وتوضيح العقيدة الصحيحة للناس، ودرء قول المخالفين؟ الشيخ: هذا دليل على شمولية الدين وكماله، وأنه كلما أحدث الناس باطلاً أو بدعة أو شبهة وجدنا في مقتضى قطعيات النصوص وثوابت السلف ما ينفي هذا الباطل، فمثلاً: الكلام عن العلمانية كاتجاه معارض للدين كلام جديد، لكنه مبني على أصل من الكتاب والسنة، وعلى الحكم بما أنزل الله.
فإذاً: كلما استجدت عند الناس مصطلحات ومفاهيم خاطئة لابد من رد هذه المصطلحات والمفاهيم على ضوء القواعد والقطعيات والمسلمات والثوابت، تبقى في هذه الأمور مسائل خلافية بجزئيتها، لكن نحن نتكلم عن الأصول والثوابت، فكلما أحدث الناس أمراً من الأمور يعارض أصلاً من الأصول والثوابت في الدين، فلا بد أن ينبري من أهل الحق، من يدافع عن الحق ويقرر الحق في هذه المسألة على ضوء ما قاله السلف إلى قيام الساعة.
стр. 130
الرد على دعوى أن السلف يتساهلون في تكفير المخالفين
المقدم: أيضاً هناك دعوى أخرى نسمعها بين الحين والآخر، والتي تُنسب لمذهب أهل السنة والجماعة ومنهج السلف بصفة عامة، يقولون: إن السلف يتساهلون في تكفير المخالفين.
يعني: أي مخالف يخرج عن قولهم برأي معين يُخرجونه من الملة، هل هذه الدعوى صحيحة؟ الشيخ: على أي حال هذه دعوى عريضة وكبيرة، وتثار اليوم على نحو غريب ومريب، وقد أثيرت تقريباً في العصور المتأخرة مع نشأة دعوة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فقد اتهمت هذه الدعوة وإلى يومنا هذا بأنها تقوم على التكفير، وهذا باطل، وهذه مسألة كبيرة جداً، لكن لعلي أُذكّر ببعض أصولها لنعرّي هذه الدعوى الكاذبة والبهتان على السلف من أنهم يكفّرون، فالسلف لا يكفّرون بمعنى التكفير المذموم، لكنهم يقولون حكم الله .
فمن هنا أُذكّر ببعض الأصول بإيجاز: أولاً: التكفير حكم من أحكام الله ، ليس إلى البشر، وأحكام الله منها القطعي ومنها الاجتهادي الذي يرجع إلى اجتهادات العلماء، ومن القطعيات في التكفير: أن الله كفّر أهل الكفر الخالص، أهل الكتاب حينما كفروا بمحمد ﷺ وغيّروا وبدّلوا، ثم المشركين من باب أولى، وأهل النفاق الخالص، وأهل الردة، والملاحدة، وكل من لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهو كافر بحكم الله، ولم يكن هذا نتيجة صراعات أو ردود أفعال إنما هو حكم الله الثابت، فمن كفّره الله وكفّره رسوله ﷺ نكفّره إما بعينه وإما بنوعه، العين مثل: تكفير الله لفرعون وأبي جهل وصناديد قريش الذين ورد ذكرهم بأسمائهم، فهؤلاء لا بد أن نكفّرهم بأعيانهم؛ لأن الله كفّرهم، كذلك الأنواع التي كُفّرت: أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ ، والمشركين، والملاحدة إلى غير ذلك.
إذاًَ: التكفير حكم قطعي لا خيار لنا فيه، ولم يأت به السلف من عند أنفسهم.
стр. 131
حكم تكفير المعين والحكم عليه بالنار
المقدم: من يأتي ويقول: لا يُحكم على النصراني إذا مات أنه كافر من أهل النار؟ الشيخ: هذا في الحقيقة فيه تلبيس وخلط، فنحن لم نُتعبد بالكلام عن المعين مُطلقاً، لكن حكم الله نقوله، فأي إنسان يموت على غير شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، أو يموت على ناقض للشهادتين، بما في ذلك اليهودي والنصراني فالأصل فيه أنه كافر خالص من أهل النار مخلّد، نقول: هذا الأصل، لكن عندما نتحدث عن المعين لا نتألى على الله، ولا ندري عن فرد ما من الأفراد على أي حال مات، يبدّل الله من الأحوال ما يشاء، فمن هنا الكلام على المعيّن بعينه بالجزم سواء من أهل القبلة وهو الأخص -يعني من المسلمين- بكفره وبجنة أو نار، أو الجزم على معين حتى لو لم يكن مسلماً، يكون الحديث في هذه المسألة نوعاً من الإثم والبدعة؛ لأننا لم نُتعبد به، لكن بالإجمال نُطلق ما أطلقه الله، ونحكم بما حكم الله به.
إذاً: الأصل فيمن لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله أنه كافر، وهذا حكم الله وليس من عندنا، والسلف حينما أطلقوا هذه الإطلاقات إنما حكموا بحكم الله، لكن الإشكال في أهل القبلة، فيمن الأصل فيه أنه مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهذا هو الذي تكفيره بعينه يحتاط فيه السلف، ولم أر أكثر احتياطاً من سلف الأمة وعلمائها من تكفير المعين، سواء كان فئة أو جماعة أو فرقة أو شخصاً إلى يومنا هذا، إنما الذين يجازفون في التكفير هم بعض أهل الغلو والجهلة من المسلمين، ومن الذين أحياناً قد ينتسبون للسنة والجماعة، وهذه تجاوزات ليست على المنهج.
أيضاً هناك مسألة مهمة: فرق بين الحكم بالكفر والردة على عمل معين وقول واعتقاد، وبين من يفعل ويقول ويعتقد.
أعني: أن كثيراً من الأحكام قال فيها السلف: إنها كفر، مثل: سب الرسول ﷺ ، مثل: سب المؤمنين والاستهزاء بالمؤمنين وبالدين، ومثل: ترك الصلاة، وإن كان ترك الصلاة فيه نصوص قطعية، قد يكون لا يصلح مثالاً للخلاف عليه، مثل أيضاً: الكلام في بعض المعاصي التي هي كفريات، أو حتى ارتكاب كفريات خالصة مثل: مظاهرة المشركين، فمثل هذه الأمور يجب أن نفرِّق بين الفعل وبين الفاعل، فالسلف كانوا في الأمور التي يظهر أنها كفر بوضوح سواء كانت اعتقادات أو أقوالاً أو أفعالاً أو أحوالاً يقولون: إنها كفر إذا تثبّتوا منها وتبين لهم الحال، لكنهم لا يكفّرون المعيّن الفاعل، حتى وإن فعل كفراً صريحاً بواحاً لا يتسرعون بتكفيره حتى تنطبق عليه الشروط وتنتفي الموانع، وهذه معضلة، فبعض الشباب الغيور المتدين اليوم جنحوا إلى التكفير، ووقعوا في مسالك الغلو ومسالك استباحة الدماء والإخلال بالأمن، فهؤلاء أُتوا من حيث أنهم لم يفرقوا بين الحكم على فعل معين أو قول وبين المُعيّن، ولم يتركوا الأمر لأهله كما أمر الله وهم العلماء، أولاً: العلماء لا بد أن يتثبتوا من كل قول أو فعل.
الأمر الثاني: لو ثبت كما هو حال كثير من المسلمين اليوم من فئة أو دولة أو جماعة أو فرقة أو شخص أنه وقع في أمر كفري خالص، فإنه لا يُكفّر حتى تنتفي الموانع وتتوافر الشروط.
стр. 132
بيان من يحق له التكفير
المقدم: من يحق له التكفير؟ الشيخ: العالم الراسخ الذي يستطيع أن يتبين ويتثبت، فالتكفير ليس في ذمة جميع الناس ولا أكثرهم، ولا حتى طلاب العلم ولا كثير من العلماء، فالتكفير أمر خطير هو حكم الله يجب ألا يقال حتى يثبت.
وكثير من الأحوال الكفرية التي يقع فيها المسلمون لا يُكفّرون بأعيانهم؛ لأن الإكراه وارد، والتأول وارد، والاشتباه وارد، والجهل وارد، لا سيما في هذا العصر، فبعض المُكفّرة هداهم الله الذين يلومون العلماء في عدم الاستعجال في التكفير يقولون: الأمر بيّن ظاهر هذا كفر، نقول: حتى ولو كان كفراً، يقولون: هذا إنسان مجاهر نراه فعل وفعل، أو هذه الفرقة الفلانية تعمل الكفر الظاهر، نقول: ولو كانوا، فالحكم على المعين والأعيان يحتاج إلى شيء من التثبت؛ لأنه حكم الله، ثم يترتب على الحكم بالتكفير إجراء وحدود ليست إلى عامة الناس.
فمن هنا ما دمت ذكرت وصف السلف بأنهم مُكفِّرة، وفي الحقيقة هذه جناية وبهتان، بل العجيب -وأنا أشرت إلى هذا في حلقة ماضية- أنه إذا تأملنا إلى كبار أئمة السلف وكبار العلماء إلى يومنا هذا نجدهم أشد تهيباً في التكفير ممن دونهم من العلماء وطلاب العلم.
стр. 133
الرد على العقلانيين والعلمانيين في اتهامهم السلف والعلماء بأنهم أصل التكفير
المقدم: نجد أن مسألة التكفير قد يكون فيها شيء من النسبية، فهناك غلاة يكفّرون المعين بالشبهة أحياناً، يتساهلون في هذا الأمر، وهناك أهل إرجاء لا يرون التكفير أصلاً، خاصة تكفير أهل القبلة ونحو ذلك لا جملة ولا تفصيلاً، لذلك السلف حين يقررون هذه المسألة ويقولون: يُكفَّر المعين إذا توافرت فيه الشروط وانتفت الموانع.
والتكفير هو خاص لأهل العلم، تجد أن أولئك الذين لا يكفرون يقولون: أنتم تكفرون بهذا الاعتبار، هل هذا الاعتبار مبني على أصول شرعية، أم أن هذا الاعتبار الذي اتهموا به السلف هو من اجتهادات السلف المحض؟ الشيخ: على أي حال بهذه التوجهات المتضادة يتبين الحق والاعتدال، وما أرجفت به الاتجاهات العقلانية وبعض العلمانيين وبعض الليبراليين من اتهام المشايخ والعلماء والمتدينين بأنهم أصل التكفير، وأن منهج السلف وأئمة الدعوة المعاصرة أو دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي يسمونها الوهابية أنها هي أصل التكفير هذا بهتان، وعري عن أي دليل ولا حتى شبهة؛ لأنهم حينما يرون تكفير الكافر الذي كفّره الله يزعمون أن هذا ينسحب على بقية الخلق، وهذا جهل منهم أو تجاهل.
وحقيقة أن منهج أهل السنة والجماعة هو المنهج الحق الذي به يُعالج التكفير في مثل هذا العصر، فلو أن أصحاب هذه الاتجاهات بدل ما يضربون الأمة بعضها ببعض، ويلصقون التهم على العلماء في أنهم يكفّرون، لو أنهم انتزعوا الأحكام من عند العلماء في هذا التكفير ونشروها لقاموا بجهد عظيم، وأراحوا الأمة من مثل هذه الدوامة التي بها يكون الاتهام الجزاف.
أكرر مرة أخرى لخطورة الأمر: إن اتهام منهج السلف وعلماء السلف، وعلمائنا اليوم، ومناهجنا، وما نقوم عليه من أصول الحق التي ندرسها وندرّسها أجيالنا بأنها هي أصل التكفير هذا بهتان عظيم، والواقع خلاف ذلك، ولو أخذ الأمر بالتجرد والموضوعية والتقصي بالأرقام والإحصائيات لوجدوا أنهم بعيدون عن الحقيقة، وأن المنهج المعتدل هو منهج السلف التي تقوم عليه بلادنا بحمد الله، وتقوم عليه مناهجنا، وأنها هي العلاج للتكفير في العالم لو طُّبقت على الوجه الصحيح.
стр. 134
موقف السلف من أهل البيت
المقدم: أيضاً من الدعاوى التي تُسمع أحياناً وصف السلف بالناصبة، لذلك نود أن نتعرف على الموقف الصحيح للسلف من أهل البيت رضوان الله عليهم، بالمقابل نريد أن نعرف أصل هذه الدعوى: هل أهل السنة والجماعة والسلف الصالح يُناصبون العداء لأهل البيت؟ الشيخ: على أي حال هذه الدعوى قديمة وجديدة إلى الآن تقال، ولما ظهرت طائفة من الأمة وفارقت الجماعة تغلو في آل البيت وتنزع إلى تقديسهم، وهي سمة موروثة من بعض الأمم القديمة، فالإسلام قام على أمم تحمل كثيراً من الاعتقادات والتقاليد الموروثة، ومن ضمنها بعض الدول الشرقية، مثل: دولة فارس وما حولها، كانت تحمل من ضمن عقائدها تقديس الملوك وتقديس علماء الدين، وتقديس أسر معينة، ويرون أنها تجري فيهم دماء القداسة والإلهية ووراثة النور والنبوة هكذا زعموا فلما انتقلت هذه الأمم إلى الإسلام عن جهل، وُجِدَ من صُنّاع الافتراق مثل: ابن سبأ من بذر بذرة تقديس طائفة من المسلمين؛ لتكون مناسبة للموروث الفارسي المجوسي، فبذر نزعة تقديس آل بيت النبي ﷺ ، فمن هنا ظهرت طائفة تغلو في آل البيت بدرجات، منهم من يصل إلى حد الغلو الخفيف الذي هو تفضيل آل البيت على بقية الصحابة، وأعني: أئمة آل البيت على أبي بكر وعمر، مع أن لهم شيئاً من الفضل، لكن ليس فضلاً مطلقاً.
وطائفة أخرى صارت تسب بعض الصحابة من أجل ترسيخ تقديس آل البيت.
وطائفة ثالثة صارت تقدسهم إلى حد أنها تعتقد لهم بعض خصائص الربوبية أو كل خصائص الربوبية، فقد زعموا أن علي بن أبي طالب ﵁ إلههم وربهم في ذلك الوقت، وحرّقهم بالنار، لكن بقيت لهم أسلاف، ولكل قوم وارث، ولذلك لما حرقهم بالنار قالوا: لا يحرق بالنار إلا رب النار.
فالمهم هنا نشأت نزعة القديس، وجعلت من لم يسلك مسلك التقديس لآل البيت عدواً لهم، وهذه النزعة متطرفة أحدثت أقوالاً متطرفة كما هو معلوم، فالسلف ﵏ ابتداء من الصحابة حفظوا حقوق آل البيت التي أمر الله بها وأمر بها رسوله ﷺ ، ولا يزالون يحفظون لهم حقوقهم ويقدرونهم، وإن كان قد يوجد شيء من التقصير في الممارسات هذا أمر آخر؛ لأن بعض أهل الأهواء يستغل وجود بعض الجفاء ممن ينتسبون إلى السنة والجماعة مع آل البيت وعدم اعتبار قدرهم، وهذا الجفاء قد يكون أيضاً نتيجة رد فعل غير مباشر، لكن ليس منهجاً ولا ديناً، فالدين الذي ندين الله به أن لآل البيت حقاً خاصاً؛ ولذلك نصلي عليهم مع النبي ﷺ دون بقية الصحابة، ونقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وهذه من واجبات الصلاة عندنا، ونكررها خمس مرات في اليوم وأكثر، والسلف حفظوا لآل البيت حقوقهم، ويقررون هذا في كتبهم، فلو جاء مدع وقال: أنتم لا تفعلون، فتشهد لنا كتبنا -كتب السلف- إلى يومنا هذا، فما من كتاب شامل في العقيدة إلا ويؤسس حقوق آل البيت.
стр. 135
رد افتراءات الرافضة على الصحابة وأهل السنة
المقدم: لكن هناك يا شيخ روايات يعتمدون عليها أن عمر ﵁ أو بعض الصحابة اقتحموا على علي ﵁ البيت، ولطموا فاطمة وأسقطوا جنينها كما يقولون، وحرّقوا الباب ونحو ذلك، هل هذه الدعاوى وهذه الافتراءات لها وجه من الصحة؟ الشيخ: كل ما يقولونه ليس بصحيح، وقد تكون بعض القصص صحيحة، بمعنى أنه يوجد شيء مما نسميه المواقف الشرعية تجاه بعض المسائل التي اختلف فيها أفراد من آل البيت مع أفراد من الصحابة، بناء على فهمهم للدليل، فهذا وجد في عهد أبي بكر وعهد عمر، لكن هذا لم يؤد إلى الإساءة إلى آل البيت أبداً، بل كانوا يرعون لهم حقوقهم، والأمر الآخر أن آل البيت أنفسهم لم يكن لهم دين يعتقدون به أن الصحابة وقعوا في مثل ما قاله هؤلاء أصحاب البهتان.
إذاً: الحكايات أصلها كذب ومخترعة، وقد يوجد لبعض المسائل أساس ليس على الوجه الذي ذكروه، إنما خلافات تحدث بين البشر، كما وقع الخلاف بين فاطمة ﵂ وبين بعض الصحابة حول الإرث، والصحابة ذكروا أن النبي ﷺ لا يورث، وليس له ميراث دنيوي، فكان هناك اختلاف، وهذا الاختلاف لم يصل إلى حد أن يكون في القلوب شيء، وبقي الأمر على هذا إلى يومنا هذا، فالصحابة ﵃ رعوا لآل البيت حقوقهم، ولزوجات النبي ﷺ حقوقهن، كما رعوا لبقية الأمة حقوقها، وكل أعطوه حقه.
بهذا يتضح أن الولاء الحقيقي لآل البيت هو الذي عليه أهل السنة والجماعة؛ لأنه هو الذي يقوم على تطبيق وصايا النبي ﷺ دون تقصير ولا غلو، أما التجاوزات وأما ممارسات الأفراد، وما يحدث من بعض المنتسبين للسنة من أخطاء أو ممارسات شخصية فهذا أمر لا يُحمل على المنهج، وما نؤكد عليه دائماً أن أصحاب هذه الشبهات ينتقون انتقاء، فيضعون الأخطاء ويضخّمونها، أخطاء أفراد أو حتى زلات علماء ويجعلونها أصلاً ويحكمون على منهجنا بها، ولو أنصفوا ودرسوا الأمور بموضوعية لوجدوا أننا ننفي هذه الأخطاء قبل أن ينفوها هم.
стр. 136
الرد على من وصف السلف ومنهجهم بالظلامية وغيرها من الأوصاف
المقدم: هناك بعض المصطلحات يوصف السلف وتراث السلف بها، فبما أننا نتكلم عن العقلانية هناك نموذج عندي الآن في بعض الصحف التي انتشرت بعنوان: التنوير صراع ضد التخلف، يقول الكاتب: لن يرضى التنوير بالانسياق إلى غياهب الظلامية التقليدية، ثم يقول: الحالة العربية خصوصاً والإسلامية عموماً حالة ظلامية.
فادعاؤه بأن الحالة الإسلامية وأن دين الإسلام دين ظلامي، هل هذه الدعاوى صحيحة؟ الشيخ: مع الأسف أصبحت هذه الشعارات الآن مرتكزاً لأصحابها؛ لزعزعة العقيدة في قلوب أجيالنا، ولمسخ العقول وحرفها عن مسارها الفطري والشرعي الصحيح، فوصف الكتاب والسنة وتراث السلف ومنهج السلف، ووصف حياة الأمة المزهرة الزاهرة القديمة بالظلامية هذا مبني على عدة اعتبارات، وكلها مبنية على الباطل: الاعتبار الأول: أن هذا وصف جاء من قبل مستشرقين وهم الذين يقيسون النور والظلام بالتقدم المادي البحت، وبحالهم الغربية التي كانوا عليها، وإلا لو وضعنا على مقاييسهم الحكم على التاريخ لوجدنا أن عصر التنور والنور هو عصر الإسلام، وهو الذي دفع البشرية بما فيها أوروبا إلى التقدم والمدنية والحضارة، وإلى العلوم التجريبية، ومع ذلك يأبون إلى أن يصفوا التاريخ الإسلامي أو تطبيقات الشرع في التاريخ الماضي بأنها ظلامية، بناء على هذا المنطلق، وهم يعتبرون أي معوِّق لنظرياتهم ولجاهلياتهم ظلام، فيأخذون الأمر بالعكس، ولذلك لو أخذنا مصطلحاتهم هذه مثل: الظلامية ومثل: الموروث، ويقصدون به كل ما ورث من الأمة حق وباطل، والإقصائية، وثقافة الكراهية ونحو ذلك من العبارات لو قلبناها عليهم لأصبحت تحمل المعاني الصحيحة، وهذه قاعدة عظيمة في كل ما يستشهدون به من وقائع التاريخ علينا أهل السنة والجماعة، أو من الأدلة الشرعية، أو من حتى المصطلحات إذا قلبناها عليهم أصبحت تحمل المضامين الصحيحة.
فالعصور الظلامية في أوروبا هي عصور النور عند العرب وعند المسلمين إلى يومنا هذا، ولا تزال الأمة تعيش النور ما دام هذا القرآن وهدي النبي ﷺ بين يديها، وما دامت طائفة من الأمة على الحق ظاهرين، حتى لو لم يكن لهم كيان على المقاييس المادية كما يقول هؤلاء، ومع ذلك هذا هو النور، وامتداد منهج السلف هو النور، والظلامية هي أفكارهم وطروحاتهم.
стр. 137
الرد على من يتهم الإسلام بتكريس ثقافة الكراهية
المقدم: كذلك لنأتي لنطبق هذا الأمر على الواقع، فهنا يقول أحد الكتاب: ثقافة الكراهية والموقف من الآخر -وهذا في الصحف اليومية التي تصدر عندنا- وكان يتكلم عن السلوك العدوانية، ثم يقول: لذلك نجد أن المجال الإسلامي المعاصر يعيش هذه المحنة في صور ومستويات متعددة إلى نهاية الكلام.
فهل الإسلام عندما يتحدث عن عقيدة الولاء والبراء يكرّس ثقافة الكراهية التي ذكرها الكاتب؟ الشيخ: أولاً: دعنا نذكّر الإخوة المشاهدين بذريعة هؤلاء الذي يجعلون الأشياء وسيلة للاصطياد في الماء العكر، وهو أنه يوجد من بيننا مرضى القلوب أهل الغلو وأهل العنف الذين لا يسلكون المسلك الشرعي في التغيير، ولا المسلك الشرعي في معالجة مشكلات الأمة الذين يصادمون الحياة، والذين يستهدفون الأمن، والذين يخلّون بمقومات الحياة والضرورات الخمس التي أمر الله بها وجاء بها الإسلام، هذه الفئة تنتسب إلى المتدينين وتنتسب إلى الإسلام كله، لكنها فئة يخرجها الإسلام من المنهج الصحيح، فهم هؤلاء أصحاب الاتجاه الذين يصفون عملنا بالإقصائية، هؤلاء يأخذون مثل هذه التصرفات ويجعلونها أصلاً ويحكمون بها علينا.
هذا أمر.
الأمر الآخر: أن هؤلاء يستهدفون ثوابت لا نملك التنازل عنها، حينما يصفوننا بالإقصائية، أو أن عندنا ثقافة الكراهية، كثيراً ما يقصدون بهذا ثوابت الحق مثل: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهم يرون أن هذا نوع من الإقصائية ونوع من العدوانية ومن نشر ثقافة الكراهية، كذلك الولاء والبراء، فنحن ندين الله بأن نوالي الحق وأهله، وأن نبرأ من الباطل وأهله بالمنهج الشرعي القويم، بالمنهج الشرعي الذي رسمه الإسلام، والذي ليس فيه عدوان ولا ظلم، لكن فيه إحقاق للحق وإبطال للباطل، فهم يعتبرون عقيدة الولاء للحق وأهله والبراء من الباطل وأهله يعتبرونه ثقافة كراهية، ويعتبرونها إقصائية.
أيضاً الحكم على الناس من حيث حكم الله عليهم بأن هذا مسلم وكافر يرون هذا عدوانية وإقصائية وثقافة كراهية.
فإذاً: هم حينما يقولون هذا يستهدفون ثوابت الحق التي يقوم عليها الإسلام، ويوهمون الأجيال بأن هذا من صنع أناس هم المتدينون الذين يمثلهم العلماء ويمثلهم أسلافهم السلف الصالح، وهذا نوع من التلبيس الذي ينبغي كشفه في مثل هذا العصر، إلا أنه في الحقيقة أصبح الآن زخماً منتناً في حياة الأمة عبر كثير من وسائل الإعلام.
стр. 138
موقف العلماء وطلبة العلم من التطرف الإعلامي
المقدم: هناك العديد يا شيخ من وسائل الإعلام والكثير من المقالات فلو ذهبت مثلاً إلى الإنترنت وبحثت في ثقافة الكراهية وغيرها تأتيك عدة مقالات بعضها من صحفنا اليومية، من المسئول عن هذا؟ وأين دور العلماء من هذا التطرف الموجود في وسائل الإعلام؟ الشيخ: على أي حال هذه في الحقيقة الآن تعتبر موجة عارمة تحتاج إلى شيء من الأناة وسعة الصدر، والواجب في هذا ليس فقط على العلماء الكبار؛ لأن العلماء الكبار بمثابة الأسس أو بمثابة الأركان الذين يحافظون على مقدرات الأمة الكبرى ومصالحها العظمى، ولا نتصور من العلماء الكبار أنهم كلهم سينزلون في ساحة المعارك الإعلامية.
وأيضاً متابعة هذه الغوغائية بتفاصيلها، إنما هذا واجبي وواجبك وواجب طلاب العلم الآخرين، وذلك بأن نبصّر هؤلاء، وكثير منهم يجهلون ويقلدون، وكثير منهم ينتحلون شخصيات أخرى وراء الكواليس، وكثير منهم مدفوع، وكثير منهم أيضاً عنده غبش، وقد يكون منهم المبطل.
فهؤلاء كلهم يحتاجون إلى شيء من المناصحة، ويحتاجون إلى شيء من إقامة الحجة، وشيء من تحصين الأجيال بأسلوب مكافئ، بعيداً عن الانفعالات وبعيداً عن التشنج؛ لأن التشنج الذي يسلكه بعض الغيورين لا يؤدي إلى نتيجة، بل يفرح به العدو ويستغله المخالف.
стр. 139
بيان أعظم سبب للغلو والتطرف في هذا العصر
المقدم: لكن أليس هذا الكلام من مسببات التشنج والدعوة إلى التكفير؟ الشيخ: بلى، فكل فعل له رد فعل، وهو في الحقيقة من الأشياء التي كثيراً ما أتحدث عنه مع أهل الاختصاص من زملائي الذين يعيشون التخصص، فنحن الآن عندنا قناعة تامة بأن هذا أعظم سبب للغلو والتطرف، وإن كانت أسبابه كثيرة.
أعظم سبب للغلو والتطرف في هذا العصر هو الاتجاه المعاكس، وأنا أكاد أجزم أنه أعظم سبب لتغذية الغلو، والغلو عادة نَفَسُه قصير، لكن استمر الآن عقداً من الزمن؛ لأن هذه المغذيات تبرره، وليس هذا هو السبب الوحيد، بل الأسباب كثيرة، لكن أنا أعتقد جازماً أنه أعظم سبب، وعندي اليقينيات في هذا، وإن شاء الله هناك بعض البحوث تصدر في هذا.
المقدم: في الحقيقة هذا الكلام خطير، وأنه من الاضطرارات الأمنية أن هذا تطرف، وكونك أحد كبار المتخصصين تقول: إن هذا هو أعظم سبب؟ الشيخ: نعم، عندي هذا السبب المباشر الذي يغذي ويتذرع به الغلاة إلى يومنا هذا، وإن كانت الأسباب كثيرة، ورجال الأمن يعرفون هذا، وكثير من المختصين يعرفون هذا، هناك أسباب كثيرة في الخارج والداخل، وكيد الكائدين، وحسد الحاسدين، وعمليات استخباراتية وغيره وغيره كثيرة، لكن الذريعة السطحية المباشرة التي تعتبر ممدة للغلو وتوجد التعاطف معه وتغذيه هي هذه النزعة نزعة التطرف المقابل، فكيف تتصور من شاب غيور على عقيدته ودينه يقرأ يومياً في الصحف تحطيماً لعقيدته ولثوابته بصورة مباشرة، بأقلام أناس من أبناء جلدتنا؟ هذا الشباب المتوثّب الغيور في سن مبكرة يستفزه هذا، ولا أستطيع أن أهدئ هذا الاستفزاز بمجرد كلام أقوله وهو يسمع ويقرأ ويرى، فأقول: نعم هذا سبب مباشر.
المقدم: هذا أيضاً يسبب اتهام العلماء واتهام كبار الدولة بأنهم مثلاً يتواطئون مع مثل هذه الأفكار، هل تخطر هذه ببال هؤلاء الشباب؟ الشيخ: نعم، الذي ليس عنده إدراك لخلفيات الواقع، وليس عنده معرفة بجلب المصالح ودرء المفاسد قد يتهم بغير بينة، واتهام العلماء واتهام الدولة واتهام بعض المفكرين، واتهام حتى بعض الناس الذين لا يُعرفون بالتدين، لكنهم عقلاء وأصحاب رأي ومشورة، فاتهامهم هو جزء من عملية روافد الغلو، بمعنى أنه إذا رأى الشاب المتحمس الغيور مثل هذه الأمور يشعر بأن العالِم ساكت، وأن الحاكم ساكت، وأن هذا الرجل صاحب الرأي والمشورة ساكت، وما يدري أن هؤلاء يُعالجون ويشتغلون، لكن بأسلوب حكيم، وبأسلوب لا يدركه الصغير والمبتدئ والمتحمس الحماس الزائد عن الحد الشرعي، فمن هنا هذه أمور تشابكت وأوجدت مثل هذه الظواهر المزعجة، التي لم تكن مجرد ظواهر، بل أصبحت الآن في الحقيقة مدارس واتجاهات تحتاج في علاجها إلى أن تجتمع جهود جميع المصلحين من الدولة والعلماء وأصحاب الرأي والمشورة، وولاة الأمر ومن التربويين والإعلاميين وجميع طبقات المجتمع الذين يمثلون أهل الحل والعقد، لا بد الآن أن تتداعى جهودهم بشكل منظم ومرتب، كما تنادي الدولة وفقها الله، لعله يدرأ الكثير من الشر.
стр. 140
الرد على دعوى أن السلف يعدل بعضهم بعضاً ويجرحون المخالفين
المقدم: أيضاً من الدعاوى التي يُتهم فيها السلف بأنهم يعدّلون بعضهم البعض ويجرّحون المخالفين؟ الشيخ: نعم، هذا في الحقيقة من القصور في فهم هؤلاء، فالسلف ﵏ أقرب الناس إلى العدل، وهذا طبيعي ما داموا أقرب الناس إلى الكتاب والسنة، وما داموا أبعد الناس عن الأهواء بجملتهم، فلا شك أنهم أقرب الناس إلى العدل؛ لكن نظراً لأن موازين السلف في تقويم الرجال موازين شرعية دقيقة، ولا يجاملون ولا يداهنون في حساب الدين، فإنهم حينما تكلموا في الرواة خاصة رواة الحديث، وتكلموا أيضاً في العلماء الذين يؤخذ عنهم العلم، وركّزوا على توافر شروط الثقة والعدالة، سواء لنقل الدين أو للأمانة العلمية التي يقوم بها القدوة، من هنا أيضاً بطبيعة الحال اعتبر السلف البدع قادحة شرعاً، وهي ليست من أهوائهم ولا من أمزجتهم، البدع قادحة، الفسق قادح، النفاق قادح، فمن الطبيعي أن السلف يتكلمون عن المجاهر ببدعته أنه لا تؤخذ روايته، وأن الداعية للبدعة كذلك لا تؤخذ روايته في الحديث؛ لأنه هو جرح نفسه ما جرحوه حينما دعا إلى الباطل وحينما أصر على البدعة ودعا إليها، هو نفسه الذي تلطخ بالسمة التي تخرجه من العدالة، فالسلف يعملون بموازين؛ لكن هؤلاء نظراً لأنهم يتعاطفون مع أهل الأهواء، وأهل السنة والجماعة يقدحون أهل الأهواء بقوادح شرعية، فهؤلاء لا يطيقون القدح في أسلافهم، في حين أنهم لما رأوا أن السلف يوثّقون العدول، والعدول هؤلاء مصدر الدين أزعجهم أن تكون العدالة على هذا النحو، وأن يكون التجريح على هذا النحو.
إذاً: فالسلف في الحقيقة إنما يعملون بالموازين الشرعية في تعديل الرجال وتقويمهم، ولا شك أنهم يحذّرون من البدع والابتداع وأهل البدع، ويرون البدع جارحة، فأهل الأهواء إلى يومنا هذا يتعاطفون مع المجروحين، بل مع الكذّابين والوضّاعين، ولو كانت عندنا سعة من الوقت فإن معي بعض النقول فيها أن الكثير من معاصرين العقلانيين يمجدون الوضّاعين الكذّابين، ويرون أنهم دعاة حرية، ويمجدون كثيراً من روس البدع الكبار، وحتى الذين لم يكونوا كذّابين، لكنهم أيضاً دعاة فتنة، مثل: غيلان الدمشقي، والجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، هؤلاء يعتبرونهم من المظلومين حينما جرحهم السلف، بينما هم دعاة بدعة ودعاة ضلالة، فهم الذين فرقوا الأمة، فمن هنا هؤلاء الذين يزعمون هذه المزاعم موازينهم مختلة، فلا يعرفون معنى العدالة شرعاً، ولا معنى التجريح شرعاً فيجرّحون العدول ويعدّلون المجروحين.
стр. 141
منهج السلف في تعديل الرجال
المقدم: أهل السنة عدلوا حتى مع الشخص الذي اتُهم بتهمة معينة أو قدح معين، وذلك بأنهم أخذوا من بعض رواياته دون بعض؟ الشيخ: نعم، من عرفوا صدقه، أو الذي لا يستبيح الكذب كالخوارج يروون عنهم في غير بدعتهم، كذلك غير دعاة البدعة، يعني: كثيراً من رواة أهل السنة مرجئة، لكنهم ليسوا دعاة بدعة، كثيراً ممن لمزوا بالقدر ليسوا دعاة بدعة، والسلف يقومونهم ويعدلونهم على ضوء القواعد المرعية في تعديل الرجال، ويروون عنهم.
المقدم: أيضاً مسألة اتهام أن السلف يعدل بعضهم البعض، هل هذا واقع؟ يعني: هل هناك ممن كان على منهج أهل السنة والجماعة اتهم بجرح معين أو نحو ذلك؟ الشيخ: السلف لا يجاملون، قد يقولون في بعض السلف الصالحين: هذا رجل صالح، لكن مثلاً فيه غفلة، فيطعنون في روايته بسبب غفلته، أو يكون مثلاً متساهلاً في الرواية، فهذه خصائص البشر، فالذي عنده تساهل أو عنده غفلة أو هناك قادح في روايته وإن كان من المنتسبين للسنة والجماعة ومن الفضلاء، وأحياناً من العبّاد فالسلف لا يجاملونهم، فقد ردوا كثيراً من روايات العباد وبعض الصالحين.
لأن الموازين عند السلف واحدة لا تختلف ما بين منتسب للسلف وغيره، من اختل عنده شرط في الرواية، فإنهم لا يأخذون بروايته.
المقدم: شكراً جزيلاً على ما طرحت، ونحن نعلم أنك مُتعب ومرهق، لكن نسأل الله لك الشفاء العاجل، ولا بأس طهور إن شاء الله.
نتقدم بالشكر الجزيل للأستاذ الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 142
خطر السحر والشعوذة على الأسرة
للسحر والشعوذة آثار خطيرة على الفرد والأسرة والمجتمع، ومع ذلك فقد ابتلي كثير من الناس بالذهاب إلى السحرة والمشعوذين يطلبون الشفاء منهم، وما علموا أنهم يزيدونهم مرضاً إلى مرضهم، ويجعلونهم يتعلقون بهم من دون الله تعالى، فمن ذهب إليهم فلا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع، خسر دينه ودنياه، فيجب على المسلم أن يبتعد عنهم، وذلك باتخاذ الأسباب الشرعية في دفع السحر والعين قبل الوقوع، والعلاج بالرقية الشرعية بعد الوقوع.
стр. 143
التعريف بالسحر والشعوذة
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن من أخطر الأمراض التي أصابت مجتمعنا في الآونة الأخيرة الأمراض التي تنتج عن السحر والشعوذة والعين، فهذه الأمراض من السحر والشعوذة وما ألحقته بالمسلمين مجتمعات وأفراد وأسر من أضرار إنما هي أعراض لأمراض كبرى وخطيرة هي أمراض القلوب والنفوس كما سيأتي بيانه.
وفي بدء الكلام عن هذا الموضوع الخطير يحسن التعريف بالسحر والشعوذة.
السحر: عمل خفي يؤثر على الإنسان إما في عقله أو بدنه أو قلبه أو نفسه أو في بعضها أو جميعها، ويتم بعقد وبغير عقد، وبطلاسم وبأمور أحياناً تكون محسوسة وظاهرة، وأحياناً تكون خفية، وأغلب السحر من عمل الشياطين من شياطين الإنس والجن.
وكذلك الشعوذة: هي نمط من أنماط السحر، وأعمال يعملها الدجال أو الممخرق يخفى سببها على الناس، لكنها أمور معلومة عند أهلها الذين يتناولونها، سواء كانت هذه الأمور معنوية أو حسية، والشعوذة كذلك من عمل الشياطين، ونلاحظ في الآونة الأخيرة كثرة ما ابتلي به الناس في هذا العصر من غوائل السحر والعين والشعوذة من الأمراض النفسية والأوهام والقلق والهموم والغموم، نسأل الله العافية، وما ينتج عن ذلك من الحزن وضيق الصدر والخوف والهلع، ثم ما نتج عن هذا أيضاً من آثار ظاهرة على الأسرة المسلمة والمجتمع من فساد ذات البين وتفكك الأسر، وما ينتج عن ذلك من خلافات بين الزوجين تصل إلى الخصام، ومن خلافات بين الأقارب: بين الآباء والأبناء، وبين الإخوة وبين الأقارب من الأعمام والأخوال وغيرهم والأرحام والجيران، وانفصام عرى الوشائج والقربى بين الناس، بل كثرة آثار السحر والشعوذة في الناس أدى إلى كثرة الخصام وتعقد المشكلات التي أتعبت الناس، وأتعبت الجهات الأمنية والقضاء، وصارت من أعقد المشكلات التي أوقعت في الناس الكثير من الكوارث والأضرار الجسيمة، التي تؤدي أحياناً إلى إزهاق النفوس، وإلى إلحاق الأضرار البالغة، وانتشار الفساد في العقائد والأخلاق وشيوع الفواحش والفساد الأخلاقي؛ بسبب انفصام الأسر، ونحن نعلم جميعاً أن من أبرز أسباب الانحراف الخلقي بين ناشئة المسلمين: هو الانفصام في الأسر من افتراق الأب والأم (الزوجين) أو الأقارب بعضهم عن بعض مما يؤدي إلى تفلت الشباب والأبناء، وعدم وجود من يرعاهم في هذا الجو الذي كثرت فيه العوارض والقواطع والجوارف التي تجرف الناس عن الفطرة السليمة، وعن العقيدة الصحيحة، وعن الفضيلة.
стр. 144
أسباب الوقوع في آثار السحر والشعوذة
стр. 145
الغفلة عن ذكر الله
إن ظهور أعراض السحر والشعوذة ما هو إلا سبب لعرض رئيس وسبب لمرض أكبر من ذلك وهو كثرة المعاصي في الناس اليوم، وإعراض الناس عن دين الله وشرعه، والغفلة عن ذكر الله وعن شكره، والله ذكر لنا ذلك لو كان هناك من متدبر، فقال : ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧].
وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤].
فهذه الأمور ما هي إلا نوع من أنواع المعيشة الضنك، لما أعرض الناس عن ذكر الله ولم يشكروا نعمه، ولما غفلوا عن الأسباب الشرعية التي سيأتي ذكر شيء منها قست قلوبهم، وفسدت أعمالهم وقل توكلهم على الله ، وارتبطت قلوبهم بالأسباب، وضعفت هممهم في العبادة والطاعة؛ فهيمنت عليهم الشياطين والأوهام، ووكلهم الله إلى غيره حينما أعرضوا عنه، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦]، وكما تعلمون أن السحر والشعوذة والعين والمصائب من عمل الشيطان، وما ذلك إلا لإعراض الناس عن ذكر الله.
وقال : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠]، أي من الإعراض عن ذكر، والإعراض عما أوجب الله، والوقوع فيما نهى الله من المعاصي والفواحش وغير ذلك من الأمور التي توقع الناس في مثل هذه الغوائل، بل السحر والشعوذة والعين وما ينتج عن ذلك من أمراض نفسية وضيق الصدر ونحو ذلك كله لا يحصل إلا نتيجة للإعراض عن ذكر الله والغفلة عن ذلك.
والإعراض عن الذكر والوقوع في المعاصي والآثام يضعف الإيمان، ويفسد القلوب، وإذا ضعف الإيمان وفسدت القلوب ضعف التوكل على الله، وإذا ضعف التوكل على الله تطلع الناس إلى الأسباب المادية، ووكلهم الله إليها وهي لا تنفعهم، بل تضرهم.
ثم ينتج عن الإعراض عن دين الله قلة التفقه في دين الله، فيجهل الناس الأحكام، فيقعون فيما لا يجوز عن تقصير وجهل، ولذلك نجد أكثر ما أوقع بعض المسلمين الذين بقيت عندهم بعض سمات الفطرة، أكثر ما يوقعهم في أعمال السحر والشعوذة الجهل بالأحكام الشرعية، وعدم فقه الأمور التي تتعلق بالرقية، وقبل ذلك بذل أسباب الحماية من الأوراد، ومتى تكون؟ وكيف تكون؟ والأسباب الشرعية الأخرى من إقامة الفرائض، والبعد عن المنكرات، وفعل الخيرات والصدقات، والإكثار من تلاوة القرآن ومن ذكر الله والاستغفار، كل هذه الأمور أكثر الناس يجهل أحكامها وآثارها الطيبة في النفوس، وربما أن أكثر المسلمين يعرفون أشياء كثيرة من المعارف العامة، لكنهم يجهلون أكثر ما يتعلق بدينهم وما يتعلق بعلاقتهم بربهم ، وإن عرفوا لم يعملوا، وعدم عملهم بما يعرفون يستوجب النسيان والغفلة، فقلة الفقه في دين الله والجهل بحدود الله وأحكام الشرع أوقع الكثير من المسلمين في مثل هذه الأمور، حتى صاروا ضحايا لغوائلها وآثارها المدمرة على الأسرة، ونتج عن ذلك ضعف التحصن بالأسباب الشرعية التي جعلها الله محصنات تحمي المسلم بإذن الله .
المحصنات الشرعية كثيرة: أولها: توحيد الله من قلب واع، ومن عقل عارف بدين الله ، ثم ما يلزم منه من إقامة الفرائض والسنن وتلاوة القرآن وعمل الخيرات وعمل الصدقات، وعمل الورد اليومي الذي جعله الله تحصيناً للمسلم في صباحه ومسائه.
فضعف الإيمان في القلوب وقلة الفقه في الدين وضعف التحصن بالمحصنات الشرعية كل هذا جعل الشيطان يهيمن على الناس، وجعل المعاصي هي الأصل في أعمال كثير من المسلمين الآن، فجلب الناس المعاصي إلى أنفسهم وإلى بيوتهم، جلبوا وسائل الفساد والآثام في البيوت والأسواق، وجلبوا كل ما يحضر الشياطين ويطرد الملائكة في النفوس وفي البيوت وفي الأسواق وفي كل مكان، كالصور، وآلات اللهو، والمعازف، والأجراس، إضافة إلى قلة الذكر والشكر كما قلت، وقلة تلاوة القرآن، فكل ذلك مما جلب الآثام والفواحش وأفسد العقائد والأخلاق، وحصد الحسنات حصداً.
إذاً: لقد صار الشيطان قريناً وضجيعاً لأكثر الناس؛ بسبب الغفلة عن ذكر الله، وجلب ما يضر من الآلات والوسائل، كل هذا ومثله مما تعرفونه لاشك أنه يهيئ النفوس والأبدان لأن تعبث بها الشياطين شياطين الجن والإنس، فمن هنا تكثر آثار السحر والشعوذة بين الناس اليوم.
следующие страницы →