← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37732

شرح كتاب الرقاق من صحيح البخاري - المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (61 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

سلسلة شرح كتاب الرقاق من صحيح البخاري [١] لقد ذكر النبي ﷺ أن الصحة والفراغ من النعم التي يغبن فيها كثير من الناس، فكم من إنسان أعطي صحة وقوة وعافية فلا يستغل ذلك في طاعة الله تعالى، وكم من إنسان عنده من الفراغ والوقت الشيء الكثير فلا يجعل ذلك سبيلاً للتقرب إلى الله تعالى، وهذا أمر مشاهد وفي غاية الوضوح، والله المستعان.

стр. 2

شرح حديث: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس) إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا تعليق موجز على أحاديث من كتاب الرقاق من صحيح البخاري رحمه الله تعالى، وقبل الشروع في هذا التعليق وسؤال الله جل وعلا التوفيق والقبول، نقول: إن النبي ﷺ هو أفصح من نطق لغة الضاد، وحديثه ﷺ بين ظاهر؛ ولهذا نسأل الله الأدب في التعليق على كلامه صلوات الله وسلامه عليه، وما سنقوله إنما هو محاولة لفهم المراد من كلام رسول الله ﷺ فالتقديس والبعد عن الكذب وأنه الصدق لا محالة هو قول رسولنا ﷺ ، وأما شرح من يشرح أحاديثه ﵊ فهو عرضة للخطأ وعرضة للصواب، والموفق من سدده الله جل وعلا. لكن نبرأ إلى الله أن نتعمد أن نقول على لسان رسولنا ﷺ ، أو أن نحاول أن نفهم شيئاً يغلب على الظن أنه لم يقصده صلوات الله وسلامه عليه، اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. سيقرأ أحد إخواننا الحديث ثم نعقب عليه حسب ما يقتضيه مقام الحديث، محاولين أن نستوعب أحاديث الباب كله، فنسأل الله التوفيق. قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الرقاق. عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)]. هذا أول أحاديث الباب، (ونعمتان) مفردهما نعمة، وهي بالكسر وصف من حال مخصوص، وبالفتح حال عامة تليق بالأمم والدول والشعوب والجماعات، وأما إذا قيل: (نعمة) فإنما يراد بها حال خاصة؛ ولهذا قال ﷺ : (الصحة)، وقال: (الفراغ) أي: لكل جزئية منهما، وأما إذا فتحت وقلت: (نَعمة) فالمراد الإطلاق العام على الأمم والشعوب، قال الله جل وعلا عن بني إسرائيل: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان:٢٧]، وقال جل وعلا عن المجتمع المكي أيام دعوة النبي ﷺ : ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ [المزمل:١١] أي: أهل الترف العام. وأما بالكسر فهي حال مخصوصة من رحمة الله جل وعلا، قال ﷺ : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)، (نعمتان) خبر مقدم؛ للفت الانتباه لغرض بلاغي، والأصل (الصحة والفراغ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس)، (والصحة) مبتدأ، وما بعدها معطوف عليها، و (نعمتان) هي الخبر، هذا من حيث الصناعة التأصيلية النحوية أولاً. أما حيث معنى الحديث: فإن الغبن أصلاً يختار ويقال في قضايا البيع، وهذا النبي إنما بعث ليرشد الناس وينقذهم، والبائع التاجر له رأس مال يريد من ورائه ربحاً شريطة أن يسلم له رأس ماله، فخاطب النبي ﷺ الناس بمقتضى ما يعرفونه في حياتهم، فقال ﵊: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس)، وكيف يغبن فيهما كثير من الناس؟ و الجواب أن هناك صحة وهناك فراغاً، فبعض من الناس لديه متسع من الوقت لكنه يعاني سقماً، فلا يستفيد ولا يستطيع أن يقضي فراغه بما ينفعه؛ لانشغاله بمرضه، وآخرون لديهم صحة لكنهم مشغولون بالكد في سبيل تحصيل الرزق أو شيء آخر. ولهذا قال ﷺ لـ جليبيب لما زوجه: (اللهم لا تجعل عيشهما كداً، وصب عليهما الخير صباً)؛ حتى لا يشتغلا بالكد عن الطاعة، فالنبي ﷺ يذكر هنا أنه قد يوجد في عبد من الترف وإرث الأموال والنعمة التي أفاءها الله عليه ما هو مستغن لا يحتاج إلى الكد والسعي، وفي نفس الوقت أعطاه الله جل وعلا عافيةً وصحةً في بدنه، فإذا اجتمعت هاتان النعمتان في عبد: (الصحة والفراغ) ولم تجعلاه في طاعة الله جل وعلا، ولم ينتهزهما في التعامل مع ربه جل وعلا بالإيمان والعمل الصالح، وقول الله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ [الشرح:٧] فهذا الرجل مغبون، أي: أنه خاسر لم يفقه كيف يستثمر تلك النعمتين التي وهبهما الله جل وعلا إياه، ومن استثمرهما لا يقال له: مغبون، وإنما يغبط على أنه استثمر تلك النعم في طاعة الله جل وعلا. هذا هو المقصود الأسمى من الحديث تقريباً، وجاز عليه أن يقال: إن الله جل وعلا يهب نعماً ويضع صوارف، ووضع موعداً، والناس في هذا يكدحون ويمضون ويغدون ويروحون لابد لهم من ذلك، فمن جعل همه الأكبر السعي في طاعة الله، وما أفاء الله عليه من النعم، وما دفع الله عنه من الصوارف، جعله عوناً على الطاعة، فهذا الذي فقه الشرع وفقه لقاء الله ﵎. ولهذا قال ﷺ : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس)، فعبر بكلمة (كثير) لأن القلة من الناس من يفقه هذا الأمر، ويستثمر هاتين النعمتين في طاعة الرب جل وعلا، وقد جرت سنة الله في خلقه أن الأصفياء الفضلاء قليل، قال الله جل وعلا: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود:٤١]، وقال قبلها: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]، وقال ﵎: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص:٢٤] كما في سورة (ص). والمقصود أن هذه الصفوة هي التي قال الله فيها: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١١]، ثم أخبر أنهم قلة إذا ما قيسوا بغيرهم، هذا هو المقصود الأسمى من الحديث.

стр. 3

شاهد على الغبن والظلم والحديث كذلك يمكن أن يعرج فيه على قضية الغبن، والغبن شعور في القلب، وأصله من الطي، وكلمة (غبن) هي الكلمة التي يستخدمها العامة اليوم فيقولون: خبن، في كلمة الثياب، إذا طوي الثوب يسمونه خبناً، وهي نفسها مرادفة لـ (غبن)، وهي شيء في الصدر لا يستطيع الإنسان أن يبوح به خاصة إذا غلب وقهر، وأهل الفضل والعلم إذا ذكروا الغبن ذكروا ما جرى لـ سيبويه أبي بشر إمام النحاة رحمة الله تعالى عليه، وأنه خرج من بلده فاختصم معه الكسائي والفراء -وهما إمامان في النحو- في مسألة عرفت بالمسألة الزنبورية، فسأل الفراء قبل مقدم الكسائي سيبويه عنها وهي: كنت أظن أن العقرب أشد لسعاً من الزنبور فإذا هو هل هي بالرفع؟ أو إياها بالنصب؟ فقال سيبويه بالرفع، وقال: إن العرب لا تعرف هذا، أي بالنصب، ولم يقبل أولاً أن يجادل الفراء وقال: أنتظر حتى يأتي رئيس بلدكم، يقصد الكسائي، فلما قدم الكسائي جرت في تلك الحالة أو الحادثة أمور سياسية نجم عنها أنهم انتصروا للفراء والكسائي على سيبويه، فخرج يتوارى من الناس من سوء ما لحق به من الظلم والغبن، ثم خرج إلى بلدة فيها أحد طلابه ومات هناك وهو صغير السن رحمة الله تعالى عليه، وقد بلغ من العمر آنذاك أربعة وثلاثين عاماً. وقد ذكرنا هذا لأننا نتكلم إلى طلبة علم، ونجم هذا من الكسائي والفراء غفر الله لهما على علو كعب الكسائي في القراءات وعلو كعب الفراء في العلم، إلا أنه نجم من التحاسد في الدنيا، وقد صاغ حازم القرطجني رحمة الله تعالى عليه هذه المسألة: لكنها أعيت على الأفهام مسألة إلى آخر القصيدة، وقال في آخرها: ولا يخلو امرؤ من حاسد أظم ثم ذكر قضية انتصار الكسائي والفراء ظلماً على سيبويه رحمة الله تعالى عليه. فقال: والغبن في العلم أشجى محنة علمت وأبرح الناس شجواً عالم ظلما والقصة طويلة لعلك ترجع إليها في (مغني اللبيب) لـ ابن هشام، أو في شرح الشنقيطي على كتاب القيرواني في فقه مالك أو في غيرها من المواطن التي ذكرت هذا الخبر، والمقصود منه: أن الإنسان ينبغي عليه أن يكون سليم الصدر في التعامل مع أقرانه، هذا ما تيسر ذكره على هذا الحديث المبارك، والله تعالى أعلم.

стр. 4

شرح حديث: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، وكان ابن عمر يقول: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك)]. إن عظمة نبينا ﷺ متعددة، لكن من عظمته علمه بأصحابه، وفراسته فيهم، وتوخيه بالخطاب الذي يوجهه لكل صحابي، فلما غلب على ظنه أن معاوية سيملك قال له: (يا معاوية إذا ملكت فاعدل)، ولما رأى ضعف أبي ذر قال له: (لا تحكم بين اثنين)، ولما جاءه رجل كأنه لاحظ فيه الحدة، قال له: (لا تغضب). وابن عمر رضي الله تعالى عنهما من أكثر الصحابة زهداً وتقوىً، وقد عمر حتى بلغ الثمانين، ومات في عهد بني أمية أيام ولاية الحجاج لـ عبد الملك بن مروان، وهذا الصحابي منذ أن نشأ كان تقياً زاهداً ورعاً في الدنيا، وهنا يخبر بأن النبي ﷺ أخذ بمنكبيه، والمنكب: مجمع الكتف مع العضد، فقال له ﷺ لأنه تفرس فيه أنه اختط لنفسه طريق الزهد، فقال له: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).

стр. 5

فقه البخاري في تراجمه وقد ترجم الإمام البخاري ﵀ لهذا الباب بقوله: باب: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، ترجم له بنفس المتن، وقصد البخاري، بترجمة الباب بنفس المتن أن يشير إلى ما وقع عند بعض الحفاظ من أنهم رأوا أن هذا الحديث موقوف على ابن عمر، فلما جعل متن الحديث هو عنوان الباب أراد أن يشير إلى ثبوت أن الحديث مرفوع عنده إلى النبي ﷺ . ومعلوم أن البخاري رحمة الله تعالى عليه كان فقيهاً جداً، وقد ظهر للناس في زمانه وبعده فقه البخاري في تراجم الأبواب وكيف يصنعها، فدلت على دقة فقهه، كما دلت على دقة حفظه، وهذا نظيره في الأدب صنيع أبي تمام في ديوان الحماسة فديوان الحماسة، ديوان جمع فيه أبو تمام الشعر، واختار فيه مقطوعات شعرية ليست من شعره، فهو ليس ديوانه، وإنما اختياره. فأعجب الناس باختيارات أبي تمام، وكذلك البخاري هنا في قضية ترجمته للأبواب فإنها تدل على دقة فقهه رحمه الله تعالى، وأما الحديث فهو وصية نبوية تدعو إلى عدم الركون إلى الدنيا، وحتى لا يركنن ابن آدم إلى الدنيا قال النبي ﷺ في وصيته هذه لـ ابن عمر: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) (أو) هذه مشكلة: هل هي للشك، أو للتخيير، أو للإضراب؟ اتفقت كلمة الشراح على أنها ليست للشك، وهي تقع للشك نحوياً، لكن اتفقت كلمة الشراح على أنها هنا ليست للشك، فبقي حالان: إما للتخيير وإما للإضراب، فإن قلنا للتخيير فيصبح المعنى أن النبي يقول لـ ابن عمر فليكن حالك في الدنيا كحال الغريب أو كحال عابر السبيل أياً كان منهما، فكل منهما لا يركن للبلد الذي هو فيه، لكننا نقول: إن الاختيار أنها تكون للإضراب ومعنى الإضراب، الانتقال، فيصبح المعنى أنه قال له أولاً: (كن في الدنيا كأنك غريب)، ثم أراد أن يرتفع به منزلة أعلى في الزهد فقال له: (أو عابر سبيل).

стр. 6

الفرق بين الغريب وعابر السبيل والفرق بين الغريب وعابر السبيل أن كليهما ليسا من أهل الوطن، لكن الغريب يقيم مدة غير قصيرة، فهو غريب عن البلدة، لكنه مقيم فيها شهوراً أو أعواماً. وأما عابر السبيل فإنه عابر ماض ليس له بتلك البلدة حاجة، ولهذا نرجح أن تكون (أو) هنا للإضراب، والمقصود منها الانتقال في حالة ابن عمر من كونه غريباً إلى عابر للسبيل، والسبيل: الطريق، وهي تؤنث وتذكر، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر:٧٦]. والمقصود من هذا: وصيته ﷺ أن الدنيا معبر، قال أحد الصالحين في وصيته الشهيرة لابنه: ولم تخلق لتعمرها ولكن لتعبرها فجد لما خلقت فالدنيا مزرعة للآخرة، وهذه وصية نبوية من نبي ﵊ من أعلم الخلق بالله، ومن أعلم الخلق بما ينفع الناس في الدنيا، (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، فإذا كان الإنسان يحيا في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل فلا يزاحم الناس في دنياهم. فإن تجتنبها تجتنبها بعزة وإن تجتذبها نازعتك كلابها ثم قال ابن عمر ﵁ استقاءً من حديث النبي ﷺ ، فالقول الثاني قول ابن عمر وليس قول النبي ﷺ ، قال: (إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح)، ومحال جداً أن يأتي إنسان بفهم صوفي للحديث، فيظن أن الإسلام يجعلنا نركن في بيوتنا إذا أصبحنا ننتظر الموت، وإذا أمسينا ننتظر الموت صباحاً، محال أن يدعونا الإسلام إلى هذا، لكن المقصود: أن الإنسان يدفع نفسه في طاعة الله جل وعلا كمن يترقب الموت، وفي نفس الوقت الإنسان إذا كان تاجراً وأصبح وأخذ بوصية ابن عمر: (إذا أصبحت فلا تنتظر المساء) فإن ذلك يمنعه من الغش، والإنسان إذا كان شاباً فتياً فإذا علمه أنه إذا أمسى أو أصبح قد يلقى الله فإن ذلك يمنعه من أن يزيغ بصره ميمنة وميسرة، وإن كان حاكماً منعه خوفه من لقاء الله وقرب الأجل منعه من أن يظلم أو أن يجور أو يفتح على الناس باب شر. وعلى هذا يمكن أن تقيس كل شيء، هذا هو المعنى المقصود من قول ابن عمر: (إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح)، وهو مستقىً من قول النبي ﷺ : (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وقد قيل: إن نوحاً ﵊ قيل له: يا أطول الأنبياء عمراً كيف وجدت الدنيا؟ قال: وجدتها كدار لها بابان: دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر، ثم قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (وخذ من صحتك لمرضك، ومن فراغك لشغلك)؛ لأن الصحة لا يعقبها إذا زالت إلا السقم، والفراغ لا يعقبه إذا زال إلا الشغل، ويعقب الاثنان الهرم، ويعقب بعد ذلك كله الموت. فالدنيا مطية إلى الآخرة لا محالة، وهذه وصية نبوية في عدم الركون إلى الدنيا، والله تعالى أعلم.

стр. 7

شرح حديث ابن مسعود وأنس في الأمل والأجل قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن عبد الله ﵁ قال: (خط النبي ﷺ خطاً مربعاً، وخط خطاً في الوسط خارجاً منه، وخط خططاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال: هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به، أو قد أحاط به، وهذا الذي هو خارج عمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا). عن أنس بن مالك ﵁ قال: (خط النبي ﷺ خطوطاً فقال: هذا الأمل، وهذا أجله، فبينما هو كذلك إذا جاءه الخط الأقرب)]. هذا الحديثان كما سمعتم وذكرناهما في مكان واحد لتقارب معنييهما، وبيان ذلك كالتالي: هناك أمل، وهناك تمن، وهناك ترجي، وهنا أجل وهنا عرض، ونفصل كالتالي: الترجي يكون فيما يغلب على الظن وقوعه، والحرف المناسب له (لعل)، قال الله جل وعلا على لسان كليمه موسى: ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الكهف:٦٠] فتوافر أسباب بلوغ موسى لمجمع البحرين موجودة؛ ولهذا سمي هذا ترجي. وأما التمني فيكون أقرب إلى الخيال، وهو في الشيء الذي قد فات وانقضى ولا سبيل إلى ارتجاعه، أو في الشيء الذي يستحيل أن يقع مما قدر الله أنه لا يكون، والحرف المستخدم له (ليت)، ومنه قول العرب: ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب فقطعاً إن الشباب لا يعود بعد زواله وانتهائه وذهابه. وأما الأمل: فيمكن أن تقول: إنه بينهما، والمقصود به: حب زيادة الغنى والعمر. وأما الأجل: فهو الوقت الذي كتبه الله جل وعلا على كل أحد بعينه أن تفارق روحه جسده. فهذا نبي الأمة ﷺ يرشد الناس كيف يتعاملون مع الآمال والأماني والترجي ومع آجالهم بضرب الأمثال، وضرب الأمثال سنة في القرآن وسنة في الحديث، فهو ﵊ يملك عاطفة ملحة في إخراج الناس من الظلمات إلى النور، فلما ذكر مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم شبك بين أصابعه، ولما ذكر اليتيم قال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين وضم بين إصبعيه السبابة والوسطى)، فكل ذلك تقريب للناس. وهو الآن في محفل بين أصحابه فوضع نقطة على أنها بني آدم، وأحاط هذه النقطة بمربع على أنه الأجل، والمربع محيط ببني آدم، والخطوط الأربعة محيطة ببني آدم، أي: أنه لا مفر من الأجل، والأعراض العرض بسكون الراء ضد الطول، وتأتي عرض مقابل النقدين، ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء:٩٤]، لكن المقصود هنا الآفات والحوادث التي تمر على الفتى. فمن أصابته تلك الآفات والحوادث ولم تهلكه ونجا منها فإن ذلك لا يعني أبداً أنه سينجو من الموت أو ينجو من غيرها، وحتى لو نجا من غيرها فإن الموت واقع لا محالة، لكن الأمل جعله النبي ﷺ خارجاً عن ذلك المربع، فهو خارج من حيث الصورة في ذهن بني آدم، وهو في الحقيقة ليس بخارج، يقول ﷺ : (إذ جاءه الخط الأقرب)، وقد اتفقت كلمة العلماء على أن الخط الأقرب هو خط الأجل. والإنسان في هذه الدنيا يسير فتارة تعرض له أسقام أو حوادث أو كوارث فينجو ما دام في العمر بقية، وحتى لو نجا ولا أعني ذلك النجاة من الموت، لكن طول الأمل يكبر مع بني آدم كما سيأتي في الحديث، وقديماً يقولون: لولا الأمل لما عاش ابن آدم. قال الطغرائي في لاميته: أعلل النفس بالآمال أرقبها ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل وهذه اللامية تسمى لامية العجم، ويقابلها لامية العرب للشنغري، ومطلعها: أقيموا بني أمي صدور مطيكم فإني إلى قوم سواكم لأميل وكان عمر يأمر الناس أن يحفظوا لامية العرب، ولم يأمرهم أن يحفظوا لامية العجم؛ لأن الطغرائي متأخر عن عمر بأزمنة، وأما الشنغري فجاهلي، فـ عمر بلغه شعر الشنغري وتأديبه للناس في لاميته. والمقصود من هذا أن الإنسان يؤدب نفسه بأخبار الأولين، والغاية من هذا أن يعلم الإنسان أن هناك أملاً، فينبغي أن يكون استثمارنا للأمل محدوداً أو بتعبير أصح مقيداً بالشرع، فلا نغرس في الناس اليأس، لكن كذلك نجنبهم الأمل الكاذب الذي يدعوهم إلى التسويف، وتأخير التوبة، والإغراق في المعاصي، ونحيي فيهم الأمل في لقاء الله ﵎، واستثمار الطاعات، وعلو الهمة، والوصول إلى الغايات، وعدم اليأس من رحمة الله جل وعلا، وعدم القنوط من فضله، فهذا أمر محمود، لكنه يكون مذموماً إذا كان يدعو إلى التسويف والبعد عن الرب ﵎. هذا ما يمكن التعليق عليه على هذا الحديث المبارك.

стр. 8

شرح حديث: (أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة)]. قال ﷺ في حديث آخر: (أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين، وأقلهم من يجوز ذلك)، وفي هذا الحديث يقول ﷺ : (أعذر الله إلى رجل أخره إلى ستين سنة)، والله جل وعلا ذكر في سورة فاطر صراخ أهل النار، وقال عنهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧] واختلف العلماء في المراد بالنذير، فقال بعضهم: هو النبي ﷺ ، وقال بعضهم -على قراءة (والنذر) -: إنها الآفات، وقال آخرون: هو الشيب، وعليه أكثر المفسرين. وإذا قلنا: إنه الشيب على هذا القول من أقوال المفسرين، نسوق ههنا قوله ﷺ : (أعذر الله إلى امرئ -أو إلى رجل- بلغه ستين سنة). فالستون عاماً تأتي بعد الأربعين قطعاً، وقال مالك ﵀: أدركت طلبة العلم في بلدنا يطلبون العلم والدنيا ويخالطون الناس، حتى إذا بلغوا الأربعين تركوا الدنيا ومخالطة الناس، وتفرغوا ليوم القيامة، أي: جعلوا أعمالهم منصبة فيما يعينهم على أهوال يوم القيامة. ومعنى قوله ﷺ : (أعذر الله إلى امرئ) أي: لا حجة لذلك المرء عند الله، والستون هي عمر نبي الله جل وعلا داود، كما جاء في الخبر الصحيح: (إن الله جل وعلا لما خلق أبانا آدم أخرج من ظهره ذريته وكل نسمة كائنة منه إلى يوم القيامة، فوجد بين عيني أحدهم وبيصاً من نور، قال: أي رب من هذا؟ قال: هذا رجل من ذريتك يكون في آخر الزمان يقال له: داود، فقال آدم: أي رب كم جعلت عمره؟ قال: ستون عاماً، فقال آدم: يا رب هبه من عمري، فوهبه من عمره أربعين عاماً). والغاية من الحديث أن الستين فيها يظهر الشيب، وهي منحنى من منحنيات العمر ومنعطفاته العظيمة، وإن امرءاً بلغ الستين ولم يفقه أنه سيلقى الله ويخلص في العمل ويجعل أكثر وقته في الطاعة، لا حجة له أبداً عند الله ﵎، ولا يعني ذلك أبداً أن من دون الستين لهم الحجة على الله، فليس لأحد حجة على الله بعد إرسال الرسل، وإنزال الكتب؛ لكن المقصود من الحديث حث من بلغ هذا السن من الناس أن يتقي الله جل وعلا فيما بقي من عمره، هذا المقصود والمراد من هذا الحديث النبوي.

стр. 9

شرح حديث: (لا يزال قلب الكبير شاباً في اثنتين) قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يزال قلب الكبير شاباً في اثنتين: في حب الدنيا وطول الأمل)]. الكبير من الناس من تقدم به العمر، والأصل: أن الإنسان إذا تقدم عمره وهن بدنه، والأصل أن يصاحب وهن البدن وضعفه وهن في حب الدنيا وطول العمر، لكن النبي ﷺ يقرر هنا وهو الموحى إليه من ربه أن من بني آدم من حتى إذا كبر وقرب من الأجل فإنه يكبر معه اثنان: حب الدنيا، ويحب أن يطول عمره. وهذا من جنس الأمل الذي تكلمنا عنه، وستأتي أحاديث تبين أنه لا يملأ فم ابن آدم إلا التراب، أو لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، لكن هذا كله في سياق قوم ما عرفوا الله جل وعلا حق معرفته؛ ولهذا سيأتي بعد ذلك حديث وليس مباشراً يبين قضية من عرف الله ﵎ حق معرفته، ومن نظر في واقع الناس اليوم رأى فيهم أن منهم -عياذاً بالله- من كبر سنه، واحدودب ظهره، ومع ذلك يبقى متشبثاً بالدنيا وكأنها ستدوم له. وقد كان الصالحون من قبلنا يوصي بعضهم بعضاً بالانقطاع عن هذه الأمور، وأن يبقى الإنسان رهن طاعة الله جل وعلا، ويخشى لقاءه؛ حتى لا يكبر فيه حب الدنيا، وحب الدنيا يكبر في قلب كل امرئ قل في قلبه معرفة الآخرة، وأما حب المال فإن النبي ﷺ أخبر أن فتنة هذه الأمة في المال، وهذا مشاهد محسوس، فكم من الناس من يتخلى عن مبادئ وقيم منصوص عليها في الكتاب والسنة؛ من أجل دينار ودرهم، ويقتتل الناس على هذا، وهذا حاصل قديماً وحديثاً، وينشأ في الناس، فالنبي ﷺ عندما ضرب هذا المثل ضربه حتى يتخلى الناس عن التشبث بالدنيا والتشبث بحب المال.

стр. 10

شرح حديث: (لن يوافي عبد يوم القيامة يقول: لا إله إلا الله) قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن عتبان بن مالك الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لن يوافي عبد يوم القيامة يقول: لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله، إلا حرم الله عليه النار)]. إذا حرم العبد على النار فهذا من أعظم المكتسبات، فإن من حرمه الله على النار نجا، وثمة أفعال ومعتقدات لها عند الله جل وعلا منزلة عظيمة، فلا شيء في الدين يعدل: (لا إله إلا الله)، فهذا الفضل من العمل إذا اقترن بالفضل من الإخلاص فاجتمع قلب صادق، ومعتقد صحيح، وكلمة طيبة وهي: (لا إله إلا الله)، فلا يمكن بعد ذلك لهذا العبد أن تنال النار منه شيئاً. يقول ﷺ : (لا يوافي الله عبد قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)، فلا إله إلا الله كلمة جليلة القدر من أجلها أنزل الله الكتب، ومن أجلها بعث الله الرسل، ومن أجلها نصب الله الموازين، ومن أجلها أقام الله الحجج والبراهين، ومن أجلها خلقت السماوات والأرض، بل من أجلها خلق الثقلين: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وعبادة ربهم أن يوحدوه في المقام الأول، فقال ﷺ : (من قال لا إله إلا الله يبتغي وجه الله حرمه الله جل وعلا على النار).

стр. 11

الأعمال التي تحرم على النار أن تمس أصحابها والمحرمون على النار ورد في أحاديث كثيرة ذكر أعمالهم، منها: (من صلى لله أربعاً قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله جل وعلا عن النار)، ومن كان هيناً ليناً سهلاً مع الناس حرمه الله جل وعلا على النار، ومن بكى من خشية الله حرمه الله جل وعلا على النار، ومن جاهد في سبيل الله حرمه الله جل وعلا على النار، ومن أحبه الله حرمه الله على النار، قال ﷺ : (والله لا يلقي الله حبيبه في النار).

стр. 12

معرفة الله حق المعرفة ثم إن النار إذا دخلها من دخلها من عصاة المؤمنين فإن الله جل وعلا لن يجعل للنار سلطاناً كاملاً على أجسادهم، قال ﷺ : (إن الله حرم على النار أن تأكل من ابن آدم أعضاء السجود). وأما قول: لا إله إلا الله، فإن الإنسان لا يمكن أن يقولها حق القول حتى ربه تعالى، فإن من لوازم ذلك أن يعرف الله جل وعلا حقاً، وحتى يصل الإنسان إلى هذه المرحلة أن يعرف ويتمكن من أن يقول: لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله لابد أن يكون هناك علم ويقين بالرب ﵎، وحتى يكون هناك علم ويقين بمعنى هذه الكلمة وجلالتها لابد أن يذهب ويلجأ إلى المصدر الأول في فهمها وهو كلام الله، ثم كلام رسوله ﷺ . فأول ما ينبغي على العبد فيها ألا يستكبر عند سماعها، وألا يدخله أنفة عند علمه بمعناها، قال الله جل وعلا عن أهل معصيته: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات:٣٥ - ٣٦]. الأمر الثاني: لابد أن يكون هناك علم حق بالله عن طريق ما ذكره الله جل وعلا في كتابه من وجهين: الوجه الأول: تعريف الله بذاته العلية. والوجه الثاني: تعريف الرسل بربهم. فأما تعريف الرسل بربهم فقد حكاه الله على لسان محمد ﵊، وأكثر ما حكاه على لسان إبراهيم وموسى، فإن إبراهيم ﵇ لم يشهد خلق السماوات والأرض ومع ذلك قال لقومه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٧٥ - ٨٠]. فذكر أن الله جل وعلا هو الذي فطر السماوات والأرض، ثم قال: ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٦]. ونبيه كليم الله موسى قال له فرعون بكل تبجح: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٩]؟ فأجابه الكليم ﵇ بقوله: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠]، فعاوده فرعون السؤال ﴿ قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه:٥١]؟ فتأدب موسى مع ربه لا مع فرعون فقال: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢]، فهذا مما جرى على ألسنة بعض الرسل في التعريف بربهم. وأما الرب جل وعلا فلا أحد أعلم به منه، ولله جل وعلا في كتابه العظيم في تعريفه بذاته العلية طريقان: الطريق الأول: ذكر أسمائه الحسنى وصفاته العلى. والطريق الثاني: ذكر خلقه ﵎. فتعريفه بأسمائه الحسنى: كقوله جل وعلا في آخر الحشر: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الحشر:٢٢] إلى آخر السورة، وتعريفه جل وعلا بالخلق كقوله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٣ - ٤٤]. فمن نظر بعين التدبر فالسحب مخلوق واحد، فجمع الله جل وعلا فيها أضداداً أربعة: جمع فيها الماء غوثاً لمن أحبه، وجعل فيها الصواعق من النار تحرق من أراد الله أن يصيبهم بها إما نقمةً أو نعمة، ولا يجتمع الماء والنار لكن الله جمعهما في مخلوق واحد، والسحب إذا تراكمت وأطبقت حجبت نور القمر وضوء الكواكب، وأصبح الناس في ظلمة، فإذا خرج منها وميض البرق أضاء للناس، ولا يجتمع النور والظلمة في مصدر واحد، لكن الله جل وعلا بقدرته وحكيم صنعته ونفاذ مشيئته جعل فيها النور والظلمة، والماء والنار في آن واحد، ولا يقدر على هذا إلا الله. فإذا تحقق عقلاً ونقلاً أنه لا يقدر على هذا إلا الله وجب ألا يرجا ولا يدعا ولا يسأل ولا يعبد أحد غير الله. فإذا تحرر عقلاً أنه لا أحد يستحق أن يعبد أو يرجى إلا الله وجب أن يتحقق قلباً أن الله وحده خالق كل شيء، وأن بيده سبحانه مقاليد كل شيء، وأنه جل وعلا إليه مصير كل حي، والله جل وعلا يرزق كل شيء، إذا تحرر هذا آخر الأمر يأتي اللسان يترجم ذلك المعتقد وهو قول المؤمن: لا إله إلا الله، فلا يريد بها بعد أن استقرت في قلبه وعلم حقيقة معناها إلا ربه جل وعلا، فإذا وصل إلى هذه المرحلة كافأه الله جل وعلا بأن الله يحرمه على النار. هذا المقصود من قوله ﷺ : (لا يوافي الله عبد يوم القيامة يقول: لا إله إلا الله يبتغي وجه الله إلا حرمه الله جل وعلا على النار)، وما سلك أحد في باب، ولا طرق أحد مجالاً يبتغي فيه نفعاً أعظم من نفع أن يعرف الإنسان من خلاله ربه ﵎، فمعرفة الله جل وعلا هي الحياة كلها، فمن عرف الله وعبده وأحبه جل وعلا فلا يضره ماذا فقد. وهذا والعياذ بالله لم يعرف الله، فلم ينفعه أي شيء حصل عليه؛ لأن الله جل وعلا وحده هو من بيده الجزاء والحساب. هذا ما يمكن التعليق عليه من قول نبينا ﷺ .

стр. 13

شرح حديث: يقول الله تعالى: (ما لعبد مؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يقول الله تعالى: ما لعبد مؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة)]. يقول ﷺ : (كفى بالموت واعظاً)، وهذا الحديث فيه إخبار أن الإنسان أحياناً يفقد بعض أصفيائه، والصفي كلمة واسعة لها أصل قرآني، فهي الاجتباء والاختيار والتقريب، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ [آل عمران:٣٣]، وقال الله جل وعلا في حق موسى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]، فكلمة صفي أوسع من كلمة ابن، وأوسع من كلمة أخ، فالصفي قد يكون ابناً، وقد يكون أخاً، وقد يكون طالباً لك، وقد يكون شيخاً لك، وقد تكون الزوجة، وقد يكون للزوجة زوج، وقد يكون جاراً، وقد يكون صديقاً، فكل من تؤثره على غيره وتقربه منك وتدنيه، وله في قلبك محبة وحفاوة، وبينك وبينه حياة قلبية واسعة، فهذا يسمى صفياً. والله جل وعلا كتب على الناس الموت، وكل صفيين لابد أن يفترقا، والصديق ﵁ ورد عنه لما مات النبي ﵊ أنه كان بالسنح في العوالي، وهي الآن في جنوب المدينة، فلما بلغه الخبر دخل بيت عائشة بوصفها ابنته، فلما كشف عن النبي ﷺ تبين له أن النبي قد مات، فقبله وقال: واصفياه! والمقصود بالصفي من حيث الجملة: كل من قربته بصرف النظر عن قرابته أو عدم قرابته أو سنه أو غير ذلك. فيقول ﷺ : إن الله جل وعلا يقول: (ما لعبدي إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا)، ولا ينتهي الخبر هنا، (ثم احتسبه)، ومعنى (الاحتساب): الصبر المقرون برجاء الثواب، بمعنى: أن المبتلى بفقد صفيه يصبر وهو يرتجي الثواب من الله جل وعلا، فإذا وقع هذا من الرجل أو من المرأة إذا فقد صفياً له فاحتسبه عند الله جل وعلا، فليس له جزاء عند الله إلا الجنة. وقوله ﵊: (فليس له إلا الجنة) يدل على عظم هذا العمل؛ لأن الله لم يعلق الجنة على عمل مفرد إلا في جلال الطاعة، كما قال: (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)، فعلقها هنا في عمل قلبي وهو الصبر، كما علقها في عمل بدني مالي تعبدي وهو الحج. والمقصود أن الله جل وعلا يبتلي: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧].

стр. 14

احتساب الأجر في كل نازلة تنزل بالمؤمن وينجم عن هذا أمور وفوائد أرادها النبي ﷺ ، أولها وأعظمها: أن المؤمن يحتسب الأجر من الله في كل نازلة تنزل به، فكل ما أساء المؤمن فهو مصيبة، فلو انطفأ سراج بيتك فقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولو انكسرت ريشة قلمك فقل: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ لأنها مصيبة، ولأنك تقول: أنني لا أستغني عن الله أبداً. لكن إن قلتها في مواطن ولم تقلها في مواطن فكأنك من حيث لا تشعر تريد أن تقول: هذه أمور أنا أدبرها بنفسي، وأما هذه فأنا أدبرها بالله، لكن المؤمن في كل شيء يعلم أنه ضعيف عاجز يحتاج إلى ربه، فكلما فقد شيئاً ولو يسيراً يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذه الفائدة العملية الأولى من الحديث.

стр. 15

توطين النفس على مفارقة الأحباب الفائدة الثانية: أن يوطن الإنسان نفسه على مفارقة من يحب، يقول الحسن البصري: اعمل ما شئت فإنك ملاقيه، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، وكن كما شئت فكما تدين تدان. قال جرير: لا يلبث القرناء أن يتفرقوا ليل يفر عليهم ونهار

стр. 16

ألا يعلق الإنسان قلبه بأحد من أهل الدنيا الفائدة الثالثة: ألا يعلق الإنسان قلبه بأحد من أهل الدنيا، وهذا مبني على الحديث الذي قبله وهو قضية: يبتغي بذلك وجه الله، فلا يكون في القلب إلا الله، نعم أننا نحب الوالدين، ونحب مشايخنا، ونحب طلابنا، ونحب أبناءنا وجيراننا، لكن الإنسان يجعل عاطفته في كل شيء بقدر، ولا تعلق قلبك تعليقاً كلياً بأحد من الخلق؛ لأنك لابد من مفارقه، وكونك لا تتعلق به تعلقاً كلياً لا يمنع أن يكون صفياً لك، فهذا أبو بكر رضي الله تعالى عنه سمى النبي ﵊ صفياً له، وأبو هريرة يقول: (أوصاني خليلي)، لكن لا يعني ذلك أن أبا بكر أو أبا هريرة تعلقت قلوبهما برسول الله ﷺ . فالمحبة الشرعية لها قدر تنتهي إليه، وأما الإطراء فيكون مع الرب ﵎، وحتى الإطراء مع الرب ﵎ فإنه يكون وفق نظرة شرعية، فالإنسان ينطلق في أفعاله وأقواله بالنظرة الشرعية. وأما قبض الأصفياء فهذا أمر بديهي، فالنبي ﷺ فقد عمه حمزة وحزن عليه حزناً شديداً؛ لأن حمزة أبا عمارة ﵁ وأرضاه كان عم النبي ﷺ نسباً، وأخوه رضاعةً، فـ حمزة والنبي ﵇ رضعا من ثويبة مولاة أبي لهب. كما أنه ﷺ لما دفن ابنه إبراهيم قال: (إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا)، وهذا حاصل في كل دهر وعصر. وعمر بن عبد العزيز رحمة الله تعالى عليه الخليفة العادل كان له ولد يقال له: عبد الملك، وكان فيه من الصلاح والتقوى والورع ما تقر به الأعين، فمات في حياة أبيه، فلما دفنه عمر قال: الحمد لله الذي جعلك في ميزاني ولم يجعلني في ميزانك؛ لأنه كان يرى أن ابنه أفضل منه، ولهذا ألمح بعض العلماء إلى أن من أعظم الناس أجراً في الدنيا فاطمة بنت محمد ﷺ ؛ لأنها فقدت سيد الخلق ﷺ ، فأصبح النبي ﵊ في ميزانها، وأما أخواتها فهن في ميزان الرسول ﷺ . وهو ﷺ بالنسبة لنا -باعتبار كونه نبينا- فهو ﷺ في ميزاننا بوصفه نبينا، وهو في ميزان فاطمة من جهتين: بوصفه نبي، وبوصفه أب صلوات الله وسلامه عليه، وقد قلت: إن هذا الأمر -أعني المفارقة- يقع لا محالة، قال جرير كما بينا: لا يلبث القرناء أن يتفرقوا ليل يفر عليهم ونهار لكن المؤمن يوطن نفسه على الصبر وعلى الاحتساب، وعلى عدم التعلق بالدنيا، وأنت ترى أيها الأخ المبارك أن أحاديث الباب مرتبطة بعضها ببعض، فبعض الأحاديث علقنا عليها بما لا يتجاوز الكلمتين؛ لأنها من الوضوح بمكان، ولو تكلمنا فيها كثيراً لكنا كالمتهمين رسولنا ﷺ بالعجز، وما كان يجمل ويكمل أن نتوسع فيه توسعنا فيه، فكل بقدر، ولا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها. هذا ما تيسر وتهيأ قوله في هذا المجلس المبارك، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 17

سلسلة شرح كتاب الرقاق من صحيح البخاري [٢] في هذه المادة تجد الكلام على ذهاب الصالحين الأول فالأول، فيبقى حثالة من الناس لا يباليهم الله باله، وعليهم تقوم الساعة. وكذلك تجد الكلام على فتنة المال، وأن الإنسان لو كان له واد من ذهب لابتغى المزيد، ولن يملأ فاه إلا التراب. وكذلك الكلام على أن مال الإنسان الحقيقي هو الذي قدمه لله مخلصاً في ذلك، وأما الذي تركه لورثته فليس بماله حقيقة، بل هو مال غيره.

стр. 18

شرح حديث: (يذهب الصالحون الأول فالأول) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد. قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن مرداس الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حثالة كحثالة الشعير أو التمر لا يباليهم الله باله)]. هنا إخبار بما سيكون من حيث الجملة في آخر الزمان، وأن الساعة لا تقوم إلا على شرار خلق الله، ومعنى قوله ﷺ : (لا يباليهم الله باله) أي: لا يعبأ الله بهم ولا يقيم الله جل وعلا لهم وزناً، والسبب في ذلك أنه ليس بين الله وبين أحد من خلقه نسب، وإنما الأمر على الأعمال الصالحة والإيمان بالله جل وعلا، وهؤلاء لا يعرفون الله طرفة عين، فإنه في آخر الزمان يأتيهم الشيطان فيقول لهم: ألا تستجيبون؟ فيقولون: وبماذا تأمرنا؟ فيدعوهم إلى عبادة الأوثان، فيعبدون الأوثان من جديد، جاء في صحيح مسلم في وصفهم أنهم في سرعة الطير، وأحلام السباع، ومعنى أنهم في سرعة الطير وأحلام السباع أي: في سرعة الطير إلى الشهوات والفساد، وفي أحلام السباع: في البغي والظلم والعدوان والتناحر فيما بينهم، ومع ذلك قال ﷺ عنهم: (ومع ذلك دارة أرزاقهم) أي: يُرزقون ويُطعمون رغم أنهم لا يعرفون الله طرفة عين؛ ولهذا لا يعبأ الله بهم، ولو كان الله جل وعلا يعبأ بهم لابتلاهم بالسراء والضراء، والأخذ والعطاء؛ حتى يردهم إليه لكن أرزاقهم تدار، فحياتهم حسنة ماضية حتى يأمر الله إسرافيل أن ينفخ في الصور فينفخ، فتقوم عليهم الساعة، هذا كله يدفعنا إلى أن نؤصل في أصل المسألة من الأول. قال ﵊: (يذهب الصالحون الأول فالأول)، فالله جل وعلا خلق أبانا آدم وأدخله جنته، فوقع من آدم المعصية فأهبطه الله إلى الأرض، وأخبره الله أن الشيطان له عدو، ثم كانت ذرية آدم ﵇، ومكث الناس عشرة قرون لا يعبدون إلا الله، ثم اجتالتهم الشياطين، فلما اجتالتهم الشياطين بعث الله الرسل، فكان أول الرسل نوح ﵊، ثم تتابع الرسل والأنبياء من بعده ﵊ حتى ختموا بمحمد ﷺ ، ومضت سنة الله أن النبي يبعث إلى قومه خاصة، فلما كان نبينا ﵊ بعث للناس كافة لم يكن بعده نبي؛ لأن كل الناس تبع له صلوات الله وسلامه عليه أمة دعوة، فمات ﵊ فبموته دنت الساعة، إذ لا أمة بعد أمته، ولا نبي بعده ﵊، ومضى دهر الأربعة الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم كانت دولة بني أمية وانتشر الإسلام، ثم كانت دولة بني العباس، ومضت دول، ودولة آل عثمان، ثم وقع ما وقع من تناحر بين الأمة فسلط الله الأعداء علينا، وتفرقت الأمة دولاً كثيرة، وهذا كله من حيث الأحداث الزمنية، ويقع أن الصالحين يذهبون الأول فالأول كما أخبر النبي ﷺ : (خير الناس قرني)، فالصالحون في عهده ﷺ من حيث الجملة أكثر من ناحية العدد، وأكثر صلاحاً وتقى ممن بعدهم، وعلى هذا مضت السنين، ثم تكون الخلافة على منهاج النبوة، ثم يعود الناس للفساد، ثم ينزل عيسى بن مريم ﵇ بعد أن يخرج الدجال للناس، كما سيأتي تفصيله، وأنا أتكلم هنا إجمالاً حتى نربط بين قوله ﵊: (يذهب الصالحون) بين قوله: (لا يباليهم الله)، وفي هذه الفترة ينزل الدجال، وتكون فتنته ما من فتنة من خلق آدم إلى أن تقوم الساعة أعظم من فتنة الدجال، فينزل عيسى بن مريم واضعاً يديه على أجنحة ملكين كما عند مسلم في الصحيح، فيقتل الدجال، ثم يأمر الله الأرض أن تخرج بركتها، وقبل أن تخرج الأرض بركتها تخرج قبائل يأجوج ومأجوج يفسدون في الأرض، ثم بعد أن يُذهب الله يأجوج ومأجوج ويهلكهم ينزل عيسى والمؤمنون الذين معه من الملكان الذي تحرزوا فيه بجبل الطور، فإذا نزلوا أمر الأرض أن تُخرج بركتها، فلو أن إنساناً أنبت على صفاة لأنبتت، ثم تمضي الأيام بهم والليالي، فيموت الصالحون حتى يبقى أقوام -كما عند حديث حذيفة بن اليمان ﵁ وأرضاه- لا يعرفون ما صلاة ولا زكاة ولا صدقة ولا نسك ولا حج، ولا يعرفون إلا كلمة عظيمة جليلة وهي: لا إله إلا الله، وهذا كله معناه أن العلم يُفقد تدريجياً، وأصل الدين كله: لا إله إلا الله فتبقى في قلوبهم، ولو ذهبت لا إله إلا الله فلا ينفع صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا حج، فإن قال قائل: كيف تنفعهم وهم لا يصلون ولا يزكون؟ و الجواب أنهم لا يعلمون ذلك أصلاً، فلم يبلغهم ما صلاة، ولا زكاة، ولا حج، ولا صدقة، ولا نسك، فهذا كله لم يبلغهم فلا يعرفون من الدين إلا كلمة التوحيد، يقول حذيفة عن رسول الله ﷺ : فيقول الشيخ الكبير والعجوز: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة فنحن نقولها، فيبعث الله ريح. وهناك روايتان صحيحتان: رواية أنها ريح تخرج من الشام، ورواية أنها ريح تخرج من اليمن ألين من الحرير. ويمكن الجمع بين الروايتين على أن هذا يقع من هنا ومن هناك، فهذه الريح يجعلها الله كفيلة بأن تقبض أرواح المؤمنين، حتى ورد في الحديث: أن أحدهم في كبد جبل لا يعلم إلا وقد قدمت إليه هذه الريح ومات، فيبقى هؤلاء القوم الحثالة الذين لا يعبأ الله بهم. يقول ﷺ : (يذهب الصالحون الأول فالأول)، والصلاح يطلق ويراد به أمران: يطلق ويراد به مقابلاً لمواطن أخر أو منازل أخر فيكون الرابع، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء:٦٩]، فجعلها المرتبة الرابعة بعد النبوة والصديقية والشهادة. ويطلق ويراد به حتى الأنبياء، وهنا يكون بمنزلته العالية، فإذا ورد مقترناً مع النبوة أو الصديقية أو الشهادة فإنه يراد به رابع المنازل، وأما إذا ورد لوحده فالأصل فيه أنه أعلى المنازل. ثم هو بذاته درجات قال ﵊: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد صالح، وأرجو أن أكون أنا هو) صلوات الله وسلامه عليه، والله ذكر نوحاً ولوطاً في كتابه فقال: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾ [التحريم:١٠]، والنبي ﵊ قال لـ حفصة في حق ابن عمر: (إن أخاك رجل صالح، أو عبد صالح)، وقال في حق سعد بن معاذ: (إن للقبر ضمة لو نجا منها أحد لنجا منها هذا العبد الصالح)، فالصلاح هنا بمعناه الأصلي الرفيع، لكن الناس فيه درجات، وقد قال بعض العلماء: إنه من أعظم المطالب وأسمى الغايات؛ ولهذا سأله الأنبياء ربهم، قال الله جل وعلا على لسان سليمان: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل:١٩]، فكون أحد أنبياء الله يسأل الله جل وعلا أن يدخله في زمرة عباده الصالحين ففيه دلالة على أن الصلاح من أعظم المطالب وأسمى الغايات، والله جل وعلا مضت سنته في خلقه أن القوة يتبعها ضعف، والضعف يتبعه قوة، فالناس بدأوا بالتوحيد ولم يكن ثمة أعمال قبل الأنبياء، ثم يختمون بالتوحيد على تلك الطائفة، وبينهما ظهر أنبياء ورسل بعثهم الله جل وعلا جماً غفيراً، ثم تكون تلك الحثالة التي لا يعبأ الله جل وعلا بها، وعليهم تقوم الساعة لا بلغنا الله وإياك ذلك اليوم، فرحمة ربنا ﵎ بالأخيار من خلقه قائمة ثابتة في كل زمان ومكان، وهنا على المؤمن أن يسعى في صلاح نفسه؛ لأن النبي ﷺ قال: (يذهب الصالحون الأول فالأول)، والإنسان إذا سمع أو بلغه نبأ موت أحد من الناس وعلم أنه صالح تمنى لو كان هو الميت، والإنسان يتحسر على من يموت وظاهره التفريط، والصغائر أمرها إلى الله، لكن من علمنا منه أنه كان على خير ومنهاج مستقيم فقد لا يصيبنا ذلك الحزن؛ لأنا نقول في أنفسنا: ما له عند الله خير مما له عندنا، والإنسان العاقل لا يحرص على شيء أعظم مما يحرص على نفسه؛ فينبغي على المؤمن أن يسعى في صلاح نفسه، وأن يجتهد في ذلك وكلنا مقصر لكن نسأل الله الغفران والتوبة.

стр. 19

شرح حديث: (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثاً) قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب)]. هذا الحديث يتعلق بقضية فتنة المال، وقد مر بعضها معنا، فأخبر الله جل وعلا أن النفس البشرية مجبولة على حب المال، فقال: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر:٢٠]، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨] والخير هنا هو المال، فهذا الشيء المجبول في النفوس إذا ترك على سجيته ولم يلجم بلجام التقوى ولم يؤدب بأدب القرآن أفرط صاحبه فيه، يقول ﵊: (لو كان لابن آدم واديان) ورفعت واديان بالألف لأنها مثنى؛ وسبب رفعها أنها اسم لكان، (لو كان لابن آدم واديان لابتغى ثالثاً) أي: ابتغى ثالثاً للواديين، ولا يعني ذلك أنه لو حصل على الثالث لاكتفى، ولكن المقصود الطمع الذي جُبل عليه بنو آدم، ثم قال: (ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب)، وهذه كناية على أنه لا يشبع أبداً، ثم قال استدراكاً -وهذا من أبواب الرحمة التي يفتحها النبي لأمته وفق ما بلغه ربه- قال: (ويتوب الله على من تاب)، فهي دعوة لمن أفرط على نفسه بحب المال حتى طلب هذا المال من غير وجهه، أو على وجه محرم عياذاً بالله. وعلى هذا نؤصل فنقول: إننا لا يمكن أن نحيا من دون مال، فقد جعل الله المال عصبة للناس به يقومون، لكن الرب ﵎ أخبر أن تحصيل المال إما بطريق طيب وإما بطريق محرم، فأباح الله لنا تحصيله عن طريق الطيبات، وحرم الله علينا تحصيله عن طريق ما حرمه وحجبه جل وعلا ونهى عنه، فعلى هذا إذا كان الإنسان لا يمكن أن يشبع مهما جلب له من المال فحري به أن يكتفي؛ لأنه لن يشبع أبداً، فعليه أن يكتفي بالمباح ويكتفي بالطيب ولا يستمر في غوايته؛ لأن لو كانت القضية أنه سيصل إلى مرحلة الاكتفاء لقلنا في غير الشرع لا بأس حتى تصل إلى مرحلة معينة، لكنه من طلبه على وجهه من غير أن يلجمه بالتقوى فلن يشبع أبداً؛ ولهذا قال ﷺ : (لابتغى ثالثاً) أي: وادياً ثالثاً غير الواديين المليئين بالمال. ثم قال ﵊: (ويتوب الله على من تاب) فالإنسان مهما بلغ في التقوى وارتقى في الصالحات وسارع في الخيرات وسابق في الطاعات فإنها تبقى عند العبد لمم وصغائر، وأحياناً عند البعض تبقى الكبائر، لكن الله يقول وهو أصدق القائلين: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢]، والتوبة وظيفة العمر لا يستغني عنها أحد، ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] فأمر بها الأنبياء والرسل وسائر الناس، والتوبة إلى الله جل وعلا تغسل الران الذي على القلوب، وتقرب من رحمة علام الغيوب، وبها يعرف العبد أنه على مقربة من الله، وقد شبه النبي ﷺ المؤمن الذي يبادر إلى التوبة بالفرس المعقود له في مكان ما، فهو مهما بعد يعود إلى موطن رسمه، على هذا تجديدك للتوبة في كل يوم أو في كل ساعة، واستغفارك ربك من أعظم دلائل عدم مسرتك بالمعصية، قال ﵊: (من سرته حسنته وساءته سيئته فهو المؤمن)، وعلي بن ربيعة ﵁ يقول: شهدت علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه وقد قربت له دابة، فلما وضع قدمه في الركاب قال: بسم الله، ثم لما استوى على ظهرها قال: الحمد لله، ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف:١٣] وإنا إلى ربنا لمنقلبون، وحمد الله ثلاثاً، وكبر ثلاثاً، ثم قال: سبحانك ربي ظلمت نفسي فاغفر لي، ثم ضحك فقلنا: يا أمير المؤمنين مم تضحك؟ قال: إني رأيت النبي ﷺ صنع مثل الذي صنعت ثم ضحك، فقلنا: يا رسول الله مم تضحك؟ قال: (إن رب العالمين يعجب من عبده إذا قال: سبحانك ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي، يقول جل وعلا: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري)، وكم من عباد منّ الله عليهم بالاستكانة والخضوع إذا تذكروا معاصيهم، فكانت معاصيهم سبباً في ثباتهم على الدين، وكم من عباد عياذاً بالله يفرحون بالطاعة وحق لهم في الأصل أن يفرحوا بالطاعة لكن يصيبهم علو واستكبار على من دونهم، فينقلب أثر الطاعة إلى أثر غير حميد، لأن الإنسان لم يسلك به طريقاً شرعياً؛ والمقصود من هذا كله أن فتنة المال من أعظم الفتن، ومع ذلك فتح الله جل وعلا باب التوبة.

стр. 20

شرح حديث: (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله ؟) قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن ابن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول الله! ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، قال: فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر)]. هذا في نفس السياق الأول، لكن النبي ﵊ ينوع في خطابه؛ حتى لا يصيب الناس السآمة والملل، هذا من وجه، والناس أصلاً يختلفون في طريقة التعامل لغوياً، والمقصود توصيل المعنى، فقال في الأول في أسلوب شرط: (لو كان لابن آدم واديان)، وهنا قال صلوات الله وسلامه عليه مستفهماً، وهذا الاستفهام تمهيد للعرض، فالأسئلة في الغالب تقع على ثلاثة أحوال: الحال الأول: سؤال استفهام يقصد به المعرفة، كأن تسأل: أين طريق كذا؟ فأنت تريد أن تعلم جواباً ترفع به الجهل عن نفسك، فهذا يسمى سؤال استفهام. الحال الثاني: سؤال اتهام، فتسأل أحداً وأنت في صياغتك لسؤالك تتهمه، والعاقل هنا لا يجيب على مثل هذه الأسئلة إذا كان السؤال ورد على أنه سؤال اتهام، فقد يأتي إنسان مثلاً فيحكم عليك قلبياً قبل أن يراك بشيء معين، ثم يأتي يسألك أمام الناس، فحتى لو نفيت الأمر عن نفسك لأدخل حججاً وطرائق يثبت به سؤاله، فهذا يسمى سؤال اتهام، فالعاقل في الغالب لا يجيب على مثل هذا، هذا الحال الثاني. الحال الثالث: أسئلة لا يراد بها رفع الجهل عن النفس لكنها تقع على ضربين: إما رفع الجهل عن الغير، أو تقع تمهيداً للتعليم، فأما الأول -وهو رفع الجهل عن الغير- فيسمى سؤالات جبريل؛ لأن جبريل ﵇ لما قدم إلى النبي ﷺ أسند ركبتيه إلى ركبتيه، ثم وضع يديه على فخذيه، وقال: أخبرني عن الإسلام؟ فهذا استفهام لكن جبريل لا يريد أن يعرف ما هو الإسلام حتى يرفع الجهل عن نفسه، فجبريل هو الذي جاء بالإسلام للنبي ﷺ ، وهو الذي بلغه الشرع عن الله، لكنه أراد أن يعلم من حول النبي من الصحابة، وقال: أخبرني عن الإيمان؟ أخبرني عن الساعة؟ ولهذا قال النبي ﵊ له: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) أي أن علمي وعلمك فيها سواء. هذا هو الأول. والثاني منهما: التمهيد لما بعده، وهو الذي بين أيدينا، فقوله ﵊ لجمهرة الصحابة الذين حوله: (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟) يعلم ﷺ أن كل أحد ماله أحب إليه من مال وارثه، لكنه أراد أن يكون ذلك مدخلاً ليخبرهم بالمال الحق الذي ينفعهم، فالهمزة في أيكم همزة استفهام، (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: ما منا من أحد مال وارثه أحب إليه من ماله)، فلما تقرر هذا منهم بأفواههم قال ﷺ : (فإن ماله) أي: الحق (ما قدم، ومال وارثه ما أخر)، فما تدخره لمن بعدك، سينتفع به من بعدك فليس في الحقيقة يعتبر مالاً لك، وما قدمته بين يدي الله جل وعلا من النفقات والزكوات والصدقات وأردت به وجه الله هو المال الحقيقي لك، ونسبه النبي لك لأنه ينفعك يوم القيامة، وأما الشيء الذي لا ينفعك فلا يعتبر ملكاً لك، وما ينفعك يعتبر ملكاً لك ولو لم تملكه. ولهذا قال الله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، والمعنى لو أن إنساناً مثلاً عليه ديون، والدين مرغب في الشرع أن يخفف الإنسان منه، فلما مات جاء رجل آخر فسدد دينه عنه، فالمال المسدد به الدين ليس مالك على وجه الحقيقة، لكنه لما نفعك كان كأنه مالك؛ لأن ما ينجم عنه من حبسك في القبر بسبب الدين انتفى بسبب أن ذلك الأخ الذي سدد عنك نفعك بماله، فلما نفعك ذلك المال أصبح كأنه مالك، والنبي ﷺ في تربيته للصحابة نحن نجهل الآن المناسبة الذي تكلم فيها النبي ﵊، لكن إذا جمعنا الأحاديث بعضها إلى بعض عرفنا أي منهج عظيم كان عليه النبي ﷺ في تربية أصحابه، فتارة يجنح إليهم في ما تتعلق به النفوس ويتحدث عن الأموال، كما هذه الأحاديث الذي اختارها البخاري في كتاب الرقاق، وتارة يتحدث عن النوافل في الصلوات وكأن الدين ليس فيه إلا صلاة، فإذا اطمأن إلى أنهم فقهوا ذلك خرج به منحاً آخر وتكلم عن حق الجار، فإذا أدركوا حق الجار جاء بمجلس آخر فكلمهم ﷺ عن حق الضيف، فإذا اطمأن إلى أنه أقام مجتمعاً مسلماً خاف عليهم أن يركنوا إلى الدنيا فيكلهم عن أخبار الآخرة وأيام اللقاء بين يدي الله، ويحدثهم عن الجنة والنار؛ حتى لا تعلق قلوبهم بالدنيا، ثم يحدثهم تارة عن الجهاد في سبيل الله وأن به يرفع الذل ويطلب العز، وكأن الدين ليس فيه إلا السيف والرمح، ثم يأتي في موقف آخر فيقول: (لا تتمنوا لقاء العدو، وإذا لقيتموه فاصبروا)، وهذه التربية النبوية من يريد أن يستقي منها ويستفيد لا ينظر إلى باب واحد، ولكن يأخذ الدين أخذاً شمولياً، وينظر في أحاديثه ﷺ وفي القرآن من قبل نظرة شمولية تجمع أبوابها، لكن الإنسان إذا كان في حياته لا يقرأ إلا باباً واحداً في العلم فإن هذا الباب يبقى مسيطراً عليه. وفي إحدى الأمم -بدون تسمية حتى لا تكون تزكية- غير المسلمة يقولون: من ليس في يده إلا مطرقة فإنه يرى كل الناس مسامير؛ وهذا حق لأن الذي ليس في يديه إلا مطرقة فإن أي شيء يريد أن يطرقه سواء كان قابلاً للطرق أو غير قابل للطرق، فالذي يأتي لفنون العلم ولا يقرأ إلا باباً واحداً حتى يشعر بوجوده، فيطبق هذه الأحاديث على كل شيء حتى يشعر أنه استفاد؛ لأنه إذا لم يجد لها مسلكاً شعر بالنقص، ولا أحد يحب النقص في نفسه، لكن من أراد أن يعلم كيف يستقي من معين محمد ﷺ فلينظر إلى السيرة العطرة والأيام النضرة جملة، وإلى الأحاديث في أبوابها كلها، ويضم الضمائم بعضها إلى بعض، ثم يفقه متى يقدم ومتى يؤخر، ومتى يطالب بهذا ويقدم هذا المنهج الحق في فهم سنة محمد ﷺ ، ولهذا أحسن النووي رحمه الله تعالى صنعاً لما جمع أحاديث كتابه العظيم (رياض الصالحين)؛ فإنه لم يترك باباً إلا تكلم فيه، وجمع فيه أقوال المصطفى ﷺ . هذا ما تيسر إلقاءه في آخر هذا المجلس سائلين الله لنا ولكم التوفيق والسداد، والعلم عند الله جل وعلا، ونجيب فيما بقي من الوقت على أسئلتكم.

стр. 21

الأسئلة

стр. 22

المقارنة بين فتنة المال وفتنة النساء، وكيفية التخلص من فتنة النساء السؤال أيهما أعظم فتنة المال أم فتنة النساء؟ ونرجو منك أن تتكلم حفظك الله عن فتنة النساء، وكيف يمكن تجنبها والنجاة منها؟ الجواب نقول والعلم عند الله قال ﷺ : (إن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي في المال)، فالنساء فتنة بلا شك، لكن فتنة المال من حيث الجملة أعظم، لكن قد يكون بعض الناس فتنة النساء عنده أكبر خاصة لمن كان أعزباً أو كان شاباً أو أشباه ذلك، أو كان فيه قوة وعنفوان، لكن الأصل أن فتنة المال أكبر، وأنت ترى الكثير من الفضلاء والناس المعروفين المشهود لهم إذا ابتلي بالدينار والدرهم يفشل فشلاً ذريعاً؛ ولهذا كان بعض الناس إذا سأل عمن يطرق بابه للزواج من إحدى محارمه فإنه يسأل عن كيفية تعامله مع الدينار والدرهم؛ لأنها تبين معادن الرجال. وأما فتنة النساء -أعاذنا الله وإياك- فإن الله أمر بغض البصر، وأمر بحفظ الفرج، والإنسان يتجنب المواطن التي تكون مجمعاً للنساء ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ويحرص على الزواج، ويستعين بالرب ﵎.

стр. 23

نصيحة لمن استقام على هذا الدين السؤال أنا شاب مستقيم واستقامتي كانت هذا اليوم، فبماذا تنصحني يا شيخ؟! الجواب أنت تقول في سؤالك: أنا شاب مستقيم واستقامتي هذا اليوم، -يعني: أنه الله جل وعلا من عليك بحب التوبة إلى الرب ﵎ في هذا اليوم، فثق يا أخي أنك وقفت على باب عظيم، وحصلت على أمر عز نظيره، وقل مثيله، ولا يوجد شيء تطلبه ينفعك وينجيك أعظم من الوصول إلى الهداية؛ فإذا شعرت في قلبك أنه تمكن حب الهداية فيك ولك رغبة أن تهتدي، ولك رغبة أن تستقيم فلا تفرط في هذا الأمر أي تفريط، والبداية تكون أن يقع في قلبك وقعاً صادقاً أنك تريد ما عند الله، ثم يقع في قلبك أنك لن تستطيع أن تستمر على هذا الطريق إلا بالله، وأنه لن يكلأك ويحفظك ويثبتك إلا ربك، ثم تتذكر سالف أيامك فيقع فيك الندم على ما فرطت في جنب الله، ثم تعقد النية على أنك ستعمل الصالحات وتسابق في الخيرات، وجاء تفسير ما سبق، ثم تبدأ من الليلة بالقيام بين يدي الله جل وعلا، لا يوجد لذة في الدنيا أعظم من لذة السجود في الأسحار أو في ثلث الليل الآخر في ساعة يناجي فيها العبد ربه، كل لذات الدنيا تضمحل تنتهي لا يبقى لها شيء إذا ما قورنت بمثل هذه اللذة وأنت أيها الأخ المبارك السائل -فإن حقك مقدم على حق غيرك فأنت صاحب السؤال- قم هذه الليلة بثلاث ركعات وابدأ بداية سهلة، ولا تكلف نفسك ما لا تطيق واقرأ فيها القرآن وأسمع فيها نفسك، واسأل الله في السجود الثبات على دينه، وأن يفتح الله عليك، اسأل الله الجنة بإلحاح، واستجر بالله جل وعلا من النار بإلحاح، واسأل الله مغفرة الذنوب وستر العيوب، واسأل العون يقول الله لنبيه: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان:٣١] لن يهديك يا نبينا إلا ربك، فإذا عرفت الطريق لن ينصرك في المضي عليه إلا ربك، فاسأل الهادي النصير ﷻ أن يوفقك ويعينك.

стр. 24

كيفية صلاة نافلة الظهر أربعاً قبلها وبعدها السؤال كيفية الصلاة قبل الظهر أربعاً وبعد الظهر أربعاً؟ الجواب يصلى ركعتين ركعتين ما بين الأذان والإقامة، ثم إذا فرغت من الفريضة تصلي أربعاً أخر ركعتين ركعتين، قال ﵊: (من صلى قبل الظهر أربعاً وبعدها أربعاً حرمه الله على النار).

стр. 25

نصيحة لمن يريد أن يحفظ كتاب الله تعالى السؤال نويت في الإجازة حفظ القرآن الكريم، ولكن في بعض الأوقات أشعر باليأس؟ الجواب ضع لنفسك أمراً أنك على خير عظيم، ولا يجدن إليك اليأس سبيلاً، وحتى لو لم تكمله في الإجازة فهذا لا يضر، وحسبك فخراً أن ينظر الله جل وعلا إليك وأنت تحت سارية مسجد تروم كتابه العظيم، وتحاول أن تتدبره وتحفظه، فهذا لوحده فخر عظيم.

стр. 26

التعريف بالراوي في هذا الشرح السؤال لماذا لم يعرف الراوي بشكل مختصر؟ الجواب هذا حسن لكن بعض الأخوة يقولون: نحاول أن ننهي أحاديث الباب في المقام الأول، فالأحاديث البينة الظاهرة جداً لا نتعرض لها إلا بشيء يسير.

стр. 27

إقامة الجهاد في سبيل الله وشروطه الجواب الأخ الفاضل يتكلم عن الغيرة على الأمة، ويتكلم عن قضية الجهاد وأحكامه، ويقول كلاماً طيباً، لكنا نقول: إن المشكلة تكمن في أن الأمة ما بين واقع مشهود وأمل منشود، وردم الفجوة هذه بين واقعها وبين أملها هو الذي أصاب الناس اختلاف كثير في قضية كيفية التعامل مع الواقع، فيقع الخبط أحياناً والميل، كما يقع أحياناً التكاسل، وعدم بذل أي سبب في نصرة دين الله، وكلا الفريقين مخطئ، لكن الله جل وعلا جعل هناك أسباباً شرعية وأسباباً قدرية، ولن يكون هناك جهاد ورفعة للأمة حتى يجتمع السببان القدري والشرعي، فالشرعي: الإيمان والعمل الصالح، ومحبة الناس بعضهم لبعض، وقيامهم بواجب الدين، والقدري: أن يعينهم الله ويمكن لهم القدرة على الأخذ بأسباب الحرب، وهو قول الله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٠]، فهذا كله اجتمع لنبينا ﷺ ، فقد كان عليهم الصلاة والسلام والمؤمنون الذين معه في مكة يصلون ويصومون وكانوا خيرة أهل الأرض، فالسبب الشرعي كان موجوداً، وليس بعد وجوده ﷺ ، فهو النبي، وأربعون ثم ثمانون ثم ثلاثمائة كانوا في مكة كلهم صالحون؛ لماذا لم يكن هناك جهاد؟ لأن الجانب القدري ما اكتمل، مع أن الجانب الشرعي موجود، فلا أحد يقول: إن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ وأرضاهم كانوا مفرطين مقصرين لا ينصرون، ومع ذلك ما فرض الجهاد؛ لعدم السبب القدري، فلما ذهب إلى المدينة وأسس دولة الإسلام جاء السبب القدري، ثم إن هذا السبب القدري والشرعي كذلك أحياناً قد يقربان وقد يبعدان، وأحياناً قد يبقيان وأحياناً قد يضمحلان، فيكون واجب الجهاد أو العمل الجهادي مرتبط بالحالين: بالقدري والشرعي، والنبي ﵊ لما جاءه النصر بشارة من الله قال: (امضوا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين)، ففي بدر حارب ثلاثمائة مقابل ألف، فالعدو هنا ثلاثة أضعاف المؤمنين، لكن لما جاء في يوم الخندق وضربته العرب عن قوس واحدة، ولم تكن قريش لوحدها وإنما كانت عدة قبائل غطفان وقريش وغيرها ما حارب ﷺ ؛ لأن السبب القدري هنا اختل، فتحصن ﵊ بالخندق وامتنع عن المحاربة، ولم تقع حرب: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب:٢٥]، فلم يجازف ﷺ بالأمة رغم وجود السبب الشرعي؛ لعدم وجود السبب القدري، فالذي يريد أن يتحدث بأي مسألة في دين الله جل وعلا يحاول قدر الإمكان أن يشد الزمام على الآلية التي يتكلم بها، وأن يملك زماماً آلياً في العلم حتى يتكلم عن الله وعن رسوله؛ لأن الكلام عن الله وعن رسوله توقيع عن رب العالمين، لكن لا يعني هذا أن يتهم الناس أو أن يظن بأي أحد من الناس السوء؛ لأنه دعا إلى خير؛ لأن الناس من حقهم أن يكون فيهم حرقة وغيرة وكمد وأسى وحزن على ما يحدث بأمة الإسلام، وعلى ما يحدث بالمسلمين، فهذا لا يرضي أحداً يرجو الله واليوم الآخر، ولا يرضي مؤمناً أن يقتل مسلم خاصة إذا قتل مسلم على يد كافر، فلا يفرح بهذا مسلم، لكن حتى ينتصر الإنسان كذلك لا بد نحن أعناقنا مطايانا محنية للدليل من كتاب الله وسنة نبينا ﷺ ، فما فقهناه من الكتاب والسنة نعمل به، وجمع الناس على إمام وحد واجتماع كلمتهم ووحدة أمرهم هذا أمر دعا إليه النبي ﷺ ، وقرره القرآن، فلا ينبغي العزوف عنه بأي حال من الأحوال، ولا المجازفة في هذه المصلحة تحت أي ستار كان؛ لأنه ليس من المعقول يأتي إنسان ينثرها ثم يقول: نبنيها من جديد، هذا في ألعاب الأطفال (ينثرها ثم يبنيها من جديد)، وأما في حياة أمم فما يمكن الإنسان أن ينثرها ثم يقول: نبني أمة، لكن الإنسان يكمل، أما الإنسان يرمي الأمة أشتات كل إنسان ينادي على منبر، وكل إنسان يدعو لوال أو يدعو لسلطان أو يدعو لأمير، ثم يرجو بعد ذلك أن يجتمعوا! محال، فهذا شيء جُبلت النفوس عليه، أي: على حب السلطة، وعلى حب التصدر، فهذه فطرة في الخلق إلا من عصمه الله، لكن الإنسان يأتي للأمر الموجود، يقول ابن تيمية ﵀: وليس العاقل من يهدم مصراً ليبني قصراً، أي: يهدم وطناً كاملاً لكي يبني قصراً، والإنسان يبدأ من الخطوات، كإنسان ابتلي بأب فيه فجور أو فيه فسق، وعنده أبناء بعضهم فجرة وبعضهم طيبون، وبعضهم وسط وسط، فيقول: خلاص نعيد من جديد: هذا ما هو أبونا خلوه خارج، ونبدأ من جديد نسوي بيتاً! فهذا ليس عقل، لكن العقل أن يشدد لحمتهم مع بعضهم البعض، ثم يحاول أن يصلح قدر الإمكان ما استطاع، ثم مع الأيام تعود الأمور إلى وضعها الطبيعي، فهذا هو المنهج الذي شرعه الله في الإصلاح؛ فالذي يريد شيئاً شرعياً هو مجبر -إن كان صادقاً- أن يسير على نهج الشرع، وأما الذي يريد شيئاً غير شرعي فبدهي أن يسلك طريقاً غير شرعي، وهذا الذي تراه هو الذي أخر الأمة سواءً على مستوى الجهاد، أو على مستوى السياسة، وحتى على أي مستوى، وأخر الناس حتى على مستوى حياة الأفراد بصرف النظر عن حال الأمة، وحتى أحوال بعضنا في الوصول إلى ما نريد أننا نريد ما عند الله بطريق غير الذي شرعه الله، فمثل فاعل ذلك لا نقول: إنه كافر، أو ما إلى ذلك! هذا محال، لكنه إما متعجل أو جاهل، أو دخلت فيه أهواء، وأنا أتكلم هنا على صورة أفراد ولا أتكلم عن قضايا الأمة، أتكلم حتى في إنسان يطلب علماً ويريد أن يكون شيخاً محبوباً فاضلاً فهذا يطلب من الله ولا يطلب من الناس شيخ يسمع الناس لك! ما هذه إلا من الله، فيه منهج شرعي وضعه الله، ووالله لو فعلت ما فعلت ما تحصل عليه، لكن أنت حتى تنتهي القضية اطلب ما عند الله، وثق تماماً أنك ستصل اليوم أو غداً، وحتى لو لم تصل أنت أصلاً لا تريد أن تصل بهذه الطريقة، لكن الله جل وعلا من أراد شيئاً عنده يؤدبه جل وعلا فيبتليه بأشياء يشعر هو أنها تقربه من الهدف، فإذا كان رجلاً أراد الله به ألا يصل سلك هذه الأشياء على عجلة من أمره، وإذا أراد الله له أن يصل ترك هذه التي تعجل به ولزم الذي شرعه الله، حتى ولو غلب على ظنه أنه سيتأخر ١٠٠ عام، فإذا كنت أنت على منهج الحق فستصل، ومثال ذلك أنا الآن في الرياض وسأعود إلى المدينة، وجئت براً، فإذا قررت أن أعود إلى المدينة إذا سلكت طريق المدينة الذي هو طريق القصيم لو مشيت بالسيارة عشرة بل لو واحد يدفني بالسيارة من وراء ما دام أنا على طريق القصيم فسأصل إلى المدينة؛ لأن نهاية الطريق المدينة، فما دمت أنت على الطريق فستصل، لكنني لو أخذت جهة أخرى كطريق مكة مثلاً فأنت حتى لو مشيت ١٨٠ ومشيت ٢٠٠ سقت همر، أو على طائرة هيلوكبتر فما ستصل؛ لأن الطريق ليس نهايته المدينة فلن تصل، وهذا تماماً في حياتك اليومية، فالذي يريد منهج الله يلزم شرع الله، فهذا كتاب وهذه سنة، ولذلك لما تجادل حتى بعض طلبة العلم في الوصول أو في بعض قضايا الأمة يقول: يا أبو هاشم والله ولو بعد سبعين سنة سنوصل، إيه لأنك أنت حسبت بحسابك أنت، ومن قال لك إنك أنت ستصل بجهدك؟ أنت مطالب بأمرين: أن يكون الهدف لله، وأن يكون الطريق قد رسمه الله، فإذا كنت صادقاً فستصل، وأما إذا شرعت في طريق آخر حتى لو كان الهدف صحيحاً فلن تصل، لكن ينبغي أن يكون الطريق إلى الهدف وفق منهج الله. يا أخي الله يقول لنبيه: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون:٩٣ - ٩٤] أي: فحتى أنت يا نبينا قد نميتك قبل أن ننتهي منهم، يعني: تأخذ وتعطي معهم فتموت والأمر معهم ما انتهى، فإذا كان هذا جرى حكماً على النبي فكيف من دونه! لكن الناس يريدون أن يصلوا بعجلة، فمن يظن أن الطريق الذي ابتكره أفضل من ذلك الطريق فهو من غير أن يشعر يظن أن طريقه مقدم على طريق الله، ولهذا يقول الله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت:٣٥] أي: ثبتوا على منهج الله، ولذلك فالنبي ﷺ لما جاء في يوم عام الحديبية، وهو نبي وما هو بقائد سياسي، بل نبي يوحى إليه، جبريل غداء رواح عليه، ومعها ألف وأربعمائة، سيصل صلوات الله وسلامه عليه للحديبية فتمنعه قريش، فجن جنون الصحابة وقالوا: هذا شيء لا يعقل، فلما جن جنونهم قال: (إنه ربي ولن يضيعني)، أدخل السنة هذه، أدخل بعد عشرين سنة، فهذا شيء ما لي شغل فيه فأنا ماشي على المنهج الصحيح، فحبسها حابس الفيل، أي: الناقلة، فعرف لما خلأت القصواء أنه لن يدخل مكة؛ فجاءه عمر فأخذ يعاتبه، وعمر يرغب حقاً، ويطلب رفعة الإسلام، لكن هذا منهج فمتى ما وصل وصل، فرجع ﷺ فأنزل الله عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١]، فأخذ يرجعها ﷺ يترنم بها، ثم في العام الذي بعده بعامين -فالحديبية كانت في سنة ست، والفتح كان في سنة ثمان- دخل ﷺ مكة، لكن هذا أمر يبتليك الله به، وهذا أمر ليس فقط في أحداث الأمة وفي طلب العلم، وإنما يطرى في كل شيء، والله يبتليك بالخادم قبل أن يبتليك بابنك، ويبتليك الله بابنك قبل أن يبتليك بجارك، ويبتليك الله بأن تعطي قبل أن يبتليك الله بأن تمنع؛ ولهذا الله يقول: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣]، فيأتي إنسان يدخل عليه في دائرة حكومية، وهو همه أن يظهر عند الناس أنه رجل متواضع، فإذا جاءه رجل وجيه أو رجل يعلم أنه سيبلغ عنه تراه يمشي حافياً إليه ويكرمه، فيخرج هذا يقول: تصدقوا بالله الدلة ما طلب الخادم بل هو صبها لي، فهذا العمل قد يكون لله وقد يكون لغير الله، وهو نفسه يعرف ذلك، وأنا لا أتكلم عن أحد بعينه، لكن هو إذا كان صادقاً هل يصنع هذا مع غيره؟ إن جاءه شخص ما يعرف أحداً، ولا يمكن أن يقول للناس: إن هذا حصل، هل تصنع هذا معه أو لا؟ فهذا كله في حياة الإنسان فيربي نفسه على الطريقة الصحيحة، فهذا أمر دونه خرط القتاد في التربية، لكن هذا كتاب الله، و

стр. 28

سلسلة شرح كتاب الرقاق من صحيح البخاري [٣] لقد عاش النبي ﷺ في شغف من العيش وشدة، وكذلك أصحابه الكرام، فصبروا وشكروا وسادوا الدنيا، وأما غيرهم فقد كان يبيت متخم البطن، شبعان ريان، ومع ذلك لا يزن في ميزان الحق والعظمة جناح بعوضة. فالمؤمن يعلم ما أعده الله له في الآخرة من النعيم العظيم المقيم فلا يتطلع إلى الدنيا وزينتها، ولا يربط قلبه بها. وأما الكافر فإنه لا يعرف ولا يرى غير هذه الدنيا، لذلك فهي أمنيته وسلوته، بها يفكر وإليها يسعى ليل نهار.

стр. 29

شرح حديث أبي هريرة عندما كان يغمى عليه من شدة الجوع الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فنستأنف بحمد الله تعالى التعليق على كتاب الرقاق من صحيح البخاري رحمه الله تعالى، وكما جرت العادة سيقرأ أخوكم، ثم نعلق إن شاء الله تعليقاً موجزاً على الحديث. قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: كيف كان عيش النبي ﷺ وأصحابه وتخليهم عن الدنيا. عن أبي هريرة ﵁: (أنه كان يقول: آلله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوماًَ على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر فلم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم ﷺ فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: يا أبا هر! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: الحق، ومضى فتبعته، فدخل فاستأذن، فأذن لي، فدخل فوجد لبناً في قدح فقال: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة، قال: أبا هر! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال، ولا إلى أحد إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هدية أرسل إليهم، وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة! كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة؛ أتقوى بها، فإذا جاءوا أمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ بد، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا، فاستأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت قال: يا أبا هر! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: خذ فأعطهم، قال: فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، حتى انتهيت إلى النبي ﷺ وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلي فتبسم فقال: أبا هر! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: بقيت أنا وأنت، قلت: صدقت يا رسول الله! قال: اقعد فاشرب، فقعدت فشربت، فقال: اشرب. فشربت فما زال يقول: اشرب. حتى قلت لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكاً. قال: فأرني، فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة). وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اللهم ارزق آل محمد قوتاً)]. أراد المصنف بهذين الحديثين المتتابعين أن يبين كيف كان حال نبينا ﷺ وأصحابه في العيش، وما كانوا فيه من شظف العيش صلى الله على نبيه ورضي الله عن أصحابه. والحديث الأول تحدث فيه الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه حين ناداه النبي ﷺ وسماه بـ أبي هر، ومناداة الإنسان وتكنيته وترغيبه بالشيء المتلبس به أمر جاء به القرآن، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل:١]، وهذا ليس اسماً للنبي ﷺ ، ولكنه نداء من الله جل وعلا لنبيه على الحالة التي كان متصفاً بها صلوات الله وسلامه عليه. ومنه أيضاً قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١]، فإنه لما تدثر ﷺ في ثيابه ناداه ربه جل وعلا بالحال التي هو متلبس بها، وهذا من الهدي القرآني، وقد أخذه النبي ﷺ من تعليم الله جل وعلا إياه، فكان يستعمله مع أصحابه، فقال لـ علي ﵁ وأرضاه: (قم يا أبا تراب!). وذلك لما كان ملتصقاً بالتراب وقد نام عليه. وقال ﵊ لـ حذيفة في يوم الخندق: (قم يا نومان)؛ لأنه كان نائماً، وأبو هريرة وجد في طريقه هرة، فدخل على النبي ﷺ وهو يحملها، فلقبه النبي ﷺ أو كناه بـ أبي هر، كما هو ظاهر الحديث. وهذا الموقف أحد الأيام التي عاشها أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه في المدينة، وهو مهاجر إليها قادم من دوس المنطقة والمحافظة الموجودة على مقربة من محافظة الباحة اليوم، فصار ليس له أهل ولا عشيرة في المدينة، فأصابه الجوع، فلما أصابه الجوع استحيا أن يخبر الناس أنه جائع، فأراد أن يعرض تعريضاً؛ ليحفظ على ماء وجهه، فتعرض في طريق النبي ﷺ وأصحابه؛ حتى يشعرهم أنه يريد أن يسألهم، وهو إنما يريد أن يذهبوا به إلى البيت ليطعموه، فقال قبلها يصور موقفه وحالة الجوع التي تلبس بها: إني على إحدى حالتين: إما أن ألصق كبدي على الأرض؛ رجاء أن يذهب الجوع ويخف عني. والحالة الثانية: أن يضع الحجر على البطن، وهذه هي عادة كانت عند أهل الحجاز قديماً، فيأتون للحجر على هيئة الكف المرصوف وتكون أشبه بالشيء الأملس، وأشبه بهيئة الكف، وكلما طال كان أحسن، فيضعونه على بطونهم، ثم يربطون عليه، حتى إذا أصابهم جوع وبلغ منهم مبلغاً لا يتثنون، حتى لا يراهم الرائي فيظن أن بهم سقماً أو شدة جوع، فينتصب البطن، فينتصب مع البطن الظهر، فمن يراهم من بعيد لا يشعر أن بهم جوعاً، فيكون هذا الحجر قائماً مقام صلب الظهر وشده، فأخذها أبو هريرة عنهم لما سكن المدينة، وصنعها رجاء أن يبقى ظهره صلباً، ورجاء أن يسكن جوعه إذا اجتمعت أطراف بطنه. فمر عليه أبو بكر وعمر ﵄، فلم ينتبها له، وخيرة الله لـ أبي هريرة خير من خيرته لنفسه؛ لأن إطعام النبي ﵊ له خير من إطعام أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما له، فمر رسول الله ﷺ به فتبسم؛ لأنه عرف مراده، فلما عرف مراده قال: الحق، أي: طلب منه أن يلحق به، ومع أن النبي ﷺ هو الذي دعاه إلى اللحوق إلا أن أبا هريرة عندما وصل إلى الدار استأذن، ففهم منها العلماء أن الإنسان وإن كان مدعواً من صاحب الدار يجب عليه أن يستأذن، فاستأذن، فلما ناداه النبي ﵊ قال أبو هريرة ﵁ مجيباً: (لبيك يا رسول الله!)، فأخذ منها العلماء جواز قول: لبيك ولو في غير مناسك الحج، والمراد بها إجابة المنادي، فكيف إذا كان المنادي رسول الله ﷺ ، (فلما دخل وجد النبي ﷺ لبناً)، قال العلماء من أهل التفسير وغيرهم: إن الإنسان قد يشرق بأي شيء من المشروبات، فيغص بالماء وغيره، لكن لا يعلم أن أحداً غص أو شرق باللبن؛ لأن الله ﷻ قال: ﴿سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل:٦٦]، وهو رمز للفطرة، فالنبي ﵊ في رحلة المعراج: (قرب له إناءان: إناء فيه خمر وإناء فيه لبن، فاختار اللبن، فسمع جبريل أو منادياً يقول: هديت للفطرة)، فهو رمز للفطرة في حياتنا، ورمز للعلم في المنام. فلما وجد النبي ﷺ لبناً تعجب؛ لأنه يعلم أنه لا لبن في البيت، فأُخبر أن هذا مما أهدي له ﵊، وقد كان يأتيه ﵊ بعض الهدايا من جيرانه من الأنصار وغيرهم، ولم يكن يخلو من أحد حالين: إما أن يكون هدية وإما أن يكون صدقة، والنبي ﵊ تحرم عليه وعلى آل بيته الصدقة، فلا يقبلها، فإذا جاءت الصدقة بعث بها إلى أهل الصفة، وهم فقراء أضياف الإسلام في ناحية المسجد، وإن كانت هدية أشركهم معه صلوات الله وسلامه عليه، أي: بمعنى طعم منها وأشرك أهل الصفة معهم، فلما سأل عن هذا اللبن أخبر من أهل بيته أنه هدية، فأمر أبا هر ﵁ وأرضاه أن يذهب فيدعو أهل الصفة، فأساءه ذلك الأمر وقال: لكنه لم يكن من طاعة الله ورسوله بد، ساءه ذلك الأمر؛ لأن الإنسان مجبول أصلاً على حب نفسه، خاصة وأنه كان في حاجة ملحة إلى اللبن، واللبن إذ ذاك قليل، وقال: ما عسى أن يبلغ هذا اللبن من أولئك الأضياف، لكن هو امتثل لأمر الله وأمر رسوله ﷺ ، فغدا إلى أهل الصفة فدعاهم، فما وقع من أبي هريرة ﵁ أنه استأذن رغم أنه كان مدعواً، وكذلك أهل الصفة ﵃ وأرضاهم فاستأذنوا فدخلوا، فلما دخلوا قام أبو هريرة مقام الخادم لرسول الله ﷺ ؛ لأنه هو الذي دعاهم، فأصبح أقرب خصيصة إليه، فأمره أن يطوف بالقدح المملوء لبناً على هؤلاء الأضياف، فكان أبو هريرة تأدباً مع أضياف رسول الله ﷺ يعطي أحدهم الإناء، ثم يأخذه منه بعد أن يشرب، وبنفسه يعطيه للآخر، ثم يقف عند رأسه حتى ينتهي، ثم يأخذه منه، ثم يعطيه للذي بعده؛ لأن هؤلاء وإن كانوا صحابة دون النبي ﷺ ، وإن كانوا كثيري التطواف على النبي ﵊؛ إلا أنهم يبقون أضيافاً، وإكرام الضيف جاء به الدين، وإكرام الضيف بالقول وبطرف العين وبالنظر وبالعبارات أهم من أكرامه طعاماً، والعرب تقول: وإني لعبد الضيف ما دام نازلاً وما لي شيمة غيرها تشبه العبد فالأحرار من الرجال لا يحتفون بأحد أكثر من احتفائهم لأضيافهم، والأحرار من الرجال كذلك، كما مر معنا في قضية أبي هريرة أنه لم يعرض بقضيته أنه جائع، وإنما أخذ كأنه يسأل؛ لعل النبي أو غيره يفهم أنه يحتاج، وكذلك الأحرار من الرجال -وهذا الطائفة الثالثة العالية- إذا عُرِّض أمامهم بالحاجة فهموها دون أن يصرح صاحبها؛ لأنه إذا صرح ال

стр. 30

شرح حديث: (لن ينجي أحداً منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله) قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لن ينجى أحداً منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة، سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا). عن عائشة ﵂ أنها قالت: (سئل النبي ﷺ أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أدومها وإن قل)]. نبدأ بالحديث الثاني؛ حتى نعلم سبب ارتباطه بالحديث الأول، فإذا جمعت المتنين وجدت أنه ﷺ قال في المتن الأول: (القصد القصد)، وقال في الثاني: (أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل)، والقصد فوق التفريط ودون الغلو، فإذا وقعت العبادة من العبد قصداً ليس فيها تفريط ولا غلو، فهذا يدفعه إلى عدم الإعياء والملل، فإذا لم يوجد الإعياء والملل وجد الاستمرار والمداومة، فهذا وجه الربط بين الحديثين، فقال ﷺ : (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل)، والمعنى الحرفي للحديث: أن العمل وإن كان مفضولاً فإنه يكون أحب إلى الله من العمل الفاضل إذا كان العمل الفاضل منقطعاً. وصورة ذلك في الحياة اليومية، فرجل يداوم على صلاة الليل، ويصلي ثلاث ركعات كل ليلة دون انقطاع، لا ريب أن عمله هذا أحب إلى الله من رجل يصلي تسعاً أو عشراً أو عشرين ركعة ما بين الليلة وليال أخرى، يعني: يصلي ليلة عشرين ثم ينقطع ما شاء الله له أن ينقطع، ثم يعود فيصلي إحدى عشرة ثم ينقطع فترة طويلة، ثم يعود فيصلي ثلاثين، أو ما أشبه ذلك، فكله عمل صالح، لكن الأول أحب وأقرب إلى الرب ﵎ بنص كلام رسولنا ﷺ ، هذا وجه الارتباط بين الحديثين. نعود إلى الحديث الأول: هذا الحديث ينجم عنه إشكال معرفي، وهو أن النبي ﷺ قال: (لن يخلص أحد منكم من النار بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته)، وقد جاء في القرآن أن الله جل وعلا قال: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]، فالآية أثبتت أن الجنة معلقة بالعمل، والحديث نفى العمل، فحاول الكثير من أهل العلم الجمع بينها ولا بد من الجمع قطعاً؛ لأن النبي لا يقول شيئاً متعارضاً، فذهب ابن الجوزي وغيره من العلماء إلى ذكر أسباب عدة سنذكر بعضها ثم نبين الأمر الصحيح وهو الأهم، قالوا: إن التوفيق للطاعات هو من رحمة الله. وخرجوها تخريجاً آخر فقالوا: إن منافع العبد لسيده، فما يصنعه العبد من أعمال صالحة هي أصلاً لله ﵎، فرحمة الله جل وعلا بقبولها هي التي قصدها النبي ﷺ بقوله: (إلا أن يتغمدني الله برحمته)، وهذه الأقوال ظاهرة الضعف لا تشفي غليلاً، والصواب أن يقال: إن المنفي في الحديث غير المثبت بالآية، فالحديث فيه نفي أن تكون الجنة عوضاً عن العمل، وأن تكون مقابل العمل، والآية تثبت أن العمل الصالح سبب في دخول الجنة، فالباء التي في الحديث باء العوض والمقابلة، وأما الباء التي في الآية فهي باء السبب، وسنخرج عن النص النبوي ونأتي بمثال في الدنيا حتى تتضح الصورة لك، فعندما تريد أن تذهب إلى البقال تشتري شيئاً، فتعطيه عشرة ريالات فيعطيك حاجتك، فهذه الحاجة ثمنها عشرة ريالات، فأصبحت العشرة مقابل الحاجة وعوضاً عنها، فتسمى معاوضة، وما البيع والشراء إلا معاوضة، وأما كون الجنة عوضاً عن العمل فلا؛ لأن الجنة أكبر من العمل، لكن السبب مسألة أخرى غير العوض، ومثال ذلك أن تأتي إلى إنسان بينك وبينه قرابة فتمنحه هديه أو مكافئة أو طعاماً، وهو لم يعطك شيئاً مقابل هذه الهدية، لكن كونه جاراً أو كونه قريباً سبب في أنك تهديه أو تكرمه، ففرق بين السبب والعوض، فالمثبت في الآية باء السببية، والمنفي في الحديث باء العوض، وقد نبه إلى هذا من العلماء ابن القيم ﵀ في (مفتاح دار السعادة)، ونبه غيره، وهذا الأمر يتعلق بالصناعة النحوية أكثر من تعلقه بأي فن آخر من فنون العلم، ومن حيث الناحية العقدية فإن العمل بهذا التخريج في الحديث رد على طائفتين من الفرق الضالة، رد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان بعمله لا يستحق الجنة؛ لأنهم يرون أنه أصلاً مجبور على العمل، فالجنة عندهم ليست ثواباً. ورد على المعتزلة والقدرية الذين يقولون: إنه يجب على الله أن يدخلهم الجنة؛ لأنهم قدموا السبب، فأصبح هذا التخريج رد على طائفتين: على الجبرية وعلى القدرية والمعتزلة. لكن من حيث الجملة قال بعض الصالحين: إن المؤمن يدخل الجنة برحمة الله، وينال منزله فيها بسبب عمله الصالح، وهذا تخريج قريب من الأول، وهو جملة سياغته العلمية صحيحة إلى حد كبير، قال الله جل وعلا: ﴿أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣]. ثم بين في الحديث أن: (النبي ﷺ أمر بالغدو والرواح وشيء من الدلجة)، يصح ضم اللام ويصح فتحها، والغدو: هو السير في أول النهار. والرواح: هو السير في أول النصف الأول من الليل. والدلجة: هو السير في الليل عموماً. قال بعض أهل العلم: هذا فيه إشارة إلى طاعتين، وهما: الصيام وقيام الليل، فالصيام يستمر معك من أول النهار إلى آخر النهار وهو غروب الشمس، وأما قيام الليل فلا يمكن للإنسان أن يقوم الليل كله، تقول عائشة ﵂: (ولا أعلم أن النبي ﷺ قام ليلة بأكملها)؛ ولهذا قال: (وشيء من الدلجة) أي: أن قيام الليل يكون في بعض الليل. وأما النهار فلا يمكن صيامه إلا إذا صامه الإنسان كاملاً، لكنه ليس محصوراً في هاتين الطاعتين والعبادتين فقط، وإنما هذا تقريب وإشارة كما نص أهل العلم من قبل، وإنما المراد أن يسعى الإنسان في طاعة الرب ﵎ مع التسديد والمقاربة، والنبي ﵊ يقول: (القصد القصد)، وقد بينا ارتباط هذا الحديث بالحديث الذي بعده وهو قوله ﷺ : (أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل).

стр. 31

شرح حديث: (لو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن أبى هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار)]. هذا الحديث النبوي فيه دعوة إلى أن يكون الإنسان في حال سيره إلى الله مابين الخوف والرجاء، وهذا هو المقصود الأسمى من الحديث، والسير بهذا المنوال يخرج به الإنسان من طائفتين ضلتا في هذا الباب، فالمرجئة يقولون: لا يضر مع الإيمان شيء، فمن كان راجياً فقط وترك الخوف دخل في طائفة المرجئة، ومن أفرط في الخوف دخل في طائفة المعتزلة والخوارج الذين يرون أن مرتكب الكبيرة يكفر ويخلد في النار ما لم يتب قبل أن يموت، فالمؤمن لديه هداية وعقيدة وسطية حسنة، فيكون كما أخبر النبي ﷺ ما بين الرجاء وما بين الخوف في سيره إلى الرب ﵎، على أنه ينبغي أن يعلم أن النبي ﵊ قال: (لو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة لما يئس من رحمة الله جل وعلا)، فالنفي هنا لما يستقبل، وقد قال أهل العلم: إن النفي إذا تضمن المستقبل فمن باب أولى أن يتضمن الماضي، وقالوا: كون الكافر ييئس من دخول الجنة لأنه لا يعلم سعة رحمة الله، وعلم الكافر بسعة رحمة الله منتف قطعاً؛ لأن النبي ﷺ قال: (لو يعلم)، وهذا النفي للمستقبل، فمن باب أولى أن يجري على أحكام الماضي، وهذا الفهم الذي فهمه بعض العلماء أنا أتحرج من تبنيه، لكنني عموماً أقول: إن المقصود بالحديث: أن يحرص الإنسان على أن يسير في جانبي الخوف والرجاء، ويجعل كما قال الصالحون من قبل: محبة الله رأس الطائر، والجناح الأيمن الخوف من الله، والجناح الآخر الطمع في رحمة الله. قال الله جل وعلا: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦]، وقال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧]، وينبغي أن تعلم من حيث الجملة أن أقسام أهل القبلة ثلاثة: فائزون ومعذبون وناجون، وتحرير هذا: أن الفائزين ينقسمون إلى قسمين: المقربون وأصحاب اليمين، وهم قوم أتوا بأصول الإيمان وأحكموها، وأدوا الفرائض، وقاموا بالواجبات، وسابقوا في الطاعات، ثم اختلفت منزلة اليقين عندهم، فانقسموا إلى فريقين مقربين وأصحاب اليمين، وهؤلاء كلهم تحت مظلة ما يسمى بالفائزين، هؤلاء هم القسم الأول، جعلني الله وإياكم منهم. وهم المعنيون أصلاً في الثناء القرآني: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١١١]، فاجتنبوا الكبائر، ولم يصروا على الصغائر، ووقع منهم ما وقع من عظيم الطاعات وجلائل الإيمان، فنالوا الفوز، وينقسمون إلى قسمين في ذاتهم: مقربون وأصحاب يمين. القسم الثاني: المعذبون، وهم قوم مؤمنون موحدون، لكنهم جاءوا بكبائر ولم يتوبوا قبل الموت، فالأصل أنهم معذبون إن لم تتداركهم رحمة الله جل وعلا، لكن مآلهم أخيراً إلى الجنة؛ لأنهم موحدون. والثالث: هم الناجون، ونقصد بالناجين الناجين من النار، أو بتعبير أصح السالمون من العذاب، وهؤلاء ليس لهم طاعات، فيدخل فيهم المجانين، ومن ماتوا صغاراً، وأشباههم ممن لا يمكن وضع ضابط لهم، لكن وضع الضابط أن يقال: ليس لهم معرفة ولا حجود، ولم يقع منهم لا طاعة ولا معصية، بصرف النظر عن السبب، وقد يندرج فيها مثلاً أولاد الكفار، طفل أبواه كافران، مات وهو في الثانية أو في الثالثة وهو رضيع، فهذا لم يعرض عليه دين حتى يرده أو يقبله، ولم تعرض عليه ملة حتى يجحدها أو يقبلها، فهؤلاء نقول: الأصل أنهم ناجون من النار، ثم نتوقف في قضية الجنة. وقال بعض أهل العلم: وأمثال هؤلاء يصلح أن يكونوا من أهل الأعرف، ولا ريب أن قولنا: يصلح أن يكونوا من أهل الأعراف لا يعني الجزم؛ لأن من قواعد العلم أن الكلام في الغيب لا يعرف لا بذكاء ولا باستنباط ولا بأي شيء آخر، وإنما يعرف بالنص، فالغيب من الصعب التحدث فيه إلا بنص صريح صحيح عن الله وعن رسوله ﷺ ، وليس بين أيدينا هذا النص، والمقصود أن هذا هو التقسيم العام لأهل القبلة: ناجون ومعذبون وفائزون من قبل. لكن الله جل وعلا يقول وهو أصدق القائلين: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [فاطر:٣٢ - ٣٣]. قالوا وفي قول الله جل وعلا: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر:٣٣] هي واو الجماعة في (يدخلونها) وهل تعود على الثلاثة أو على الأخير منهم؟ بكل قال العلماء، لكن رجح شيخنا محمد الأمين الشنقيطي رحمة الله عليه وبعض أهل العلم من قبل أنها تعود إلى الثلاثة، فإذا قلنا: إنها تعود إلى الثلاثة: إلى الظالم لنفسه وإلى المقتصد وإلى السابق بالخيرات فقد قال بعض أهل العلم هذه على هذا التفسير هي أرجى آية في كتاب الله جل وعلا، حتى قال بعض أهل العلم: إن واو الجماعة في قول الله جل وعلا: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر:٣٣] تستحق أن يكتبها المؤمن بماء عينيه لا بحبر قلمه؛ لما فيها من ظهور الرحمة، وأن الله جل وعلا رحيم عفو كريم بعباده جل وعلا. ونقول كما قال نبينا ﷺ في الحديث: (إلا أن يتغمدني الله برحمته)، والله جل وعلا خلق أسباباً وجعل لها مسببات، وحتى التوفيق بالعمل الصالح وقيامك به هذا من رحمة الله جل وعلا بك، فغاية الأمر ينتهي إلى أن الإنسان يوفق إن كان قد حظي برحمة الله جل وعلا، وينبغي أن تعلم أنه لا يهلك على الله إلا هالك، وأنه لن يدخل النار أحد إلا وهو مستحق لها، وإلا فالله جل وعلا أرحم وأجل وأكرم من أن يعذب من لا يستحق العذاب.

стр. 32

شرح حديثي سهل بن سعد وأبي هريرة في حفظ اللسان قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن سهل بن سعد ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لا بالاً يهوي بها في جهنم)]. إن الرابط بين الحديثين ظاهر، فالأول أعم والثاني أخص، ومعنى قوله ﷺ : (من يضمن)، الضمان: هو الوفاء، وهنا ذكر الضمان وأراد لازمه، أي: أراد القيام بالحق المترتب عليه، ومعنى الحق المترتب عليه: أن الله جل وعلا ذكر حقوقاً طالب بها عباده. قوله: (من يضمن لي ما بين لحييه) اللحيان: هما العظمان اللذان في جانبي الوجه، والمقصود بالحديث ما بينهما وهو اللسان، وضمان اللسان يكون في أن يتكلم فيه بما أمر به أن يتكلم فيه، ويكف عما حرم عنه، أو ما لا يعنيه، (كفى بالمرء أن يحدث بكل ما سمع)، (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه). وقد قال بعض أهل العلم كـ ابن بطال وغيره: إن أعظم الشرور والبلاء إنما تقع من اللسان والفرج، فمن حفظ لسانه إلا فيما أمر به، وحفظ فرجه إلا فيما أبيح له فهذا ضمن النبي ﷺ له الجنة، ومن لم يتوق شر لسانه ولا شر فرجه -عياذاً بالله- فهذا وقع في المهالك، وقارب على الهلاك، وكاد أن يضيع. وأما الحديث الذي بعده فليس فيه ذكر الفرج، وإنما فيه ذكر الكلمة: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة)، والكلمة هنا ليست الكلمة ذات الحروف المعدودة، وإنما المقصود بالكلمة هنا كل ما أشعر بخير أو شر، سواء طال أو قصر، فكل قول فهم منه خير أو شر طال أو قصر فإنه يسمى كلمة، قال الله جل وعلا: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف:٥] فقال: كلمة، والمقصود بالكلمة التي خرجت من أفواههم: زعمهم أن لله ولداً، فسماها الله جل وعلا كلمة، رغم أنها جملة ذات معنى كامل مفيد، فالكلمة تطلق على هذا وتطلق على هذا، والمقصود الأول. قال النبي ﷺ : (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله)، ولن يطلب العبد شيئاً أعظم من رضوان الله، والله يقول: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢]، (لا يلقي لها بالاً) أي: لم يدر في خاطره، ولم يجر على تفكيره أنه سيكون وراءها ثواب عظيم، فتكون هذه الكلمة سبباً في رضوان الله عليه. وعلى النقيض من ذلك قد يأتي الإنسان في مجلس فيتكلم بكلمة تكون سبباً في هلاكه، إلا أن الإمام ابن عبد البر المالكي المعروف صاحب (التمهيد) يقول: إن المقصود بالكلمة هنا هي الكلمة التي تقال عند سلطان جائر فيكون بسببها هلاك الناس، فهي التي قصدها النبي ﷺ بقوله: (وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً تهوي في النار)، وفي رواية عند مالك: (تهوي به في النار سبعين خريفاً)، فحصرها ابن عبد البر فيما يقال عند السلطان الجائر، ولو كان المتكلم لم يدر بخلده ولم يتوقع أن الضرر الذي سيصيب صاحبه المتضرر قد يصل إلى هذا الحد، بل قال بعضهم: حتى لو لم يهلك ذلك المتضرر من هذه الكلمة فإنه يدخل القائل في قول النبي ﷺ : (وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً لتهوي به في النار سبعين خريفاً). فهذا الحديث والذي بعده يجعل الإنسان ينبغي عليه أن يتقي الله جل وعلا فيما أعطاه من الجوارح، ويوم القيامة جوارح الإنسان في الدنيا تعينه إن عزم على خير أو عزم على شر؛ لأنها تبع لمن عقد في قلبه، وعلى ما جرى في لسانه، فإذا كان يوم القيامة وختم على اللسان فإن الجوارح بين يدي الله تستحيي من ربها، فلا تنتصر لصاحبها، قال الله جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥]. وأخبر أن هؤلاء لم يكن يدور بخلدهم ولا في ظنهم أن هذه الجوارح تشهد عليهم، لكن هذه الجوارح إذا انفصلت عن صاحبها قلبياً، وانعقد لسانياً، ورأت جلالة الموقف بين يدي الله جل وعلا، تخلت عن صاحبها بالكلية؛ حتى تعلم ويستقر في قلبك أنه لا أحد أعظم من الله، فإن كان الأمر كذلك فكل أحد والاك أو واليته في غير الله فإنك تتبرأ منه؛ لأنك رضيت أو لم ترض لن تدوم موالاتكم بين يدي الله، ﴿فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]، وإنما يدخر المؤمن لنفسه بين يدي الله جل وعلا ما تثبت به القدم، وتقوم به الحجة، ويظهر به العذر، وتنال به الرحمة، ويصرف به العذاب، هذا الذي ينبغي أن يسعى المؤمن فيه قولاً أو فعلاً، (من يضمن لي ما بين لحييه) وهو اللسان، (وما بين رجليه) وهو الفرج، يقول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]. وتأديب المرء نفسه، وقيامه بواجب الله جل وعلا الذي أمر به؛ خوفاً من لقاء الله، هو المقصود الأسمى من حياة المرء كلها، وهذا مقام رفيع عظيم في مقام العبودية للرب ﵎، وقد مر معنا بالأمس عظمة لا إله إلا الله التي هي باعث العبودية الأول، فالإنسان إذا كان فيه باعث للعبودية فإنه يجعل من جوارحه ولسانه وقلبه من قبل تبعاً لما أمر الله جل وعلا به، فيتقرب إلى الله بما يحب جل وعلا ويرضاه، وينأى بنفسه عما حرمه الله جل وعلا. هذا ما تيسر إيراده وتهيأ قوله في هذا المجلس المبارك، نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، ويلبسنا الله وإياكم لباسي العافية والتقوى، وصلى الله على محمد وعلى آله. والحمد لله رب العالمين.

стр. 33

سلسلة شرح كتاب الرقاق من صحيح البخاري [٤] لقد أرسل الله تعالى رسوله مبشراً ونذيراً، فمن أطاعه أفلح ونجا، ومن عصاه خاب وخسر، فهو نذير بين يدي عذاب بشديد، وحساب عسير. وقد حجب الله تعالى الجنة بالمكارة؛ حتى يظهر الصابر على الطاعة، والعامل لوجه الله على كل الأحوال، وحجب النار بالشهوات حتى يظهر المفرط والمتبع لهواه، ومن لا يخشى الله ولا يقوم بعبادته.

стр. 34

شرح حديث أبي موسى: (مثلي ومثل ما بعثني الله كمثل رجل) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: نستأنف بفضل الله جل وعلا وحمده وتوفيقه المجلس الرابع في تعليقنا الموجز على كتاب الرقاق من صحيح البخاري رحمه الله تعالى، ونبدأ مستعينين بالله جل وعلا علا. قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الانتهاء من المعاصي. عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثلي ومثل ما بعثني الله كمثل رجل أتى قوماً فقال: رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، النجاء النجاء، فأطاعه طائفة فأدلجوا على مهلهم فنجوا، وكذبته طائفة فصبحهم الجيش فاجتاحهم). هذا الحديث ذكره النبي ﷺ على هيئة مثل، والمثل هو: الصفة العجيبة الشأن التي يذكرها البليغ لتفهيم المعنى، وتقريب المفهوم إلى الناس، هذا هو المقصود بالمثل من حيث الجملة، والعرب تقول المثل وتريد به ثلاثة أمور: تريد به إصابة المعنى، وحسن التشبيه، والإجازة في اللفظ. والمثل ذكره الله جل وعلا في كتابه، وجاء على لسان رسوله ﷺ ، ومن أشهر ما ضربه الله جل وعلا من أمثال في القرآن قوله جل وعلا: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور:٣٥]. ومعلوم أن نور الله جل وعلا أعظم من ذلك كله، لكن الله جل وعلا ذكر هذا المثل جرياً على سنن العرب في كلامها أنها تذكر الأمثال وتريد بها أن تقرب الأمر إلى الناس. وقد ذكروا أن أبا تمام الشاعر العباسي المعروف وقف بين يدي أحد الأمراء يمدحه، فكان من قول أبي تمام في هذا الممدوح: إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياس فقال بعض الحاضرين: إن الأمير فوق من ذكرت، ما زدت على أن شبهت الأمير بأجلاف العرب، فكان لا بد من أبي تمام أن يرد على ما قاله هذا الرجل، فقال: لا تنكروا ضربي له من دونه مثلاً شروداً في الندى والباس فالله قد ضرب الأقل لنوره مثلاً من المشكاة والنبراس يريد أبو تمام أنه إذا كان الله جل وعلا قد ضرب مثلاً لنوره من المشكاة والنبراس فمن باب أولى أن يضرب هذا المثل لهذا الأمير بصناديد العرب وأجلافهم على تعبير أول. والمقصود بالمثل تقريب المعنى، والنبي ﷺ بعثه الله جل وعلا بالهدى، ودين الحق، والنور المبين، والمعجزات الظاهرة، والأدلة الباهرة، والنبي ﷺ -وهذا مهم أن تفهمه حتى تربطه بالحديث- قبل أن ينبأ لم يجرب عليه ولم يعرف له للناس غشاً، ولم يجرب عليه أن يتقول على أحد، ولم يجرب عليه أن يطلب مجداً لنفسه أو لآبائه. فهذه كلها كانت صفاته عندهم، فكانوا مقرين له بذلك ﷺ ، ثم أيده الله مع هذا الأمر الذي كان فيه أيده الله بالقرآن والمعجزات، إذاً: فما العلاقة ما بين المثل الذي ضربه ﷺ وحالته هو؟ قال ﵊: (مثلي ومثل ما بعثني الله به) أي: من الهدى والدين والحق والنور، (كمثل رجل رأى جيشاً بعينيه، ثم أتى قومه فقال: إني النذير العريان)، هذا المثل اختلف الناس في أصله، لكن أظهر الأقوال أن أصله: أن رجلاً من العرب أسره جيش وهم مقبلون على قومه، فلما أسروه سلبوه ثيابه فأضحى عرياناً، ثم استطاع أن يفلت منهم، فلما انفلت منهم دخل على قومه وحذرهم الجيش، وقال لهم: إني رأيت الجيش بعيني. فالآن نأخذ الهيئة النبوية مع هيئة هذا النذير، فهذا النذير صدقه قومه؛ لأن الرجل لم يجرب عليه من كذب من قبل، وليس من عادته التعري، وظاهره يدل على صدقه؛ لأنه كان عرياناً، ولا يعلم عنه كذب، ولا يعرف عنه غش، فصدقه الناس ربطاً بين أمرين: بين ماضيه بين واقعه، فماضيه ليس فيه شيء يثرب فيه عليه، وفي نفس الوقت واقعه يدل على صدقه، فقد جاءهم عرياناً، وقد قلنا: إنه لم يجرب عليه من قبل أنه يتعرى. قال ﷺ : (فأطاعته طائفة، وكذبته طائفة)، نعود لهذا المثل الذي ضربه النبي ﷺ على شخصه هو ﵊، فهو لما قدم بالنبوءة والرسالة أول الأمر على خديجة، قالت له ﵂ وأرضاها: (إنك لتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق، وتصل الرحم، وتنصر المظلوم) وذكرت أوصافاً فيه ﷺ ، وقومه كانوا يعلمون ذلك منه، فلما سأل هرقل أبا سفيان عنه: هل جربتم عليه كذباً من قبل؟ قال: لا. قال هرقل: ما كان ليكذب على الله وقد ترك الكذب على الناس، فهذا المثل الذي ضربه النبي ﷺ شبيه جداً بحالته، وفيه اختصار، وهم يسمعون بهذا الرجل النذير العريان، فقال ﷺ : (إني أنا النذير العريان)، والجيش المقصود به الفتن والنار، وآثار الكفر. (فأطاعته طائفة وكذبته طائفة) وانظر: فقد قال في الأولى: فأطاعته، وقال في الثانية: كذبته، وليست الطاعة ضد التكذيب، ولا التكذيب ضد الطاعة، لكن هذه أمور تدل عليها لوازمها، فلما قال: فأطاعته طائفة، ولا طاعة إلا بعد التصديق، ففي المثل هؤلاء صدقوا صاحبهم فأطاعوه فنجوا. قال ﵊: (النجاء النجاء) يعني: الإسراع الإسراع؛ لأن الأمر لا يحتمل، وهي منصوبة على الإغراء، ويصح فيها التخفيف (النجا النجا) من غير همز، هذه لغويات لكن الذي يعنينا الآن قال: (فأطاعته طائفة)، فلا طاعة إلا بعد التصديق، وأنت لن تطيع أحداً حتى تصدقه، لكنه قال في الثانية صلوات الله وسلامه عليه: وكذبته طائفة، والذي ينجم عن التكذيب هو العصيان؛ لأنهم ما داموا كذبوه ولم يقبلوا قوله فإنهم لن يستمعوا له، فسيعصونه فيقع عليهم الهلاك. فوصف من أطاعه بالتصديق دون أن يصرح به؛ لأن من لزوم الطاعة التصديق، ومن ثمراتها النجاة والفوز يوم القيامة، وذكر في الثانية: التكذيب؛ لأن من لوازمها العصيان، ولم يصرح به، ومن ثمراتها عياذ بالله: الخسران المبين، والهلاك في النار. فهذا مثل حي ضربه النبي ﷺ واقعاً مشهوداً برسالته وبعثته صلوات الله وسلامه عليه، وحال اختلاف الناس فيه ﵊، والعلم عند الله.

стр. 35

شرح حديث: (حجبت النار بالشهوات) و (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله) قال المصنف ﵀: [عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره). وعن عبد الله ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك)]. هذان الحديثان المتتابعان يتكلمان عن الجنة والنار، وقد جاءت الألفاظ النبوية بأمرين: الأول: حجبت النار بالشهوات. الثاني: حجبت الجنة بالمكاره. وفي الحديث الثاني: أن الجنة أقرب إلى أحدنا من شراك نعله، وكذلك النار. والجنة والنار مخلوقتان لله ﵎، لا تبيدان ولا تفنيان، وهما موجدتان الآن، والله ﵎ جعل الجنة داراً لأوليائه، وجعل النار داراً لعصاته، ولما خلق الجنة بعث إليها جبريل ليراها، فلما رآها قال: (وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فحفها الله جل وعلا بالمكاره)؛ لأن الجنة درجة عالية تحتاج إلى صعود، فلما رآها جبريل مرة أخرى قال: (وعزتك ما ظننت أن سيدخلها أحد)؛ لأن بينها وبين الناس مفاوز وهي المكاره. والمكاره هي المشاق التي تحصل عند القيام بالعبادة، كالذهاب إلى الصلوات، والصيام، وإنفاق المال، ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]، والصبر على أقدار الله جل وعلا وقضائه، والكف عن الشهوات، وغض البصر، وحفظ الفرج، فهذه كلها مكاره، لكن الإنسان إذا هتك الحجاب وتخلص من هذه المكاره، واستطاع أن ينتصر عليها لم يكن بينه وبين الجنة شيء، ولهذا قال في الحديث الآخر: (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك). قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: المعنى في الحديث الثاني: أن الجنة سهل الحصول عليها إذا تحقق القصد، وقام العبد بالطاعة، وكذلك النار سهل دخولها إذا اتبع المرء هواه، وفعل المعصية. فهذان الحديثان مرتبطان بعضهما ببعض، وقد بينا أن الجنة والنار داران قد خلقهما الله ﵎. فهذه الجنة كما حفها الله بالمكاره فقد حف الله جل وعلا النار بالشهوات، وفي رواية البخاري: حجبت، وفي رواية مسلم: حفت، والمعنى واحد متقارب. والشهوات المقصود بها هنا: الشهوات المحرمات، وأما الشهوات المباحة فلا تكن بينك وبين النار. والمقصود من الحديث الثاني إضافة إلى ما بينه ابن الجوزي أن نقول: ألا يحتقر الإنسان أي عمل يصنعه، وألا يحتقر أي معصية يفعلها، فقد تكون تلك المعصية سبباً في هلاكك، وقد تكون تلك الطاعة سبباً في نجاتك، قال علي ﵁ وأرضاه: (إن الله أخفى اثنتين: أخفى الله أولياءه في عباده، فلا تدري من تلقاه أيهم ولي لله، وأخفى رضاه في طاعته، فلا تدري أي طاعة أطعت الله بها كانت سبباً في رضوان الله ﵎ عليك). والمقصود من الحديثين: ألا يزدري الإنسان أي طاعة ولا يحتقرها، وأن يسابق في الخيرات وينافس بالطاعات، ويعلم أن الجنة درجة عالية تحتاج إلى صعود، ففي ذلك مشاق وعناء، وسيأتي في أحاديث أخر وصف هذه الجنة، أدخلنا الله وإياكم إياها.

стр. 36

شرح حديث: (إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه)]. هذا من تأديب النبي ﷺ لأمته، فالله جل وعلا خلق الخلق متفاضلين فيما أعطاهم من النعم، وفيما صرفه عنهم من النقم، وبما جبلهم عليه من الخلق والخلقة، فالإنسان بين أمرين: بين أمر ديني وأمر دنيوي، ففي أمور الدين والطاعات ننظر إلى من هو أعلى منا؛ حتى نحتقر أعمالنا وننافسهم في الطاعات، قال الله جل وعلا: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]. وأما فيما أفاء الله علينا من الدنيا فإن الإنسان إذا نظر إلى أعلى دخل عليه الشيطان فجعله يزدري نعمة الله عليه، فحري به أن ينظر إلى من هو أسفل منه، وليس المقصود بأسفل أن من كان مبتلىً فهو أسفل لا، وإنما المقصود أقل فيما هو ظاهر من فضل الله الدنيوي عليه، والفضل الدنيوي لا ينجم عنه أجر ولا عقاب؛ فإن الله جل وعلا يعطي الدين لمن يحب، ويعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب، ولا يتعلق بالفقر والغنى، ولا بالصحة والمرض أي ثواب ولا عقاب، فلا يدخل أحد الجنة لأنه مجرد فقير، ولا يدخل أحد النار لأنه مجرد غني، ولا يدخل أحد النار لأنه معافىً، ولا يدخل الجنة أحد لأنه مبتلىً، لكن العبرة بتعاملنا مع الغنى والفقر، وتعاملنا مع الصحة والمرض، وتعاملنا مع العافية والابتلاء، فهذا هو الذي ينجم عنه العمل، وينجم عن العمل إما الثواب إن كان في الطاعات، وإما العقاب إن كان في المعاصي. هذا الذي يتحرر من هذا الحديث عموماً. فالإنسان متى ما سلم من الكبر كان حرياً به ألا يزدري نعمة الله جل وعلا عليه، ومن أعظم المهلكات -عياذاً بالله- أن يقع في الناس أو في الفرد أو في المرء كبر في أمور الدنيا؛ لأنه لا يمكن أن يقع في أمور الدين؛ لأن هذا لا يسمى ديناً أصلاً، لكن قد يقع في أمور الدنيا كبر ويشعر الإنسان بالعلو، فإذا شعر الإنسان بعلوه نجم عن ذلك تصرفات إما قولية أو فعلية، فتكون عياذاً بالله من أعظم المهلكات، والحجاج بن يوسف هذا أمير عرف عنه البطش الشديد، وكان من أذكياء الخلق، وأشدهم علماً باللغة، يقول عن غيره -رغم علوه-: أربعة كانوا بالكوفة لو أدركتهم لضربت أعناقهم -وذلك قبل أن يصل هو إلى الكوفة- قيل: من هم أيها الأمير؟! وأنا سأذكر نماذج كفرية، فالإنسان إذا علم هذه النماذج فلينظر إلى وقعها على قلبه؛ فإن رأيت في نفسك نكراناً لها فهذا والحمد لله فضل من الله، وإن رأيت في نفسك حباً أن تكون واحداً منهم فينبغي على المرء أن يصلح قلبه، قال الحجاج: صعد أحدهم على منبر فخطب خطبة أعجبت الناس، فقد كان بليغاً، فلما نزل من المنبر قال له أحد الناس: كثر الله من أمثالك، فقال هذا المتكبر عياذاً بالله: لقد كلفت ربك شططاً! فهذا كفر، لكن أنت لا تتوقع أن هذا الرجل قال هذه الكلمة بمجرد أنه صدم بالسؤال، لكن هذه سرائر، فهذا عتو أصلاً في القلب، فلما جاء الموقف الذي يستخرج منه باللسان قال هذه الكلمة. وأحدهم ضاع عليه فرس فقال: قسماً بالله! لئن لم يرد الله إلي فرسي لأتركن الصلاة والصوم، فما هي إلا برهة فرجعت إليه فرسه، فقال عياذ بالله: لقد علم ربي أن يميني كانت حقاً، وهذا أكفر من الأول عياذاً بالله، ولا أريد أن أذكر الإثنين؛ فأخشى على نفسي وعليكم من قسوة القلب، لكن المقصود أن هذين الرجلين كمثال، فهذه أشياء سرائر تقع في القلب سراح -عياذ بالله- فيشعر الإنسان فيها أنه كبر. ونبيكم ﵊ كان مرة على قصعة من طعام، والناس ملتفون حولها، فكأنهم كثروا، فغير جلسته وجلس جلسةً أخرى، فكأن أحد الحاضرين تعجب منها، أي: كأنه اشمأز منها، وهو أحد الأعراب الذي لم يكن قد وصل الإيمان بعد إلى قلبه وصولاً حقيقياً، فنظر نظرة يستنكر فيها هذه الجلسة، فقال ﷺ : (إنما أنا عبد الله ورسوله). وسيمر عليكم في البخاري في حديث الشفاعة أن النبي ﷺ لما كان يأكل الذراع -فقد كانت تعجبه- أخذها ينهسها نهساً، فهذا النهس ليس أكل الملوك، ولا أكل المترفين، وإنما أكل شخص جائع، والنبي ﷺ أعظم الناس أدباً، لكنه أراد بذلك أن يبين فقره ومسكنته وأنه عبد للرب ﵎، فلا يصنع صنيع المترفين الذين ينظرون إلى ما حولهم نظرة استغناء.

стр. 37

حمد الله وشكره على جميع النعم والمقصود من الحديث: (فلينظر إلى ما هو أسفل منه) أن الإنسان يحمد الله جل وعلا على نعمة العافية، وأي بلاء أنت فيه ثق تماماً أنه يوجد من هو أعظم بلاء منك، لكن عليك أن تفقه أن الإنسان متى سلم دينه فليس في بلاء قط، ومتى ابتلي في دينه فهو لم يرَ العافية أبداً، فالبلاء الحق أن يبتلى الإنسان في دينه وفي قلبه، وأما البلاء في الأبدان فإنه ينتصر ويتغلب عليه بالصبر واحتساب الأجر من الله جل وعلا يوم القيامة، يقول ﷺ : (يود أهل العافية يوم القيامة لو أنهم غلبوا بكذا وكذا)؛ لما يرون من إكرام الله جل وعلا لأهل البلاء، والمقصود أهل البلاء الذين عوفوا. فالله جل وعلا لما خلق أبانا آدم، وأخرج من ظهره ذريته، رأى آدم في أبنائه التفاوت: فمنهم المعافى، ومنهم المبتلى، فقال: أي رب! لو سويت بين عبادك، فقال الله له: يا آدم! إني أحب أن أشكر. فليتفكر كل واحد منا فيما أفاء الله جل وعلا عليه من النعم: من نعمة العافية، من نعمة المال، من نعمة الستر، من نعمة القدرة على الغدو والرواح، من نعمة القدرة على الذكر، فهل أدى شكر هذه النعم أو لم يؤدها، والله! إن المرء ليستحي من الله إذا آوى إلى فراشه وهو يخطو على قدميه، ويرى العافية في نفسه، ويرى العافية في أهله، ويرى العافية في أبنائه، ويرى العافية في بناته، يرى العافية في نظرة الناس إليه، ويقدر يصنع أي شيء، ويخرج بأي ساعة من الليل، فيقود سيارته ويشتري طعاماً، ويزور صديقاً، ويؤانس أخاً، ويتنقل في بيته كيفما يشاء، ثم يهم أن يضطجع، فليسأل نفسه: أين هو من شكر الله ﵎ على هذه النعم؟ على الأقل إن كنا عاجزين ومقصرين في شكرها عبادياً وعمل جوارح، فلا أقل من أن يشكر الله جل وعلا اعتقاداً بالقلب، فليقع في قلبك أن الله جل وعلا قادر على أن يسلبك هذه النعمة، وأن الله جل وعلا قادر على أن يأخذها منك، وأن الله جل وعلا قادر على أن يمنعك مما تستطيع أن تفعله. فإذا وقع هذا في القلب كان الإنسان قد وصل إلى طريق عظيم في شكر الله جل وعلا، وقد ورد أن الله جل وعلا قال لداود: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣] قال: أي رب! ونعمة الشكر منك، فأوحى الله جل وعلا إليه: الآن عرفتني يا داود! واعلم أن الله جل وعلا غني أصلاً عن طاعتنا كلها، ألا ترى إلى هذه الضفادع فنقيقها تسبيح لله ﵎؛ فلهذا حرم النبي ﷺ قتلها، والإنسان يمر على مستنقع ماء فيسمعها ويتأذى من صوتها، لكن من علمه الله القرآن والسنة إذا سمع نقيقها تذكر تقصيره في حق الله جل وعلا وشكره، والتسبيح بحمده، وذكر آلائه، وتعريف الناس بربهم ﵎. والمقصود من هذا كله: ألا ينظر الإنسان إلى الخلق نظرة ازدراء، وأن يحمد الله جل وعلا على نعمه وفضله، والله يقول: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]، علمني الله وإياكم، وأدبنا بأدبه ﵎.

стр. 38

شرح حديث ابن عباس: (إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك) قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه قال: (إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها وعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله عليه سيئة واحدة)]. هذا الحديث لا يحسم شرحه إلا أن يكون مضموماً إلى أحاديث أخر، وعلى هذا سأفصل تقعيداً في معنى الحديث من الناحية الإجمالية: قوله ﷺ يقول الله : (إن الله كتب الحسنات والسيئات) هذا إجمال، (ثم بين ذلك) هذا تفصيل لذلك الإجمال، وسنشرع في هذا التفصيل بناءً على ما حرره أهل العلم ﵏. فإذا وقع من الإنسان هم بالحسنة فلم يعملها تكتب له حسنة واحدة. هذه هي الحالة الأولى. الحالة الثانية: أن يهم بالحسنة وصاحَبَها عملٌ، فتكتب عشر حسنات، وتضاعف إلى سبعمائة، أو تضاعف إلى أضعاف كثيرة، هذا في باب الحسنات. إذاً: باب الحسنات فيه قسمان: القسم الأول: أن يهم بحسنة فلا يفعلها، فله أجر الهم والعزم على الحسنة، لكن لا تصل إلى عشر؛ لأنه لم يعمل شيئاً. القسم الثاني: أن يعمل شيئاً فتصير الحسنة بعشر حسنات، وهي قابلة للمضاعفة إلى سبعمائة ضعف، ثم إلى أضعاف كثيرة. نأتي الآن للسيئة عياذاً بالله، وقلت: هذا الحديث لا بد أن يفهم مع أحاديث أخر: الحالة الأولى: أن يهم بالسيئة ويعزم عليها ثم لا يفعلها، فننظر ما السبب الذي من أجله لم يفعلها، فإن كان تركها خوفاً من الله فلا تكتب عليه سيئة، وإنما تكتب له حسنة، وقد جاء في الحديث القدسي: (من جرائي) يعني: بسببي، هذه الحالة الأولى. الحالة الثانية: همّ بها وعزم عليها، ومنعه من أن يفعلها مراقبة الناس له، أو الرياء، أو خوفاً من الناس، فهذا والعياذ بالله الصواب: أنه تكتب عليه سيئة، لكنه لا تكتب عليه سيئة عمل، وإنما سيئة عزم وهم؛ لأنه ترك العمل من أجل الناس لا من أجل الله، فهذا عمل محرم. الحالة الثالثة: أن يهم بالسيئة ويعزم عليها، لكن لا يمنعه منها الخوف من الله، ولا مراقبة الناس، وإنما منعه منها أنه لم يتمكن من فعلها بصارفٍ اضطراري، فهذا تكتب عليه سيئة، ودليله حديث: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما)، فقد قال ﷺ لما سئل عن المقتول قال: (لقد كان حريصاً على قتل صاحبه)، فهذا يأثم ويؤاخذ؛ لأن الذي منعه شيء غير اختياري منه. الحالة الرابعة: أن يهم بالسيئة ثم يغتر عنها، وينفسخ من فعلها، فإذا انفسخ من فعلها انقسم إلى حالين: الحالة الأولى: أن ينساها تماماً، فتصبح الأولى كأنها خاطرة، فهذا لا له ولا عليه. والحالة الثانية: أن يبقى هذا الهم بالسيئة والعزم عليها مصاحباً له مخالطاً له، يرتقب فعلها بين الحين الآخر، فجمهور العلماء: على أنه يؤاخذ بهذا العزم، وهو الذي نختاره إن شاء الله وهو الصحيح. فهذا التقسيم كله يتضح إذا ضممنا هذا الحديث إلى قرائنه من الأحاديث الأخر المذكورة في الباب الثاني. ويتفرع من هذه المسألة مسائل أخر، مثل قضية: هل تضاعف السيئة؟ فالذي عليه جمهور العلماء أنها لا تضاعف، ولا حتى في مكة، خلافاً لمن قال من أهل العلم: إنها تضاعف في مكة؛ لأن القواطع في القرآن قائمة على أن السيئة لا تضاعف، قال الله جل وعلا: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام:١٦٠]. لكن نقول من باب العلم -والعلم عند الله-: إنها قد تعظم لشرف المكان، لكنها لا تتعدد، بل تبقى سيئة واحدة، لكنها بتعبير علمي سيئة مغلظة وسيئة عظيمة؛ لشرف المكان، كالمعصية في رمضان، والمعصية داخل الحرم، فلا نستطيع أن نعددها؛ لأن الله يقول: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، لكن كذلك نقول: إنها تعظم لشرف المكان، أو شرف الزمان. وينجم عن هذا كذلك مسألة أخرى وهي: تفاضل الأعمال، فهل هناك سبب للتفاضل؟ الأعمال قد تفضل إما نية، وإما زماناً، وإما مكاناً، وإما شخصاً، فالإنسان قد تكون نيته صادقة والعمل واحد مع شخص آخر، لكن ذلك نيته أقل، فيفضل هذا. وزماناً كليالي العشر في رمضان، والعشر الأول من ذي الحجة، ورمضان من حيث الجملة، وليلة القدر، فالقيام في ليلة القدر ليس كالقيام في غيرها، فهذه فضيلة زمان. والمكان كقوله ﷺ : (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)، ومعلوم أن المسجد كله هو مسجده، فذكْر هذا الكلام يدل على أن هناك فضيلة في هذا المكان، وإن لم يأت الشرع بتحديدها. وكذلك فضل مكة والمدينة وأمثال ذلك، والمسجد إذا ما قورن بغيره كالسوق، فهي بيوت الله، فهذا فضل المكان. وأما الشخص: فمثل النبي ﷺ فإنه يجري عليه ما يجري على غيره، والله جل وعلا يقول له: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء:٧٥]، كما يقع هذا في حقه في السيئات يقع في حقه في الحسنات، ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب:٣٢]، فهذا لارتباطات شخصية أعطاها الله جل وعلا لبعض خلقه. هذا ما تيسر إيراده، وحرصنا في هذا اللقاء في هذا المجلس أن يكون الدرس علمياً. ختاماً: أوصيكم ونفسي بتقوى الله جل وعلا، وأن تكون الغاية من سماع هذه الأحاديث النبوية أن تترقق القلوب، وأن تكون باعثاً للإنسان على الطاعة والقرب من الله جل وعلا، والموفق الله، وهو المعين، والله تعالى أعز وأعلى وأعلم. وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 39

الأسئلة

стр. 40

سهولة دخول الجنة والنار السؤال قلتم: إن دخول الجنة سهل، فما معنى ذلك؟ الجواب قلنا: دخول الجنة سهل إذا تحقق القصد وعمل بالطاعة، ودخول النار عياذاً بالله سهل إذا اتبع المرء هواه وفعل المعصية.
следующие страницы →