Полный текст (493 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
حكم من يقوم بنشر المسائل الشاذة من مسائل الخلاف بين علماء الأمة
السؤال
ما حكم من يتبع ويتبنى الدعوة إلى المسائل الشاذة من مسائل الخلاف بين علماء الأمة، ويقوم بنشرها وتبنيها بين العامة؟ هل يعتبر من الذين ينشرون الفرقة والاختلاف في الأمة أفيدونا؟
الجواب
هذا السؤال يتضمن الجواب، لكن يظهر لي أن السائل يريد أن أفصل، وأظن أن الوقت لا يتسع للتفصيل؛ لأنه ما دام بوصفه أنه ينشر المسائل الشاذة فهذا شذوذ وهلكة، وكان السلف يصفون من فعل هذا بأنه صاحب بدعة وصاحب هوى؛ لأن من اتبع الشذوذات هلك، لذلك قالوا بأن من طلب غريب الحديث كذب، ونحو هذا الكلام، بمعنى أن من اهتم وقصر جهده على الأمور الغريبة والشاذة فإنه يَهلك ويُهلك، وهذا الشخص إما أنه جاهل يجب أن يُعلم، أو منحرف يجب أن يُعدّل، أو أنه ضال يريد الضلالة؛ لأن إثارة المسائل الشاذة والقضايا الغريبة لا شك أنها إثارة للفتنة، وقد لا يشعر من يفعل ذلك، فينبغي نصحه وتنبيه أهل العلم عليه.
стр. 72
ضوابط الحكم على الجماعات الإسلامية الموجودة في الساحة
السؤال
هل نحكم على جماعة من الجماعات التي تدعو إلى الله وضرب أمثلة بأنها خارجة عن نهج أهل السنة والجماعة أي أنها واقعة في الافتراق، أم أننا نحكم على أفراد بأعينهم بخروجهم عن أهل السنة والجماعة؟ وهل الافتراق بمعناه الحقيقي قد وقعت فيه بعض الجماعات؟
الجواب
هذا سؤال عام، لكن أقول: الضابط في ذلك: هو أن أي جماعة تتبنى مناهج في الدين وليس مناهج في الدعوة، تتبنى مناهج حول أصول الدين تخالف مناهج السلف في بعضها أو في أكثرها، فلا شك أنها بذلك تفارق جماعة المسلمين، أما إذا كانت إنما تتبنى مناهج في الدعوة ولا تتقصد منهجاً معيناً، أو تدعي أنها على منهج السلف فهذه توزن بموازين السلف، فإن كان الخير فيها أكثر وأصولها العامة على منهج أهل السنة والجماعة في الجملة، حتى وإن وجد فيها بعض الشواذ أو بعض المفارقين، فلا يصل الأمر إلى أن نصفها بالمفارقة، وإذا كان فيها شيء من المخالفات في الجملة أو عندها مخالفات مبيتة ونصحت بها وبُيّن لها الحق فأصرت عليه، فهذه مفارقة.
لكن هناك أمر آخر ينبغي التنبيه عليه وهو أن كثيراً من الجماعات في العالم الإسلامي لا تهتم بقضية العقيدة أصلاً، إنما تهتم بتجميع المسلمين على وسائل معينة ومناهج معينة في الدعوة، فهذه لابد من التفصيل في الحكم عليهم، والمناهج في الدعوة ليست مناهج في الدين إنما هي وسائل وأسباب يختلف فيها الناس ويعذر بعضهم بعضاً فيها؛ لأنها مجال الخلاف، ويسع فيها الخلاف مهما بلغ، مناهج الدعوة، ووسائل الدعوة، وأساليب الدعوة، وأساليب الدعاة، وأنماط الدعوة هذه أمور يسع فيها الخلاف، ولا ينبغي أن نبني عليها الحكم بالافتراق، إنما الافتراق في الأصول، فأي دعوة من الدعوات تتبنى أصولاً في العقيدة في الدين تخالف مناهج السلف فهي مفارقة، وإذا وافقت مناهج السلف فهي موافقة.
إذاً: لابد من التفصيل عند الحكم على المعين أو على الجماعة المعينة.
стр. 73
المدرسة العقلية الفلسفية المعاصرة وعلاقتها بافتراق الأمة
السؤال
ما رأيك بالمدرسة العقلية الفلسفية المعاصرة؟ وما رأيك بالداعين إليها، مع أن الداعين إليها أناس يلبسون ثياب الملتزمين والصالحين؟ وهل هم ممن يهدف إلى افتراق هذه الأمة؟
الجواب
الحقيقة هذه مسألة نسيت التنبيه عليها وكانت في ذهني، وهي أنه من ابتلاء الله للأمة أن يحدث كثير من الافتراق على أيدي أناس يظهر منهم الصلاح، وهم يظنون أنهم صالحون، فمثلاً ممن ذكرتهم: معبد الجهني على سبيل المثال، والجهم بن صفوان، وواصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد هؤلاء يُعدون من العُبّاد والزُهّاد، والذين يتلبسون الآن بوشوح السنة وهم على مذهب العقلانيين في العصر الحديث، لا يصلون مع أولئك شيئاً في التقوى والصلاح، أولئك كانوا من قوام الليل ومن صوام النهار، وكانوا قدوة في مسائل العبادة، لكنهم ليسوا بقدوة في الاعتقاد والدين، ولعل مسألة الخوارج قريبة في أذهانكم، وصف النبي ﷺ عبادة الخوارج: بأنكم تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، ويقرءون القرآن، يصلون الليل، ويصومون ومع ذلك خرجوا على الإمام، فهذا فيه عبرة وعظة.
ولذلك ينبغي للمسلم أن يسأل ربه العافية والسلامة، ألا يكون ميزانه مختلاً في وزن الرجال.
لا بد أن يكون أئمة الهدى على استقامة في العمل وفي الاعتقاد، في الهدي والسلوك الظاهر والباطن، وأن يكونوا على نهج السلف، أما من خالف نهج السلف في فكره أو في اعتقاده أو في عمله فهو مخالف.
يعني: لو كان في اعتقاده سليم لكن خرج على الجماعة بالسيف، فهو مفارق، ولو كان في اعتقاده فاسد لكن مظهره صالح، يصلي وفيه ورع وفيه تقوى وزهد وعزوف عن المحرمات إلى آخره، فهذا ليس بقدوة ما دام اعتقاده فاسداً.
إذاً: ليست العبرة بهذه الأمور.
أما مسألة العقلانيين فهي وصف ينطبق على كثير من الفئات يجمعها قاسم واحد على اختلاف مناهجها ومشاربها وأساليبها، وهذا القاسم هو القول في الدين بالرأي، وعدم اعتبار أقوال السلف فيما يخالف فيه، بمعنى أنه قد يوافق كثيراً من السلف ويثني عليهم ويقول: إنه متبعهم، لكن في المسألة التي يخالف فيها يبرر لنفسه، ويخالف عقلاً لا شرعاً.
وما اتفق عليه السلف لا سبيل للمخالفة فيه، سواء كان في العقائد أو في الأعمال أو في المناهج، والقاسم المشترك عند العقلانيين المخالفة بمجرد الرأي لما عليه السلف، إما في اعتقاد، أو في عمل، أو في نهج، أو في هدي، أو في سلوك مما هو سمت عام لأهل السنة والجماعة مما لا يسع فيه الخلاف.
فمن قال برأيه سواء كان مقلداً لآراء آخرين كالمستشرقين أو بعض المفكرين الذين ابتليت بهم الأمة ممن يسمون بالمفكرين الإسلاميين الآن، وهم أئمة افتراق، سواء قلد هؤلاء أو قلد غيرهم، أو تبنى بنفسه بعض الأفكار التي تخالف منهج السلف فهو عقلاني.
وهؤلاء المثقفون في العالم الإسلامي لا يخلو منهجهم من لمز من يخالفهم من الأئمة، وقد يثنون على العالم في جانب ويلمزونه ويثلمونه في الجانب الذي يخالفونه فيه.
فعلى أي حال هذا أمر لا ضابط له، فالمدرسة العقلية هي مدارس شتى أهمها المدرسة الجديدة التي ظهرت بين الدعاة، وهي مدرسة أشبه بمدرسة المعتزلة، وهي مدرسة تحررية تأخذ بمناهج تبتدعها من نفسها وتلغي مناهج السلف في الدعوة إلى الله وفي الدين.
стр. 74
حكم انتساب الجماعات والفرق إلى أهل السنة والجماعة
السؤال
هل الفرق المذكورة في الحديث المقصود بها هي الفرق التي تنتسب إلى أهل السنة والجماعة كالخوارج والمعتزلة الجهمية، أم المقصود بها هذه الجماعات والفرق التي خرجت حديثاً مثل: جماعة الإخوان، والجماعة المحمدية، وجماعة أهل السنة والحديث، أرجو منكم الإجابة؟
الجواب
ليس في أهل السنة والجماعة فرق، بل لا يتأتى ذلك، وكون بعض الفرق تدعي السنة والجماعة هذا أمر طبيعي جداً، وهو نوع من التلبيس، بل لا تكاد فرقة من الفرق التي تريد أن يكون لها رواج في المسلمين إلا وتدعي السنة، فدعوة السنة ليست عبرة، إنما العبرة التمسك بالسنة، وأهل السنة والجماعة ليس لهم شعار وليسوا حزباً، وليسوا جماعة تتكتل على نظام أو على مؤسسة أو على هيئة تنظيم معين، أهل السنة والجماعة وصف عام شامل في العقائد والأصول والمناهج والهدي الظاهر، من اتصف به فهو من أهل السنة، حتى لو كان وحده في بيئة من بيئات المسلمين، أو أي مكان من الأرض، ولو لم يكن في بلاد المسلمين فهو من أهل السنة والجماعة حقاً وولاء وبراء، وله من الحقوق ما لبقية أهل السنة والجماعة.
إذاً: أهل السنة والجماعة وصف وليسوا جماعة محددة، أما الدعاوى فقد يكون بعض من ينتسبون أو يرفعون شعارات الكتاب والسنة، أو السنة والجماعة أو نصر السنة، قد يكونون فعلاً من أهل السنة والجماعة وقد لا يكونون، فليس كل من رفع شعاراً خرج عن السنة والجماعة، وليس كل من رفع شعاراً دخل في السنة والجماعة، فالعبرة بموازين الشرع، من كان على نهج السنة والجماعة وهو واضح، وسبب خفائه عن الناس عدم أخذ العلم عن أهله، فهو واضح لمن أراد أن يتبصر فيه ويأخذه عن أهل العلم، فمن كان على ذلك فهو من أهل السنة والجماعة، حتى وإن انتمى إلى بعض الدعوات أو الجماعات التي عندها انحرافات، قد يكون من الجماعات التي توصف بأنها منحرفة، قد يكون من أفرادها من هو على السنة، لكن ما سبب وجوده فيها؟ هذا أمر ينبغي أن نلتمس له العذر ما لم نجد لذلك ما ينقض، أو نقيم عليه الحجة وهكذا.
стр. 75
عدم الفرق بين المنهج والعقيدة
السؤال
ما الفرق بين الفرقة التي تخالف أهل السنة والجماعة في العقيدة، والتي تخالف أهل السنة والجماعة في المنهج؟
الجواب
ينبغي أن نفهم أن العقيدة ليست مجرد الأعمال القلبية، ومن هنا التفريق بين المنهج والعقيدة غير صحيح، العقيدة هي اعتقادات في القلب وهي أعمال وهي مناهج، العقيدة تشمل المناهج؛ لأن مفهوم المناهج مفهوم واسع يدخل فيه منهج الأخذ بنصوص الكتاب والسنة، هذا اسمه منهج، والسلف لهم في ذلك منهج يدخل في الاعتقاد، فمثلاً: من تلقى نصوص الكتاب والسنة بالأسلوب الرمزي أو بالتفسير الإشاري أو بالتفسير الباطني خالف منهج أهل السنة والجماعة، وهو يقرأ الكتاب والسنة ويستند إليهما، هذا مثال.
مثال آخر: المواقف تجاه الأحداث الكبرى في الأمة، هذا منهج، مثل: موقف الصحابة مما شجر بينهم، موقف التابعين مما شجر بين الصحابة، هذا منهج وهو عقيدة.
أيضاً: مناهج تلقي العلم تسمى مناهج، ومنها ما هو عقيدة، مثال ذلك: مقاييس تصحيح الأحاديث الضعيفة التي استقر عليها الدين، وبقي الصحيح صحيحاً معروفاً والضعيف ضعيفاً معروفاً واستقر عليه، فتصحيح البخاري ومسلم استقر عليه، وتصحيح ما صححه الأئمة، وتعديل الثقات، وتجريح المجروحين هذه مناهج وقام عليها الدين، ومن أخل بها أخل بالدين.
أيضاً: منهج تلقي أخبار النبي ﷺ والقبول لها، تلقي الأوامر والنواهي.
أيضاً: منهج أهل السنة والجماعة تجاه الأئمة والجماعة، هذا منهج وهو عقيدة في جملته.
تبقى مسألة تطبيق المناهج على الحوادث والنوازل، هذه يرجع فيها إلى أهل العلم؛ ليعرف نهج تطبيقها على أسلوب أهل السنة والجماعة.
إذاً: المناهج لا يفرق بينها وبين العقيدة؛ لأن العقيدة اعتقاد وعمل ومناهج.
стр. 76
مفتريات حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
لقد جاءت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لتجديد ما اندرس من عقيدة السلف الصالح؛ ولذا فقد حظيت بالقبول من قبل كثير من الناس، وقد دعا رحمه الله تعالى إلى الإسلام بصفائه ونقائه ووضوحه، بعيداً عن الخرافات والأساطير والخزعبلات، مما جعل أعداء هذه الدعوة المباركة يكيدون لها، ويلبسونها كثيراً من الشبهات والافتراءات، وقد دافع رحمه الله تعالى ومن جاء بعده من أتباعه عن هذه الدعوة المباركة، ودحضوا كل شبهة وفرية حول هذه الدعوة المباركة، وما انتشار الدعوة السلفية الصحيحة إلا ثمرة من ثمارها، وكل ذلك بفضل الله تعالى وتوفيقه.
стр. 77
منطلقات الافتراءات حول دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب
المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.
مشاهدينا الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامجكم حراسة العقيدة، وبادئ ذي بدء نقول: إن دعوة الشيخ: محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى تمثل منعطفاً حقيقياً في تاريخ الأمة الإسلامية، إلا أن المواقف قد تفاوتت تجاه هذه الدعوة، ما بين محب لها ومناصر لها، ويرى أنها امتداد طبيعي لدعوة النبي ﷺ ، وبين مبغض يكيل لها التهم والشبهات والافتراءات، وحول هذا الموضوع في حلقة جديدة من برنامجكم: حراسة العقيدة نستضيف فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: ناصر بن عبد الكريم العقل أستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
فأهلاً بكم شيخ ناصر.
الشيخ: وبك وبالمستمعين المشاهدين.
المقدم: شيخ ناصر قد بدأنا في موضوع: حقيقة دعوة الشيخ: محمد بن عبد الوهاب في الحلقات السابقة.
الشيخ: نعم.
المقدم: كما أشرنا بداية إلى إشارات سريعة حول طبيعة هذه المفتريات، ونريد أن نتعرف بشكل عام على طبيعة هذه المفتريات التي تحيط بهذه الدعوة المباركة وتحاول أن تشوهها.
الشيخ: نعم، قد سبق الإشارة -كما تفضلت في نهاية الحلقة الماضية- إلى بعض المنطلقات لهذه المفتريات، فالمنطلق الأول وهو الغالب: الكذب والبهتان والمكائد من الخصوم، سواء من أعداء الإسلام أو من أهل البدع والأهواء والافتراق الذين لا يعجبهم مسلك الدعوة السلفية الحقيقية على منهاج النبوة؛ لأن ذلك يحرمهم من منافع معنوية ومادية كثيرة، وهذا المنطلق يمكن أن يعادل في تقديري ما يزيد عن (٧٠%) من المفتريات أو ربما أكثر من هذا بكثير، بمعنى أن (٧٠%) مما يدور حول الدعوة من الاتهامات والمفتريات والبهتان مبني على الكذب أصلاً.
المقدم: والجهل، كم يقدر من النسبة تقريباً؟ الشيخ: والثاني من هذه المنطلقات هو: الجهل، وفي الحقيقة بالنسبة للنسبة العددية فقد يكون الأكثر كأفراد، لكن أنا أقصد المنطلق المنهجي الذي مبناه على الكذب والبهتان.
ثم يأتي في الدرجة الثانية: الجهل بحقيقة الدعوة جعلت الكثيرين من المسلمين يتقبلون هذه المفتريات؛ لأن الحقيقة غائبة عنهم لعدة اعتبارات، منها: أن الجهل يحجب صاحبه كشف الحقائق ودائماً الجاهل تبع لغيره.
وعلى هذا يأتي المنطلق الثالث وهو: التعصب الذي ينبني عليه التقليد الأعمى والتبعية غير الراشدة، أعني: أن كثيراً ممن أخذوا هذه الاتهامات وقبلوها إنما قبلوها بالتبعية والتقليد للرءوس الذين يعرفون أن هذه كذب غالباً وأنها من المفتريات.
المنطلق الرابع: التقليد، فما الذي يحول بين المقلد وبين معرفته للحقيقة؟ غالباً أصحاب الأهواء والبدع والافتراق يحاصرون أذهان الأتباع، فيحاصرونها بوسائل قد تكون عاطفية أحياناً، وقد تكون دينية مخترعة، فتجعل الأتباع لا يفكرون ولا يتطلعون إلى التعرف على الحقيقة؛ لأنهم قد حجبوا بوسائل الرءوس، فالرءوس لهم من الحيل والوسائل ما يحجبون بها الأتباع، ومن هنا تكون مسألة التقليد في اتهام الدعوة ونشر المفتريات حولها، وتعتبر -مع الأسف- لها جانباً كبيراً، يعني: أن المنطلق الرابع في طبيعة المفتريات ينبني على إشكالية في الحقيقة ربما نكون -أعني: المتأخرين من أهل السنة والجماعة- من الذين يأخذون بخط السلفية الحقيقي قصرنا فيما نسميه بالحقيقة: تجاوزات الأتباع، هذه إشكالية
стр. 78
المقصود بتجاوزات الأتباع وكيفية التعامل معها
المقدم: لو توضح ماذا تقصد بتجاوزات الأتباع؟ الشيخ: تجاوزات الأتباع هي: أنه كأي مبدأ في العالم، أو كأي دين، أو كأي مذهب، سواء كان حقاً أم باطلاً، لا بد أن يوجد من أتباعه من يخالفون المنهج الذي هو عليه أو يخالفون الأصول، كالإسلام مثلاً، فهو دين أنزله الله على رسوله ﷺ ، وقد وجد من أتباعه من يتجاوزون الأصول أو الضوابط، فيخرجون إلى ما يخالف الدين أو يضاده، ولذا فمن الطبيعي أن يكون من أتباع هذه الدعوة، أعني: من أتباع السنة والجماعة -الدعوة بحقيقتها ليست إلا السنة والجماعة، بل هي أصل الإسلام الذي جاء به النبي ﷺ كما أسلفت، وأتباع السلف سواء كانوا علماء قد يزل منهم فتحسب زلته على الدعوة وعلى السنة، أو طلاب علم فضلاً عن عامة الأتباع- من يظهر منه أخطاء، سواء في العقيدة، أو في السلوكيات، أو في منهج التعامل مع الآخرين، أو في الحوار والدفاع عن الإسلام.
المقدم: إذاً يا شيخ ما المنهج الصحيح في التعامل مع أخطاء هؤلاء الأتباع؟ الشيخ: أخطاء الأتباع توزن بالمنهج، والآن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ذات منهج واضح بين ومرسوم في كتب ومؤلفات، وفي مجتمع طبق مبدأ السنة والجماعة، منذ أن بدأت الدعوة في عهد الإمام محمد بن عبد الوهاب وقبل أن يتوفى قام لها كيان ودولة -التي هي الدولة السعودية الأولى- مهيبة ذات كيان متكامل، فأقامت مجتمعاً إسلامياً متكاملاً بالنسبة لمقاييس عصره، هذا المجتمع بتطبيقاته وبعلمائه وبدولته هو المقياس والمنهج العام، ومن هنا نحاكم أي تجاوزات إلى هذا المنهج، وأعود فأقول: إن المشكلة التي أوجدت لنا كثيراً من اللبس والإشكالية الكبيرة: هي أنه فعلاً يوجد منا نحن أتباع هذه الدعوة أتباع السنة، بل أتباع نهج النبي ﷺ من قد يتجاوز هذا المنهج وتحدث منه أخطاء، وعند ذلك نجد الخصوم بالطريقة الانتقائية الظالمة غير العادلة يلتقطون هذه الأخطاء أياً كان نوعها، فردية أو جماعية من بعض الفئات، وخاصة الذين ينتسبون إلى السلفية في خارج المملكة العربية السعودية، وفي خارج جزيرة العرب، فهؤلاء قد يكون بعدهم عن المنبع الصافي للإسلام وعن مهبط الوحي وعن التطبيقات النقية للسنة يجعلهم يقعون في تجاوزات منهجية أو عقدية، أو في مواقف فردية أو جماعية، هذه التجاوزات أو الأخطاء تحسب علينا على منهج غير موضوعي ولا علمي.
لذا أعود فأقول: أنادي أتباع هذه الدعوة والمنصفين من غيرهم بأن يبرزوا هذه الإشكالية، وينبهوا الناس، ويقيموا الحجة على الخصوم، وأن ما يحدث من تجاوزات من أتباع هذه الدعوة أياً كانوا، علماء كباراً أو عواماً -زلة العالم محتملة؛ لأنه لا معصوم إلا النبي ﷺ فإنها تحاكم إلى المنهج، ويرجع فيها إلى المنهج، وما وافق المنهج فهو الحق وما خالف المنهج فنحن منه براء.
المقدم: المشكلة يا شيخ أنه أحياناً تجد من أتباع هذه الدعوة من تفهم من خلال كلامه أن عنده نوعاً من الانهزامية في انتسابه للدعوة؛ بسبب ما يحدث من أخطاء من بعض الأتباع، فإذا قلت له مثلاً -كما سيأتينا في الإشكالات-: إن التكفير في دعوة الشيخ: محمد بن عبد الوهاب هو التكفير في الإسلام بضوابطه وبشروطه وبأدلته، يقول لك: انظر في الكتاب الفلاني ستجد أنه قد كفر الفئة الفلانية أو البلدة الفلانية، وأحياناً قد تكون أخطاء علماء.
الشيخ: اجتهادات خاطئة، وعلى أي حال فكما قلت: إن في كلام المنصفين من غير أتباع هذه الدعوة ما يجلي هذه الحقيقة.
المقدم: نعم، فلو نظرنا الآن يا شيخ إلى هذه الدعوة وأتباع هذه الدعوة -أتباع النبي ﵊ بشكل عام سنجد أن الخصوم أو المخالفين ينظرون في سقطات أتباعهم على أنها منهج عام، والصحيح أن يقولوا: إن المنهج العام للمذهب الفلاني مثلاً هو كذا، إلا أن فلاناً وفلاناً قد خالفوا، وهذا من الإنصاف.
الشيخ: بل هذا هو الموضوعية والإنصاف والعدل، والذي يجب أن تحاكم به أخطاء المنتسبين لهذه الدعوة المباركة، لكن كما قلت: الأمر ينطلق من شهية البحث عن العثرات، والانتقائية في التقاط الزلات، وجعلها منهجاً عاماً، وهذا أمر يحتاج إلى تجلية وإن كان جلياً من قبل كثير من الباحثين وعلماء الدعوة، لكن المشكلة هي إعراض الناس عن البحث عن حقيقة هذه الدعوة من تراثها، الذي هو الوثائق كما سيأتي الإشارة إليه.
стр. 79
الأصول العلمية العامة للرد على الشبهات والافتراءات حول دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب
المقدم: إذاً يا شيخ نود الآن أن نتعرف على الأصول العامة العلمية للرد على هذه المفتريات، عندما يسمع لا سيما المسلم بهذه الافتراءات التي تنسب إليه، خاصة أن هناك من الناس من ينظر لأهل هذه البلاد أو كل مسلم يقيم السنة ويحافظ على الواجبات بوصفه أنه وهابي، فما هي الأصول العلمية العامة التي يمكن من خلالها نرد على هذه المفتريات؟ الشيخ: في الحقيقة هذه المسألة هي منهجية مهمة جداً في تقويمنا لأخطاء بعضنا، وأيضاً هي مهمة لعموم الأمة المسلمة في نظرة بعضها لبعض في مذاهبها وفرقها، وهي أصول قد اتفق عليها المسلمون، ولا أحسب أن إنساناً يحترم نفسه وعنده شيئاً من العلم إلا ويقر بهذه الأصول؛ لأنها شعار جميع المسلمين، وبالتالي فيجب أن تحكم في أمر الدعوة وما يقال فيها خاصة من المفتريات والبهتان، حتى علماء المبتدعة يقرون بهذه الأصول، والكافر قد لا يقر ببعضها، لكن نستطيع أن نحاكمه إلى بقية الأصول التي نتفق عليها أيضاً، وهذه الأصول التي سأذكرها هي خمسة أصول عامة قد تندرج تحتها أصول كثيرة يتفق معي فيها جميع العقلاء من هذه الأمة.
стр. 80
الرجوع إلى الكتاب والسنة بالمنهج السليم في التلقي والاستدلال
أولاً: الرجوع إلى الكتاب والسنة بالمنهج السليم في التلقي والاستدلال، أعني: الرجوع إلى النصوص الشرعية دعوة لا تتحقق إلا بمنهج سليم، لذا فأقول: ينبغي أن نحاكم دعوة الإمام: محمد بن عبد الوهاب وأهلها وأهل السنة جميعاً في كل زمان وخاصة في هذا الزمان، ونحاكم منهجهم وما يصدر عنهم من أقوال وأفعال تمثل المنهج إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وآثار السلف الصالح؛ لأن آثار السلف الصالح هي التطبيقات المنهجية للدين، والتي هي سبيل المؤمنين الذي توعد الله من خالفه، فهذا هو الجانب الأول، ولا أظن مسلماً يجادل فيه.
المقدم: وقد أشرنا لبعض المعالم في المنهجية الصحيحة في التعامل مع الكتاب والسنة والاستدلال في حلقات سابقة.
الشيخ: نعم، لكن الآن سنقف على هذه النقاط بإيجاز.
стр. 81
المنهج التطبيقي الذي سارت عليه دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب
ثانياً: المنهج التطبيقي الذي سارت عليه هذه الدعوة في جميع الجوانب، يعني: هذه الدعوة أقامت كياناً متكاملاً، كياناً دينياً كما يعبرون عنه، وكياناً سياسياً، وكياناً اقتصادياً، وكياناً اجتماعياً، وكياناً علمياً، وكياناً حضارياً ومدنياً، وبالتالي أقامت دولة بكل مقوماتها، لكن بعض الناس يظنها دولة ساذجة، أو كياناً -كما يقولون- ريفياً أو كياناً بدوياً، أو أحياناً يعبرون بتعبيرات تدل على اللمز، وهذا في الحقيقة خلاف الموازين، ولو قيموها بالموازين العلمية الصحيحة لوجدناها في وقتها وفي بيئتها تعتبر دولة في منتهى المدنية والحضارة، فقد أحيت العلم، يعني: النهضة بجميع جوانبها، الحرفية والصناعية وغيرها، وأصبح مجتمع نجد وما حوله من البلاد والبقاع التي سيطرت عليها أو تمكنت منها الدعوة في الدولة السعودية الأولى -وكان الشيخ: محمد بن عبد الوهاب قد عاش جزءاً منها- دولة وكياناً متكامل العناصر، أي: دولة دينية ومدنية.
المقدم: ومما يدل على أهمية وقوة وحضارة هذه الدعوة أن نجداً لم يلتفت إليها إلا بعد قيام الدعوة، وأنها عنصر منافس لانتشار هذا المذهب وانتشار هذه العقيدة، لذلك نجد أن الدولة العثمانية قد حاولت أن تحاصر هذه الدعوة حتى لا تخرج عن هذا الإطار.
الشيخ: نعم، وأشاعوا أنها دولة بدائية، وأنه ليس عندها من مقومات الحضارة ولا من مقومات المدنية، وهذا كله خلاف الواقع إذا قارناها بالسابق، وقارناها ببيئتها الجغرافية والزمانية.
стр. 82
كون الواقع الذي نعيشه امتداداً لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب
ثالثاً: أن هذا الواقع أو المجتمع الذي نعيشه الآن يعتبر امتداداً لهذه الدعوة ودولتها؛ لأنه من المميزات الإيجابية لهذه الدعوة أنها أقامت كياناً يجمع بين الدعوة الإصلاحية والدولة، أعني: الدولة السعودية الثالثة -تسمى تاريخياً- التي أقامها الملك عبد العزيز ﵀ ولا يزال أبناؤه وأحفاده على هذا العهد إن شاء الله، ونسأل الله أن يوفقهم للخير، وهذا المجتمع الذي نعيشه قد دخله الخلل، لكن ليس من جانب سلبيات هذه الدعوة نفسها، ولم يصل هذا الخلل إلى هز الثوابت، لكنه خلل قد يكون حجة علينا، لذا فأقول: إن الواقع الذي تعيشه الدعوة كمجتمع وككيان ممثلة بالدولة السعودية القائمة الآن، ثم أيضاً بالكيان المجاور من الدول المتأثرة المجاورة وغير المجاورة أيضاً، بل في جميع العالم متمثلة بفئات تعتمد منهج السنة والجماعة، وإن لم تكن كيانات دولية أو كيانات اجتماعية، فهذا هو الواقع الذي نعيشه، وهو حجة، بمعنى: أنه منظور، وأعود فأنبه على أنه قد توجد إشكاليات على هذه الدعوة ممن ينتسبون إليها، بل والآن يسيئون إليها، ومن هذه الإشكاليات: التكفير والغلو، أو الانفلات الذي يوجد من بعض أبناء جلدتنا، يعني: انفلات التميع، أو الغلو الذي نتج عنه الحركات المتشددة والتكفير والتفجير ونحوه، وهذا كله خارج نطاق المنهج الذي ندعو إليه، ونحن أول من أنكرها، ولا زلنا نعاني منها ونحاول علاجها أو نسهم في علاجها، ونتمنى أنه لو تبصر عقلاء العالم لوجدوا أن العلاج لهذه المظاهر ينبغي أن يكون من المنابع الموثوقة، التي هي مصادر هذه الدعوة المباركة؛ لأن الكثيرين مع الأسف ينتسبون إليها، وهذا يوجد إشكالية.
إذاً فأقول: إن الاعتدال والمنهج الوسط لعموم أتباع هذه الدعوة، من دولة ومجتمع ومشايخ وعلماء وطلاب علم ومراكز بحث وجامعات يعتبر كياناً موجوداً في هذه الدولة المباركة، لكن مع الأسف هناك نوع -كما قلت- من الانتقائية، والآن خصومنا سواء من الكفار أو من أهل الأهواء أو البدع يحسبون علينا هذه الشذوذات والتجاوزات، ومن هنا تأتي الإشكالية، فهم لا ينصفون ولا يأخذون بقواعد العدل والموضوعية، بل ولا بالديمقراطية التي ينادون بها.
стр. 83
شهادات المنصفين
رابعاً: شهادات المنصفين، وفي الحقيقة تحتاج هذه إلى سعة من الوقت لنقرأ نماذج من شهادات عقلاء العالم في كل الدنيا، سواء من المسلمين أو من غيرهم، كاليهود والنصارى والمشركين والملحدين، وهذه الشهادات لا تقدر بثمن أبداً، فهي شهادات دقيقة ومبنية على استقراء وتحليل وإنصاف وموضوعية، وهي مرتكز ينبغي أن يرجع إليها، وأصحابها هؤلاء ليس لهم انتماء حتى نقول: والله هذا من انتمائهم، وليس لهم مصالح وأغراض دنيوية، فالدعوة ميزتها أنها لا تملك رشوة الآخرين، ولا تملك ما نسميه بالإغراءات المادية، وهذا كله مما جعل المنصفين يتكلمون بتجرد، وخاصة في عهد الدولة السعودية الأولى والثانية، وأما الدولة السعودية الثالثة القائمة الآن، فهي بحمد الله قد حباها الله ، لكن قد توجد أحياناً مجاملات، لكن أغلب مقالات الإنصاف هي في الحقبة السابقة، أعني: في الدولة السعودية الأولى والثانية، وأول الدولة السعودية الأولى في ذلك الوقت لم تكن عندها مغريات.
المقدم: ممن صدرت؟ الشيخ: من يهود ونصارى وأدباء ومؤرخين ومستشرقين وفئام من الناس، وشهادتهم موجودة الآن كوثائق.
وقد جمع كثير منها، وأنا قد أشرت إلى كثير منها كما أشار غيري إلى ذلك.
стр. 84
معرفة الواقع لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب من خلال التاريخ
خامساً: التاريخ، فالتاريخ كنز، والبشرية الآن بعد التطور والبحث العلمي قد عرفت كثيراً من الحقائق عن الأمم السابقة، من خلال وقائع التاريخ، حتى التاريخ الذي هو عبارة عن كتابات وآثار فقد استطعنا أن نتعرف من خلاله على كثير من الحقائق أو النظريات العامة، فكيف بدعوة هي ملء السمع والبصر، ولها تراث كامل من جميع الجوانب العلمية، ووثائق تُقرأ وتشاهد، فالتاريخ شاهد لمن أراد أن ينصف هذه الدعوة، وماذا قد فعلت؟ فهي دعوة لها إيجابياتها التي لا تحصر لمن سبر التاريخ، وإحياؤها للأمة ولجميع غايات الإسلام الكبرى، وتطبيقها في الواقع لمجتمع مسلم متكامل بحسب إمكاناته وظروفه في هذا الزمن، أو في الزمن السابق القريب.
المقدم: إذاً شيخ ناصر هي دعوة لإنصاف هذه الدعوة من خلال هذه المنطلقات التي ذكرتها، سواء كانت من الكتاب أو واقعة في السابق أو في هذه اللحظات، أو من خلال التاريخ، أو من خلال شهادات المنصفين الذين أنصفوا فعلاً هذه الدعوة ممن لا ينتسبون إليها، أو أحياناً قد لا ينتسبون للإسلام في حقبة سابقة كما ذكرت.
стр. 85
أهم الافتراءات حول دعوة محمد بن عبد الوهاب
المقدم: نود يا شيخ أن نتعرف بشكل مجمل على أهم الافتراءات التي تحيط بهذه الدعوة؟ الشيخ: حتى يكون الأمر واضحاً فلا بد أن نضع النقاط على الحروف، بمعنى: أننا سنذكر ما قاله الشيخ الإمام: محمد بن عبد الوهاب في إحدى رسائله من خلال عرضه لأبرز الشبهات والمفتريات في وقته، وكيفية رده عليها.
ثم لعلنا نتناول بعض النقاط كنماذج من هذه المفتريات، والشيخ: محمد قد أثيرت عليه مفتريات من قبل خصومه، ذكرها في إحدى رسائله وذكرها الخصوم، وسأذكرها من خلال رسالة له يقول فيها: منها قوله: -يعني: أن خصماً من الخصوم قد جمع المفتريات والاتهامات من كذب وتلبيس وغير ذلك على الدعوة- إني مبطل كتب المذاهب الأربعة.
وهذه ليست قول واحد من الخصوم، لكن أراد الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن يرد على واحد ليوثق أن هذه المقالة لم يسمعها من عامة الناس، بل إنما سمعها من واحد يدعي العلم، وهي السائدة في وقته ليس فقط في مجتمع الإمام: محمد بن عبد الوهاب، بل السائدة في عموم جزيرة العرب، كما انتقلت هذه الشبهات إلى دول المغرب وإلى الشام وهو حي، فهو أجاب على واحدة منها، كتب هذه الشبهات أحد خصومه.
وقال الشيخ يذكر كلام الخصم: وإني أقول: إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء.
المقدم: يقصد أنهم كفار.
الشيخ: نعم، ثم قال: ثالثاً: وإني لا أدعي الاجتهاد.
فتأمل ورع الشيخ، وكيف أن خصومه يعترفون له بدرجة الاجتهاد وهو ينفي عن نفسه ذلك، وكون الخلق يعترفون له بالاجتهاد، فهذا فضل من الله ، لكنه يقول: أنا لا أدعي الاجتهاد.
ثم رابعاً: يقول: وإني خارج عن التقليد.
يعني: عن الاتباع والاهتداء بأئمة سابقين، فهم قالوا: إن الشيخ ليس له سلف ولا يعترف بالعلماء السابقين ولا المعاصرين، وبالمناسبة قبل أن أذكر جواب الشيخ، العجيب أني قد وجدت أن أقوى رسائل الشيخ هي للعلماء المعاصرين له في كل مكان يصل إليه، فكان يحترمهم ويجلهم بخلاف ما يزعم هؤلاء الخصوم من أن الشيخ ودعوة الإمام تتقوقع على أهلها، فقد كتب لأئمة اليمن رسائل في مدحهم والثناء عليهم، والاعتراف لهم بالفضل والعلم، هذه الرسائل تكتب بماء الذهب، وكذلك كتب إلى علماء الشام وعلماء العراق وعلماء المغرب يعترف لهم بالعلم والإمامة، ومن هنا أنبه على دعوة الكذبة الذين كذبوا علينا -من الذين ينتسبون للدعوة ومن خصومها- فقالوا: إن منابذة العلماء من منهج الشيخ الإمام: محمد بن عبد الوهاب! والعكس صحيح، فالشيخ: محمد يحترم ويجل العلماء، حتى الذين يخالفونه، ودليل ذلك ما حصل منه من مراسلة العلماء في عصره.
خامساً: وإني أقول: إن اختلاف العلماء نقمة، يقولون هذا كذب علي.
سادساً: أني أكفر من توسل بالصالحين.
وسابعاً -والترقيم من عندي-: وإني أكفر البوصيري في قوله: يا أكرم الخلق.
وثامناً: وإني أقول: لو أقدر على هدم قبة رسول الله ﷺ لهدمتها.
وتاسعاً: ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب.
وعاشراً: وإني أحرم زيارة قبر النبي ﷺ .
والحادي عشر: وإني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما.
والثاني عشر: وإني أكفر من حلف بغير الله، وكل هذه اتهامات اتهمني بها الخصم.
المقدم: وفيها شيء من التلبيس.
الشيخ: والثالث عشر: إني أكفر ابن الفارض وابن عربي.
والرابع عشر: أني أحرق (دلائل خيرات) و (روض الرياحين)، وأسميه: (روض الشياطين).
فهذه نماذج ما ثبت عن الشيخ؛ لأنه وثقها بكتابته، والخصوم لم ينكروا ما يقولونه، بل جادلوه فيها في عدة رسائل، ورده على الرسائل موجودة، مع العلم أن هناك أعظم من ذلك، مثل دعواهم أنه يبغض النبي ﷺ ! تأمل إلى الجواب الموجز، فقد نسف هذه المفتريات بسطرين، ولم يرد عليها واحدة واحدة، مع أنه في رسائل أخرى رد على بعضها بشيء من التفصيل، وفي رسائل أخرى كفاه العلماء في وقته بالرد، وهو منشغل بالتأصيل والتأسيس وانطلاق الدعوة، ثم قال: جوابي عن هذه المسائل أن أقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦].
يعني: أن كل ما قيل عليه تبرأ منه، وطبعاً سيستثني المسائل التي فيها لبس، وقبله وجد من بهت محمداً ﷺ بأنه يسب عيسى بن مريم ويسب الصالحين، فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب وقول الزور.
ثم ذكر قوله : ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل:١٠٥]، وبهتوا النبي ﷺ بأنه يقول: إن الملائكة وعيسى وعزيراً في النار، فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١].
ثم فصل بعض التفصيل في بعض المسائل التفصيل المنهجي العلمي الموضوعي.
ثم قال رحمه الله تعالى: وأما المسائل الأخرى
стр. 86
دعوى عدم محبة الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه النبي ﵊ والأولياء الصالحين
المقدم: إذاً: فالكذب الذي حصل على الشيخ ﵀ في عصره لا زال يتكرر، حتى في هذه العصور التي نعيشها، فهناك كذب صريح على الشيخ، وقد تبرأ من كثير من الأشياء التي نسبت إليه، ووضح بعض الأشياء التي فيها شيء من الغموض، وأكد على أشياء أنه قال بها؛ لأنها وردت في كتاب الله وفي سنة نبيه ﷺ .
الشيخ: نعم، فمنذ وقته وإلى يومنا هذا نجد أن أغلب الشبهات والبهتان والمفتريات التي أثيرت في وقتها على الشيخ تكرر بأساليب حسب العصر وحسب المصطلح.
المقدم: من هذه المفتريات أو الشبه التي نسمعها والتي تحتاج إلى شيء من الإيضاح، قولهم: أنتم يا من اتبعتم دعوة الشيخ: محمد بن عبد الوهاب لا تحبون النبي ﵊ والأولياء الصالحين! بدليل أنكم لا تعملون مولد النبي ﵊، ولا تتوسلون بالأولياء، فهل هذا فيه شيء من عدم حب النبي ﵊ والأولياء الصالحين؟ الشيخ: عندما توسعت الدعوة وصار لها كيان سياسي أحب أن أشير بإيجاز أو أذكر لمحة بسيطة حول قضية يثيرها الخصوم: وهي أن الدعوة حينما قويت أو توسعت وصار لها كان سياسي لم تبدأ بقتال، وهذه هي الحقيقة التاريخية التي لا محيد عنها.
كما أنه قد اعتدي عليها، وحرمت من بعض الشعائر التعبدية كالحج، فقد منع أتباع الدعوة من الحج سنين، وما ذاك إلا محاصرة للدعوة ولأفرادها، مع أن الإسلام يأمر أتباعه بالدفاع عن أنفسهم إن حصل عليهم اعتداء، بل وأصحاب العقول السليمة يقولون بذلك، والمهم أنه في وسط أو آخر عهد الدولة السعودية الأولى بدأت الدولة تصدر ما يشبه النظام الذي تتبناه ومنهجها تجاه الآخرين، وأقول هذا لأن فيه جزءاً من الجواب عن الذي سألت عنه.
وقد دخل الإمام: عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب على الملك سعود بن عبد العزيز في مكة وعرض عليه أصولهم ومبادئهم علناً أمام الناس، وكان ذلك بمثابة دستور واضح.
يقول: وأما ما يكذب علينا ستراً للحق وتلبيساً على الخلق بأنا نفسر القرآن برأينا، ونأخذ من الحديث ما وافق فهمنا من دون مراجعة شرح ولا معول على شيخ، وأنا نضع -أي: نقلل- من رتبة نبينا محمد ﷺ بقولنا: إن النبي رم في قبره هكذا زعموا، وعصا أحدنا أنفع له منه، وليس له شفاعة، يعني: النبي ﷺ كما زعموا، وأن زيارته غير مندوبة، وأنه كان ﵊ -انظر إلى هذا البهتان والكذب على أئمة الدعوة- لا يعرف معنى لا إله إلا الله حتى أُنزل عليه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، مع كون الآية مدنية! فانظر اللفتة العجيبة في ذلك.
ثم قال رحمه الله تعالى: وأننا لا نعتمد على أقوال العلماء، وأننا نتلف مؤلفات أهل المذاهب لكون فيها الحق والباطل، وأننا مجسمة، وأننا نكفر الناس على الإطلاق من أهل زماننا ومن بعد الستمائة، فانظر تجد أنها هي نفس الشبهة التي قيلت للشيخ.
ثم قال ﵀: إلا من هو على ما نحن عليه، ومن فروع ذلك: أننا لا نقبل بيعة أحد إلا بعد التقرير عليه بأنه كان مشركاً، وأن أبويه قد ماتا على الإشراك، وأننا ننهى عن الصلاة على النبي ﷺ ، ونحرم زيارة القبور المشروعة مطلقاً، وأن من دان بما نحن عليه سقط عنه جميع التبعات حتى الديون.
المقدم: إذاً: فما الفرق بين هذا الدين وبين دين المشركين في عهد النبي ﵊؟ الشيخ: نعم، فانظر البهتان.
ثم قال: وأننا لا نرى حقاً لأهل البيت رضوان الله عليهم، وأننا نجبرهم على تزويج غير الكفء لهم، وأننا نجبر بعض الشيوخ على فراق زوجته الشابة لتنكح شاباً إذا ترافعوا إلينا، فلا وجه لذلك، وذكر في أول الحديث أن بعض علماء مكة والحجاز استفهموا عن حقيقة هذه الأمور، وأن أئمة الدعوة والعلماء والإمام سعود، وهو الذي يعتبر ملكاً ومع ذلك كان عالماً فقيهاً، تولى الرد على هذه الشبهات مع الشيخ: عبد الله.
يقول: فكان جوابنا في كل مسألة من ذلك: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦]، فمن روى عنا شيئاً من ذلك أو نسبه إلينا فقد كذب علينا وافترى.
المقدم: إذاً: دعنا يا شيخ في صلب هذه الشبهة، يعني: أنهم لا يحبون النبي ﵊ بدعوى أنهم لا يحتفلون مثلاً بمولده، ولا يحتفلون بالإسراء والمعراج، ولا يدعون إلى زيارة قبره، فهل هذا المنع من هذه الاحتفالات ناتج عن دليل صحيح؟ الشيخ: أحياناً هم يجعلون الحق باطلاً، يعني: أن الدعوة قد قامت على السنة ومحو البدعة، مع أن كثيراً من المسلمين قد ابتلي ببدع كثيرة لا يقرها الشرع، وأغلب البدع تتعلق بممارسات تجاه النبي ﷺ ، مثل: الموالد، والتوسل البدعي، ودعاء النبي ﷺ من دون الله، ودعاء الأولياء أو الطغاة في قبورهم أو التوجه إليهم بالتوسلات البدعية، فهذه لا شك أنها من البدع المنكرة وقد منعتها الدعوة، وذلك لما تمكنت الدعوة
стр. 87
دعوى أن الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه جاءوا بمذهب خامس على المذاهب الأربعة
المقدم: هناك أيضاً دعوى نسمعها مفادها: أن مذهب الوهابية -كما يسمى- هو المذهب الخامس بعد المذاهب الفقهية الأربعة.
الشيخ: نعم، فهذه أيضاً من الأمور التي لا تزال مع الأسف تثار حتى عند بعض من ينتسبون للعلم، وعند من زاروا هذه البلاد خاصة، وذلك بعد هذا الانفتاح وظهور المؤسسات العلمية، كالجامعات ومراكز البحوث والمؤتمرات والمجمعات والمجامع التي جمعت علماء المسلمين في هذه البلاد وغير هذه البلاد، والذين عرفوا فعلاً أننا لسنا مذهباً خامساً، ومع ذلك لا تزال هذه الشبهة تقال، ودعني أيضاً أوثق هذا من كلام أئمة الدعوة.
يقول: ولا نفتش على أحد في مذهبه -هم اتهموا بأنهم يرغمون الناس ألا يقبلوا غير مذهبهم- ولا نعترض عليه إلا إذا اطلعنا على نص جلي مخالف لمذهب أحد الأئمة، وكانت المسألة مما يحصل بها شعار ظاهر كإمامة الصلاة، فنأمر الحنفي والمالكي مثلاً بالمحافظة على الطمأنينة والاعتدال؛ لأنه لا يعقل أن الإمام أبا حنيفة لا يرى الطمأنينة والاعتدال، فهذه اجتهادات جاءت عن أصحابها، ونحن ننكر ما يخل بالصلاة مثلاً، والجلوس بين السجدتين؛ لوضوح دليل ذلك، بخلاف جهر الإمام الشافعي بالبسملة فلا نأمره بالإسرار، فإذا عرفنا أن مذهبه شافعي ما ننكر عليه لماذا تجهر، ولا نلزمه بالإسرار قال: وشتان ما بين مسألتين، قال: فإذا قوي الدليل أرشدناهم بالنص وإن خالف المذهب، وذلك يكون نادراً جداً، ولا مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض فلا مناقضة لعدم دعوى الاجتهاد، وقد سبق جمع من أئمة المذاهب الأربعة إلى اختيارات لهم فيها بعض المسائل مخالفين المذهب المتزن.
ثم يقول: ثم إنا نستعين على فهم كتاب الله بالتفاسير المتداولة المعتبرة، ومن أجلها لدينا تفسير ابن جرير ومختصره لـ ابن كثير والشافعي وكذا البغوي والبيضاوي والخازن والحداد والجلالين وغيرهم.
لكن مع التحفظ على بعض الأخطاء الموجودة في هذه الكتب.
قال: وعلى فهم الحديث بشروح الأئمة المبرزين كـ العسقلاني أو القسطلاني على البخاري والنووي على مسلم والمناوي على الجامع الصحيح.
بمعنى: أن هؤلاء يمثلون عدة مذاهب ومدارس، وعليه فنعول على كتبهم ونرجع إليها في ذلك الوقت، أي: في أول قيام الدعوة قبل ما يسمى بالانفتاح.
يقول: ونحرص على كتب الحديث خصوصاً الأمهات الست وعلى شروحها، ونعتني بسائر الكتب في سائر الفنون أصولاً وفروعاً وقواعد وسيراً ونحواً وصرفاً وجميع علوم الأمة.
ثم قال: ولا نأمر بإتلاف شيء من المؤلفات أصلاً، إلا ما اشتمل على ما يوقع الناس في الشرك.
ثم قال: وما يفعله بعض الجهلة نتبرأ منه.
المقدم: إذاً: مذهب الشيخ: محمد بن عبد الوهاب هو لا ينفك عن المذاهب الأربعة الفقهية، وإن كان ﵀ يعتمد على الدليل وصحة الدليل، سواء وافق المذهب أم لم يوافق.
стр. 88
دعوى مسارعة الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه إلى التكفير والتشدد في الآراء الفقهية
المقدم: دعنا يا شيخ في الأخير نعرج على مسألة أو دعوى هامة جداً، ونريد أن نشير إليها إشارات سريعة فنقول: إن هناك دعوى بأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه يكفرون ويسارعون بالتكفير، وأنهم يعرفون بالتشدد وبالآراء الفقهية التي هي صادرة عن التشدد، والأخذ مثلاً بالأحوط حتى وإن كان هناك سعة على الأمة، فكيف تردون على هذه الدعوى؟ الشيخ: قبل أن أوثق من كلامهم عليهم رحمة الله تعالى لابد من مقدمة يسيرة فأقول: أولاً: لنعرف أنهم ينطلقون من الكتاب والسنة، ومن الأدلة الصحيحة الصريحة، فهم يكفرون من أهل الملل من لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ لأن الله هو الذي كفرهم لا هم، وبقية أهل الملة الذين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فالإمام: محمد بن عبد الوهاب وأتباعه إلى يومنا هذا من أكثر الناس تورعاً عن تكفير الأعيان، وعن تكفير الناس جملة وتفصيلاً، حتى إنهم لم يكفروا المخالفين من الفرق، بل هم يتفقون على أن الفرق الإسلامية التي لم تخرج عن الملة لها حق الإسلام، وهي من أهل القبلة.
ثانياً: أنه قد يوجد من بعض المجتهدين من علماء هذه الدعوة ومن أتباعها من يخطئ فيكفر من ليس بكافر، لكن ليس هذا هو المنهج.
ومن هنا فإن كثيراً من المفتونين مع الأسف الآن، وبعضهم قد يكون من أبناء جلدتنا، لكنهم فتنوا، فيذهبون إلى الدروس السنية لأئمة الدعوة، فيلتقطون بعض العبارات التي تشعر بالتكفير فينسبونها إلى الدعوة.
إذاً: أعود فأقول: دع الشيخ يدفع هذه الدعوى الباطلة.
المقدم: دعوى التكفير أم التشدد؟ الشيخ: التكفير والتشدد مصطلحان لا انفصال بينهما.
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: ولا أكفر أحداً من المسلمين بذنب، ولا أخرجه عن دائرة الإسلام.
ثم قال في هذه الرسالة أيضاً: أما المسائل الأخرى وهي أني أقول: لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى لا إله إلا الله، هذه سبق الكلام عنها.
ثم قال طالباً من الذين يرددون هذه الشبهات والأقاويل أو ترد إليهم: ثم اعلموا وتدبروا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦].
أي: يقولون لكم: إني أكفر بكذا وكذا، فهلا أثبتم عليَّ ذلك، وقد أرسل إليه أحد علماء اليمن رسالة يقول: بلغني عنك أنك تقول كذا وكذا، ذكر من ذلك أنك تقول بالتكفير؛ ولأنه عالم في اليمن قال: أنا لا أصدق الناس -انظر ما شاء الله متثبت- أنك تكفر بالعموم ولا تريد الصالحين، ولا تعمل بكتب المتأخرين إلى آخر كلامه.
همنا موضوع التكفير.
قال: وأما الكذب والبهتان فمثل قولهم: إنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وأنا نكفر من لم يكفر ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله.
المقدم: إذاً: يا شيخ هناك فعلاً شبهات وافتراءات على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهذه دعوة منك إلى جميع الناس في أقطار العالم أن يراجعوا دعوة الشيخ من منابعها الأصلية، وألا يكتفوا بأحكام الآخرين أو انطباعاتهم.
وفي ختام هذه الحلقة ضمن سلسلة حلقات حراسة العقيدة، نشكر الشيخ: ناصر بن عبد الكريم العقل أستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة بجامعة الإمام: محمد بن سعود الإسلامية.
والشكر موصول لكم مشاهدي الكرام على متابعتكم لسلسلة حلقات حراسة العقيدة، وهذه هي آخر حلقة من برنامجكم حراسة العقيدة.
إلى أن نلتقي بكم في حلقة قادمة نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 89
مصدر تلقي العقيدة عند العقلانيين
لقد انتكست مفاهيم أهل الأهواء عندما جعلوا العقل مصدر تلقٍ للعقيدة، فقد خاضوا بعقولهم في الغيبيات، فضلوا وأضلوا، وما علم هؤلاء أن العقل له وظيفة محددة، بل أطلقوا له العنان والخوض في كل شيء، فكان ما كان من انحرافهم وشذوذهم، فينبغي للمؤمن أن يعمل عقله فيما خلق له، ولا يقحمه فيما لا دخل له فيه فيهلك، بل عليه أن يستسلم لشرع الله ، حتى وإن خالف عقله وهواه.
стр. 90
التعريف بالعقلانيين
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن من أعظم المصائب التي ابتلي بها المسلمون في تاريخ الإسلام، والتي حرفت الكثيرين عن منهج الحق هي تقديس العقل وتعظيمه وإعطاؤه أكثر مما خلق له، والتعويل عليه أكثر مما يطيق، وهذه البلية إنما وفدت على المسلمين بسبب عوامل كثيرة لعل من أخطرها وأهمها: العقائد الموروثة والفلسفات المستوردة التي وفدت على المسلمين عن طريق أهل الكتاب، وعن طريق الزنادقة الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا عقائدهم، وأيضاً عن طريق جانب الضعف الذي ابتلي به المسلمون حينما ظنوا أنهم بحاجة إلى علوم الآخرين، فترجموا كتب الفلسفة وعلم الكلام من لغات اليونان وغيرهم إلى اللغة العربية في بداية القرن الثاني الهجري وما تلاه.
هذه بداية الافتتان بالاتجاهات العقلية كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
كما ذكرت لكم في درس سابق أن الأصل الذي يقوم عليه الدين هو التسليم لله تعالى، والتسليم لرسوله ﷺ ، ومن هنا أخذ معنى الإسلام، فالإسلام هو الاستسلام لله بالطاعة، والانقياد له، والخلوص من الشرك، وعلى هذا يكون معنى الإسلام التسليم لله تعالى بأمور: أولاً: بالتأله والعبادة والخضوع والذل، وصرف جميع أنواع العبادة له سبحانه وحده.
ثانياً: بتصديق خبره.
ثالثاً: بامتثال أمره واجتناب نهيه.
رابعاً: بالقناعة وباطمئنان القلب بما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ .
ولا شك أن من التسليم لله تعالى التسليم للرسول ﷺ ، فلا يتم التسليم لله تعالى إلا بالتسليم له؛ لأنه ﷺ هو الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وهو الذي جاءنا بالحق والهدى والنور.
إذاً: فالتسليم إنما يقوم على التعبد والتصديق وعلى العمل والامتثال، ويشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] أي: تسليم التصديق، وتسليم الامتثال، وتسليم القناعة أيضاً، وبعض الناس قد يصدّق وقد يمتثل، لكن لا تكون عنده قناعة بقضاء الله وقدره وشرعه وأمره ونهيه، فهذا تسليمه ناقص.
إذاً: فنستطيع أن نقول: أساس التسليم: الإيمان بالغيب، والغيب إنما سمي بذلك؛ لأنه غائب عن الناس، غائب عن المدركات وعن العقول، فلا يستطيع بشر ولا مخلوق أن يدرك الغيب، إلا من أطلعه الله عليه، وعلى هذا ممكن أن يرد سؤال عن المقصود بالعقلانيين: من العقلانيون إذا وردوا، خاصة إذا جاء هذا الاصطلاح في مباحث الاعتقاد وأصول الدين؟ العقلانيون هم الذين يقدّسون العقل، ويعتمدون على أفكار البشر وفلسفاتهم وآرائهم، ويقدمونها ويحكمونها في كلام الله تعالى وشرعه، ويقدمونها ويحكمونها في سنة رسول الله ﷺ ، ويجعلون العقل -وهو نتاج البشر- أكثر وأعلى درجة ومنزلة من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ، بل يجعلون أقوال البشر وآراءهم أيضاً هي المقدمة وهي المحكّمة على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﵊.
أيضاً العقلانيون هم الذين يقحمون العقول فيما لا مجال لها ولا طاقة لها به، فهم يقحمون العقول في أمور التشريع فيما ورد عن الله تعالى وورد عن النبي ﷺ ، ويقحمون العقول أيضاً في أمور الغيب وأخبار الغيب، وليس المقصود بالعقلانيين هم الذين يفكّرون بعقولهم على هدى وبصيرة، أو الذين يستخدمون عقولهم كما أمر الله تعالى! لا، هؤلاء لا يسمون بالعقلانيين، إنما هؤلاء هم الذين على السنة وعلى الحق والهدى، وهم أهل الاقتداء والاهتداء، أما كلمة العقلانيين إذا أُطلقت فتُطلق مقابل أهل السنة والجماعة، وتطلق والمقصود بها الذين يقدّسون العقل ويقحمونه فيما لا طاقة له.
стр. 91
أصناف العقلانيين
العقلانيون في تاريخ الإسلام أصناف: أولها وأخطرها -وهم العقلانيون الخلّص-: الفلاسفة، ولا أقصد بذلك الفلاسفة الذين سبقوا المسلمين، لا، أولئك أمرهم واضح؛ لأنهم لم يكونوا على الإسلام أصلاً، إنما أخطر العقلانيين وأنكأهم على الأمة الإسلامية هم الفلاسفة المسمّون بالفلاسفة الإسلاميين، الذين يعلنون الإسلام ويظهرونه، وهم في حقيقة أمرهم إنما يستمدون دينهم من عقولهم ومن فلسفة السابقين لهم، كـ ابن سينا والفارابي وابن رشد وابن عربي ومن نحا نحوهم.
إذاً: هؤلاء الفلاسفة الخلّص هم أخطر طبقة من العقلانيين؛ لأنهم يخلعون الدين كله، حتى ما يتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته، وأمور الغيب كاليوم الآخر وما فيه، وكالأخبار التي أخبر النبي ﷺ بها من أخبار الغيب كل ذلك يخضعونه للعقل إخضاعاً خالصاً، ولا يعوّلون فيه على النصوص.
الطبقة الثانية من العقلانيين: المتكلمون، وهم أيضاً لا يقلون خطورة على الفلاسفة لأمور: الأمر الأول: أن أمر الفلاسفة معروف، وأيضاً اشتهروا بخلاف ما عليه أهل السنة في الاعتقاد والعمل.
الأمر الثاني: أن المتكلمين تكلفوا في خلط نصوص الشرع بأصول الفلاسفة، والأصول العقلية التي كان عليها العقلانيون، أي: أنهم حاولوا التلفيق بين ما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ وبين زبالة عقول البشر، فبهذا المنهج التلفيقي ظهرت أعظم وأنكى الفرق على المسلمين وأخطر الفرق، ابتداءً من الجهمية وهم أول من تجرأ على أصول الدين بالعقل، خاصة على الأصول الكبرى القطعية المجمع عليها، ثم المعتزلة، ثم ما تفرع عنهم من فرق، وتلاهم بعد ذلك المتكلمون من الأشاعرة والماتريدية، وإن كانوا أخف وأقل غلواً، لكنهم أقحموا العقول في بعض أصول الدين مما جعلهم ينحرفون عن منهج السلف في هذه الأصول.
أيضاً من العقلانيين: أغلب المتصوفة، وسيأتي في حلقة قادمة الحديث عن منهج المتصوفة، وستسمعون شيئاً من ذلك، وأن أغلب المتصوفة يعتمدون على الهوى والذوق، والذوق إنما هو منهج عقلي ينافي منهج الكتاب والسنة، وينافي التسليم.
هذا في القديم، أما في الحديث فقد ظهرت اتجاهات كثيرة عقلانية خالصة، أو اتجاهات ملفقة تحاول أن تلفق بين دلالات النصوص الشرعية وبين المناهج الفلسفية والعقلية من ناحية، ومن ناحية أخرى بين الدلالات الشرعية وبين النظريات الغربية الحديثة، وهي التي افتتن بها المسلمون أكثر من غيرها.
فهؤلاء أصحاب اتجاهات لا يمكن حصرهم، إنما يجمعهم اتجاه واحد أو وصف واحد، وهو وصفهم بالعلمانيين، فأغلب العلمانيين على هذا الاتجاه.
فالعلمانيون ورثوا أغلب أفكار الفرق القديمة من حيث تسلطهم على الإسلام من ناحية، وعلى نصوصه وشرعه وأحكامه، ومن ناحية أخرى أنهم جعلوا عقولهم وأهواءهم هي الموازين التي يزنون بها الحق من الباطل، ويزنون بها أنماط السلوك والتصرفات في المسلمين.
وأخطر العلمانيين ما يسمون الآن بالحداثيين، والحداثيون هم توجهات واتجاهات مختلفة، لكنهم الورثة الحقيقيون للفرق؛ لذلك نجدهم أكثر الناس إشادة بشذاذ الفكر القدامى، وهم الذين أشادوا برءوس البدع القدامى ولا يزالون يشيدون بهم، كما أنهم يشيدون باتجاهات الفرق كالمعتزلة والجهمية ومن نحا نحوهم؛ لأنهم يرونهم أصحاب الفكر الحر، والفكر المتحرر التجديدي في تاريخ الإسلام.
ستأتي نماذج من خلال العرض التفصيلي لهذه الاتجاهات.
стр. 92
قيمة العقل في الإسلام
قبل أن أتكلم عن مصدر التلقي عند العقلانيين على التفصيل أحب أن أشير إلى أمر لا بد من الإشارة إليه؛ خوفاً من الالتباس في الفهم، وهذا الأمر هو ما يتعلق بقيمة العقل في الإسلام، بعض الناس ربما يظن أننا إذا تحدثنا عن العقلانيين وعن منهجهم، وقلنا بأن مناهجهم منحرفة ربما يظن أننا بذلك نحجر على العقل الذي خلقه الله وأكرم به الإنسان، لا، ليس المقصود ذلك؛ لأن العقل من أكبر نعم الله تعالى على عباده، بل إنه مناط التكريم والتكليف، فالله تعالى إنما كرم بني آدم بالعقل عن غيرهم من سائر المخلوقات؛ فلذلك منزلته في الإسلام أعظم منزلة، والله كثيراً ما يشير إلى العقول والألباب والقلوب، ويجعلها مناط التفكير والتبصّر في أمر الله وخلقه وقدره، والتبصر في أمر الهداية والضلال، لكن العقل له وظيفته وله مجاله، فالله حينما خلق الخلق وميزهم بالعقول جعل لهذه العقول وظيفة كبرى وعظمى، بل جعل من وظائف العقل ما هو كفيل بكده وإتعابه إلى أن تقوم الساعة، وإليكم بيان ذلك: أولاً: أناط الله أمر الاجتهاد في النصوص الشرعية واستنباط الأحكام منها على ضوء مستجدات الحياة بالعقول.
والحياة كل يوم فيها مستجدات، والله كلفنا أن نستنبط الأحكام ونحل المشكلات من نصوص الشرع من الكتاب والسنة بعقولنا، فلذلك نجد أن مجال الاجتهاد لا يزال مجالاً واسعاً رحباً لم تف به عقول العباقرة حتى الآن، بل نجد أن المسلمين مقصّرون كل التقصير في استنباط الأحكام من نصوص الشرع في مستجدات الحياة.
إذاً: المسلمون بل وجميع البشر إلى الآن ما وظفوا عقولهم الوظيفة الكافية فيما كلفهم الله به، فَلِمَ يتطّلعون إلى ما لا يطيقون؟ ثانياً: أن الله كلف العقول وأصحابها بعمارة الأرض واستعمارها بكل وسيلة مباحة.
وعمارة الأرض واكتشاف كنوزها وأسرارها، والنظر في خلق الله تعالى، وفي ملكوت السماوات والأرض، والتفكر الذي يؤدي إلى توحيد الله تعالى وتعظيمه والخضوع له وعبادته، كل هذا لا يتم إلا بكد العقول، فهذه وظيفة كبرى للعقول لم تف بها كاملة إلى الآن.
إذاً: فالعقل لا يزال مقصراً في هذا الجانب، فَلِمَ يتطلع العقل إلى ما لا يطيق؟ لِمَ يتطلع إلى أمر الغيب والغيب محجوب؟ لم يتطلع إلى أن يقول في التشريع، والتشريع إنما جاء به الله ، والله أعلم بشئون عباده من خلقه؟ ثالثاً: من مجالات العقول التفكّر والنظر في حكم التشريع.
حِكَم التشريع لا نهاية لها، أو لا يمكن الوصول إلى غايتها على الإطلاق، لكن مع ذلك لا مانع للإنسان من أن يتفكر بعقله في حِكَم بعض التشريع؛ ليزداد إيماناً.
رابعاً: من وظائف العقل التمييز بين الخير والشر، وبين النافع والضار في الجملة.
فعلى هذا يكون العقل من أعظم الوسائل التي ترشد الناس إلى الخير وإلى الفضيلة، والتي بها يحققون الاجتهاد على هدي من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهذه الوظائف للعقل وظائف كبرى وعظمى تغنيه عن أن يتطلع إلى ما لا يطيق.
إذاً: فكف العقل عن الخلط في الغيب ليس هجراً له إنما هو إشفاق عليه، فالله أشفق على عقول عباده حينما أخبرنا ببعض أمور الغيب التي لنا فيها مصلحة، وحجب عنا الكثير، فما أخبر الله به من أمور الغيب نؤمن به ونسلم، ولا نتطلع إلى تفصيلاته؛ لأننا لو عرفناه ما صار غيباً، والله امتدح الذين يؤمنون بالغيب، بل جعل قاعدة الدين والهداية هي الإيمان بالغيب: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:١ - ٣] فالخوض في الغيب ينافي الإيمان به؛ لأن الإيمان بالغيب يعني: التسليم بأن خبر الله صدق وحق، وإذا حاول الإنسان أن يخوض في الغيب فإنه غير مسلم بكلام الله ولا بخبره، إنما يكون مشككاً، والتشكيك في الغالب يهدم الدين والإيمان.
стр. 93
أقسام العقول
ينبغي أن نعلم أن العقل عقلان: عقل هداية، وعقل معيشة.
أما عقل الهداية فيهبه الله تعالى لمن يشاء من عباده، ولا يمكن لأحد من الناس أن يكسب عقل الهداية بمجرد عبقريته أو ذكائه، ولا يمكن لأحد من الناس أن يكون مدركاً لأمر الهداية والرشد إذا لم يهد الله قلبه للإسلام.
فهذا العقل يهبه الله لمن يشاء، وهو منحة من الله.
أما العقل الآخر: فهو عقل المعيشة، فهذا لدى جميع الناس، لا فرق بين مؤمن وكافر، كل الناس فيهم عقول معيشة، لكن الكفار يفقدون عقول الهداية، والمسلمون وهبهم الله عقول الهداية التي بها يتفكرون في أمر الله وخلقه، ويهتدون إلى عبادته، ويسترشدون إلى الخير والهدى والصلاح على ما يرضي الله .
هذا الفارق نجده في سلوك الناس، وفي بعض النماذج التي ممكن أن تكون فيها عبرة، ولو استعرضنا أحوال بعض الصحابة كـ عمر بن الخطاب ﵁ فقد كان آية في الذكاء والعقل، لكن قبل أن يهديه الله للإسلام جعله عقله المعيشي يغفل عن بدهيات الخير والفضيلة، فكان يأخذ التمر ويصنع منه صنماً ويعبده ثم إذا جاع أكله، فكان بعد إسلامه يضحك على نفسه: كيف كان يفعل ذلك؟ لم يهده عقله العبقري عقل المعيشة إلى الخير والهدى، وكذلك تعرفون قصته ﵁ حينما دفن ابنته في الجاهلية، فحين كان يحفر لها كانت تعبث بلحيته وتقول: يا أبي يا أبي، ومع ذلك لم يرق قلبه وإنما دفنها حية خوف العار، أنفعه عقل المعيشة؟ لم ينفعه؛ لأن الله لم يهده، لكن لما اهتدى عمر بن الخطاب كان آية، بل كان هو الفاروق بين الحق والباطل، ونصر الله به الإسلام، وأعز به الشرع والدين، حينما وهبه الله عقل الهداية.
ومثالاً آخر أيضاً فيه لنا عبرة وعظة: الآن نجد من البشر من هم من أكبر الناس عقولاً وذكاءً، ومع ذلك يقعون في أخس التصرفات التي يشمئز منها كل ذي فطرة سليمة، خذوا مثلاً: الهنود، فالهنود الآن الذين لم يسلموا من أكبر الناس عقولاً وحكمة، بل يُضرب المثل في حكمتهم، ومع ذلك يعبدون أخس المخلوقات؛ لأن الله لم يهبهم عقول هداية، ما نفعتهم عقولهم، يعبدون الفرج، ويعبدون القرد، ويعبدون البقر وغير ذلك من المعبودات الخسيسة.
فمن عبد غير الله فليس بعاقل عقل هداية، فكيف من عبد أخس المخلوقات؟ إذاً: عقل الهداية لا يأتي بالذكاء ولا بالعبقرية، ولا يأتي بعلوم الدنيا، ولا يأتي بأي كسب من أنواع الكسب الدنيوية، إنما هو هداية من الله ، وهذا الميزان هو الذي نستطيع أن نزن به أحوال الناس اليوم، الذين يعقلون والذين لا يعقلون، فأكثر الناس الذين يريدون أن تشيع الفاحشة، ويريدون أن يروجوا للضلالة بين الناس يستعملون بعض العقليات وبعض الحجج العقلية، وهؤلاء عموا عن الحق، أعميت بصائرهم عن الحق.
стр. 94
كيفية نشوء النزعات العقلية
بدأت النزعات العقلية في تاريخ الإسلام بالتدرج، كانت في أولها مجرد نزعات يسيرة فردية، ثم تحولت إلى فرق، وهي الفرق الهالكة، كالتي أخبر بها النبي ﷺ حينما قال: (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة) وذكر أن كلها هالكة إلا واحدة، والفرق التي هلكت كلها بالاتجاه العقلاني استعملت أهواءها وعقولها، وتركت منهج السلف في الاستدلال، وتركت الاهتداء بكلام الله تعالى وهدي رسوله ﷺ فهلكت، لكن قبل أن تكون الفرق كانت هناك نزعات فردية، أولها ما حدث في عهد النبي ﷺ ، وهذا ليس له أثر في الدين، إنما فيه عبرة من حال المنافقين وأهل الكتاب والمشركين، فالمنافقون والمشركون وأهل الكتاب مع كون القرآن يتنزل على رسول الله ﷺ كانوا يحتجون على الشرع بعقولهم، وعلى القدر بعقولهم، لم يهتدوا؛ لأن الله كتب عليهم الضلالة، ثم بعد ذلك ظهرت نوازع فردية من بعض الناس، كالرجل الذي اعترض على قسمة رسول الله ﷺ الغنائم يوم حنين، وهو الذي أخبر النبي ﷺ أنه سيكون أصل الخوارج، قال ﷺ : (سيخرج من ضئضئ هذا الرجل أناس يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) فالخوارج خرجوا بأهوائهم على المسلمين، وكبعض الأشخاص الذين ظهروا في عهد عمر بن الخطاب مثل: صبيغ بن عسل التميمي الذي بدأ يضرب بعقله آيات الله بعضها ببعض، آيات القدر، فكان يفسّر الآيات ويقول: هذا يكون وهذا لا يكون، هذا كيف يصير؟ وهذا كيف لا يصير؟ فذكر أمره عند عمر بن الخطاب فجاء به، فأدرك أن فيه شكاً وريباً، وأنه بدأ يستعمل عقله في أمر القدر وأمر الغيب والشرع الذي لا يعلمه إلا الله ، فأدرك أنه مريض القلب والعقل، فضربه عمر بالدرة حتى أدمى رأسه، وقال: كفى يا عمر أتريد أن تقتلني؟ أجد ما في رأسي قد ذهب، وعزله عمر عن الناس سنة كاملة لا يتحدث إليهم ولا يتحدثون إليه؛ لأنه عقلاني يعترض على الدين بعقله، وبذلك تأدب الناس في عهد عمر.
ثم بدأت أيضاً نزعات أخرى في عهد صغار الصحابة: نزعات الأهواء، وكانوا يسمون أصحاب القدر، الذين يعترضون على القدر جبراً أو اختياراً ويتكلمون فيه، وكان الصحابة يسمونهم: أهل الرأي وأهل القياس، ولا يقصدون بذلك قياس الشرع القياس الفقهي، قياس حكم على حكم أو قضية على قضية، إنما كانوا يقيسون الأمور الغيبية بالأمور المشاهدة، وهذا خطأ، فسماهم الصحابة: أهل القياس.
وقال علي ﵁ حينما رأى بعض الذين يتكلمون في الدين برأيهم كأهل الأهواء والخوارج والرافضة وغيرهم، قال: لو كان الدين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى من مسح أعلاه.
يعني: أن الدين ليس بالرأي، الدين شرعه الله ، وعلينا أن نمتثل أمر الله تعالى ولا نقول: هذا يصلح وهذا لا يصلح.
стр. 95
نماذج من رءوس البدع العقلانيين
ظهرت رءوس البدع بعد ذلك، وهم الأشخاص الذين أخذوا يتكلمون بالبدع علناً، أولهم: ابن السوداء وهو اليهودي الذي كاد للإسلام، وأسس دين الشيعة الرافضة الذين هم عليه إلى اليوم، وكان من أول من جهر بالاعتراض على الدين بعقله ورأيه، كان يقول مثلاً: لا يمكن أن يترك الله النبوة بلا وريث، وبما أن النبي ﷺ ليس له أبناء إذاً فوريثه في النبوة صهره وابن عمه علي.
وكان يقول لما مات علي: لا يعقل أن المعصوم يموت! كيف يموت علي؟ لا أبداً، إنما علي رُفع وسيرجع مرة أخرى وهكذا.
كان يقول هذا الكلام عند أناس سُذّج دخلوا الإسلام قريباً ولم يتفقهوا في الدين، فأصبح يروج بينهم هذه المقولات العقلانية حتى صارت ديناً يقتدى به إلى اليوم عند الرافضة، ثم ظهر معبد الجهني وغيلان الدمشقي وأكثر كلامهم كان في القدر، ثم ظهر الجعد بن درهم وهو من رءوس البدع، وبدأ يتكلم في القرآن، وقال: القرآن ليس منزل، والقرآن مخلوق، والله لا يتكلم.
وقال: لا يُعقل أن الله يتخذ إبراهيم خليلاً، وقال: لا يُعقل أن الله كلّم موسى تكليماً، هكذا بهواه لم يسلم لكلام الله تعالى.
وقال: لا يُعقل أن الله تكلم بالقرآن، وقال: إن الإنسان مجبور وليس له حرية ولا إرادة، إن عمل الخير فهو أصلاً عامل للخير سواء اختار أو لم يختار، فجاءت قضية إلغاء التكاليف بعد ذلك.
فلما بدأ يعلن أفكاره العقلانية وقف أمامه السلف وناظروه واستتابوه فلم يتب، فحكموا بردته بإجماع، حتى قتله أحد ولاة المسلمين يوم عيد الأضحى، وقال حينما انتهى من خطبته: ضحوا تقبّل الله ضحاياكم فإني مضح بـ الجعد بن درهم؛ فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، فقتله، وبذلك انقمعت البدعة عشرات السنين، وهكذا دائماً إذا أُقيم حداً لله حفاظاً على دين الله، فإن الدين يُنصر بالرعب، متى ما أُقيم حد غيرة على دين الله تعالى وعلى شرعه، فإن الله ينصر الدين بهذا الحد، ويكف الله عن المسلمين كثيراً من الشرور بهذه الحدود، وكما تعلمون أيضاً يتنزل الخير والغيث بتطبيق الحدود.
وبعد قتل الجعد بن درهم انقمعت فتن المتكلمين والعقلانيين مدة من الزمن، حتى ظهر الجهم بن صفوان وزاد على كلام سلفه الجعد بأمور، ومنها: إنكار الرؤية، قال: لا يُعقل أن المؤمنين يرون ربهم في الجنة.
إذاً: فما تقول في كلام الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]؟ وما تقول في قول النبي ﷺ : (سترون ربكم عياناً)؟ قال: العقل مقدّم ومعصوم عندي.
هذا مبدؤه ومبدأ من جاء من بعده.
ثم أيضاً تكلم في الجنة والنار وقال: لا يمكن أن الجنة والنار تدومان أبداً، قال هذا بعقله، فقيل له: لماذا؟ قال: لا يُعقل هذا فقط، ما عنده دليل، قاس الأمور بعقل المعيشة، لم يوفقه الله لعقل الهداية الذي يسلم لله تعالى، والذي يعلم أن الله على كل شيء قدير.
كل هذه الأمور مربوطة بخبر الله تعالى وبقدرته، وخبر الله صدق وحق، وقدرته لا نهاية لها.
ثم جاء واصل بن عطاء أيضاً واعترض بمجرد عقله على مسألة مرتكب الكبيرة، وذلك عندما كان للحسن البصري ﵀ درس، وكان يقرر مسألة مرتكب الكبيرة: هل هو مخلّد في النار أو لا؟ وسئل، فقال: مرتكب الكبيرة في الدنيا فاسق بمعصيته مؤمن بإيمانه، وفي الآخرة أمره إلى الله، إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له، وإن عُذِّب فستشمله شفاعة النبي ﷺ ، فقال واصل بن عطاء: لا، هذا لا يُعقل.
هذا هو أسلوب العقلانيين حتى الآن، تجد اعتراضهم على الشرع وعلى الدين بهذه الصورة: لا، هذا لا يمكن، هذا لا يُعقل.
فقيل لـ واصل: ما تقول؟ قال: أقول: مرتكب الكبيرة كافر في الدنيا مخلد في النار يوم القيامة، فماذا يقول في أحاديث الشفاعة التي ثبتت عن النبي ﷺ ؟ فقد ثبتت أحاديث قطعية متواترة أن شفاعته تشمل جميع الموحدين من أمته مرتكبي الكبائر وغيرهم، لكنه لا يبالي بالسنة؛ لأن عقله هو المقدم، فأسس مذهباً اسمه: مذهب المعتزلة، كما أسس قبله الجهم بن صفوان مذهب اسمه: مذهب الجهمية.
لم يكتف العقلانيون بمسائل صغيرة من الدين، بل حكّموا عقولهم في أمور غيبية كبرى لا طاقة للعقل بها، فأنكر الجهمية أسماء الله وصفاته بعقولهم، قالوا: عقولنا لا تعقل أن يكون لله أسماء وصفات، فأنكر المعتزلة صفات الله، وقالوا: عقولنا لا تؤمن بأن لله صفات، هكذا بدون دليل، فلو استدلوا بالكتاب والسنة لوجدوا دلالتهما على أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، لكنهم لا يعوّلون على النصوص، بل عقولهم مُحكّّمة.
ثم بعد ذلك تلت الفرق وانفتحت على ا
стр. 96
مصادر العقلانيين
مصادر العقلانيين تتلخص فيما يلي:
стр. 97
الاعتماد على العقل
المصدر الأول: الاعتماد على العقل وهو أخطرها، بمعنى جعل الأفكار والآراء والأهواء العقلانية هي المعتبرة وهي المقدمة على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ، وهي المحكمة أيضاً، فإذا اشتبه عليهم أمر من أمور الدين فالحكم ليس هو قال الله وقال رسوله، لا، الحكم هو العقل! إن المقارنة بين العقل وبين كلام الله تعالى ليست طيبة؛ لأنه لا مقارنة بينهما، فكلام الله هو الحق والصدق، والله هو العليم الخبير وهو الكامل له الكمال المطلق، أيقارن بنتاج العقل؟ العقل عقل البشر، والبشر ناقص، والبشر يعتريه السهو والخطأ والنسيان والخلل والضلال والوساوس والشكوك، فكيف يكون عقله هو المُحكَّم؟ لكن -نسأل الله العافية- انطمست فطرهم، وزالت عقولهم عقول الهداية، فأصبحوا يجعلون العقل هو المقدّس، مع أن هذا لا يتأتى من أبسط الناس الذي ليس عنده عمق في التفكير، فلو قلت له: ما رأيك أيهما نصدّق ونكذّب ما في عقلك أو كلام الله وكلام رسوله؟ سيضحك عليك ويقول لك: هذا الكلام لا داعي له، وربما يقول: هذا كفر، كيف تقول لي هذا الكلام؟ ومع ذلك ضل العقلانيون وانتكست عندهم المفاهيم، حتى ظنوا أن كلامهم وأقوالهم أقدس من كلام الله ومن أقوال الله.
إذاً: الاعتماد المطلق على العقل عندهم هو القاعدة، والعقل هو المُحكَّم، فلذلك فرّعوا على هذه القاعدة المنكوسة تفريعات منكوسة، فقالوا مثلاً: دلالة النقل والشرع ظنية، من قال: إنها ظنية؟ أكلام الله ظني؟ هذا نابع عن تصورهم للقرآن حينما قالوا بأن القرآن مخلوق، وحينما قالوا بأن القرآن إنما عبّر عنه بشر، فتجرءوا على أن يقولوا في القرآن وفي كلام الرسول ﷺ هذا الكلام، فقالوا: دلالة النقل والشرع ظنية، ودلالة العقل قطعية، كيف تكون دلالة العقل قطعية؟ لو نسأل أحد هؤلاء العقلانيين عن عقله: أتدري ما عقلك؟ ما يدري ما عقله، هذا العقل الذي يستخدمه سلاحاً ضد الحق لو نقول له: أين عقلك؟ لقال: والله ما أدري أين عقلي، ولو نقول له: كيف تفكّر أنت؟ لقال: والله ما أعرف كيف أفكّر، وأين روحك؟ والله ما أدري أين روحي، على أي شكل تكون الروح؟ والله ما أدري، إذاً: إذا كنت لا تدري عن نفسك يا مسكين ولا تدري عن عقلك ولا أين عقلك ولا كيف تفكّر، فكيف تقول: العقل قطعي والنقل ظني؟ إنها الضلالة، نسأل الله العافية.
فالإنسان إذا قُدّرت له الضلالة انتكست مفاهيمه، وكما قلت لكم: لو كانت العقول والعبقرية تنفع والذكاء ينفع لما وجدنا الهندي قبل أن يخرج إلى عمله الرسمي، وربما يكون في مقاييس الناس عالم ذرة قبل أن يذهب إلى المعمل يسجد لبقرة منتنة، ثم يذهب ليشتغل في محل عمله، وتجده إذا مر من عند بقرة بالسيارة في الشارع وقف، ولو حتى أدى هذا إلى الحادث تقديساً للبقرة، نسأل الله العافية! أهذا نفعه عقله؟ إذاً: إذا كان النقل بزعمهم ظني والعقل قطعي، وتعارض ما في أذهانهم مع كلام الله ورسوله فالمقدم ما في أذهانهم، كذا زعموا.
فمن هنا انتكست كل علومهم وكل أحكامهم، وجاءوا بما خالف منهج السلف وعقيدتهم، ووقعوا في أمور كبرى في الدين أخرجتهم عن السنة والجماعة، بل أخرجت بعضهم عن الدين، فأنكروا أسماء الله وصفاته بعقولهم.
نحن نقول: إن الله له أسماء وصفات في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ ، نؤمن بها كما جاءت على ما يليق بجلال الله سبحانه، لكن العقلانيون لم يسلموا، وقالوا: لا، نحن عقولنا لا تؤمن بهذا، فأنكروا الأسماء والصفات، وبعضهم لم ينكر الأسماء والصفات وإنما أولها، ومعنى التأويل أن يقول: أنا لا أفهم قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فلابد أن أؤولها، مع أن هذا كلام الله عن نفسه، والله يستوي على العرش استواء يليق بجلاله لا نعلم كيفيته؛ لأن الله ليس كمثله شيء، فهو ليس مثل مخلوقاته ولا مخلوقاته مثله، ولا يتوهم ولا يخطر على البال أن نتصور لله صورة أو هيئة، وما نتصوره في أذهاننا ليس هو الله، وليس هو من صفات الله؛ لأن الله ليس كمثله شيء، فهم عكسوا القضية فجعلوا ما في أذهانهم هو الصفة، فلذلك أولوا الصفة، هذا بناء على هذه القاعدة، ثم تجرءوا على إنكار الرؤية، فقالوا: أن المؤمنين لا يرون ربهم في الجنة يوم القيامة، لماذا؟ قالوا: لا يُعقل هذا.
وأنكروا شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته، بل أنكروا شفاعات الأنبياء والمؤمنين والصالحين، وأنكروا الشفاعات التي ستحدث يوم القيامة بعد إذن الله ورضاه، قالوا: لا شفاعة؛ لأنه لا يُعقل أن الذي يدخل النار يخرج منها، ينبغي أن يأخذ جزاءه إلى الأبد، كل ذلك بعقولهم فقط.
ثم اعترضوا على دين الرسول ﷺ في أمور كثيرة، صار ميزانهم عقولهم، ما حلا لهم من التشريع والأحكام والعقائد أخذوا به، وما لا يحلو لهم ردوه، ولذلك هم لا يتورعون عن تكذيب أحاديث النبي ﷺ ، وجاءتهم شبه من الشيطان، فالشيطان دائماً يدخل على
стр. 98
تقديس آراء الرجال
المصدر الثاني عند العقلانيين هو متفرع عن المصدر الأول، لكن له بعض الخصائص، وهو تقديس آراء الرجال وكلام الزعماء والمقدسين فيهم، وتقديمهم على كلام الله وكلام رسوله.
فأهل الفرق وأهل الهوى إلى الآن إذا جاءتهم آية من كلام الله أو حديث عن رسول الله ﷺ ربما يقول بعضهم: نعم هذا حق، لكن لابد أن أرجع إلى رأي الزعيم فلان أو الشيخ فلان ماذا يقول في الآية أو في الحديث؟ أو لابد أن يرجع إلى القواعد والمناهج التي وضعها الزعماء والرؤساء الذين يرجع إليهم، فمثلاً: أصحاب الطرق الصوفية إذا جاءتهم آية أو حديث يرجعون إلى الولي وإلى شيخ الطريقة ماذا يقول في الآية والحديث؟ والمعتزلة إذا جاءتهم آية أو حديث رجعوا إلى قول النظام أو المريسي أو القاضي عبد الجبار أو نحوهم ليروا ماذا يقولون؟ فإن كان قولهم يوافق الكتاب والسنة أخذوا به، وإن عارض الكتاب والسنة ردّوا نصوص الكتاب والسنة، هذا منهجهم، يعني: تقديم آراء الرجال، ولا يزال هذا المنهج في العقلانيين من العلمانيين والحداثيين حتى الآن، يأخذون من النصوص والأصول الشرعية ما يوافق القواعد والاتجاهات التي هم عليها، وما يعارضها إما يصرفون النظر عنه، أو يقولون فيه قولاً يؤدي إلى الرد.
أيضاً هناك مصادر مشتركة بين العقلانيين القدامى والمحدثين، وهناك مصادر انفتحت على المسلمين أخيراً وهي مصادر جديدة يأخذ بها العقلانيون، ولم يتوصل إليها القدامى، وهي زيادة في الضلالة.
стр. 99
الأهواء والأمزجة
المصدر الثالث: الأهواء والأمزجة والرغبات الشخصية، أغلب العقلانيين إنما دينهم هواهم، خاصة فيما يتعلق بالأحكام الشرعية، أحكام الحلال والحرام، وأغلب الأمور العملية في الشرع إنما ميزانهم فيها الأهواء، ما يهوونه يعملون به ويأخذون به، وما لا يهوونه يردونه بوسائل الرد التي ردوا بها أمور العقائد، وهذه دعوى شيطانية عند من يروجون المحرمات، وهذه البلية مع الأسف بدأت تظهر جلياً بين المسلمين الآن، بمعنى أن الناس أصبحوا يجعلون الدين خاضعاً لأهوائهم ورغباتهم، ويخضعون نصوص الكتاب والسنة وأقوال السلف لما يهوونه وما يرغبونه، وما لا يهوونه ولا يرغبونه يردونه بأي صارف من الصوارف التي يرفضون بها النص، ونجد الآن هذا الاتجاه ظاهراً في الصحف وأجهزة الإعلام، وفي كثير من التوجهات والاتجاهات المعاصرة، فهم يعوّلون على رغبات الناس، فحين تشيع فاحشة من الفواحش أو تصرف خاطئ من التصرفات يقولون: هذه رغبات الناس، وهذا ما يهواه الناس وما يريدونه، فيجعلون رغبات الناس والأهواء هي الميزان، والله يقول: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] والناس لو استفتوا لهلكوا وأهلكوا، فلذلك الآن كثيراً من العلمانيين والحداثيين يضربون على هذا الوتر، يقولون مثلاً: من الضروري الخروج عن التقاليد، فهم يسمون أحكام الشرع: تقاليد، هذه مسألة ينبغي أن تفهموها، ويسمون أحكام الشرع بما يتعلق بتعدد الزوجات وقوامة الرجل، وما يتعلق بالحشمة والفضيلة والسلوك الحسن والسنن، وحتى ما يتعلق بالسنن العملية كإعفاء اللحى والسواك يسمونها: عادات وتقاليد.
ويقولون: الآن تطور الناس وأغلبهم يرفض العادات والتقاليد، ويجعلون رغبات الناس وأهواءهم ميزاناً؛ ولذلك يضربون على هذا الوتر ويضغطون على المجتمع، بل حتى ويضغطون على المؤسسات الرسمية، يقولون: لماذا نحجر رغبات الناس؟ إلى متى الكبس؟ هذا من أعظم مصادر العقلانيين وهو الضغط من خلال الأهواء، ودفع الناس إلى الشر؛ لأنهم يهوونه، وكما تعلمون أن أهواء الناس ليست مصدراً للتشريع أبداً، بل العكس التشريع في الغالب يصرف الناس إلى الخير، وإن لم يهووه، ويصد الناس عن الشر وعما فيه مضرتهم، وإن لم يهووا ذلك.
ومن خلال هذا الاتجاه أصبح أصحاب هذه التوجهات الشيطانية يسلكون مسلكاً خطيراً، حيث أضفوا الآن على اتجاهاتهم ورغباتهم مسحة من الدين، فقالوا: الدين لا يحجر على حريات الناس، الدين يأخذ برغبات الناس، يأخذ بالرأي الغالب، وأخذوا يستدلون من النصوص بما يوافق أهواءهم، وعلى منهج الزنادقة قديماً الذين أخذوا بمثل قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤] يأخذون بجزء من النص أو بالنص الذي يريدونه ويقولون: هذا كلام الله، مع أن أصول الاستدلال كما تعرفون عند أهل السنة والجماعة: أنهم يوازنون بين النصوص، النصوص كثيرة، والنصوص فيها الناسخ والمنسوخ، وفيها المطلق والمقيد، وفيها الخاص والعام، والنصوص أيضاً لا بد في استنباطها من رد بعضها إلى بعض، ولا يمكن أن نأخذ نصاً وحده ونقف عنده، لا؛ لذلك الله أرشد المسلمين إلى أن يأخذوا الدين عن أهل الذكر الذين يحيطون بنصوص الكتاب والسنة وقواعد الاستدلال ولغة العرب، فلا يجوز لأي إنسان أن يأخذ أي دليل ويقول: هذا دليلي، لا؛ لأن الاستدلال له منهج سليم عند أهل السنة، وهو المنهج المستقيم والطريق المستقيم الذي هو الوسط لا إفراط ولا تفريط ولا غلو ولا تقصير، وهذا لا يمكن أن يهتدي إليه أي إنسان بمجرد أن يأخذ النصوص من القرآن والسنة، لا، بل لا بد من الإلمام بأصول الاستدلال، وهذا لا يدركه إلا أهل الفقه في الدين، لكن الآن العقلانيون يخبطون في هذا المسلك، ولا يبالون بقواعد الاستدلال وقواعد الشرع، يأخذون من النصوص ما يعجبهم، وأكثر الناس يُفتن من خلال الجرائد والمجلات في هذه المسألة، يسمع بالدليل ويقرؤه ويظن أن هذا هو الحق، وما يدري أن هذه من شبه الشيطان وأعوانه؛ لصد الناس عن دين الله.
والله نبّهنا إلى هؤلاء في آيات كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان:٤٣].
وقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠].
وقوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون:٧١].
стр. 100
الفلسفة
المصدر الرابع من مصادر العقلانيين قديماً وحديثاً: الفلسفة، الفلسفة بمعناها القديم والحديث، وهي تعني: الكلام في أمور الغيب بغير علم، وهذا الكلام يسمونه: إلهيات، أو ما وراء الطبيعة، والكلام فيما عدا عالم الشهادة هو بمجرد الظن، ولا يمكن أن يتكلم الإنسان في الغيب إلا بظن، بل هو الظن السيئ، وهو الكلام السيئ؛ لأنه لا يمكن أن يطّلع على الغيب إلا من أطلعه الله من نبي، وبما بيّن الله لنا من أمور الغيب، ما عدا ذلك لا يمكن الكلام فيه.
فإذاً: الفلسفة إنما هي الكلام في أمور الغيب بغير دليل ولا برهان.
مصادر العقلانيين الرئيسية قديماً وحديثاً هي الفلسفة، بل ما يسمونه بالمعقولات والقواعد العقلية إنما هي قواعد الفلاسفة، ترجموها وحولوها وأعطوها بعض الصياغات والمعاني التي تقرب من أذهان الناس وسموها: أدلة وبراهين، وما هي إلا فلسفة لا تستند إلى أي برهان ولا دليل لا عقلي ولا ذهني ولا حسي؛ لذلك الفلسفة هي من أضر العلوم على البشر قديماً وحديثاً؛ لأنها خوض بالغيب بغير دليل، بخلاف العلم التجريدي فهو يفيد، فإن استخدم فيما ينفع الناس وعلى هدي القرآن والسنة فهو خير كله، وإن لم يستخدم وفق ذلك صار شر وسيلة ضارة.
стр. 101
دراسات المستشرقين
المصدر الخامس من مصادر العقلانيين المحدثين: دراسات المستشرقين.
المستشرقون: هم طائفة من أهل الكتاب ومن الملاحدة الغربيين، تسلطوا على التاريخ الإسلامي وعلى التراث الإسلامي إن صح التعبير، يعني: تسلّطوا على دراسة الإسلام من منظورهم هم، فخرجت عنهم نظريات خطيرة، صارت هذه النظريات في العصر الحديث مصدراً لأغلب الدراسات التي بنيت عليها أكثر مصالح المسلمين في السياسة والاقتصاد والاجتماع وغيرها، بمعنى أن أغلب بلاد المسلمين في العصر الحديث -خاصة التي دخلها الاستعمار- بُنيت على مناهج المستشرقين، سواء في التعليم أو الإعلام أو الاقتصاد أو في غيرها.
وأيضاً أمر آخر أن أكثر الذين تعلموا من أبناء المسلمين تعلموا على النظريات الاستشراقية، فالذين درسوا في الغرب أغلبهم تتلمذوا على المستشرقين وعلى أفكارهم الخبيثة الهدّامة، وجاءوا بها وكأنهم من الفاتحين.
стр. 102
أفكار المستشرقين حول الإسلام
الكلام عن الاستشراق والمستشرقين يطول، لكني ألخّص مجمل أفكار المستشرقين حول الإسلام، والتي هي الآن سائدة حتى بين أغلب أجيال المسلمين؛ لأنهم تربوا عليها وعُلِّموا إياها من خلال مناهج التعليم في البلاد التي دخلها الاستعمار، فألخصها بما يلي:
стр. 103
الإسلام حركة إصلاحية عقلانية
أولاً: المستشرقون عندهم تفاوت في أفكارهم، لكن هناك قاعدة عامة تجمعهم، كلهم يرون أن أحسن ما يقال في الإسلام: إنه حركة إصلاحية عقلانية، وليس ديناً إلهياً، وإنه لم يكن منزلاً من الله وإنما هو من صنع رجل عبقري مصلح اسمه: محمد.
هذه الفكرة هي السائدة عند أغلب أجيال المسلمين في البلاد المستعمرة إلى اليوم، وهي التي سببت الانحراف في توجهات المسلمين، كذلك إذا نظرنا إلى أسباب الانحراف في أكثر الحركات الإسلامية التي ظهرت الآن وعندها نزعات عقلانية نجد أن أسباب انحرافها مقولات المستشرقين، بل إن أغلب الكتاب المشاهير كـ العقاد وطه حسين ومن نحا نحوهما ينحون هذا المنحى، لذلك نجد العقاد وغيره من الكتّاب تبعاً له كثيراً ما يُزكّز على قضية العبقرية في محمد ﷺ ، وله كتاب اسمه: عبقرية محمد، ولذلك أتباع المستشرقين من الكُتّاب المسلمين لا يصلون على النبي ﷺ ، ولا يقولون: الرسول وإنما يقولون: محمد، قال: محمد، ومحمد العبقري، ومحمد المُصلح، وكأنهم أعجبهم كلام المستشرقين حينما أثنوا على الرسول ﷺ ، لكنه ثناء مبطّن، قالوا: عبقري ومصلح، لكن ما قالوا: رسول، فماذا ينفع هذا؟ هذه من شبهاتهم التي اصطادوا بها المسلمين.
стр. 104
الإسلام نتاج اجتهادات رجال الدين من المسلمين
ثانياً: أيضاً من مبادئ المستشرقين العقلانية والتي اصطبغت بها ثقافات أغلب أجيال المسلمين أنهم يرون أن الإسلام بشريعته وبعقيدته إنما هو نتاج اجتهادات رجال الدين من المسلمين، اجتهدوا حتى صارت مدارس فقهية ومدارس عقدية، وهذه المدارس اجتهادات من البشر، اجتهادات من أحمد بن حنبل ومن البخاري ومن أبي حنيفة ومن الشافعي ومالك، ومن الصحابة الأولين أيضاً يقولون: هذه اجتهادات، هذه نظرة المستشرقين، وأغلب المسلمين المثقفين -مع الأسف- الذين لم يتفقهوا في الدين وقليل منهم المتفقه في الدين، أغلبهم تأثروا بهذه النظرة؛ فلذلك ظهرت في بعض الاتجاهات الإسلامية الآن دعوة وأصبحت تعلن حتى عندنا في هذا البلد: أننا لماذا لا نجدد في أصول الإسلام؟ لماذا لا نجدد في أصول الفكر الإسلامي؟ الإسلام مصدره الكتاب والسنة، وهذه نصوص ونحن رجال والسلف رجال، فمن الممكن بعقولنا أن نضع منهجاً جديداً للدين وللشرع كما وضعه الأولون، من أين فهموا هذا الفهم؟ فهموا أن الصحابة والسلف هم الذين وضعوا الدين، وما علموا أن الدين إنما هو اهتداء واقتداء، وأن التعلق بالكتاب والسنة دون اعتبار لأصول الاستدلال عند السلف ومناهج الاستدلال وأصول العلوم الشرعية، كأصول الحديث، وأصول التفسير، وأصول الفقه أو غيرها إنما هذا هدم للدين؛ لأن الفرق التي ضلّت تقول: إنها متعلقة بالكتاب والسنة، فالآن الرافضة الذين لم يتركوا من الدين شيئاً إلا وهدموه، ومع ذلك تجدهم يرجعون إلى الكتاب والسنة، لكن بأهوائهم، تركوا منهج الصحابة، يقول النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) وأمر باتباع سبيل المؤمنين، وسبيل المؤمنين هو سبيل أئمة الهدى، وحذّر الذين لا يتّبعون سبيل المؤمنين.
إذاً: العقلانيون الآن تأثروا بهذا الاتجاه الموجود عند المستشرقين، وقالوا: أن الإسلام اجتهادات الصحابة واجتهادات الأئمة، ونحن نرجع إلى الكتاب والسنة وهما موجودان، نقول: هذه دعوى، لكنها شيطانية، هذا من لبس الحق بالباطل، لا عمل للكتاب والسنة بين ظهرانيهم، لكن الدين عمل نُقل، ليس فقط مجرد نصوص، النصوص المجردة لا تنفع بدون الاهتداء والقدوة وأخذ الدين عن الرجال الذين نقلوا عن النبي ﷺ ؛ لأن الدين أغلبه عمل وسلوك، والعمل والسلوك أُخذ عن شخص النبي ﷺ من شخص الصحابة، ومن شخص التابعين، ومن أشخاص الأئمة الهدى إلى أن تقوم الساعة؛ لذلك قال النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ومن عاداهم إلى أن تقوم الساعة).
стр. 105
أن كثيراً من أصول الإسلام غلطة ارتكبها المسلمون
ثالثاً: من أصول العقلانية التي قال بها المستشرقون وتأثر بها كثير من المسلمين، وهي التي يروجها العلمانيون الآن: دعوى أن كثيراً من أصول الإسلام إنما هي غلطة ارتكبها المسلمون يجب ألا تتكرر، فمثلاً يقولون: الجهاد بالسيف عنف، فارتكبه المسلمون باجتهاد منهم، وهذه غلطة تاريخية يجب ألا تتكرر.
هذا هو الذي عليه غالب المثقّفين المسلمين الآن، وهو التوجه الذي يضرب عليه العلمانيون والحداثيون، يسخرون من الجهاد ويسخرون من استعمال السيف لإعلاء كلمة الله.
رابعاً: قال المستشرقون: إن الرق استعباد للبشر، مع أنهم يفهمون معنى الرق في الإسلام، الرق في الإسلام هو ارتكاب أخف الضررين، ومعناه: أن أهل الكتاب الذين يقاتلون المسلمين ولا يرضون بدخول الإسلام ولا أن يكونوا أهل ذمة، شُرع عليهم الجهاد، فإذا تم الجهاد وبقي منهم من بقي أسرى في أيدي المسلمين، فإنه يفضّل أن يكون رقيقاً من أن يُقتل، ومعنى أن يكون رقيقاً هو أن يكون تحت رعاية المسلمين وفي خدمتهم، والإسلام كما تعرفون فتح أبواب العتق للأرقّاء، وهذا فيه فرصة لإقامة الحق والعدل بين أهل الكتاب، وفيه فرصة لمن يبقى منهم حياً ليتأمل لعله يهتدي إلى الإسلام.
على أي حال هم يرون أن الرق غلطة تاريخية يجب ألا تتكرر.
يقولون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إنه تجاوزات، فهناك أناس من المتحمسين سلكوا سلوك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا يعني كبت لحريات الناس والوقوف أمامهم، ويعتبرون هذه غلطة تشريعية ليست من الإسلام بشيء! وهكذا سحبوا القضية على كثير من أحكام الإسلام.
أيضاً تعدد الزوجات إنما هو رغبة للنبي ﷺ ، فكونه معدداً فرأى أن الأمة تعدد، والآن العلمانيون والحداثيون يضربون على هذا الوتر في صحفنا وإعلامنا، الآن يضربون على قضية المرأة، ويرون أن الأحكام التي جاءت في المرأة إنما هي أحكام جاءت عبر التاريخ كتقاليد وعادات، أو أنها غلطات تشريعية يجب ألا تتكرر.
وربما لا يقولون هذا الكلام صراحة، لكنهم يلغزّون ويلغّمون أقوالهم بما يفيدها، بمعنى أن مجرد استهتارهم بهذه الأحكام إنما هو استهتار بالدين نفسه.
стр. 106
الإسلام قيم وشرائع مثالية
أيضاً من أقوال المستشرقين: أن الإسلام قيم وشرائع مثالية، ومعنى مثالية: أنها قيم نتمناها في الخيال، لكن لا يمكن تطبيقها، وقالوا إن هذه المثالية تصلح للمجتمعات البدائية؛ لذلك طبّقها الصحابة تطبيقاً صحيحاً، لكن لا يمكن أن تُطبّق مرة أخرى هذا رأي المستشرقين، وهذا الذي بُنيت عليه حياة المسلمين الآن، ما دخلت الدساتير والأنظمة القانونية في بلاد المسلمين وحكموا بغير شرع الله، ودخلت الأنظمة الاجتماعية التي أفسدت الأسرة وأفسدت المرأة، حتى ما خرجت سافرة عارية وخرجت من الحشمة والفضيلة إلا باسم أن الشرع القديم كان مثالياً ولا يصلح للعصر الحديث.
هذا عقلانية متناهية فهم حكموا بعقولهم، والله أنزل الدين ليُعمل به إلى قيام الساعة، وهو الخير والصلاح للبشر في كل زمان، وإذا كانت البشرية قد انحرفت عن دين الله وعن منهجه فهل انحرافها يكون حُجّة؟ نعم هم بعقولهم يقولون: يكون حُجّة، الآن يحتج علينا العقلانيون العلمانيون والحداثيون بانحرافات البشرية في أوروبا وأمريكا، يقولون: الناس تطوروا وسبقوكم بالعقل والفكر، وأنتم تريدون أن تطبقوا أحكاماً لا تصلح إلا لعصور الجمل والوسائل البسيطة لعصور البداوة إلى آخره.
هذه شبهات الشيطان، الإسلام دين الله، وإذا انحرف عنه البشر أننحرف عنه معهم؟ لا، وإن كانت لهم عقولهم هذه.
هذه شبه من آثار المستشرقين.
стр. 107
حاجة الإسلام إلى تجديد يلائم الحياة
من آثار المستشرقين أيضاً: أن الدين الإسلامي دين يشتمل على قواعد وتعاليم جيدة، لكنه يحتاج إلى تجديد ليلائم الحياة، الدين كله يحتاج إلى تجديد، فلذلك ظهرت حركات التجديد في المسلمين، حتى في الحركات الإسلامية التي تتبنى هذا الاتجاه، ويقصدون بالتجديد ترك منهج السلف وإحداث مناهج جديدة حتى في السلوك، فبعضهم يقول: إلى متى نحن نقول بعدم الاختلاط؟ الاختلاط ضرورة أصلية، وإلى متى نحن نحجر على المرأة في البيت؟ المرأة لا بد أن تكون مهذّبة تشارك الرجل في عمله وتنفِّس عنه وتفتح نفسه للعمل ولآفاق الحياة ليسعد بالحياة الجميلة! كل هذا بعقولهم، وهذه الفكرة بدأت تروج حتى في المجتمعات الإسلامية المحافظة كما هي عندنا الآن.
стр. 108
الإسلام دين الحرية والديمقراطية
أيضاً ظهرت دعاوى من المستشرقين وتأثر بها العقلانيون عندنا، دعاوى أن الإسلام إنما هو دين الحرية، والحرية لها مفهوم آخر عندهم، ويقصدون بالحرية التحلل من الأخلاق والفضيلة والحشمة، هذا قصدهم بالحرية، ما قصدهم الحرية بمعناها الحقيقي وهي حرية السعادة التي بها يسعد الإنسان بمنهج الله ودينه! لا، بل يقصدون الحرية بمعناها المقلوب، الحرّية الشيطانية التي هي إيقاع الناس في حبائل إبليس، وكذلك يقولون الإسلام دين الديمقراطية إلى آخره.
стр. 109
وصف أهل السنة بالتزمت ووصف المعتزلة والجهمية بحرية الفكر
أيضاً هناك بعض الأفكار التي راجت عند العقلانيين وهي من آثار المستشرقين، وهي وصف أهل السنة بأنهم المجتمع المتزمت، المجتمع المحافظ الذي تصلّب على أحكام وتقاليد وعادات، وغير قابل للتطور، ولا يصلح أن يعيش القرن العشرين بين المجتمعات الحديثة، وبالمقابل الذي يروجه الآن الحداثيون والعلمانيون تبعاً للمستشرقين دعوى أن الفرق القديمة التي ظهرت في الإسلام كالمعتزلة والجهمية يمثّلون حرية الفكر، فهم الفرق المتحررة المتنورة التي استطاعت أن تخرج عن السمت الذي عليه السلف، ويرون أن المنهج الصحيح هو منهج هذه الفرق.
هذه دعوى من أخطر الدعاوى على المسلمين، والتي بدأت تظهر حتى بين بعض الدعاة، الآن هناك دعاة ليسوا في بلادنا بحمد الله لكن في البلاد الإسلامية الأخرى يتبنون اتجاه الاعتزال؛ لأنهم يرون أن المعتزلة هم أصحاب الحرية الفكرية، وسمعتم طرفاً من أقوالهم والمعتزلة عقلانيون يأخذون الدين كله بعقولهم، لا يعوّلون على التسليم لله تعالى ولا التسليم لرسول الله ﷺ ، ولا الأخذ بالنصوص.
стр. 110
مظاهر وأخطار الاتجاهات العقلانية في البلاد الإسلامية
لعلي أتجاوز إلى نقطة تهمنا جميعاً وهي ما يتعلق بالاتجاهات العقلانية في بلادنا مظاهرها وأخطارها.
التوجه العقلاني الآن في البلاد الإسلامية يظهر بشكل أكبر مما هو عندنا بحمد الله، لكن مع ذلك يجب أن نحرص على حماية بلادنا، كما أننا أيضاً من واجب النصيحة والنصح لجميع المسلمين أن نناصح إخواننا في كل البلاد الإسلامية، وأن نبيّن لهم طريق الحق، ونسأل الله أن يطهّر جميع البلاد الإسلامية من هذه التوجهات الخبيثة، فما دامت هذه البلاد لا تزال سليمة في العموم فيجب أن نحرص على حمايتها، والسعيد من وعظ بغيره، ولا يلدغ مؤمن من جحر مرتين، وقد لُدغنا عشرات المرات.
الاتجاه العقلاني في البلاد الأخرى يتلخّص في أمور، بعدها أنتقل إلى الاتجاه العقلاني عندنا.
следующие страницы →