Полный текст (493 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
إفراد يوم عاشوراء بالصوم
الثاني والعشرون: إفراد اليوم العاشر من المحرم وهو يوم عاشوراء بالصوم؛ لأن اليهود تفعل ذلك، فقد روى الإمام أحمد في المسند أن النبي ﷺ قال: (صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده).
стр. 282
وصل الشعر
الثالث والعشرون: وصل الشعر من قبل النساء، والمقصود بوصل الشعر: وضع شعر غير ما خلقه الله للمرأة كما تفعل اليهود، ومثله في نظري ما يسمى بالباروكة؛ لأنها من باب وصل الشعر، فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث معاوية ﵁ قال في القصة من الشعر التي يوصل بها: إنما هلك بنو إسرائيل حين اتخذتها نساؤهم، وقال معاوية: ما كنت أرى أن أحداً يفعله إلا اليهود.
стр. 283
قسوة القلوب وعدم الخشوع
الرابع والعشرون: قسوة القلوب وعدم الخشوع لآيات الله وذكره، وهذه من خصال اليهود التي نهى عنها الله تعالى في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد:١٦].
стр. 284
الرهبانية والتشدد في الدين
الخامس والعشرون: الرهبانية والتشدد في الدين، فإن هذا من أعظم خصال النصارى، فالمبالغة بالدين مما لم يشرعه الله سواء في العبادة، أو في العقائد، أو في الأحكام، كالانقطاع للعبادة وترك السعي لطلب الرزق، وترك الجهاد، وترك الضرب في الأرض، وكتحريم المباحات، كالتنطع في الدين مما يخرج عن منهج الاعتدال الذي هو دين الإسلام، والرهبانية كما تعلمون من فعل النصارى، وقد نهى الله عن ذلك ونهى عنه الرسول ﷺ بقوله: (لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم).
стр. 285
خطر التشبه بالكافرين وأهمية الانتباه لذلك
والخلاصة: أن موضوع التشبه من أخطر وأهم الموضوعات التي ينبغي أن يعنى بها المسلمون؛ لأن المسلمين اليوم وقع كثير منهم في أشد أنواع التشبه وأعظمها على الدين، بل وقعوا فيما هو كفر وما هو ظلال وما هو شرك وما هو دون ذلك، وإن كان التشبه وقع فيه المسلمون قديماً لكنه لم يصل الأمر بالمسلمين كما وصل بهم الآن، فإنا نجد أن المسلمين الآن تبعاً لغيرهم في غالب الأمور إلا من عصمه الله.
فالمسلمون اليوم تبعاً للكفار في كثير من الأمور ليست تبعية جزئية في أمر من أمور العبادة أو خصلة من خصال العادات أو نحو ذلك، وإنما هي تبعية شاملة لأغلب مناحي الحياة في العقائد وفي التشريع، ومن ذلك القوانين الوضعية المستوردة، وفي الأحكام وفي التحاكم، ونجد أن كثيراً من المسلمين جماعات ودول يتحاكمون الآن إلى الدول والمنظمات الكافرة، كتحاكمهم بل أكثر من تحاكمهم إلى الله ورسوله.
وأيضاً ما هو من قبيل الأخلاق والسلوك والهدي الظاهر هذا مع الأسف وقع فيه كثير من المسلمين بل أصبحت بعض بلاد المسلمين السنة فيها هي الشاذة، وأخلاق الكافرين وعادتهم هي الأصل، وهذا أمر مدرك لدى الجميع، ونحن في هذه البلاد -بحمد الله- لا يزال ظاهر سلوك المسلمين على الإسلام، ولا تزال كثير من الأخلاق والعادات والأحكام والنظم على الإسلام ولا تزال كثير من الأخلاق والعادات والأحكام والنظم على الإسلام الظاهر، وهذه نعمة من الله تعالى يجب أن نحافظ عليها.
أخيراً: لا يسعني إلا أن أوصي نفسي وإخواني بتقوى الله والنصح للمسلمين، ومحاولة إخراجهم من هذا الوضع الذي هم فيه، والحفاظ على ما بقي عندنا في هذا البلد من أمور السنة الظاهرة، ومحاولة صد هذا التيار العارم الجارف من أحوال الكافرين وأعمالهم التي أصبحت تفد إلينا اختياراً أو إجباراً.
هذا وأسأل الله أن يحيينا مسلمين، وأن يميتنا مسلمين، وأن يحشرنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، كما أسأله تعالى أن يجعلنا على الصراط المستقيم، وأن يجنبنا طريق المغضوب عليهم والضالين.
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 286
الأسئلة
стр. 287
كيفية التحذير من التشبه بالكافرين
السؤال
الأمة في هذا الزمن وقعت في تيه فكري، وانهزمت أمام الكفار فضاعت في كثير من مناحي حياتها فكرياً وتاهت ثقافياً، ونراك أغفلت كثيراً من جوانب هذا الضياع والتيه، وركزت على أمور لا نعاني منها في زمننا، مثل بناء القباب، وصبغ الشيب، والصلاة في النعال، فهل من توجيه؟
الجواب
في الحقيقة كنت متردداً بين أمرين: إما أن آخذ النصوص الشرعية والقواعد وأكتفي بالأمثلة فيما عدا ذلك، أو العكس أشير إلى القواعد أشارة موجزة ثم أفصل فيما وقع فيه المسلمون من التشبه، فآثرت الأول؛ لأنه يتعلق بالأصول الشرعية التي هي الموازين، والمعيار والمقصود بهذا: أن نعطي الموازين من النصوص والقواعد التي بها يزن المسلم أعمال المسلمين على ضوئها، فلذلك ركزت على القواعد وعلى أصناف التشبه والمتشبه بهم والمتشبهين أكثر من تركيزي على وصف أحوال المسلمين إلا لماماً، فأرجو أن يكون لي في ذلك عذر، والوقت لا يتسع بأن نجمع بين الأمرين، ولعله إن شاء الله في مناسبة أخرى يكون لنا حديث فيما وقع فيه المسلمون من تشبه خالص بالكافرين.
стр. 288
حكم التشبه بالكافر في الأمور المتعلقة بجمال المرأة
السؤال
إن معظم الابتكارات المتعلقة بجمال المرأة كالابتكار في الأزياء وتسريحات الشعر وأدوات التجميل ونحوها يأتي من الكفار، فإذا حرمناها بدعوى مشابهة الكفار نشأ عن ذلك عدم التجديد في جمال المرأة وأصبحت مملولة، وتحول الرجال إلى نساء الكفار ذوات الجمال المتجدد؟ أضف إلى ذلك أن الغرب سبقونا إلى مجال الذوق بسنوات كثيرة ووضعوا قوانين وضوابط للجمال لا ندركه ومعروف أننا نتشبه بهم في هذا المجال؛ لأنهم أعرف منا في هذا المجال، وأذواقهم أحسن من أذواقنا؟
الجواب
على أية حال السؤال نقض نفسه بنفسه، فليس مبالغة المرأة في الجمال هدفاً مقصوداً لذاته، نعم المرأة تتجمل لزوجها، والجمال للزوج له طرق يستغنى بها عن وسائل الكفار وأساليبهم، هذا أمر، أمر آخر يبدو لي أن ما يتعلق بالألبسة والتسريحات التي تعملها النساء لا تعملها لأزواجهن، بل أغلب النساء -وأجزم بذلك- تتزين للشارع وللخروج للحفلات أكثر مما تتزين لزوجها.
إذاً: فهذا الأمر باطل من أصله، ثم أن تزين المرأة إذا كان لقصد التزين لزوجها ليس فيه ممنوع إلا أن تقع في محرم حرمه الشرع، أما التزين لغير الزوج فهو لا يجوز، وهو التي تعمله دور الأزياء وغيرها.
стр. 289
خطر التشبه بالغرب في مظاهر الزواج والاحتفالات
السؤال
من الملاحظ دخول بعض العادات الغربية من مظاهر الزواج لدينا، فما توجيهك فيما يقومون بهذه الأعمال؟
الجواب
في الحقيقة الاحتفالات الكبيرة خاصة الزواجات يبدو لي أنها أصبحت الآن أعظم وسائل إدخال العادات والتقاليد الفاسدة للمسلمين، وليس تقليد الكفار فقط؛ لأننا أيضاً نهينا عن أخلاق الفساق والفجرة الذين يحبون أن تشيع الفاحشة، فحفلات الزواج هي من أهم الوسائل أو من أخطرها في نشر هذه العادات والتقاليد، ولكن كيف ندفع هذا الشر؟ هذا أمر يبدو لي أنه واجب الجميع، يعني: المفروض أن نتعاون جميعاً مع ولاة الأمور، ومع أصحاب قصور الاحتفالات وغيرها بأن ندرأ الشر قدر الإمكان.
стр. 290
توجيه من يقوم بتقليد الغرب في العادات والتقاليد وترك تقليدهم في التقدم الصناعي
السؤال
ما توجيه فضيلتكم لمن يقوم بتقليد الكفار في العادات والتقاليد ويترك ما وصلوا إليه من تقدم صناعي؟
الجواب
هذا وصف جيد لواقع المسلمين، فالمسلمون الآن يأخذون كل رديء عن الكفار، ولا نراهم أخذوا الجيد، فمنذ أن بدأت التحولات الكبرى عند المسلمين ابتدءاً من دخول العلمانية في الحكم وإقامة الأنظمة، والقوانين الوضعية، وانتهاء بالتعليم، وما بينهما من الاقتصاد، والسياسة، والاجتماع وغيرها كل مظاهر الأخذ عن الكفار نجد أن المسلمين أخذوا كل ضار وتركوا النافع، ولا نسمع عن خصلة من خصال الكفار الرديئة تحدث في أوروبا وأمريكا إلا ونراها بعد يسير موجودة في بلاد المسلمين، بينما نجد أن الأمور الهامة من إعداد القوة ومن الصناعات ومن الأمور الدنيوية نجد أنا متخلفين فيها جداً، ولا نزال نعتمد على الكفار، وهذا طبعاً انتكاس، وسببه التخلي عن دين الله وشرعه، وهذا لا شك فيه.
ولو أخذنا بأوامر الشرع لما وقع هذا، ولكان العكس هو الصحيح، وهو أننا نأخذ بالنافع ونترك الفاسد، لكن الذي حصل والذي يريده -مع الأسف- المعجبون بالكفار من العلمانيين والحداثيين والمنافقين وأهل الفسق والذين يحبون الفجور والفواحش الذي يطمعون إليه الآن هو أن تتغير تقاليدنا وتكون كتقاليد الكفار، وأن نخرج عن عاداتنا التي هي أحكام الإسلام، وطبعاً هم يسمونها عادات وتقاليد وهي أحكام الشرع، يريدون أن نخرج عنها إلى ما عليه الكفار، ولا نراهم حريصين على التقدم المادي كما نراهم حريصين على التقليد في هذه الأمور، ولو حرصوا لكان الأمر غير ما هو عليه، وهناك من يعتقد بالغرب وبعاداتهم، فكلما تحدث عن شيء قال: وجدت ذلك في الغرب، ثم يبدأ يمتدحه ويمتدح ذلك الشيء سواء كان ذلك الشيء حسناً أو سيئاً.
وهذا من الانهزامية، وهذا ما نراه كثيراً بين كثير من المثقفين الذين يعجبون بالغرب، فنجدهم -كما تقرءون في كثير من المقالات في الصحف- إذا أردوا أن يستشهدوا على شيء أنه حسن أو أنه جيد مفيد قلوا: قال فلان الغربي أو قالت المؤسسة الفلانية الغربية أو قالت النظرية الغربية وهكذا، ولا يقولون: قال الله قال رسوله إلا إذا حلا لهم الدليل، فإذا كان الدليل يخدمهم أتوا به.
стр. 291
حكم أخذ الجائزة المبنية على قمار
السؤال
في كلية البنات هناك مسابقة تقام بين الطالبات والطالبة تشترى قسيمة المسابقة، وقد أفتى المشايخ بأن ذلك قمار، ولم نعلم إلا بعد الفوز، فما حكم الجائزة؟ هل نتصدق بها أو نردها إلى أصحاب المسابقة؟
الجواب
أما ما حصل من جائزة فالأولى التصدق بها؛ لأن إرجاعها إلى أصحابه قد يعود إلى نفس العملية مرة أخرى فقد يعمل قماراً مرة أخرى، فالأولى التصدق بها، وصرفها في وجوه الخير، فهذا أجدى وأنفع.
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 292
الرقية ما لها وما عليها
للرقية الشرعية شروط وضوابط يجب التزامها، وإلا خرجت عن مسارها الصحيح، وكانت نتائجها عكسية، والناظر في أحوال غالب الرقاة يجد التجاوزات غير الشرعية، وما ذلك إلا بسبب عدم التزام الشروط والضوابط الشرعية للرقية، ومع ذلك تجد كثرة الذاهبين إليهم، فيجب الحذر من مثل هؤلاء الرقاة الذين يخالفون الضوابط الشرعية للرقية.
стр. 293
التعريف بالرقية الشرعية
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، ﷺ وآله ورضي الله عن صحابته والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد: فإن موضوع الرقى وما يدور حولها من تساؤلات، وما يجري من كثير من الرقاة من تجاوزات يحتم على كل من يهمه الأمر، سواء من العلماء وطلاب العلم، أو من المسئولين وأهل الحسبة، أن تتضافر جهودهم في علاج كثير من المشكلات التي تنشأ عن الأخطاء حول الرقية؛ ولذلك سيكون حديثي في ثلاثة أمور: أولاً: في أصل الرقية شرعاً.
ثانياً: الأسباب التي جعلت الكثيرين من مجتمعنا في هذا اليوم يحتاجون إلى الرقية ويلجئون إلى الرقاة، سواء منهم من يرقي على أصول شرعية، أو من يقع في أخطاء، إما لجهل، أو تجاوزات مقصودة وغير مقصودة.
ثالثاً: الإشارة إلى أهم الأمور التي ينبغي أن تكون في الرقية الشرعية، ولعلي أطيل الحديث عما يحدث من أخطاء وتجاوزات حول الرقية، سواء من بعض الرقاة، أو من الذين يحتاجون إلى الرقية من المرضى وأولياء المرضى.
أولاً: ينبغي أن نعرف ما هي الرقية، كثير من الناس يخلط بين الأوراد والتحصينات الشرعية وبين الرقى، مع أن بينهما تشابهاً من وجوه واختلافاً من وجوه كثيرة، وكثير من الناس يخلط بين الرقية والتداوي بالأسباب المشروعة وغير المشروعة؛ ولعل سبب ذلك أن بعض الرقاة لا يكتفي بالرقية الشرعية، فيضيف إليها من تخرصاته وأوهامه أو من تجاربه الشخصية، التي هي أشبه غالباً بالشعوذة، حتى صارت عند بعض الناس من لوازم الرقية.
الرقية المشروعة: يقصد بها طلب الشفاء من الله ، إما عن طريق القرآن، فهو الشفاء والرحمة، وهو الهدى والنور، أو عن طريق الأدعية المشروعة، سواء منها المأثور عن النبي ﷺ وعن الصحابة وسلف الأمة، أو غير المأثور إذا لم تكن تشتمل على معان غير مشروعة، أو عبارات أو طلاسم أو أشياء لا يكون لها أصل شرعاً، أو تتنافى مع الشرع، هذا هو الأصل في الرقية، ومع ذلك فإن الناس اليوم أضافوا إلى الرقى أشياء كثيرة، فأدخلوا التمائم وغيرها من الأعمال غير المشروعة ضمن الرقية وكأنها من الرقى، وهذا ما سأركز عليه.
стр. 294
بواعث الرقية وأسباب كثرة استعمالها
ما هي بواعث الرقية؟ الرقية المشروعة علاج بإذن الله من أمراض القلوب وأمراض الأبدان، أمراض القلوب سواء كانت نفسية أو غيرها كضيق الصدر والقلق والخوف والاضطراب وقسوة القلوب وغير ذلك مما يعتري البشر، خاصة إذا كثرت أسباب قسوة القلوب، وأكثر ما يحتاج الناس في الرقية اليوم وفي عصرنا وفي وقتنا هذا في علاج أمراض القلوب الأمراض النفسية، وهي داخلة ضمن أمراض القلوب، وسأذكر شيئاً من أسباب جعل الكثيرين يحتاجون إلى الرقية، لكن الأكثر منهم يباشر الرقية بطرق غير مشروعة، سواء بنفسه أو عن طريق بعض الرقاة الذين يتجاوزون المشروع، إما لجهل أو لتخليط أو لأغراض الله أعلم بها، لا نريد أن ندخل في أعمال القلوب، إنما يهمنا الظواهر مما حدث من أخطاء، ممكن نسميها أخطاء شنيعة مؤثرة في العقيدة، ومؤثرة في سلوكيات الناس، ومؤثرة في معارضة أحكام الشرع.
أما أمراض الأبدان الأمراض العضوية، فلا شك أن القرآن والأدعية المشروعة سبب بإذن الله من أسباب العلاج لكثير من الأمراض العضوية، بل عامة الأمراض التي يتناولها الطب ويعالجها أيضاً ممكن علاجها بالقرآن، لكن الذي لا يمكن علاجه لا بالقرآن ولا بغيره كالموت؛ فالموت ليس له علاج، إلى آخره، الشيء الذي يفوت هذا قدر، لكن ما دام المرض يحتمل أن يعالج فإن الاستشفاء بالرقية على الوجه الشرعي يكون من أسباب علاج المرض بإذن الله، سواء كان نفسياً قلبياً أو عضوياً.
المتأمل لحال الناس اليوم لو قارن بين ما سبق من حوالي ثلاثين أو عشرين سنة وبين حال الناس اليوم لوجد الأمر مهولاً فعلاً، يعني: اليوم تسارع الناس إلى الانكباب حول الرقاة وحول الأطباء النفسيين، لا شك أن هذا له أسبابه.
стр. 295
أمراض القلوب
أعظم الأسباب: أمراض القلوب، وهي سبب للمرض النفسي والاختلال العقلي عند كثير من الناس، وسبب أيضاً لكثير من الأمراض العضوية، فضلاً عن الأمراض القلبية والنفسية.
وجماع ذلك: الإعراض عن ذكر الله، يقول الله : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤] هذا في الدنيا، والمعيشة الضنك تبدأ من القلق الذي يبدأ في قلب الإنسان ونفسه والأمراض النفسية، ثم ما ينشأ عنه أو عن غيره من بعض الأمراض العضوية كذلك، فهو نوع من المعيشة الضنك، القلق الاضطراب الوساوس وغير ذلك مما هو كثير اليوم.
стр. 296
كثرة المعاصي والشرور والملاهي
من الأسباب: كثرة المعاصي والشرور والملاهي، وكذلك بهارج الدنيا، الدنيا تغلف على قلوب الناس، إذا أقبلت قلوبهم على الدنيا فإنها تغلف؛ حتى لا تتأثر بالذكر والأوراد، وتكثر عليها هجمات الشياطين والوساوس والخطرات والخوف والقلق وغير ذلك، اليوم ضحكت الدنيا على الناس، الغني والفقير، لم تعد تشغل الأغنياء كما هو المعهود في السابق فقط، بل ألهت جميع الخلق، ضحكت لهم ضحكة الذئب، ولعل كبار السن يعرفون ما هي ضحكة الذئب؟ ضحكة الذئب يضرب بها مثلاً للمخادعة التي ينخدع بها الغر الساذج، الذئب إذا رآه الغر الساذج فاتحاً فاه يظنه يضحك، وهو يريد أن يأكله ويفترسه، والدنيا اليوم فعلاً فغرت فاها للناس، وظن الناس أنها تضحك لهم وهي تقتنصهم، تقتنص دينهم وأخلاقهم وقلوبهم، وتحولهم عن حقيقة العبادة لله إلى عبادة الدنيا والشهوات والشبهات كما هو حاصل، وهذا لا بد أن ينعكس على قلوب الناس وعقولهم وأنفسهم وأبدانهم.
ولذلك عرفنا من خلال المختصين بالمستشفيات أنه عندما تحصل أي هزة ببعض أنواع التجارة أو في الأسهم تكثر أحوال الطوارئ والإسعافات، نسأل الله السلامة والعافية، الدنيا كلها ما تساوي صحة مؤمن وحفاظه على صحته، فضلاً عن دينه وأخلاقه.
وليست هذه الظاهرة ظاهرة خفيفة أو جزئية، بل في كل مكان في بلادنا إذا حصلت أي هزة اقتصادية خاصة في الأسهم أعلنت إسعافات الطوارئ، أكتفي بهذا المثال؛ لأن أمامي أموراً كثيرة أحب أن أنبه عليها.
كذلك الملهيات، وهي جزء من ضحكة الدنيا للناس، الملهيات والبهارج.
كذلك الوسائل التي الآن أشغلت الناس، رغم أنها نعمة من الله ؛ لكن نظراً لأنها لم تشكر واستخدمت على غير وجه شرعي في الغالب أصبحت مدمرة لدين الناس ودنياهم، أصبحت هذه الوسائل بشتى أنواعها مشغلة مهلكة للأعصاب موترة للنفوس.
فمثلاً: كم أحدث علينا الجوال الآن من المشكلات، نعم هو نعمة ويخدمنا، لكن صرنا أسرى الجوال، خدمناه أكثر مما يخدمنا، كنا قبل عشرين سنة ما نحتاج إلى الجوال أبداً، ولا نفكر أن نحتاج إليه، الآن لا يستغني عن الجوال إلا النادر، هذا مثال، كم يأخذ من عقلك ومشاعرك وقلبك وحسك؟ كم يأخذ من وقتك؟ يلهيك عن ذكر الله وشكره، كم بسبب هذا الجوال تنسى الواجبات والضروريات؟ كم تسيء الأدب وأنت لا تشعر؟ هذا كله أثره على القلب وعلى النفس بالغ.
وأيضاً من الأشياء التي تدل على قسوة القلوب واستحواذ الوسائل علينا: أن الجنائز هي أكبر فرصة لموعظة القلوب وترقيقها، وأكبر فرصة لتذكر الموت، وأكبر فرصة لأن يراجع الإنسان نفسه، لكن الآن عندما نتبع الجنازة نذهب إلى المقبرة وتجد مع الناس الجوالات وكأنك في سوق حراج، ضحكات، وبيع وشراء، وتبادل نكات، وأشياء لائقة وأشياء غير لائقة، ألا يؤثر هذا على القلوب، ويجعل الناس يركضون وراء الرقاة ووراء المشعوذين والدجالين يبحثون عن الصحة والعافية؟ هؤلاء ما عرفوا طريق الصحة والعافية.
كذلك الوسائل الأخرى، خذوا حمار الدجال (الشبكة العنكبوتية) وتسمى (الإنترنت)، والفضائيات.
والوسائل الأخرى التي أشغلت الناس وأقلقتهم وجعلتهم يعيشون أسرى للمادة، أسرى لهذه القضايا التي جعلت الإنسان يسمع ما يهز شعوره ووجدانه، في كل لحظة من الأحداث الجسام والفتن وكثرة المزعجات والمثيرات.
стр. 297
تنافر القلوب
أضف إلى هذا تنافر القلوب، نسأل الله السلامة والعافية، وهذا نتيجة قسوة القلوب.
والتنافر بين الناس اليوم، حتى إنه أصبح سوء الظن، والاحتياط بين الناس، وكلام الناس بعضهم في بعض يكاد يكون هو الأصل، وهذا له أثره على السلوكيات، وعلى إيمان الناس؛ لأن الإنسان إذا كان في قلبه شيء على مؤمن، فإنه غالباً يحرم من كثير من الخير، وإذا سلم قلبه من هذه المؤثرات قبل الخير وبقي على الفطرة والاستقامة، وشعر بالهناء والسعادة.
стр. 298
الصحة والفراغ
من الأسباب: الصحة والفراغ عند الكثيرين، هناك طائفة من المجتمع عندهم مع الصحة فراغ، فإذا ما أشغل وقته بما لا ينفعه في دينه ودنياه، فلا بد أن تهجم عليه الهواجس والخواطر والأوهام والشياطين والجن، ثم لا ننسى ما نتج عن ذلك كله من قلة الورع والخشوع.
стр. 299
عدم الاهتمام بصيانة القلوب وتفقدها
القلوب كالآلات وكغيرها ما تمشي بلا صيانة، وما تمشي بلا وقود، أكثر الناس اليوم غفلوا عن صيانة القلوب ووقودها بذكر الله وشكره وتلاوة القرآن وأعمال الصالحات إلا القليل، فأكثر الناس لا يعطي قلبه وجسمه من العبادات والذكر وأسباب الهناء والسعادة، حتى في العبادة نجد أن قلوب الأغلب مع الدنيا، والدليل على هذا الصلاة، والصلاة أكبر مقياس لصلاح القلوب؛ لأن كثيراً من الأمور بين العباد وبين ربهم لا نعلمها، ولا نستطيع أن نتتبع سلوكيات الناس حتى الظاهرة، لكن الصلاة علانية، فكم نسبة الذين يصلون والذين لا يصلون؟ وكم نسبة الذين يدركون الركعة الأولى؟ في أغلب المساجد الأغلبية تقضي بعد سلام الإمام، هذا دليل على أن الناس لا تعطي العبادات إلا مساحة قليلة من الوقت بالدقيقة والثانية، ولو أن الإمام تقدم دقيقة صاحوا عليه؛ لأنهم ما يعطون العبادة إلا جزءاً يسيراً جداً محدوداً بالدقائق، هذا أيضاً فارق كبير، يعني: قبل ثلاثين أو عشرين سنة كنا نعهد أنه في أغلب المساجد بعد الأذان مباشرة إذا كان المسجد مثلاً يتكون من أربعة صفوف أو خمسة تجد الصف الأول مكتملاً، كذلك يوم الجمعة إذا كان المسجد فيه عشرة صفوف تجد ثلاثة صفوف مكتملة الساعة التاسعة صباحاً، الآن تعال الساعة الحادية عشرة وانظر من في المسجد ستجد أربعة، خمسة، عشرة، عشرين، وإذا أحسنا الظن صفاً، لا شك أن هذا سينعكس على القلوب والنفوس.
стр. 300
قلة التحصن بالأوراد الشرعية
من الأسباب: قلة التحصن بالأوراد الشرعية، أكثر الناس حتى لو قرأ الورد أو صلى أو تحصن بالأدعية تجد أنه يدعو وقلبه لاه؛ ولذلك كثير من الناس يقول: أنا والله اليوم صليت الفجر، والله تكفل بحفظ من صلى الفجر في جماعة إلى أن يمسي، أنا اليوم قرأت الأوراد، وأنا أعرف أن الورد -خاصة قراءة المعوذتين- من أسباب حفظ الإنسان، لكني أجد أنه حصل لي كذا وعندي غفلة وعندي قسوة قلب، نقول: لأنك دعوت وقلبك ليس مع ربك، الإنسان ينبغي أن يستحضر في جميع أمور دينه معنى الإحسان الذي قاله النبي ﷺ ، وهو الأصل الثالث من أصول الإسلام، وهو المرتبة الثالثة من مراتب الدين بعد الإيمان والإسلام، والإحسان: هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
والإنسان إذا فقد هذه الخاصية لا يستفيد من دعائه ولا من ورده، يصبح دعاء أجوف، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه لا يقبل الله دعاء من قلب لاه أو قلب ساه.
ثم أيضاً: قلة التعلق بالأسباب الشرعية التي تحفظ الإنسان، تحفظه من أن يلجأ إلى الرقية أو غير الرقية.
стр. 301
كثرة الشبهات والشهوات
من الأسباب: كثرة الشبهات والشهوات التي وردت على الناس، وأكثر ما ذكرته يدخل في هذين الأمرين.
هذا كله جعل الملائكة تبتعد والشياطين تسيطر على كثير من أحوال الناس اليوم، حتى نكاد ننفر الملائكة من المساجد.
فمثلاً: لو قيل لكم قبل عشرين سنة أو قبل خمسة عشرة سنة: سيأتي يوم من الأيام تسمعون المزامير والأجراس والموسيقى والطرب في المساجد، أي واحد منكم سيقول: أعوذ بالله، أسأل الله ألا يلحقني ذلك الوقت، فها نحن اليوم كم نسمع من الجوالات الآن على الأنغام، كلها أعوذ بالله تجلب الشياطين وتطرد الملائكة من المساجد فضلاً عن البيوت.
هذه الظاهرة في مثل هذا المسجد ومساجد المدن الكبيرة نوعاً ما خفيفة، لكن أنا كثيراً ما أزور بعض الأرياف والمدن الصغيرة، ففي بعض المساجد لا يفتر الجوال من أول الصلاة إلى أن ننتهي، ولو أقسمت على ذلك ما أظني أكون مبالغاً؛ لأنه أمر شهدته.
قبل ثلاثة أسابيع كنت في إحدى المدن الصغيرة القريبة من الرياض، فمنذ أن صف الإمام لصلاة المغرب إلى أن انتهى من الصلاة وكذلك صلاة العشاء ما فتر الجوال من أنواع الموسيقى والأجراس والأنغام.
إذاً: لماذا نستغرب كثرة الأمراض النفسية، والأحوال التي تلجئ الناس إلى البحث عن كل ما يمكن أن يتشبثوا به لعلاج ما يجدونه؟ هذه أسباب معلومة.
فهذه الأمور تستدعي بعد كثير من الناس عن مواطن الخير، وأن تستحوذ عليها الشياطين ومردة الجن، بل وحتى صالح الجن الذين فيهم شيء من الفسق عندهم نوع من العبث ببني آدم؛ لأن طبيعة الجني أضعف من الإنسي، فإذا وجد على الإنسي منفذاً فإنه يعبث به.
стр. 302
دور الخادمات والخدم في انتشار السحر والأمراض في الأسر
لا أنسى مسألة مهمة أرى أنها سبب كبير في وجود كثير مما يعتري الناس من السحر والأمراض التي تنشأ عن أسباب كيدية، وهي: كثرة العمالة بيننا، خاصة الخادمات في البيوت، وهذه ليست مجرد ظاهرة، بل أصبحت حقيقة غالبة في أن الكثيرات من الخادمات بل وحتى الخدم الرجال يكيدون للعائلات وللأفراد ولكفلائهم مكائد منوعة، الآن أصبحت مصدر إزعاج لكثيرين، خاصة في شيوع السحر، والعطف والصرف، شيء مذهل، وبإمكان أي واحد منكم أن يسأل المختصين من رجال الأمن، أو المختصين من رجال الهيئات، رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو بعض المشايخ الذين لهم اهتمام بهذه الأمور، تجد أن الأمر مذهل.
وهذه الأمور تحتاج إلى إحصاءات، وليت طلاب العلم يهتمون بهذه الأمور والقيام بإحصاءات، وليتنا نقنع الكثيرين من أرباب البيوت وربات البيوت بإمكان الاستغناء عن الخدم قدر الإمكان، وهذا أمره وإن كان يتعسر على كثير من الناس، لكن مع ذلك: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:٢].
استقدام الخدم والعمال والإكثار من ذلك إلى حد الترف أوجد الكثير من الوسائل غير المشروعة، التي يكيد بها هؤلاء على من حولهم.
هذه الأمور استوجبت وجود كثير من أمراض القلوب والنفوس والعقول والأبدان، وعلى هذا فإن إقبال الناس على الرقية لا يعتبر غريباً، بل هو مشروع؛ لأن الرقية الشرعية بشروطها مشروعة ومباحة، ولا يجوز لأحد أن يضيق على الناس في ذلك، لكن بشرط ألا يكون فيها شرك، كما ذكر النبي ﷺ في الحديث الصحيح.
стр. 303
شروط الرقية الشرعية
من أهم شروط الرقية المشروعة: الشرط الأول: أن تكون بالطرق المشروعة: بالقرآن، وأدعية النبي ﷺ ، وأدعية السلف الصالح ونحوها من الأدعية التي لا يكون فيها غموض ولا شركيات ولا عبارات غير واضحة، ولا يكون فيها عدوان ولا ظلم إلى آخره، الأدعية التي ليس فيها مخالفة شرعية كلها جائزة، حتى ولو لم ترد في الكتاب والسنة.
هذا الشرط الأول.
الشرط الثاني: أن يتعلق المرقي والراقي بالله ، وليعلما أن الرقية سبب وليست بذاتها التي تشفي، فالشافي هو الله ، وأن الله هو الذي جعل الرقية سبباً، وجعل القرآن شفاء، وجعل الدعاء مشروعاً لدفع الكرب وشفاء الأمراض، هذا حكم الله وحكم رسوله ﷺ ، فليتعلق القلب بالله، وأنه سبحانه هو الشافي، وهو الذي جعل هذه أسباباً.
الشرط الثالث: اليقين والتفاؤل، كثير من الناس ما عنده ثقة بأن كلام الله شفاء، ما عنده ثقة بأن الدعاء المشروع شفاء، يعني قد يلجأ للرقية لكن عنده شك، عنده نوع من ضعف اليقين، وهذا يؤثر في سرعة الشفاء وفي الاستفادة غالباً.
الشرط الرابع: ألا تصاحب الرقية طرق غير مشروعة، وسأذكر نماذج منها، إلى الآن أصبحت ظواهر لا تحصى، ما يصاحب الرقية من عوارض وأشياء غير مشروعة كثيرة جداً، كل يوم نسمع بالمزعجات والمضحكات والمبكيات من بعض الرقاة والجهلة الذين يتمادون في التساهل في شروط الرقية، حتى بعض الصالحين يحدث منهم عن غفلة أشياء كثيرة من هذه التجاوزات التي تؤثر في شرعية الرقية.
الشرط الخامس: الفقه بأحكام الرقية، يجب على الراقي والمرقي أن يعرفا الأحكام الضرورية، ويجب على الراقي بالذات أن يعرف مشروعية كل ما يعمله من وسائل الرقية التي يجريها ويجربها على المريض.
وأحب أن أنبه على ظاهرة وهي: أن كثيراً من الرقاة لا يراجعون العلماء، وهذه ظاهرة مريبة ومؤسفة، نعم يوجد فضلاء من الرقاة نعرف منهم من يراجعون المشايخ في كل ما يستجد لهم من قضايا مع المرضى، فهم يراجعون العلماء، لكنهم قلة حسب استقرائي الناقص، أغلب الرقاة لا يراجعون المشايخ، ولا يراجعون الراسخين في العلم، ولا أهل التجارب، فتستدرجهم أحوال المرضى وتستدرجهم الجن والشياطين إلى أمور هي من الشعوذة، ويظنون أنها مشروعة، وسأذكر نماذج منها.
يحسن أن يكون الراقي والمرقي على طهارة، وأن تكون الرقية في مكان مناسب، فكلما كان المكان أنسب فهو أولى، كأن يكون في المسجد، أو في مكان طاهر، أو مكان لائق بعيداً عن الصور والأشياء التي تمنع وجود الملائكة، أو التي تجلب الشياطين، فكلما كان المكان أنسب فهو أقرب لتأثير الرقية.
كذلك الوقت المناسب، كلما كان اختيار الوقت الذي يكون فيه إجابة الدعاء فهو أفضل، لكن ليس هذا من الشروط.
أيضاً مما يغفل عنه كثير من الذين يرقون الناس عدم النصيحة، أغلبهم كالآلة مجرد أن يقف أمامه المريض ينفخ وينفث عليه ويمشي، نعم هذه رقية، وإن شاء الله إذا توافرت فيها الشروط تنفع، لكن هناك أمر مهم جداً غالباً يهيئ بإذن الله المريض لقبول الرقية واستعداده لأن يشفى بسرعة، وأيضاً يهيئ الرقية، لأن تكون أقرب للفائدة والشفاء، وهو أن ينصح الراقي المريض بما يرقق قلبه وبما يعلقه بالله ، وأن يبين له أن الرقية سبب، وأيضاً يبعث فيه روح التفاؤل، وأن الشفاء بيد الله، وأن الله يجيب المضطر إذا دعاه، وأن الله وعد بإجابة الدعاء، وأنك إن شاء الله نرجو لك الشفاء العاجل، كلام يجمع بين التفاؤل والنصيحة في نفس الوقت.
إذا كان المرقي لم يتمكن من الطهارة فلا مانع في حالات المرض المفاجئ أو المعضل أن يقرأ الراقي عليه حتى ولو لم يكن طاهراً، فمثلاً: الحائض والنفساء يقرأ عليهما على هذه الحال، أيضاً الجنب لو كان يشق عليه أن يتطهر ويغتسل فليتيمم، فإذا كان يشق عليه التيمم فلا مانع أن يقرأ عليه، لكن الأولى إذا أمكن أن يقرأ عليه وهو طاهر.
стр. 304
بيان ممن تكون الرقية وبم تكون
عامة الناس اليوم يفهمون أن الرقية لا تكون إلا من الغير، مجرد ما يطرأ لهم أي طارئ ويصاب عندهم شخص يفزعون إلى الشيخ يتصلون به يقولون: نريد أرقام الرقاة، فيقول لهم: هل قرأتم عليه أنتم؟ قالوا: لا، نحن ما نقرأ، وهل تنفع قراءتنا؟ الكثيرون ممن يتصلون هذا حالهم، لا يعرفون أن الرقية لا بد أن تكون أولاً من المريض نفسه إذا أمكن، فالأولى والواجب عليه أن يرقي نفسه، ثم يرقيه من حوله من أهل بيته الصغار والكبار، حتى لو كانوا واقعين في بعض المعاصي، ما يضر هذا إذا كانت قلوبهم صافية ويقرءون بإقبال على الله ، فالله يجيب دعاء المضطر، بل دعاء المضطر وإن كان كافراً يجاب، فكيف بالمسلم وإن ارتكب بعض الآثام والمعاصي فقد تؤثر رقيته على المريض، لكن المهم أن يقبل على ربه، وأن يقرأ وهو مطمئن القلب مطمئن بوعد الله.
فإذاً: المريض يقرأ على نفسه إن أمكن أو يقرأ عليه من حوله، هذا هو الواجب، أما إنهم كلما صارت لهم حاجة إلى رقية ذهبوا يركضون يبحثون عن رقاة، هذا غير صحيح، وهذا مما أوقع أكثر الرقاة في فتنة، صار لهم جماهير ففتنوا بذلك، كل المسلمين يقرءون القرآن.
كذلك ليست هناك آيات محددة للرقية، بعض الناس يقول: أنا لا أعرف آيات الرقية، نقول: اقرأ ما تقرأ به في صلاتك، والقرآن كله شفاء، وإن كان من أسباب سرعة الشفاء أن تقرأ الآيات المناسبة لكل مرض، لكن هناك آيات مناسبة لجميع الأمراض، الفاتحة وهي رقية مناسبة لجميع الأمراض، كل مسلم يقرأ الفاتحة، آية الكرسي، (قل هو الله أحد) والمعوذتان، هذه كلها رقى، وأغلب المسلمين يعرفون هذه السور، أما الفاتحة فأحسب أن كل مسلم يقرأ الفاتحة، وهي أول ما عرف أنها رقية، والنبي ﷺ قال للذي قرأها: (وما أدراك أنها رقية؟)، أقره النبي ﷺ على ذلك.
стр. 305
عدم تنافي الرقية الشرعية مع طلب العلاج عند الأطباء
الرقية لا تتنافى مع بذل الأسباب الأخرى، لا تتنافى مع مراجعة الأطباء، بل الرقية لا تتنافى مع طلب العلاج عند الطبيب النفسي، بل هذا خير على خير، سبب معنوي وسبب مادي، بعض الناس يظن أنه إذا ذهب للراقي يقطع الدواء، ولا يعالج في عيادة نفسية، وهذا وهم ولا أصل له، لا شرعاً ولا عرفاً، ولا أيضاً عند المجربين الذين يأخذون بالقواعد الشرعية.
لكني أسمع من بعض المختصين بالرقية كلام في الحقيقة هو محل نظر، يقولون: إن بعض الأدوية النفسية تخفف أثر الرقية على المريض، بل بعضهم يدعي أنه أحياناً ينعكس أثر الرقية على المريض إذا كان يمارس علاجاً نفسياً، هذا نادر، والنادر لا حكم له، وإن قال به ثقات، حدثني بعض المجربين من طلاب العلم الذين يرقون، لكن ومع ذلك لا أسلم لهم بأن هذه قاعدة عامة، بل يجب أن نبعدها من أن تكون قاعدة؛ لأن النبي ﷺ يقول: (تداووا عباد الله)، فلا يمكن أن العلاج بالقرآن والأدعية يتنافى مع العلاجات الطبيعية، والله شرع هذا وشرع هذا، وهذه ربما من عبث الجن والشياطين بالناس؛ لأن بعض الذين يعالجون يقول: كأن الجني يقول: أبعدوا عني هذا الدواء، المريض هذا يأخذ علاجاً نفسياً أرهقني وآذاني، نقول: آذاك؛ لأنك آذيت المسلم، ولماذا تجعلون هذا السبب في حرمان الناس من الأدوية؟ كثير من الأمراض علاجها عند الطب النفسي مع الرقية، كثير من الأمراض التي أصابت الناس اليوم -وهي كثيرة- هي الأمراض النفسية، وعلاجها بإذن الله عند العيادات النفسية مع الرقية بالقرآن.
كذلك بعض الناس وهذه الحقيقة في مجتمعنا ليس لها أصل شرعي ولا واقعي ولا علمي، بعضهم يرون أن مراجعات العيادات النفسية عيب وأمر يستحى منه، ما أدري من أين جاء هذا الشعور؟! حتى إن بعضهم يعتقد أنه ما يذهب للأطباء النفسيين إلا المجانين، هذا أمر غريب، الطب النفسي اليوم رحمة لكثير من العباد، ولا يتنافى مع الإيمان ولا مع العبادة ولا مع الصلاح ولا مع التوكل على الله، ولا يتنافى مع الرقية، هذا هو الأصل، لا يمكن أن يتنافى سببان شرعيان أبداً، والله شرع هذا وشرع هذا.
стр. 306
ذكر الأحكام العامة المتعلقة بالرقية
هناك أحكام عامة في الرقية أسردها سريعاً: أولاً: لا شك أن الرقية لها أصل شرعي، وهي سبب بإذن الله من الأسباب الكبرى، بل هي أعظم سبب للشفاء بإذن الله.
ثانياً: أن الرقية تكون بكل الأدعية المشروعة التي لا تتنافى مع الشرع، وأصل الرقية الفاتحة، ثم آيات معينة وسور معينة ورد فيها فضل، وأنها سبب لدفع الشر، مثل: آية الكرسي ومثل: المعوذتين، ومع ذلك القرآن كله شفاء، لكن مع قراءة الفاتحة وآية الكرسي والمعوذتين من المناسب لمن يرقي نفسه أو يرقي غيره أن يقرأ الآيات التي تتناسب مع المرض، إذا كان يظهر أن المرض سحر وظهرت يظهر علامات وقرائن لا مانع أن يقرأ آيات السحر.
وإذا كان يظهر أن المرض عين يقرأ الآيات التي تتعلق بالحسد وهكذا، بل إن هذا ربما يكون من أسباب قوة تأثير الرقية بإذن الله، لكن أن يدعي أحد أنه لا بد أن تلتزم آيات معينة هذا غير صحيح، ليس بلازم لكنه الأفضل، الأفضل لزوم الآيات المناسبة إذا كان القارئ يفقه هذه الأمور.
ثالثاً: أن الرقية تحصين للإنسان الذي لم يكن عنده مرض، أو عنده مبادئ مرض، أو يخشى أن يكون عنده مرض في أعراض ليست مؤكدة، فلا مانع أن تكون الرقية للتحصين، وكذلك للاستشفاء.
رابعاً: من الأشياء المشروعة التي لا بأس بها أن يمسح الراقي، سواء كان يرقي نفسه أو يرقي غيره أن يمسح على موضع الألم؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك، كما ورد في البخاري ومسلم وغيرهما.
خامساً: لا مانع من النفث، بل النفث مشروع، لكن إذا لم ينفث فإن الرقية بإذن الله تنفع، ليس النفث شرط.
والنفث: هو أن ينفخ على موضع المرض إذا ما كان يؤذي المرقي، إذا كان مثلاً المرض في وجه الإنسان لا يليق أن تنفث في وجهه، لكن تنفث حول الوجه، وأن تنفث في الماء، تنفث في شيء سائل ثم يشربه، أو يغسل به المريض، كل هذا مشروع وورد فيه أدلة.
سادساً: لا مانع من تشخيص المرض بالعلامات الظاهرة من غير جزم، عند من له خبرة من الرقاة، لكن بشرط ألا يجزم.
فكثير من الرقاة مع كثرة الرقية يعرف مظاهر لأمراض معينة، قد يفرق بين مظاهر السحر ومظاهر العين بالتجربة، لكن بعض أنواع التجربة تكون من عبث الشياطين والجن، بل اليوم أدعي أن أكثر تجارب الرقاة الذين تجاوزوا المشروع، أكثرها من عبث الشياطين والجن وهم لا يشعرون، لكن مع ذلك أيضاً لا نسد الباب، إذا كانت العلامة ظاهرة تدل عليها قرائن كثيرة بالتجربة فإنه لا مانع أن يغلب الراقي الظن ولا يجزم، المشكلة أن يجزم بأن هذا عين أو سحر أو نحو ذلك.
سابعاً: يجوز أخذ الأجرة على الرقية، لكن لا تنبغي المشارطة؛ لأنها تعلق قلب الراقي وعلاقته بالمريض بالمشارطة والمال والحقوق المتبادلة، نعم ما ورد في قصة اللديغ حيث شارطهم الصحابي على أن يدفعوا له مكافأة وهي كما تعرفون، لكن هذه لم يعمل بها أحد من الصحابة في عهد النبي ﷺ بعد ذلك، ولا عملها السلف الصالح، فهذه خصوصية؛ لأن هذا الصحابي الذي اشترط هو وأصحابه؛ لأنهم محتاجون ضرورة للأكل، ولأنهم استضافوا هذه القبيلة ولم يضيفوهم، فكانوا بحاجة ماسة إلى الطعام، فهذا الصحابي اشترط ليسد حاجة إخوانه ما هو شرط شخصي، أما الشرط الشخصي فلا ينبغي، وأرى أنه يؤثر في أثر الرقية، وفي تقديري أنه لا يجوز، وهو رأي كثير من أهل العلم، بل رأي جمهور العلماء أنه لا يجوز المشارطة.
стр. 307
تجاوزات وأخطاء من كثير من الرقاة
стр. 308
جعل الرقية مهنة
أولاً: أكثر الرقاة فيما أعلم يقعون في أخطاء، أول هذه الأخطاء: كون الإنسان يجعل مهنته الرقية، هذا غلط؛ لأنه لا يعرف أن السلف كانوا يجعلون طائفة منهم يمتهنون الرقية، نعم كونه ينفع نفسه وينفع غيره هذا من أعظم أعمال البر والخير ونفع المسلمين، لكن أن تكون هذه مهنته فهذه لا يعرف لها أصل في الشرع، وأغلب الذين جعلوا الرقية مهنتهم قد فتنوا بفتن عظيمة، فقد وقعوا في شعوذات وبدع وفي أخطاء شنيعة أخلاقية وعقدية وغيرها؛ فلذلك لا ينبغي لطالب العلم بل لا ينبغي لأحد من المسلمين أن يفرغ نفسه للرقية، نعم يعطي جزءاً من وقته لا حرج، لكن أن تكون هي مهنته، ألا يعرف عنه إلا أنه راق، ويفتح ما يشبه مؤسسات وشققاً مخصصة إلى آخره، هذا هو أقرب إلى البدعة.
وأقترح أن مثل هذا يعرض على العلماء ولست مفتياً فيه، وذلك بأن تقوم أعمال مؤسسية تنظم الرقية، تراقبها وتشرف عليها هيئات شرعية، هذا لا مانع، يدرب عليها بعض المحتسبين على أصول شرعية؛ لأنها بحاجة إلى مثل هذه الضوابط الشرعية.
стр. 309
الاستعانة بالجن في الرقية
ثانياً: الاستعانة بالجن، وهذا أكثر ما وقع من الذين تجاوزوا الضوابط الشرعية، الاستعانة بالجن واستنطاقهم والتحاور معهم، والاتفاق معهم على أن ينفعوا عندما يحتاج إليهم الراقي، وهذا من الاستمتاع المحرم الذي ذكره الله في قوله: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام:١٢٨] ثم قال: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾ [الأنعام:١٢٨]؛ لأنهم وقعوا في خطأ الاستمتاع بين الفريقين، لا يجوز الاستمتاع بالجن؛ لأنهم غيب وأحوالهم غيب وعبثهم أكثر من الإنس، وكذبهم أكثر من صدقهم، بعض الناس يقول: لا، هؤلاء الجن صالحون، ثق أن الجني الذي يتعاون معك عاص، ثق بأن الجني الذي يتلبس بالإنسي فاسق، فكيف يكون صالحاً وهو يؤذي الإنسي؟! نعم قد يكون صالحاً في أمور كثيرة، لكن بعمله هذا قد وقع في الإثم العظيم، ووقع في كبيرة من كبائر الذنوب، فكيف تتعامل معه؟! كذلك: تصديق الجن والتسليم لهم بما يقولون، هذا من كبائر الذنوب، نعم وقعت حالات معينة من بعض السلف، والنبي ﷺ حدثهم وقال: (اخرج عدو الله)، (اخسأ عدو الله)، لكن ما نعرف أن النبي ﷺ والصحابة وسلف الأمة كانوا يقولون: لماذا أتيت إلى هذا الإنسان؟ وماذا تريد؟ وإذا كان قد آذاه أحد: من الذي حسده؟ من الذي سحره؟ لأن هذا أمر غيبي، ولا ندري هل هو جني صالح أو شيطان أو من مردة الجن أو من غيرهم، حتى وإن ادعى الصلاح، وكما قلت: حتى لو كان يدعي أنه مسلم، فاعلم أنه بهذه الوسيلة صار فاسقاً فكيف تثق به؟! كيف تستنطقه؟! كيف تصدقه؟! فلا يجوز هذا على الإطلاق، وإن كان فيه فرج ومخرج لبعض الناس، فهذا من الابتلاء، كما قال الله : ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥]، هذا من الابتلاء ومن الاستمتاع المحرم.
стр. 310
استعمال الراقي حركات زائدة عن المشروع أثناء الرقية
ثالثاً: استعمال حركات زائدة عن المشروع، وهذه أيضاً من عبث الجن والشياطين بالرقاة، يعني: الآن إذا تأملت كثيراً من الرقاة الذين عندهم تجاوزات تجد أنه يمارس حركات لا أصل لها، النفث له أصل، وضع اليد على موضع المرض إذا لم يكن عورة هذا له أصل، لكن استعمال حركات ليس لها دليل شرعي ولا عقلي ولا علمي وهذا نوع من الدجل والشعوذة، وإن قال به بعض خيار الرقاة؛ لأنهم وقعوا في زلة، هذا يلوي العنق، وهذا يضع عينه بعين المريض، وهذا يلوي اليد من الخلف، وكأنه يمارس معه رياضة شاقة، وآخر يضرب ضرباً عنيفاً، وغيره يستعمل الصراخ والعويل، وكأنك في مجلس شياطين ما كأنك في مجلس مسلمين، ولقد سألت كثيراً من الرقاة عن هذا الفعل، فقال: أنا وجدت هذه الحركة تدلني على المرض أو السحر أو موطن العلة عند المريض، نقول لهذا وأمثاله: يا أخي! حتى لو دلتك هذه الحركة على المرض فهذا دليل على أنه عبث بك الجن والشياطين، فهم جعلوا هذه دلالة.
وآخر ينظر إلى العرق الفلاني، وآخر يضرب على هامة المريض، وآخر يضربه بأداة ضرب وكأنه يجلده جلد حد، كل هذه تجاوزات وإن كان فيها بعض الفوائد الظاهرة فهي من باب الابتلاء، كما أن المشركين وأهل البدع يستفيدون من بعض بدعهم، ويجدون أنها جلبت لهم منافع ودفعت عنهم مضاراً، لكنه ابتلاء يخسرون دينهم وعقيدتهم.
فأقول: يا أخي الراقي! ويا أخي المرقي! لا تخسر دينك، الله جعل في باب الحلال غنية، لا أقول: لا ترتقي، بل إذا احتجت إلى الرقية فلك أن ترتقي، وحديث: (الذين لا يسترقون) هذا ليس له علاقة بعموم المسلمين، ما يجوز أن نجعله سبب حجب للناس بألا يرتقوا، النبي ﷺ رقى نفسه ورقاه جبريل ورقته عائشة ﵂ لما عجز، وإن كان لم يطلب الرقية، لكن هذه سنة من سنن الهدى، لكن مع ذلك ما يصاحب الرقى وما يحدث من بعض الرقاة من هذه الحركات يجب الابتعاد عنه والنصح فيه.
إضافة إلى ما يحدث من بعضهم من وضع التهويلات، من إطفاء الأنوار، أو جعل الأنوار خافتة، ووضع الستور، أو جعل باب وراء باب، ما معنى هذا؟ يقول: أجد له أثراً نفسياً على المرضى، نقول: هذا أثر شيطاني على المرضى ما هو أثر نفسي، ليس من أثر الرقية أن تضع للناس بابين باباً داخلياً وباباً خارجياً، أو أنك تجعل نوراً خافتاً أخضر أو أحمر، أو تجعل ستائر وكأنك من كبار الدجالين الذين يوهمون الناس أن هناك أشياء لها اعتبار، وتجعل في قلوبهم خشية من الموقف؟! هذا كله من الدجل ومن الشعوذة، وإن عمل فيه بعض الصالحين فهو نوع من الأمور التي استدرجهم فيها الجن والشياطين.
إذاً: الاستدلال بالإشارات والحركات التي لم يرد بها الشرع هذا أمر لا أصل له، ويجب الابتعاد عنه من الراقي والمرقي.
من ذلك أيضاً: استعمال الكهرباء، الحقيقة استعمال الكهرباء ما لم يكن بطريقة علمية تحت إشراف طبيب متخصص فإنه نوع من الدجل، وضرره أكثر من نفعه، نعم قد تكون للراقي والمرقي فائدة من باب الابتلاء، لكنها سبب غير مشروع، ما دام أن الأطباء يرون أن استعمال الكهرباء لاستخراج الجن خطأ فهذا لا يجوز استعماله، إلا بطريقة علمية مدروسة مأمونة.
стр. 311
الرقية الجماعية
رابعاً: الرقية الجماعية فيها نظر، لا نعرف أن السلف يرقون رقية جماعية، نعم قد تفيد، واليوم مع كثرة المرضى يقول بعض الناس: أنا ما أتمكن من رقية الجميع على انفراد، نقول: الله يتولى عباده، الناس يرقون أنفسهم ويرقى بعضهم بعضاً، من قال لك: تتخصص من أجل تقول: والله أنا عندي مئات أو عشرات ما أقدر أن أقرأ الرقية لكل مريض وحده، يا أخي! أغلق بابك، من قال لك: لازم تتصدر للخلق من أجل أن تجمعهم كأنهم أغنام، ثم إذا قرأ القارئ وجدت هذا يسقط وهذا يصرخ، وكثير من السليمين يمرضون، وتتعدى عليهم الجن، ويحدث من المآسي ما هو معلوم.
إذاً: الرقية الجماعية في تقديري لا أصل لها، إلا لو كانت بعدد محدود بضوابط، هذه يعرفها أهل الاختصاص.
стр. 312
الرقية في الماء الكثير
خامساً: الرقية في الماء الكثير، ما نعرف أن السلف استعملوها، بعض الناس يقول: ما وجدت الخزانات ولا الوايتات في وقت السلف، نقول: بل هي موجودة، كان في عهد النبي ﷺ سواقي وجوابي وآبار، وكان بإمكان النبي ﷺ أن يقرأ في البئر ويقرأ أصحابه وكلهم ينزحون من البئر ويستشفون، وإلا بدل ما نقرأ على خزانات المياه والوايتات نذهب فنقرأ على مياه التحلية في الشرقية ويكفي الجميع! ونقول: ستأتيكم الرقية إلى بيوتكم عبر ماء التحلية واستريحوا.
هذا ابتلاء وإهانة للشرع في تقديري، ينبغي أن تنضبط الأمور بضوابط، نعم القراءة في الإناء الكبير هذا وارد، أما القراءة بهذا الشكل فإنها تجعل الناس يتعلقون بغير الله.
стр. 313
تخييل العائن أثناء الرقية
سادساً: هناك ظاهرة انتشرت عند قليل من الرقاة وهي من عبث الجن والشياطين بالإنس وهي: ما يسمى بالتخييل، بعض الرقاة إذا قرأ على المريض يقول له: عندما أقرأ عليك تخيل أشخاصاً مروا عليك في حياتك، مروا عليك في مجالس ومناسبات، فالذي يثبت في خيالك هو الذي سحرك أو أصابك بالعين، هذا نوع من الدجل، التخييل لا أصل له، بل هو نوع من الدجل والأوهام، قد يدخل من خلاله الجن والشياطين ويضعون في خيالك إنساناً بريئاً من ذويك وأقاربك وجيرانك ومن الصالحين، فتقول: هذا الذي عانني وهذا الذي سحرني، فتقع فتنة وفساد عظيم بين الأسر والعائلات، وحدث مثل هذا كثير، هذا يختلط بمسألة مشروعة وهي الاتهام، الاتهام غير التخييل، الاتهام تصور الواقع، واحتمال أن هذا المريض أصابته عين، العين حق وتحدث من بعض الحاسدين، لكن يمكن أن نقول للمريض: تذكر من تتهم؟ هل جلست في مجلس وسمعت كلاماً فيه مدح؟ تذكر، لعلك تأخذ من الذين حضروا هذا المجلس كسبب شرعي لعلاج العين.
إذاً: هناك فرق بين تذكر الواقع الذي حصل فيه المرض وبين التخييل، قد يدخل عليك أوهامك، فتظن أن أول واحد يصير في خيالك هو الذي ضرك، وهو ربما يكون بريئاً فتقع فتنة.
стр. 314
استخدام الجن وغيرهم في معرفة العائن والسحر والساحر
سابعاً: استخدام الجن في معرفة العائن وفي معرفة الساحر أو السحر، أيضاً استخدام بعض الحركات لمعرفة العين والساحر ومكان السحر، هذا كله من الشعوذة، الجني المتلبس بالإنسي دائماً يريد أن يتخلص، فمن أجل أن يتخلص يقول لك: هذا الرجل عانه فلان، قد يكون أحياناً من أهل بيته، من عمومته، من جيرانه، من أصدقائه، من أجل أن يتخلص الجني، فمع الأسف الراقي يجزم ويخبر المرقي ويقول: ابن عمك أو فلان صديقك الذي جلس معك في المكان الفلاني هو الذي سحرك أو هو الذي عانك، فتحدث قطيعة، بل في بعض الأحوال حصل فيها قتل، راق جزم أن فلاناً هو الساحر فصدق المرقي وذهب وأحدث فتنة، وكم حدث من تشتيت الأسر والعداوات بين المؤمنين من الأقارب والجيران وغير الأقارب والجيران ما لا يحصى.
الجن تكذب، وأنت لا تستطيع أن تزكي كثيراً من الإنس الذين حولك، فكيف تزكي جنياً غيبياً ما تعرف حاله، ولا يمكن أن تتوصل إلى حاله؟! الجن غيب خالص، ولا تدري من الذي يتحدث معك، ولا ماذا يقول، أحياناً يكون هسترة من المريض ما هو جني.
إذاً: هذه من الأشياء الخطيرة عند كثير من الرقاة.
فعلى أي حال الكلام في هذا يطول، لكن أقول: الأسباب المشروعة وافية وكافية، والله أغنانا بها عن الأسباب غير المشروعة، وإن تعلقت بها قلوب بعض الناس، وإن انتحلها وتعلق بها بعض الرقاة، فهي لا خير فيها، والله جعل لنا من المشروع ما هو سبب كاف، ولا شك أننا إذا اتقينا الله، وترسمنا خطى الشرع، وعملنا بفقه من الدين، وإذا تعاون الرقاة والمحتسبون في الرقية مع طلاب العلم المتخصصين ومع العلماء وصارت هناك مرجعية لضبط الرقية فسنجد خيراً كثير، ولا حاجة إلى تعليق الناس بالأسباب غير المشروعة، بل بالأسباب المشكوك فيها، قد يقول بعض الناس: إن هذه أسباب تتراوح عليها الفتاوى، نعم قد يكون بعضها فيها فتوى، لكننا مع ذلك نجزم أنها من أسباب انصراف الناس عن الأسباب المشروعة البحتة، ففي الحلال القطعي غنىً عن المشتبه.
هذا وأسأل الله للجميع التوفيق والسداد.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 315
أحكام الأعياد
من أعظم المصائب التي ابتلي بها المسلمون في عصورهم المتأخرة تقليد الكافرين، واتباع سبيلهم في كثير من شئون دينهم ودنياهم، وما ذاك إلا للانهزامية والذل والهوان الذي أصاب الأمة الإسلامية، لذا كان على العلماء وطلاب العلم البيان والنصح للأمة فيما يتعلق بهذه الأمور الخطيرة التي تضر بالأمة في عقيدتها ووحدتها، ومن ذلك مشاركة الكفار في أعيادهم.
стр. 316
التعريف بمفهوم العيد وبيان وقته وحكم الزيادة على الأعياد المشروعية أو النقص منها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن من أعظم المصائب التي ابتلي بها المسلمون في عصورهم المتأخرة تقليد الكفار، واتباع سبيلهم في كثير من الشئون، فقد اتبعت طوائف من هذه الأمة سبيل الكافرين في أمور عظيمة، بل فيما يتعلق بالعقائد والأحكام والشرائع والشعائر والأعياد والأخلاق والآداب التي تتنافى مع الإسلام.
وكان من أبرز مظاهر هذا التقليد تقليد الكفار في أعيادهم، أو مشاركتهم في شيء منها بأي نوع من أنواع المشاركة التي حذر الله منها، وحذر منها رسوله ﷺ ، وأجمع أئمة الدين على التحذير منها.
فكان على طلاب العلم البيان والنصح للأمة فيما يتعلق بهذه الأمور الخطيرة، وبآثارها السيئة على المسلمين في دينهم ودنياهم.
وفي هذه الأيام تكثر أعياد طائفة من أهل الكتاب: اليهود والنصارى، فيقع كثير من المسلمين في المحظور؛ إما بالمشاركة في هذه الأعياد مشاركة كاملة، وإما ببعض المشاركة الجزئية، كالتهنئة، أو إتاحة الفرصة للكفار لإظهار أعيادهم بين المسلمين أو نحو ذلك مما هو معلوم، لذا كان لا بد من الحديث عن الأعياد وأحكامها.
وسأبدأ هذا الحديث بالتعريف بمفهوم العيد؛ ليتبين ما هو العيد؟ ومتى يكون العيد عيداً؟ وليتبين أيضاً ما يخفى على كثير من الناس من وقوعهم في بعض الاحتفالات والمناسبات التي هي بمثابة الأعياد دون أن يشعروا بذلك.
فالعيد في اللغة: مأخوذ من عاد يعود، إذا تكرر ورجع بعد انصراف، وهو أيضاً في اللغة: اسم لما يعود ويتكرر من زمان أو مكان أو هما معاً، ويدخل في ذلك المناسبات والآثار ونحوها كما سيأتي تفصيله.
ويطلق على العيد في اصطلاح غالب الأمم: كل ما يعود ويتكرر زمانه أو مناسبته، أو يحتفل به أو يحتفى به، أو يجتمع عليه من الأيام أو المناسبات أو الأمكنة التي تهتم بها الأمم على أي نوع من أنواع الاهتمام.
ومن ذلك على سبيل الإجمال: أولاً: الاحتفال بالذكريات السارة، فأيّ نوع من أنواع الاحتفال الذي لم يرد في الشرع إذا تكرر وأخذ صبغة التقليد أو العادة أو الاعتياد عليه فإنه يعد عيداً، كأعياد الميلاد، وأعياد الاستقلال، وأعياد الوطن، وقد تسمى أحياناً بأيام الوطن، أو الاستقلال أو نحو ذلك من المسميات.
ثانياً: الذكريات غير السارة، فبعض الأمم قد تهتم بالذكريات المؤلمة، فتعيد الذكرى بها كنوع من المأتم وإظهار الحزن، أو ليكون ذلك من المظاهر القومية التي تعتز بها.
ثالثاً: الأماكن التي تتخذ مزاراً، كالمشاهد والآثار والبقاع، وكذلك الأماكن التي تهتم بها الأمم أو الشعوب ولم تشرع زيارتها؛ فإن الزيارة لها على وجه متكرر يعتبر عيداً، والمكان الذي يزار ويتخذ مزاراً يعتبر من الأعياد، كما ورد ذلك في صحيح السنة عن النبي ﷺ .
رابعاً: إحياء الآثار والأسواق القديمة على شكل عوائد أو آثار جاهلية أو نحو ذلك، فإن إتيان هذه الأماكن والاحتفاء بها، أو حتى الاهتمام بها بأي نوع من أنواع الاهتمام على وجه غير مشروع يعتبر من العيد الممنوع، كالاهتمام مثلاً بأسواق الجاهلية: كسوق عكاظ، وذي المجاز، ومجنة وغيرها.
لذلك نهى النبي ﷺ عن اتخاذ القبور أعياداً، أي: اتخاذها أماكن للتجمع، أو زيارتها زيارة على وجه التعبد غير الزيارة المشروعة؛ لذا قال النبي ﷺ : (لا تتخذوا قبري عيداً).
خامساً: ما أخذ طابع الاهتمام المتكرر الثابت، سواء من مكان أو زمان أو أي شيء من الأشياء، فإن هذا عيد، وذلك كالأيام التي تهتم بها بعض الأمم أو كل الأمم في العصر الحاضر كيوم الأم، ويوم الطفل، ويوم الصحة، ويوم الشجرة والنظافة ونحو ذلك من المهرجانات والاحتفالات، أو الأمور السنوية أو الدورية، فإن هذه من الأعياد الممنوعة.
والأصل في الأعياد أنها تعتبر من أبرز مظاهر حياة الأمم التي تعتز بها؛ لأنها من الخصائص والسمات والشعائر والشرائع التي تخص كل أمة، وقد تجتمع بعض الأمم في عيد واحد أو أكثر لسبب أو لآخر؛ ولذلك أمر الله المسلمين بالتميز في الأعياد، وأن تكون لهم أعياد لا يتعدونها ولا يزيدون عليها، بل ولا يقلدون غيرهم فيها ولا يلغون شيئاً منها، وكل أمة لها أعيادها التي تتميز بها وتعتز بها.
إذاً: فالأعياد من الشرائع والشعائر التعبدية التوقيفية، فهي تدخل في العقيدة من جانب، وفي الشريعة من جانب آخر، وعلى هذا فهي توقيفية، بمعنى: أنها موقوفة على ما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ ، ولا يجوز لأحد بحال أن يشرع عيداً جديداً، أو ينشئ نوعاً من أنواع الأعياد بأي وجه من الوجوه، كما أنه لا يملك أحد من الناس أن يلغي عيداً من الأعياد التي شرعها الله تعالى.
وقد بين الرسول ﷺ -كما سيأتي في النصوص- أن العيد من شعائر الدين، وهو من شرع الله ا
стр. 317
أنواع الأعياد المحرمة وحكم المشاركة فيها
الأعياد المحرمة على نوعين: النوع الأول: أعياد الكفار التي تخصهم، كالسبت لليهود، وكالأحد للنصارى، فلا يجوز لأهل بلد من بلاد المسلمين أو لطائفة أو لفرد من المسلمين أن يشاركهم في هذا اليوم على وجه التعبد، بل لا يجوز لبلد من بلاد المسلمين أن يعطل هذا اليوم على أنه يوم عيد، ولا حتى مجاملة لليهود والنصارى؛ لأنه كتب عليهم أن تكون لهم الذلة والصغار في بلاد المسلمين، وأن يكونوا أهل ذمة، وغاية ما كان أن الإسلام أذن لهم بإقامة أعيادهم في بيوتهم، ويغلقون عليهم أبوابهم، ولا يسمحون لأحد من المسلمين بأن يشاركهم، هذا إذا كانوا أهل ذمة.
أما إذا كانوا كفاراً من الذين لا يقيدون بأحكام أهل الذمة، فالأصل فيهم ألا يقيموا أعيادهم ولا سراً بين المسلمين.
وهناك أعياد أخرى للكفار أيضاً؛ كعيد رأس السنة، وعيد الميلاد، وعيد الفصح وغيرها من الأعياد المعروفة.
وهناك أعياد أيضاً قد تكون مشتركة بين بعض الأمم كالفرس والمجوس، ويوجد شيء منها عند طوائف من النصارى، وطوائف من مبتدعة المسلمين وغيرهم، كعيد النيروز والمهرجان.
والعجيب أن عيد المهرجان يوافق أول الميزان، وهو يوافق ما يسمى هنا باليوم الوطني، فلذلك ينبغي مناصحة المسئولين في هذا البلد والتحذير من هذا اليوم؛ فإن الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ﷺ ولأئمة المسلمين وعامتهم، وهذه الأعياد -أي: أعياد الكفار- اجتنابها واجب شرعاً، على أي شكل من الأشكال، وكما بيَّن ذلك أئمة المسلمين على وجه التفصيل.
النوع الثاني: الأعياد التي أحدثها أهل البدع وأهل الافتراق من طوائف المسلمين الذين ينتسبون للإسلام، كعيد مولد النبي ﷺ ، أو الموالد الأخرى، وعيد المولد -كما تعرفون- لم يكن معروفاً في عهد الصحابة ولا التابعين ولا القرون الثلاثة الفاضلة، وإنما ابتدعته طوائف من الروافض الباطنية، الذين هم في الحقيقة على دين الفرس والمجوس، والتي حكم عليها المسلمون بأنهم من الخارجين أصلاً عن الإسلام، وحدث هذا أول ما حدث على يد الدولة الفاطمية التي قامت في مصر، وهي دولة رافضية باطنية قامت أصلاً على البدع والانحرافات، فهي أول من ابتدع للمسلمين أعياد الميلاد، وكذلك الطوائف الأخرى والفرق الباطنية الأخرى التي ظهرت في بلاد المسلمين قد أسهمت في إظهار هذه الموالد والأعياد المبتدعة.
كذلك مما ابتدعه بعض المسلمين من أهل الافتراق وأهل الأهواء: الاحتفال ببعض الأيام والليالي، كليلة الإسراء، والنصف من شعبان، ويوم عاشوراء، وأيام المعارك، وأيام المناسبات، وكليلة بدر وكغيرها، وكل هذه الاحتفالات هي من الأعياد المحرمة قطعاً.
ويدخل في هذا النوع أيضاً: الأعياد البدعية المحدثة أخيراً، كالأيام الوطنية، وأيام الجلوس، وأيام الثورة، وأيام الاستقلال، والأيام العالمية، كيوم الأم ويوم الطفل والشجرة والصحة ونحو ذلك، ومنها الأسابيع التي تتكرر كل سنة أو بشكل دوري، فقد أخذت شكل الاحتفاء والاهتمام المعين، ونحن نعرف أن الإسلام جعل الاهتمام بهذه الأمور دائماً، ولم يخص بوقت من الأوقات، فليس للمساجد أسبوع، وليس للشجرة أسبوع، وليس للنظافة أسبوع، وإنما كل الأيام وكل الدهور وكل الشهور أيام للمساجد وللشجرة وللنظافة؛ لأن هذه من متطلبات الإسلام وعز المسلمين في دينهم ودنياهم، فلا يجوز أن يخصص لها وقت معين على أي شكل من أشكال التخصيص.
إذاً: الاحتفاء بالأعياد المشروعة -وهي الأضحى والفطر والجمعة- والتعبد بالتعييد بها، واعتبارها أعياداً من أعياد المسلمين واجب شرعاً، ولا يجوز لبلد أو لطائفة أو لفرد من المسلمين أن يحدث عطلة من الأسبوع غير يوم الجمعة، أو عيداً من الأسبوع غير يوم الجمعة، مع أن العيد لا يعني العطلة، فهذا مفهوم خطأ؛ لأن العيد يعني نوع من الاحتفاء والاهتمام، وأخذ الزينة والاجتماع للصلاة كيوم الجمعة ونحو ذلك من المعاني والمظاهر التي تظهر العزة والقوة والاجتماع والتماسك، والتعاطف والتكافل في الأمة، وأما التعطيل فشيء محدث، لكن مع ذلك كون الأمة تعطل بعض أعمالها يوم الجمعة تهيؤاً للصلاة، وللسعي للرزق، وللسلام وللاجتماع على الأمور التي فيها عز للإسلام والمسلمين فهذا مشروع.
لكن لو حلا لأحد أن يضع للمسلمين عطلة أو يوماً غير الجمعة، فإن هذا من الشرع الذي لم يشرعه الله، بل هو من الباطل، وهو كفر كما هو معلوم.
كذلك الأعياد المشروعة السنوية كالأضحى والفطر التعييد فيها واجب شرعاً، بمعنى: أنه ينبغي للمسلمين أن يعيدوا فيها بما ورد في الشرع من إقامة صلاة العيد، والاجتماع في هذا اليوم العظيم، ولبس الزينة لمن يملك ذلك، والتوسيع على العيال وعلى الجيران، وإطعام الطعام، وإظهار الترابط بين الأمة، والاجتماع، وإفشاء السلام وغير ذلك من المعاني التي لا بد من إظهارها في هذا اليوم.
كما أنه لا يجوز في هذا اليوم لأحد أن يصوم، أو ينشئ عبادة أخرى، أو حتى عادة أخرى تتنافى مع عظمة هذا اليوم العظيم.
стр. 318
الأدلة من الكتاب والسنة على حرمة الاحتفال بأعياد المشركين
أما الأعياد غير المشروعة فكلها حرام، وما يحدث فيها على وجه الاهتمام والقصد فهو حرام قطعاً بالكتاب والسنة والإجماع كما أسلفت.
أما القرآن فقد قال الله تعالى في صفات المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:٧٢]، قال المفسرون: إن المقصود بالزور هنا: الشعانون وأعياد الكفار، والشعانون: هي أعياد المشركين والكفار.
والمقصود بـ (يشهدون)، أي: يحضرون، فهذا دليل على أن مجرد حضور الكفار حتى للتفرج والاستطلاع حرام قطعاً؛ لأنه تعزيز لهم ومشاركة، ويدخل السرور على قلوبهم، ويشعرهم بموادة المسلمين وبولائهم لهم، وكل ذلك حرام قطعاً.
وقال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة:٤٨]، فالمسلمون لهم شرعتهم ومنهاجهم، وأهل الكتاب لهم شرعتهم ومناهجهم، والكفار وغيرهم لهم شرعتهم ومناهجهم، وكل أمة تختص بشريعة ومنهاج، ومما شرعه لهم الأعياد، فلا يجوز لمسلم أن يزيد أو ينقص في هذه الأعياد، ولا أن يشارك غيره مما هو من خصائص الأمم الأخرى في أعيادهم.
وأما السنة فللحديث السابق وقد ذكرته، وكذلك قوله ﷺ في السبت والأحد: (إنهما يوما عيد للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم).
وقوله ﷺ : (إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا)، ويشير إلى عيد الأضحى، وهذا وارد في الصحيحين، وكذلك الحديث السابق هو صحيح الإسناد عند الحاكم وغيره.
وقال النبي ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم)، ومن أعظم مظاهر التشبه وأبرزها الأعياد؛ لأنها من سمات وخصائص الأمم، والمشاركة لهم في أي عيد من أعيادهم، أو التهنئة لهم، أو إعطاؤهم الفرصة ليعيدوا هو من باب التشبه بهم، وإعطاؤهم الفرصة فيما لا يجوز لهم.
وكذلك قال النبي ﷺ في أحاديث كثيرة: (خالفوا اليهود)، (خالفوا المجوس)، (خالفوا المشركين)، وكان من أبرز الأمور التي تجب فيها المخالفة الأعياد.
إذاً: فالأعياد من جملة الشرائع والمناسك التوقيفية، والله تعالى يقول: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج:٦٧]، فالعيد كالصلاة وكالقبلة وكالصيام، كما أن العيد من أبرز ما تتميز به الأمم، فيجب على المسلمين أن يتميزوا بأعيادهم، وأن يتميزوا بمخالفة أعياد الآخرين من الكفار والمشركين واليهود والنصارى.
стр. 319
بيان العلماء في حرمة مشاركة المسلمين للكفار في أعيادهم
من المفيد أن نقف وقفة في مشاركة غير المسلمين في أعيادهم، خاصة حينما ظهرت بعض مظاهر هذه المشاركة في الآونة الأخيرة من بعض جهلة المسلمين، أو الفساق والفجار منهم، فكان لا بد من البيان والتفصيل في هذا الأمر على وجه تقوم به الحجة وتؤدى به النصيحة.
وأبدأ هذا البيان بفتوى للشيخ محمد بن عثيمين، وربما قد قرأها أكثركم، ومن المعلوم -قبل أن أقرأ الفتوى- أن النهي عن مشاركة الكفار في أعيادهم بأي نوع من أنواع المشاركة أمر مجمع عليه قديماً وحديثاً، وهو رأي المشايخ الآن جميعاً، وللشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ كتاب صغير جيد في هذا الموضوع أنصح بقراءته.
يقول الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: لا يجوز تهنئة الكفار بعيد الكريسمس أو غيره من أعيادهم؛ لأن ذلك ينبئ عن رضا بهذا العيد وإقرارهم، ولا يجوز رضا المسلم بشعائر الكفر ولا الإقرار بها؛ لأن ذلك لا يرضي الله ، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧]، وقال جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، فهذا فيه إشارة إلى أن العيد دين.
ونقل ابن القيم رحمه الله تعالى في (أحكام أهل الذمة) الاتفاق بين أئمة الدين على أنه لا يجوز تهنئة الكفار بأعيادهم، وهذا مجرد التهنئة فكيف بالمشاركة؟ وأما كونهم يهنئوننا بأعيادنا فإنما يهنئوننا بأمور رضيها الله لعباده، وشرعها لهم، بخلاف تهنئتنا إياهم بأعيادهم؛ لأن جميع الأديان منسوخة بدين الإسلام الذي بعث الله به محمداً ﷺ ، وإذا هنئونا بأعيادهم فإنا لا نجيبهم على ذلك؛ لأنها ليست بأعياد لنا.
وإذا كان لا يجوز تهنئتهم بأعيادهم، فإنه لا يجوز مشاركتهم فيها والذهاب إلى أماكن احتفالاتهم بها، ولو بدعوة منهم، ولا تجوز مجاملتهم في هذه الأمور؛ لأن هذا من المداهنة في الدين، والله أسأل أن يهديهم لدين الإسلام، وأن يثبتنا عليه، ويرزقنا الاعتزاز به.
كتبه: محمد الصالح العثيمين ﵀.
أيضاً هناك كلام جيد أشبه بمقالة للشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى، يقول فيه: أما بعد: فإن تخصيص يوم من السنة بخصيصة دون غيره من الأيام يكون به ذلك اليوم عيداً، علاوة على أنه بدعة في نفسه ومحرم، وشرع دين لم يأذن به الله، والواقع أصدق شاهد، وشهادة الشرع المطهر فوق ذلك وأصدق، إذ العيد اسم لما يعود مجيئه ويتكرر، سواء كان عائداً بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
ثم يقول: وقد منّ الله على المسلمين بما شرعه لهم على لسان نبيه الأمين ﷺ من العيدين الإسلاميين العظيمين الشريفين اللذين يفوقان أي عيد كان، وهما: عيد الفطر وعيد الأضحى، ولا عيد للمسلمين سنوياً سواهما، وكل واحد من هذين العيدين شرع شكراً لله تعالى على أداء ركن عظيم من أركان الإسلام.
فهذه مقتطفات من قوله.
ثم قال: وتعيين يوم ثالث من السنة للمسلمين فيه عدة محاذير شرعية: أحدها: المضاهاة بذلك الأعياد بالأعياد الشرعية.
الثاني: أنه مشابهة للكفار من أهل الكتاب وغيرهم في إحداث أعياد لم تكن مشروعة أصلاً، وتحريم ذلك معلوم بالبراهين والأدلة القاطعة من الكتاب والسنة، وليس تحريم ذلك من باب التحريم المجرد، بل هو من باب تحريم البدع في الدين، وتحريم شرع دين لم يأذن به الله، كما يأتي إن شاء الله بأوضح من هذا -هذا كلام الشيخ- وهو -أي: التعييد- أغلظ وأفظع من المحرمات الشهوانية ونحوها.
الثالث: أن ذلك اليوم الذي عيِّن للوطن -يشير إلى اليوم الوطني- الذي هو أول يوم من الميزان هو يوم المهرجان الذي هو عيد الفرس والمجوس، فيكون تعيين هذا اليوم وتعظيمه تشبهاً خاصاً، وهو أبلغ من التحريم من التشبه العام.
الرابع: أن في ذلك من التعريج على السنة الشمسية وإيثارها على السنة القمرية التي أولها المحرم، ما لا يخفى، ولو ساغ ذلك -وليس بسائغ ألبتة- لكان أول يوم من السنة القمرية أولى بذلك.
وأختم كلام الشيخ محمد بن إبراهيم برسالة برقية كان أرسلها لولي الأمر في وقته فقال: صاحب الجلالة الملك المعظم أيده الله! بلغني أن هناك يوماً في السنة عند الموظفين والمدارس يسمى يوم النظافة، وقد احتفل به في جدة، وأبدي لجلالتكم حفظكم الله! أن تخصيص هذا اليوم والاحتفال به أمر لا يجيزه الشرع، حيث يكون بصفة العيد، ولا عيد لأهل الإسلام غير أعيادهم التي سنها الشرع، وما سواها فحدث باطل ينهى عنه الإسلام ويمنعه، أما النظافة فأمرها معروف، وهي مطلوبة في كل وقت، ولا تخصص بوقت دون وقت، بلغني هذا الخبر وعسى ألا يكون صحيحاً، وغيرتكم للشرع وحمايتكم له تأبى إقرار هذا الشيء وأمثاله، تولَّاكم الله بتوفيقه.
عام (١٣٧٩هـ).
وفي
стр. 320
ظاهرة تقليد الكفار في أعيادهم دليل ضعف المقلد لهم وبيان أصناف المقلدين
أمر آخر مهم في مسألة المشاركة: وهو أنه ثبت بالاستقراء التاريخي، وباستقراء أحوال المسلمين اليوم الذين يقلدون الكفار، أن الأمم القوية العزيزة هي التي تنفرد بأعيادها وعاداتها وتقاليدها، وأن الأمة الضعيفة هي التي تقلد غيرها في أعيادها، وهذه قاعدة مطردة على مدار التاريخ، فمن أبرز علامات الضعف والهوان والذل في أمة من الأمم: تقليدها ومشاركتها لغيرها في أعيادها بأي نوع من أنواع المشاركة.
إذاً: تقليد الأمم لبعضها البعض من أبرز علامات الضعف والانهزامية والذوبان والتبعية والذلة في الأمة المقلدة، ولذلك نجد أن الذين يقلدون الكافرين اليوم في أعيادهم على ثلاثة أصناف: الصنف الأول: المبتدعة، وهؤلاء أمرهم ظاهر؛ لأنهم هم الذين أدخلوا الأعياد المحرمة قديماً على المسلمين.
الصنف الثاني: الفساق، وهم على صنفين: الأول: فساق جهلة.
الثاني: فساق تمردوا، أي: أنهم عرفوا أن هذا فسق، لكنهم أخذوا بأعياد الكفار وشاركوهم فيها عمداً؛ لأن من طبيعتهم الفسق والإجرام.
الصنف الثالث: أهل النفاق الذين يظهرون للمسلمين الإسلام، لكنهم يوالون الكفار بأي نوع من أنواع الموالاة في الباطن، فهؤلاء من أحرص الناس على مشاركة الكفار في أعيادهم، بل يتهافتون عليها، ويتقربون إلى الكفار ويتوددون إليهم بإهدائهم بطاقات التهنئة بالعيد والمشاركة، ومسارقة ذلك بين المسلمين في البلاد التي الإسلام فيها عزيز، نجد أن هؤلاء المنافقين يسارقون الوقت، ويسارقون الظروف ليشاركوا الكفار بأي نوع من المشاركة، حتى إن بعضهم ممن يقوم على إدارات المؤسسات أو الشركات أو غيرها يتقرب للعاملين لديه من الكافرين بإتاحة الفرصة لهم للتعييد، وإظهار أعيادهم والإعلان عنها في اللافتات واللوحات والبطاقات.
بل ربما يدعو غير الكفار -أي: من المسلمين- ليشاركوهم عيدهم! وبعض المسئولين قد يشارك الكفار في أعيادهم كنوع من المجاملة، وهذا هو والله بعينه الذل والصغار والهوان والانحراف والتبعية والانهزام الذي ليس بعده انهزام.
следующие страницы →