Полный текст (493 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
التعريف بمفهوم العيد وبيان وقته وحكم الزيادة على الأعياد المشروعية أو النقص منها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن من أعظم المصائب التي ابتلي بها المسلمون في عصورهم المتأخرة تقليد الكفار، واتباع سبيلهم في كثير من الشئون، فقد اتبعت طوائف من هذه الأمة سبيل الكافرين في أمور عظيمة، بل فيما يتعلق بالعقائد والأحكام والشرائع والشعائر والأعياد والأخلاق والآداب التي تتنافى مع الإسلام.
وكان من أبرز مظاهر هذا التقليد تقليد الكفار في أعيادهم، أو مشاركتهم في شيء منها بأي نوع من أنواع المشاركة التي حذر الله منها، وحذر منها رسوله ﷺ ، وأجمع أئمة الدين على التحذير منها.
فكان على طلاب العلم البيان والنصح للأمة فيما يتعلق بهذه الأمور الخطيرة، وبآثارها السيئة على المسلمين في دينهم ودنياهم.
وفي هذه الأيام تكثر أعياد طائفة من أهل الكتاب: اليهود والنصارى، فيقع كثير من المسلمين في المحظور؛ إما بالمشاركة في هذه الأعياد مشاركة كاملة، وإما ببعض المشاركة الجزئية، كالتهنئة، أو إتاحة الفرصة للكفار لإظهار أعيادهم بين المسلمين أو نحو ذلك مما هو معلوم، لذا كان لا بد من الحديث عن الأعياد وأحكامها.
وسأبدأ هذا الحديث بالتعريف بمفهوم العيد؛ ليتبين ما هو العيد؟ ومتى يكون العيد عيداً؟ وليتبين أيضاً ما يخفى على كثير من الناس من وقوعهم في بعض الاحتفالات والمناسبات التي هي بمثابة الأعياد دون أن يشعروا بذلك.
فالعيد في اللغة: مأخوذ من عاد يعود، إذا تكرر ورجع بعد انصراف، وهو أيضاً في اللغة: اسم لما يعود ويتكرر من زمان أو مكان أو هما معاً، ويدخل في ذلك المناسبات والآثار ونحوها كما سيأتي تفصيله.
ويطلق على العيد في اصطلاح غالب الأمم: كل ما يعود ويتكرر زمانه أو مناسبته، أو يحتفل به أو يحتفى به، أو يجتمع عليه من الأيام أو المناسبات أو الأمكنة التي تهتم بها الأمم على أي نوع من أنواع الاهتمام.
ومن ذلك على سبيل الإجمال: أولاً: الاحتفال بالذكريات السارة، فأيّ نوع من أنواع الاحتفال الذي لم يرد في الشرع إذا تكرر وأخذ صبغة التقليد أو العادة أو الاعتياد عليه فإنه يعد عيداً، كأعياد الميلاد، وأعياد الاستقلال، وأعياد الوطن، وقد تسمى أحياناً بأيام الوطن، أو الاستقلال أو نحو ذلك من المسميات.
ثانياً: الذكريات غير السارة، فبعض الأمم قد تهتم بالذكريات المؤلمة، فتعيد الذكرى بها كنوع من المأتم وإظهار الحزن، أو ليكون ذلك من المظاهر القومية التي تعتز بها.
ثالثاً: الأماكن التي تتخذ مزاراً، كالمشاهد والآثار والبقاع، وكذلك الأماكن التي تهتم بها الأمم أو الشعوب ولم تشرع زيارتها؛ فإن الزيارة لها على وجه متكرر يعتبر عيداً، والمكان الذي يزار ويتخذ مزاراً يعتبر من الأعياد، كما ورد ذلك في صحيح السنة عن النبي ﷺ .
رابعاً: إحياء الآثار والأسواق القديمة على شكل عوائد أو آثار جاهلية أو نحو ذلك، فإن إتيان هذه الأماكن والاحتفاء بها، أو حتى الاهتمام بها بأي نوع من أنواع الاهتمام على وجه غير مشروع يعتبر من العيد الممنوع، كالاهتمام مثلاً بأسواق الجاهلية: كسوق عكاظ، وذي المجاز، ومجنة وغيرها.
لذلك نهى النبي ﷺ عن اتخاذ القبور أعياداً، أي: اتخاذها أماكن للتجمع، أو زيارتها زيارة على وجه التعبد غير الزيارة المشروعة؛ لذا قال النبي ﷺ : (لا تتخذوا قبري عيداً).
خامساً: ما أخذ طابع الاهتمام المتكرر الثابت، سواء من مكان أو زمان أو أي شيء من الأشياء، فإن هذا عيد، وذلك كالأيام التي تهتم بها بعض الأمم أو كل الأمم في العصر الحاضر كيوم الأم، ويوم الطفل، ويوم الصحة، ويوم الشجرة والنظافة ونحو ذلك من المهرجانات والاحتفالات، أو الأمور السنوية أو الدورية، فإن هذه من الأعياد الممنوعة.
والأصل في الأعياد أنها تعتبر من أبرز مظاهر حياة الأمم التي تعتز بها؛ لأنها من الخصائص والسمات والشعائر والشرائع التي تخص كل أمة، وقد تجتمع بعض الأمم في عيد واحد أو أكثر لسبب أو لآخر؛ ولذلك أمر الله المسلمين بالتميز في الأعياد، وأن تكون لهم أعياد لا يتعدونها ولا يزيدون عليها، بل ولا يقلدون غيرهم فيها ولا يلغون شيئاً منها، وكل أمة لها أعيادها التي تتميز بها وتعتز بها.
إذاً: فالأعياد من الشرائع والشعائر التعبدية التوقيفية، فهي تدخل في العقيدة من جانب، وفي الشريعة من جانب آخر، وعلى هذا فهي توقيفية، بمعنى: أنها موقوفة على ما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ ، ولا يجوز لأحد بحال أن يشرع عيداً جديداً، أو ينشئ نوعاً من أنواع الأعياد بأي وجه من الوجوه، كما أنه لا يملك أحد من الناس أن يلغي عيداً من الأعياد التي شرعها الله تعالى.
وقد بين الرسول ﷺ -كما سيأتي في النصوص- أن العيد من شعائر الدين، وهو من شرع الله ا
стр. 317
أنواع الأعياد المحرمة وحكم المشاركة فيها
الأعياد المحرمة على نوعين: النوع الأول: أعياد الكفار التي تخصهم، كالسبت لليهود، وكالأحد للنصارى، فلا يجوز لأهل بلد من بلاد المسلمين أو لطائفة أو لفرد من المسلمين أن يشاركهم في هذا اليوم على وجه التعبد، بل لا يجوز لبلد من بلاد المسلمين أن يعطل هذا اليوم على أنه يوم عيد، ولا حتى مجاملة لليهود والنصارى؛ لأنه كتب عليهم أن تكون لهم الذلة والصغار في بلاد المسلمين، وأن يكونوا أهل ذمة، وغاية ما كان أن الإسلام أذن لهم بإقامة أعيادهم في بيوتهم، ويغلقون عليهم أبوابهم، ولا يسمحون لأحد من المسلمين بأن يشاركهم، هذا إذا كانوا أهل ذمة.
أما إذا كانوا كفاراً من الذين لا يقيدون بأحكام أهل الذمة، فالأصل فيهم ألا يقيموا أعيادهم ولا سراً بين المسلمين.
وهناك أعياد أخرى للكفار أيضاً؛ كعيد رأس السنة، وعيد الميلاد، وعيد الفصح وغيرها من الأعياد المعروفة.
وهناك أعياد أيضاً قد تكون مشتركة بين بعض الأمم كالفرس والمجوس، ويوجد شيء منها عند طوائف من النصارى، وطوائف من مبتدعة المسلمين وغيرهم، كعيد النيروز والمهرجان.
والعجيب أن عيد المهرجان يوافق أول الميزان، وهو يوافق ما يسمى هنا باليوم الوطني، فلذلك ينبغي مناصحة المسئولين في هذا البلد والتحذير من هذا اليوم؛ فإن الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ﷺ ولأئمة المسلمين وعامتهم، وهذه الأعياد -أي: أعياد الكفار- اجتنابها واجب شرعاً، على أي شكل من الأشكال، وكما بيَّن ذلك أئمة المسلمين على وجه التفصيل.
النوع الثاني: الأعياد التي أحدثها أهل البدع وأهل الافتراق من طوائف المسلمين الذين ينتسبون للإسلام، كعيد مولد النبي ﷺ ، أو الموالد الأخرى، وعيد المولد -كما تعرفون- لم يكن معروفاً في عهد الصحابة ولا التابعين ولا القرون الثلاثة الفاضلة، وإنما ابتدعته طوائف من الروافض الباطنية، الذين هم في الحقيقة على دين الفرس والمجوس، والتي حكم عليها المسلمون بأنهم من الخارجين أصلاً عن الإسلام، وحدث هذا أول ما حدث على يد الدولة الفاطمية التي قامت في مصر، وهي دولة رافضية باطنية قامت أصلاً على البدع والانحرافات، فهي أول من ابتدع للمسلمين أعياد الميلاد، وكذلك الطوائف الأخرى والفرق الباطنية الأخرى التي ظهرت في بلاد المسلمين قد أسهمت في إظهار هذه الموالد والأعياد المبتدعة.
كذلك مما ابتدعه بعض المسلمين من أهل الافتراق وأهل الأهواء: الاحتفال ببعض الأيام والليالي، كليلة الإسراء، والنصف من شعبان، ويوم عاشوراء، وأيام المعارك، وأيام المناسبات، وكليلة بدر وكغيرها، وكل هذه الاحتفالات هي من الأعياد المحرمة قطعاً.
ويدخل في هذا النوع أيضاً: الأعياد البدعية المحدثة أخيراً، كالأيام الوطنية، وأيام الجلوس، وأيام الثورة، وأيام الاستقلال، والأيام العالمية، كيوم الأم ويوم الطفل والشجرة والصحة ونحو ذلك، ومنها الأسابيع التي تتكرر كل سنة أو بشكل دوري، فقد أخذت شكل الاحتفاء والاهتمام المعين، ونحن نعرف أن الإسلام جعل الاهتمام بهذه الأمور دائماً، ولم يخص بوقت من الأوقات، فليس للمساجد أسبوع، وليس للشجرة أسبوع، وليس للنظافة أسبوع، وإنما كل الأيام وكل الدهور وكل الشهور أيام للمساجد وللشجرة وللنظافة؛ لأن هذه من متطلبات الإسلام وعز المسلمين في دينهم ودنياهم، فلا يجوز أن يخصص لها وقت معين على أي شكل من أشكال التخصيص.
إذاً: الاحتفاء بالأعياد المشروعة -وهي الأضحى والفطر والجمعة- والتعبد بالتعييد بها، واعتبارها أعياداً من أعياد المسلمين واجب شرعاً، ولا يجوز لبلد أو لطائفة أو لفرد من المسلمين أن يحدث عطلة من الأسبوع غير يوم الجمعة، أو عيداً من الأسبوع غير يوم الجمعة، مع أن العيد لا يعني العطلة، فهذا مفهوم خطأ؛ لأن العيد يعني نوع من الاحتفاء والاهتمام، وأخذ الزينة والاجتماع للصلاة كيوم الجمعة ونحو ذلك من المعاني والمظاهر التي تظهر العزة والقوة والاجتماع والتماسك، والتعاطف والتكافل في الأمة، وأما التعطيل فشيء محدث، لكن مع ذلك كون الأمة تعطل بعض أعمالها يوم الجمعة تهيؤاً للصلاة، وللسعي للرزق، وللسلام وللاجتماع على الأمور التي فيها عز للإسلام والمسلمين فهذا مشروع.
لكن لو حلا لأحد أن يضع للمسلمين عطلة أو يوماً غير الجمعة، فإن هذا من الشرع الذي لم يشرعه الله، بل هو من الباطل، وهو كفر كما هو معلوم.
كذلك الأعياد المشروعة السنوية كالأضحى والفطر التعييد فيها واجب شرعاً، بمعنى: أنه ينبغي للمسلمين أن يعيدوا فيها بما ورد في الشرع من إقامة صلاة العيد، والاجتماع في هذا اليوم العظيم، ولبس الزينة لمن يملك ذلك، والتوسيع على العيال وعلى الجيران، وإطعام الطعام، وإظهار الترابط بين الأمة، والاجتماع، وإفشاء السلام وغير ذلك من المعاني التي لا بد من إظهارها في هذا اليوم.
كما أنه لا يجوز في هذا اليوم لأحد أن يصوم، أو ينشئ عبادة أخرى، أو حتى عادة أخرى تتنافى مع عظمة هذا اليوم العظيم.
стр. 318
الأدلة من الكتاب والسنة على حرمة الاحتفال بأعياد المشركين
أما الأعياد غير المشروعة فكلها حرام، وما يحدث فيها على وجه الاهتمام والقصد فهو حرام قطعاً بالكتاب والسنة والإجماع كما أسلفت.
أما القرآن فقد قال الله تعالى في صفات المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:٧٢]، قال المفسرون: إن المقصود بالزور هنا: الشعانون وأعياد الكفار، والشعانون: هي أعياد المشركين والكفار.
والمقصود بـ (يشهدون)، أي: يحضرون، فهذا دليل على أن مجرد حضور الكفار حتى للتفرج والاستطلاع حرام قطعاً؛ لأنه تعزيز لهم ومشاركة، ويدخل السرور على قلوبهم، ويشعرهم بموادة المسلمين وبولائهم لهم، وكل ذلك حرام قطعاً.
وقال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة:٤٨]، فالمسلمون لهم شرعتهم ومنهاجهم، وأهل الكتاب لهم شرعتهم ومناهجهم، والكفار وغيرهم لهم شرعتهم ومناهجهم، وكل أمة تختص بشريعة ومنهاج، ومما شرعه لهم الأعياد، فلا يجوز لمسلم أن يزيد أو ينقص في هذه الأعياد، ولا أن يشارك غيره مما هو من خصائص الأمم الأخرى في أعيادهم.
وأما السنة فللحديث السابق وقد ذكرته، وكذلك قوله ﷺ في السبت والأحد: (إنهما يوما عيد للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم).
وقوله ﷺ : (إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا)، ويشير إلى عيد الأضحى، وهذا وارد في الصحيحين، وكذلك الحديث السابق هو صحيح الإسناد عند الحاكم وغيره.
وقال النبي ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم)، ومن أعظم مظاهر التشبه وأبرزها الأعياد؛ لأنها من سمات وخصائص الأمم، والمشاركة لهم في أي عيد من أعيادهم، أو التهنئة لهم، أو إعطاؤهم الفرصة ليعيدوا هو من باب التشبه بهم، وإعطاؤهم الفرصة فيما لا يجوز لهم.
وكذلك قال النبي ﷺ في أحاديث كثيرة: (خالفوا اليهود)، (خالفوا المجوس)، (خالفوا المشركين)، وكان من أبرز الأمور التي تجب فيها المخالفة الأعياد.
إذاً: فالأعياد من جملة الشرائع والمناسك التوقيفية، والله تعالى يقول: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج:٦٧]، فالعيد كالصلاة وكالقبلة وكالصيام، كما أن العيد من أبرز ما تتميز به الأمم، فيجب على المسلمين أن يتميزوا بأعيادهم، وأن يتميزوا بمخالفة أعياد الآخرين من الكفار والمشركين واليهود والنصارى.
стр. 319
بيان العلماء في حرمة مشاركة المسلمين للكفار في أعيادهم
من المفيد أن نقف وقفة في مشاركة غير المسلمين في أعيادهم، خاصة حينما ظهرت بعض مظاهر هذه المشاركة في الآونة الأخيرة من بعض جهلة المسلمين، أو الفساق والفجار منهم، فكان لا بد من البيان والتفصيل في هذا الأمر على وجه تقوم به الحجة وتؤدى به النصيحة.
وأبدأ هذا البيان بفتوى للشيخ محمد بن عثيمين، وربما قد قرأها أكثركم، ومن المعلوم -قبل أن أقرأ الفتوى- أن النهي عن مشاركة الكفار في أعيادهم بأي نوع من أنواع المشاركة أمر مجمع عليه قديماً وحديثاً، وهو رأي المشايخ الآن جميعاً، وللشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ كتاب صغير جيد في هذا الموضوع أنصح بقراءته.
يقول الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: لا يجوز تهنئة الكفار بعيد الكريسمس أو غيره من أعيادهم؛ لأن ذلك ينبئ عن رضا بهذا العيد وإقرارهم، ولا يجوز رضا المسلم بشعائر الكفر ولا الإقرار بها؛ لأن ذلك لا يرضي الله ، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧]، وقال جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، فهذا فيه إشارة إلى أن العيد دين.
ونقل ابن القيم رحمه الله تعالى في (أحكام أهل الذمة) الاتفاق بين أئمة الدين على أنه لا يجوز تهنئة الكفار بأعيادهم، وهذا مجرد التهنئة فكيف بالمشاركة؟ وأما كونهم يهنئوننا بأعيادنا فإنما يهنئوننا بأمور رضيها الله لعباده، وشرعها لهم، بخلاف تهنئتنا إياهم بأعيادهم؛ لأن جميع الأديان منسوخة بدين الإسلام الذي بعث الله به محمداً ﷺ ، وإذا هنئونا بأعيادهم فإنا لا نجيبهم على ذلك؛ لأنها ليست بأعياد لنا.
وإذا كان لا يجوز تهنئتهم بأعيادهم، فإنه لا يجوز مشاركتهم فيها والذهاب إلى أماكن احتفالاتهم بها، ولو بدعوة منهم، ولا تجوز مجاملتهم في هذه الأمور؛ لأن هذا من المداهنة في الدين، والله أسأل أن يهديهم لدين الإسلام، وأن يثبتنا عليه، ويرزقنا الاعتزاز به.
كتبه: محمد الصالح العثيمين ﵀.
أيضاً هناك كلام جيد أشبه بمقالة للشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى، يقول فيه: أما بعد: فإن تخصيص يوم من السنة بخصيصة دون غيره من الأيام يكون به ذلك اليوم عيداً، علاوة على أنه بدعة في نفسه ومحرم، وشرع دين لم يأذن به الله، والواقع أصدق شاهد، وشهادة الشرع المطهر فوق ذلك وأصدق، إذ العيد اسم لما يعود مجيئه ويتكرر، سواء كان عائداً بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
ثم يقول: وقد منّ الله على المسلمين بما شرعه لهم على لسان نبيه الأمين ﷺ من العيدين الإسلاميين العظيمين الشريفين اللذين يفوقان أي عيد كان، وهما: عيد الفطر وعيد الأضحى، ولا عيد للمسلمين سنوياً سواهما، وكل واحد من هذين العيدين شرع شكراً لله تعالى على أداء ركن عظيم من أركان الإسلام.
فهذه مقتطفات من قوله.
ثم قال: وتعيين يوم ثالث من السنة للمسلمين فيه عدة محاذير شرعية: أحدها: المضاهاة بذلك الأعياد بالأعياد الشرعية.
الثاني: أنه مشابهة للكفار من أهل الكتاب وغيرهم في إحداث أعياد لم تكن مشروعة أصلاً، وتحريم ذلك معلوم بالبراهين والأدلة القاطعة من الكتاب والسنة، وليس تحريم ذلك من باب التحريم المجرد، بل هو من باب تحريم البدع في الدين، وتحريم شرع دين لم يأذن به الله، كما يأتي إن شاء الله بأوضح من هذا -هذا كلام الشيخ- وهو -أي: التعييد- أغلظ وأفظع من المحرمات الشهوانية ونحوها.
الثالث: أن ذلك اليوم الذي عيِّن للوطن -يشير إلى اليوم الوطني- الذي هو أول يوم من الميزان هو يوم المهرجان الذي هو عيد الفرس والمجوس، فيكون تعيين هذا اليوم وتعظيمه تشبهاً خاصاً، وهو أبلغ من التحريم من التشبه العام.
الرابع: أن في ذلك من التعريج على السنة الشمسية وإيثارها على السنة القمرية التي أولها المحرم، ما لا يخفى، ولو ساغ ذلك -وليس بسائغ ألبتة- لكان أول يوم من السنة القمرية أولى بذلك.
وأختم كلام الشيخ محمد بن إبراهيم برسالة برقية كان أرسلها لولي الأمر في وقته فقال: صاحب الجلالة الملك المعظم أيده الله! بلغني أن هناك يوماً في السنة عند الموظفين والمدارس يسمى يوم النظافة، وقد احتفل به في جدة، وأبدي لجلالتكم حفظكم الله! أن تخصيص هذا اليوم والاحتفال به أمر لا يجيزه الشرع، حيث يكون بصفة العيد، ولا عيد لأهل الإسلام غير أعيادهم التي سنها الشرع، وما سواها فحدث باطل ينهى عنه الإسلام ويمنعه، أما النظافة فأمرها معروف، وهي مطلوبة في كل وقت، ولا تخصص بوقت دون وقت، بلغني هذا الخبر وعسى ألا يكون صحيحاً، وغيرتكم للشرع وحمايتكم له تأبى إقرار هذا الشيء وأمثاله، تولَّاكم الله بتوفيقه.
عام (١٣٧٩هـ).
وفي
стр. 320
ظاهرة تقليد الكفار في أعيادهم دليل ضعف المقلد لهم وبيان أصناف المقلدين
أمر آخر مهم في مسألة المشاركة: وهو أنه ثبت بالاستقراء التاريخي، وباستقراء أحوال المسلمين اليوم الذين يقلدون الكفار، أن الأمم القوية العزيزة هي التي تنفرد بأعيادها وعاداتها وتقاليدها، وأن الأمة الضعيفة هي التي تقلد غيرها في أعيادها، وهذه قاعدة مطردة على مدار التاريخ، فمن أبرز علامات الضعف والهوان والذل في أمة من الأمم: تقليدها ومشاركتها لغيرها في أعيادها بأي نوع من أنواع المشاركة.
إذاً: تقليد الأمم لبعضها البعض من أبرز علامات الضعف والانهزامية والذوبان والتبعية والذلة في الأمة المقلدة، ولذلك نجد أن الذين يقلدون الكافرين اليوم في أعيادهم على ثلاثة أصناف: الصنف الأول: المبتدعة، وهؤلاء أمرهم ظاهر؛ لأنهم هم الذين أدخلوا الأعياد المحرمة قديماً على المسلمين.
الصنف الثاني: الفساق، وهم على صنفين: الأول: فساق جهلة.
الثاني: فساق تمردوا، أي: أنهم عرفوا أن هذا فسق، لكنهم أخذوا بأعياد الكفار وشاركوهم فيها عمداً؛ لأن من طبيعتهم الفسق والإجرام.
الصنف الثالث: أهل النفاق الذين يظهرون للمسلمين الإسلام، لكنهم يوالون الكفار بأي نوع من أنواع الموالاة في الباطن، فهؤلاء من أحرص الناس على مشاركة الكفار في أعيادهم، بل يتهافتون عليها، ويتقربون إلى الكفار ويتوددون إليهم بإهدائهم بطاقات التهنئة بالعيد والمشاركة، ومسارقة ذلك بين المسلمين في البلاد التي الإسلام فيها عزيز، نجد أن هؤلاء المنافقين يسارقون الوقت، ويسارقون الظروف ليشاركوا الكفار بأي نوع من المشاركة، حتى إن بعضهم ممن يقوم على إدارات المؤسسات أو الشركات أو غيرها يتقرب للعاملين لديه من الكافرين بإتاحة الفرصة لهم للتعييد، وإظهار أعيادهم والإعلان عنها في اللافتات واللوحات والبطاقات.
بل ربما يدعو غير الكفار -أي: من المسلمين- ليشاركوهم عيدهم! وبعض المسئولين قد يشارك الكفار في أعيادهم كنوع من المجاملة، وهذا هو والله بعينه الذل والصغار والهوان والانحراف والتبعية والانهزام الذي ليس بعده انهزام.
стр. 321
أضرار تقليد المسلمين للكفار في أعيادهم
إن التقليد للكفار في أعيادهم نتجت عنه أضرار وآثار واضحة في المسلمين اليوم، من أبرزها: الإخلال بالعقيدة؛ لأن العيد هو من شرع الله، وهو داخل في الشعائر والشرائع والعقائد، فمشاركة الكافرين في أعيادهم هو اهتزاز في عقيدة الذي يشاركهم، بل هو خلل في العقيدة.
كذلك من الأضرار: إظهار الولاء للكفار بأي نوع من أنواع المشاركة لهم في عيدهم، وإظهار الولاء والإعلان له لا يمكن أن يظهر في السلوك وفي العمل إلا وقد وقر ولاء الكفار في القلب، نسأل الله العافية.
لذا فأقول: لا شك أن الذي يجامل الكفار في أعيادهم ويشاركهم بالتهنئة أو بأي نوع من أنواع المشاركة أنه قد وقر في قلبه ولاء الكفار وحبهم، سواء شعر أو لم يشعر.
أيضاً: أنه تشريع لما لم يشرعه الله ، بل هو معاداة واعتراض على أمر الله وعلى أمر رسوله ﷺ ؛ لأن الله نهانا عن ذلك، ونهانا عنه رسوله ﷺ ، فمشاركة الكفار في أعيادهم هي محادة لله ولرسوله ولدين الله، ومحاربة لسبيل المؤمنين.
ثم إن المشاركة لهؤلاء الكفار في أعيادهم دليل على الانهزامية والضعف والذلة والتبعية لغير المسلمين.
كما إن المشاركة للكافرين في أعيادهم تجرِّئ -وهذا ما حصل- الكفار على المسلمين، فقد جرَّأت بعضهم لأن يظهروا كثيراً من عاداتهم وتقاليدهم ومظاهر الفسق، لا سيما وأن الأعياد يصحبها عند الكفار إظهار الفسق والإجرام والشرب والفواحش والمحرمات، وكان هذا مما جرَّأهم على أن يظهروا بين المسلمين ببلاياهم وبمصائبهم، وحصل من هذا ضرر عظيم وكبير كما تعلمون.
ثم إن هذا فيه مخالفة لإجماع المسلمين ولجماعتهم، وهو سلوك لسبيل غير المؤمنين، وتنكب لغير الصراط المستقيم، واتباع لطريق المغضوب عليهم والضالين.
стр. 322
واجبنا تجاه ظاهرة تقليد الكفار ومشاركتهم في أعيادهم
قد يقول قائل: ما العمل؟ مع أن المسألة سهلة في الحقيقة وفي نظري؛ لأن الأمر واضح، فحكم الله في هذا الأمر واضح، والنصوص والآيات والأحاديث وأحكام الشرع التي بينها العلماء واضحة، والمسلم بحمد الله لم يصل إلى درجة أن يغصب أو يكره لأن يعمل هذه الأعمال التي فيها مشاركة للكفار، فما بقي إلا العزم الصادق لكل مسلم بأن يتجنب الكفار في أعيادهم، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: اجتنبوا أعداء الله في أعيادهم.
فالمسألة مسألة عزم وصدق نية، وتوبة إلى الله لمن يمارس ذلك، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى: لا بد من المناصحة عموماً، وأذكر شيئاً من ذلك -أي: من باب المناصحة في هذا الأمر- لإزالة مظاهر تقليد الكفار في أعيادهم بقدر الجهد والاستطاعة.
أولاً: بيان أن مقتضى النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم واجبة شرعاً، سواء بالمحاضرات أو الندوات أو الكتب، أو كل ما يملك المسلم من الوسائل المشروعة المتاحة، فيجب البيان، وبالبيان تقوم الحجة وتبرأ الذمة؛ لأن هناك ممن يقع في هذه المحظورات بسبب جهله، وهناك من يستضعف المؤمنين ويستضعف أهل الحق، وهناك من الفساق والفجار من يستغفل الناس ويستغفل أهل العلم ويستغفل المسلمين، فإذا وجد الإنكار ووجد البيان وأقيمت الحجة، فإنه بهذا سيرتدع من في قلبه مرض بإذن الله.
إذاً: لا بد من قطع دابر هذه البدعة والضلالة بين المسلمين، وتحذير المسلمين من فعلها، وبيان الحكم الشرعي منها على وجه التفصيل بكل وسيلة، وبيان أحكام الولاء والبراء التي تميز المسلم بسلوكه وبعقيدته وبشريعته وبعيده وبنهجه، وباستقلاليته وشخصيته، وهذه بحمد الله -أي: نصوص الولاء والبراء- واضحة في الكتاب والسنة، وما علينا إلا أن نبينها ونشرحها، وأن نربي عليها المسلمين خاصة الأجيال الناشئة.
ثم أيضاً النصح لمن يقع في مشاركة الكفار في أعيادهم جهلاً منه؛ لأنه ربما -وهذا أمر واقع- يكون بعض من يشارك الكفار يشاركهم عن جهل، وربما لم تبلغه الأحكام الشرعية، أو ظن أن هذه من المسائل العادية التي لا تتنافى مع الشرع، فلا بد من نصح هذا الصنف بأفرادهم وبأعيانهم، سواء من الجيران أو زملاء العمل، أو من نراه من المسلمين من يقع في هذا المحظور، فعلينا أن ننصحه ونبين له أن هذا لا يجوز، وأنه محظور يتنافى مع العقيدة ومع الشريعة، ومع ما أمر الله به.
وقد تكون هناك طائفة من الفساق والفجرة يصرون على هذا المنكر رغم البيان وإقامة الحجة، فهؤلاء لا بد أن يرفع أمرهم لولاة الأمر؛ لأن فعلهم هذا ممنوع شرعاً، وبالتبع فهو ممنوع نظاماً في هذا البلد.
فإذاً: من يمارس هذا العمل علناً ويتبجح به من الفساق أو الفجرة فعلينا أن نبين أمره للمسئولين.
وعلى هذا فأرى ضرورة تتبع ما يظهر من بعض المؤسسات وبعض الجهات، وبعض الشركات التي تعمل هذا العمل، من إتاحة الفرصة للكافر بإعلان أعيادهم والاحتفال بها، ثم أيضاً مشاركتهم وإتاحة الفرصة للمسلمين في مشاركتهم، أو التغاضي عن هذا مع ظهوره، إما في مقر العمل أو في الإسكانات، ولا يلزم أن تكون المسئولية فقط في مقر العمل، بل نقول: إن لصاحب المؤسسة أو الشركة أن يمنع الكفار من إظهار أعيادهم، ويمنع المسلمين من مشاركتهم، ويبين للكفار أن هذا لا يجوز، وأنه يتنافى مع دين البلد وتقاليدها ونظامها، والذي أعرفه أن من أنظمة العقود مع غير المسلمين بيان هذا الأمر لهم، وأن النظام عندنا في هذا البلد -بحكم عملها بالكتاب والسنة في كثير من الأمور- أنها تشترط على المتعاقد غير المسلم أن يراعي دين البلاد وتقاليدها وظروفها، وهذا شرط مسبق، إلا إذا كانت بعض الدوائر تتساهل.
فإذاً علينا أن نقيم هذا النظام، وأن نتتبع من يخالفه، ونبلغ المسئولين والجهات المعنية بأي مخالفة أو تجاوز؛ لأن هذه المسألة مع الأسف استفحلت وظهرت، حتى رؤي في بعض المؤسسات وبعض الشركات إعلانات بالخط العريض عن بعض أعياد الميلاد، وتوزع البطاقات والكروت بالتهنئة للكافر بأعيادهم، وهذا أمر عظيم وشر مستطير لا بد من القضاء عليه قبل أن يستفحل.
ثم لا بد أيضاً من استئناف الطلب من الجهات الرسمية بالتأكيد على الكفار بألا يعملوا على إظهار أعيادهم، وأن يراعوا دين الأمة وتقاليدها وعاداتها الطيبة، والذي أعرفه أنه حتى في الأنظمة الدولية مع أننا لسنا بحاجة إلى أن نشير إليها، لكن أقول -مع الأسف-: حتى في الأنظمة الدولية ما يشير إلى مراعاة أوضاع كل بلد من قبل الوافدين عليه، فكيف ونحن المسلمون الذين نحن أحق من غيرنا بأن نظهر الحق الذي عندنا، وأن نكبت الباطل، وألا يتجاوز أحد هذا الحد؛ لأن فيه صغاراً وذلاً على المسلمين، وفيه حرباً على الإسلام وأهله.
فإذاً: لا بد من إعادة استئناف الطلب من الجهات الرسمية بالتأكيد على الكفار بألا يعلنوا أعيادهم، وألا يسمحوا للمسلمين بمشاركتهم، وألا يكون هناك شيء من التجاوزات التي تتنافى مع دين البلد وعاداتها الطيبة.
وأخيراً: فإنه على كل مسلم أن يبذل جهده في محاربة مثل هذه البدع
стр. 323
كلمة أخيرة تتضمن النصيحة حول أحكام الأعياد
في الختام أحب أن أشير إلى بعض الأمور العامة التي يجب علينا جميعاً أن نبدي النصح فيها بهذا الموضوع، أعني: أحكام الأعياد.
أولاً: نحن نعرف أن أكثر المسلمين الذين يقعون -خاصة في هذا البلد- في مشاركة الكفار في أعيادهم بأي نوع من المشاركة أكثرهم من الجهلة السذج، الذين تستهويهم هذه المظاهر، فيجب على الجميع البيان بكل وسيلة متاحة ومشروعة.
ثانياً: أنا أرى أن الكلام على الأعياد يجب أن ينطلق من منطلق شرعي، يبين للناس أن الحكم في الأعياد متعلق بالعقيدة، وأن تجاوز هذا الحكم إخلال بالعقيدة، والإخلال بها إخلال بشرع الله، وتشريع لما لم يشرعه الله، ثم إن الإخلال بها أيضاً محادة لشرع الله تعالى.
وأن يكون البيان عند المناسبة، بمعنى: قبل وقت الأعياد العادية التي تكثر عن الكفار، فينبغي أن يتناصح المسلمون فيما بينهم، وأن يستذكروا التحذير عن هذه البدعة بكل جهد وبكل وسيلة.
ثالثاً: أنه لا بد من الزيارة والاتصال بالمسئولين عن الشركات والمؤسسات والدوائر التي يلحظ أنها تتساهل في هذا الأمر، وإبداء النصح لهم وإقامة الحجة عليهم، والمسألة بحمد الله ليست محل خلاف فنقول: والله قد تنازع فيها الناس، ولا داعي أن ندخل في النزاع، والمسألة أيضاً ليست خفية، بمعنى: أننا نقول: لا نذهب للتفتيش عن عورات الناس، بل هي ظاهرة وواضحة، والمنكر إذا ظهر لا بد من السعي لتغييره، وأحسن وجوه السعي لتغييره أن نذهب إلى المسئولين في مكاتبهم وفي بيوتهم، ونعظهم ونناصحهم، وأن نذكرهم بالله ، ونذكرهم بمغبة الانجراف وراء هذه الظواهر المزعجة التي تخل بدين الأمة وعقيدتها وشرعها.
ثم أيضاً هناك وجوه أخرى من المناصحة؛ لأنه قد لا يستطيع بعض الناس أن يذهب أو يزور، كالمناصحة بالكتابة والمراسلة للمسئولين لبيان هذا الأمر.
والتوصية بكل وجوه النصيحة المشروعة التي لا بد من سلوكها لإقامة الحجة والبيان، وإن لم نفعل ذلك فالأمر خطير؛ لأنه قد تعاقب الأمة بجملتها الصالح منها والطالح؛ لتفريط الصالحين في عدم إنكار ما يظهر من منكرات، ومن أعظم المنكرات وأخطرها منكرات الأعياد البدعية؛ لأنها من الشعائر التعبدية، ومن الشعارات التي تتميز بها الأمم، والتساهل فيها إنما هو حكم بالذلة، وحكم بالمجاهرة بالمعاصي وبالمبتدعات، وهذا مغبته ليست فقط على الذين يعملونه، وإنما مغبته على الجميع، بل على حساب الأمة في دينها ودنياها، ولأنه ينافي القوة والعزة والمهابة التي عليها الأمم.
فإذاً: على الجميع أن يعملوا جهدهم في النصح لله تعالى ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم في هذا الأمر وغيره.
ووجوه النصح بحمد الله مفتوحة ومتاحة، فعلى كل مسلم أن يتقي الله في هذا الأمر، وأن يبين وأن يناصح ويعمل جهده.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 324
الأسئلة
стр. 325
حكم المشاركة في الاحتفالات المحرمة بأمر من الجهات المسئولة في الدولة
السؤال
تقوم وزارة المعارف بإرسال خطابات إلى جميع المدارس بالمشاركة في هذه الأسابيع، فما الحكم؟ مع العلم أنه يطلب منا إرسال بيانات بإقامة المدرسة لهذا الأسبوع أو أي احتفال آخر، فكيف الرد؟ وما هي النصيحة؟
الجواب
مثل هذا الأمر الذي يأتي من طريق جهات رسمية أرى أن يعالج على مستوى الجهات المسئولة، ولا بد من رفع هذا الأمر إلى المسئولين، وإلى المشايخ الذين يملكون البت في هذه القضية، ولا يمكن لمثلي أو لأي فرد من الإخوان أن يقوم هو بمفرده ويبت في هذه الأمور، أو يصل فيها إلى نتيجة عملية، وإنما لابد من رفع الأمر إلى المسئولين وإلى المشايخ، والأخذ إن شاء الله بالوجهة الشرعية التي تبرأ بها الذمة وتقتضيها المصلحة.
стр. 326
واجب المسلم تجاه أعياد الكفار والمشاركين فيها
السؤال
ما واجبنا ودورنا أيها الشيخ في هذه الأيام وخاصة مع اقتراب عيد النصارى؟ وكيف نمنعهم من ذلك نرجو طرح بعض الأساليب الممكن اتخاذها في ذلك؟
الجواب
في رأيي أن هذا الأمر لابد فيه من أشياء: أولاً: البيان للحكم الشرعي في مسألة المشاركة في أعياد الكفار، أو في إظهارها بين المسلمين، سواء كان ذلك بالكتاب، أو بوسائل الإعلام، أو بنشر الفتاوى، أو بالمحاضرات، أو بالندوات وغيرها.
ثانياً: لا بد من إشعار غير المسلمين -بطريقة مناسبة- بأن ما يعملونه في أعيادهم يتنافى مع دين البلد ومع عقيدتها، وأنه يصادم ويسيء إلى هذا المجتمع، ويصادم ما هو عليه هذا البلد من الدين والعقيدة والشرع القويم، وكثير من الكفار الذين في البلد ربما لو قيل لهم هذا لاحترموا هذا المبدأ، بناءً على أنهم في الأصل لابد أن يحترموا البلاد وأهلها ودينها، وهذا أمر ضروري، أعني: البيان للكفار، لكن بطريقة مشروعة وبأسلوب مناسب ليس فيه استفزاز، ويتحرى فيه المصلحة أيضاً، وإذا ظن أن هذا العمل قد تكون له أضرار أكبر؛ فيمكن أن تسلك أساليب أخرى.
ثالثاً: أرى أنه من الضروري تتبع الجهات التي تظهر فيها أعياد الكفار، وإبلاغ المسئولين بها في الأمن والشرطة والإمارة والهيئات أولاً بأول، وإبلاغ المشايخ كذلك، لعل المشايخ أو الجهات المسئولة تملك -بل أكيد أنها تملك- من القدرة أكثر مما يملك الأفراد.
وهناك من الأساليب أرى أنها لا تجوز، كاستعمال القوة أو العنف تجاه أي عمل من هذا النوع؛ لأن القوة لا يملكها إلا من بأيديهم التغيير لذلك المنكر.
وأقصد بهذا أنه لا ينبغي للفرد المسلم أن يسلك مسلك العنف في تغيير هذه المنكرات؛ لأنه لا يملك ذلك، وعلى هذا فأقول: إن سبيلنا الذي نستطيعه هو المناصحة والبيان، وإبلاغ الجهات المسئولة بذلك.
وأيضاً إشعار الذين يعملون هذه الأعياد بأن هذا لا يجوز، وأنه يتنافى مع أوضاع البلد إلى آخره.
والناصح لن يعدم من أساليب النصيحة، والذي ليس عنده فقه كامل في النصيحة، بمقتضياتها وآدابها وشروطها وقواعدها ينبغي عليه أن يسترشد بطلاب العلم والدعاة والمشايخ.
стр. 327
حكم من أقام حفلاً مرة واحدة في حياته بمناسبة ما
السؤال
ذكرتم يا فضيلة الشيخ! أن العيد هو ما أخذ طابع الدوام والاستمرار، فلو أقام شخص حفلاً مرة واحدة في حياته بمناسبة ما، مثل: ذكرى ميلاده، أو ذكرى وفاة عزيز عليه، أو أي مناسبة أخرى، فما الحكم في ذلك؟
الجواب
ما دام أنه أخذ صفة التعييد فهو عيد حتى لو لم يتكرر؛ لأنه ليس من شروط العيد أن يتكرر، وما دام أنه سمي عيداً واحتفل به على نحو الاحتفال بمولد الشخص فهو عيد؛ لأنه عبارة عن إحياء ذكرى قد تكررت، وهي ما بين الميلاد والعيد، فهنا يكون ممنوعاً، أما لو كان يوماً مفرداً من الأيام يعمل فيه عملاً من الأعمال التي تنفع المسلمين في دينهم ودنياهم فهذه مسألة أخرى، أما ما دام أنه تعلق بمولد الشخص ووفاته، وكان بمناسبة مصادفة المولد ليوم معين، فهذا لا يجوز؛ لأنه أخذ صفة العيد.
стр. 328
حكم الاحتفال بمناسبات مادية دنيوية كعيد الشجر وغيره
السؤال
الأيام التي تقام للطفل والشجرة والنظافة والغذاء والشرطة وغيرها، هل يحكم عليها بالابتداع ولو كانت في أمور دنيوية مادية وليست في أمور تعبدية، نرجو التوضيح في ذلك لإزالة الشبهة، وجزاكم الله خيراًَ؟
الجواب
ليس من شروط العيد أن يكون تعبدياً فقط، بل متى ما توافرت صفات التعييد في أي مناسبة فلها حكم العيد، والاحتفال بيوم معين أياً كان اسمه يتكرر في السنة، أو يتكرر بشكل دوري كل سنتين، أو كل عشر سنوات مثلاً فإنه عيد، لكن ما حكمه على جهة التفصيل؟ بمعنى: ما مدى حرمته؟ هل هي كحرمة العيد الشرعي، أي: العيد المتعبد به أو أقل من ذلك؟ هذه مسألة لا بد من تفصيلها عند أهل العلم، وآمل أن تعرض هذه المشكلة على هيئة كبار العلماء، أو على لجنة الفتوى؛ لبيان التفصيل فيها.
أما كون التعييد بهذه الأيام مثل يوم النظافة وغيرها فمحرم؛ لأنها تأخذ صفة العيد، وقد سمعتم فتوى الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀، وفيها القول الفصل، لكن مع ذلك فهناك تفصيل في هذا الحكم، ما درجة الكراهية؟ أو ما درجة التحريم؟ وما الذي يحرم فيه؟ هذه مسألة في نظري لا أستطيع أن أفتي فيها، وهي أكبر من أن أقدر على الحكم فيها على جهة التفصيل؛ فلتعرض على المشايخ.
стр. 329
حكم رد التهنئة على الكفار عند تهنئتهم لنا بأعيادهم
السؤال
أعمل موظفاً في مطار الملك خالد الدولي بالخطوط السعودية، وأقابل ركاباً من غير المسلمين، وفي مثل هذه الأيام دائماً يحيوننا بتحية يقولون فيها ما معناها باللغة العربية: سنة جديدة سعيدة، فهل أرد عليهم هذه التحيَّة أم أسكت، والمعتاد أنه يرد عليهم بنفس الكلمة، فما رأي فضيلتكم؟
الجواب
بمقتضى ما عرفناه من النصوص وأقوال علماء هذه الأمة من المحدثين والفقهاء وأئمة الدين ومشايخنا في هذا العصر أنه لا يجوز مبادلتهم بالتهنئة، ومن هنأنا منهم بعيده كما قال الشيخ محمد بن عثيمين فلا يرد عليه بالتهنئة، والفتوى واضحة في هذه المسألة بالذات.
وأعيد قراءة الجزء المختص بجواب هذا السؤال: يقول الشيخ: وإذا هنئونا بأعيادهم فإننا لا نجيبهم على ذلك؛ لأنها ليست بأعياد لنا.
فهذا كلام الشيخ محمد بن عثيمين، بل هو أيضاً كلام سائر أهل العلم.
стр. 330
حكم استخدام التاريخ الميلادي وإغفال التاريخ الهجري
السؤال
نلاحظ أن استخدام التاريخ الميلادي بدأ يفرض نفسه، وللأسف على المستويين الرسمي والخاص، فما حكم استخدامه والإصرار عليه مع إغفال التاريخ الهجري؟
الجواب
إن استخدام التاريخ الميلادي هو نوع من التبعية للكفار، لكن حكمه لابد فيه من التفصيل؛ لأنه قد يجوز أحياناً استخدامه لحاجة تقتضيها مصلحة المسلمين في مصالحهم الدنيوية، أو علاقاتهم مع الأمم الأخرى، أو لضبط أوقات تقتضي الأحوال والمصلحة ذلك.
فلذا من وجوه التفصيل: أنه إذا وضع التاريخ الميلادي مرادفاً للتاريخ الهجري فأرى أنه لا مانع من ذلك، كأن تؤرخ الصحف والمجلات، أو الأمور التي تقتضي أن نتعامل فيها مع الدول الأخرى، كالخطابات التي تذهب إلى الخارج، والمواعيد التي ترتبط فيها الدول -المواعيد الدولية- فيبدأ فيها بالتاريخ الهجري ثم بالتاريخ الميلادي، وهذا هو الأصل، فيقال: يوم كذا من الهجرة، الموافق ليوم كذا من الميلادي، فهذا لا مانع منه إذا كان لمصلحة.
كذلك: استعمال التاريخ الهجري لأمور تخصنا في هذا البلد، كتواريخ الأغذية المصنعة في البلد، كالألبان وغيرها، والمنتجات المحلية، فأرى أنه من الذل والصغار والانهزامية أن نؤرخ بالتاريخ الميلادي، حتى وإن كان بيننا كفار قد ابتلينا بوجودهم لضرورة معينة، فينبغي أن يعرفوا تاريخنا ولا نخضع لتاريخهم.
ولذا فينبغي أن تكون التواريخ المتعلقة بأحوالنا الداخلية كلها بالهجري دون استثناء، سواء ما يتعلق بقرارات، أو ما يتعلق بمنتجات، أو ما يتعلق بمواعيد، أو مناسبات علمية إلى غير ذلك.
لكن الملاحظ الآن أنهم يبدءون بالتاريخ الميلادي في كثير من المؤسسات، كالطيران وغيرها، ويبدو لي أنهم يبدءون بالتاريخ الميلادي لسببين: الأول: أن هناك من يتعمد إثارة هذه المسألة، وإرغام المسلمين على تواريخ غيرهم، وهناك طائفة من المسلمين فيهم غفلة واستغفال، ويظنون أن هذا نوع من إظهار التطور، وإظهار التقرب إلى الكافرين بأي نوع من أنواع التقرب، وهذا ربما قد يكون عن جهل أو عن غفلة، لكن هناك من يتعمد ذلك.
الثاني: أن بعض العمال في هذه المؤسسات التي تؤرخ بالميلادي هم أصلاً من غير المسلمين، أو من المسلمين الذين لا يعرفون التاريخ الهجري؛ بسبب تأثير الاستعمار ومسخ الاحتلال لكثير من مظاهر الإسلام في البلاد الإسلامية الأخرى، فهم لا يعرفون من التاريخ إلا الميلادي، ومن هنا قد يصعب على بعضهم أن يتعرف على التاريخ الهجري، لكن هذا لأن هناك تفريطاً من الإدارات والجهات المسئولة، والذي أعرفه أن التعاليم الصادرة من قبل الدولة توجب الاهتمام بالتاريخ الهجري واستعماله قبل التاريخ الميلادي، أو استعماله مفرداً، وبناء عليه كل من يعمل بالتاريخ الميلادي أو يتجاهل الهجري تجاوز الأنظمة.
وعلى المسئولين على الأنظمة أن يتقوا الله في هذا، وأن يلاحظوا هذا التجاوز الذي يضر بدين الأمة وعزتها وهيبتها وكرامتها.
وأما استخدام التاريخ الميلادي المجرد فلا شك أنه لا يجوز؛ لأنه -كما تعرفون- تبعية للغير.
стр. 331
حكم من يخصص للعمرة يوماً محدداً من السنة
السؤال
ما رأيك فيمن يجعل للعمرة يوماً محدداً من السنة؟
الجواب
إذا كان تحديد اليوم من السنة للعمرة يقصد به التعبد لله تعالى، بمعنى: أنه يرى أنه يجب عليه أو ينبغي له أن يوقع العمرة في هذا اليوم على جهة التعبد والتشريع فهذا لا يجوز.
أما إذا كان من باب التحري ليوم من الأيام الفاضلة، كليلة سبع وعشرين، أي: ليلة القدر، أو ليلة عرفة، أو يوم عرفة لمن لم يكن حاجاً، أو كان حاجاً وأراد أن يغتنم فضل ذلك اليوم، فيؤدي فيه عمرة أو نحو ذلك، دون تعبد أو إصرار متعمد بألا يستجيز العمرة في غير هذا اليوم ونحو ذلك، فهذا لا يجوز.
أما مجرد تحري اليوم الفاضل والزمان الفاضل فأرجو ألا يكون به بأس.
لكن هناك أيضاً نوع آخر من تحري العمرة في بعض الأيام التي فيها مناسبات غير مشروع الاحتفال بها، فيتعبد بأداء العمرة فيها، كبعض أيام رجب، أو بعض أيام شعبان، أو ليلة الإسراء والمعراج؛ وهناك ما يسمى بالعمرة الرجبية، فيعمل ذلك المبتدعة، ويظنون أن ذلك من باب السنن، وهي في الحقيقة بدعة لا تجوز.
وكتحري أيضاً العمرة ليلة المولد، فهذا أيضاً بدعة؛ لأن وضع العمرة في يوم مناسبة لأهل البدع لا يجوز.
وأما التحري ليوم فاضل من الأيام التي يشرع فضلها فلا بأس به، بشرط ألا يكون على وجه التعبد.
стр. 332
حكم إقامة الاحتفالات الجماعية للأطفال والكبار في عيدي الفطر والأضحى
السؤال
ما رأيكم في أن تقام احتفالات في عيدي الفطر والأضحى تكون فيها المقالات والمحاضرات والطرائف المفيدة والألغاز والأناشيد الجماعية للأطفال من الجنسين تحت سن السابعة، والأولاد الكبار بشرط عدم اعتبارها تعبداً، وذلك لكي يعرف العالم أن في ديننا فسحة، مع العلم أن القائمين عليها من أهل الدين والصلاح، وهو أفضل من ترك ذلك، فينشأ فراغ؛ لأن طبيعة الناس يبحثون عن التسلية في أيام العيد، فإذا تركه أهل الخير استغل الفسقة ذلك الفراغ، فعملوا احتفالات محرمة؟
الجواب
هذا سؤال متقن، وأشكر السائل على اهتمامه بهذه المسألة، وقبل أن أجيب عليه ينقدح في ذهني الآن منشأ هذا السؤال، فأقول: ما منشأ هذا السؤال؟ والجواب: إذا كان القصد هنا إظهار الفرح والتعاون والتعاطف وإفشاء السلام ولعب الأطفال ومرحهم فيما بينهم، والاجتماع للصلاة، والاجتماع على المائدة، أعني: مائدة الأعياد المباحة، فهذا أمر واقع.
وأخشى أن يكون هناك نزعة عند بعض الناس لتنظيم هذه الأمور بشكل يتدرج إلى المحظورات وهم لا يشعرون، وقصص كثيرة مما تقع فيها الأمة من بدع ومن محدثات، وما تقع فيه الأمة من الفسق والفجور وإظهار الفواحش هو عن طريق استعمال المشروع للتدرج إلى غير المشروع.
مع أنه واقع فعلاً أن الناس يلبسون أحسن الملابس، ثم يجتمعون للصلاة في مصليات العيد، ثم بعد صلاة العيد يهنئ بعضهم بعضاً، ويسلم بعضهم على بعض، ثم يتزاورون فيما بينهم، فيتزاور الجيران وأهل الحي الواحد، والأقارب فيما بينهم، ويسافر بعضهم لبعض عند الحاجة، ثم بعد ذلك يتيحون الفرصة للأطفال بنين وبنات يلعبون مع بعضهم في حدود السن التي لا يحرم فيها الاختلاط، هذا هو الواقع.
لكن أن تنشأ مؤسسات تعمل على هذا، بمعنى: أننا نجعل لهذا نظماً وطرائق، فأرى أن هذا خروج عن مقتضى الفطرة هذا أولاً.
ثانياً: أنه يبعدنا عن البساطة والبراءة التي عليها الناس.
ثالثاً: أنه سيدخل أساليب وطرقاً ونظماً تجرُّ الناس إلى المهلكات، وإلا فما أشار إليه السائل هو الواقع ولا داعي لأن نقترحه، ولا أن نعمل عليه، ولنبقى على ما نحن عليه بحمد الله، ونحن على السنة في العيد بحمد الله، ولا تزال السنة في الأعياد هي الظاهرة، والناس يصلون ويجتمعون ويهنئ بعضهم بعضاً، ويتكاتفون ويتعاونون، ويلعب الأطفال ويظهرون شيئاً من المرح، والعيد قد يجوز فيه أحياناً ما لا يجوز في غيره، مثل مرح الأطفال، وإنشادهم الأناشيد والأغاني المباحة التي ليس فيها إسفاف ولا تبذل، وكل هذا يجوز في العيد ما لا يجوز في غيره.
فإذاً: المسألة بحمد الله واضحة، ولا داعي لأن نتكلف إحداث سبل ووسائل يكون فيها المحظور، وبالعكس فما أعرف أن الأمة يوم العيد تعاني من فراغ، بل العكس هو الصحيح، فالناس يضيق عليهم يوم العيد، وخاصة عيد الفطر، فيضيق عليهم للسلام وتبادل الهدايا وتبادل الأفراح، والتزاور والتكافل، ويضيق عليهم الوقت بسبب تباعد المسافات الآن في المدن، أما في القرى فالأمر أسهل.
وإنما الوقت الذي يضيع ويهدر، ويشعر فيه الإنسان بفراغ، هو وقت وفراغ طائفة من الفساق الذين لا يشاركون المسلمين الصلاة، ولا يشاركونهم الأفراح، فهؤلاء فعلاً يشعرون بالفراغ القاتل، لكنهم بحمد الله هؤلاء قلة، وهؤلاء مشكلتهم ليست في عدم وجود إظهار السنن في الأعياد، وإنما مشكلتهم هي في البعد عن المسلمين، واعتزالهم الجماعة، وعكوفهم على معاصيهم وفسقهم وفجورهم.
стр. 333
حكم الاحتفال بعيد الكريسمس في بلاد المسلمين
السؤال
تحتفل شركة (أرامكو) بعيد الكريسمس، وتعطي موظفيها إجازة لذلك، فما حكم ذلك؟ وما هي النصيحة ونحن على مقربة من نهاية السنة الميلادية؟
الجواب
ربما هناك أيضاً شركات غير شركة (أرامكو) تحتفل بذلك، لكن شركة (أرامكو) هي أظهر من غيرها، ومبدئياً لا شك أن هذا العمل في بلاد المسلمين غير جائز، لكن لا أدري ما يكتنفه من أحوال ومن ظروف للشركة؟ ولا شك أن هذا الإجراء الذي هو إعطاء إجازة حتى للموظفين المسلمين يوم عيد النصارى أو اليهود لا يجوز في الشرع.
وأرى أنه لابد للعاملين من المسلمين في الشركة أن يتفاهموا مع المسئولين وإدارة الشركة على الفصل في هذا الموضوع.
وإذا كان فيها من الكفار عدد ويريدون أن يقيموا لأنفسهم عيداً -عيد ميلادهم- فعليهم أن يعلموا بأحكام الشرع، وهي: أن يخفوا هذا العيد ولا يظهروه، وألا يشاركهم مسلم، وألا يعلن التعطيل للعيد إعلاناً ظاهراً، وألا يكون هذا الأمر مما يلزم به الموظف المسلم، لكن هذا كلام نظري، ويحتاج الأمر إلى مدارسة شرعية على ضوء ما عليه هذه البلاد -بحمد الله- من إظهار للشريعة والعمل والالتزام بموجبها، ولابد من التحاكم إلى شرع الله، وهذا لا يتم إلا بالطرق المناسبة في الشركة، وأرى أن على المسلمين الذين في الشركة أن يجتمعوا فيما بينهم مع مسئوليهم ومع مدير الإدارات أو رئيس الشركة أو مجلس الإدارة فيها، وأن يناقشوا القضية مناقشة جادة على ضوء النظم الشرعية، ولابد -إن شاء الله- أن يصلوا إلى ما فيه المصلحة.
стр. 334
حكم تهنئة الدول الكافرة بأعياد استقلالها
السؤال
في الفترة الأخيرة انتشر بين بعض الدول الإسلامية تهنئة الدول الكافرة بِعيد الاستقلال أو غير ذلك من الأعياد، فما حكم ذلك في الإسلام؟
الجواب
المصيبة ليست فقط في هذا المظهر المخالف للشرع، وإنما المصيبة الكبرى أن عدداً كبيراً من البلدان الإسلامية تحتفل بأعياد الكفار، وليس فقط تهنئهم، وفي بعض البلاد العربية فضلاً عن الإسلامية -بلاد العجم- تعطل في أعياد الكفار، حتى العيد الأسبوعي، فأنا أذكر في تركيا منذ زمن -لا أدري هل الأحوال قد تبدلت أو لا تزال؟ - كان يوم الجمعة يوم عمل! والمسلم ليس له أن يذهب ليصلي الجمعة، والعطلة يومي السبت والأحد، وكأن المسلمين ما لهم وجود أصلاً، مع أن عدد المسلمين في البلد (٩٨%) إن لم يكن أكثر، يعني: أن الإسلام فيها هو الأصل، وأرضها أرض إسلام، وهي دار الخلافة الأخيرة، إذ إن آخر خلافة سقطت للمسلمين هي الخلافة العثمانية التركية، ثم إن من البلاد العربية من يعطل أيضاً يومي السبت والأحد، وكثير من البلاد تحتفل بأعياد النصارى، بل وأعياد اليهود أيضاً؛ مجاملة لمن فيها من أقليات أو شرذمة من اليهود أو الكفار الوافدين، ومع ذلك فرضت عليها الأعياد بدساتيرها وأنظمتها، وشرعت تشريعاً من دون شرع الله.
إذاً: فمسألة التهنئة وإن كانت لا تجوز تأتي في المرحلة الثالثة، وهذه ربما تكون ناتجة للمجاملات الدولية والعلاقات الدولية الأخرى، لكن ومع ذلك لا تجوز، لكن الحكم فيها أخف من الأمور الأخرى التي ذكرتها.
стр. 335
حوار مع الأحداث
الدين الإسلامي دين الوسطية، فلا إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا جفاء، يأمر الأمة بلزوم الصراط المستقيم، ويحذرها مما من شأنه أن ينحرف بها يميناً أو يساراً، فعلى شباب الإسلام الرجوع إلى الشرع في جميع القضايا، والالتفاف حول العلماء، كما يجب على طلاب العلم والعلماء أداء دورهم في توعية الشباب، وردعهم عن الغلو والحماس الفارغ الذي ما جنت منه الأمة إلا شراً.
стр. 336
أسباب عزة المسلمين وأسباب ضعفهم
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ورضي الله عن صحابته والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن الله فضل هذه الأمة بهذا الدين، وأكرمها ببعثة محمد ﷺ فيها، وجعلها آخر الأمم وأفضل الأمم في الدنيا والآخرة، ثم إن الله تكفل بحفظ هذا الدين إلى أن تقوم الساعة، وتكفل ببقاء طائفة على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من عاداهم إلى أن تقوم الساعة، ووعد الله حق وخبر رسوله ﷺ صدق، لكن قد يبتلي الله بعض عباده، وقد تتقلب أمور الأمة من حال إلى حال، من قوة إلى ضعف ومن ضعف إلى قوة، وجعل الله أسباب قوة المسلمين واجتماعهم وعزتهم بالتمسك بدينه، وهذه حقيقة كبرى جهلها كثير من المسلمين اليوم ولاسيما العرب، وغابت عن أذهان بعض الدعاة والمصلحين، هذه الحقيقة هي أنه لا عز لهذه الأمة ولا رفعة ولا نصر في دينها ودنياها إلا بالتمسك بهذا الدين.
نعم، قد ترقى أمة من الأمم الأخرى الكافرة وقد تعتز وقد تقوى إلى حين بأسباب الدنيا، أما هذه الأمة فلن يكون لها عز ولا رفعة ولن تخرج مما وقعت فيه في العصور المتأخرة من حال الذل والهوان والفرقة والشتات والفتن التي بدأت تتوالى يوماً بعد يوم لن تخرج الأمة من هذه الحال إلا بالعودة إلى دينها وباللجوء إلى الله حق اللجوء والاستمساك بدين التوحيد والاجتماع على السنة والجماعة التي أمر الله بها ورسوله ﷺ ، وبجمع الكلمة على الحق والهدى، وبتثبيت الأجيال على مسلمات الدين التي هي معقد العز بتوفيق الله .
مسلمات الدين سأشير إلى شيء منها فقد غفل عنها الكثيرون لاسيما في مثل هذه الظروف التي كان يجب على الأمة أن تعرف موطن الداء وتعرف أين الدواء، وهو موجود بين ظهرانيها في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفي سنة رسول الله ﷺ وفي نهج المؤمنين الذي هو سبيل المؤمنين الذي توعد الله من خالفه فقال : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، ولما حادت كثير من طوائف الأمة عن سبيل المؤمنين ولاها الله ما تولت ووكلها الله إلى أسبابها الضعيفة، وكلها الله إلى غير حول ولا قوة إلى قوة وحول العباد الضعفاء فوقعت فيما وقعت فيه.
وأعيد وأكرر هذه المسألة وهي مسألة أنه غفل كثير من الدعاة والمصلحين وكثير من المفكرين والساسة وغيرهم عن هذه الحقيقة الكبرى، فراحوا يلتمسون أسباب العز عند الخلق، وراحوا يلتمسون أسباب القوة عند من لا ينصح لهذه الأمة ولن ينصح.
قال الله : ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، فمن أراد للأمة العز والرفعة وجمع الشمل فعليه أن يلجأ إلى هذه الحقيقة، وعلى هذا فإن حال الأمة اليوم يعتبر من الأحوال التي لم تمر بها في تاريخها، والله أعلم.
ولاسيما الفرقة والشتات والإعراض عن دين الله.
فالأمة تعيش اليوم واقعاً لم يحدث مثله في التاريخ، ولا يعني ذلك اليأس من رحمة الله؛ فإن أسباب العلاج وإن أسباب العز موجودة في الأمة، وهي نفسها تحمل الدواء لكنها لم تدركه، ولم يدرك هذا الدواء إلا القليل، نعم مرت الأمة بفتن كبار في تاريخها الطويل وامتحان من الله ، وكانت الأمة تتجاوز هذا الامتحان في كثير من أحوالها، أو على الأقل طوائف من هذه الأمة تتجاوز هذا الامتحان باللجوء إلى الله والاعتصام بكتابه والأخذ بسنة النبي ﷺ وتحقيق المسلمات الكبرى وعلى رأسها الجماعة، وهي مرجعية العلماء.
стр. 337
وجوب شكر نعمة الإسلام والسنة
وقبل أن أبدأ بأحداث اليوم التي هي منذ سنين قريبة منذ ثلاثين سنة تقريباً إلى يومنا أحب أن أشير إلى أمر مهم لابد لنا في كل مسألة تتعلق بالأحداث وعلاجها أن نتذكر هذه المسألة، وهي نعمة الله الكبرى التي تتمثل أولاً بالإسلام، وهذه نعمة لا تعدلها نعمة، وتستوجب من الشكر ما يجب أن نتفطن له، شكر القلوب والألسنة والأعمال والأفعال: فوالله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا.
هكذا كان الصحابة يقولون في أناشيدهم.
وإن هذه نعمة لها ضريبة لا تبقى إلا بأداء هذه الضريبة، وهي شكر الله والثبات على هذه النعمة وحمايتها ثم غرسها في قلوب الأجيال مصحوبة بالاستفادة من العبر، فأكثر أجيالنا اليوم لا تعرف عبر التاريخ حتى القريب منها؛ لأنها ليس في قلوبها الثوابت الشرعية والثوابت التاريخية.
فالله وفقنا وهدانا لنعمة السنة، والله ابتلى الأمة منذ آخر عهد الصحابة إلى يومنا هذا بوجود الافتراق، فكانت فرق من الأمة تتساقط خروجاً عن السنة إلى سبل الأهواء والضلال التي حذر منها النبي ﷺ ، فبعد الفتنة العظمى التي كان فيها قتل عثمان ﵁ فتنة الغوغائية فتنة الغلاة من الخوارج وأمثالهم بعدها ظهرت أول بذور الافتراق، فظهرت الخوارج والشيعة، ثم جاءت فتن وبدع العباد الذين سلكوا مسالك الأمم الضالة في العبادة، وظهرت الطرق الصوفية، ثم ظهر الكلام في الله والقول على الله بغير علم، فظهرت القدرية وظهرت الجهمية وظهرت المعتزلة وظهرت الفرق الكلامية وهكذا؛ مصداقاً لقول النبي ﷺ : (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع).
وقوله في الحديث الآخر: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة ثم قال: وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلا واحدة)، هذه الفرق وإن كانت لم تخرج من الإسلام إلا القليل منها -نسأل الله العافية- سلكت سبيل الردة، وحادت عن السنة فوقعت فيما نهى الله عنه من التنازع والفشل وضلوا عن سبيل الله، وأرهقوا الأمة بالافتراق، وأصابوا الأمة بالذلة والهوان فتسلط عليها العدو.
لكن مع ذلك بقي الحق في أمرين: بقي بمصادره الكتاب والسنة؛ لأن النبي ﷺ يقول: (تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك)، وهذا إلى قيام الساعة.
ثم أيضاً بشر النبي ﷺ بأنه مهما بلغ الافتراق ومهما خرجت طوائف من الأمة عن السنة وسبيل الحق إلا أنه تبقى طائفة على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من عاداهم إلى أن تقوم الساعة، فتقوم الساعة وهم ظاهرون ويقاتل آخرهم مع المهدي وعيسى ابن مريم إلى أن يقضي الله بما يشاء وتنتهي هذه الدنيا وتقوم الساعة على شرار الخلق بعد أن يسخر الله ريحاً تقبض أرواح المؤمنين، لكن ذلك لا يكون إلا بفتن جسام، نسأل الله العافية.
ثم إن الله تكفل بحفظ مصادر الدين بأن حفظ هذا القرآن، قال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
وأيضاً قيض من أئمة الدين من يحفظون للأمة سنة النبي ﷺ ويعملون بها.
أما خصوصية هذه البلاد فيما أنعم الله به عليها فهي تتمثل في الجماعة والسنة، هذه النعمة التي ملتها بعض أجيالنا؛ لأننا لم نعد نذكر الأجيال بهذه النعمة، حيث انصبت جهود الناس اليوم إلى الدنيا، والدنيا ضحكت للناس ضحكة الذئب، وأصبحت همَّ الأغلب إلا من عصم الله، فتركنا الأجيال فريسة الأهواء والتيارات وفريسة الشبهوات والغزو المركز الذي استهدف قلوب أجيالنا وعقولهم واستهدف سلوكياتهم وأخلاقهم؛ إنه غزو رهيب مركز عبر الوسائل المدمرة من الإنترنت حمار الدجال، ومن الفضائيات ومن الصحف ومن جلساء السوء ومن دعاة السوء، فانقسمت أجيالنا -إلا من عصم الله- بين تيارات متنازعة قسم منهم اجترفه تيار التفريط والتساهل والتميع في الدين، والتنكر للسنة وأهلها والتنكر للعلماء والتنكر للحق وثوابت الدين وثوابت هذه البلاد، وقسم آخر أيضاً اجتذبته تيارات الغلو في الدين والتشدد والتنطع والتنكر لنعمة الإسلام ونعمة الأمن والتنكر للعلماء والولاة، والتنكر أيضاً لمقومات حفظ هذه البلاد، التنكر للمسلمات الكبرى التي قام عليها هذا الكيان.
وبقيت -ولله الحمد- طوائف من شبابنا -وهي الأكثر- على البراءة والفطرة.
لكن ماذا عملنا تجاه حماية هذه الأجيال؟ فمن أعرض نسأل الله له الهداية، وكذلك من أفرط وغلا نسأل الله له الهداية وجب أن نعالج هذا، وهذا لكن أيضاً مما يجب أن يعنى به جيداً الآن كلنا آباء وإخواناً ومربين ومعلمين ومسئولين في الدولة والمحكومين كلنا يجب أن تتظافر جهودنا لحماية هذه الأجيال، وتثبيتها على ثوابت الدين الحق الذي هو مصدر عزنا.
ولعله من المناسب أن أقف على بعض المسائل المهمة في تذكير إخواني بهذه النعمة التي نحن
стр. 338
أحداث فتنة دخول الحرم
فمن الأحداث التي أنا أذكرها أحداث فعلاً فيها عبر: فتنة دخول الحرم، ودخول الحرم في الحقيقة فتنة عجيبة أنا عايشت هذه الحادثة وعايشها كثيرون ممن هم في سني أو أقل أو أكثر بقليل، وفيها عبر وفيها دلالات وفيها دروس لو أنها عرضت نقية صافية على الشباب الذين أفسدوا بالغلو في هذا الوقت والتكفير والتفجير لما وقعوا فيها بإذن الله، فلو استفادوا من الدروس من تلك الفتنة لما وقعوا فيما وقعوا فيه.
والكلام فيها يطول، لكن أحب أن أشير إلى بعض الوقفات: أولاً: الذين ابتلوا بتلك الفتنة في بداية أمرهم قبل أن يخرجوا على المسلمات هم أناس من أجيالنا بعضهم زملاؤنا في الدراسة وبعضهم سبقونا بقليل وبعضهم بعدنا مباشرة، ذلك الجيل أنا أحكي عن معايشته، ذلك الجيل الذي وقعت فيه الحادثة بعض الناس كنا نعيش معهم في الكليات وفي العمل وفي دروس العلم عند المشايخ، فما الذي حدث؟ الذي حدث فيه عبرة، نسأل الله العافية، وألا يجعلنا شامتين، فيه العبرة والعظة، فأحداثهم تشبه الأحداث الأولى التي حدثت في عهد الصحابة في الفتنة الكبرى، فأول أمرهم نجد أن كثيراً منهم من خيار الشباب تديناً وحرصاً على العلم والتفافاً حول العلماء وحرصاً على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحباً للخير.
لكن ربما دخلهم مجموعة من أهل الأهواء الله أعلم بحالهم، وقد يكونون بعدد أصابع اليد أو أقل أو أكثر استغلوا اندفاعهم وغيرتهم فبدءوا يشحنونهم الشحن السياسي المعروف ضد الأحداث وضد الولاة وضد المشايخ إلى آخره، وباسم الغيرة وباسم إنكار المنكرات بدءوا يموجون في مسألة إنكار المنكرات، ويعملون أشياء كثيرة صحيحة، وأشياء فيها نظر، وبدءوا يجادلون ويناقشون، وبدأت المسألة تظهر إلى مسألة الخلافات بين الشباب، ثم انتقلت إلى الخلافات عند العلماء الكبار، فصار العلماء والمشايخ الكبار وعلى رأسهم في ذلك الوقت الشيخ ابن حميد ﵀، والشيخ ابن باز وابن عثيمين وطبقة من المشايخ عنوا بالأمر وبدءوا يناقشون هؤلاء الشباب وخاصة الغلاة منهم، فرجع منهم إلى طريق المشايخ من رجع وبقي منهم من تعصب وتحزب وصاروا يعتبون على المشايخ أول الأمر، فهل انتهى الأمر إلى هذا الحد؟ ما هي إلا أشهر قليلة وعبوا تعبئة غير مرشدة وحسبنا الله ونعم الوكيل، فبدءوا يتكلمون في ذمم المشايخ وقالوا: المشايخ تعلقوا بالدنيا واشتروا بالرواتب والتهوا بالإقطاعات، وهو نفس الكلام الذي قاله الغوغائية في عثمان ﵁ تماماً خطوة بخطوة، فبدأ العقلاء يتشاورون، وبدأ الناصحون لهم ينصحون حتى إني والله! أذكر أنه في المسجد الحرام بدأت مساجلات ومناظرات طويلة بينهم وبين بعض المعتدلين من طلاب العلم الناصحين المشفقين وكثير منهم أحياء يشهدون بما حدث، فاعتدل منهم من اعتدل وتراجع منهم من تراجع عن سب المشايخ، لكن بقي تعاطف مع هذه الاتجاه، وصاروا بين بين، هذا الاتجاه تعمق في أهله حتى توصل إلى تبني المواجهة مع العلماء ومع الولاة، فحصل من الدولة -وفقها الله- أنها أرادت أن تدرأ الفتنة، فسجنت بعضهم، لكن لا يزال المشايخ الكبار عندهم أمل وحسن ظن، فشفعوا لهم وأخرجوهم من السجون، فلما أخرجوهم -والحق يقال- تراجع منهم كثيرون واستفادوا من الدرس واستفادوا من التجربة، وعرفوا أن إنكار المنكرات لا يتم إلا بالتناصح بينهم وبين ولاتهم وأن ما يحدث من المشايخ إنما هي أخطاء غير مقصوده، وأنه لا يتم هذا إلا بالنصيحة التي أوجبها الله ووصى بها الرسول ﷺ وعرفوا أن الفتنة لا تؤدي إلى نتيجة وأن المعارضة أمر لا يمكن أن ينكر به المنكر ولا يقال به معروف فاعتدلوا.
وبدءوا يناقشون الآخرين، فتعصبت الفئة الغالية وبعض المغترين فيها فصارت كياناً معارضاً تماماً، فجرتهم العزلة عن العلماء وترك العلماء إلى الفتنة، وأنا حسب علمي ما من طائفة مهما كانت على الصلاح والاستقامة تنازل العلماء إلا وتبتلى بفتنة إلا وتصاب بفتنة أقولها وأنا جاد، هذا حد علمي ما أعرف طائفة من شباب الأمة صار بينهم وبين العلماء شيء من الخصام ثم نابذوا علماءهم إلا ويصابون ويعاقبون بفتنة، وارجعوا إلى التاريخ، فمن ذلك: الفتنة على عثمان فتنة الخوارج فتنة أهل حروراء فتنة ابن الأشعث فتن بالعشرات، وكلما ظهرت طائفة تعتزل عن العلماء وتستهين بهم تبتلى ببلوى تكون موطن عبرة.
هؤلاء لما تجمعوا وتكتلوا دخلهم أهل الأهواء وزينوا لهم أعمالاً عجيبة، الله يعلم ما الذي حدث، لكن فيها أشياء نعرف عنها، وبعض من نشط معهم نشاطاً عجيباً وكنا نعرفه نشط في تحويلهم إلى الحرم، وتوهيمهم أن المهدي موجود وبيعتهم لفلان المهدي، واسمه محمد بن عبد الله القحطاني، فقالوا: كيف يصير قحطانياً؟ لأنهم طلاب حديث، فصنع لهم بحيلة صكاً على أنه قرشي هاشمي وإنما هو قحطاني بالحلف من حلفاء قحطان، فبايعوه فوقعت الفتنة! ثم هندس لهم ذلك
стр. 339
أسباب الغلو والتطرف
من أعظم أسباب الغلو والتطرف والتفجير والتكفير وجود النفاق والفساد على مستوى الأرض كلها والكون كله، ثم على المستوى العالمي الإسلامي ثم في بيئاتنا، وغيرة الغيور الذي لم ينضبط بضوابط الشرع ولا عنده فقه من الدين ولا عنده تجارب ثم يشحنه آخرون هذا يسمى استغلال الحدث.
لكن ومع ذلك هل ما يوجد من فساد وإعراض وما يوجد أحياناً من تجاوزات يبرر الغلو في الدين؟ وهل يبرر التكفير والتفجير؟ لا والله! ليس هذا بمبرر؛ لأنه لا يجوز أن نبرر الفساد بفساد، ولا أن نعالج الخطأ بخطأ، فهذا ليس في موازين الشرع، ومنذ أن ظهر الغلو في تاريخ الأمة وهو محجوج بنصوص الشرع وقواعده وبأقوال العلماء، ومع هذا يأتي من يدعي أو يبرر لمثل هذه الأعمال الشنيعة التي أساءت إلى الإسلام وإلى المسلمين وإلى البلاد، يبررها بوجود المفاسد، والمفاسد تعالج بالطرق الشرعية، فنحن نعترف أن عندنا تقصيراً وخللاً نسأل الله أن يعفو عنا جميعاً، والتقصير بعضه يأتي من الناس وبعضه قد يأتي من بعض من يتحملون مسئوليات، لكنهم بشر، والواجب علينا فيما يحدث بيننا دولة وحكاماً ومحكومين من أمور مبناها على التناصح كما أمر الله وأوصى رسوله ﷺ حيث قال: (الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟! قال: لله تعالى ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)، وأئمة المسلمين هم الحكام والعلماء.
ولا يخلو مجتمع من أخطاء حتى في عهد النبي ﷺ ، لكنها تتفاوت، ونحن نعترف أن عندنا أخطاء كثيرة علاجها أولاً: بالنصيحة، وثانياً: باجتماع الشمل والحفاظ على الأمن، وثالثاً: بأن نرجع إلى من أمرنا الله بالرجوع إليهم في مثل هذه الأمور وهم العلماء حتى وإن ادعى من يدعي أنهم مقصرون، فالعلماء هم حجة الله وهم أهل الذكر الذين عناهم الله بقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، بل إن الله وجهنا إلى الرجوع إلى العلماء في مثل هذه الأحداث التي نعيشها بآية بينة واضحة نسيها كثير من المسلمين قال : ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣]، ومن هم الذين يستنبطون الأقوال؟ هل هو مبتدئ أو حدث أو إنسان يتطفل على العلم والعلماء؟
الجواب
لا، بل الذين يستنبطون هم العلماء الراسخون الكبار، وكثير من شبابنا هداهم الله لهم تجاوزات على مشايخنا، لكن ومع ذلك مشايخنا هم أفضلنا وهم أزكانا وهم أعلمنا وهم مرجعنا وهم معقد الحل والعقد فينا، ومن نعمة الله علينا التي ما شكرناها وجود العلماء في هذه البلاد، ولا تزال الدولة وفقها الله وهداها وسددها تعتبر العلماء وتجعل لهم الصدارة حتى وإن حصل تقصير، نعم قد يحصل، لكن مع ذلك هذه حقيقة يجب أن نقولها وأن نعترف بها، وهي نعمة يجب أن نشكرها ونشكر من فعلها، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله.
ومن الثوابت الكبرى والأمور المحمودة في هذه البلاد المباركة: بقاء الاعتبار للعلماء، وقد أتانا كثير من البلاد الإسلامية وغير الإسلامية يتمنون واحداً من علمائنا يذهب إليهم، يقولون: هاتوا لنا شيخاً واحداً نشتريه بأي ثمن، وبعضهم إذا جئته تجده يتفطر كمداً ويتفطر غيرة ويكاد يحترق قلبه، فتقول له: لماذا؟ فيقول: لأني سمعت من بعض شبابكم من يسب علماءكم، فدعوهم لنا؛ لأنكم لا تعرفون قدرهم، وهذه والله! حقيقة، لكن ليس كلنا لا نعرف قدرهم، وإنما يوجد من سفهائنا من لا يعرف قدر العلماء، وهذا ما سأشير إليه من الثوابت.
فيجب أن نتذكر نعمة الإسلام ثم نعمة السنة التي هي معقد الاجتماع دائماً، ولا يوجد ولن يوجد في تاريخ الإسلام من أوله إلى آخره -واستعرضوه- أن تجتمع كلمة المسلمين في بلد ما على كيان قوي له اعتباره دولة ومجتمعاً إلا على السنة والجماعة، ومتى ما وجدت البدع وجد الافتراق، ومتى ما وجد الغلو وجد الافتراق حتى وإن كان باسم الدين والغيرة، وأول افتراق حدث في الأمة كان بسبب الغلو؛ فإن الذين خرجوا على عثمان كانوا ناساً غيورين وما أخرجهم على عثمان إلا الغيرة، لكن على غير هدى، ولم يرجعوا إلى الصحابة، بل كانوا يتهمون نيات الصحابة، بل استحلوا دماءهم، فالخوارج استحلوا دم علي وطلحة والزبير وعثمان بن عفان، ويفتخرون بهذا إلى اليوم.
وإن كان تاب بعضهم فالبقية كلهم يعتبرون هذا مفخرة، وهم متدينون، وسبب خروجهم إنكار المنكرات كما يزعمون، نعم هناك منكرات لكن سبيل تغييرها النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر، بل حتى المظالم أمرنا بالصبر عليها، وقد جاءني سؤال يتكرر في كل محاضرة في هذا الموضوع، يقول: الشباب يعانون ضغوطاً وكثير من المجتمع يعانون ضغوطاً ما يجدون وظائف وما يجدون أعمال
стр. 340
كيفية معالجة الغلو والتطرف والفتن
أكثر ما تحدثت به معلوم، لكن ما الحل؟ الله أرشدنا إلى الحل، والحل في أمور:
стр. 341
ضرورة التوبة إلى الله
الأمر الأول: مما يجب أن نتذاكر ونتواصى به دائماً ضرورة التوبة إلى الله ، فهذه الأحداث حصائد ذنوبنا، وكونه يتسلط علينا ناس من شبابنا ومن أبنائنا وباسم ديننا هذا لاشك أنه نتيجة تقصير منا في حق الله ، ويجب أن نعترف بهذا، وما لم نعترف فالمسألة أعظم، ومع الأسف بعض الجهلة إذا قيل: نحن مذنبون ونحتاج تجديد توبة أو هذا نتيجة المعاصي، قال: أنتم بس ما عندكم إلا التوبة، ونحن ماذا نعمل؟ نحن أمة مسلمة ومجتمع مسلم إلى آخره، ومع ذلك لو لم نكن مجتمعاً مسلماً يمكن ألا نعاقب، ويمكن أن تزدهر عندنا الدنيا ونأخذ حظنا من الدنيا، وليس لنا من الآخرة نصيب، نسأل الله العافية، لكننا نحن أمة مسلمة نعاقب على الذنب ويكفر الله بذلك عنا، لكن ومع ذلك هذه الحقيقة يجب أن نتوصل لها، لابد من توبة صادقة مع الله من الجميع، وأن نتواصى على هذا حكاماً ومحكومين علماء ومتعلمين وعامة وسائر طبقاتنا.
стр. 342
ضرورة الاجتماع على كلمة الحق
الأمر الثاني: ضرورة الاجتماع على كلمة سواء على ثوابت الدين والدنيا التي اجتمعنا وتبايعنا عليها حكاماً ومحكومين، فكلنا في أعناقنا بيعة، فعندما بايع أهل الحل والعقد لهذه الدولة وفقها الله لكل خير فمعناه أن البيعة في ذمة الجميع، والنبي ﷺ يقول: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)، والبيعة هي معقد الاعتصام، بها نستطيع أن نطبق أمور الإسلام، والله يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، فيجب أن نعتصم بحبل الله، وحبل الله هو الثوابت التي سأذكرها، والله نهى عن التنازع، فقال: ﴿وَلا تَنَازَعُوا﴾ [الأنفال:٤٦]، حتى على الدنيا، لكن تنازع الدين أخطر ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦]، وقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام:١٥٣]، فالبدع والأهواء والتيارات والحزبيات هذه يجب أن نتجنبها، وأن نبتعد عنها؛ لأنها سبيل الفرقة والشتات وهي التي تغذي الفتنة وهي وقودها.
فيجب أن نجتمع، لكن أيضاً الله جعل لهذا الاجتماع معاقد وعرى ممسكات مستمسكات، فما هي هذه المستمسكات؟ أولها الدين بجملته، فعلينا أن نأخذ بالدين كما أمر الله لا كما نشتهي، فكثير من الناس يقول: نريد الدين، لكن يأخذ من الدين الذي يعجبه والذي لا يعجبه لا يأخذ به، والدين كله لله، يجب أن نأخذ بالدين بجملته، ثم الدين لا يبقى إلا بجماعة، والجماعة هي السلطان والعلماء وأهل الحل والعقد والمرجعية وأن الأبناء يخضعون لآبائهم ويخضعون لمن ولاه الله أمرهم، والشباب يعرفون قدر الكبار، وكل يعرف مرجعيته في دينه ودنياه، فيرجع رجال العشائر إلى شيوخهم، ويرجع أصحاب المؤسسات إلى رؤسائهم، ويرجع أبناء المدارس إلى مدرائهم، ويرجع أبناء الفصل إلى معلميهم، ويرجع الطلاب والتلاميذ إلى مشايخهم وعلمائهم، فرأس الأمة هم أهل الحل والعقد ومن بيده شيء من مصالح الأمة وإن لم يكن صالحاً ولو كان فاسقاً، وبعض الناس ما يفهم هذا، والله جعل رأس الجماعة خيار الأمة وهم العلماء ثم الولاة، والولاة لهم حقوق وعليهم حقوق، والذي لهم أوجب من الذي عليهم؛ لأن الذي لهم يوجب أمن الجميع، والذي عليهم قد تكون حقوقاً فردية، ولذلك النبي ﷺ أمر بالسمع والطاعة فقال: (ولو أخذ مالك وضرب ظهرك) لأنك إذا ما سمعت ولا أطعت شققت عصا الجماعة وأخللت بالأمن.
إذاً: أعود وأقول: لا يمكن أن يكون دين إلا بجماعة ولا جماعة إلا بسلطان، ولذلك أمر النبي ﷺ بالنصح للسلطان وبطاعته في المعروف براً كان أو فاجراً، بل حتى لو وقع ظلم كما وقع في تاريخ الأمة كلها، حتى إنه أوصى حتى الأفراد فقال: (وإن أخذ مالك وضرب ظهرك) يعني: تسمع وتطيع.
وقال توجيهاً عاماً للأمة: (إنكم ستلقون بعدي أثرة)، يعني: أنكم قد تظلمون وتؤخذ أموالكم وتؤخذ المصالح العامة كما حدث في كثير من تاريخ الأمة، قال: (إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)، ولم يقل: كفروا وفجروا، وإنما قال: (فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)، فهذه ثوابت يجب أن نغرسها في قلوب الأجيال؛ ليعتزوا ولا يذلوا، لا كما يزعم البعض فالله! ما في الدين إلا العزة والخير والجماعة وحفظ الأمن.
ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، فمن نعم الله علينا أن الله حبانا بدولة تحمل الإسلام ونظام الحكم فيها وجود القضاء ووجود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجود احترام المشايخ وجود أصل الخير، ولا يعني ذلك عدم وجود تجاوزات، فأنا أعرف من كثير من المسئولين أنهم اعترفوا علناً وسراً في مجالس خاصة وعامة بوجود أخطاء كبيرة، لكن ما السبيل إلى علاج هذه الأخطاء؟ السبيل هو التناصح والشورى، ومع ذلك ما يلزم أن تتغير كل المنكرات، فبعض المتعجلين -خاصة الشباب المتحمس- يقول: أنكرنا وأنكرنا، وأنكر المشايخ ولا نفع، فأقول: وإذا ما نفع فأوصيك بالصبر.
كنا كثيراً في مجالس الشيخ ابن باز نجد من بعض طلاب العلم الغيورين جزاهم الله خيراً يشكون للشيخ: أننا نريد كذا، فيقول الشيخ: اكتبوا أنتم للمسئولين وادخلوا عليهم، اكتبوا لهم أو وصوا من يكتب لهم، ما هو لازم الشيخ ابن باز وابن عثيمين، كذا يقول، ابحثوا بأي طريق ووصلوا الأمر للمسئولين وكلموهم، وكان بعضهم يقول: يا شيخ! تكلمنا في الموضوع الفلاني وتكلمت أنت وما أفاد، فكان الشيخ إذا قالوا هذا الكلام يهون عليهم، حتى إنه أحياناً يبكي وذكر أنه نصح في مسألة من المسائل وكتب أكثر من عشرين مرة أو قال: عشرين مرة، وما استجيب له إلا في المرة العشرين، وفي أمور يقول: لا نطاع فيها إلى الآن، لكن أمرنا لله، وفي أمور كثيرة يتحقق منها خير، وشهد
стр. 343
ضرورة السمع والطاعة لولاة الأمر في غير معصية
ثم أيضاً الدين والجماعة والإمارة لا يمكن أن تكون إلا بسمع وطاعة، فـ عثمان ﵁ يقول: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن؛ لأن السلطان معه قوة مادية والقرآن ما هو إلا توجيه يأخذ به المؤمن ويتركه المنافق، لكن ما الذي يأخذ العاصي والمنافق والظالم والباغي والمفسد والقاتل؟ الذي يأخذه بالقوة هو السلطان.
ثم أيضاً بعد السمع والطاعة لابد من الأمن، وما أدراكم ما الأمن؟ بعض الناس يظن الأمن مصلحة هامشية أو ضرورية لكنها من أدنى المصالح، وليس كذلك، بل الأمن هو تاج ذلك كله، والدين جاء بحفظ الضرورات الخمس، وكثير من نصوص الدين وقواعده وأساسياته تقوم على هذا الأساس: حفظ الضرورات الخمس، والدين لا هل يمكن إقامته على الوجه الكامل بدون أمن، فهل تستطيع أن تصلي الجماعة بلا أمن أو تقيم الجمعة بلا أمن أو تصلي الاستسقاء أو تصلي الجنازة بدون أمن؟ وهل تستطيع أن تحج بدون أمن؟ قبل دعوة الشيخ: محمد بن عبد الوهاب كان هناك خوف، واقرأ في تاريخ ابن بشر وابن غنام تجد أحدهم يقول: وفي هذا العام لم يحج أحد، وبعد حوالي عشر سنين لم يحج أحد، لماذا ما حج أحد؟ واختلال السبل، حتى من مكة كان الحاج إذا خرج من مكة يوجد في الجبال من ينهبه ويقتله.
وقبل أن يتمكن الملك عبد العزيز ﵀ كان الناس يصلون في الحرم أربع جماعات كل واحدة لا تعترف للأخرى، فهل هذا دين نرضاه؟ جاء الملك عبد العزيز ﵀ وجمعهم على إمام واحد، هذه الفضائل تنساها أجيالنا؛ لأننا لا نذكرهم بها، وأكثر الناس -مع الأسف- مثل الحشرة لا يقع إلا على الجرح فقط أو على موطن المرض، لكن الحسنات لا يذكرها إطلاقاً.
فإذاً: ينبغي أن نذكر لأجيالنا هذا الخير؛ فلا يمكن حفظ الدين إلا بأمن، ولا يمكن حفظ العقول بلا أمن، ولا يمكن حفظ الأموال بلا أمن، ولا يمكن حفظ الأرواح بلا أمن، ولا يمكن حفظ الأعراض والأنساب بلا أمن، وما أدراك ما الأعراض والأنساب؟ وبعض الذين يحاضرون أحياناً لا يكون عنده شعور بهذه المسائل حتى يذكر العرض فإذا ذكر العرض انتفض وعرف أن المسألة خطيرة، وأنه وصل المحز إلى العظم، ونحن نسأل الله ألا تأتي هذه الساعة، وإن شاء الله نحن موقنون بأن الله سيحفظنا، لكن ومع ذلك هذا مشروط بأن نبقى على ديننا ونتوب ونتعاون مع ولاتنا وعلمائنا ومشايخنا وتجتمع كلمتنا على الحق والهدى، ومشروط بأن ندفع الغلو، لا أن نجلس نتفرج، فبعض الناس يقول: نحن مشغولون بالإصلاح، نعم الإصلاح له شروطه، ومن الإصلاح دفع الفساد، وأنا أضرب مثلاً لما يحدث عندنا من كثير من المفاسد والمنكرات التي يجب أن نعالجها مع الغلو: بأناس في بيتهم هذا البيت يحتاج ترميمات ويحتاج إصلاحات ويحتاج إلى حماية إلى آخره، كل مشغول بشغله ولم يشغلوا بإصلاح هذا البيت، فأتاهم واحد سفيه معه شهاب من نار، وقال: أريد أن أحرق البيت من أجل أن أريحكم، فما رأيكم؟! فمن عنده نوع من سوء الفهم قال: دعوه يحرقه، لكن أيهما أسفه هذا الذي يحرق أو هذا الذي يؤيده؟! لكن العاقل والذي يعمل بالدين سيكف السفيه الذي سيحرق ويشتغل بالإصلاح في وقت واحد، فيمد يداً للإصلاح ويمد يداً أخرى لكف الكارثة والفتنة التي تقضي على كل شيء.
стр. 344
أهمية المرجعية في حياة الأمة
ومن الأمور الثوابت التي يجب أن نتذكرها المرجعية، وما أدراك ما المرجعية؟ وقد أشرت إلى هذا كثيراً، فما لم نرجع إلى علمائنا فهذا -نسأل الله العافية- دليل شؤم ودليل عدم توفيق وخذلان، وإذا ما أكدنا على هذه الحقيقة وتواصينا ووصينا أجيالنا وأبناءنا وربينا أنفسنا وغيرنا على مرجعية العلماء وطاعة الولاة في المعروف فسنتحمل مسئولية هذا التقصير.
стр. 345
مسئولية المجتمع تجاه الغلاة
ثم أخيراً: مسئولية تجاه الغلاة: الغلاة الذين كفروا وفجروا دفعتهم الغيرة في الغالب، وأغلبهم ممن غرر به وهو لا يدري، وأغلبهم قصرنا في حقه، وأنا أعرف أناساً بذلوا جهدهم مع بعض الغلاة لكن بعدما استووا ووصلوا الخط الأحمر، وبعدما تجاوزوا الإشارة الحمراء ففي هذا الوقت لا توجد هناك فرصة أن تقول له: ارجع، يعني: هم حالهم مثل الذي وصل إلى الإشارة وهي حمراء ثم استمر يمشي، فإذا تجاوز الحمراء هل من المعقول أو من المناسب أن تقول له: ارجع؟ قد يكون ذلك صعباً، بل يمكن أن رجوعه يؤدي إلى كارثة أكبر، وهؤلاء كذلك.
وغالب من يتجاوز الإشارة الحمراء يصاب بكارثة تضره وتضر غيره، والآن صار يفجر نفسه ويفجر الآخرين، حتى إن بعضهم إذا لم يتمكن منه رجال الأمن فجر نفسه، فعلى ماذا يدل هذا؟ مهما قال بعض الناس من التبريرات هذه لا وجه لها شرعاً إطلاقاً ومن عمل بها فهو آثم، نسأل الله العافية، ومن أيدها فأخشى أن يكون أشد إثماً؛ لأن هذا الصغير مغرر به، لكن ذلك الذي يضحك وهو جالس واضع رجلاً على رجل يضحك لهؤلاء الشباب المساكين ويدفعهم ويشجعهم وأنتم الأبطال وأنتم المجاهدون، ويرقص على الجثث والأشلاء هذا هو مغذي الفتنة.
ونعرف بين ظهرانينا من هذا النوع الكثير، فلماذا لا ننصحهم في الله، ونخوفهم بالله؟ فلنتق الله جميعاً ونتناصح.
أسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وأسأله أن يعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وألا يعاقبنا بذنوبنا، وأن يجمع كلمتنا وكلمة ولاتنا ومشايخنا وشبابنا على الحق والهدى.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 346
الأسئلة
стр. 347
أسباب الفرقة والخلاف
السؤال
ما هي أسباب الفرقة والخلاف؟
الجواب
هذا سؤال كبير، وأعظم سبب للفرقة والخلاف هو التقصير في حق الله ، فإذا ضعف التدين في الناس وفي أعمالهم وإذا كثر الخبث وإذا كثرت المنكرات وإذا ضعف الإيمان في القلوب وإذا التفت الناس إلى الدنيا وإذا تساهلوا بتربية أبنائهم وإذا فرطوا في أخذ دينهم وإذا تنكروا لعلمائهم وإذا تنكروا لولاتهم وقعت الفرقة والنزاع.
стр. 348
الطريقة العملية لحفظ الشباب من فتن الغلو والتفجير والتكفير
السؤال
ما هي الطريقة العملية لحفظ الشباب من هذه الفتن والغزو المركز على شباب الأمة؟
الجواب
هذا سؤال جاد، وهذه مسألة يجب أن يتوافر لها علاج؛ الغلو عند الشباب الغلاة يعالج كما يعالج التفريط عند الشباب المفرطين، فنحن نعيش مصائب يجب ألا نتساهل بها دون الأخرى، لكن بعضها يحتاج إلى العلاج العاجل؛ لأن ضررها مدمر يهلك الحرث والنسل، ولذلك أمرنا الرسول ﷺ بقتال الخوارج، وهل حل حاسم لابد منه، وعاجل تتظافر عليه الجهود، وأيضاً في الوقت نفسه لا ننسى علاج المشاكل الأخرى، لكي نعدل وننصف، وأيضاً لكي نستقيم على المنهج الوسط، وبذلك ننتصر.
فالعلاج ينبغي أن تتظافر له جهود العلماء، والدولة خاصة، والمؤسسات التربوية وجهود العلماء والإعلام الذي بقي فيه بقية خير؛ لأن أغلب الإعلام -مع الأسف- على مستوى العالم ومستوى العالم الإسلامي لا يخدم دين المسلم، بل هو سبب من أسببا الفرقة والشتات ومغذ للغلو، فمثل هذا الوقت لابد نقول بصراحة: الإعلام تولى كبره ودخل منه المنافقون وصاروا يتدخلون بالدين والعقيدة، ويستهترون بالمتدينين والعلماء، فصاروا سبباً للشحن غير المرشد.
فلا بد أن تتوافر جهود الإعلاميين الأخيار مع العلماء مع الدعاة مع الصالحين مع الآباء وما أدراكم ما الآباء؟ وأنا من خلال مناقشتي ومن خلال مخالطتي لكثير من الغلاة بحكم التخصص كثير منهم يأتون ويناقشون وبعضهم يأتي مستنصحاً ولا أزال -ولله الحمد- أرى وأسمع وتأتيني أوراق ويقابلني شباب مستنصحين من أصحاب الغلو، وإن شاء الله تنفع فيهم النصيحة.
فأقول: الآباء مقصرون، فابنك وإن ذهب مع المتدينين يجب أن تعرف من هم؟ وهذه الكلمة أقولها ما كنت أجرأ أقولها قبل خمس سنوات؛ خوفاً من أن يشك الآباء في المتدينين، فالمتدينون -بحمد الله- في هذه البلاد من الشباب هم أغلبية وهم أهل رشد، نشهد شهادة أن أغلبهم أهل رشد، وخاصة في التحفيظ وفي الحلقات المعلنة وفي المدارس الرسمية وفي المراكز الصيفية وغيرها، فالحقيقة جميع من يعيشون تحت المظلات الرسمية أو المؤسسات الظاهرة في المساجد وغيرها هم على رشد ولله الحمد، وهم أغلبية، لكن معظم النار من مستصغر الشرر، فلا نستهين بوجود فئة قليلة تندس ويأتون ليخطفوا الشباب من المساجد ويخطفوهم من البيوت ويخطفوهم من مجالس الأسر ومجالس العائلات، ولذلك بعض العائلات تساهلوا أو وجد عندهم نوع مما نسميه الاندفاع العاطفي بدون اهتمام بالشباب المراهقين والصغار، وبعض الناس الكبار إذا جلس مجلساً بدأ يتكلم كلاماً بدون ميزان، والصغير يسمع ويشحن يسمع ويشحن يسمع ويشحن، والكبير عنده عقل وعنده حكمة وأكثر ما يقوله قد لا يؤمن به، لكن يطلق لسانه في سب المشايخ وفي سب الدولة وفي التحريض، فهذا أصيب من حيث لا يدري ففوجئ أن ولده ذهب مع الغلاة؛ لأنه تسبب في شحنه، وهذا قليل ولله الحمد، لكنه يوجد، وأنا أعرف قصة قريبة من هذا: في مجلس من المجالس واحد من هؤلاء الشباب المتوترين هداهم الله قال عن أحد المشايخ الكبار: إنه مرتد، وأبوه وجده موجودين في المجلس ما استطاعوا يقولون له شيئاً؛ لأن البيئة كلها مشحونة الكبار والصغار، فلما خرج منهم هذا الذي يكفر العلماء ما استطاعوا يردونه ولا يقفون في وجهه يخافون عليه من أكبر، يخافون أن يفجر نفسه وهو عندهم، فالأمر خطير.
فالآباء مقصرون ويكلون الأمر إلى غيرهم.
ثم في الدرجة الثانية المعلمون وما أدراك ما المعلمون؟ أبناء المسلمين في هذا البلد وغيره يجلسون أمام المعلمين ساعات طوال في وقت هيأت لهم الدولة المدرسة والمقاعد والنظام الذي يسخر ذلك الطالب الشرس الشقي أن يجلس وديعاً أمام المعلم، وهذه نعمة، ولكن أين توجيه المعلم؟ أنا أشكر لكثير من المعلمين اهتمامهم لكن أيضاً أعتب على كثير منهم أنهم لم يؤدوا الواجب بالقدر الكافي، وهذا دورهم؛ فالآن التلميذ الصغير يأخذ الابتدائي والمتوسط والثانوي ويأخذ من المعلم أكثر مما يأخذ من أبيه.
وأنا واجهت بعض الأشياء من أبنائي في الابتدائي أقول له: يا ابني! هذا غلط، فيقول: لا، أستاذي قال لنا كذا، فأقول: يا ابني! هذا كذا يمكن أنك ما فهمت كلام الأستاذ، يمكن أنه قصد غير هذا، وأقول له: هذا غلط، غلط بين مثل الشمس، فيقول: يا أبي! هذا الذي قال لي الأستاذ، فيسلم بما قال له الأستاذ وأنا كأن كلامي ما له قيمة.
إذاً: أنا أحمل المعلم شيئاً من هذه المسئولية.
стр. 349
معنى حديث: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)
السؤال
ما موقفنا من حديث النبي ﷺ : (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)؟
الجواب
هذا السؤال يرد في كل محاضرة؛ لأن هذا مثل قميص عثمان، يعني: من أكثر ما يتذرع به الغلاة هذا الحديث، وأنا أعلم أن بعضهم يعلمون أن هذا الحديث حجة عليهم، لكن يقول: ولو، فتقول له كذا وكذا، فيقول: ولو، طيب ولو ما معناها؟ معناها: الهوى.
فحديث (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)، خطاب للأمة، وأول معني بهذا الحديث الصحابة ثم الخلفاء الراشدون بالذات، فماذا صنعوا بهذا الحديث؟ شاور عمر بن الخطاب الصحابة ماذا يصنع، وكيف يخرج المشركين من جزيرة العرب؟ فاختلفوا هل جزيرة العرب هي الحجاز أو هي نجد أو الجزيرة كلها، والاختلاف لا يزال واقعاً، ويمكن أن جزيرة العرب هي كل الجزيرة، وهذا محتمل، وهذا الذي عليه الجغرافيون وكثيراً من علماء التاريخ، وإذا قلنا: يوجد في جزيرة العرب مشركون فما المقصود بهذا الحديث؟ هذا الحديث له فقه، فقهه الصحابة والتابعون وسلف الأمة بإجماع عملي سلكوه وهو أن الخطاب للجماعة، هذا شيء، الشيء الآخر أنه لا يعني الأفراد والعصابات، فهل سمعت أن صحابياً أو تابعياً أو أحداً من القرون الثلاثة الفاضلة بل حتى الخوارج الذين استحلوا دماء المسلمين هل سمعت أحداً منهم ذهب لمشرك وقتله في جزيرة العرب؟ إذاً: الخطاب للجماعة، والجماعة هم من يمثلهم العلماء وأهل الحل والعقد، وعمر خليفة يستطيع أن ينفذ الخطاب؛ لأنه يمثل المسلمين كلهم لكنه شاور الصحابة، فاختلفوا اختلافاً كثيراً فكان جملة فقههم أن المقصود بالمشركين هم المشركون الذين يكون لهم كيان أشبه بدولة، لهم كيانهم الاجتماعي والاقتصادي ومعابدهم يمارسون كياناً كاملاً مثل ما نسميه الآن دولة، فهؤلاء لا يسمح لهم، هذا شيء.
الشيء الآخر ألا يكونوا أهل ذمة ولا آتين بعقد ولا عهد، أما إنسان يأتي معه تأشيره طبعاً كانت العهود لها صور كثيرة على مدى التاريخ.
والعهود في عصرنا بين المسلمين وبين غير المسلمين هي تأشيرة الدخول، أما إذا جاء بدون تأشيره فالدولة لن تتركه، وهذا معروف، فعندها رجال أمن وعندها أهل الاختصاص، وحتى لو وجدت كافراً دخل بدون تأشيره فهل يجوز لك أن تأخذ السلاح وتقتله؟ سبحان الله! من قال هذا؟ وبأي دين؟ وبأي مبدأ؟ هذا يترك للسلطة.
إذاً: المخاطب السلطان وجماعة المسلمين والعلماء، والذين يأتون بعهود كانت الجزيرة مليئة منهم في مدينة رسول الله ﷺ ، فكان فيها كثير من العلوج المشركين المجوس، والذي قتل عمر مجوسي، ولما استأذن الصحابة في أن يطردوهم من المدينة قال: لا، أخذوا العهد عليكم، وهم غدروا به وقتلوه ومع ذلك قال: لا، هؤلاء أخذوا العهد علينا، هم في ذمة الجميع، والعجيب أن الله جعل الكافر في بلاد المسلمين إذا دخل بعقد -مثل هؤلاء الذين يدخلون عندنا- أنه في ذمة الجميع، وسبحان الله! أمر عجب! وهو كافر، لكن هذا حكم الله.
فالذي يقتل كافراً خالف دين الله ووقع في الوعيد، وخالف الصريح من النصوص وخالف ما أجمع عليه الصحابة واتفق عليه سلف الأمة وخالف نهج الخلفاء الراشدين وخالف العلماء وغدر بالجميع وغدر بعهد الدولة وبعهد الشعب والمجتمع ووقع في الوعيد: (من قتل ذمياً لم يرح رائحة الجنة)، وأنا ناقشت عدداً منهم فتجد أحدهم يقول لك: ولو، نسأل الله العافية، وما دام ولو، فما هناك حيلة إلا الله يتولانا ويتولاكم.
стр. 350
كيفية الرد على العلمانيين
السؤال
ألا ترون أن أفكار العلمانيين الذين استغلوا هذه الأحداث لبث أفكارهم، يجب علينا اتخاذ حركة إصلاح قبل أن يبثوا أفكارهم؟
الجواب
يجب أن نأخذ بأصول الإسلام في إنكارها والرد عليهم، وإقامة الحجة عليهم، وبيان خطرهم بدون ما يثير فتنة ويخل بالأمن، أيضاً التعاون مع المسئولين والولاة والمشايخ وبذل الجهود، وأنا أعرف مشايخ باذلين جهدهم في هذا الأمر، وهناك جهود يا إخوان أكثرها لا يعلم؛ لأنهم يدرون أنهم لو أشاعوها ونشروها يمكن أن تصير على الأمة فتن أكبر، وهذه من الفوارق بين فهم الشباب حدثاء الأسنان الذين يقعون في الغلو وبين ما عليه المشايخ، فالمشايخ لا يتحدثون على أكثر ما يبذلونه تجاه المناصحة في هذا الأمر حتى مع العلمانيين أنفسهم، فكثير من العلمانيين أحضرهم المشايخ في مجالس وأخذوا يناقشونهم وأقاموا عليهم الحجة وبعضهم حوكم وبعضهم طلب للقضاء وبعضهم اتخذ منه إجراءات من الداخلية وبعضهم إلى آخره.
فهناك إجراءات وهناك تقصير كله موجود، ونحن موقفنا مع العلمانيين وغير العلمانيين ينبني على الأصول الشرعية من إقامة الحجة، وبيان الحق، وأيضاً الشكوى عند ولاة الأمر، وبيان وجه خطرهم، ونقاشهم، وكل ما نملكه، وأما تطبيق الحد عليهم فلا نملكه، وما أحد فرد يستطيع تطبيق الحد، وإلا لكانت فوضى، وما أوكلت الحدود للأفراد أبداً.
ولذلك نقول لبعض الغلاة: أنتم الآن إذا استهدفتم الأمن أضعفتم الحدود، فأول من يقوم على الحدود هم رجال الأمن أنفسهم، فلماذا تستحلون دماءهم؟ رجال الأمن هم رجال حسبة، ولذلك دائماً نذكرهم ونقول لهم: لا تنسوا النية الصادقة، فأنتم أهل حسبة، وأنتم حماة الدين وحماة الأعراض وحماة الأموال، فاحتسبوا ذلك عند الله، ومن قتل من رجال الأمن وهو يستحضر هذا في نيته فهو شهيد إن شاء الله؛ لأنه لم يقتل فقط دون عرضه وماله ودينه بل قتل دون أعراض الأمة وأموالها ودينها.
لكن ومع ذلك أقول: مثل هذه الشكاوى حقيقية فنحن نشكو من العلمانيين ونشكو من المفاسد، لكن ما العلاج؟ العلاج أن نتحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ وإلى نهج السلف الصالح وإلى علمائنا، وهذا معنى قوله : ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣].
أقول: فلو أننا تواصينا على هذا لكان الخير كبيراً.
стр. 351
حكم تارك الصلاة
السؤال
قول العلماء: من ترك الصلاة كفر؟
الجواب
هذه مسألة خلافية، والترك إما ترك كلي وإما ترك جزئي إلى آخره، والرسول ﷺ ذكر أن ترك الصلاة كفر، لكن للعلماء في ذلك تفصيل بناءً على مجموع مجمل النصوص.
стр. 352
ضرر الغلو على المسلمين في كل بلاد
السؤال
قارن بين ما يقع في المملكة وما بين يقع في البلاد الأخرى من بلاد المسلمين؟
الجواب
نقارن وما علينا إلا الاستمساك بما أوصانا الله به، فلا محيد عن الأخذ بما أوصانا الله به، وكون العالم الإسلامي يتعرض لمشكلات كبرى وفتن وقتل وقتال، فالطريق إلى التصحيح هو الطريق الشرعي، والغاية لا تبرر الوسيلة، ومتى كان العنف أو القفز على حواجز الشرع والواقع والحواجز الرسمية حلاً؟ بل العكس والله! أدى إلى إعنات المسلمين والضرر بهم في خارج بلادنا أكثر مما أدى علينا أيضاً وإن كنا تضررنا.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
стр. 353
مسلمات في العقيدة
المسلمات في الدين هي المناهج والأصول التي يقوم عليها الدين علماً واعتقاداً وعملاً، فحين كثرت الفتن والصوارف عن دين الله ، وتداعت الأمم الكافرة بعقائدها وأفكارها وأخلاقها لطمس هذه المسلمات، كان لزاماً على جميع الأمة أن يقفوا أمام هذه الموجات العاتية؛ للحفاظ على هذه المسلمات، التي بها إقامة الدين وعزة المسلمين.
стр. 354
دواعي التذكير بمسلمات العقيدة وإبرازها
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن مما ينبغي التنبيه عليه بين يدي هذه المحاضرة والتي هي بعنوان: مسلمات في العقيدة، مما ينبغي التنبه له أولاً: أن هذه المسلمات التي سأذكر طرفاً منها، كانت إلى وقت قريب بدهية، ينشأ عليها الكبير والصغير في هذه البلاد التي بحمد لله نشأت على السنة، وكان أهل العلم يتعهدون غيرهم من طلاب العلم والعامة في تلقين المسلمين هذه المسلمات في سن الطفولة والشباب، وسن الكهولة والشيخوخة، وكانوا يتعهدون الناس ويلقنونهم هذه المسلمات بطرائق شتى، واستخدموا لذلك شتى الوسائل التي يقدرون عليها في ذلك الوقت، ومن ذلك أنهم كانوا يتعهدون المصلين بين وقت وآخر، فيعلمونهم أمور دينهم، وكانوا يقرءون عليهم المتون الضرورية التي تبنى عليها أساسيات الدين، وكانوا يعلمون الصغار هذه الأمور مع تعليمهم لهم لكتاب الله ، وكانت هناك الكتاتيب والمدارس التي ترعى الناشئة، وتلقنهم هذه المسلمات، وكان أهل العلم وطلاب العلم يتعهدون الناس في مجالسهم أيضاً، ليس في المساجد فحسب أو في المدارس، بل حتى في المجالس، فإلى وقت قريب كانت مجالس الناس في هذا البلد لا يمكن أن تخلو من التعلم والتعليم، حتى المجالس الأسرية والمجالس العامة واجتماعات الأفراح وغيرها من الاجتماعات، التي تكون في المجتمع على مستوى الأسرة والحي والبلد وجماعة المسجد وغير ذلك مما هو معروف واعتاد عليه الناس في هذا البلد من الاجتماعات الصغيرة والكبيرة، كان طلاب العلم يتعهدون الناس في هذه المجالس ويعلمونهم أصول دينهم.
الأمر الثاني: وهو أنه في الآونة الأخيرة لما كثرت مصادر التلقي، وتداعت على هذه الأمة المسلمة وهذا المجتمع بصفة خاصة في هذا البلد، تداعت عليه الأمم بعقائدها وأفكارها وأخلاقها بكل الوسائل الشيطانية التي توافرت من الفضائيات، ووسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، فنجد الواقع أن الأمة الآن تتحول تحولاً مخيفاً عن دينها، وعن أخلاقها، وأن هذا المجتمع الذي نعيش فيه على السنة والفضيلة بحمد الله استهدف من جميع أعدائه في الداخل والخارج، فكثرت الفتن والصوارف عن دين الله ، والدعوة إلى ما يفسد العقيدة والفضيلة، وبدأت البدع العقدية والفكرية والثقافية والعملية ترفع رأسها على أيدي أناس من الأعداء، بل ومن أبناء جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ويدّعون أنهم منا، وهذا استوجب على طلاب العلم أن يعيدوا للأمة التذكير بمسلمات الدين.
وقد يقول قائل: لماذا نتحدث عن مسلمات الدين ونحن بحمد الله في بلد كثر فيه التعليم والكتابة؟ أقول: نعم، ومع كثرة التعليم كثر الجهل بالدين هذا هو الواقع، ومن شاء فليستعرض في ذهنه واقع كثير من شبابنا ومثقفينا ومفكرينا، ومن هم في مراكز التأثير في الفكر والأدب وغيره على ناشئة الأمة، يستعرض في ذهنه ماذا عندهم من المسلمات؟ ليس عندهم إلا القليل النادر، وأغلب ما يوجد عند الكثيرين ما يزعزع العقيدة ويشكك في هذه المسلمات؛ بسبب ما ذكرته لكم من المؤثرات الوافدة عبر الوسائل التي هجمت علينا من كل حدب وصوب.
стр. 355
نماذج من مسلمات الدين والعقيدة
موضوع هذه المحاضرة: هو مسلمات في الدين، أو مسلمات في العقيدة.
المسلمات: هي أصول الدين وأركانه، والمناهج التي يقوم عليها الدين علماً واعتقاداً وعملاً، وسأذكر طائفة من هذه المسلمات على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر؛ لأن الحديث عن المسلمات يطول، لكني سأعرض ما تيسر له الوقت، ولذلك أحب أن أنبه إلى أني استأذنت الإخوة القائمين على هذا البرنامج جزاهم الله خيراً بأن نجعل الأسئلة بعد صلاة العشاء لمن شاء أن يجلس؛ لأن الموضوع سيستغرق فيما يظهر لي كل الوقت المتاح حتى إقامة الصلاة.
والآن لنتحدث عما يتيسر مما هو معلوم بالضرورة من مسلمات الدين، التي لا يسع المسلم أن يجهلها، والتي تدخل تحت الفريضة الواجبة على كل مسلم ومسلمة.
следующие страницы →