Полный текст (72 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
سلسلة السيرة النبوية [التعريف بصاحب التصنيف، وبدء الشرح من أول المتن]
أعطى الله رسوله محمداً ﷺ من العطايا والمزايا والخصائص ما لم يعط أحداً من خلقه، وأثنى عليه بما لم يثن على أحد من أنبيائه، فهو سيد المرسلين، وإمام المتقين، وأفضل خلق الله أجمعين.
فحق على كل مسلم أن يعرف سيرته المباركة، وأن يعرف نسبه ونشأته، ويعرف ألطاف الله به، فإن هذا مما يزيد الإيمان به، والتمسك بسنته.
стр. 2
التعريف بالمؤلف والكتاب وبيان أهمية السيرة النبوية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فهذا بحمد الله وتوفيقه وعونه أول دروسنا العلمية في التعليق على الدرة المضيئة في السيرة النبوية للعلامة: عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي رحمه الله تعالى، وإن من التأدب مع أهل التصنيف أن يُذكر ما لهم من فضل، وما قدموه لدين الله جلّ وعلا من عملٍ نافع، وصاحب هذا التصنيف الذي بين أيديكم أحد أئمة المسلمين الذي عاشوا في القرن السادس الهجري، وكان ذا ورعٍ وعبادة، ممن اشتغل بطلب العلم وتعليمه، وممن عُرف عنهم كثرة التعبد والتماس الأثر، وكان فقيهاً حنبلياً رحمه الله تعالى.
ومما يُذكر عنه في ذكر وفاته -والخواتيم تدل على أيام الإنسان ومراحله التي مضت- أنه ﵀ أصابه المرض حتى لم يقدر على الذهاب إلى المسجد، فلما اشتد عليه المرض دخل عليه أحد أبنائه فقال له: يا أبتاه ما تشتهي؟ قال: أشتهي الجنة، ثم إنه صلى الفجر، ثم قال له ابنه: يا أبتاه هاهنا دواء، قال: يا بني لم يبق إلا الموت! شعر بدنو الأجل، ثم إنه قال له ابنه مُكرراً له
السؤال
ماذا تشتهي؟ قال: أشتهي أن أنظر إلى وجه الله ﵎، فدخل عليه جماعة من أصحابه يعودونه فلما سلّموا عليه رد عليهم بصوتٍ ضعيف، ثم أخذوا يتحادثون فيما بينهم، فكان العجب أنه وهو المريض الذي يُعاد يقول لهم: قولوا: لا إله إلا الله، اذكروا الله، فيم أنتم تخوضون؟! فلما قاموا عنه أخذ يُردد لا إله إلا الله ويحرك بها شفتيه حتى فاضت روحه وانتقل إلى جوار ربه.
وهذا يدلك على ما كان عليه بعض علماء السلف من البركة، وما أفاءه الله جلّ وعلا عليهم من الفضل.
وهذا المتن الذي بين يديك خاصٌّ بالسيرة العطرة والأيام النضرة لرسولنا صلوات الله وسلامه عليه، وتعريفاً بجملة من أصحابه، وهم العشرة المبشرون بالجنة ﵃ وأرضاهم.
قبل أن نشرع في شرح المتن يجب أن ننبه إلى أمور: الإنسان لا يمكن أن يُهيأ له مقام بعد أن يُدرس كتاب الله جلّ وعلا أعظم من أن يدرس سيرة نبيه ﷺ ، ولا ريب أن نبينا ﵊ ختم الله به الرسالات، وأتم الله جلّ وعلا به النبوات، وبعثه بين يدي الساعة هادياً مُبشراً ونذيراً، وأمر العباد بمحبته وطاعته والتماس هديه واقتفاء أثره صلوات الله وسلامه عليه، وعلى هذا فإنه ينبغي أن يُقرر شرعاً قبل أن نشرع -مُتكلماً وسامعين- في شرح هذه الدرة المضيئة أن نقول: يجب علينا أن نتعلم سيرته ﷺ لا لئن نبز أقراننا ونفوق إخواننا ونترفع على من بين أيدينا، وإنما حتى نتأسّى به صلوات الله وسلامه عليه، ونجعله بيننا وبين ربنا فنقتفي أثره، ونلتمس سنته، ونتبع هديه، ذلكم الذي أمرنا الله جلّ وعلا به في المقام الأول، قال تباركت أسماؤه وجل ثناؤه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١].
وقد فطر الله جلّ وعلا كثيراً من خلقه على محبة نبيه ﷺ ، فقد صعد أحد فرجف الجبل فرحاً بصعوده، فقال ﵊: (اثبت أُحد فإنما عليك نبيٌ وصديقٌ وشهيدان)، ولما ترك الجذع الذي كان يخطب عليه لما صُنع له المنبر حنّ الجذع إليه، فنزل ﵊ والتمس الجذع وضمه إليه، كان الحسن البصري ﵀ كان إذا حدث بهذا الحديث يقول: يا معشر المسلمين! الخشبة تحن إلى رسول الله ﷺ فما بال قلوبكم لا تحن إليه.
وقد أعطاه الله من المزايا والعطايا ما لم يُعط أحدٌ من العالمين، أشار إلى القمر وأومأ إليه فانفلق بإذن الله تأييداً لرسالته، وأشار إلى السحاب فتفرق إكراماً لإشارته، إلى غير ذلك مما سيأتي في المتن من معجزاته صلوات الله وسلامه عليه، وهذا كله يدفع المؤمن وطالب العلم في المقام الأول إلى أن يكون عالماً فقيهاً مُطلعاً على سيرته ﷺ ؛ حتى يدعو الناس إلى هديه ﵊ فإن الله سد كل بابٍ موصلٍ إليه إلا ما كان عن طريقه صلوات الله وسلامه عليه.
والرسالة والنبوة لا تنال بالسعي ولا بالكد ولا بالعمل ولا بطلب العلم وإنما هي هبةٌ من الله، يقول الله جل شأنه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، فالله ﵎ اصطفى هؤلاء الرسل من بين خلقه أجمعين ومنحهم النبوة وأعطاهم الرسالة فكانوا أئمة هدًى ومصابيح دُجى، نشر الله بهم دينه على مر العصور وكر الدهور حجةً من الله ﵎ على خلقه كما قال الله ﵎ في سورة النساء: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [النساء:١٦٥].
والمقصود من هذا كله: إخلاص النية والسعي قدر الإمكان في فهم سيرته العطرة وأيامه النضرة صلوات الله وسلامه عليه قبل أن نشرع تفصيلاً في ذكرها.
وصاحب هذا المتن قال في أوله: إنه موجز وإنه مُختصر، وإن المراد به الإلمام الشامل بسيرته ﵊، وسنحاول أن نعرج قدر الإمكان على ما أطلق منها؛ لأن بعض النصوص في المتن كما هو معلومٌ لا يكاد يجهلها أحد، وإنما سنقف على ما يغلب على الظن أنه يحتاج إلى أن يقف الإنسان معه وأن يبينه لغيره، والله تعالى هو المستعان وعليه التكلان.
ونسأل الله أن يرزقنا وإياكم صلاح النية وإخلاص القصد، وأن يجعل أعمالنا خالصةً لوجهه يُبتغى بها رضاه ويُتقى بها سخطه إنه سميعٌ مجيب.
وطريقة التدريس أنه سيقرأ المتن أخوكم صفحة صفحة ونعلق على كل صفحة لوحدها.
стр. 3
نسبه ﷺ
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الحمد لله خالق الأرض والسماء، وجاعل النور والظلماء، وجامع الخلق لفصل القضاء، لفوز المحسنين وشقوة أهل الشقاء، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة يسعد بها قائلها يوم الجزاء، وصلى الله على سيد المرسلين والأنبياء، محمد وآله وصحبه النجباء.
أما بعد: فهذه جملة مختصرة من أحوال سيدنا ونبينا المصطفى محمد ﷺ ، لا يستغني عنها أحد من المسلمين، نفعنا الله بها، ومن قرأها، وسمعها.
نسبه ﷺ : فنبدأ بنسبه: فهو أبو القاسم، مُحمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هَاشِمِ بن عبد مَنَاف بن قُصَيِّ ابن كِلابِ بن مُرَّةَ بن كَعْبِ بن لُؤَيِّ بن غَالِبِ بن فِهْرِ بن مَالِكِ بن النَّضْرِ بن كِنَانَة بن خُزَيْمَةَ ابن مُدْرِكَةَ بن إِلْيَاسَ بن مُضَرَ بن نِزَار بن مَعَدّ بن عَدْنَانَ بن أُدَد ابن الْمُقَوَّم بن نَاحُورَ بن تَيْرَحَ بن يَعْرُبَ بن يَشْجُبَ بن نَابِت بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن بن تَارح وهو: آزر بن نَاحُورَ بن سَارُوعَ بن رَاعُو بن فَالِخ ابن عَيْبَر بن شَالِخ بن أَرْفَخَشْد بن سَام بن نُوح بن لَمْكِ بن مُتُوشَلْخ بن أَخْنُوخ -وهو إدريس النبي فيما يزعمون، وهو أول بني آدم أعطي النبوة وخط بالقلم- ابن يَرْدَ بن مَهْلِيلَ بن قَيْنَن بن يَانِش بن شِيث بن آدم ﷺ .
هذا النسب ذكره محمد بن إسحاق بن يسار المدني في إحدى الروايات عنه.
وإلى عدنان متفق على صحته من غير اختلاف فيه، وما بعده مختلف فيه.
وقريش ابن فهر بن مالك، وقيل: النضر بن كنانة].
بدأ المصنف ﵀ كتابه بذكر كنية نبينا ﷺ وهي: أبو القاسم، والكنية: ما صُدِّر بأبٍ أو أم أو ابن، كما يقال: ابن أم مكتوم، أو ابن أم عبد، أو أبو القاسم، أو أبو حفص، هذه كلها تُسمى كُنى، والنبي ﷺ كان له من خديجة رضي الله تعالى عنها أولاد ذكوراً وإناثاً، كان له القاسم والطيب المُسمى: عبد الله، وكان له أربع بنات، فكان بديهياً أن الأصل أن الإنسان يُكنى بأكبر بنيه، فكُني ﷺ بأبي القاسم، وقد وردت هذه الكنية في كثير من الأحاديث، فد كان اليهود ينادونه بها كما في حديث ثوبان في صحيح مسلم وغيره قال اليهودي: (يا أبا القاسم! ما أول أشراط الساعة؟) إلى آخر ذلك مما ورد في الصحيحين وفي غيرهما من مناداة اليهود أو بعض كفار قريش له بأبي القاسم، فهذه كنيته صلوات الله وسلامه عليه.
أما نسبه ﷺ فيُمكن تصنيف النسب الشريف إلى ثلاثة أقسام: نسبه ﷺ منه إلى جده عدنان، وهذا أمرٌ مُتفقٌ عليه، ومن عدنان إلى إسماعيل فيه مُختلفٌ فيه، ومن إسماعيل وإبراهيم إلى آدم ﵇ كثيرٌ منه غير صحيح، ويمكن أن يُقال علمياً: إنه يصعب إثباته وذكره.
فعلى هذا يتحرر أن النسب الشريف المذكور ثلاثة أقسام، قسمٌ ثبتت صحته، وقسمٌ مُختلفٌ فيه لكن الصحيح منه أكثر، وقسمٌ مُختلفٌ فيه وأكثره غير صحيح؛ لصعوبة الإثبات.
стр. 4
حفظ الله لنبيه في أصلاب الرجال
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فكان حقاً على الله -ولا ممتن على الله- أن يحفظه ﷺ في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فكان ﷺ يولد من نكاحٍ إلى نكاح محفوظاً في أصلاب الرجال وفي أرحام النساء حتى وضعته أمه آمنة بنت وهب من أبيه عبد الله بن عبد المطلب].
وهذا النسب الشريف الطاهر جاء عن بعض العلماء أنه المقصود بقول الله ﵎: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٧ - ٢١٩]، وهذا وهم ممن ظنه؛ لأن معناه أن جميع آباء النبي ﷺ وأجداده كانوا مؤمنين، وهذا لا يدل الواقع التاريخي عليه، فنبينا ﷺ من آباءٍ وأجدادٍ من أهل الفترة، والله أعلم بهم، ولاشك أن من إبراهيم إلى آدم من كان على غير ملة الإسلام.
والمقصود أنه ﷺ كان محفوظاً برعاية ربه ﵎.
стр. 5
ذكر عدنان ومضر وهاشم
عندما نقول: النبي العدناني فإننا ننسبه إلى جده عدنان الذي هو قطعاً من ذرية إسماعيل، وعندما نقول النبي المضري ننسبه إلى مضر الذي هو أخو ربيعة، فإن مضر له أخٌ يُقال له: ربيعة، افترقت العرب منهما فرقتين: المضريون، وكانوا يسكنون مكة وهم عرب الحجاز، وربيعة وكانوا يسكنون جهة البادية في بادية نجد والعراق، ولما ظهر مسيلمة -وكان من ربيعة- كان أتباع مسيلمة يقولون: كاذب ربيعة -يقصدون مسيلمة - ولا صادق مُضر! يقصدون النبي ﷺ ، أخذتهم الحمية.
ولا يتعلق بهذين الاسمين أي حكمٍ شرعي.
النبي ﷺ هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وعندما يصل الأمر إلى جده هاشم يتعلق به أمرٌ شرعي وهو أنه إذا قيل: آل بيت رسول الله ﷺ فإن المقصود بهم بنو هاشم، والحكم الشرعي الذي يتعلق بهذا أن الزكاة لا تُعطى إليهم كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه.
وهاشم هو: ابن عبد مناف، وعبد مناف ترك أربعة من الولد: نوفل وعبد شمس والمطلب وهاشم، وهذه يجب تحريرها؛ لأنه يتعلق بها مسائل شرعية، فقد خلف عبد مناف أربعة من الولد ذكوراً هم: هاشم، والمطلب بدون عبد، ونوفل، وعبد شمس، فهؤلاء الأربعة إخوة من أبيهم عبد مناف.
قال ﵊: (عندما ننسب ننسب إلى بني هاشم)، هاشم هذا له إخوة ثلاثة وهم الذين ذكرناهم: نوفل وعبد شمس والمطلب، ولما حصل ما حصل في شعب بني هاشم وحاصرت قريشٌ النبي ﵊ في الشعب انضم إليه أبناء المطلب، انضموا إلى بني هاشم في الشعب كافرهم ومؤمنهم، وبقي بنو عبد شمس وبنو نوفل مع قريش ضد النبي ﷺ وبني هاشم.
هذه الخصيصة لبني المطلب حفظها النبي ﷺ لهم، فلما كانت غزوة خيبر وقسم النبي ﷺ الغنائم، جاءه وفدٌ من بني عبد شمس وبني نوفل، جاءه جبير بن مطعم وهو من بني نوفل وجاءه عثمان ﵁ وهو من بني عبد شمس فقالا: يا نبي الله! إنك أعطيت إخواننا من بني هاشم وهذه لا تثريب عليك فيها؛ لأن الله شرفهم بك، ولكنك أعطيت إخواننا من بني المطلب ونحن وإياهم شيءٌ واحد؛ لأن المطلب أخٌ لـ نوفل وأخ لـ عبد شمس، فقال ﷺ : (إن بني المطلب لم يفارقونا في جاهلية ولا في إسلام، وشبك بين أصبعه)، ومن هنا ذهب جمهور العلماء إلى أن بني المطلب يدخلون في آل البيت بمقتضى هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ، وهذه أهم فوائد ذكر النسب الشريف.
وهاشم هذا اسمه عمرو، وإنما سُمي هاشماً؛ لأنه كان يكسر الخبز ويضعه مع المرق، ويُسمى هذا عند العرب الثريد، ويطعم به الحجاج، وهو الذي سن رحلتي الشتاء والصيف لقريش، وقد قيل فيه: عمرو الذي هشم الثريد لقومه قوم بمكة مسنتين عجاف سنت إليه الرحلتان كلاهما سفر الشتاء ورحلة الأصياف وهذا هو الذي يُنسب إليه ﷺ في المقام الأول، يُقال: النبي الهاشمي، وعندما يقال: النبي المضري يخرج بنو ربيعة، وعندما يُقال: العدناني المقصود نسبته إلى إسماعيل وسيأتي بيان هذا.
стр. 6
ذكر عبد المطلب
عبد المطلب ليس هو المطلب، وهو جد النبي ﷺ ، وأحد الذين كفلوه كما سيأتي تحريره في موضعه، واسمه شيبة، وقيل: شيبة الحمد، وإنما سُمي عبد المطلب؛ لأن المطلب الذي ذكرناه في الأول أخو هاشم لما جاء المدينة كان هذا شيبة صغيراً، وهو ابن أخيه هاشم، فلما مات هاشم أخذ المطلب شيبة وأردفه وراءه ودخل به مكة، فلما دخل به مكة ظن الناس من قريش أنه عبد للمطلب، فأخذوا يقولون: عبد المطلب عبد المطلب عبد المطلب حتى غلبت عليه، وإلا اسمه شيبة.
وتظهر فائدة ثانية قلما ينتبه إليها إلا القليل وهي أن النبي ﷺ قال مُفتخراً: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)، هذا الحديث قاله النبي ﷺ في غزوة حنين، والشُرَّاح عندما يأتون إلى ذكر أنه لا يُذكر الإنسان أنه عبدٌ لغير الله يقولون: يجوز من باب النسب، ويأتون بهذا الدليل، يقولون: إن النبي ﷺ يقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)، وهذا وهمٌ ممن قاله؛ لأن النبي ﵊ عندما قال: (أنا ابن عبد المطلب)، العبودية هنا لم يقصد بها القرشيون عبودية الذل وعبودية التعبد، وإنما قصدوا بها عبودية الرق، كما يقال: زيد مثلاً عبدٌ لبني فلان، عبدٌ بمعنى: رقيق ليس أنه يعبدهم.
فلم يُغير ﵊ اسم جده، ولم يقل: إن عبد المطلب لم يكن عبداً؛ لأنه فهم الوضع الذي ذُكر منه الاسم، وهو أن شيبة ظنته قريشٌ عبداً للمطلب أي: أنه غلام له وعبد بمعنى عبودية رق.
والعبودية ثلاثة أقسام: عبودية رق وضدها الحرية، وهذه تُسمى عبودية شرعية قال الله: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة:١٧٨].
وعبودية ذل وقهر وهذه يشترك فيها كل الخلق، الملائكة والجن والإنس كلهم عبيدٌ لله ﵎ من هذا الباب، عبودية ذل وقهر من جانب الرب ﵎، ودليلها من القرآن: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ [مريم:٩٣].
العبودية الثالثة: عبودية الطاعة، وتنقسم إلى قسمين: عبودية طاعةٍ لله، وعبودية طاعة لغير الله ﵎، كما قال ﵊: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة) إلى آخر الحديث.
إذاً: عبودية الطاعة تنقسم إلى قسمين: طاعة للرب جل وعلا، وطاعة لغير الله، فالطاعة لله هي التي يتنافس فيها المتنافسون، ويشمر فيها العاملون، وهي التي بلغ النبي ﷺ الذروة منها فكان كما قال الله جلّ وعلا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١]، قصد الله بها هنا: عبودية الطاعة.
هذا عبد المطلب جد النبي ﷺ الأول، ومن هذا نفهم أن النبي ﷺ من جهة أبيه وأمه عربيٌ من العرب المستعربة.
стр. 7
أقسام العرب
العرب أمة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عرب بائدة، وعرب عاربة، وعرب مستعربة.
أما العرب البائدة فهم ثمود وعاد، فهذه أمم عربية كانت موجودة ثم بادت، ولم يبق منها على الأرض نسل.
وعربٌ عاربة أي: عرب أقحاحٌ جداً، وهم ذرية يعرب بن قحطان، والمصنف هنا رحمه الله تعالى لم يذكر أن يعرب ابن لـ قحطان، فهذا هو جد العرب، ويُسمى هؤلاء العرب بالقحطانيين نسبةً إلى يعرب بن قحطان، وهؤلاء هم العرب العاربة.
القسم الثالث: العرب المستعربة، والألف والسين والتاء في اللغة غالباً تعني الاكتساب، تعني الطلب، فمعنى عرب مستعربة أي: ليسوا عرباً في أصلهم وإنما اكتسبوا العروبة، فإسماعيل ﵊ ابن إبراهيم، وإبراهيم لم يكن عربياً وإن كان من ذرية سام، ولذلك تقرأ في القرآن: ﴿إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة:١٢٥] بالفتح، ويقول النحاة: ممنوع من الصرف للعلمية وللعُجمة أي: أنه اسم غير عربي، فإبراهيم ﵊ ليس عربياً، وبالتالي إسماعيل ابنه ليس عربياً، لكن إسماعيل اكتسب العربية من جهة زوجته، لأنه تزوج من جُرهم، وجُرهم قبيلة عربية قحطانية، فمن تولد من ذرية إسماعيل وزوجته التي من جُرهم يُسمون: عرباً مُستعربة، ومنهم نبينا ﷺ .
فالعرب قحطانيون وعدنانيون هذا تقسيم، ويُسمون عرب الشمال وعرب الجنوب هذا تقسيم، ويقال: عرب الحجاز، وهم العرب المستعربة في الغالب، وليس لهذا التقسيم قسيم، يعني: إذا قلنا عرب الحجاز لا يوجد له قسيمٌ آخر نحيل عليه.
على هذا يُفهم أن العرب أمةٌ تنقسم إلى ثلاثة أقسام، عرب بائدة، وعربٌ عاربة، وعرب مستعربة، وأنه ﷺ من العرب المستعربة الذين اكتسبوا العربية من جرهم القبيلة القحطانية التي نزلت مكة وتزوج منهم إسماعيل ﵊، هذا كله في ذكر نسبه ﷺ ، وقد بينا أهم ما فيه.
стр. 8
ذكر إدريس
ذكر المصنف أن إدريس أول من نُبئ وأول من خط بالقلم، وهذا ذكره أبو هلال العسكري في الأوائل ولا دليل عليه، وإذا أطلقنا النبوة فمن الخطأ أن يُقال: إن إدريس ﵇ أول من نُبئ؛ لأن هذا قد يُفهم منه بادي الرأي أن آدم عليه الصلاة السلام ليس بنبي، والمعلوم شرعاً والمقرر في الحديث أن النبي ﵊ سُئل عن آدم أنبيٌ هو؟ قال: (نعم، نبيٌ مُكلم)، فآدم نبي، فالقول أن إدريس أول من نُبئ غير صحيح، إلا أن يكون المقصود أول من نُبئ بعد آدم ﵇، أما أن يُقال: إنه أول من خط بالقلم فلا سبيل إلى إثباته.
стр. 9
ذكر قريش
ذكر المصنف أن قريشاً هو ابن فهر، والصواب: أنه هو فهر نفسه، وقريش لقبٌ لـ فهر، واختلفوا لماذا سُمي قريشاً؟ والأظهر أنه كان قادراً على أن يجمع الناس، كان ذا سلطان على هذا فسُمي قريشاً، فـ قريش لقبٌ لـ فهر وليس هو ابن فهر على الصحيح من أقوال العلماء، هذا ما يتعلق بالنسب الشريف.
стр. 10
أمه ﷺ وولادته
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أمه ﷺ وولادته.
أمه ﷺ : وأم رسول الله ﷺ آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب.
ولادته ﷺ : وولد رسول الله ﷺ بمكة عام الفيل في شهر ربيع الأول لليلتين خلتا منه، يوم الإثنين، وقال بعضهم: بعد الفيل بثلاثين عاماً، وقال بعضهم: بأربعين عاماً، والصحيح: أنه ولد عام الفيل].
ذكر المصنف هنا أن أم النبي ﷺ هي آمنة، ولم يقل: أبوه هو فلان؛ لأنه ورد ذكره في النسب الأول، وأفرد الأم لأنه لم يرد ذكرها في النسب الأول.
أمه هي: آمنة بنت وهب أم نبينا ﷺ ، وهي من بني زهرة، وبنو زهرة بطنٌ من بطون قريش، فتجتمع مع النبي ﷺ في جده كلاب، وهذه آمنة تزوجها أبو النبي ﵊ عبد الله، فلما تزوجها حملت منه بسيد الخلق ﷺ .
ولحكمة أرادها الله مات الأبوان قبل أن ينشأ ﷺ النشأة التي يمكن أن نقول: إنه بلغ سن التمييز، فأظهر أقوال العلماء: أن أباه مات وهو حملٌ ﵊، كان له أخوالٌ من بني النجار في مدينة النبي ﷺ ، فذهب عبد الله لتجارة فمات في المدينة، ودُفن في دار النابغة الجعدي، وهو أحد شعراء الجاهلية وأدرك الإسلام وأسلم وحسن إسلامه.
وقد ذكر المصنف الاختلاف في زمان ولادة النبي ﷺ ، ويجب أن تعلم أن المُتفق عليه: أنه ولد يوم الإثنين في شهر ربيعٍ الأول، ودائماً الإنسان في طلب العلم يأخذ ما اتفق عليه أولاً، وما اختلف عليه يبدأ به بعد ذلك، فلا بد في المسيرة العلمية من شيءٍ قوي تركن إليه، ثم تُخرج الأضعف فالأضعف، فالثابت أنه ﷺ ولد في يوم الإثنين فإنه كان يصومه وسئل عن ذلك فقال: (هو يومٌ وُلدت فيه)، فقطعاً أنه ولد يوم الإثنين، ولا أعلم أن هناك خلافاً في أنه وُلد في يوم الإثنين.
الأمر الثاني المُتفق عليه: أنه وُلد في شهر ربيعٍ الأول، والخلاف هو في أي يومٍ من شهر ربيعٍ الأول ولد، والذي عليه عامّة الناس في عصرنا أنه يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وهو ما ذكره المصنف، والأظهر -والله أعلم- ما دلت عليه الدراسات المعاصرة، وهو أنه ولد يوم الإثنين التاسع من شهر ربيعٍ الأول، لأن الفلكيين كالعلامة محمود باشا والمنصور فوري وغيرهما ذكروا أنه لا يمكن فلكياً أن يكون يوم الإثنين في العام الذي وُلد فيه النبي ﷺ يوم الثاني عشر، وإنما هو يوم الإثنين التاسع من شهر ربيعٍ الأول الموافق في السنة الميلادية الثاني والعشرين من شهر إبريل لعام خمسائة وواحد وسبعين من ميلاد المسيح ﵊.
لكننا كطلبة علم لا يعنينا هذا، ودائماً الإنسان لا يتعلق كثيراً بما لا طائل من ورائه، إنما الذي يعنينا أنه وُلد يوم الإثنين لأنه صامه ﷺ ، لكن هذا من الناحية التاريخية، ولو فرضنا أن القول الذي رجحناه أنه ولد في اليوم التاسع خطأ فهذا لا يُغير من الموضوع شيء، قد يكون ولد يوم الإثنين التاسع من شهر ربيع الأول كما قال الفلكيون وهو الذي نعتمده وهو الأظهر، وقد يكون قبله أو بعده، لكنه قطعاً يوم الإثنين من شهر ربيعٍ الأول.
وُلد في عام الفيل، وقد جرت العادة عند العرب قديماً وعند الأمم كلها أنهم يؤرخون بالحدث العظيم، فالنصارى كانوا يؤرخون بميلاد المسيح، فلما كانت العرب أمة لا احتكاك لها مع الأمم الأخرى أرخوا بحادثة الفيل، والفيل قصته شهيرة وهي أن أبرهة نائب النجاشي على اليمن قدم إلى مكة يريد هدم البيت في القصة المعروفة، حتى وصل إلى وادي محسر ما بين مزدلفة ومنى، وهناك أناخ الفيل وبرك ورفض التوجه إلى الكعبة كما هو معلومٌ، وحيثما وُجِّه توجه إلا إذا ذُهِبَ به إلى مكة، فأرسل جلّ وعلا عليهم طيراً أبابيل، ففي هذا العام لعظيم الحادثة التي وقعت فيه أرخ العرب آنذاك بعام الفيل؛ لأنه أصبح أمراً مُميزاً، ولعل هذا وقع لحدوث شيءٍ عظيم وهو مولده صلوات الله وسلامه عليه.
والمقصود أنه وُلد ﵊ في عام الفيل، أما القول: أنه بعد الفيل بثلاثين عاماً أو أربعين عاماً فهذا خلاف الصحيح، وهي أقوالٌ -وإن كانت موجودة- مردودة، تردها أكثر الروايات التي تدل على أنه ﷺ وُلد في عام الفيل.
стр. 11
وفاة أبوي الرسول وجده
الملقي: [وفاة والد رسول الله ﷺ ، وأمه، وجده: ومات أبوه عبد الله بن عبد المطلب ورسول الله ﷺ قد أتى له ثمانية وعشرون شهراً.
وقال بعضهم: مات أبوه وهو ابن سبعة أشهر.
وقال بعضهم: مات أبوه في دار النابغة وهو حمل.
وقيل: مات بالأبواء بين مكة والمدينة.
وقال أبو عبد الله الزبير بن بكار الزبيري: توفي عبد الله بن عبد المطلب بالمدينة ورسول الله ﷺ ابن شهرين.
وماتت أمه وهو ابن أربع سنين.
ومات جده عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين.
وقيل: ماتت أمه وهو ابن ست سنين.
الشيخ: هنا ذكر المصنف يُتمه ﷺ مع الخلاف في زمن اليتم، فقيل: إنه وهو حمل، وقيل غير ذلك كما هو مذكور عندك، والأظهر أنه ﷺ أكثر الروايات على أنه مات أبوه وهو حملٌ في بطن أمه، وقد يكون مات أبوه بعد ولادته، هذه الروايات كلها موجودة والأظهر كما قلت الرواية الأولى: أنه وهو حملٌ صلوات الله وسلامه عليه، وقلنا أن أباه عبد الله مات في المدينة.
أما القول: بأنه مات في الأبواء بين مكة والمدينة كما هو مكتوب فهذا خلاف الصحيح، والصحيح: أن أمه ماتت بالأبواء وقبرها موجود هناك، أن أمه ماتت بالأبواء بعد أن مرضت بالمدينة ماتت بالأبواء صلوات الله وسلامه عليه، ثم بعد دفنه كفلته أمه مدة أربع سنوات وماتت بعد ذلك، ثم كفله جده عبد المطلب إلى ست أو ثمان، ثم كفله عمه أبو طالب.
الذي يعنينا في هذا المقام في فقه السيرة أن يُفهم أن الله جلّ وعلا لحكمةٍ أرادها أن يعيش نبيه ﷺ يتيماً حتى تكتمل عليه منة الله، والله إذا أراد أن يمن على عبدٍ من عباده بشيء جنبه الناس، فإبراهيم ﵊ قدم جسده قبرناً قدم ولده للقربان، وقدم جسده للنيران، وقدم قلبه للرحمن، فلما هم قومه بأن يلقوه في النار قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، وكان إبراهيم ﵊ أعبد أهل زمانه، بل أعبد الناس على الإطلاق بعد نبينا ﷺ ، وكان ملك القطر يعلم أن الله لن يُخزي إبراهيم فيحرقه بالنار، وأن الله سينصر إبراهيم لا محالة، ولكن يعلم أن النار لا يطفئها إلا الماء فغلب على ظنه أن الله جلّ وعلا سيأمره أن ينزل الماء القطر على النار حتى يطفئها فيسلم إبراهيم، فجعل ميكال يطأطأ رأسه ينتظر متى يؤمر أن ينزل القطر، ولكن الله جلّ وعلا إكراماً لإبراهيم خاطب النار بذاته العلية بقوله: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]، فخرج منها صلوات الله وسلامه عليه بعد أن جعلها الله برداً وسلاماً خرج منها معافاً يمشي على قدميه والناس ينظرون.
ما لا يفقهه الناس هو أنه خرج وليس لأحدٍ من أهل الأرض عليه منة صلوات الله وسلامه عليه إلا منة الله، وهذه منزلة لا ينالها الإنسان إلا إذا بلغ درجة عظيمة في العبودية، فإن الإنسان إذا تحرر قلبه من غير الله كان أقرب إلى الله، وكلما تعلق قلبه بأحدٍ غير الله كان أبعد من الله جلّ وعلا، ومن أراد الله يرزقه الفلاح الحق الكامل لم يجعل في قلبه أحد غير ربه ﵎، يحب بحبه، ويُبغض ببغضه، ويوالي بموالاته، فإذا بقي هذا القلب لا يعرف إلا الله جلّ وعلا في سرائه وضرائه وليله ونهاره وإقامته وسفره كانت رعاية الله جلّ وعلا به أعظم وعنايته به أكمل ﵎، وهذا هو المقصود الأسمى من كونه ﷺ نشأ يتيماً لم يرعاه أب حتى إذا بلغ النبوة نسب الناس نبوته إلى أبيه، ولم ترعاه أمه حتى إذا بلغ المجد نسب الناس رعايته وتربيته إلى أمه، قال الله جلّ وعلا مُمتناً عليه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨].
ذكرت باليتم في القرآن تكرمة وقيمة اللؤلؤ المكنون في اليتم الله قسم بين الخلق رزقهم وأنت خُيِّرتَ في الأرزاق والقسم إن قلت في الأمر لا أو قلت فيه نعم فخِيرةُ الله في لا منك أو نعم يا أفصح الناطقين الضاد قاطبة حديثك الشهد عند الذائق الفهم جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بحكيم غير منصرم آياته كلما طال المدى جددٌ يزينهن جلال العتق والقدم أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم صلوات الله وسلامه عليه.
الملقي: رضاعه ﷺ : وأرضعته ﷺ ثويبة جارية أبي لهب، وأرضعت معه حمزة بن عبد المطلب، وأبا سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، أرضعتهم بلبن ابنها مسروح.
وأرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية.
الشيخ: بعد أن ذكر: أنه ﷺ نشأ يتيماً وبينا الحكمة في كونه ﷺ نشأ يتيماً ذكر المصنف ﵀ من نلنا شرف رضاعته صلوات الله وسلامه عليه، ممن أرضعنه بلا شك أمه آمنة، وممن أرضعنه ثويبة جارية كانت لعمه أبي لهب، ولم يكن بالطبع أبو لهب يعلم أن هذا سيكون نبياً رسولا وأنه سيعاديه، ولكن جاريته ثويبة أرضعت النبي ﷺ ، وممن أرضعنه وهي أكثر من أرضعته حليمة السعدية المشهورة، خرجت به إلى بادية بني سعد في قصة نُقلت عنها، أنها جاءت إلى مكة وأخذته صلوات الله وسلامه عليه إلى بادية بني سعد، فتغير حالها وحال قومها مما هو مذكورٌ مشهور في كتب السيرة، أنا قلت: أنه في منهجنا في التدريس أن ما كان مشهوراً لا نُعرج عليه، وإنما نُعرج على ما كان مخفياً يحتاج الناس إلى بيانه، هؤلاء الثلاثة هن اللاتي أرضعنه صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من لطف ربه به ﵊.
стр. 12
سلسلة السيرة النبوية [أعمامه وعماته وأزواجه ﷺ ]
ذكر علماء السيرة أعمام النبي ﵊ وعماته، وذكروا من أدركه الإسلام منهم ومن مات قبل بعثته، وذكروا من أسلم منهم ومن كفر.
وذكر العلماء أزواج النبي ﵊، ووقت زواجه بهن، وذكروا أخبارهن، وأرخوا تاريخ وفاتهن، وكل هذا ما تناقله العلماء خلفاً عن سلف، وهذا دليل على كمال محبتهم للنبي ﷺ حيث ذكروا كل ما يتعلق به من صغير وكبير، ومن قليل وكثير.
стр. 13
أعمامه ﷺ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره وتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
اليوم إن شاء الله تعالى سنشرع في التعليق على ما جاء في ذكر أعمامه وعماته وأزواجه صلوات الله وسلامه عليه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل في أعمامه وعماته.
وكان له ﷺ من العمومة أحد عشر؛ منهم: الحارث: وهو أكبر ولد عبد المطلب، وبه كان يكنى، ومن ولده وولد ولده جماعة لهم صحبة النبي ﷺ .
وقثم: هلك صغيرًا، وهو أخو الحارث لأمه.
والزبير بن عبد المطلب: وكان من أشراف قريش، وابنه عبد الله بن الزبير شهد مع رسول الله ﷺ حنينًا، وثبت يومئذ، واستُشهد بأجنادين، ورُوي أنه وجد إلى جنب سبعة قد قتلهم وقتلوه، وضباعة بنت الزبير، لها صحبة، وأم الحكم بنت الزبير، روت عن النبي ﷺ .
وحمزة بن عبد المطلب: أسد الله وأسد رسوله، وأخوه من الرضاعة، أسلم قديمًا وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، وقُتل يوم أحد شهيدًا، ولم يكن له إلا ابنة.
وأبو الفضل العباس بن عبد المطلب: أسلم وحسن إسلامه، وهاجر إلى المدينة، وكان أكبر من النبي ﷺ بثلاث سنين، وكان له عشرة من الذكور: الفضل، وعبد الله، وقثم له صحبة، ومات سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان بن عفان بالمدينة.
ولم يسلم من أعمام النبي ﷺ إلا العباس وحمزة.
وأبو طالب بن عبد المطلب: واسمه عبد مناف، وهو أخو عبد الله أبي رسول الله ﷺ لأمه، وعاتكة صاحبة الرؤيا في بدر، وأمهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وله من الولد طالب مات كافرًا وعقيل، وجعفر، وعلي، وأم هانئ لهم صحبة، واسم أم هانئ فاختة وقيل: هند؛ وجمانة ذكرت في أولاده أيضًا.
وأبو لهب بن عبد المطلب: واسمه عبد العزى، كناه أبوه بذلك لحسن وجهه، ومن ولده عتبة ومعتب، ثبتا مع النبي ﷺ يوم حنين، ودرة لهم صحبة، وعتيبة قتلة الأسد بالزرقاء من أرض الشام على كفره بدعوة النبي ﷺ .
وعبد الكعبة، وحجْلٌ واسمه المغيرة، وضرار أخو العباس لأمه، والغيداق، وإنما سمي الغيداق لأنه أجود قريش، وأكثرهم طعامًا].
الشيخ: العم أصل وارث، وعبد المطلب هو جد النبي ﷺ ، ولم يكن له في أول الأمر إلا ابن واحد، ثم إنه اشتد عليه بعض الخلاف مع زعماء قريش، فنذر إن رزقه الله أولاداً يمنعونه أن يذبح أحدهم، فرزقه الله عشرة بنين، فأراد أن يذبح ابنه عبد الله، ثم فدى عبد الله بمائة من الإبل، وهؤلاء المذكورون كلهم إخوة لـ عبد الله والد النبي ﷺ ، فهم أعمام النبي ﵊.
ويحسن بطالب العلم أن يربط بين حياة الأنبياء ويفقه السنن التي يبعث الله جل وعلا من أجلها الرسل، فلوط ﵊ كان ابن أخ لإبراهيم ﵇، فلما هاجر لوط ونزل أرض سدوم في جهة البحر الميت اليوم، وجاءته الملائكة بصورة وجوه حسان تامي الخلقة، فتن بهم قوم لوط ودخلوا عليه وراودوه عن ضيفه كما قال الله: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠]، فكان يتمنى أن يكون له قوم ينصرونه على هؤلاء؛ لأنه لو كان منيعاً لما تجرأ هؤلاء عليه، قال ﷺ كما في البخاري وغيره: (فما بعث الله بعده من نبي إلا في منعة من قومه) فكان للنبي ﷺ أعمام، وبنو هاشم كان لهم صيت عند القرشيين، وهذا كله من أجل حفظ نبينا ﷺ ، والمسلم قد يستفيد حتى من الكافر، فبنو هاشم مؤمنهم وكافرهم كانوا عصبة للنبي ﵊، وكلهم جميعاً دخلوا معه الشعب المؤمن منهم والكافر، وقبلوا الحصار لأنهم يشعرون بالأنفة والحمية لمن يحمونه ولو كانوا يخالفونه.
والشاهد من هذا أن النبي ﵊ كان له أعمام كثيرون، وطالب العلم ليس ملزماً بحفظهم، لكن أنت ملزم بالتصور الكامل للمتن، أن تعلم أن أعمام النبي ﷺ يمكن تقسيمهم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: من لم يدرك نبوته ﷺ ومبعثه، فيكون مات على دين آبائه فهو من أهل الفترة، يجري عليه ما يجري على أهل الفترة؛ لأنه ما أدرك بعثة النبي ﷺ ، هذا القسم الأول.
القسم الثاني: من أدرك مبعث النبي ﷺ ولم يؤمن، وهذا القسم يضم اثنين شهيرين هما: أبو طالب وأبو لهب، فكلاهما أدرك البعثة النبوية ولم يؤمن، إلا أن هذا القسم الثاني ينقسم إلى قسمين: قسم لم يؤمن وناصر النبي ﷺ وهو أبو طالب، وقسم لم يؤمن وعادى النبي ﵊ ولم ينصره وهو أبو لهب.
وسمي أبو لهب بهذا لجمال خديه ونورهما، وإلا فاسمه الحقيقي عبد العزى، وأبو لهب كنيته، وفيه نزل قول الله جل وعلا: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:١ - ٢] وهذه الآية من أعظم الأدلة على أنه لا يمكن لأحد أن يخرج عن مشيئة الله، فالنبي ﵊ كان يقول: هذا القرآن من عند الله، وقريش ومن ضمنها أبو لهب يقولون: هذا القرآن ليس من عند الله، فلما قال أبو لهب لنبينا ﵊: تباً لك سائر هذا اليوم! ألهذا جمعتنا؟! أنزل الله على نبينا هذه السورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:١ - ٣]، ومعلوم أن النار لا يصلاها المؤمن، بل يصلاها الكافر، فهو يقول للناس وأبو لهب يسمع: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣] وكان بإمكان أبي لهب أن يقول للناس: محمد يقول: إنني في النار، وأنا الآن مؤمن بمحمد! وهو يقول لكم: إن المؤمن لا يدخل النار، فأنا أريد أن أبطل قرآن محمد فأقول لكم الآن: أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فكيف أدخل النار؟! إذاً محمد كذاب! مع سهولة هذه الحيلة لم يستطع أن يقولها، لكن الله جل وعلا يعلم يقيناً أنه لن يقولها، ولذلك قال الله: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣]، وأنا لا أريد أن أخرج من السيرة إلى التفسير، ولكن من أراد أن يخشع في القرآن فليتدبر القرآن، ففي القرآن كنوز ليس هذا وقت إخراجها، ومن رزق قدرة على التفسير سيرى شيئاً عجباً من دلائل قدرة الله، والمقصود أن أبا لهب لم يؤمن بالنبي ﷺ وعاداه.
القسم الثالث: من أدرك بعثة النبي ﷺ وآمن، وهذا يشمل اثنين فقط ﵄ وأرضاهما وهما العباس وحمزة ابنا عبد المطلب عما الرسول ﷺ ، لكن حمزة تقدم إسلامه، والعباس تأخر إسلامه، وحمزة لم يترك إلا ابنة، وهو أسد الله وأسد رسوله ﷺ ، وهو سيد الشهداء كما صح الخبر عن رسول الله ﷺ ، وقاتل قتالاً عظيماً يوم بدر ويوم أحد، فأراد أحد المشركين ممن وتر في بدر أن يقتله فقال لـ وحشي ووهو عبد ليس له ناقة ولا جمل في دين قريش: تشتري حريتك بأن تقتل حمزة؛ فأعد حربة ومكث في يوم أحد لا يريد أن تنتصر قريش ولا أن ينتصر محمد ﷺ ، المهم عنده أن يفوز بحريته، فاتخذ الحربة وتربص لـ حمزة ثم رماه بها فقتله، ثم جاءت هند قبل إسلامها فقطعت بعضاً من جسده ﵁ وأرضاه، وأخذت كبده ولاكتها في فمها، وحصل ما حصل له من التمثيل ﵁ وأرضاه.
فـ وحشي اشترى حريته بقتل حمزة، ثم مضت الأيام ومرت السنون وكل بشيء بقدر (وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يبقى بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)، فأسلم وحشي، فلما أسلم وحشي قص على النبي ﵊ كيف قتل حمزة، فقال له ﵊: (غرب وجهك عني) أي لا أستطيع أن أراك، ولم يرد إسلامه؛ لأن هذا دين، وليس للنبي ﵊ أن يتحكم فيه، لكن العاطفة مع العم هذا أمر متروك له فهو شيء بشري، فلم يستطع عليه الصلاة وا
стр. 14
عماته ﷺ
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعماتُه ﷺ ست: صفية بنت عبد المطلب: أسلمت وهاجرت، وهي أم الزبير بن العوام، توفيت بالمدينة في خلافة عمر بن الخطاب، وهي أخت حمزة لأمه.
وعاتكة بنت عبد المطلب: قيل: إنها أسلمت، وهي صاحبة الرؤيا في بدر، وكانت عند أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ولدت له عبد الله، أسلم وله صحبة، وزهيرًا، وقريبة الكبرى.
وأروى بنت عبد المطلب: كانت عند عمير بن وهب بن عبد الدار بن قصي، فولدت له طليب بن عُمير، وكان من المهاجرين الأولين، شهد بدرًا وقُتِل بأجنادين شهيدًا، ليس له عقب.
وأميمة بنت عبد المطلب: كانت عند جحش بن رئاب، ولدت له عبد الله المقتول بأحد شهيدًا، وأبا أحمد الأعمى الشاعر واسمه عبد، وزينب زوج النبي ﷺ ، وحبيبة، وحمنة، كلهم لهم صحبة، وعبيد الله بن جحش أسلم ثم تنصر، ومات بالحبشة كافرًا.
وبرة بنت عبد المطلب: كانت عند عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فولدت له أبا سلمة، واسمه عبد الله، وكان زوج أم سلمة قبل النبي ﷺ ، وتزوجها بعد عبد الأسد أبو رهم بن عبد العزى بن أبي قيس فولدت له أبا عبرة بن أبي رهم.
وأم حكيم: وهي البيضاء بنت عبد المطلب، كانت عند كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف فولدت له أروى بنت كريز، وهي أم عثمان بن عفان ﵁].
بعد أن ذكر المصنف أعمام النبي ﷺ ذكر ﵀ عمّات النبي ﵊، وكما قلنا في الأعمام نقول في العمّات، فالذي يلزم طالب العلم المعرفة الإجمالية، ولم يثبت من الست أنها أسلمت إلا صفية، وهي أم الزبير بن العوام والأخت الشقيقة لـ حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه وأرضاه؛ وأما عاتكة وأروى فاختلف في إسلامهما، وأروى بعض العلماء يُصحح إسلامها، أما عاتكة فقليلٌ من قال بإسلامها، وقد قال المصنف: إن عاتكة هي صاحبة رؤيا بدر، والمقصود برؤيا بدر أن عاتكة قبل موقعة بدر رأت في منامها رجلاً يأتي على مكة ويقول: يا آل بدر هلم إلى مصرعكم، ثم إن صخرةً جاءت فانفلقت فخرجت منها شظايا فلم تترك بيتًا في مكة إلا أصابته، فلمّا شاع الخبر في قريش جاء أبو جهل إلى العباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه وقال: يا بني عبد المطلب! أما يكفيكم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم؟! لقول عاتكة أنها رأت كذا وكذا، ثم تحققت هذه الرؤيا، وصدّق الله رؤياها، ووقع ما وقع في بدرٍ، ولم تترك غزوة بدر أحدًا من قريش إلا قليلاً إلا أصابته بسوء، وناله من كربها.
стр. 15
أزواجه ﵊
стр. 16
أم المؤمنين خديجة ﵂
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر أزواجه عليه وعليهن الصلاة والسلام.
وأول من تزوج رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، تزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وبقيت معه حتى بعثه الله ، فكانت له وزير صدق، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين، وهذا أصح الأقوال، وقيل: قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل: بأربع سنين].
هذه أولى أمهات المؤمنين، وهي خديجة بنت خُويلد، ولها مزايا، منها أن الله جلّ وعلا أبلغها السلام عن طريق جبريل، وأن النبي ﷺ لم يتزوج امرأة عليها في حياتها، وأنها رضي الله تعالى عنها وأرضاها رزق الله نبينا منها الولد، ورزق الله جلّ وعلا نبينا حبها، وكان ﵊ يحبها حبًّا جمًّا، تقول عائشة: (ما غرت من أحد من النساء ما غرت على خديجة، وقد كان النبي ﷺ يذبح الشاة ثم يبعث بها إلى صديقات خديجة) من كانت لها علاقة أو قرابة أو معرفة بـ خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد ورد أن عائشة قالت للنبي ﵊: وهل كانت إلا عجوزًا في غابر الأزمان أبدلك الله خيرًا منها (تقصد نفسها)، فقال: (والله ما أبدلني الله خيرًا منها، لقد آمنت بي إذ كفر بيَ الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، وصدقتني إذ كذّبني الناس، ورزقني الله منها الولد)، وهي إحدى سيدات نساء العالمين كما صحّت بذلك الأخبار وجاءت بذلك الآثار، وهي كما يظهر أعظم أمهات المؤمنين قدرًا، رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
стр. 17
أم المؤمنين سودة بنت زمعة ﵂
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم تزوج سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد وُدِّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤي بعد خديجة بمكة قبل الهجرة، وكانت قبله عند السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو، وكبرت عنده وأراد طلاقها فوهبت يومها لـ عائشة فأمسكها].
ثاني أمهات المؤمنين سودة بنت زمعة، وقد كانت ﵂ وأرضاها بدينة ثقيلة الحركة، ولذلك رخّص لها النبي ﷺ أن تنزل في يوم مزدلفة قبل الناس، وكذلك من كان في وضعها، أذن لها أن تخرج من مُزدلفة بعد مُنتصف الليل كما هو معروف في كتب الفقهاء، وأذن لها أن تأتي منًى قبله، لأنها كانت امرأة ثبطة، ثم إنها في آخر أيامها خشيت أن يطلقها النبي ﷺ وأرادت أن تكون زوجته في الجنة فاتفقت معه أن تمنح ليلتها لـ عائشة رضي الله وأرضاها، فاجتمع عند النبي ﵊ تسع من النساء، وكان يقسم لثمان؛ لأن سودة تنازلت عن ليلتها لـ عائشة ﵂ وأرضاها.
стр. 18
أم المؤمنين عائشة ﵂
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتزوج رسول الله ﷺ عائشة بنت أبي بكر الصديق بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث سنين، وهي بنت ست سنين، وقيل: سبع سنين، والأول أصح، وبنى بها بعد الهجرة بالمدينة وهي بنت تسع سنين على رأس سبعة أشهر، وقيل: على رأس ثمانية عشر شهرًا.
ومات النبي ﷺ وهي بنت ثمان عشرة، وتوفيت بالمدينة، ودفنت بالبقيع، أوصت بذلك سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة سبعٍ وخمسين، والأول أصح، وصلى عليها أبو هريرة، ولم يتزوج رسول الله ﷺ بكراً غيرها، وكُنيتها أم عبد الله، وروي أنها أسقطت من النبي ﷺ سقطًا، ولم يثبت].
هذه هي الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله ﷺ ، وهي أمنا أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر، ولها خصائص منها: أن النبي ﷺ لم يتزوج بكرًا غيرها، وأن الوحي لم ينزل عليه ﵊ في لحاف امرأة غير عائشة.
وقد شاع عنها حديث الإفك المعروف، وأصله أن النبي ﵊ انصرف من بني المصطلق، ولما أناخ الجيش مطاياه، خرجت تلتمس عقدًا لها فقدته كانت أمها أم رومان قد أهدته لها، فلما ذهبت تلتمسه مضى الجيش، فجاء الموكلون بحمل هودجها وكانت امرأة آنذاك سنها تقريبًا في الرابعة عشر؛ لأن غزوة بني المصطلق كانت في نحو السنة الخامسة، والنبي ﷺ تُوفي في الحادية عشرة ولها ثمانية عشر عامًا، فينجم عن هذا أن عمرها في حادثة الإفك في الرابعة عشر تقريبًا، فكانت امرأة خفيفة البدن غير مكتنزة اللحم، بل إنها كانت قبل أن يتزوجها النبي ﷺ نحيلةً جدًا، فأشار النبي ﵊ على أبويها أبي بكر وأم رومان أن يُطعماها القثاء بالرطب حتى يمتلئ بدنها يسيرًا، ودخل عليها النبي ﷺ بالمدينة في شهر شوال.
والمقصود أن الذين يحملون الهودج حملوه ولم يخطر ببالهم أبدًا أن أم المؤمنين ليست موجودةً فيه، فحملوا الهودج وذهبوا، فلما ذهبوا جاءت ﵂ فأرضاها ولم يكن في ظنها أن تحدث أمور عظام على تأخرها هذا، وظنت أن الجيش سيفقدها على بعد قليل ثم يعودوا إليها، فأناخت تحت شجرة وتقنعت ﵂ وأرضاها، وكان قد تأخر عن الجيش صفوان بن مُعطل السُلمي، فلما جاء صفوان ورآها عرفها، فلما عرفها رزقه الله وألهمه أن يقول ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]، والإنسان إذا ابتلي عليه أن يوطن نفسه على كثرة قول هذه الكلمة: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]، فـ صفوان كأنه علم أن هذا الأمر لن يتم بسهولة ولن يتركه المنافقون يمضي فقال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]، ثم أناخ بعيره عندها وتنحى فركبت على البعير ﵂ وأرضاها، وقاد صفوان الرجل الطاهر البعير دون أن يكلمها بكلمةٍ واحدة، فلما أشرف على الجيش رآه المنافقون، فقام عبد الله بن أبي فقال للناس: امرأة نبيكم مع رجل غيره، والله ما سلمت منه ولا سلم منها! (عياذًا بالله)، فألاك الناس الخبر وهي لا تدري، والله يقول: ﴿الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور:٢٣]، يعني لا يعلمن ما يُدار ويُحاك حولهن، فلما رجعت إلى بيتها ﵂ وأرضاها وجدت تغيُّرًا من النبي ﷺ رغم وجعها، لكنه لم يخطر ببالها أن يكون هذا الأمر، حتى إن أمها أم رومان لم تكن تعلم؛ ثم إنها خرجت مع أم مسطح لتقضي حاجتها، ولم يكن الناس قد اتخذوا الكُنُف آنذاك، فعثُرت أم مسطح فقالت: تعس مسطح! فسكتت عائشة، ثم عثرت مرة ثانية فقالت: تعس مسطح! تسب ابنها، فتعجبت عائشة، هي تريد أن تفتح الموضوع معها، فقالت لها: عجباً لك! رجلاً شهد بدرًا تسبينه؟! فذكرت لها القصة، فتعجبت وقالت: أو خاض الناس في هذا؟! ورجعت إلى البيت تبكي، ثم استأذنت النبي ﷺ أن تُمرض عند أمها أم رومان فوافق ﵊.
فكان أبو بكر ﵁ يجلس على سقف البيت وهو الصديق الأكبر وأول الناس إسلاماً وخير العباد بعد النبيين والمرسلين ﵁ وأرضاه، لكن المؤمن مُبتلى، يجلس على سطح البيت يقرأ القرآن، وهو يسمع بكاء ابنته تحته، فلا يملك إلا أن يذرف دمعه ويقول: والله إنه لأمر ما فعلناه لا في جاهلية ولا في إسلام، يعني الزنا والخوض في الفواحش أمر لا نعرفه لا في جاهلية ولا في الإسلام، ثم لا يلبث أن يقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]، ويستحيي أن يُكلم النبي ﷺ في الموضوع، ويصبر على ما يجد.
وحدثت أمور بعد ذلك منها اختصام الأوس والخزرج لما خطب النبي ﷺ فيهم، ثم بعد شهر تقريباً والنبي ﵊ لا يأتيه وحي حتى يعلم الناس أن النبي لا يأتي بقرآن من عنده، ولو كان القرآن من عنده لكان قاله سريعاً حتى يُبرئ زوجته، لكنه سكت لأن الله سكت، ومضى شهراً ﵊ والناس يخوضون في عرض أم المؤمنين ﵂ وأرضاها، ثم بعد شهر دخل عليها ﷺ وهي في بيت أبويها وأم رومان وأبو بكر عندها وهي تبكي، فقال لها: (يا عائشة! إن كنت قد فعلتِ فاستغفري الله)، وأخذ يعرض عليها الأمر، فقالت ﵂ وأرضاها: والله إن قلت أنني بريئة لن تصدقوني، ولكني أقول كما قال العبد الصالح -نسيت اسم يعقوب على شهرته-: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] ثم إن النبي ﵊ نزل عليه الوحي، وكان إذا نزل عليه الوحي تصبب منه العرق ولو كان في يوم شات، فنزل عليه الوحي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١] إلى آخر الآيات في سورة النور فقال رسول الله ﵊: (يا عائشة! أبشري فقد برأك الله)، فقالت لها أمها: قومي إلى رسول الله فاحمديه، فرفضت أن تقوم تدللاً على رسول الله ﷺ وإظهارًا لمكانتها، وقالت: لا أحمد إلا الله، فنجاها الله جلّ وعلا من حادثة الإفك، وبرأها الله ﵎ من فوق سبع سماوات، وبرأ صفوان بن المعطل، وقال جلّ وعلا فيما قاله: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور:٢٦]، ولم يقل جلّ وعلا -وهو أعلم-: أولئك مبرءون مما قالوا، بل قالها بصيغة المضارع ولم يقلها بصيغة الماضي مما يدل على أنه سيبقى من الناس من يخوض في عرض هذه الطاهرة التي برأها الله جلّ وعلا من فوق سبع سماوات، وهو ما هو حاصلٌ من بعض الفرق.
الذي يعنينا براءة أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد مات النبي ﷺ وهو مُسنِدٌ رأسه الشريف إلى صدرها ونحرها ﵂ وأرضاها، وجمع الله بين ريقه وريقها حيث أعطته المسواك قبل أن يموت صلوات الله وسلامه عليه، ومات في بيتها ودُفن في حجرتها ﵂ وأرضاها وعن جميع أمهات المؤمنين.
стр. 19
أم المؤمنين حفصة بنت عمر ﵂
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتزوج رسول الله ﷺ : حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄، وكانت قبله عند خُنَيس بن حذافة، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ ، توفي بالمدينة، وقد شهد بدرًا.
ويروى أن النبي ﷺ طلقها، فأتاه جبريل ﵇ فقال: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة.
وروى عقبة بن عامر الجهني قال: طلق رسول الله ﷺ حفصة بنت عمر، فبلغ ذلك عمر فحثا على رأسه التراب، وقال: ما يعبأ الله بـ عمر وابنته بعد هذا، فنزل جبريل من الغد على النبي ﷺ وقال: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة ل عمر، توفيت سنة سبع وعشرين، وقيل: سنة ثمان وعشرين عام أفريقية].
يعني عام فتح أفريقية، وحفصة هي بنت عمر بن الخطاب ﵁ كما أن عائشة بنت الصديق، فـ عائشة وحفصة يتفقان في أنهما ابنتا وزيري رسول الله ﷺ ، وحفصة ﵂ وأرضاها تزوجها النبي ﷺ بعد وفاة زوجها، وكان أبوها عمر قد عرضها على عثمان فأخبره أنه لا حاجة له في النساء، ثم عرضها على أبي بكر فسكت، فوجد عمر في نفسه شيئاً على أبي بكر، فلما خطب النبي ﵊ حفصة أفصح أبو بكر عن السبب الذي جعله يمتنع أن يقبل حفصة عندما عرضها عليه عمر وقال: إني سمعت النبي ﷺ يذكرها.
стр. 20
أم المؤمنين أم حبيبة ﵂
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتزوج رسول الله ﷺ : أم حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها: رَمْلَةُ بنت صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة، فتنصر بالحبشة، وأتم الله لها الإسلام، وتزوجها رسول الله ﷺ وهي بأرض الحبشة، وأصدقها عنه النجاشي بأربعمائة دينار، بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري فيها إلى أرض الحبشة، وولي نكاحها عثمان بن عفان، وقيل: خالد بن سعيد بن العاصي، توفيت سنة أربع وأربعين].
هذه أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكما كانت عائشة وحفصة بنت وزيريه فإن أم حبيبة تزوجها رسول الله وهي بنت عدوه أبي سفيان قبل أن يسلم أبو سفيان.
وكان عبيد الله بن جحش خرج من مكة مُسلمًا إلى الحبشة فاراً بدينه، وهناك في الحبشة تنصر ومات على الكفر! فالقلوب بيد الرحمن جلّ وعلا، ومن أسباب سوء الخاتمة الخوض في أعراض الناس، أعظم أسباب سوء الخاتمة الخوض في أعراض الناس، كان أحد الصالحين محبوباً من طلابه، وهذه القصة ذكرها الذهبي في الأعلام، وذكرها ابن خلكان، فكان رجل يحسده على هذه المنزلة من طلابه، فكان إذا جاء الشيخ يحدِّث يقوم هذا ويُشغِّب عليه في الحلقة، مع أنه حافظٌ للقرآن حسن الصوت به، فمرة أغضب الشيخ فقال الشيخ: اجلس فوالله إني لأخشى أن تموت على غير ملة الإسلام, ثم قدِّر لهذا الرجل الذي شغَّب على الشيخ أنه زار بغداد رجلٌ من سفراء النصارى من القسطنطينية، فلما أراد الرجوع أحب هذا الذي يحفظ القرآن الندي الصوت به أن يرى بلاد الروم، فذهب معه إلى القسطنطينية، فلما ذهب معه إلى القسطنطينية أعجبه عالمهم وترك الإسلام وبقي على النصرانية، ثم إن أحد تجار المسلمين دخل القسطنطينية فرآه وعرفه، وكان يعرف جمال صوته بالقرآن، فرآه وهو على باب إحدى الكنائس يهش الذباب عن نفسه، فقال له: يا هذا ما فعل الله بك؟! قال: أنا كما ترى، قال: إنني كنت أراك حافظاً للقرآن فما بقي في صدرك منه؟ فقال: لم يبق منه ولا شيء إلا آية واحدة، ثم مات والعياذ بالله على الكفر، فصدقت عليه مقولة الشيخ لما كان يراه يُشغب عليه في الحلقة فقال له: إني لأخشى أن تموت على غير ملة الإسلام! والإنسان إذا سلم قلبه من الحقد على الناس وسلم لسانه من الخوض في أعراضهم كان أدعى إلى أن يُوفق إلى حسن الخاتمة، وقد كان عندنا في مدينة رسول الله ﷺ رجلٌ يمني، ليس له علاقة بالناس، يدخل المسجد وقت الصلوات ويخرج، وليس له أي ارتباط بالناس، وكان لا يقرأ ولا يكتب، فكان إذا دخل المسجد يأتي لأي إنسان يعني خال فيأخذ مصحفاً ويُعطيه للرجل الخالي ويقول: اقرأ عليَّ من كلام ربي، والناس يعرفونه خاصةً من يُكثر الصلاة في الحرم , فبقي على هذه الطريقة سنين، حتى كان عام ١٤١٨هـ دخل الحرم فرأى رجلاً خالياً فأخذ مصحفاً كالعادة وأعطاه للرجل، وقال له: اقرأ عليَّ من كلام الله، فقرأ عليه ومرَّ بآية سجدة، فسجد الاثنان القارئ والأخ اليمني، فانتهى القارئ من التسبيح ورفع رأسه وبقي الأخ اليمني ساجداً وقبضه الله جلّ وعلا وهو ساجد، مات في حرم رسول الله ﷺ في هيأة ليس بعدها ولا أشرف منها هيأة وهي هيأة السجود لرب العالمين، نحن نتكلم عن الظاهر، أما سريرته فأمرها إلى الله، ولا نحكم لأحد بجنة ولا نار.
وهذا عبيد الله بن جحش يأخذ زوجته ويفر بدينه من مكة إلى الحبشة ثم يتنصر! ثق تماماً أنه لا يهلك على الله إلا هالك، دواخل القلوب هي من أعظم أسباب سوء الخاتمة، لكن الله جلّ وعلا أكرم وأرحم أن يكون أحد صادقاً معه ثم إن الله جل وعلا يخذله ويُميته ميتة السوء، فمن صدقت سريرته حسنت خاتمته، ومن صدق إلى الله فراره صدق مع الله قراره، من صدق إلى الله في فراره، وكان صادقاً في أوبته إلى الله، صدق مع الله قراره، يبقى مع ربه جلّ وعلا في إيمانه.
فلما تنصر زوج أم حبيبة ثم مات أكرمها النبي ﷺ بأن طلبها وخطبها وتزوجها ﵊، وسيقت له من الحبشة.
стр. 21
أم المؤمنين أم سلمة ﵂
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتزوج رسول الله ﷺ أم سلمة، واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، وكانت قبله عند أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، توفيت سنة اثنتين وستين، ودفنت بالبقيع بالمدينة، وهي آخر أزواج النبي ﷺ وفاة، وقيل: إن ميمونة آخرهن].
أم سلمة ﵂ وأرضاها لما مات زوجها استرجعت، قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وعوضني خيراً منها، فكانت تقول في نفسها: من يخلفني في أبي سلمة؟ فلما مات خطبها النبي ﷺ فاعتذرت بثلاث حجج: اعتذرت بأنها مُصبِية أي لديها صبيان كثيرون، وأنها شديدة الغيرة، وأنها ليس لها عائل أي وال يزوجها؛ فأما التزويج فاختلف فيمن زوجها، وقيل: إنه عمر بن الخطاب، وأما كونها مُصبية فأخبرها النبي ﷺ أن الله جل وعلا يكفيها ذاك، وأما أنها غيرة فإن النبي ﵊ قال: (أسأل الله أن يذهب غيرتك)، فتزوجها ﵊, وابنها هو عمرو بن سلمة الذي طاشت يده في الصفحة وقال له ﵊: (يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) وعمرو هذا هو ربيب رسول الله ﷺ .
стр. 22
أم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش بن رئاب بن يَعْمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن مَعَد بن عدنان، وهي بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة، فطلقها، فزوجها الله إياه من السماء، ولم يعقد عليها، وصح أنها كانت تقول لأزواج النبي ﷺ : زوجكن آباؤكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات، توفيت بالمدينة سنة عشرين، ودفنت بالبقيع].
هذه زينب بنت جحش التي قالت مُفتخرة: زوجكن أهاليكن وزوجني الله جلّ وعلا من فوق سبع سماوات، والنبي ﵊ كان قبل البعثة تبنّى زيد بن حارثة، فكان يُسمّى عند الناس زيد بن محمد فلما قال الله جلّ وعلا: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب:٤٠]، وقال: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥] أصبح يُدعى زيد بن حارثة باسمه الحقيقي، وزيد هذا تزوج زينب بنت جحش ابنة عمة النبي ﷺ ، فلما تزوجها كانت ترى في نفسها أنها أعلى منه؛ لأنه مولى وهي قرشية، فأخبر الله نبيه أن زينب هذه التي هي الآن تحت زيد ستصبح زوجة لك.
فجاء زيد يشتكي زوجته زينب إلى النبي ﵊ فقال له ﵊: (اتق الله وأمسك عليك زوجك)، فقال الله جلّ وعلا في كتابه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا * وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٦ - ٣٧] فالقائل هو النبي ﷺ ، والذي أنعم الله عليه وأنعم عليه الرسول هو زيد، قال الله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾ [الأحزاب:٣٧] الذي أخفاه في نفسه ﷺ هو أنها ستكون زوجته ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب:٣٧] الذي سيظهره الله وسيقع وسيكون هو زواجه من زينب ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ [الأحزاب:٣٧] تخشى الناس أن يقولوا: تزوج محمد ابنة ابنه على ما كانوا يعتقدونه في الجاهلية.
قال الله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ﴾ [الأحزاب:٣٧] ليس في القرآن ذكرٌ لأحد من الصحابة إلا زيد، وليس للقضية فضل في ذاته، وإنما القضية قضية حادثة عين، فلابد أن يُذكر باسمه حتى ينجلي ما في القلوب، وإلا فـ أبو بكر وعمر وغيرهما أفضل من زيد ولم يُذكر اسمهم صراحة في القرآن، لم يُذكر في القرآن إلا النبيون وثلاثة أو أربعة اختلف فيهم كـ لقمان وعزير، والنساء لم يُذكر منهن في القرآن إلا مريم ابنة عمران لشرفها وفضلها.
стр. 23
أم المؤمنين زينب بنت خزيمة ﵂
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتزوج رسول الله ﷺ زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية، وكانت تسمى أم المساكين؛ لكثرة إطعامها المساكين، وكانت تحت عبد الله بن جحش، وقيل: عبد الطفيل بن الحارث، والأول أصح.
وتزوجها سنة ثلاث من الهجرة، ولم تلبث عنده إلا يسيرًا شهرين أو ثلاثة].
لم تلبث عند النبي ﷺ إلا شهرين، وورد في بعض الروايات أنها لبثت عنده ثمانية أشهر، وبسبب كونهالم تلبث مع النبي ﷺ إلا هذه المدة اليسيرة فإن المصادر التاريخية شحيحة بالكثير من أخبارها، لكن أنت كطالب علم تضمها مع خديجة؛ لأنها هي وخديجة فقط اللتان ماتتا في حياته ﷺ ، أما باقي أمهات المؤمنين فكلهن متن بعد وفاته ﷺ .
стр. 24
أم المؤمنين جويرية بنت الحارث ﵂
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتزوج رسول الله ﷺ جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن عائذ بن مالك بن المصطلق الخزاعية، سُبِيت في غزوة بني المصطلق، فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها فقضى رسول الله ﷺ كتابتها، وتزوجها في سنة ست من الهجرة، وتوفيت في ربيع الأول سنة ست وخمسين].
هذه جويرية بنت الحارث، خزاعية سُبيت في بني المصطلق، فدخلت على النبي ﷺ -وكان أبوها زعيماً- تريد أن تدفع ثمناً لتخرج من الأسر، جمعت مالاً يسيراً وبقي عليها، فدخلت عليه ﵊ تطلب منه زيادة مال، فلما رآها قدر الله جلّ وعلا أن يطلبها على أنه يساعدها فيتزوجها، فوافقت ﵂ وأرضاها، فتزوجها، فلما علم الصحابة أن النبي ﵊ تزوجها تركوا من بأيديهم من الأسرى من بني المصطلق، فكانت امرأة عظيمة البركة على قومها، ثم جاء أبوها الحارث إلى النبي ﵊ يطلبها فخيرها النبي ﵊ بين البقاء معه أو أن تذهب مع أبيها فاختارت البقاء مع رسول الله ﷺ ، ثم أسلم الحارث بعد ذلك، وجعله النبي ﵊ على صدقات قومه.
стр. 25
سلسلة السيرة النبوية [تابع ذكر أزواجه، خدمه، أفراسه ﷺ ]
اهتم أهل العلم بسيرة النبي ﵊، فذكروا أزواجه، والحكمة من إكثاره من الزواج، وذكروا خدمه ومواليه، بل حتى ذكروا أفراسه ﷺ ، وما تركوا شاذة ولا فاذة من حياة خير البشر إلا نقلوها، والعلم بذلك يزيد الإنسان إيماناً بالنبي ﵊.
стр. 26
أم المؤمنين صفية بنت حيي ﵂
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو الدرس الخامس من تعليقنا على الدرة المضيئة في السيرة النبوية للإمام المقدسي رحمه الله تعالى، وكنا قد انتهينا بالأمس في ذكر أزواجه صلوات الله وسلامه عليه، وتكلمنا عن أكثرهن، ولم يبق لنا إلا الحديث عن زوجتين من أزواجه رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن، وكما جرت العادة -استدراكاً لما كان بالأمس- نراجع بعضاً مما ذكرناه، فمما ذكرناه بالأمس أن الله أبطل عادة منع الزواج بالتبني بزواجه ﷺ من زينب بنت جحش، وقلنا: إن زيداً رضي الله تعالى عنه وأرضاه كان زوجاً لها، وأنها كانت تفخر عليه بأنها من قريش، ثم إنه جاء إلى النبي عليه الصلاة السلام يشتكي إليه زينب؛ فأنزل الله جل وعلا قوله في سورة الأحزاب: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا * وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب:٣٦ - ٣٧]، هذا قول النبي ﷺ : ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب:٣٧]، والذي أخفاه النبي ﷺ وسيبديه الله هو زواجه من زينب، أي: أن الله أوحى إلى نبيه أن زينب ستكون زوجة له.
﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب:٣٧] الذي خشيه ﷺ من الناس أن يقول الناس: تزوج محمد ﷺ زوجة ابنه بالتبني.
كما ذكرنا أن من أزوجه ﷺ أم حبيبة، وأنها كانت قبله تحت تحت عبيد الله بن جحش، وقلنا أنه فر بها من مكة إلى الحبشة فراراً بدينه، لكن وقع أنه تنصر، فعلى الإنسان أن يحرص على الأعمال التي تجعل الإنسان يظفر بحسن الخاتمة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتزوج رسول الله ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب بن أبي يحيى بن كعب بن الخزرج النضرية، من ولد هارون بن عمران أخي موسى بن عمران ﵉، سبيت في خبير سنة سبع من الهجرة، وكانت قبله تحت كنانة ابن أبي الحقيق، قتله رسول الله ﷺ وأعتق صفية، وجعل عتقها صداقها، وتوفيت سنة ثلاثين وقيل: سنة خمسين].
صفية بنت حيي بن أخطب زوجة نبينا ﷺ أم المؤمنين، وحيي بن أخطب أحد زعماء يهود، فلما قدم النبي عليه الصلاة السلام المدينة رآه حيي فعرفه عرف أنه نبي، واليهود كانت تعرف صفات الرسول ﷺ لما قرأت عنه في التوراة، وقد حدثت صفية بعد ذلك أن أباها وعمها التقيا بعد أن رأيا النبي عليه الصلاة السلام، فقال عمها لأبيها: أهو هو؟ قال: نعم، أعرفه بنعته، قال: فما في صدرك له؟ قال: عداوته ما بقيت! وهذا مصداق قول الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة:٨٩]، وقال ﵎: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [البقرة:١٤٦]، أي النبي ﷺ : ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]، أي أن أهل الكتاب يعرفون النبي عليه الصلاة السلام ولا يخطئون في وصفه كما يعرف الرجل منهم ابنه، والرجل عادة لا يخطأ في معرفة ابنه.
وحيي ذهب إلى خيبر في الجلاء الأول، وهو من بني النضير، ثم وقعت معركة خيبر وكانت تحت صفية تحت كنانة بن أبي الحقيق فقتل، ثم إن النبي ﷺ تزوجها بعد أن أصبحت أمة له -جارية- فأعتقها وجعل عتقها صداقاً لها.
واختلف العلماء ﵏ هل يكون العتق صداقاً أو لا؟ فمنهم من قال: إن هذا خاص بالنبي ﷺ ، ومنهم من قال غير ذلك، والذي يعنينا في شرح السيرة هنا أن النبي ﷺ أعتقها وجعل عتقها صداقها، سواء كان هذا خاصاً به، أو كان شاملاً لأمته.
وقد كانت جميلة ﵂ وأرضاها، وهي من ولد هارون بن عمران أخي موسى على موسى وعلى هارون السلام، وقد أغضبتها بعض أمهات المؤمنين، فجاءت إلى النبي عليه الصلاة السلام تبكي، فقال لها عليه الصلاة السلام: (بما تفخر عليك؟! فإنك ابنة نبي، وعمك نبي -يقصد موسى- وإنك لتحت نبي) يقصد نفسه ﷺ .
ولما تزوجها عليه الصلاة السلام في انصرافه من خيبر أراد أن يدخل بها على مقربة من خيبر فامتنعت وأبت، ثم لما تقدم قليلاً نحو المدينة قبلت ودخل بها ﷺ ، فسألها عن سبب امتناعها أولاً: فقالت: خشيت عليك من اليهود، وهذا يدل على أنه وقر في قلبها محبة الدين ومحبة رسول الله ﷺ ، وقد خشي أبو أيوب الأنصاري على نبينا عليه الصلاة السلام يوم أن دخل عليها، فبات يحرسه، خوفاً أن يكون بها شيء من غدر يهود، فهو لا يعرفها، ثم تبين مدى حبها لنبينا ﷺ وحسن إسلامها، فبقيت كذلك حتى توفاها الله جل وعلا، فهي زوجة نبينا في الدنيا والآخرة ﵂ وأرضاها.
стр. 27
أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتزوج رسول الله ﷺ ميمونة بنت الحارث بن حزم بن بجيل بن الهرم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصة بن معاوية، وهي خالة خالد بن الوليد وعبد الله بن عباس، تزوجها رسول الله ﷺ في سرف وبنا بها فيه، وماتت به، وهو ماء على تسعة أميال من مكة، وهي آخر من تزوج من أمهات المؤمنين، توفيت سنة ثلاث وستين.
فهذه جملة من دخل بهن من النساء، وهن إحدى عشر، وعقد على سبع ولم يدخل بهن].
هذه ميمونة بنت الحارث الهلالية أخت أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب، فـ العباس ﵁ وأرضاه عم النبي ﷺ كان يعرف منها الصلاة والصيام والقيام، فأشار على النبي ﷺ أن يتزوجها، وهي أخت زوجته أم الفضل، فتزوجها النبي ﷺ في منصرفه من عمرة القضاء، في واد يقال له سرف على وزن ثقف، وهو واد في طريق المدينة اليوم الخارج من مكة إلى المدينة، بعد النوارية بقليل، وهو الآن معمور، فيه بقالات ومحطات، على يمينك وشمالك، هذا الوادي هو وادي سرف الذي تزوج فيه النبي ﷺ أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث.
وكان من فائدة زواجه بها بالنسبة لأمته أن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما كان يبيت عندها، فهي خالته، فيرى قيام النبي ﷺ ، فنقل عبد الله بن عباس كثيراً من أخبار النبي عليه الصلاة السلام؛ لأنه كان يستطيع أن يدخل على خالته ميمونة بنت الحارث رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد ذكر المصنف أنها آخر أمهات المؤمنين موتاً، وهذا على قول، والقول الثاني أن آخر أمهات المؤمنين موتاً هي أم سلمة.
إذاً هناك خلاف في آخر أمهات المؤمنين موتاً هل هي ميمونة أو أم سلمة رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن؟ وهذا علم تاريخي، لا يتعلق به حكم.
وقد اتفقوا على أن زينب بنت جحش هي أول نساء النبي ﷺ موتاً بعده، ماتت بعد عشرين سنة من وفاته ﷺ ، فهي أول نسائه لحوقاً به عليه الصلاة السلام.
وقد ذكر المصنف أن النبي ﷺ عقد على سبع ولم يدخل بهن، وهذا بعيد بعض الشيء، والأشهر أنه عقد على خمس أو أربع، ولم يدخل بهن، منهن من استعاذت به، ومنهن من وجد في كشحها بياض، وأخريات لم تثبتهن كتب المصادر إثباتاً جيداً، لكن الذي يعنينا أن النبي ﷺ مات عن تسع من النساء، وكان يقسم لثمان؛ لأن سودة وهبت ليلتها لـ عائشة ﵅ جميعاً وأرضاهن.
стр. 28
الحكمة من تزوج النبي بكثير من النساء
في عصرنا الحديث ما أشرأب المستشرقون والطاعنون في السنة في شيء كما اشرأبوا في قضية كيف يتزوج النبي ﵊ هذا العدد من النساء؟ وهذا مما يطول شرحه ولكن نقول على وجه الإجمال: لو كان النبي عليه الصلاة السلام يريد ما يفهمه الناس من الزواج من النساء إلى الأبكار أقرب منه إلى الثيبات ومع ذلك لم يتزوج بكراً إلا عائشة، ولم يتزوج الثانية إلا وقد جاوز الخمسين صلوات الله وسلامه عليه، وعاش قرابة ثلاثين عاماً مع زوجته خديجة وهي أكبر منه سناً، ولم يتزوج عليها صلوات الله وسلامه عليه، وإنما تزوج لأمور متعددة وأغراض منها ما يكون إبطالاً لحكم جاهلي كزواجه من زينب، ومنها ما يكون نصرة للدين، فإن العرب في عادتها وأعرافها السابقة كانت ترى أن الصهر يقرب بين بطون القبائل، والنبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة كان له خصوم وأعداء في القبائل، فكان يتزوج منهم حتى يكسر ثورة غضب واجتماع القبائل عليه، حتى يكون له عندهم رحم وصهر، ويكون هناك نوع من الحمية بالنسبة لهم، حيث إن بناتهم تحت نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
إن هؤلاء الأمهات رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن صبرن على شظف العيش، فليس في الزواج منه ﷺ متاع دنيوي ظاهر، وإنما المكسب العظيم لهن أنهن زوجاته في الآخرة، ولذلك كان بيت النبي عليه الصلاة السلام لو رفعت يدك للمست سقفه، ولو اتكأت على أحد حيطانه ومددت قدميك للمست الحائط الآخر، وذلك من ضيق حجرات أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن.
وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٨ - ٢٩].
فالنبي عليه الصلاة السلام خير نساءه ما بين البقاء معه والصبر على شظف العيش في الدنيا؛ لأن الله خيره هو نفسه، بين أن يكون ملكاً نبياً أو عبداً نبياً، فاختار العبودية، ولم يختر الملك كما اختاره داود وسليمان ﵉، وبقي ﷺ عبداً يشبع ويجوع ويمرض ويصح، وتجري عليه أيام شديدة ﵊، حتى إنه كان يظهر الهلال ثلاث مرات في الشهرين الهلال ثم الهلال ثم الهلال ولا يوقد في بيت رسول الله ﷺ نار، وهو أكرم الخلق على الله، فلما سئلت عائشة عن طعامهم قالت: (الأسودان التمر والماء).
فلم يكن مما قاله المستشرقون شيء، وإنما صبرن أولئك الأمهات، وقدمن نماذج إنسانية فريدة، فمنهن من اشتهرت بالصلاة والصيام، ومنهن من اشتهرت بحب المساكين، ومنهن من اشتهرت بالعلم، تنوعت تنوع عطاؤهن حتى يستفيد المجتمع من قربهن من رسول الله ﷺ وتنزل الوحي، ولذلك قال حسان يذكر حجرات أمهات المؤمنين، ونزول الوحي عليها: بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستضاء ويوقدُ فخرجن أمهات المؤمنين يحدثن بخبر رسول الله ﷺ في بيوتهن.
стр. 29
ذكر خدمه ﷺ
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر خدمه ﷺ .
أنس بن مالك بن النضر الأنصاري، وهند وأسماء ابنا حارثة الأسلميان، وربيعة بن كعب الأسلمي، وكان عبد الله بن مسعود صاحب نعليه، كان إذا قام ألبسه إياهما، وإذا جلس جعلهما في ذراعيه حتى يقوم، وكان عقبة بن عامر الجهني صاحب بغلته، يقودها في الأسفار، وبلال بن رباح المؤذن، وسعد مولى أبي بكر الصديق، وذو مخمر بن أخي النجاشي ويقال: ابن اخته، ويقال: ذو مخبر بالباء، وبكير بن شداخ الليثي، ويقال: بكراً وأبو ذر الغفاري].
هؤلاء خدموا رسول الله ﷺ ، ولا ريب أنه قد أصابهم من الشرف مالا يعلم قدره إلا الله، فإن الله سخرهم ﵃ بأنهم ليكونوا خدماً لسيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، وقد علموا أي شرف يكتسبوه، فلذلك كانوا يفتخرون ﵃ بأنهم كانوا يخدمون النبي ﷺ ، فخدمته عليه الصلاة السلام شرف عظيم، وتتفاوت المهام التي أوكلها النبي ﷺ إليهم، والعاقل إذا تبوء مكانة يختلف اصطفاؤه للرجال من واحد إلى آخر، فليس كل الناس يصلح لمهمة واحد، فقد يحسن الرجل مهمة ولا يحسن أخرى، ولذلك تفاوتت مهام خدم رسول الله ﷺ .
فأما أنس فهو الذي جاءت به أمه وهو صغير، ووهبته للنبي ﷺ ليكون خادماً له، وقد دعا له النبي عليه الصلاة السلام بكثرة المال والولد، فتحققت دعوته عليه الصلاة السلام في أنس.
ولما جاءت خلافة عبد الملك بن مروان، وسلط الحجاج بن يوسف على مكة والمدينة، آذى الحجاج بن يوسف أنساً، فكتب أنس ﵁ إلى عبد الملك وكان يومئذ أميراً للمؤمنين، يشكو تسلط الحجاج بن يوسف عليه، وكان فيما كتبه أنس أن قال: لو أن رجلاً من بني إسرائيل خدم موسى يوماً لعظمته بني إسرائيل، فكيف وقد خدمت نبينا ﷺ عشر سنين؟! فبعث عبد الملك إلى الحجاج يأمره أن يكف يده عن أنس.
وقد كان من مهام أنس أن يذهب في الحوائج اليومية، يغدو ويروح في الحوائج اليسيرة، وقد نقل لنا أنس ما كان ﵊ من خلق عظيم، فقال: (خدمت النبي ﷺ عشر سنين، فلم يقل لشيء لم أفعله: لم لم تفعله؟ ولا لشيء فعلته لم فعلته) وهذا من جميل خلقه وكريم أدبه وحسن معاملته ﷺ لمن حوله، من الأهل والخدم والموالي وسائر الناس.
وممن خدمه ﵊ عقبة بن عامر، كان يقود له البغلة، وهو الذي أمره النبي ﷺ في أحد أسفاره لما هبت ريح أن يتعوذ بالمعوذتين ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]، وقال: (ما تعوذ متعوذ بمثلهما).
ومنهم بلال وهو مؤذنه وهو مشهور.
ومنهم ربيعة بن كعب الأسلمي، وكان من مهامه أن يضع الوضوء للنبي ﷺ ، وكان يفعل هذا تطوعاً، فأحب النبي عليه الصلاة السلام أن يكافئه فقال: (يا ربيعة سلني! حاجتك، قال: يا رسول الله! أسألك مرافقتك في الجنة)، فقد وجد ربيعة من الشرف والحظوة عند رسول الله والفخر بخدمته له في الدنيا ما جعله يتطلع لأن يكون رفيقه في الجنة: (فقال له ﷺ : فأعني على نفسك بكثرة السجود)، فدله على أن كثرة الصلوات تجعل العبد قريباً من جوار نبينا عليه الصلاة السلام.
ومن خدمه ﵊ بكير بن شداخ الليثي وكان صغيراً، وقد نقل الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى عنه قصة مفادها أن بكيراً هذا كان يبعثه النبي عليه الصلاة السلام إلى بيوت أمهات المؤمنين، فلما بلغ واحتلم جاء إلى النبي عليه الصلاة السلام وقال: يا رسول الله! إنني بلغت مبلغ الرجال، فلا تبعث بي إلى نسائك، فتعجب النبي ﷺ من صدقة وقال له: (اللهم صدق قوله وبلغه الظفر)، فكانت دعوة النبي ﷺ متحققة فيه، فلما كانت ولاية عمر بن الخطاب ﵁ وخرج المجاهدون في أصقاع الأرض يحملون لواء الدين، كان ممن خرج أحد الأنصار وترك زوجته، وأوصى بكيراً بأهل بيته، فكان هناك يهودي يأتي إلى تلك المرأة ويراودها عن نفسها، فقام بكير فقتله، فوجد هذا اليهودي في أحد أحياء المدينة، مضرجاً في دمائه، فقام عمر ﵁ وهو أمير المؤمنين على المنبر، فخطب خطبة ثم قال: أنشد الله كل رجل يعرف عن هذا القتيل شيئاً إلا أخبرني، فقام بكير والناس يسمعون وقال: أنا قتله يا أمير المؤمنين، فتعجب عمر من صراحته وجرأته، قال: ما دفعك إلى هذا؟ فأخبره القصة، فتذكر عمر دعوة النبي ﷺ فتركه، ولم يصنع به شيئاً إكراماً لدعوة رسول الله ﷺ ، وجعل دم اليهودي في هذه الحالة مهدراً.
والذي يعنينا أن بكيراً هذا خدم النبي ﷺ وهو صغير، فهؤلاء جميعاً ﵃ وأرضاهم شرفوا بخدمة سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 30
ذكر مواليه ﷺ
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر مواليه ﷺ .
زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، وابنه أسامة بن زيد، وكان يقال لـ أسامة بن زيد: الحب بن الحب.
وثوبان بن بجدد؛ وكان له نسب في اليمن.
وأبو كبشة من مولدي مكة، يقال: اسمه سليم، شهد بدرًا، ويقال: كان من مولدي أرض دوس.
وأنسة من مولدي السراة.
وصالح، شقران، ورباح أسود، ويسار نوبي.
وأبو رافع واسمه أسلم، وقيل: إبراهيم، وكان عبدًا للعباس، فوهبه للنبي ﷺ فأعتقه.
وأبو مويهبة من مولدي مزينة، وفضالة نزل بالشام.
ورافع كان لـ سعيد بن العاص فورثه ولده، فأعتقه بعضهم، وتمسك بعضهم، فجاء رافع إلى النبي ﷺ يستعينه، فوهب له، وكان يقول: أنا مولى رسول الله ﷺ .
ومدعم أسود، وهبه له رفاعة بن زيد الجذامي، وكان من مولدي حسما، قتل بوادي القرى.
وكركرة كان على ثقل النبي ﷺ .
وزيد جد هلال بن يسار بن زيد وعبيد، وطهمان أو كيسان أو مهران أو ذكوان أو مروان.
ومأبور القبطي أهداه المقوقس.
وواقد، وأبو واقد، وهشام، وأبو ضميرة، وحنين، وأبو عسيب واسمه أحمر، وأبو عبيد.
وسفينة كان عبدًا لـ أم سلمة زوج النبي ﷺ فأعتقته، وشرطت عليه أن يخدم النبي ﷺ حياته، فقال: لو لم تشترطي علي ما فارقت رسول الله ﷺ .
هؤلاء المشهورون، وقيل: إنهم أربعون.
ومن الإماء: سلمى أم رافع، وبركة أم أيمن، ورثها من أبيه، وهي أم أسامة بن زيد وميمونة بنت سعد، وخضرة، ورضوى].
ذكر المصنف هنا موالي النبي ﷺ ، والمولى في اللغة يطلق على أربعة: تطلق على السيد، فتقول للغلام: أين مولاك؟ وتطلق على العبد بالعكس، تطلق على العبد إذا أعتق، وولاؤه لسيده، فيقال له: مولى، وبهذا المعنى ذكره المصنف، يقال: مولى بني فلان، أي أن ولاءه لهم، كان عبداً عندهم ثم أعتق، هذه اثنتان، والثانية هي التي أرادها المصنف عندما قال: موالى النبي ﷺ .
وتطلق على النصير والظهير، ودليلها من القرآن: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١].
أي أن الله نصير وظهير للمؤمنين، والكافرون ليس لهم ظهير ولا نصير.
هذه ثلاث.
وتطلق على الرب ﷻ ، ودليلها من القرآن: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢] فمولاهم هنا بمعنى ربهم، وليس المعنى نصيرهم؛ لأن الله ليس نصيراً ولا ظهيراً للكفار، ((ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ)) أي إلى ربهم جل وعلا.
هذه فائدة لغوية، أما المقصود به هنا فهو من كان عبداً ثم أعتق.
وقد بدأ المصنف بـ زيد بن حارثة وابنه أسامة، وهما حبا رسول الله ﷺ ، وقد كان النبي ﷺ يحب أسامة حباً جماً، وأسامة هو الذي طلبت منه قريش أن يتشفع عند النبي عليه الصلاة السلام، فقال له: (أتشفع يا أسامة في حد من حدود الله؟!)؛ وذلك لعلم المخزوميين من قريش بمكانة أسامة عند النبي عليه الصلاة السلام.
وقد كان زيد أبوه أبيض، وكان أسامة أسمر اللون، فكان هذا يثير التساؤلات عند الناس، وكان هذا يحدث أسىً في قلبه ﷺ ، بسبب التساؤلات التي يثيرها الناس من كون أسامة يختلف لونه عن لون أبيه، وذات يوم ناما بجوار بعضهما، وظهرت أقدامهما دون أن تظهر وجوههما، فجاء رجل من بني مدلج، له علم بالقيافة والأنساب والأثر، فلما نظر إلى قدمي أسامة وقدمي زيد وهو لا يعرف أن هذا أسامة وهذا زيد ابنه، وإنما نظر إلى الأقدام وبعضها سمراء وبعضها بيضاء قال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فتهلل وجهه صلوات الله وسلامه عليه، وظهر الفرح عليه، ودخل على عائشة تبرق أسارير وجهه، وقال لها: (أما علمت أن فلاناً المدلجي نظر آنفاً إلى أسامة وزيد ثم قال كذا وكذا؟)، فالإنسان إذا أحب شيئاً أحب ما يتعلق به، وأحب ما يفرحه، وإذا أبغض شيئاً أبغض ما يتعلق به.
فكان ﷺ محباً لـ زيد ومحباً لـ أسامة، فكان يحب أي شيء يدخل الفرح أو يظهر الكرامة أو الفضل لـ أسامة وزيد رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما، فهما موالي النبي عليه الصلاة السلام، فإن زيداً كان عبداً للنبي عليه الصلاة السلام، أهدته إياه زوجته خديجة ثم أعتقه صلوات الله وسلامه عليه.
وممن ذكر المصنف رحمة الله تعالى عليها من الموالي سفينة، واسمه على الأشهر مهران، وأما سفينة فلقب أطلقه النبي عليه الصلاة السلام عليه كما رواه الإمام أحمد بسند حسن، كان يحمل المتاع، فألقى الصحابة رضي الله تعالى عنهم متاعهم في ردائه، فكأن الرداء حمل أكثر من المعهود، فقال النبي عليه الصلاة السلام: (بل أنت سفينة) كناية على أنه يحمل شيئاً غزيراً فقال سفينة: فلو أنني حمل بعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة، لحملتها، من قول النبي ﷺ ! وسفينة هذا أدرك زمن عثمان وركب البحر، وكان متكئاً على لوح قارب في البحر، فضربتهم الأمواج فرماه البحر إلى أجمة يعني غابة، وأضل الطريق فرأى الأسد، والعرب تسمي الأسد أبا الحارث، فلما رآه سفينة أخذ ينظر إلى الأسد ويقول: يا أبا الحارث، أنا سفينة مولى رسول الله ﷺ ، فطأطأ الأسد رأسه وأقبل على سفينة وحمله على عاتقه وخرج به من الغابة حتى دله على الطريق، ثم رجع قليلاً ثم أقع على ذنبه، ثم أخذ يهمهم كأنه يودعه! قال العلماء: هذا وحش كاسر، وسبع مفترس، لما علم أن الذي بين يديه مولى لرسول الله ﷺ تغير طبعه، وتغير حاله، فالمؤمنون أولى أن يكونوا أرق قلوباً وعاطفة مع بعضهم البعض في المقام الأول؛ لأنه يجمعني ويجمعك محبة شهادة التوحيد، ومحبتنا لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
وموالي النبي ﷺ كثر، وقد ذكر المصنف بعضاً منهم، وهؤلاء أشهر موالي النبي عليه الصلاة السلام.
وذكر من النساء أم أيمن واسمها بركة، وهي إحدى حواضن النبي ﷺ ، وقد كان النبي ﷺ يحبها، وهي زوجة زيد رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
стр. 31
ذكر أفراس رسول الله ﵊
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر أفراس رسول الله ﷺ .
أول فرس ملكه: السكب، اشتراه من أعرابي من بني فزارة بعشر أواق، وكان اسمه عند الأعرابي الضرس، فسماه السكب، وكان أغر محجلًا طلق اليمين، وهو أول فرس غزا عليه.
وكان له سبحة، وهو الذي سابق عليه، فسبق، ففرح به.
والمرتجز: وهو الذي اشتراه من الأعرابي الذي شهد له خزيمة بن ثابت، والأعرابي من بني مرة.
وقال سهل بن سعد الساعدي: كان لرسول الله ﷺ عندي ثلاثة أفراس: لزاز، والظرب، واللحيف.
فأما لزاز: فأهداه له المقوقس، وأما اللحيف: فأهداه له ربيعة بن أبي البراء، فأثابه عليه فرائض من نعم بني كلاب، وأما الظرب: فأهداه له فروة بن عمرو الجذامي.
وكان له فرس يقال له: الورد، أهداه له تميم الداري، فأعطاه عمر، فحمل عليه، فوجده يباع.
وكانت بغلته الدلدل يركبها في الأسفار، وعاشت بعده حتى كبرت وزالت أسنانها، وكان يجش لها الشعير، وماتت بينبع، وحماره عفير مات في حجة الوداع.
وكان له عشرون لقحة بالغابة، يراح إليه كل ليلة بقربتين عظيمتين من لبن، وكان فيها لقاح غزار: الحناء، والسمراء، والعريس، والسعدية، والبغوم، واليسيرة، والريا.
وكانت له لقحة تدعى بردة، أهداها له الضحاك بن سفيان، كانت تحلب كما تحلب لقحتان غزيرتان.
وكانت له مهرة أرسل بها سعد بن عبادة من نعم بني عقيل.
والشقراء، وكانت له العضباء، ابتاعها أبو بكر من نعم بني الحريش، وأخرى بثمانمائة درهم، فأخذها رسول الله ﷺ بأربعمائة درهم، وهي التي هاجر عليها، وكانت حين قدم المدينة رباعية، وهي القصواء والجدعاء، وقد سُبقت، فشق على المسلمين.
وكان له منائح سبع من الغنم: عجرة، وزمزم، وسقيا، وبركة، وورسة، وأطلال، وأطراف.
وكان له مائة من الغنم].
هذه الأخبار جملة بعضها قد لا يكاد يثبت، لكن الذي يعنينا حرص سلف الأمة ﵃ ورحمهم الله على كل ما يتعلق بنبينا ﷺ ، حتى إنهم دونوا ما كان يركبه ﷺ ، وما كان يملكه من الدواب، وهذا أمر محمود لهم، وقد كان السلف يعتنون بكل ما يتعلق به صلوات الله وسلامه عليه، وهذا يؤكد ما ذكرناه من قبل، أن من أحب شيئاً أحب ما يتعلق به.
أما ما ذكره المصنف فلا يلزم طالب العلم حفظ هذا كله، لكن المقصود أن تربط الأحاديث الفقهية أو غير الفقهية بما سمعت الآن في السيرة.
فمثلاً حديث خزيمة بن ثابت أن النبي ﷺ : (اشترى فرساً من رجل من بني مرة)، ولم يكن هناك شاهد، فطلب الأعرابي شاهداً يشهد أن النبي ﷺ اشترى منه هذا الفرس؛ لأن النبي عليه الصلاة السلام اتفق معه على سعر، ثم إن الأعرابي طمع في الزيادة فقال: أنا ما بعتك بهذا السعر، أريد سعراً أرفع، فقال النبي عليه الصلاة السلام: (إنك بعتني إياه) فلم يجد شاهداً، فجاء خزيمة بن ثابت رضي الله تعالى عنه وأرضاه وقال: أنا أشهد أن النبي ﷺ اشتراه منك بكذا وكذا، فلما شهد قال عليه الصلاة السلام: (كيف تشهد ولم تحضر؟! فقال: يا رسول الله! إنني أصدقك بخبر السماء، أفلا أصدقك أنك اشتريت فرساً من أعرابي بكذا وكذا؟!) فجعل النبي ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين.
وهذا يسمى -إن صح التعبير- بعلم الاجتماع، وهو أن الإنسان يرزقه الله موهبة في انتهاز الفرص الحسنة، وذكرنا أمثلة على هذا من السيرة، فـ أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، عندما دخل النبي عليه الصلاة السلام المدينة، كان فيها حيان عظيمان الأوس والخزرج، فكان راكباً على الناقة، فيقول له الخزرج: هلم إلى هاهنا يا رسول الله، فيقول: (خلوا سبيلها فإنها مأمورة) فيقول الأوس مثل ذلك، فيقول: (خلوا سبيلها فإنها مأمورة) وتركها النبي ﷺ حتى بركت، ولم ينزل ثم قامت وجالت جولة ثم رجعت وبركت في موطنها الأول.
ولم ينزل ﵊ حتى لا يقولن قائل من الخزرج: لو نزل عند الأوس: مالأ علينا من أول يوم، ولو نزل عند الخزرج لقالت الأوس: مثل ذلك، وبقي على الناقة، فجاء أبو أيوب الأنصاري فعمد إلى متاع النبي عليه الصلاة السلام وأدخله بيته، فلما أدخله بيته حسم الأمر، فلما جاء الناس والمجاورون للأرض التي أصبحت بعد ذلك مسجداً يقولون: يا رسول الله! هاهنا، قال عليه الصلاة السلام: (المرء مع رحله) فظفر أبو أيوب ﵁ وأرضاه بسكنى النبي عليه الصلاة السلام عنده دون غيره من الأنصار، وذلك بتفكيره وانتهازه للفرصة الحسنة هذه.
كذلك خزيمة بن ثابت كل الصحابة يصدقون النبي عليه الصلاة السلام بخبر السماء، لكن خزيمة استغل الأمر أكثر من غيره، وقال: أنا أشهد لك.
فلما قال هذا فالنبي عليه الصلاة السلام لم يرد شهادته، فظفر بأن شهادته صارت بشهادة رجلين ﵁ وأرضاه.
وانتهاز الفرص من المناقب المحمودة في الرجال: إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة سكونا وإن درت نياقك فاحتلبها فلا تدري الفصيل لمن يكون وهذه أسباب يضعها الله ﵎ في الناس، هذا يصيب بها وهذا يخطئ، وسنن الله في الخلق أنه إذا أراد شيئاً هيأ أسبابه.
ذكر المؤلف عند العضباء، وهي القصواء، وهي الناقة الرئيسة التي كانت تحمل النبي عليه الصلاة السلام، والتي حملته في الهجرة، وحملته في الحج.
وهذه الناقة كانت لا تكاد تسبق، فجاء أعرابي بقعود، فسابق هذه الناقة وسبقها، فلما سبقها شق ذلك على الصحابة، ولماذا شق ذلك على الصحابة؟ من أحب شيئاً أحب ما يتعلق به.
الصحابة لا يعنيهم أن قعوداً يسبق ناقة، لكن شق عليهم وتغير حالهم لأن هذه الناقة ناقة رسول الله ﷺ .
وهنا جاء التأديب النبوي للأمة، وهذا من أعظم وسائل تربية الناس على التوحيد، أن يربوا عملياً، فإن متون التوحيد على جلالة قدرها أمرهاً عظيم، بلا خلاف، لكنه لا يدرس التوحيد بشيء أكثر من تدريسه عملياً، فكان النبي ﷺ يعلم الأمة التوحيد، فلما سبقت الناقة وتغيرت وجوه الصحابة، قال ﷺ للصحابة (إنه حق على الله أن لا يرفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه).
هذا هو التوحيد، فالشمس والقمر فتنة لناس، ولذلك كتب الله على الشمس والقمر الكسوف والخسوف، حتى يعلم أنها مهما بلغتا قابلتان للنقصان، وليس هناك وجه أشد نوراً من وجهه عليه الصلاة السلام، ومع ذلك يشج، وتكسر رباعيته، وينزل الدم منه؛ لأنه مهما بلغ فهو وجه مخلوق، كل من حولك من العظماء يريك الله جل وعلا فيهم آية تدل على أنهم بشر، وتجري عليهم أحكام البشر.
انظر إلى جمع من الممثلين والممثلات، ممن يوسمون بالجمال، غالبهم يموت بمرض يشوه جماله، وقد كان بعضهم فتنة في زمانه لكثير من النساء، فلما قربت وفاته أصابته أمراض حتى تغير وجهه، حتى إن أهله كانوا يخفون وجهه عن الناس، ولما مات جعلوا جنازته مستورة، حتى لا يرى الناس وجهه، بعد أن كان فتنة في شبابه.
فسنة الله في خلقه أن كل شيء مهما عظم يعتريه النقص، قال الله جل وعلا: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨].
وقال سبحانه: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
فكل عظيم مهما ارتقى ينزل، ونبينا ﷺ لما ساد الجزيرة ودخل مكة فاتحاً، وخطب الناس في خطبة الوداع، وبلغ الأمر منتهاه؛ مرض وأصابته الحمى، وأصبح وهو سيد الخلق الذي جاهد في أرجاء الجزيرة كلها يعجز أن يصل إلى المسجد.
وهو ﵊ أفصح من نطق الضاد، أفصح الفصحاء وسيد البلغاء، فأصبح يعجز أن يتكلم، ودعا لـ أسامة بصوت ضعيف، بل يرى السواك ولا يستطيع أن يقول: أعطوني السواك.
فسبحان ربنا الذي لا شيء مثله، ولا نظير له، ولا ند له، والذي يرينا عظمته وجلاله وكماله وقدرته، وأنه ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، يرينا هذه الآية في كل غدوة وروحة، لكن المتعظين بتلك الآيات قليل، جعلني الله وإياكم من أولئك القليل.
стр. 32
الزهد في الدنيا الفانية
مما يتعلق بذكر أفراسه ودوابه عليه الصلاة السلام أنه ﵊ بشر من الناس، يعيش كما يعيش الناس، يركب كما يركبون، ويمشي كما يمشون، ويفرح كما يفرحون.
فلما سبق فرسه فرح، ولما رأى فرساً أعجبه اشتراه، وقل ما نقل عنه البيع، أما الشراء فهو كثير، فكان يشتري ما يعجبه.
وكان يأخذ ويعطي، ويفاوض ويساوم، وكان سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى.
فهذا كله يدل على أنه بشر، وقد كان القرشيون يتعجبون ويقولون: كيف يكون هذا نبياً؟ ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:٧]، فأخبره الله جل وعلا، في آيات عديدة أن الدنيا ليست مكافئة لأحد، ولو كانت مكافئة في ذاتها لمنعها الله جل وعلا أهل الكفر، وقد عاش نبيه ﷺ بشراً كما يعيش الناس، ونعم بعض أهل الكفر، وبعضهم لم ينعم، تجري على الجميع أحكام الله جل وعلا القدرية، ولا علاقة لها بالإيمان، ولا بغيره.
لكن الآخرة هي دار الجزاء، فالله يقول في الزخرف: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥].
فجعل الله جل وعلا الآخرة هي دار الجزاء، ولما كان يحمل اللبِن ويحمل أصحابه اللبِن، كان عمار يحمل لبنتين لبنتين، فأعجب النبي ﷺ أنه يحمل لبنتين لبنتين، فقال: (ويح ابن سمية! تقتله الفئة الباغية، ثم قال: اهتدوا بهدي عمار)، ولما أراد أن يبث فيهم العلاقة الأخروية قال عليه الصلاة السلام يدعو: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة).
فالمؤمن وطالب العلم في المقام الأول لا يجعل من العلم حظاً لكسب دنيوي، وإنما يجعل العلم الذي علم به سنة النبي ﷺ وهديه وفقهه وما إلى ذلك طريقاً إلى الآخرة، وكل ما كان للإنسان حظ من الدنيا بعلمه، قل حظه في الآخرة، وقل قبول علمه عند الناس في الغالب.
العلامة الألباني رحمه الله تعالى وغفر له لما بشر بأنه فاز بجائزة الملك فيصل العالمية، حاول الصحفيون أن يجعلوا من فوزه بها مادة ثرية في الصحافة، فاتصل به أحد الصحفيين يهنئه ويسأله عن مشاعره، فقال الشيخ ﵀: ﴿وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٥]، ثم أقفل الهاتف، وأنهى المكالمة، فالعالم الرباني بحق هو من ينشد ما عند الله، وأجر الآخرة، وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه العلماء وطلبة العلم في المقام الأول.
فبادره وخذ بالجد فيه فإن آتاكه الله انتفعتا فإن أوتيت فيه طويل باع وقال الناس إنك قد رؤستا فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخ علمت فهل عملتا وإنما العلم العمل، فالله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر:٢٨].
стр. 33
سلسلة السيرة النبوية [فصل في أسمائه ﷺ ]
للنبي محمد ﷺ أسماء كثيرة، وهي تدل على معان عظيمة وصفات شريفة ومناقب حميدة، فمن أسمائه أحمد والماحي الذي يمحو الله به الكفر، والحاشر والعاقب الذي ليس بعده نبي ووصف بأنه نبي التوبة ونبي الرحمة، وسماه الله في كتابه بشيراً ونذيراً ورءوفاً ورحيماً ورحمة للعالمين.
стр. 34
أسماؤه ﷺ
قال المصنف رحمه الله تعالى: [روى جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : (إني أنا محمد وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي حشر الناس، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي) صحيح متفق عليه].
هذا فصل في ذكر أسمائه صلوات الله وسلامه عليه.
وتحرير المسألة أن يقال: إن من أسمائه ﷺ ما يشاركه فيه الناس مثل محمد وأحمد، فالناس يسمون بمحمد وأحمد، ولهذا لم يقل ﷺ في تفسيرهما شيئاً، قال: أنا محمد ولم يبين، وقال: أنا أحمد ولم يفصل؛ لأنهما من الأسماء المشتركة التي يجوز أن يتسمى بها كل أحد، لكن عندما قال: (أنا الماحي، أنا العاقب) فصل صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن الماحي والعاقب تتعلق بكونه نبياً ورسولاً، ولا تتعلق بكونه رجلاً ينادى بين الناس.
ومعنى كونه ﵊ ماحياً أي: يمحو الله به الكفر، والعاقب أي: جاء عقب النبيين ﵊، هذا يتعلق برسالته، فلهذا بين ما معنى الماحي، وبين ما معنى العاقب، وهو الحاشر الذي يحشر الناس على يديه، بمعنى: أن من أشراط الساعة خروجه ﷺ ، لكنه عندما قال: أنا محمد وأنا أحمد فهذا من أسمائه التي يشترك فيها ﷺ في أصل التسمية مع الناس.
وأحمد هو الاسم المسمى به في الإنجيل، ومحمد هو الاسم المسمى به في التوراة، في التوراة جاء أن اسمه محمد، وفي الإنجيل جاء أن اسمه أحمد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [روى أبو موسى عبد الله بن قيس قال: (سمى لنا رسول الله ﷺ نفسه أسماء منها ما حفظنا فقال: أنا محمد وأنا أحمد والمقفي ونبي التوبة ونبي الرحمة).
وفي رواية: (ونبي الملحمة) وهي المقتلة.
صحيح رواه مسلم].
أبو موسى هو أبو موسى الأشعري الصحابي الجليل المعروف، أحد الذين وفدوا على النبي ﷺ من اليمن.
والحديث كما بين المصنف أخرجه الإمام مسلم في الصحيح، وقد ذكر فيه النبي ﷺ أسماء خاصة به هي محمد وأحمد بالنسبة للنبيين، فلا يوجد نبي من الأنبياء اسمه محمد أو أحمد، لكن نبي التوبة تطلق عليه وعلى غيره من الأنبياء، ونبي الرحمة تطلق عليه وعلى غيره من الأنبياء؛ لأن كل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا رحمة وتوبة للناس، لكن الفرق بينه وبينهم أن له منها ﷺ الحظ الأوفر والنصيب الأكمل.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وروى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : (أنا أحمد وأنا محمد وأنا الحاشر، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، فإذا كان يوم القيامة لواء الحمد معي، وكنت إمام المرسلين، وصاحب شفاعتهم).
وسماه الله في كتابه العزيز: بشيراً ونذيراً ورءوفاً ورحيماً ورحمة للعالمين، ﷺ ].
الأسماء الأولى التي ذكرها ﷺ ونقلها المصنف تدل على رفيع مقامه ﵊ عند ربه، وعلو منزلته.
وله ﵊ خصائص في الدنيا وخصائص في الآخرة، والمقام المحمود خصيصة في الآخرة وهي أعظم خصائصه ﷺ ، قال ﵊ كما في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ثم صلوا علي، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد وأرجو أن أكون أنا هو) صلوات الله وسلامه عليه، ونحن نقول كما علمنا نبينا ﵊: (وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته).
والله جل وعلا قال له في الإسراء: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسراء:٧٩] فالمقام المحمود له ﷺ .
قال ﵊ في الحديث الصحيح: (ولواء الحمد يومئذ بيدي) كل الناس آدم فمن سواه تحت هذا اللواء الذي يحمله صلوات الله وسلامه عليه.
والمقصود: رفيع مقامه وجليل مكانته، ولا نريد أن نفصل فيها أكثر لأنها سيأتي بيانها في فصول قادمة، لكن معلومٌ من الدين بالضرورة مقامه الرفيع صلوات الله وسلامه عليه بين خلق الله أجمعين ورفيع منزلته وعلو درجته ﵊ عند ربه.
ثم قال المصنف: وسماه الله بشيراً ونذيراً ورءوفاً ورحيماً ورحمة للعالمين، هذه صفات له ﵊ أكثر من كونها أسماء، لأن جميع الرسل كانوا مبشرين وكانوا منذرين، وكانوا رءوفين بأممهم، وكانوا راحمين للعالم أجمع، لكن الفرق بينه وبينهم صلوات الله وسلامه عليه أن له المقام الأعلى وأنه أوفر حظاً وأكمل نصيباً ﵊.
стр. 35
نشأته ﵊
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ونشأ رسول الله ﷺ يتيماً يكفله جده عبد المطلب، وبعده عمه أبو طالب بن عبد المطلب.
وطهره الله من دنس الجاهلية ومن كل عيب، ومنحه كل خُلق جميل، حتى لم يكن يعرف بين قومه إلا بالأمين لما شاهدوا من أمانته وصدق حديثه وطهارته].
لا ريب أن الله أعد نبيه ﷺ لهذا الأمر العظيم منذ الأزل، فكان منطقياً أن يتعهده ربه جل وعلا من صغره، والله جل وعلا قال لموسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] فإذا كان في حق موسى فكيف بحق محمد ﷺ ؟! والمصنف هنا ذكر ما أفاءه الله جل وعلا عليه من إيواء جده عبد المطلب أول الأمر، ثم عمه أبي طالب، وكلا الرجلين بذلا جهداً عظيماً في كفالة نبينا ﷺ .
أما عبد المطلب فقد كان يقربه منه، وكان يُفرش له فراش عند الكعبة فيجلس ﷺ بجوار جده ولا يُعاتبه أحد رغم أن عبد المطلب كان وجيهاً سيداً مُطاعاً مهاباً، لكن كانت الحَظْوَة برسول الله ﷺ وهو صبي عند جده عظيمة.
فلما مات كفله عمه أبو طالب، وأبو طالب اسمه عبد مناف - على الأظهر -، وهذا العم مات على غير إسلام، مع أنه كان من أعظم النصراء لنبينا ﷺ .
ومما يذكر عنه من تعهده لنبينا ﵊ صغيراً وكبيراً أن قريشاً طلبت من أبي طالب أن يستسقي لهم حين أجدبت الديار - كما نقل ابن عساكر في تاريخ دمشق- فجاء أبو طالب وحمل النبي ﷺ وكان صغيراً أبيض - فألصقه بجدار الكعبة، فلما ألصقه بجدار الكعبة أشار ﷺ بإصبعه إلى السماء وهو صبي، فجاء السحاب من كل مكان فسقوا حتى سال الوادي، فقال أبو طالب في لاميته بعد ذلك: وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل وهذا من حظوة النبي ﷺ عند أبي طالب، فلما كبر بقيت هذه الحَظْوَة كما هي، وكان ﷺ قد رباه الله وتعهده أنه يفقه ماذا يفعل وماذا يصنع من دون أن يعلم أنه سيكون نبياً، فكان يرعى الغنم على قراريط لأهل مكة من أجل أن يسد العوز والفقر والمسكنة المالية التي أصابت أبا طالب حتى لا يكون عبئاً عليه، فلما حوصرت بنو هاشم في الشعب كان أبو طالب - رغم كفره - أحد الذين حوصروا مع النبي ﵊ في الشعب.
وبلغ من محبته - رغم الكفر- للنبي ﷺ أنه كان إذا جاء الليل يحمل النبي ﵊ من مكانه ويضعه في مكاناً آخر، ثم يأتي بأحد أبنائه ويضعه مكان النبي ﵊ حتى إذا أراد أحد قد بيت النية أن يغتال النبي ﵊ وهو نائم يغتال ابنه لصلبه ولا يغتال النبي ﵊، كان يفعل هذا وهو مشرك! يقول الله في الأنعام: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٦] ينهون عن قتل النبي ﷺ ، ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٦] أي: لا يقبل أن يدخل في الدين، حتى نعلم أن الهداية مردها إلى الرب ﵎.
стр. 36
قبول النبي نصرة عمه أبي طالب له رغم كفره
يجب على العاقل المسلم أن يستفيد من الأوضاع التاريخية التي يعاصرها، فـ أبو طالب كان كافراً، فاستفاد النبي ﷺ من جاه عمه ومن نصرته، ولم يقل: إنه كافر ولا أستعين به ولا ألجأ إليه، فإن الأوضاع تختلف من زمن إلى زمن ومن مرحلة إلى مرحلة، والمقصود هو نصرة الدين، فحيثما كان الطريق يؤدي إلى نصرة الدين فاعمل به ولا تبال؛ لأنه لا يخلو الأمر من مصالح ومفاسد، لكن إذا كان الإنسان يقدم أعظم المصلحتين ويدرأ أعظم المفسدتين فإن المقصود الأعظم نصرة الدين، وقد قبل ﷺ أن يكون مع عمه وهو كافر يسجد لغير الله في شعب واحد استفادة من جاه عمه ونصرته، وكان ﵊ يُثني على عمه، وتشفع له عند ربه أن يكون أهون أهل النار عذاباً، هذه الفائدة الأولى، وهي أن النبي ﷺ استفاد من نصرة عمه أبي طالب.
الفائدة الثانية أن الهداية بيد الله، وأن الإنسان قلبه كقلب غيره بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وأنت لا تفرح بشيء أعظم من نعمة الهداية، فإن نعمة الهداية التي رزقك الله إياها أو رزقكِ الله إياها يا أختاه حُرمها أبو طالب الذي نصر النبي ﷺ ، حتى تعلم فضل الرب ﵎ عليك، ولا ييئس أحد من أحد وهو يدعوه، ولا يجزم أحد في أحد وهو يراه، بمعنى: مهما رأيت على رجل من الصلاح لا تقطع له بجنة ولا بنار، ومهما رأيت على أحد من سوء وفساد لا تقطع له بجنة ولا نار، إنما الأعمال بالخواتيم.
كان عبد الله بن أبي السرح أحد الصحابة، أسلم قديماً ثم هاجر إلى المدينة وكان يجيد الكتابة، فكان يكتب الوحي لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
فلما نزلت سورة المؤمنون كان جبريل يمليها على النبي ﵊ وعبد الله بن أبي السرح يسمعها منه، (فقرأ جبريل على النبي ﵊: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢] فكان يقرؤها النبي ﵊ فيكتبها عبد الله، ثم قرأ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون:١٣] فكتبها، ثم أتم الآية، حتى قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ [المؤمنون:١٤] فكتبها عبد الله، فقال عبد الله قبل أن يتكلم النبي ﷺ : ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] فقال ﷺ : هكذا أنزلت علي أو هكذا أملاني إياها جبريل، فطبق الورقة التي كان يكتبها وقال: إن كان محمد كاذباً فأنا أكذب كما يكذب محمد، وإن كان محمد صادقاً فأنا يوحى إلي كما يوحى إلى محمد، وترك الإسلام وخرج من الدين ورجع إلى الكفر، وأصبح كافراً حتى كان عام الفتح).
وعبد الله هذا أخ لـ عثمان ﵁ من الرضاعة، فلما كان عام الفتح دخل عثمان به على النبي ﷺ ، وكان ﵊ قد أهدر دمه، فطلب له العهد أي: طلب منه أن يصون دمه، فسكت ﷺ وهو في ملأ من أصحابه، فجعل يحدق النظر فيه مدة طويلة، فلما ألح عثمان على رسول الله قال ﵊: (نعم) أي: أجرناه، فخرج عثمان بأخيه عبد الله خارج معسكر المسلمين، فلما خرجوا قال ﵊ لأصحابه: (أما قام منكم أحد حين رآني قد أبطأت عنه فيضرب عنقه؟ قالوا: يا رسول الله! لم نكن ندري ما مرادك، لو أشرت إلينا بعينيك، قال: ما كان ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين).
موضع الشاهد: أن هذا الرجل الذي ارتد أصابه الندم على ما كان عليه من الردة، فلما أسلم أخذ يكثر من الصالحات تعويضاً عما فات، فلما كانت الفتنة بين علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما ترك الفتنة واعتزلها وسكن في عكا في أرض فلسطين، ومكث حريصاً على الصلوات خوفاً من أن يختم له بسوء، وذات ليلة دعا ربه: اللهم أمتني وأنا أصلي الفجر، فلما كانت صلاة الفجر صلى بالناس إماماً، وقرأ في الأولى والعاديات ضبحاً - ولم ينقل الرواة ماذا قرأ في الركعة الثانية - ثم سلم التسليمة الأولى وقبل أن يسلم التسليمة الثانية فاضت روحه إلى ربه جل وعلا، ومات في صلاة الفجر كما دعا.
فانظر كيف تقلب ثم استقر على خير حال، فالقلوب بين يدي الرحمن.
وهذا أبو طالب كان مع النبي ﵊ في الحرب والسلم والسراء والضراء، وأقول: الحرب تجوزاً وإلا فلم يكن في مكة حرب، ومع ذلك لم يرزق الهداية، وقد يرزقها رجل في أقاصي الأرض كما قال الله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] نسأل الله لنا ولكم الثبات على هذا الدين.
стр. 37
خبر بحيرا الراهب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فلما بلغ اثنتي عشرة سنة خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام، حتى بلغ بصرى فرآه بحيرا الراهب فعرفه بصفته، فجاء وأخذ بيده وقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، هذا يبعثه رحمة للعالمين.
فقيل له: وما علمك بذلك؟ قال: إنكم حين أقبلتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجداً، ولا يسجدون إلا لنبي، وإنا نجده في كتبنا، وسأل أبا طالب فرده خوفاً عليه من اليهود].
هذه رحلة النبي ﷺ الأولى إلى الشام، وفيها خبر بحيرا الراهب وقوله: لم يبق حجر ولا شجر إلا سجد له، غير ثابتة، وإن ثبتت فيكون تخريجها على أن المقصود بالسجود هنا سجود تحية لا سجود عبادة؛ لأن الله لا يأذن لأحد شرعاً أن يسجد لغيره ﵎، فسجود الملائكة لآدم وسجود أخوة يوسف ليوسف كله كان سجود تحية ولم يكن سجود عبادة.
والمقصود: أنه ﷺ كان معروفاً في التوراة، وهذا الراهب اطلع على ما في التوراة، فعرف فيه من الدلائل ما يدل على أنه ﷺ سيكون خاتم الأنبياء.
стр. 38
خروجه ﵊ إلى الشام في تجارة لخديجة ثم زواجه بها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم خرج ثانياً إلى الشام مع ميسرة غلام خديجة ﵂ في تجارة لها قبل أن يتزوجها، حتى بلغ إلى سوق بصرى، فباع تجارته، فلما بلغ خمساً وعشرين سنة تزوج خديجة ﵍].
هذه هي الرحلة الثانية إلى الشام، وكانت كما ذكر المصنف مع ميسرة غلام خديجة، وهذه أحد الأسباب التي أرادها الله أن تقع حتى يتزوج ﷺ من خديجة بنت خويلد.
وخديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها وأرضاها لها خصائص لا يشاركها فيها أحد من أمهات المؤمنين، ولها خصيصة واحدة لا يشاركها فيها أحد من نساء العالمين.
من الخصائص التي لم يشاركها فيها أحد من أمهات المؤمنين أن النبي ﷺ لم يتزوج عليها وهي حية، فلم يجمع بينها وبين أحد من النساء.
والثانية: أن الله رزقه منها الولد ولم يرزقه الولد من غيرها إلا ما كان من جاريته مارية أم إبراهيم، هذه الخصائص التي تفردت بها خديجة رضي الله تعالى عنها عن أمهات المؤمنين.
أما الخصيصة التي تفردت بها عن نساء العالمين أجمعين: أن الله جل وعلا بلغها سلامه مع جبريل ﵇، وهذه خصيصة لا يعلم أن أحداً من نساء العالمين نالها رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
وقد ثبت عنه ﷺ كما في الصحيحين أنه قال: (إني رزقت حبها) أي: حب خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
стр. 39
بدء الوحي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فلما بلغ أربعين سنة اختصه الله بكرامته وابتعثه برسالته، أتاه جبريل ﵇ وهو بغار حراء -جبل بمكة- فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وقيل: خمس عشرة، وقيل: عشراً، والصحيح الأول].
هذا ذكر ما كان له ﷺ عند تمام الأربعين، ولما قارب الأربعين بدأ ما يدل على أن الله جل وعلا سيختصه بأمر عظيم، فكان لا يمشي في طرقات مكة إلا ناداه الحجر والشجر: السلام عليك يا نبي الله، فيلتفت يميناً وشمالاً فلا يرى شخصاً ولا خيالاً فيتعجب ويمضي، وكان يرى الرؤيا فتقع كفلق الصبح، فحبب إليه الخلاء، فكان يأخذ معه سويقاً وماءً وكان يتحنث الليالي ذوات عدد في غار حراء يتأمل في ملكوت الله، وكل هذا يمضي بقدر الله حتى أتم ﵊ رأس الأربعين.
فلما أتمها جاءه جبريل بالوحي من الله ليعطيه أعظم شرف على الإطلاق وهو أنه خاتم النبيين، ولم يكن ﵊ قد رأى الملك من قبل لا في صورته الحقيقية ولا في غيرها، كان رجلاً من عامة الناس.
وما بين هذه اللحظة وهذه اللحظة أصبح خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، جاءه الملك وقال: اقرأ، فقال: (ما أنا بقارئ) أي: لا أجيد القراءة.
فالملك يردد الطلب، والنبي ﷺ يردد الإجابة، ثم قال له الملك: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥] الخمس الآيات الأول من سورة العلق.
فنزل ﷺ يرجف فؤاده وتتسابق خطواته، يشكل عليه أمران، لذة المناجاة، والخوف والفزع الذي أصابه مما رآه لأول وهلة، فلما وصل إلى خديجة ﵁ وأرضاها أخبرها بما رأى فصدقته، فأصبحت خديجة أول هذه الأمة إيماناً برسولنا ﷺ ، فضمته وهو يقول: (دثروني دثروني، زملوني زملوني).
ولما أخبرها الخبر كانت تعلم أن باطنه وظاهره سواء، فقالت: والله لا يخزيك الله أبداً، ثم هذا اليمين استدلت عليه بدلائل، قالت: إنك لتعين على نوائب الحق، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وأخذت تعدد ما تراه وما تشاهده من زوجها صلوات الله وسلامه عليه، وأنه أهل للنبوة ﵊، فلم تفاجأ أنه سينبأ لما علمت ﵂ وأرضاها وهي تعاشره وتخالطه ويأوي إليها من عظيم صفاته وجليل مناقبه التي فطره الله جل وعلا عليها قبل أن ينبأ.
والإنسان إذا خاف يحتاج إلى شيء ثقيل يمسك جوارحه حتى تقل وحشته، فكانت بديهياً أن يقول: (زملوني زملوني دثروني دثروني) لأن الخوف بلغ به مبلغاً عظيماً، فدثرته خديجة فأنزل الله جل وعلا عليه قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢] وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [المزمل:١ - ٢] فأخذ ﷺ يدعو إلى ربه.
ثم انقطع الوحي فترة لحكمة إلهية، ولما انقطع الوحي لفترة ذهب الخوف وبقيت لذة المناجاة، فأصبح ﷺ في أعظم الشوق للمناجاة، فلما جاءه الوحي مرة أخرى بالقرآن كان ﷺ في أكمل حال يبلغ رسالة ربه على أكمل وجه.
ثم ذكر المصنف أنه عاش بمكة ثلاث عشرة سنة، وهذا هو الصحيح، وغيره شاذ لا يعول عليه، وفي المدينة عشر سنين بعد أن هاجر إليها صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 40
فرض الصلوات
الصلاة أعظم فرائض الدين، وكان ﷺ يصلي قبل أن تفرض عليه الصلوات الخمس -على الأظهر- ركعتين قبل الغروب وركعتين قبل طلوع الشمس، وكان يصلي بين الركنين اليمانيين.
فالإنسان إذا وقف بين الركنين اليمانيين واستقبل القبلة يصبح بيت المقدس أمامه، فيكون ﷺ في آن واحد قد جمع بين استقبال بيت المقدس لأنه شمال مكة، وما بين استقبال الكعبة، يعني: لم يجعل الكعبة وراء ظهره، فكان يصلي على هذه الحال.
ثم فرضت عليه الصلوات الخمس في رحلة الإسراء والمعراج، ثم هاجر إلى المدينة فمكث فيها ستة عشر شهراً، ثم أنزل الله جل وعلا عليه قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤].
فولى النبي ﷺ وجهه شطر المسجد الحرام، وعلى هذا يفهم أن ما ينقل من أن النبي ﷺ لما أراد أن يبني المسجد جاءه جبريل فمحى ما بينه وبين مكة حتى رأى الكعبة فجعل القبلة عليها هذا غير صحيح؛ لأن النبي ﷺ لما بنى المسجد كانت قبلته جهة الشمال، ولم تكن جهة مكة جهة الجنوب، وإنما بدل هذا بعد ستة عشر شهراً، لكن إن قيل: إن هذا حصل بعد التبديل ربما يكون له وجه من النظر.
следующие страницы →