Полный текст (61 стр.). Показаны 36–61 · переход к 41.
стр. 36
شرح حديث: (إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه)].
هذا من تأديب النبي ﷺ لأمته، فالله جل وعلا خلق الخلق متفاضلين فيما أعطاهم من النعم، وفيما صرفه عنهم من النقم، وبما جبلهم عليه من الخلق والخلقة، فالإنسان بين أمرين: بين أمر ديني وأمر دنيوي، ففي أمور الدين والطاعات ننظر إلى من هو أعلى منا؛ حتى نحتقر أعمالنا وننافسهم في الطاعات، قال الله جل وعلا: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦].
وأما فيما أفاء الله علينا من الدنيا فإن الإنسان إذا نظر إلى أعلى دخل عليه الشيطان فجعله يزدري نعمة الله عليه، فحري به أن ينظر إلى من هو أسفل منه، وليس المقصود بأسفل أن من كان مبتلىً فهو أسفل لا، وإنما المقصود أقل فيما هو ظاهر من فضل الله الدنيوي عليه، والفضل الدنيوي لا ينجم عنه أجر ولا عقاب؛ فإن الله جل وعلا يعطي الدين لمن يحب، ويعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب، ولا يتعلق بالفقر والغنى، ولا بالصحة والمرض أي ثواب ولا عقاب، فلا يدخل أحد الجنة لأنه مجرد فقير، ولا يدخل أحد النار لأنه مجرد غني، ولا يدخل أحد النار لأنه معافىً، ولا يدخل الجنة أحد لأنه مبتلىً، لكن العبرة بتعاملنا مع الغنى والفقر، وتعاملنا مع الصحة والمرض، وتعاملنا مع العافية والابتلاء، فهذا هو الذي ينجم عنه العمل، وينجم عن العمل إما الثواب إن كان في الطاعات، وإما العقاب إن كان في المعاصي.
هذا الذي يتحرر من هذا الحديث عموماً.
فالإنسان متى ما سلم من الكبر كان حرياً به ألا يزدري نعمة الله جل وعلا عليه، ومن أعظم المهلكات -عياذاً بالله- أن يقع في الناس أو في الفرد أو في المرء كبر في أمور الدنيا؛ لأنه لا يمكن أن يقع في أمور الدين؛ لأن هذا لا يسمى ديناً أصلاً، لكن قد يقع في أمور الدنيا كبر ويشعر الإنسان بالعلو، فإذا شعر الإنسان بعلوه نجم عن ذلك تصرفات إما قولية أو فعلية، فتكون عياذاً بالله من أعظم المهلكات، والحجاج بن يوسف هذا أمير عرف عنه البطش الشديد، وكان من أذكياء الخلق، وأشدهم علماً باللغة، يقول عن غيره -رغم علوه-: أربعة كانوا بالكوفة لو أدركتهم لضربت أعناقهم -وذلك قبل أن يصل هو إلى الكوفة- قيل: من هم أيها الأمير؟! وأنا سأذكر نماذج كفرية، فالإنسان إذا علم هذه النماذج فلينظر إلى وقعها على قلبه؛ فإن رأيت في نفسك نكراناً لها فهذا والحمد لله فضل من الله، وإن رأيت في نفسك حباً أن تكون واحداً منهم فينبغي على المرء أن يصلح قلبه، قال الحجاج: صعد أحدهم على منبر فخطب خطبة أعجبت الناس، فقد كان بليغاً، فلما نزل من المنبر قال له أحد الناس: كثر الله من أمثالك، فقال هذا المتكبر عياذاً بالله: لقد كلفت ربك شططاً! فهذا كفر، لكن أنت لا تتوقع أن هذا الرجل قال هذه الكلمة بمجرد أنه صدم بالسؤال، لكن هذه سرائر، فهذا عتو أصلاً في القلب، فلما جاء الموقف الذي يستخرج منه باللسان قال هذه الكلمة.
وأحدهم ضاع عليه فرس فقال: قسماً بالله! لئن لم يرد الله إلي فرسي لأتركن الصلاة والصوم، فما هي إلا برهة فرجعت إليه فرسه، فقال عياذ بالله: لقد علم ربي أن يميني كانت حقاً، وهذا أكفر من الأول عياذاً بالله، ولا أريد أن أذكر الإثنين؛ فأخشى على نفسي وعليكم من قسوة القلب، لكن المقصود أن هذين الرجلين كمثال، فهذه أشياء سرائر تقع في القلب سراح -عياذ بالله- فيشعر الإنسان فيها أنه كبر.
ونبيكم ﵊ كان مرة على قصعة من طعام، والناس ملتفون حولها، فكأنهم كثروا، فغير جلسته وجلس جلسةً أخرى، فكأن أحد الحاضرين تعجب منها، أي: كأنه اشمأز منها، وهو أحد الأعراب الذي لم يكن قد وصل الإيمان بعد إلى قلبه وصولاً حقيقياً، فنظر نظرة يستنكر فيها هذه الجلسة، فقال ﷺ : (إنما أنا عبد الله ورسوله).
وسيمر عليكم في البخاري في حديث الشفاعة أن النبي ﷺ لما كان يأكل الذراع -فقد كانت تعجبه- أخذها ينهسها نهساً، فهذا النهس ليس أكل الملوك، ولا أكل المترفين، وإنما أكل شخص جائع، والنبي ﷺ أعظم الناس أدباً، لكنه أراد بذلك أن يبين فقره ومسكنته وأنه عبد للرب ﵎، فلا يصنع صنيع المترفين الذين ينظرون إلى ما حولهم نظرة استغناء.
стр. 37
حمد الله وشكره على جميع النعم
والمقصود من الحديث: (فلينظر إلى ما هو أسفل منه) أن الإنسان يحمد الله جل وعلا على نعمة العافية، وأي بلاء أنت فيه ثق تماماً أنه يوجد من هو أعظم بلاء منك، لكن عليك أن تفقه أن الإنسان متى سلم دينه فليس في بلاء قط، ومتى ابتلي في دينه فهو لم يرَ العافية أبداً، فالبلاء الحق أن يبتلى الإنسان في دينه وفي قلبه، وأما البلاء في الأبدان فإنه ينتصر ويتغلب عليه بالصبر واحتساب الأجر من الله جل وعلا يوم القيامة، يقول ﷺ : (يود أهل العافية يوم القيامة لو أنهم غلبوا بكذا وكذا)؛ لما يرون من إكرام الله جل وعلا لأهل البلاء، والمقصود أهل البلاء الذين عوفوا.
فالله جل وعلا لما خلق أبانا آدم، وأخرج من ظهره ذريته، رأى آدم في أبنائه التفاوت: فمنهم المعافى، ومنهم المبتلى، فقال: أي رب! لو سويت بين عبادك، فقال الله له: يا آدم! إني أحب أن أشكر.
فليتفكر كل واحد منا فيما أفاء الله جل وعلا عليه من النعم: من نعمة العافية، من نعمة المال، من نعمة الستر، من نعمة القدرة على الغدو والرواح، من نعمة القدرة على الذكر، فهل أدى شكر هذه النعم أو لم يؤدها، والله! إن المرء ليستحي من الله إذا آوى إلى فراشه وهو يخطو على قدميه، ويرى العافية في نفسه، ويرى العافية في أهله، ويرى العافية في أبنائه، ويرى العافية في بناته، يرى العافية في نظرة الناس إليه، ويقدر يصنع أي شيء، ويخرج بأي ساعة من الليل، فيقود سيارته ويشتري طعاماً، ويزور صديقاً، ويؤانس أخاً، ويتنقل في بيته كيفما يشاء، ثم يهم أن يضطجع، فليسأل نفسه: أين هو من شكر الله ﵎ على هذه النعم؟ على الأقل إن كنا عاجزين ومقصرين في شكرها عبادياً وعمل جوارح، فلا أقل من أن يشكر الله جل وعلا اعتقاداً بالقلب، فليقع في قلبك أن الله جل وعلا قادر على أن يسلبك هذه النعمة، وأن الله جل وعلا قادر على أن يأخذها منك، وأن الله جل وعلا قادر على أن يمنعك مما تستطيع أن تفعله.
فإذا وقع هذا في القلب كان الإنسان قد وصل إلى طريق عظيم في شكر الله جل وعلا، وقد ورد أن الله جل وعلا قال لداود: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣] قال: أي رب! ونعمة الشكر منك، فأوحى الله جل وعلا إليه: الآن عرفتني يا داود! واعلم أن الله جل وعلا غني أصلاً عن طاعتنا كلها، ألا ترى إلى هذه الضفادع فنقيقها تسبيح لله ﵎؛ فلهذا حرم النبي ﷺ قتلها، والإنسان يمر على مستنقع ماء فيسمعها ويتأذى من صوتها، لكن من علمه الله القرآن والسنة إذا سمع نقيقها تذكر تقصيره في حق الله جل وعلا وشكره، والتسبيح بحمده، وذكر آلائه، وتعريف الناس بربهم ﵎.
والمقصود من هذا كله: ألا ينظر الإنسان إلى الخلق نظرة ازدراء، وأن يحمد الله جل وعلا على نعمه وفضله، والله يقول: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]، علمني الله وإياكم، وأدبنا بأدبه ﵎.
стр. 38
شرح حديث ابن عباس: (إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه قال: (إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها وعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله عليه سيئة واحدة)].
هذا الحديث لا يحسم شرحه إلا أن يكون مضموماً إلى أحاديث أخر، وعلى هذا سأفصل تقعيداً في معنى الحديث من الناحية الإجمالية: قوله ﷺ يقول الله : (إن الله كتب الحسنات والسيئات) هذا إجمال، (ثم بين ذلك) هذا تفصيل لذلك الإجمال، وسنشرع في هذا التفصيل بناءً على ما حرره أهل العلم ﵏.
فإذا وقع من الإنسان هم بالحسنة فلم يعملها تكتب له حسنة واحدة.
هذه هي الحالة الأولى.
الحالة الثانية: أن يهم بالحسنة وصاحَبَها عملٌ، فتكتب عشر حسنات، وتضاعف إلى سبعمائة، أو تضاعف إلى أضعاف كثيرة، هذا في باب الحسنات.
إذاً: باب الحسنات فيه قسمان: القسم الأول: أن يهم بحسنة فلا يفعلها، فله أجر الهم والعزم على الحسنة، لكن لا تصل إلى عشر؛ لأنه لم يعمل شيئاً.
القسم الثاني: أن يعمل شيئاً فتصير الحسنة بعشر حسنات، وهي قابلة للمضاعفة إلى سبعمائة ضعف، ثم إلى أضعاف كثيرة.
نأتي الآن للسيئة عياذاً بالله، وقلت: هذا الحديث لا بد أن يفهم مع أحاديث أخر: الحالة الأولى: أن يهم بالسيئة ويعزم عليها ثم لا يفعلها، فننظر ما السبب الذي من أجله لم يفعلها، فإن كان تركها خوفاً من الله فلا تكتب عليه سيئة، وإنما تكتب له حسنة، وقد جاء في الحديث القدسي: (من جرائي) يعني: بسببي، هذه الحالة الأولى.
الحالة الثانية: همّ بها وعزم عليها، ومنعه من أن يفعلها مراقبة الناس له، أو الرياء، أو خوفاً من الناس، فهذا والعياذ بالله الصواب: أنه تكتب عليه سيئة، لكنه لا تكتب عليه سيئة عمل، وإنما سيئة عزم وهم؛ لأنه ترك العمل من أجل الناس لا من أجل الله، فهذا عمل محرم.
الحالة الثالثة: أن يهم بالسيئة ويعزم عليها، لكن لا يمنعه منها الخوف من الله، ولا مراقبة الناس، وإنما منعه منها أنه لم يتمكن من فعلها بصارفٍ اضطراري، فهذا تكتب عليه سيئة، ودليله حديث: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما)، فقد قال ﷺ لما سئل عن المقتول قال: (لقد كان حريصاً على قتل صاحبه)، فهذا يأثم ويؤاخذ؛ لأن الذي منعه شيء غير اختياري منه.
الحالة الرابعة: أن يهم بالسيئة ثم يغتر عنها، وينفسخ من فعلها، فإذا انفسخ من فعلها انقسم إلى حالين: الحالة الأولى: أن ينساها تماماً، فتصبح الأولى كأنها خاطرة، فهذا لا له ولا عليه.
والحالة الثانية: أن يبقى هذا الهم بالسيئة والعزم عليها مصاحباً له مخالطاً له، يرتقب فعلها بين الحين الآخر، فجمهور العلماء: على أنه يؤاخذ بهذا العزم، وهو الذي نختاره إن شاء الله وهو الصحيح.
فهذا التقسيم كله يتضح إذا ضممنا هذا الحديث إلى قرائنه من الأحاديث الأخر المذكورة في الباب الثاني.
ويتفرع من هذه المسألة مسائل أخر، مثل قضية: هل تضاعف السيئة؟ فالذي عليه جمهور العلماء أنها لا تضاعف، ولا حتى في مكة، خلافاً لمن قال من أهل العلم: إنها تضاعف في مكة؛ لأن القواطع في القرآن قائمة على أن السيئة لا تضاعف، قال الله جل وعلا: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام:١٦٠].
لكن نقول من باب العلم -والعلم عند الله-: إنها قد تعظم لشرف المكان، لكنها لا تتعدد، بل تبقى سيئة واحدة، لكنها بتعبير علمي سيئة مغلظة وسيئة عظيمة؛ لشرف المكان، كالمعصية في رمضان، والمعصية داخل الحرم، فلا نستطيع أن نعددها؛ لأن الله يقول: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، لكن كذلك نقول: إنها تعظم لشرف المكان، أو شرف الزمان.
وينجم عن هذا كذلك مسألة أخرى وهي: تفاضل الأعمال، فهل هناك سبب للتفاضل؟ الأعمال قد تفضل إما نية، وإما زماناً، وإما مكاناً، وإما شخصاً، فالإنسان قد تكون نيته صادقة والعمل واحد مع شخص آخر، لكن ذلك نيته أقل، فيفضل هذا.
وزماناً كليالي العشر في رمضان، والعشر الأول من ذي الحجة، ورمضان من حيث الجملة، وليلة القدر، فالقيام في ليلة القدر ليس كالقيام في غيرها، فهذه فضيلة زمان.
والمكان كقوله ﷺ : (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)، ومعلوم أن المسجد كله هو مسجده، فذكْر هذا الكلام يدل على أن هناك فضيلة في هذا المكان، وإن لم يأت الشرع بتحديدها.
وكذلك فضل مكة والمدينة وأمثال ذلك، والمسجد إذا ما قورن بغيره كالسوق، فهي بيوت الله، فهذا فضل المكان.
وأما الشخص: فمثل النبي ﷺ فإنه يجري عليه ما يجري على غيره، والله جل وعلا يقول له: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء:٧٥]، كما يقع هذا في حقه في السيئات يقع في حقه في الحسنات، ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب:٣٢]، فهذا لارتباطات شخصية أعطاها الله جل وعلا لبعض خلقه.
هذا ما تيسر إيراده، وحرصنا في هذا اللقاء في هذا المجلس أن يكون الدرس علمياً.
ختاماً: أوصيكم ونفسي بتقوى الله جل وعلا، وأن تكون الغاية من سماع هذه الأحاديث النبوية أن تترقق القلوب، وأن تكون باعثاً للإنسان على الطاعة والقرب من الله جل وعلا، والموفق الله، وهو المعين، والله تعالى أعز وأعلى وأعلم.
وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 39
الأسئلة
стр. 40
سهولة دخول الجنة والنار
السؤال
قلتم: إن دخول الجنة سهل، فما معنى ذلك؟
الجواب
قلنا: دخول الجنة سهل إذا تحقق القصد وعمل بالطاعة، ودخول النار عياذاً بالله سهل إذا اتبع المرء هواه وفعل المعصية.
стр. 41
التدرج في طلب العلم
السؤال
هل يستفاد من قوله ﷺ : (القصد القصد تبلغوا) التدرج في العلم؟
الجواب
نعم.
هذا استنباط جيد.
стр. 42
تقديم الدروس العلمية على إجابة دعوة العرس عند التزاحم
السؤال
ما هو الأولى: إجابة الدعوة، أو الدروس العلمية إذا توافقت في يوم واحد؟
الجواب
الزواج قائم بك وبدونك إذا لم يكن قريباً ولصيقاً لك كأخيك أو ابنك؛ لأنه في الغالب لا يضر الناس القائمين على الأفراح أن يتخلف واحد أو اثنان أو ثلاثة، لكن يضرك أنت أن تفقد العلم، أو أن تغيب عن العلم، خاصة إذا كان في شيء يفوت.
стр. 43
حكم الشرب قائماً
السؤال
هل ورد أن الرسول ﷺ شرب قائماً؟
الجواب
نعم، وهناك بيتان من الشعر: إذا ما شربت فاقعد تفز بسنة صفوة أهل الحجاز وقد صححوا شربه قائماً وإنما ذاك لبيان الجواز إذا جئت تشرب فاقعد تفز.
يعني: بعين السنة.
بسنة صفوة أهل الحجاز ﷺ .
وقد صححوا.
أي: الأحاديث الواردة في شربه قائماً، وإنما ذاك بيان الجواز.
стр. 44
نصيحة لمن يزعج الناس في المساجد بالجوالات وغيرها
السؤال
لقد أزعجنا الذين حولنا بكثرة كلامهم في الجوال، فأرجو التنبيه لهم؟
الجواب
لا ينبغي لأحد ذلك، فهذا بيت من بيوت الله، والأصل أن يذكر فيه الله جل وعلا، والدروس العلمية من ذكر الله، فلا يحرم الرد على الجوال ولا المكالمة ابتداءً في المسجد، ومن كان لديه شيء ضروري يخرج من المسجد وينهي أمره، ثم يعود.
وقد أدركنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه في المدينة، فكان يصلي الفجر في الصف الأول، وله دوام في الجامعة، وكانت بعض حلقات العلم تقام في المسجد النبوي بعد أذكار الصلاة، والشيخ لم يكن له درس بعد الفجر؛ لأن وراءه دواماً في الجامعة، فكان والله! يمر على الحلقات واحدة واحدة فيجلس في كل حلقة قليلاً ثم يمضي؛ خوفاً من أن يدخل في قول النبي ﷺ : (أما هذا فأعرض فأعرض الله عنه)، حتى يصل إلى سيارته، ثم يذهب إلى بيته، ثم إلى دوامه في الجامعة.
ومثل هذه الأعمال التي يتبع فيها المرء السنة يكتب بها للعبد القبول في الأرض، وقد نعلم من عرفناهم أو كانوا جيراناً، أو صحبناهم، أو سمعنا عنهم، كان عندهم في تعظيم السنة أمور جليلة جداً، ولهذا والله! إن رؤيتهم يعني: تؤثر في المرء.
فالمقصود أن هؤلاء الناس يؤثرون فينا بما نعلمه عنهم من اتباعهم للسنة، وقيامهم بالواجب على أنفسهم ومع غيرهم.
وصلى الله على محمد وعلى آله.
стр. 45
سلسلة شرح كتاب الرقاق من صحيح البخاري [٥]
لقد ذكر النبي ﷺ أن الأمانة ترفع في آخر الزمان، حتى يتبايع الناس فلا يجدون رجلاً أميناً، حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً.
وذكر أيضاً ﵇ أن الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيهم راحلة رأي ولا تكاد تجد الرجال الفضلاء إلا في القليل النادر.
ثم ذكر أن من صلح حاله وقام بالطاعات فإنه يجب لقاء الله، وأما من فرط في ذلك وتنكب الطريق فإنه يكره لقاء الله، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه.
стр. 46
شرح حديث حذيفة في رفع الأمانة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأرض والسماوات، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، ختم الله به الرسل، وأتم الله به النبوات، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم عليه، وعلى آله وأصحابه أهل الفضل والمروآت، أما بعد: فهذا بحمد الله وتوفيقه استئناف لتعليقنا الموجز على كتاب الرقاق من صحيح البخاري رحمه الله تعالى، وكما جرت سنن الدرس من قبل أن يقرأ أخوكم ثم نعلق إن شاء الله تعالى على ما تلاه وقرأه، على أن بعض الأحاديث في هذه الليلة قد يكون فيها شيء من الطول، فتكون القراءة من قبل الشيخ عبد المجيد قراءة مجزأة؛ حتى يستقيم الشرح مع الجزء الذي سيشرح، فليتفضل.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب رفع الأمانة.
عن حذيفة ﵁ قال: (حدثنا رسول الله ﷺ حديثين رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة)].
هذا الحديث أخرجه البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب الرقاق عن الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان، وحذيفة بن اليمان هو صاحب سر رسول الله ﷺ ، وهو راوي الحديث المشهور في الفتن: (كان الناس يسألون النبي عليه الصلاة السلام عن الخير، وأسأله عن الشر؛ مخافة أن أقع فيه).
وحسبك هنا أن تعلم أن هذا الحديث رواه صحابي له علاقة وطيدة جداً بالنبي ﵊، فهو صاحب سره، أي: أنه اطلع على أمور لم يطلع عليها الكثير من الصحابة، وقد عين له النبي ﵊ أسماء المنافقين الذين كان يعلمهم ﵊.
وفي هذا الحديث إخبار عن رفع الأمانة، وقد قسم ذلك إلى قسمين: فأول الحديث يتكلم عن نزولها، وآخر الحديث يتكلم عن رفعها، فقال في نزولها: إنها نزلت في جذر قلوب الرجال، وكلمة جذر: تقرأ جَذر وتقرأ جِذر، بالكسر والفتح، وكلاهما صحيح، ومعنى الجذر: الأصل من الشيء.
وفي هذا الإخبار أن هناك ثلاث طرائق جعلت بها الأمانة في قلوب الرجال: الطريق الأول: طريق الفطرة، وطريق الإلهام، وطريق الوضع الرباني المحض، وهذا معنى قوله: (نزلت في جذر قلوب الرجال) أي: في أصلها، فينشأ الإنسان والمرء فطرة على أنه أمين.
ثم قال: (ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة)، ويصح أن تقرأ: ثم علّموا القرآن، ثم علّموا السنة.
من هذا الحديث اخذ العلماء أن الأصل أن يتعلم الإنسان القرآن في الأول، ثم يتعلم السنة، وأن يفقه الإنسان القرآن ثم يفقه السنة، ولو تعلمهما متجاورين -أي: ليس هناك فارق زمن بعيد بينهما- فلا حرج، لكن ينبغي أن يتعلمها جميعاً احتياطاً أنه ظهر منذ القدم أقوام يقولون: يكتفى بالقرآن ولا حاجة للسنة، وفي عصرنا يسمون أنفسهم بالقرآنيين، ولكن هذه التسمية التي أطلقوها على أنفسهم غير صحيحة، لأن الرجل إذا فقه القرآن أصلاً علم أن من لوازم فقه القرآن أن يعلم السنة، والنبي ﷺ يقول: (تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي)، وقال: (إلا وإني أوتيت القرآن وما يعدله)، وفي رواية (ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه)، وفي الحديث: (يوشك رجل شبعان متكئاً على أريكته يقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه عملنا به، ومالم نجد فيه لا نعمل به) أي: كأنه ينبذ السنة.
وقال ﷺ : (لا أعرفن رجلاً يأتي لأمر إما أمر أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فهذا لا نجده في كتاب الله) أو كلمة نحوها.
فهؤلاء لم يوجدوا في زمن النبوة لكنهم وجدوا بعد ذلك، وقد حذر منهم نبينا ﷺ ، وأول ما ظهرت نبتة هؤلاء القوم كان ذلك في زمن الشافعي، رحمه الله تعالى، ولذلك أفرد الشافعي ﵀ في كتابه الرسالة باباً يخصهم، وذكر محاورة جرت له مع بعضهم، وكيف أقام ﵀ الحجة عليهم، وأبان لهم الأمر، وأوضح لهم المحجة، فجزاه الله عن الأمة خير الجزاء.
ثم ما زال هؤلاء القوم يكثرون في عصر ويقلون في عصر، فمن رام أن يحمل الناس على أن الدين ما في القرآن فقط، فهو يريد أن يحملهم على هدم الدين؛ لأنه لا يمكن أن يعرف القرآن إلا بالسنة، والقرآن جاء لتعظيم سنة ﷺ القولية والفعلية والتقريرية، والله جل وعلا يقول: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤].
فإن قلنا: إن الفاعل في (دعاكم) هو النبي ﷺ فالأمر واضح، وإن قلنا: إن الضمير يعود على لفظ الجلالة، فما سلف من أول قوله جل وعلا: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال:٢٤] معناه أن القرآن والسنة شيء واحد، ولا يجوز أبداً، بل عين الكفر أن يطالب الإنسان الناس العمل بما في القرآن فقط، وأن يطالبهم بترك السنة، وأنها لا حجة فيها.
وقد نشرت مقالات في أول هذا العصر في مجلة المنار التي كان يشرف عليها العلامة رشيد رضا ﵀، ذكرها رجل أظن أن اسمه توفيق أو ما أشبه ذلك، ولا يعنينا اسمه، وقد ذكر في عنوانها: القرآن هو الإسلام فقط، أي لا حاجة للسنة، وفي عصرنا هذا كما قلت يظهرون هاهنا وهناك، والمقصود من ذلك كله هدم الدين، لكن الحجة قائمة عليهم؛ لأن الدين لا يعلم إلا بالقرآن والسنة، لكن المنهجية العلمية تجعلنا نقول: نبدأ بالقرآن ثم بالسنة، فما أشكل علينا فهمه من القرآن نفهمه عن طريق السنة، ومثاله أن الله جل وعلا ذكر في القرآن أن القصر في الصلاة لا يكون إلا لسبب الخوف: (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا)، لكن السنة بينت أن القصر في السفر يكون في الخوف وفي غير الخو، قال ﷺ : (صدقة تصدق الله بها عليكم).
وهذا هو المراد من قول حذيفة عن النبي ﷺ : (ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة).
وطالب العلم الحق هو من يجمع بينهما، ولا سبيل إلى فهم القرآن إلا بالسنة، ولا سبيل إلى الأخذ بالسنة إلا بموجبات القرآن، والله أعلم.
стр. 47
رفع الأمانة في آخر الزمان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [(وحدثنا عن رفعها فقال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت، ثم ينام النومة فتقبض، فيبقى أثرها مثل المجل: كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبراً وليس فيه شيء، فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، ويقال للرجل: ما أعقله وما أظرفه وما أجلده، وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان)].
نسأل الله العافية، بعد أن تكلم ﷺ عن نزولها تكلم عن رفعها، وهناك خلاف بين العلماء في المقصود بالأمانة في الحديث: فقال بعضهم: إن الأمانة في الحديث هي عين الأمانة في قول الله جل وعلا في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب:٧٢]، ففسرت بالإيمان، وهو ظاهر الحديث، لكن ينبغي أن يفرق بينهما وأن يقال: إن المقصود هنا أثر الإيمان، وهناك تلازم، فإذا ضعف الإيمان تكون الخيانة، وإذا قوي الإيمان تكون الأمانة، هذا هو الصواب في فهم الحديث، فإذا ضعف الإيمان رفعت الأمانة، وحلت -عياذ بالله- الخيانة.
قوله: (مثل أثر الوكت)، الوكت: هو الأثر اليسير للشيء.
قوله: (ينام النومة) اختلف في معنى (ينام النومة)، لكن الأظهر -والله تعالى أعلم- أنه يضعف إيمانه، فالنوم أخو الموت، فشبه ضعف الإيمان بالنوم؛ لأن عدم الإيمان يسمى موتاً، ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام:١٢٢]، فيكون نومه هو ضعف إيمانه، فإذا ضعف إيمانه نجم عن ذلك -عياذاً بالله- الخيانة وقلة الأمانة، فالوكت هو الأثر اليسير للشيء.
ثم ذكر المجل، والمجل في اللغة: ما يكون من أثر العمل إذا غلظ، فمثلاً إذا صنعت بيدك شيئاً شاقاً فإذا فرغت من ذلك العمل فإنه يكون هناك أثر في اليد، وهذا الأثر الذي في اليد من ذلك العمل الغليظ يسمى مجلاً.
وأما التنفط فهو الانتفاخ، والإنسان -كما جاء في الحديث- إذا وطأ على جمرة ولو كانت الجمرة يسيرة فإنها تؤثر في باطن القدم، فيحصل تنفط وانتفاخ، وهذا التنفط والانتفاخ يصير وكأنه ورم وليس بداخله شيء.
فكذلك الرجل ضعيف الإيمان يرى أو يتعاهد معه ويبايع، وتقام معه العهود والمواثيق، ويظن راعيه أنه حامل للأمانة، وليس لديه من الأمانة شيء، فيقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً ثم أتى بأسلوب تعجب: (ما أظرفه ما أعقله ما أجلده)، وهذا كله يسمى أسلوب تعجب وهو في الحقيقة مدح من الناس على الظاهر، لكنك إذا تبايعت معه وتعاملت معه فإنك لا تجد عنده من الأمانة شيئاً أبداً.
هذا الكلام الآن عن رفعها، وسيأتي إيضاح أكثر فيما تبقى من الحديث.
قوله: [(ولقد أتى علي زمان وما أبالى أيكم بايعت، لئن كان مسلماً رده الإسلام، وإن كان نصرانياً رده علي ساعيه، فأما اليوم فما كنت أبايع إلا فلاناً وفلاناً)].
القائل هنا هو حذيفة رضي الله ﵎ عنه، والمعرفة التاريخية بالراوي إذا تحدث مهمة جداً؛ حتى يعلم الإنسان مقصود ذلك الراوي، فإن التبايع في الأصل والبيعة إنما تنصرف أول ما تنصرف إلى البيعة الشرعية مع ولي الأمر، لكنها هنا محال أن تنصرف إلى البيعة الشرعية، الحديث هنا لا علاقة له بالبيعة الشرعية، ولا بد من قرائن ودلائل تؤكد صرفنا للبيعة عن البيعة الشرعية، والدليل أن حذيفة ﵁ يقول: فأما اليوم فلا أبايع إلا فلاناً وفلاناً.
فـ حذيفة ﵁ وأرضاه قد بايع عثمان، وولاه عثمان على المدائن، وقتل عثمان وحذيفة والي عن المدائن، فبايع حذيفة ﵁ بعد عثمان علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، ومات في أول خلافة علي، فكونه ﵁ يبايع عثمان وعلياً رضي الله تعالى عنهما هذا يدل على أن المقصود بقوله: أما اليوم فلا أبايع إلا فلاناً وفلاناً أنه يقصد البيع والشراء، ولا يقصد البيعة الشرعية.
ثم ذكر ﵁ ما يفهم فيه أن انصرام الأيام وتوالي الفتن جعلت الإنسان لا يثق في كثير ممن حوله، فالفتن بدأت بعد مقتل عثمان، وبتعبير أحرى بدأت بعد مقتل عمر، لكن بعد مقتل عثمان انفتح باب الفتن على مصراعيه؛ لأن قتل عثمان أول حادثة في الإسلام نجم عنها افتراق الأمة، والأمة إلى اليوم لم تجتمع اجتماعاً حقيقياً بعد مقتل عثمان.
وعثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه ثالث الخلفاء الراشدين، وقد دخل على النبي ﷺ ذات مرة والنبي ﷺ جالس على فوهة بئر، والنبي يعيش حياة طبيعية، فالبئر دخلها ولم يكن هناك أحد، فجلس ﷺ على فوهة البئر، فكشف عن ساقيه، فدخل أبو بكر مستأذناً عن طريق أبي موسى الأشعري، فجلس بجوار النبي ﷺ ، وأدباً كشف عن ساقيه، ثم دخل عمر ﵁ وأرضاه مستأذناً، وجلس بجوارهما وكشف عن ساقيه، وقد كشف الشيخان رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما عن ساقيهما حتى لا يقولا في أنفسهما للنبي ﷺ : نحن أكمل منك أدباً، لكن لما صنع النبي ﷺ هذه الجبلة صنعا مثله، حتى لو رآهم راءٍ لا يقول: انظر إلى هذا كاشف عن ساقيه وهذان مؤدبان فاضلان، فكشفا مثله؛ تأدباً معه صلوات الله وسلامه عليه.
وموضع الشاهد أن عثمان دخل فاستأذن كما استأذن أخواه، فقال ﷺ لـ أبي موسى: (ائذن له، وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فقبل البشارة وقال: الله المستعان)، وفي رواية قال: (إنا لله وإنا إليه راجعون، ونصحه النبي أنه سيطلب منه نزع القميص الذي البسه الله إياه فلا ينزعه).
فالقميص أُوِّل بالخلافة، ثم إن أولئك الذين خرجوا على عثمان ﵁ وأرضاه قدموا من مصر وغيرها، واجتمعوا في أيام الحج عند بيت عثمان يحيطون بالدار.
وعثمان ﵁ ولى بعض قرابته ولايات، وإذا أردت أن تعلم الناس فلا تطأطئ رأسك، ولا تُخفِ أشياء وتظهر أشياء؛ لأنك إذا أخفيك أشياء وأنت تعلم فإن الذي تعلِّمه إذا وقع على هذه الأشياء ترك الذي علمته، ونحن لا يوجد شيء نخافه حتى نخفيه، فالتاريخ الإسلامي واضح جلي، وليس بيننا وبين الفرق المخالفة لنا إلا الحق، فنحن نؤمن بالحق ونذعن له، فـ عثمان ﵁ ولى بعض قرابته لأمر كان يراه حسناً، وتأويل كان يراه صواباً، فهؤلاء القوم جعلوا من تولية عثمان لبعض قرابته تهمة له، وأرادوا أن يخرجوا عليه، فالآن اجتمع أمران، وهذا مهم، خاصة في عصرنا، أن تفهمه، فهؤلاء الخوارج يقولون: إن عثمان آثر قرابته علينا، فأردوا أن يخرجوا عليه، وفعلاً خرجوا عليه وقتلوه، فلزمت الفتة إلى يومنا هذا، ولو لم يخرجوا عليه لنجم أمران: اجتماع الأمة، مع وجود الأثرة من عثمان، ولأن تجتمع الأمة مع وجود أثرة خير من أن تتقاتل أو تفترق.
والنبي ﵊ حث في حديث البيعة على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وأثرة علينا، فمن يتبع محمداً ﷺ فليقبل الأثرة مع وجود جمع كلمة المسلمين، ولا نأتي ننبذ الأثرة وينجم عن هذا فرقة كما هو حاصل بعد مقتل عثمان.
لكن أولئك الخوارج الذين خرجوا على عثمان ﵁ كانوا يحاولون أن يردوا الأثرة، فلا هم بالذين ردوا الأثرة، ولا هم بالذين أبقوا الأمة مجتمعة، فدخلوا على رجل مبشر بالجنة، وقد جاوز الثمانين ولحيته بيضاء، فقتلوه، ويزعمون أنهم بذلك يتقربون إلى الله.
هذا مقتل عثمان ﵁ وأرضاه، وبعده حصلت الفتن، ثم كان علي ﵁، فبايعه الناس سوى أهل الشام، ولم يجتمع الناس عليه، لكنه عند أهل السنة والجماعة هو الخليفة الراشد الرابع ﵁ وأرضاه، وبه ختم الله الخلفاء الراشدين.
فهذا الصحابي الجليل حذيفة كان من أول المبايعين لـ علي، فقد ثبت بالنقل الصحيح أنه كان ينتصر لبيعته ويدعو الناس إلى بيعته.
إذاً فقد زال مفهوم أن يكون مقصود حذيفة بقوله: (أما اليوم فلا أبايع) أن يكون مراده البيعة الشرعية، فانتقل ذلك إلى البيعة في المعاملة والشراء، وأصبح معنى الحديث أنه بعد ظهور الفتن بعد مقتل عثمان قلّت الأمانة في الناس، فهو يقول ﵁ وأرضاه: من قبل كان الذي يتعامل معه في البيع والشراء إما مسلم وإما نصراني، فقد مر معك في الحديث: (إما مسلم وإما نصراني)، وهذا دليل آخر أنه لا يقصد البيعة الشرعية، لأن النصراني ما يعطى بيعة، لكن يتعامل معه يبيع وشراء، فيقول: في أول المسلمين، المسلمون الأصل أنهم قبل الفتن كلهم مأمونون، فأنا أتبايع معهم؛ لأنهم مسلمون، والنصراني أتعامل معه لا لأنه نصراني، لكن إذا خانني رده علي ساعيه.
ومعنى يرده علي ساعيه أي: القائم عليه من المسلمين، فالذي أدخله الديار يؤدبه يعلمه؛ حتى لا يغشنا، فالمسلم الذي أدخل هذا النصراني الديار في ذمته أو في عهده يرد علي حقي، فلن يضيع حقي لا مع المسلم بإسلامه، ولا مع النصراني، لأن النصراني؛ له والي مسلم.
يقول: وأما اليوم -يعني: بعد ظهور الفتن- فلا أبايع إلا فلاناً وفلاناً، بمعنى أنني صرت لا أبايع ولا أتعامل بالبيع والشراء، والعهد والأمانة إلا مع شخص أعرفه حق المعرفة، وهذا يسوقنا إلى قول الله جل وعلا على لسان ابنة العبد الصالح: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:
стр. 48
شرح حديث: (إنما الناس كالإبل المائة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة)].
هذا الأسلوب يسمى أسلوب حصر عند البلاغيين؛ لوجود إنما.
و (إنما) عند النحويين يقال لها: كافة ومكفوفة، ومعنى كافة ومكفوفة: أن (إنّ) الحرف المشبه بالفعل الأصل أنه يعمل، فينصب الاسم الذي هو مبتدأ أصلاً -ويسمى اسمه، ويرفع الخبر، فإذا دخلت عليه (ما)، كفته عن العمل، فيقول النحاة جملة حتى يستريحوا من عناء التحليل: كافة ومكفوفة، فالمكفوفة هي (إن)، والكافة هي (ما)، وهي تستخدم هنا لأسلوب الحصر.
(إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيهم راحلة) الراحلة هي الإبل، وتنقسم إلى قسمين: راحلة وحمولة، والحمولة هي التي يحمل عليها المتاع.
والراحلة ما يركب عليها، فالذي يحمل عليها المتاع كثيرة، وأما الإبل النجيبة الصالحة للركوب المسماه راحلة فهي قليلة جداً، لكنها كلها تشترك في أنها حمولة، قال الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام:١٤٢].
وهذا الحديث اختلف الناس فيه على معنيين ذكرهما الخطابي ﵀.
المعنى الأول: أن الناس متساوون الشريف منهم والوضيع، فكلهم متساوون في الدين، مثل الإبل كلها تصلح أن تكون حمولة، هذا المعنى الأول، وهو بعيد.
والمعنى الثاني: أن النقص في الناس كثير، وأن الفضلاء من الناس قليل جداً، والكاملين من الرجال قليل كنسبة الراحلة في الإبل.
قال الإمام النووي ﵀ معقباً على قول الإمام الخطابي قال: وهذا أجود، أي: القول الثاني أجود.
وهذا من أساليب الترجيح.
على هذا المقصود جملةً من الحديث أن الناس إذا رأيتهم على ظاهرهم فإنك تكاد تزكيهم جميعاً، فإذا بلوتهم وصحبتهم إما في السفر، أو في التعامل بالدينار والدرهم، أو في الحقوق، فإنهم يختلفون اختلافاً جذرياً، فلا يكاد يثبت منهم إلا القليل.
وهنا تفهم وجه ارتباط الحديث الثاني بالحديث الأول، فالحديث الأول يتحدث عن الأمانة، وإذا وجدت أمانه وجد حسن التعامل.
فهذا معنى قوله ﷺ : (إن الناس كالإبل المائة) يعني: لا يوجد فيها راحلة إلا قليلاً.
وهذا ظاهر، فكم من الناس من يتقدم لأهل بيت يريد أن يتزوج منهم وظاهره الصلاح، فإذا زوجوه وتحقق أنه حصل على مراده إذا به تظهر منه أخلاق لم تكن موجودة، فيأتي الناس الذين زوجوه يستغربون فيقولون: سبحان الله! هذا يصلي ويذهب يغدو ويروح، وزكاه فلان، وأنت ترى عليه بعد ذلك من الأمور ما لا يكاد يصدق، فإما أن يبخس زوجته في المال والدينار والدرهم، أو يتسلط على مالها بغير وجه حق، أو يضربها ضرباً مبرحاً لا حاجة له، هذا في أحواله مع زوجته.
وقد تجد أحياناً من الناس من تراه حسناً، فإذا تعاملت معه في عقد أو بيع أو شراء أو تعامل أظهر لك من الخيانة والتسويف، أو حتى لو أجرته دارك أو أجرته سكناً ترى منه من التسويف ما الله جل وعلا به عليم، ولا يعطيك حقك، وترى فيه من التغير ما يثبت قول النبي ﷺ .
ومنهم من يظهر ذلك عليه في السفر، وإنما سمي السفر سفراً، لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، وإنما يبتلى الرجال حق الابتلاء بالسفر، فمن الرجال رجال أوفياء أجلاء يخدمك أكثر مما تخدمه، يقول أحد التابعين: صحبت ابن عمر في سفر لأخدمه، فكان يخدمني، ففي الأسفار تتجلى أخلاق الرجال؛ لأن السفر فيه وحشه، والوحشة تغير الطبع، فإذا تغير الطبع يجب أن يتحمل كل منا الآخر، فالعرب تقول: إذا عزّ أخوك فهن، وإذا كنتما في ديار غربة فيجب أن يتحمل كل منكم الآخر؛ حتى يصدق عليكما أن تكونا كاملين.
والنبي عليه الصلاة السلام يقول (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع)، هذا والله أعلم.
стр. 49
شرح حديث: (من سمّع سمّع الله به)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن جندب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (من سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به)].
هذا حديث والله لا يدري المرء كيف يشرحه، لكن نسأل الله أولاً لنا ولكم السلامة، وألا يكلنا الله جل وعلا إلى ما علمه الناس منا، وأن يكلنا ﵎ إلى فضله وسخائه ورحمته وستره ومغفرته وعفوه، إن ربي سميع الدعاء.
أما شرح الحديث فنبدأ بالألفاظ: الرياء والسمعة بمعنى واحد من حيث قصد العمل، فكل عمل قصد به جلب الحمد من الناس دخل في الحديث.
لكن الرياء يقال لما كان بالبصر، أي: في الشيء الذي يحب أن يراه الناس فيه.
والسمعة تقال لجارحة السمع، أي: في الشيء الذي تفعله وتحب أن يسمع الناس أنك فعلته.
والمقصود من الاثنين واحد وهو: جلب مدح الناس دون النظر -إما بالجزئية أو بالكلية- إلى بغية وجه الرب ﵎.
يقول الله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥]، فهذا وعد من الله أن من أراد الدنيا أن يوفي الله جل وعلا له ما أراد وألا يبخس، فإن قال قائل: هذا الوعد الرباني لا نراه واقعاً، فبعض الناس يريد بعمله الدنيا ويقول هذا صراحة ولم يعط شيئاً.
فنقول إن الإطلاق هنا قيدته أية الإسراء، قال الله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨].
فقول الله جل وعلا: ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨] قيد للآية السابقة.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انظُرْ﴾ [الإسراء:١٨ - ٢١] أي: في الدنيا، ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٢١].
стр. 50
الأسباب المعينة على التخلص من الرياء
وحتى يستطيع المرء منا أن يتخلص من الرياء فلا بد له من أسباب: أولها: أن يعلم المرء أن الرياء شرك، وهو من أعظم ما خافه النبي ﷺ على أمته.
الأمر الثاني: أن تعلم أن الله جل وعلا غني كل الغنى عن طاعتك، وغني عن كل شريك تشركه معه.
الأمر الثالث: أن من ابتغيت مدحه من الناس هو في نفسه لا يملك لنفسه حولاً ولا طولاً ولا قوة، فكيف يعطيك حولاً أو طولاً أو نفعاً أو ضراً!! فإذا علمت عجز المخلوق يئست مما في أيدهم، وانصرفت إلى الخالق ﵎، وما الدنيا ومدح أهلها إلا زهرة حائلة، ونعمة زائلة.
ويزاد على ذلك أن العبد ينبغي عليه أن يستحيي من الله أن يقف يوم القيامة وقد صنع صنيعاً تعبد الله جل وعلا به وأراد به غير الرب ﵎، فأي وجه هذا سنلقى به الله إذا كان ثمة عمل صنعناه في الدنيا مما تعبّدنا الله جل وعلا به، ونحن نريد به غير الرب جل وعلا.
وهذا الحياء من الله يوجد إذا كان العبد على علم بعظمة الرب ﵎، وجلاله وقدرته، وأنه جل وعلا غني عن طاعة كل أحد.
قال ﷺ في أعظم حديث قدسي يقول الله جل وعلا: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) إلى أن قال جل وعلا في هذا الحديث القدسي يؤدب عباده: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً).
فعلمك بهاتين الصفتين الجليلتين للرب ﵎ أعظم ما تدفع به الرياء.
ومن أعظم ذلك كله أن تسأل الله جل وعلا أن يرزقك الإخلاص، واعلم يا أخي أنه ما ارتفع شيء إلى السماء كما قلنا مراراً أعظم من الإخلاص، وما نزل شيء من السماء إلى الأرض على عبد أعظم من التوفيق، وسيأتي الحديث عن التوفيق والتسديد في حديث الولاية، لكننا نختصره هنا، والمقصود من هذا كله أن يكون الإنسان تقياً ورعاً، هذا هو المعنى الحقيقي للحديث.
لكن بعض أهل العلم ﵏ قالوا: إن معنى الحديث أن من أظهر عيوب الناس ومساوئهم، وشهّر بهم، أظهر الله جل وعلا عيوبه وذكرها في الناس، وعلى هذا الوجه علينا أن نتقي الله جل وعلا فيما نقف عليه من عورات الناس.
وقد ذكر الشافعي في هذا أدوية فقال: لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألسنُ وعينك إن أبدت إليك معايباً من الناس قل يا عين للناس أعينُ نسأل الله أن يديم علينا وعليكم الستر في الدنيا والآخرة.
стр. 51
شرح حديث (من عادى لي ولياً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله ﵎ قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)].
هذا الحديث حديث قدسي كالأول، والمعاداة ضد الموالاة، والسؤال الآن: من هو الولي؟ قد أجاب القرآن عن هذا، قال الله جل وعلا: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٤].
فأولياء الله جل وعلا هم أهل التقوى وأهل الإيمان، والحديث سيفصل الطريقة التي تنال بها الولاية.
وأما قوله: (آذنته) فهي بمعنى أعلمته، وكلمة الآذان تأتي مهموزة وتأتي ممدودة، تقول: الأذان بالهمز، وتقول: الآذان بالمد، وأنت طالب العلم لا بد أن تفرق بينهما، فالأذان بالهمز هو الإعلام، ومنه يسمى إعلام الناس بدخول الوقت أذاناً بالهمز، قال الله جل وعلا: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة:٣] أي: إعلام وإخبار وإنذار من الله ورسوله.
وأما الآذان بالمد فهي جمع أذن، وهي الجارحة المعروفة، وحتى يسهل عليك التفريق بينهما فقد جمعهما شوقي في بيت واحد، فقد ذكر تسلط الفرنسيين على دمشق، وأنهم صاروا ينادون بالنواقيس بدلاً من الأذان، فمر بالجامع الشهير في دمشق، وهو الجامع الأموي، وبنو أمية يقال لهم كذلك: بنو مروان؛ لآن عبد الملك بن مروان مؤسس ثانٍ للدولة الأموية، فقال شوقي يصور الحادثة: مررت بالمسجد المحزون أسأله هل في المصلى أو المحراب مروانُ فلا الأذان أذان في منارته إذا تعالى ولا الآذان آذانُ يعني: لا الذي يرفع هو أذان المسلمين المعروف، ولا الذين يسمعونه هم العرب، فقد تغير العرب وأصبح الفرنسيون مسيطرين على البلدة، ويغدون ويروحون فيها، فلا الذي يرفع أذان شرعي، ولا الآذان -يعني جمع أذن- التي تسمع آذان عربية، وإنما هي آذان العلوج من الكفار والنصارى.
وقد أخذ العلماء من هذا الحديث: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) أن الإعذار مقدم على الإنذار؛ لأن الله جل وعلا قال: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، فآذنته بالحرب إنذار، ومن عادى لي ولياً هذا إعذار، والأسلوب أسلوب شرط، والله أعلم.
стр. 52
التقرب إلى الله أولاً بالفرائض ثم بالنوافل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [(وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)].
(وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) هذه قربة من العبد للرب، لأن معنى تقرب أي: طلب القربة، فهناك قربة من العبد للرب، وهناك قربة من الرب للعبد، والفرق بينهما كالتالي: أن القرب من العبد للرب يكون بالإيمان ثم بالإحسان، فتؤمن بالله، ثم تحسن العمل.
وأما القرب من الرب للعبد فيكون في الدنيا بعرفانه، فيعرفك الله جل وعلا بذاته، وهذا والله من أعظم القرب، ويكون في الآخرة برضوانه، يقول الله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢]، فيكون في الآخرة برضوانه، ويكون فيما بينهما بلطفه وامتنانه، جمع الله لي ولكم الثلاثة كلها.
يكون في الدنيا بعرفانه، فمن عرف الله قرب منه، ويكون في الآخرة برضوانه، ويكون فيما بينهما بلطفه وامتنانه، هذا معنى: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل)، فهناك فرائض وهناك نوافل، فالفرائض ما أمر الله به على وجه الإلزام، والنوافل ما ندب الله جل وعلا إليه على غير وجه الإلزام.
стр. 53
إطلاقات كلمة نافلة
والنافلة في اللغة: هي الزيادة، ثم تنقسم كل زيادة بحسبها فمثلاً إذا رزق إنسان ولداً، ثم ورزق من الولد ولداً آخر فهذه الزيادة تسمى نافلة، لكن يسمى ولد الولد حفيداً، وإن كان ولداً للبنت فإنه يسمى سبطاً، قال الله تعالى عن يعقوب وإبراهيم: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء:٧٢]، فنافلة زيادة على إسحاق، فإبراهيم رزق بإسحاق، ومن ذرية إسحاق يعقوب: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١].
فيعقوب نافلة من الله جل وعلا لإبراهيم زيادة على إسحاق، هذا في الولد.
والمسلمون عندما يحاربون الكفار فالبغية الأولى النصر، فما في أحد يحارب إلا من أجل أن ينتصر، فإذا انتصر المرء تحقق المراد، فإذا غنم شيئاً من تركة العدو فهذه التركة ليست هي الأصل، بل هي زائدة؛ لأن الأصل هو النصر، فتسمى غنائم لكنها في الأصل نافلة، قال الله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١]، فالأنفال هنا: الغنائم التي في الحروب، فإنها تسمى نافلة.
стр. 54
أقسام النوافل
فالصلوات الخمس هي المفروضة، ويسمى ما زاد عليها نوافل، والنوافل تنقسم إلى قسمين، رواتب ونوافل مطلقة أو صلاة ذات أسباب، واضح الآن المسألة.
فالعبد المؤمن يسير على منهج الله، ومنهج الله كمركب نوح، وهو كنوح، قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ [نوح:٢٨]، فما عنده أحد أهم من نفسه،: ﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح:٢٨]، فما في أحد له حق أعظم من الوالدين،: ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ [نوح:٢٨]، فمؤمن أعرفه يدخل بيتي ويغدو أقرب من مؤمن لا أعرفه، فلما فرغ من الوالدين ومن دخل بيتي مؤمناً قال ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح:٢٨].
والله يقول: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء:٢٦].
فالقريب منك أولى من البعيد، والمسكين الذي من ديارك ومن أهلك أولى من المسكين الذي مسافر، ثم أتى ابن السبيل بعده.
هذا كله ترتيب الله جل وعلا، فجعل الفرائض أحب إليه من النوافل، لكن النوافل حبيبة إليه جل وعلا، فعندما نريد أن نتقرب إليه جل وعلا فإننا نبدأ بالفرائض، ثم إذا أحسنا الفرائض فإننا نحسن النوافل، فبفعل الفرائض والنوافل تنال محبة الله.
وقد قال بعض أهل العلم: إن من الغرائب في الناس أن الإنسان يخشع في صلاة الليل، وهذا محمود، لكن ينبغي أن يكون الخشوع أولاً في صلاة الفريضة، فينبغي أن يسعى الإنسان في إقامة الفريضة على الوجه الأكمل، ثم بعد ذلك يسعى على الوجه الأكمل في أداء النوافل.
والصوم له نوافل، فشهر رمضان صيامه أحب إلى الله من صيام الإثنين والخميس، وصلاة الظهر أحب إلى الله من النوافل التي بعدها أو قبلها، وإن كان الكل حبيب إلى الله، لكن حتى تسير إلى الله سر على منهج الله، فإذا قدر لامرئ أنه رزق يقيناً وإيماناً وصلاحاً، وجمع مع ذلك القيام بالفرائض والنوافل، نال محبة الله، فما الذي سينجم عن نيل محبة الله وتحقيق ولايته، هذا الذي سيخبر عنه رسولنا ﷺ على لسان ربه.
стр. 55
توفيق الله وتسديده للعبد المتقي
قال المصنف ﵀: [(فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن؛ يكره الموت وأنا أكره مسائته)].
هذه الثمرة من الحصول ثمرات على الولاية: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها) إلى آخر الحديث.
стр. 56
أقوال الناس في فهم حديث الولاية
وهناك قولان في المسألة، لكن جرت العادة أننا عندما نذكر قولين فإننا نذكر أساليب الترجيح، فنقول: هذا عنده أدله وهذا عند أدله، ونقول مثلا: ً قال فلان: هذا هو الراجح، وقد يكون عند غيره راجح آخر صحيح.
أما هذان القولان فأبدأ بالقول الباطل، وهو موجود واعتقاده كفر، فأنا أسوقه من باب التحذير، والرد على من قال به، وهو في عينه كفر، فقد فهم قوم من هذا الحديث (كنت بصره الذي يبصر به، وسمعه الذي يسمع به) ويسمون الاتحادية، وهم القائلون بوحدة الوجود، يقولون: إن الحق جل وعلا هو عين العبد، يعني: أن الله جل وعلا اتحد مع العبد فصارا عيناً واحدة، والقول بهذا كفر مخرج من الملة، تعالى الله جل وعلا عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وحجتهم هذا الحديث، وحديث آخر أن جبريل كان يأتي في صورة دحية الكلبي، فيقولون -لا رحم الله فيهم مغرز إبره-: إن جبريل كان يحل في دحية الكلبي، وجبريل جسم رواحاني فحل في جسم بشري، فقالوا: إذا كان جبريل هذا صنعه فالله جل وعلا بزعمهم أعظم وأقدر من ذلك أن يحل في عبده.
وهذا باطل من عدة جهات، أولها: من الناحية العقلية إذا كان النقاش نقاشاً عقلياً: فجبريل عندما يحل في هيئة صورة دحية الكلبي، ويأتي للنبي ﷺ ويكلمه، فمن الذي يكلم النبي؟ إنه جبريل، وأين دحية؟ موجود في بيته مع أبنائه، فـ دحية ماله علاقة إنما جاء جبريل هيئته، فـ دحية حي يرزق في بيته مع زوجته ومع أولاده، أو في متجره أو في سفره، فهو يغدو ويروح ويقابل شخصاً آخر، لكن جبريل هو الذي تشكل في هيئة دحية.
وأما دحية نفسه ما حل فيه جبريل ولا طلبه ولا دخل فيه، ولو دخل جبريل في دحية لمات دحية؛ فكيف يتنفس وكيف يأكل وكيف يشرب؟ لكن دحية موجود في بيته يغدو ويروح، وإنما جبريل ﵇ أتى إلى النبي ﷺ في صورة رجل، واختار صورة دحية؛ لأن دحية ﵁ كان وسيماً جداً يدخل على الملوك، وهذا ملك جاء في صورة دحية، فحديث دحية لا يوجد فيه شيء مما قالوه ولا زعموه.
ثم إن النبي ﷺ يقول في الحديث هذا الذي استشهدوا: (ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)، إذاً فهناك سائل وهناك مسئول، وهناك مستعين وهناك من يعين، فكيف يقول هؤلاء الجهلة: إن الله جل وعلا يحل في أحد من خلقه!! فهذا يقوله من لم يعرف قدر الله أبداً، ومن جعل الأدلة والبراهين والحجج وراء ظهره، ومن تنكب طرق الشيطان عياذاً بالله وزعم أن معنى الحديث يكون بهذا التفسير، وهذا لا يقول به عاقل أبداً، هذا القول الأول.
والقول الحق: توفيق الله جل وعلا وتسديده للعبد بحفظ جوارحه من المعاصي، وتوفيقه للطاعات، وكل من يعرف أسلوب العرب في كلامها فإنه يعرف كيف يفهم هذا الحديث.
ولهذا كنا وما زلنا نقول: إن فهم القرآن والسنة من أعظم الطرائق الموصلة إليه: أن نفهم أسلوب العرب في كلامها؛ حتى نستطيع أن نفهم كلام ربنا، لأنه نزل بلغة العرب، ونفهم كلام رسولنا ﷺ بذلك؛ لأنه عليه الصلاة السلام خير من تكلم بلغة العرب.
فالمقصود من الحديث التسديد والتوفيق من الرب جل وعلا، وحفظ الجوارح من معصية الله، وهذا -بحمد الله وفضله وتوفيقه- من أعظم المنن، وأجل العطايا، وأسخى الهبات التي يمكن أن يعطيها أحد.
(لئن سألني لأعطينه) هذا في تحقيق المرغوب، (ولئن اتسعاذني لأعيذنه) هذا في دفع المرهوب.
стр. 57
صور وقوع العطية
ونقف عند قول الله في الحديث: (لئن سألني لأعطينه) فنقول: إن صور وقوع العطية ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يتحقق المطلوب على الفور، فرجل مثلاً دعا فقال: اللهم ارزقني مائة ألف، فخرج من المسجد فجاءه رجل فقال: فلان أوصى لك بمائة ألف، فهذا تحقق على الفور.
الحالة الثانية: أن يتحقق عين الشيء لكنه يتأخر لحكمة.
مثل إنسان قال: اللهم زوجني ابنة فلان، فجلس سنة أو سنتين أو ثلاثاً أو أربعاً ما تزوج، ثم كتب الله له أن تزوجها، فهذا تأخر لحكمة، لكنه وقع عين المطلوب.
الحالة الثالثة: ألا يقع عين المطلوب، ويقع شيء غيره اختاره الله جل وعلا لعبده، وخيرة الله لعبده خير من خيرته لنفسه.
وأما آخر الحديث فهو يدل على شفقة ولطف الله جل وعلا بعبده، جعلنا الله وإياكم من أوليائه الذين يحبهم ويحبونه، وإذا سألوه أعطاهم، وإذا استعاذوا به أعاذهم، إن ربي لسميع الدعاء.
стр. 58
شرح حديث (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، قالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت، قال: ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله وكره الله لقاءه)].
هذا الحديث صدره النبي ﷺ بقوله: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه) وقد أختلف العلماء في معنى (من) هنا، فذهب بعضهم إلى أنها خبرية، وهذا بعيد عند الأكثرين، وقال الآخرون: إن الأسلوب أسلوب شرط على أصله، لكنه ينبغي أن يعرف أن ما بعد هذا الأسلوب الشرطي هو الذي يبين الحديث، وعلى هذا سنشرح هذا الحديث شرحاً عاماً ولا نتوقف عند بعض ألفاظه؛ لأن ألفاظه من حيث الجملة واضحة.
فالله جل وعلا خلق الموت، فهو خلق من خلق الله، وقد قدمه الله جل وعلا في القرآن على الحياة: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ [الملك:١ - ٢]؛ قالوا: حتى يقهر به خلقه، فلهذا قدم الموت على الحياة، وقيل: إن الأصل الفناء فلهذا قدم، لكن الأول أظهر.
وهذا الموت حتم لازم لا بد أن يقع، والإنسان إذا مات قامت قيامته، وكان بعثه الأول، أي: في حياة البرزخ، وأصبح مطلاً على أهوال الآخرة.
والموت كما هو معلوم حتم لازم، والموت والحياة ضدان ونقيضان لا يجتمعان، كما لا يجتمع النور والظلمة، والله جل وعلا جعل له أجلاً لا يطلب به ولا يدفع عنه، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران:١٤٥].
стр. 59
رحلة الروح والجسد في هذه الدنيا
وهذه الروح والنفس البشرية التي خلقها الله جل وعلا يودعها ملك في الجنين وهو وفي بطن أمه، فتتصل الروح بالجسد، فتدب ما يسمى بالحياة، فتصبح هذه الروح محركة للجسد، مادامت حية فهو قابل للتحرك، ثم هذا الاتصال يجعله ينتقل من كونه جنيناً إلى أن يولد، ثم يحيا ما كتب الله له أن يحيا، ثم يبعث الله ملك الموت ومعه ملائكة آخرون ومهمتهم قبض تلك الروح التي أودعها السابق من الملائكة ونحن أجنه في بطون أمهاتنا، فيأتي هذا الذي بعث وهو ملك الموت ومن معه لينزع الروح، فإذا نزعت الروح وانتهت -سواء نزعت نزعاً رفيقاً كحال المؤمن، أو نزعاً غليظاً كحال الكافر -سمي هذا الوضع موتاً، فإذا خرجت الروح تبعها البصر، فإذا تبعها البصر سن لمن كان عند الميت أن يغمض عيني الميت، قال عليه الصلاة السلام: (إن الروح إذا صعدت تبعها البصر).
وتشهد هذه الساعة الملائكة فيؤمنون على ما يقوله من كان حول الميت، ولهذا قال عليه الصلاة السلام في حديث عثمان بن مظعون: (فإن الملائكة تؤمن على ما تقولون)، يعني: قولوا خيراً، فهذه الساعة هي التي يقصدها النبي ﷺ بقوله: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه).
وفي رواية صحيحة أن عائشة فهمت أن هذا معناه أن الإنسان يكره الموت، فقالت: (إنا لنكره الموت)، فليس كراهية الموت تعني أننا نكره لقاء الله، فلا يوجد أحد يحب أن يموت، مع أننا مؤمنون أننا سنموت لا محالة، لكن لم يتعبدنا الله بأن نبحث عن الموت، وإنما تعبدنا الله بأن نسأل الله العافية، وطول العمر، وحسن العمل.
فقالت وهي صريحة واضحة، وهذا يبين لك كيف كان النبي ﷺ يربي أصحابه، وكيف يربي أهل بيته، فقد كان يربيهم على أن يسألوا بوضوح عما أشكل عليهم، فهي لم تخش هيبة النبي ﷺ ، لأن هذا مجلس علم، فقالت بوضوح: (إنا لنكره الموت، قال: ليس كذلك).
وهذا نفي لفهم عائشة، والنبي لم ينفِ فهم عائشة ولم يعط بديلاً، وإنما أعطى بديلاً لفهم الحق، ثم بين أن الميت تبشره الملائكة برضوان الله، هذا إذا كان مؤمناً، فإذا بشرته برضوان الله جل وعلا إذا كان مؤمناً فإنه ينسى الذي كان يخشاه ويخاف منه من قبل في الدنيا، وسيفرح بما هو مقبل عليه، فهذا إذا بشر بما سيلقاه، فيحب أن يلقى الله؛ لأن نعيم الدنيا لا يقاس بنعيم الله، فيحب لقاء الله، بمعنى: أن الله جل وعلا سيثيبه.
وأما الكافر أو الفاسق فإذا وصل إلى هذا الساعة فستأتيه الملائكة تخبره بما هو مقبل عليه من سخط الله وعذابه وعقابه، فيكره أن يلقى هذا فيكره الله لقاءه، بمعنى أن الله لا يعفو عنه، ولا يغفر له.
هذا هو المعنى العام للحديث.
стр. 60
ساعة الاختصار، وإعانة المحتضر على النطق بالشهادة
وأما من باب الوعظ العام فإن الرب ﵎ أودعنا أرواحاً تسمى أنفساً ما دامت متصلة بالأجساد، وكلفنا جل وعلا بأعمال، وأخبرنا تبارك اسمه وجل ذكره أننا سنلقاه، وقال لنا وهو أصدق القائلين: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦]، فهذه التكاليف إتياننا بها على الوجه الأكمل هو المطلوب، ومهما أتينا بها فسنبقى مقصرين، فإذا قرنا ذلك التقصير بالاستغفار تحمل الله جل وعلا عنا ذلك التقصير، ثم تأتي ساعة الأجل وسكرات الموت وهي حتم لازم، وأمر عظيم، وقد كان نبي الأمة يضع يده في ركوة فيها ماء ويمسح بها وجهه ويقول: (لا إله إلا الله إن للموت سكرات)، فكيف بغيره صلوات الله وسلامه عليه.
وفي تلك اللحظة كل ما صنعه الإنسان في أيام دهره يمر كاللحظة الوحدة، لكن المؤمن الموفق في تلك اللحظة يكون حسن الظن بالرب ﵎، (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه) هكذا أوصى ﷺ .
فعلى الذين يحضرون محتضراً أن يذكروا له عظيم رحمة الله، وأن يسهموا في أن يحسن ذلك المحتضر الظن بربه؛ حتى تنجم عنه أقوال سديدة تستدر بها رحمة الرب جل وعلا، فقد كان جبريل يقول للنبي ﷺ : لو رأيتني وأنا آخذ طين البحر وأضعه في فم فرعون؛ خشية أن يقول فرعون كلمة يستدر بها رحمة الله، مع أن خطيئة فرعون هي قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨].
والله يقول: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٣ - ٢٤].
ومع ذلك كان بالإمكان أن يقول كلمة يستدر بها رحمة الله جل وعلا، فكيف بمؤمن موحد في ساعة ضعف وعجز لو وفق أن يقول كلمة يستدر بها رحمة أرحم الراحمين ﷻ ؟ فمن شاهد محتضراً فليعنه على أن يقول قولاً يستدر به رحمة الله.
ومما تستدر به رحمة الله في ذلك الحال أن تقول من الكلمات ما تستدر به رحمة الله في السراء؛ حتى يعطيك الله جل وعلا من رحمته في ساعة الكرب تلك التي لا بد من مواجهتها، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٥].
ولا يمكن أن ينتصر أحد في هذه الدنيا بحول ولا بقول ولا بعمل ولا بقنوته، ولا بحب الناس له ولا بثنائهم عليه، وإنما يفوز من فاز بتوفيق الله وتسديده إياه ورحمته جل وعلا له.
إذاً بالعقل والنقل: لا يمكن أن يسعى إنسان في تحصيل شيء ينفعه أعظم من سعيه في تحصيل أن يرحمه الله جل وعلا، فمن ﵀ فسيفوز لا محالة، ولن يهلك أبداً، وكيف يهلك ويضيع من كان الله جل وعلا به راحماً، وله ناصراً، وعليه وكيلاً كفيلاً ﷻ ، فهذه الساعة يعد لها في كل لحظه، وهذا الذي يصنعه العقال.
стр. 61
وصية بعض السلف لبعض الأمراء
وقد دخل سليمان بن عبد الملك الخليفة المعروف مدينة رسول الله ﷺ فقال: هل يوجد هنا رجل أدرك أحداً من الصحابة؟ قالوا: نعم أبو حازم، فقدم أبو حازم العابد على سليمان، فقال سليمان لـ أبي حازم: يا أبا حازم! مالنا نكره الموت؟ قال: إنكم عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة، فأنتم لا تريدون أن تخرجوا من العمران إلى الخراب.
فقال: يا أبا حازم ما لنا عند الله؟ قال: اعرض نفسك على كلام الله.
قال: وأين أجد هذا؟ قال: في قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣ - ١٤].
قال: يا أبا حازم فأين رحمة الله؟ قال: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦].
قال: يا أبا حازم فيكف قدومنا على الله؟ قال: أما المحسن فيقدم على الله قدوم الغائب على أهله فرحاً، وأما المسيء فيقدم قدوم الآبق على مولاه وسيده.
فهذه التذكرة من أبي حازم لـ سليمان جعلت سليمان يبكي، ثم قال: له يا أبا حازم! أوصني، قال: لا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك الله جل وعلا حيث أمرك.
وأعظم من وصية أبي حازم قول الله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١].
وقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢].
وقول الله جل وعلا: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا * إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ * أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات:١ - ١١].
هذه ما أراده النبي ﷺ بقوله: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه).
فحري بكل من جعل الله له قلباً يعي، وسمعاً يتعظ، ألا يفكر في شيء أعظم من تفكيره في الساعة التي يقدم فيها على الله جل وعلا، والإنسان مهما بلغت طاعته فهو فقير إلى رحمة الله، ومهما بلغ ذنبه ومعصيته فإن الله جل وعلا أرحم الراحمين وخير الغافرين، ومن تاب تاب الله عليه، ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢].
ثم على الإنسان حتى يحب لقاء الله أن يفكر ويتأمل ويتدبر فيما أعده الله لمن أطاعة ولمن خشيه جل وعلا بالغيب.
ألم يقل الله: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان:٥ - ٦]، إلى آخر الآيات التي في هذا السياق كلها.
هذا ما يمكن أن يفهم جملة علماً ووعظاً من قول نبينا ﷺ : (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه).
هذا ما يتسر إيراده، وأعان الله جل وعلا على شرحه من كتاب الرقاق في صحيح البخاري.
وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.