← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37736

أشراط الساعة الكبرى - المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (83 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

سلسلة أشراط الساعة الكبرى [حياة البرزخ] إذا مات المرء انفصلت روحه عن جسده، فيذهب الجسد في رحلة أولها إغماض العينين والغسل والتكفين، وآخرها قبل البعث مواراته في التراب، وأما الروح فتصعد إلى الملأ الأعلى فإما أن تكرم وإما أن تهان، وتتصل بالجسد مرة أخرى ليقع عليها النعيم أو العذاب، وقد تنفصل عنه، حتى إذا كان يوم القيامة أنبت الله الأجساد من القبور، واتصلت الأرواح بالأبدان، وانطلق الناس يحشرون على أرض بيضاء نقية ليس فيها علم لأحد ليقفوا بين يدي الواحد الديان

стр. 2

المرء بعد الموت

стр. 3

تغميضه وغسله وتكفينه والصلاة عليه الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد. فإن الله تعالى خلقنا أرواحاً وأجساداً، فبين الجسد والروح اتصال، والموت في معناه الحقيقي: انفصال الروح عن الجسد، فإذا انفصلت الروح عن الجسد انفصالا كلياً كان هذا هو الموت الذي يعني الانتقال من دار إلى دار، ومن مرحلة إلى مرحلة، فالله جل وعلا خلق خلقه أطوار، فطور وهم أجنه في بطون أمهاتهم، وطور في الحياة الدنيا، وطور في حياة البرزخ، وطور يوم يقوم الأشهاد، وهذا هو يوم الخلود الأبدي، أما رحلة الجسد فتبدأ بخروج الروح، فإذا خرجت الروح أصبح الجسد لا حراك به، فلا يضره شيء، فالسنة عندها أن تغمض عينا الميت، ثم يوضع شيء ثقيل على بطنه حتى لا ينتفخ، ولو شد لحياه لكان ذلك حسناً، حتى لا تتغير هيئته، ولا يحسن النظر إلى الميت؛ لأنه ينتقل إلى حالة أخرى من التكوين والتصوير، فلا ينطبع في الأذهان شيء. ثم بعد يكون غسله وتكفينه وهما فرض كفاية، ويتولى غسله قرابته، وأولاهم العصبة، وأولى العصبة أبوه ثم جده ثم ابنه ثم باقي العصبة، إلا إذا كان الميت قد أوصى، فإن تغسيل الميت حق للميت، فإذا أوصى الميت بأن يغسله أحد بعينه قدم الذي أوصى به الميت، ولو كان بعيدا، فإن الصديق ﵁ وأرضاه أوصى بأن تغسله زوجته أسماء بنت عميس، كما أن أنساً ﵁ خادم رسول الله ﷺ أوصى بأن يغسله محمد بن سيرين. ومحمد بن سيرين هو أحد أئمة التابعين، وكان مشهورا بتعبير الرؤيا، ويروى أنه جاءه رجل فقال له: إنني رأيت فيما يرى النائم رجلاً -ولم يسمه- نبت في ساقه شعر، فما تأويل الرؤيا؟ فقال محمد بن سيرين: هذا رجل يركبه دين، ثم يسجن، ثم يموت في سجنه، فقال له الرائي: رأيتها فيك. فوقع الذي حكاه محمد في التعبير والتأويل، فركب محمد بن سيرين دين ثم سجن ثم مات في سجنه. وحين كان في سجنه مات أنس، فأُخرج من السجن وقام بغسله ثم أعيد إلى سجنه. والساق قد قال الله جل وعلا فيها: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢] وقال: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة:٢٦ - ٢٩]. والعرب تقول: كشفت العرب عن ساقها أو: عن سوقها. وأياً كان المعنى فإنه من هذا أخذ العلماء أن الساق في الرؤيا تدل على الكرب والأمر والهول العظيم. والذي يعنينا في هذا المقام أن الوصي أولى بتغسيل الميت، ثم بعد غسله يكفن، ولا يكون هناك إسراف في الكفن، ولكن يكفن في ثلاثة أثواب إن كان رجلا، وفي خمسة إن كانت امرأة، ويندب أن تكون بيضاء ونقية، إما جديدة وإما مغسولة، ثم يصلى عليه، والصلاة على الميت من فروض الكفايات، وفيها يلح الإنسان ويصدق في الدعاء للميت لحاجته إلى ذلك. ويصلى على كل مؤمن بار أو فاجر، إلا الغالّ الذي يسرق من الغنائم، أو من قتل نفسه، فهذا لا يصلي عليه إمام المسلمين أو من ينيبه الإمام، كأئمة الحرم، وكذلك ذوو الهيئات، كأشراف الناس وكبار العلماء، ولكن يصلي عليهم قراباتهم وعامة المسلمين زجراً لغيره عن أن يصنع صنيعه. ومن قتل في حد -كمن زني فرجم، أو قتل قصاصا- فإنه يصلى عليه، حتى الإمام يصلي عليه.

стр. 4

مواراته في التراب ثم ينتقل الجسد إلى مرحلة أخرى، وهي مواراته التراب، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس:٢١]، وقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً ?وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات:٢٥ - ٢٦]، سواء أكان لحداً أم شقا، فكل ذلك يصح، والمهم أن يوجهه إلى القبلة؛ لقوله ﵊ لما ذكر الكبائر: (واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا)، ويقرب الميت -إذا كان القبر لحداً- من جدار القبر القِبْلي، ويوضع خلفه شيء من التراب حتى لا يرجع على ظهره، بعد أن تحل أربطة الكفن، ولا يكشف عن رأسه، ثم يوضع اللبن على اللحد حتى لا يقع التراب عليه مباشرة، ثم يحثا التراب على القبر كما فعل بنبينا ﷺ ، وقد نصب عليه تسع لبنات صلوات الله وسلامه عليه. والقبر إذا كان مسنماً أشبه برأس الخيمة كان أفضل من أن يكون مسطحاً. وما يصنع في بعض البلدان من إقامة الأضرحة والمشاهد على القبور كل هذا منهي عنه شرعاً، فلا يجوز أبداً فعله، لا لفئة من الناس ذوي قدر كالرؤساء وغيرهم، ولا لغيرهم من العامة، وإنما يرفع القبر قليلا ليعلم أنه قبر، ولذلك فإن المسلم إذا مات في دار حرب لا يرفع قبره حتى لا يعرف أنه قبر، لئلا يتسلط عليه الأعداء فينبشوا قبره، وإنما يسوى قبره بالأرض حتى لا يتمكن العدو من الوصول إليه.

стр. 5

من يتولى غسل الميت سبق أن قلنا إن الذكر والأنثى لا يغسل أحدهما الآخر، إلا في حالتين: الحالة الأولى: الزوج والزوجة، فإنه يجوز للزوجة أن تغسل زوجها، ويجوز للزوج أن يغسل زوجته؛ لأن أبا بكر أوصى بأن تغسله أسماء بنت عميس، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه جاء في وفاته روايتان: رواية تقول: إنه اغتسل في يوم بارد ثم أصابته الحمى، فمكث مريضاً خمسة عشر يوما، ثم مات. وهناك رواية أخرى لا تتعارض مع الرواية الأولى، وهي أنه أكل هو والحارث بن كلدة طبيب العرب المشهور، أكلا في يوم واحد من حساء حريرة أعدته لهما امرأة يهودية، والحارث كان طبيبا مشهوراً، وقد أوصى النبي ﷺ بعض أصحابه بأن يستطبوا عنده، فقال لـ أبي بكر: لقد أكلنا أنا وأنت سم سنة كاملة. فمات أبو بكر والحارث بن كلدة في يوم واحد، بعد حول كامل في نفس اليوم الذي أكلا فيه الطعام، والله يقول: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧]، وهذا يدل على أن الحارث بن كِلدة كان ذا فراسة قوية في مسألة الطب. وفي فترة مرض أبي بكر ﵁ وأرضاه جاءه الناس فقالوا: ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال كلمته المشهورة: أتاني الطبيب فقال: إني فعال لما أريد. فعرف الناس مراده وسكتوا عنه حتى مات ﵁ وأرضاه وهو ابن ثلاث وستين سنة كعمر نبينا ﷺ ، ولكن النبي ﷺ مات ضحى يوم الاثنين، وأما أبو بكر فمات بين صلاة المغرب والعشاء ليلة الثلاثاء.

стр. 6

حالات ترك غسل الميت والاكتفاء في حقه بالتيمم وإن علينا قبل غسل الميت أن ننظر فيما إذا كان الماء يضره، كمن تقطع أوصالاً أو كان به حروق، بحيث لو غسل فإن الجسد يتفتت، فهذا لا يغسل، بل ييمم، فيمسح على وجهه وكفيه، كالتيمم المعروف. وهذه الحالة كذلك تكون إذا انعدم الماء، وتكون إذا ماتت امرأة وسط رجال ليس فيهم زوج لها، أو مات رجل وسط نساء ليس فيهن زوجة له، فنلجأ إلى مسألة التيمم بدلا من غسله.

стр. 7

بلى الأجساد بعد الموت لا أعلم دليلاً شرعياً على أن الجسد لا يبلى، وقد قال ﵊: (كل جسد ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب)، ويشتهر عند الناس أن الشهداء لا تأكل الأرض أجسادهم، ولكن لا أعلم في هذا دليلاً شرعيا صحيحاً عن النبي ﷺ ، إنما المحفوظ أن أجساد الأنبياء هي التي لا تبلى، فقد قال ﷺ لما ذكر يوم الجمعة: (فأكثروا فيه من الصلاة علي. قالوا: يا رسول الله! كيف تبلغك صلاتنا وقد أرمت؟ قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)، فلما سأل الصحابة دل ذلك على أن الصحابة استقر في أذهانهم أن الأجساد جميعها تبلى، ولو كانت في أذهان الصحابة أن أجساد الشهداء مستثناة لما استغربوا من كون الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء؛ لأن الأنبياء أرفع مقاما من الشهداء.

стр. 8

رحلة الروح

стр. 9

اختصاص الله تعالى بعلم كنه الروح إن الروح أمرها عند الله، فلا يعلم كنهها إلا الله، فقد ثبت أن نبينا ﵇ مر على يهود، فقال بعضهم: سلوه، وقال بعضهم: لا تسألوه، ثم سألوه فقالوا: يا أبا القاسم! ما الروح؟ فاتكأ ﷺ على عسيب نخل، وكان معه عبد الله بن مسعود، قال عبد الله: فعلمت أنه يوحى إليه، فأنزل الله جل وعلا عليه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]. وابن سيناء الفيلسوف يقول: هبطت إليك من المحل الأرفع ورقاء ذات تعزز وتمنع هبطت على كره إليك وربما كرِهت فراقك وهي ذات توجع يريد أن الإنسان لا يختار روحه، فعارض قوله شوقي بقوله: ضمي قناعك يا سعاد أو ارفعي هذي المحاسن ما خلقن لبرقع فمحمد لك والمسيح ترجلا وترجلت شمس النهار ليوشع أراد ابن سيناء أن يقول: إن الإنسان لا يختار روحه، وأراد شوقي أن يقول: ضمي قناعك يا سعاد كناية عن الروح. ثم قال: فمحمد لك والمسيح ترجلا والإنسان إذا أراد أن يعظم أحداً، فإن طريقة العرب في ذلك إذا قابلت شخصاً وأنت على الدابة فإنك تنزل من على الدابة وتترك ما تركبه، وتُقبِل إليه وأنت ماشٍ. مثل عالم السيارات اليوم، حيث ترى إنساناً واقفاً فتنزل من سيارتك وتذهب إليه راجلا، فهذا نوع من التعظيم. فعظم نبينا ﷺ الروح لما سئل عنها فاستلبث حتى نزل الوحي: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء:٨٥]. وأما عيسى فقد نقلوا في إنجيل لوقا في الإصحاح الثاني عشر أنه كان يقول للملأ من حوله من الحواريين: لا تخافوا من الذين يتسلطون على الجسد ولا يستطيعون أن يتجاوزوا إلى أكثر من ذلك. يقصد أن الأعداء ليس لهم سلطة على الروح، فالروح عظيمة، والله جل وعلا عظمها بقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء:٨٥].

стр. 10

صلة الروح بالجسد في الحياة تلتصق الروح بالبدن عندما نكون أجنة في بطون أمهاتنا، وهي أمانة، والعامة يقولون هنا كلاماً له أصل، فيقولون إذا مات أحد: أخذ الله أمانته. والقضية أن الملك يضع أمانة في الجسد، ثم يأتي الملك فيقبض تلك الأمانة ويأخذها. يقول العلماء: الروح لا تختص بشيء من الجسد، أي: لا نقول: إنها في الإصبع، ولا في القلب، ولا في الرجل، ولا في الرأس، ولا في مكان آخر، بل تسري في الجسد كله كما تسري النار في الهشيم، فإذا قبضت خرجت من الجسد كله، فجميع الجسد يعاني من خروج الروح، والله يقول: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٨٤] أي: إذا وصلت إلى الحلقوم يبدأ الإنسان بالتشبث بالحياة أياًَ كان، ويحاول الإنسان أن يقاوم، ولكن الله يقول: ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤].

стр. 11

لحظات خروج الروح يقول تعالى: (وأنتم) أي: من حول الميت (حينئذ تنظرون)، أي: إلى الميت، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥]؛ لأن من حول الميت لا يرون الملائكة وهي تقبض روح الميت، فتخرج الروح فيتبعها البصر، وعندئذ يسن تغميض العينين، فإذا صعدت فإنها قد تكون روح مؤمن، فيشيعها من كل سماء مقربوها، وتفتح لها أبواب السماء، وتصل إلى العرش ويراها أبونا آدم، كما في حديث المعراج أن النبي ﷺ رأى أبانا آدم حوله أسودة عن يمينه وعن شماله، فإذا نظر جهة اليمين ضحك، وإذا نظر جهة الشمال بكى. فحين تصل إلى العرش يقول الله جل وعلا: صدق عبدي، اكتبوا كتاب عبدي في عليين ثم أعيدوه، فإني قد وعدتهم ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه:٥٥] فتعود إلى بدنه. وعلى النقيض من ذلك -أعاذنا الله وإياكم- قد تكون روح كافر منافق، قال الله ﴿لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف:٤٠]، ثم تعود إلى الجسد، ولكنها لا تعود كما تعود الأولى، بل تطرح طرحا بإلقاء وبعنف، قال ذلك رسول الله ﷺ ، ثم تلا: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١].

стр. 12

اتصال الروح بالجسد بعد الموت وهنا يكون نوع اتصال بين الروح والجسد، كما أخبر ﵊ عن الميت بأنه يسمع قرع النعال، ولكنه يسمع سمعا لا ينتفع به، وقد وقف نبينا ﷺ على قليب بدر على قتلى قريش، فناداهم بأسمائهم: يا أبا جهل بن هشام! يا عتبة بن ربيعة! وعدهم ثم قال: (قد وجدت ما وعدني ربي حقا، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟! فتعجب الصحابة فقال عمر: يا رسول الله! أتخاطب أقواما قد جيفوا؟! فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لايستطعون جوابا). قال حسان: يناديهم رسول الله لما قذفناهم كباكب في القليب ألم تجدوا كلاميَ كان حقا وأمر الله يأخذ بالقلوب فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا صدقت وكنت ذا رأي مصيب فحسان يصور الحادثة شعرا، ومن هنا أخذ بعض العلماء أن الموتى يسمعون، ولكنهم لا يسمعون سماع انتفاع، وهذا مثل ضربه الله في القرآن فقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء﴾ [البقرة:١٧١] فالراعي تسمع غنمه ما يقول، ولكنها لا تسمع سمع انتفاع، فلا تدري ما يقول وإن كانت تسمع المفردات والأقوال والكلمات، وهذه قضية طويلة بين العلماء لا أحب الخوض فيها. فإذا اتصلت الروح بالجسد فإنه يقع عليها النعيم ويقع عليها العذاب، يقول ابن تيمية -غفر الله له ورحمه- إن عذاب القبر ونعيمه يقع على الروح والجسد -وهذا متفق عليه عند أهل السنة- ويقع كذلك على الروح منفردة عن البدن. وقد أخبر النبي ﵊ بشيء من هذا، فقد أخبر بأنه رأى الزناة والزواني -نسأل الله العافية- في تنور ضيق من أدناه، واسع من أعلاه، ورأى أكلة الربا تمر عليهم سابلة آل فرعون، ورأى من يقرب إليهم قدر نضيج طيب فلا يأكلون منه، ويأكلون من لحم نتن خبيث، فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هذا الرجل يترك امرأته حلالا، ويذهب يبيت مع امرأة خبيثة حتى يصبح، فما حياة البرزخ إلا صورة للحياة الدنيا، فالجزاء من جنس العمل، وسيكون نفس الصنيع بك في برزخك، والله يقول: ﴿وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠] ويقول: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].

стр. 13

الصلة والانقطاع بين الروح والجسد وهذا الاتصال بين الروح والجسد ينقطع أحيانا، ويتصل أحيانا، فتكون للروح سرعة أكثر من سرعتها وهي ملتصقة بالجسد في الحياة الدنيا، وعلى هذا حمل العلماء صلاة النبي ﷺ بالنبيين إماما في المسجد الأقصى وصلوا وراءه، ثم عرج به إلى سدرة المنتهى ورأى إخوانه من النبيين في السماوات السبع. قالوا: كيف قابلهم في الأرض ثم قابلهم في السماء؟ قال بعض العلماء: إن سرعة الروح غير سرعة الجسد، فقابلهم في السماوات السبع أرواحا عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين. والذي يعنينا أن علاقة الروح بالجسد تدل في المقام الأول على عظمة الخالق ﷻ ، وأن هناك رباً خالق للخلائق كلها، يدبرها ﵎ كيف يشاء، ويفعل فيها ما يريد، وأنه جل وعلا حكم بالنجاة لأهل الإيمان والعمل الصالح، وحكم بالخسران والخيبة على أهل الكفر والعمل السيئ، وأنه جعل الدنيا مزرعة للآخرة، وزهرة حائلة، ونعمة زائلة، ولا بد من لقائه ﵎.

стр. 14

المرء من القرار المكين إلى الوفاة لقد كان الإنسان جنينا لا يدري عن تلك الحياة شيئاً، وكان قبل ذلك في أصلاب آبائه وأرحام أمهاته، ثم كان جسدا حيا يغدوا ويروح، ثم لا يلبث أن تقضى حياته ويعيش في حياة البرزخ، ثم يذكره الناس جيلا بعد جيل حتى ينسوه، أو يكادوا. يسلم المرء أخوه للمنايا وأبوه وأبو الأبناء لا يبقى ولا يبقى بنوه رب مذكور لقوم غاب عنهم فنسوه ابتنى الناس من البنيان مالم يسكنوه طلب الناس من الـ آمال مالم يدركوه جمع الناس من الأموال مالم يأكلوه عش بما شئت فمن تبره دنياه تسوه وبعد ذلك يكون اللقاء بين يدي الرب ﵎، ويجتمع الخلائق برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم بين يدي الله، وهذا ما يسمى بالبعث والنشور.

стр. 15

الإيمان بالبعث والنشور تنزيه لله عن اللهو والعبث يجب أن يستقر في قلب كل أحد أن الله جل وعلا تبارك اسمه وجل ثناؤه منزه كل التنزيه عن النقص والعيب واللهو والعبث، ولهذا قال الله جل وعلا في خواتيم سورة المؤمنون: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥]، فأردف هذه الآية بقوله سبحانه منزهاً ذاته العلية: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه:١١٤]، فالله جل وعلا منزه عن أن يكون قد خلق هذا الخلق وكلفهم، وبعث إليهم الرسل، وأنزل إليهم الكتب، وأقام عليهم الحجة، وأوضح لهم المحجة، ثم بعد ذلك لا يكون هناك بعث ولا نشور، ولا تكون جنة ولا نار، ولا تكون محاسبة ولا جزاء، فهذا محال ينزه الرب ﵎ عنه. وقد سبق الحديث عن أن الروح لها مستقر، فإن كانت مؤمنة ففي عليين، وإن كانت كافرة ففي سجين.

стр. 16

ذكر النفخ في الصور قلنا: إن اتصال الروح بالجسد يكون أحيانا وينقطع أحيانا، وأن العذاب أو النعيم يقع على الروح والجسد مجتمعين، ويقع أحيانا على الروح دون الجسد، ثم تكون نفخة الصعق، وهذه النفخة ينتظرها الآن ملك يقال له إسرافيل، قد التقم القرن وحنى الجبهة، وأصغى الأذن ينتظر متى يؤمر بالنفخ فينفخ، وقد قال الصحابة: (يا رسول الله! ماذا نقول؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل). والملائكة يشتركون جميعاً في أنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، إلا أن المهام التي أسندت إليهم، والمقام الذي ينتهي إليه كل أحد منهم يختلف بحسب منازلهم، وما أفاء به الله جل وعلا عليهم، وما كلفهم الرب ﵎ به، وإسرافيل ملك كريم أسند إليه النفخ في الصور. فينفخ إسرافيل في الصور، فيكون الحال كما قال تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْض﴾ [الزمر:٦٨]، ثم استثنى ﷻ فقال: ﴿إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨]، وهذه نفخة الصعق الأولى، وتعقبها نفخة بعث، واختلف العلماء هل قبل نفخة الصعق تكون نفخة الفزع التي ذكرها الله جل وعلا في سورة النمل؟ فبعضهم يرى أنها الثانية هي المسماة بنفخة الصعق، وبعضهم يرى أنها نفخة ثالثة للاثنتين، وظاهر القرآن أنهما اثنتان فقط، والعلم عند الله. فينفخ إسرافيل فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، واختلف العلماء في قول الله جل شأنه: ﴿إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨] فذهب بعض العلماء إلى أن المستثنين في الآية هم من يقطن الجنة من أهلها، كالحور العين والغلمان المخلدون، وما في النار من حيات وعقارب -نعوذ بالله من ذلك-، وهذا القول ينسب إلى الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وقال بعض العلماء: إن المستثنين هم إسرافيل وجبريل وميكائيل رؤساء الملائكة، وهذا القول ينسب إلى مقاتل بن سليمان أحد أئمة السلف في التفسير رحمه الله تعالى، وعنده في هذا أحاديث، ولكن ثبوت صحة هذه الأحاديث فيه نظر عند أهل الصناعة الحديثية. والذي يظهر -والعلم عند الله- أن الاستثناء لبيان القدرة، ولكن التوقف في مثل هذا أفضل لعدم وجود مرجحات تجعلنا نقطع بيقين، فالنبي ﷺ قال عندما ذكر النفخة الثانية: ((فأكون أول من يفيق فإذا بموسى آخذاً بقوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور أم كان ممن استثناه الله))، فإذا قال النبي ﷺ : لا أدري فالمتبعون هديه ﵊ من ورثته من العلماء أولى بأن لا يدروا. فهذا الاستثناء نتوقف في الجزم فيه، ولكنه قد يكون له معنى مقصود بأقوام كما بينا، وقد يكون المقصود به بيان القدرة الإلهية. ثم تكون النفخة الثانية، ومابين النفختين أربعون سنة أو أربعون شهراً أو أربعون يوماً، لم يجزم أبو هريرة في نقله عن النبي ﷺ .

стр. 17

رد الله على كفار قريش في إنكارهم البعث وكان القرشيون الأوائل ينكرون البعث والنشور جملة مع اعترافهم بوجود الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨]، فردوا على النبي ﷺ قوله بأن الله يحيي العظام وهي رميم، وأنه يبعث الموتى، فأجابهم الله جل وعلا بثلاثة أدلة تدل على أنه يحي الموتى: الدليل الأول: أنه جل وعلا هو الذي خلقهم ابتداء، وهو ما يسمى بالنشأة الأولى. والدليل الثاني: أن الله جل وعلا خلق ما هو أعظم منهم، وهو السماوات والأرض. والدليل الثالث: أن الله جل وعلا أمرهم بأن ينظروا في النبات كيف يكون، وهذا دليل على إنبات الناس من قبورهم كإنبات الأرض بعد موتها. قال الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت:٢٠]، وقال جل وعلا بعد أن ذكر الماء وسقيه وإحياء الأرض بعد موتها: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر:٩]، وقال جل وعلا: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم:٥٠] وهذه الثلاثة الأدلة المتفرقة في القرآن جمعها الله في خواتيم (يس)، وقال الله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] فجمع الله إجابة له بثلاثة أدلة، فقال جل وعلا: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]، هذا الدليل الأول، ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً﴾ [يس:٨٠] وهذا قياس على النبات، وهو الدليل الثاني، ثم قال بعدها: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:٨١]، فهذه الأدلة الثلاثة فرقها الله في القرآن وجمعها في (يس).

стр. 18

عذاب القبر وهذه الفترة التي قبل البعث يكون فيها العذاب أو النعيم، فقد دخل على عائشة ﵂ امرأتان عجوزتان من يهود فأخبرتاها بأن هذه الأمة تعذب في قبورها، فلم ترد عائشة أن تنعم على هاتين المرأتين بأن تصدقهما، فلما قدم النبي ﷺ أخبرته عائشة بما قالت المرأتان اليهوديتان، فقال ﷺ : (صدقتا، إن هذه الأمة تعذب في قبورها، ولولا ألا تدافنوا لسألت الله جل وعلا أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع)، ففيه دليل واضح على عذاب القبر، تقول عائشة: فما رأيت النبي ﷺ بعدها إلا وهو يستعيذ من عذاب القبر، فكان ﷺ يستعيذ كثيراً من عذاب القبر، ويسأل الله جل وعلا نعيمه.

стр. 19

خروج الناس من قبورهم بعد وبين النفختين يأمر الله السماء أن تمطر فتمطر ماء أبيض كمني الرجال، فينبت الناس كما ينبت البقل؛ إذ إن جسد ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، وهو العظمة المستقرة في آخر فقراته، فهذه لا تبلى بقدر الله، وقد مر معنا أن أجساد الأنبياء لا تبلى، وقلنا: لا يوجد دليل صريح صحيح على أن أحداً مستثنى غير الأنبياء، لا الشهداء ولا حفظة القرآن ولا غيرهم، وقد يطول أمد أحدهم فلا يبلى، ولكن لا يوجد دليل صريح صحيح على أن أجساداً تبقى غير أجساد الأنبياء. فعندما تمطر السماء هذا الماء تدب الحياة في الجسد فينبت، ثم يأمر الله إسرافيل بأن ينفخ، فإذا نفخ إسرافيل النفخة الثانية خرجت الأرواح من مستقرها، ثم ذهبت كل روح إلى الجسد الذي خرجت منه لا تخطئ روح جسدا خرجت منه، فيجتمع الروح والجسد. فالروح والجسد يلتئمان والإنسان جنين في بطن أمه، ويلتئمان بعد البعث التئاما آخر، فتدب فيه الحياة، فتنشق الأرض عن أهلها، كما قال ربنا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١]، وقال ﷺ : (أنا أول من ينشق عنه القبر)، فهو ﵊ أول من ينشق عنه القبر، ثم قبور بقيع أهل المدينة، ثم أهل مكة، ثم ما بينهما، ثم بعد ذلك سائر القبور، فيحشر الناس إلى ربهم.

стр. 20

عموم الحشر لكل الخلائق والحشر في ظاهر القرآن وصريح السنة غير مختص بالثقلين الجن والإنس، وإن قال بعض العلماء -عفا الله عنا وعنهم-: إنه مختص بالثقلين، لكن ظاهر القرآن وصريح السنة على أن الجميع يحشر، قال الله جل وعلا في صريح كتابه: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام:٣٨] فهذا صريح، ولكن العلماء الذين قالوا: إن غير الثقلين لا يحشر قالوا في هذه الآية: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام:٣٨] حشرها هو موتها. والله جل وعلا يقول: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير:٥] فالوحوش هي ما توحش من دواب البر، و (حشرت) أي: جمعت، وقال ﷺ : (يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء)، فحملوا ذلك على أنه كناية عن العدل، لا على وقوع الأمر، لكن ثمة قاعدة في أمور الشرع، وهي أن ما أخبر الله به أو أخبر به رسوله من الغيب ولا يوجد ما يمنع وقوعه شرعا ولا عقلا يجب إمراره على ظاهره، وهذا قاعدة تنفع كل من يطلب العلم. فالله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير:٥] ويقول: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام:٣٨]، والنبي ﷺ يقول: (يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء)، فهذه الأمور لا يوجد ما يمنع وقوعها شرعاً، ولا يوجد ما يمنع وقوعها عقلاً، فيجب إمرارها على ظاهرها.

стр. 21

كيفية حشر الناس ولأجل الحشر يخرج الناس من قبورهم، -كما قال ﷺ حفاة عراة غرلا بهما، ومعنى (حفاة) أي: غير منتعلين، (عراة): غير مكتسين، قال الله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا﴾ [الأنبياء:١٠٤]، وهذا يؤيد -أيضاً- معنى (حشرهم غرلاً)، فما قطع من جلدة الذكر عند الختان يعاد. وأما حشرهم بهماً فمعناه أنهم غير ممولين، أي: لا يملك أحدهم من متاع الدنيا شيئاً، ويحشر على هذه الهيئة جميع الخلق، وفيهم الأنبياء والصالحون والصديقون والشهداء وغيرهم.

стр. 22

أرض المحشر ويحشرون على أرض بيضاء نقية لم يعص الله جل وعلا فيها قط، قال الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨] وقد سئل النبي ﷺ : أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؟ قال: (هم في الظلمة دون الجسر) والجسر المقصود به: الصراط. وقد جاء في الحديث الصحيح عن الأرض التي يحشر عليها: (ليس فيها علم لأحد) والعلم إما جبل أو هضبة أو رابية، وهذا هو العلم الطبيعي، وأما العلم غيره فهو ما يضعه الناس من علامات ليعرفوا بها الطرائق والأماكن، فهذه الأرض ليس فيها علم لأحد، فليس فيها علم من عند الله، وليس فيها علم يتخذه إنسان لنفسه، قال الله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلَا أَمْتاً﴾ [طه:١٠٧]. فالناس يحشرون حفاة عراة غرلاً بهما، وكونهم عراة يستوجب -وفق مقاييس الدنيا- أن ينظر بعضهم إلى بعض، ولكن مقاييس الدنيا لا تطبق على الآخرة، فقد سألت عائشة ﵂ النبي ﷺ بما استقر عندها من مقاييس الدنيا، فقالت: (الرجال والنساء عراة ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال ﷺ : يا عائشة! الأمر أعظم من ذلك) أي: لا يمكن أن يكون أحد لديه من فراغ القلب آنذاك ما ينظر به إلى من حوله، فكل امرئ مشغول بنفسه، وهذا يبين لك عظمة أهوال يوم القيامة، فالناس عندما يحشرون لم يكونوا قد عهدوا حشراً سابقاً يقيسون عليه، فلا يدرون أين يذهبون، وقد شبههم الله في القرآن مرتين، فقال في القارعة: ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة:٤] والفراش غير منتظم، فلا يدري أين يذهب، بل يحوم بعضه حول بعض، فالناس يخرجون ينتشرون ميمنة وميسرة، ثم لا يلبثون أن يستمعوا إلى إسرافيل يقودهم إلى أرض المحشر، فعندما يستمعون إلى إسرافيل ﵇ يقودهم إلى أرض المحشر ينتظمون، فانتقلوا إلى حالة أخرى، قال الله: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر:٧]، والجراد يمشي على هيئة جماعات منتظمة، وبهذا يمكن الجمع بين وصفي القرآن. فيقودهم إسرافيل ﵇ إلى أرض المحشر، وهذا ما أخبر الله عنه بقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾ [طه:١٠٨] وأفضل ما فسر به قول الله جل وعلا: ﴿إِلَّا هَمْساً﴾ [طه:١٠٨] أنه وقع أقدامهم الحافية على تراب المحشر، وقيل غير ذلك، ولكن هذا في ظني أقرب إلى الصواب، والعلم عند الله. فيسوقهم إسرافيل إلى أرض المحشر ولم يسبق لهم أن جُمعوا، ولم يسبق لهم أن حشروا، وينتظرون مجيء الجبار ﷻ ليفصل ويحكم ﵎ بين عباده. علمنا الله وإياكم ما ينفعنا، ونفعنا بما علمنا، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 23

سلسلة أشراط الساعة الكبرى [خروج المهدي والمسيح الدجال] بين يدي الساعة أحداث عظيمة، وأشراط لها جسيمة، تنذر بفناء الدنيا وقرب الآخرة، ومن تلك الأحداث بعث الله للمهدي الذي يصلح شأن الناس، فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وقد وردت نصوص السنة ببيان صفاته ونسبته وما يجري الله على يديه. كما أن من تلك الأحداث خروج الدجال فتنة للناس، فيمتحن الله به عباده، ويسخر له بقدرته ما يفتن به الناس في دينهم ويغر به ضعاف الإيمان والكفرة فيعتقدون ربوبيته، ثم يهلكه الله تعالى بعيسى ﵇ بعد نزوله.

стр. 24

بيان وصف المهدي ونسبه الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فهذا استمرار لتعليقاتنا العلمية الموجزة على بعض أحاديث نبينا ﷺ . صح عنه ﷺ -فيما أخرجه أبو داود في السنن- أنه قال: (المهدي مني أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملك سبع سنين، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً)، هذا نص الحديث عن رسول الله ﷺ ، أما كلمة (المهدي) فهي وصف وليست اسماً، أي: وصف لهذا الرجل الذي سيخرج، وليست اسماً له، وجاء في بعض الأحاديث ذكر اسمه، حيث قال ﵊ عنه: (يواطئ اسمه اسمي) أي أن اسمه كاسم النبي ﷺ (محمد)، واسم أبيه كاسم أبي النبي ﷺ (عبد الله). قوله ﵊: (مني) أي: من ذريتي، ومعلوم أن هناك ما يعرف بـ (آل البيت)، لكن (آل البيت) كلمة أوسع ووصف أعم من قوله ﵊: (مني)؛ لأن (آل البيت) يدخل فيها كل من يجتمع مع النبي ﷺ في جده هاشم، فيدخل فيها آل عقيل، وآل جعفر، وأبناء علي من غير فاطمة، فهؤلاء كلهم يجتمعون مع النبي ﷺ في جده هاشم، فيسمون آل البيت وتحرم عليهم الصدقة، كما يدخل فيهم حلفاً آل المطلب، والمطلب هذا أخ لـ هاشم، وكانت ذريته مع النبي ﷺ في شعب أبي طالب لما حاصرته قريش، فقال ﷺ : (إن بني هاشم وبني المطلب شيء واحد. وشبك بين أصبعيه)، فأدخل جمهور العلماء -بناء على هذا الحديث؛ ولأن النبي ﷺ أعطاهم من الخمس كما أعطى آل البيت- أدخلوا آل المطلب في آل بيت النبي ﷺ ، ولكن هذا عام. وأما قوله ﵊: (مني) أي: من ذريتي، أي: من ذريته ﵊، ومعلوم أن النبي ﵇ لم يُخَلِف ذكوراً، بل خلف ذكرين ماتا في حياته، فانقطع بذلك النسب الذي ينتسب إليه من جهة أولاده الذكور، وبقي له من الإناث أربع: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، فأما رقية وأم كلثوم فتزوجهما عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وأم كلثوم لم تنجب من عثمان أحداً، وأما رقية فأنجبت غلاماً فمكث حوالي ست سنين ثم مات، حيث نقره ديك في وجهه فانتفخ ثم مات، وأما زينب فولدت أمامة من أبي العاص بن الربيع زوجها، ثم ماتت دون أن تخلف، فلم يبق إلا فاطمة ﵂ وأرضاها، فزوجها النبي ﵊ بعد منصرفه من بدر من علي ﵁ وأرضاه، فولدت له الحسن والحسين ومحسناً، فأما محسن فتوفي وهو صغير، فبقيت الذرية التي تنتسب إليه ﷺ محصورة في ذريته ﵊ من الحسن والحسين رضوان الله تعالى عليهما، فقوله ﵊: (لمهدي مني) أي: من ذرية الحسن أو من ذرية الحسين، وجمهور أهل السنة على أن الأحاديث تدل على أنه من ذرية الحسن بن علي، وأن اسمه محمد بن عبد الله ثم ينتهي نسبه إلى الحسن بن علي، فهو من جهة أبيه ينتهي إلى الحسن بن علي بن أبي طالب، وإذا وصلنا إلى الحسن فإنه يتفرع من جهة أمه فاطمة بنت محمد ﷺ ، فهذا معنى قوله ﵊: (لمهدي مني).

стр. 25

ذكر ما تعتقده الإثنا عشرية في المهدي والشيعة الإمامية الإثنا عشرية الموجودون الآن في إيران وفي المدينة وفي المنطقة الشرقية يرون أن المهدي سيظهر، ولكن لا يقولون كما يقول أهل السنة: إن اسمه محمد بن عبد الله الفاطمي الحسني العلوي كما بينا، إنما يقولون: إنه من ذرية الحسين لا من ذرية الحسن، كما أنهم يقولون: إنه موجود الآن في سرداب في (سُر من رأى) المدينة التي بناها المعتصم، واسمه محمد بن الحسن العسكري، وهو آخر الأئمة الإثني عشرية الذين تؤمن بهم الشيعة. ومعلوم قطعاً أن هؤلاء الأئمة الذين تؤمن الشيعة بعصمتهم لا يقترفون ذنباً لتعلق الشيعة خطأً بهم، فالنصارى عبدت عيسى ابن مريم، وقالوا: إنه ثالث ثلاثة، ولكن هذا لا يقدح في عيسى ابن مريم، فعيسى ابن مريم نبي رسول الله أثنى عليه في القرآن بقوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء:١٧١]، وقال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران:٥٩] فهو نبي من أولي العزم من الرسل له مكانة، فنحن نؤمن به كما يؤمن به النصارى، ولكن نؤمن به نبياً، أما النصارى فيؤمنون به إلهاً أو ابناً لله، والذي يعنينا أن غلو النصارى في عيسى لا يغير من عيسى شيئاً، وكذلك غلو الشيعة في الأئمة الإثني عشرية لا يغير في الأئمة شيئاً، فأولئك من ذرية النبي ﷺ ولهم مقام جليل في الدين، فهم يُبدءون بـ علي، وعلي صحابي، ويُثَنُون بـ الحسن والحسين، والحسن والحسين يقول فيهما النبي ﷺ : (سيداً شباب أهل الجنة)، ويربعون بـ علي زين العابدين، وهذا من أعظم الصالحين في عصره، وهو الذي قال فيه الفرزدق: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم ويخمسون بـ جعفر ابنه، وجعفر إمام معروف، ولكن غلو الشيعة فيه حرم الناس من علمه، وإلا فإن أبا حنيفة ﵁ أدركه وأخذ عنه العلم، ويسدسون بـ محمد الباقر، وسمي الباقر على وزن (فاعل) من بقر، أي: يبقر العلم ويشقه شقاً، فكان إماماً في العلم، ولكن غلو الشيعة فيه أضاع علمه. والذي يعنينا أن الأئمة حقاً أكثرهم صالحون من ذرية رسول الله ﷺ ، ولكن غلا هؤلاء فيهم وقالوا بعصمتهم، والعصمة لا تثبت إلا للأنبياء والرسل فقط، يقول الخميني في كتاب له اسمه (الحكومة الإسلامية): وإن من أصول مذهبنا أن لأئمتنا منزلة لا ينالها ملك مقرب ولا نبي مرسل. ويقول عنهم بأن لهم من الخصائص ما تخضع به لهم جميع ذرات الكون، ويعطى هذا لـ فاطمة بنت محمد ﷺ أحياناً، فهذا القول في الأئمة مردود، فقوله في حق رجل من آل بيت رسول الله: إنه تخضع له جميع ذرات الكون، وإن له منزلة لا ينالها ملك مقرب ولا نبي مرسل باطل. فيُرد قوله ويبقى إجلالنا لآل بيت رسول الله ﷺ كما هو دون أن نخلط بين الموقفين.

стр. 26

مكانة المهدي والله جل وعلا علم أن الأمة ستمر بمراحل ضعف، والمهدي لا يخرج عن كونه رجلاً صالحاً، قال العلامة الألباني رحمة الله تعالى -ونعم ما قال- يغلب على الظن أنه رجل فريد في علمه، فريد في أخلاقه، فريد في تجربته في الحياة، فريد في قيادته، وأن الله جل وعلا يصلح الأمة قبله؛ لأنه لا يعقل أن رجلاً يحيي الأمة من جديد في سبع سنين دون أن يكون كذلك والنبي ﷺ بناها في ثلاث وعشرين سنة، فهو -قطعاً- ليس أفضل من النبي ﷺ ، ولا أفضل من أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا سائر الأصحاب ﵃ وأرضاهم، ولكنه رجل يختم به الله الناس قبل خروج الدجال وقبل نزول عيسى ابن مريم، فالقول بأن المهدي شخص منقطع النظير يمنع الأمة من العمل، ويدفعها إلى التواكل، فتنتظر أن يخرج المهدي حتى يقودها. فالمهم أن النبي ﷺ أخبر أنه سيكون في آخر الزمان يملأ الأرض عدلاً؛ لأن الناس لا يمشون إلا بقائد، فمهما صفت الأمة وتربت من دون قائد فإنها لا يمكن أن تسير، فهو يأتي والأمة أحوج ما تكون إلى قائد، فيكون قائداً لها فيحكم ﵁ سبع سنين.

стр. 27

انتظار ظهور المهدي وأصناف الناس في ذلك نعود فنقول: إن الناس من كثرة شغفهم بأن يحلوا أزماتهم تعلقوا بالمهدي، فإما أنهم ينتظرون خروجه، وإما أن يأتي بعضهم فيقول قائلهم: أنا المهدي، وقد حصل عبر التاريخ الكثير ممن ادعوا أنهم المهدي، وبعض العلماء له دراسة علمية في أن أكثر من يدعي أنه المهدي في زماننا أو قبله بقليل تجد في حياته اضطراباً نفسياً، فتجده إنساناً عنده معلومات، وعنده عقل، وعنده رأي، وعنده فكر ولكنه يعاني من مرض نفسي، ثم يدفعه شغفه وحبه للناس وحبه للأمة وحبه للنصر مع الزاد العلمي الذي يقرؤه إلى أن يشكل عنده نوعاً من الازدواج في الشخصية، فيزعم أنه المهدي. وقد كلمني واحد مرة بالهاتف وهو يزعم أنه المهدي، فجلست معه ساعة إلا ربعاً أقنعه بأنه ليس المهدي، فلم يقتنع، مع أنه ليس من آل البيت ولا اسمه محمد ولا أبوه عبد الله، وكم في آل البيت من اسمه محمد واسم أبيه عبد الله وليس مهدياً. فهذا عنده معلومات ولكنه مسكين، فأراد أن يطبقها على الواقع حتى يتخلص. وهذه معاناة تعانيها الأمة، فهي تعاني من قضية الربط بين شيئين: بين واقع مشهود تلحظه بعينك، وهو الأمة وما فيها من ذل وهوان، وبين غيب منشود، وهذا الغيب ثبت في الأخبار أنه سيعلو، ولكن هؤلاء ما استطاعوا أن يربطوا ربطاً حقيقياً بين واقعهم وبين الأمل الذي ينتظرونه، فظهر في الأمة كثيرون لا داعي لذكر أسمائهم فتسموا بالمهدي، وبعضهم سمى بالمهدي على أمل أن يكون هو، ثم يموت، كبعض خلفاء بني العباس، ولكن أتى أقوام ويزعم الواحد منهم أنه المهدي، فالمهدي قال عنه ﵊: (يبايع له بين الركن والمقام)، وهذه واحده من مئات الصفات في المهدي، مثل رجل تبعثه برسالة أو بغيرها إلى أخ لك في حي آخر، فتقول له: هذا الذي أنا بعثتك إليه يسكن في عمارة مكونة من عشرة أدوار، ثم أخذت تصف كل دور ووصفت الباب ووصفت الجهة التي هو فيها، فهذا المسكين عندما ذهب وجد أول عمارة عشرة أدوار، فقال: هذه العمارة التي يقول عنها فلان، فالحمد لله أنني ما ضيعتها مع أنه قد يكون هناك مئات العمارات المكونة من عشرة أدوار. ففتنة الحرم التي حصلت عام (١٤٠١) هـ أخذ أصحابها من الحديث كله أنه (يبايع له بين الركن والمقام)، فجاء الذي قام بالفتنة وجاء برجل اسمه محمد بن عبد الله وجعله بين الحجر الأسود والمقام، وأعطاه بيعة، واعتقد أن الشرط الوحيد الذي يبحث عنه قد حصل عليه، والأمور لا تفرض فرضاً هكذا، ولذلك قال بعض السلف قديماً: المهدي لا تبحث عنه؛ لأن حضوره ووقوعه حق لا ينكر، فهو إذا وجد سيأتي لا محالة، وسيتم أمره حتى لا يبقى أي لبس ولا شبهة في أنه المهدي، فلا يتعجل الإنسان ظهوره، فالمهدي شرط من أشراط الساعة، والناس فيه على ثلاثة أقسام: إما رجل على علم به، وهذا هو شأن علماء أهل السنة من حيث الجملة. وإما غال في إثباته. وإما منكر جاف في إنكاره. وبيان هذا على الوجه التالي: فالذين غالوا في إثباته هم الذين كلما ظهرت حرب أو ظهرت معركة أو ظهر زعيم أو ظهر قائد أو انتصرت الأمة بعد نكسة قالوا: هذا هو المهدي، وهذا حصل في مصر وحصل في السودان وحصل في كثير من الدول الإسلامية، وحصل في جزيرة العرب في القرامطة، فكلما ظهر رجل وعلا قالوا: هذا هو المهدي. والآخرون على العكس، حيث قالوا: هذا يضيع الأمة ويشتتها ويجعلها تتكل على غيبيات والدين، لم يأت بالغيبيات، فلا يوجد مهدي، ولا مهدي عندهم إلا عيسى ابن مريم، وممن نحى هذا المنحى ابن خلدون ﵀ عليه -على علمه- في المقدمة، وتبعه عليه بعض العلماء المعاصرين، فأنكروا مسألة المهدي بالكلية، وهذا الأسلوب خطأ، فلا ترد السنة لوجود ناس لا يفقهون. والذي عليه حفاظ الأثر كشيخي الصحيح مع أهل النظر أن المهدي حق سيقع، وأنه من آل بيت النبي ﷺ ، وأنه الله جل وعلا سيصلحه في ليلة، وأن الرب ﵎ سيملأ به الأرض عدلاً كما ملئت جوراً.

стр. 28

ذكر حصول الخير قبل مجيء المهدي ويظن بعض الناس أن الأمة ستبقى على حالها حتى يظهر المهدي، وهذا خطأ في استقراء النصوص، فإن النبي ﷺ أخبر أن المهدي هو الذي يصلي بالناس في بيت المقدس وقت نزول الدجال، وهذا يلزم منه أن بيت المقدس سيحرر ويفتح قبل نزول المهدي؛ لأن النبي ﷺ أخبر بأن المهدي يريد أن يؤم الناس بالصلاة فينزل عيسى ابن مريم في صلاة العصر، فيتأخر المهدي فيقدمه عيسى؛ لأن هذا المهدي في صدره القرآن وعيسى في صدره الإنجيل، والقرآن مقدم على الإنجيل، والنبي ﷺ قال: (إن منكم لمن يصلي عيسى ابن مريم خلفه أو وراءه تكرمة من الله لهذه الأمة)، حتى يعلم علو شأن أتباع محمد ﷺ ، ولكن كون عيسى يصلي وراء المهدي لا يعني أبداً أن المهدي أفضل منه، فعيسى ابن مريم ﵇ أحد أولي العزم من الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وهو أفضل من كثير من الأنبياء فضلاً عن كونه أفضل من المهدي وأفضل من الصحابة. والذي يعنينا في هذا كله أن الله جعل هذه الأشراط والعلامات ليستعد الناس للبعث، ويستعد الناس للنشور؛ فما الأشراط ولا خروج المهدي ولا خروج الدجال ولا نزول عيسى ولا طلوع الشمس من مغربها ولا خروج الدابة إلا إرهاصات لقيام الأشهاد وحشر العباد بين يدي الله.

стр. 29

إخبار النبي بالغيبيات فيه تعليم وتوجيه ثم إن أحاديثه ﵊ في الغيب نوع تعليم وليست نوع إخبار محض فقد قال ﵊ في شأن عثمان: (وبشره بالجنة على بلوى تصيبه)، وقال له: (لا تنزع قميصاً ألبسك الله إياه)، فلما جاء الخوارج يحيطون ببيت عثمان وطلبوا منه أن يترك الخلافة تذكر عثمان وصية النبي ﵊، فأبى ورفض أن يتنازل عن الخلافة. وقال لـ عمار: (تقتلك الفئة الباغية)، فـ عمار ﵁ وهو في جيش علي كان يعلم أنه على الحق؛ لأن النبي ﷺ قال له: (تقتلك الفئة الباغية)، فجعل من الحديث دليل ثبات، وقد عمر ﵁ كثيراً، وكان رجلاً طويلاً ترعش يداه في الحرب ومعه حربة، وقد قال له النبي ﵊: (لن تموت حتى تقتلك الفئة الباغية، تشرب شربة ضياح تكن آخر رزقك من الدنيا)، فكانوا وهو في الجيش يقولون: ستموت الآن. فيقول: لا، فما شربت لبناً بعد. حتى عطش وهو في الحرب، فطلب لبناً ثم شربه في الحرب ثم قتل ﵁ وأرضاه، فالنبي ﷺ أعلمه بأنه على الحق فاستثمر الحديث. وقال ﵊ لـ أبي ذر: (اعتزل الفتن) وأخبره بأنه لا يصلح لولاية، وبين له أن أبا ذر فيه ضعف، والضعف لا يصلح به الإنسان زعيماً ولا قائداً، مع أن أبا ذر ﵁ يبعث أمة وحده، وهو أصدق من أقلت الغبراء وأظلت الخضراء، ومع ذلك حذره النبي ﷺ من الدخول في متاهات الناس فاعتزل ومات بالربذة ﵁ وأرضاه. وقد أخبر ﷺ عن التتار بأنهم ترك، وقال ﵊: (اتركوا الترك ما تركوكم) فهذا الحديث كانت مخالفته عظة لعل إنسان لا يعمل بالنص، وذلك أن خوارزم شاه كان من ولاة المسلمين في جهة إيران، وكان جنكيز خان المغولي الذي أثخن في المسلمين بعيداً ليس له علاقة أبداً بالمسلمين، فبعث تجاراً، فقدم هؤلاء التجار هؤلاء التجار قدموا على نائب لـ خوارزم شاه فقتلهم، فلما علم جنكيز خان بأنه قتلهم -وليس في نيته أن يغزو بلاد المسلمين- بعث إلى خوازرم شاه يقول له: بلغني أن نائبك على بلاد كذا وكذا قتل التجار، ولم تجر عادة الملوك بقتل التجار، فإن كنت لا تعلم فاعلم وخذ لنا القصاص من نائبك. فماذا فعل غفر الله له؟! لقد قتل الرسول، فلما بلغ جنكيز خان أنه قتل الرسول وقتل التجار عمداً داهم تلك البلاد وفعل ما فعل، حتى قال ابن كثير ﵀: فقتل قتلاً لم يعلم ولم ينقل أبشع منه كله، وذك لمخالفة وصية النبي ﷺ . وبعض الناس يقرأ أحداث الساعة، فيقدم رأيه وعقله على قول النبي ﷺ ، والأمور لا تساق هكذا، فهناك هدي بينه الله وبينه رسوله ﷺ ، فإذا كنت تريد أن تحكم عقلك فهذا شيء آخر، ولكن النبي ﵊ ما ترك خيراً إلا دل أمته عليه، ولا شراً إلا حذر أمته منه، والناس كلهم صادقون في محبتهم للنبي ﷺ ، ولكن الصدق يلزم معه أمر آخر، وهو العلم، والعلم يلزمه أمر أعظم منه، وهو الصبر، فقد تجد في أحد الناس علماً ولكن ليس لديه صبر على أن ينفذ العلم الذي يعلمه، فكل الناس يعلمون أن الإنسان لن يموت إلا بأجله، ولكن ليس كل الناس يصبرون على البلاء رغم اتفاقهم في العلم، وكل الناس يعلمون أنه إذا ابتلي فذلك رفع للدرجات وتكفير للخطايا، ولكن ليس كل أحد يصبر على هذا العلم الذي يعلمه. فكذلك التعامل مع الأحداث التاريخية يحتاج إلى صبر؛ لأنا لا نشك في أن الناس يحبون نبيهم، فكل المسلمين برهم وفاجرهم يحبون نبيهم، ولكنهم يحتاجون إلى علم، ثم إلى صبر، فليس كل من معه علم لديه صبر، وقد كان النبي ﷺ يرى أصحابه يُقتلون أمامه، ويضربون ويؤذون، ويمر على عمار وعلى ياسر أبي عمار، وتقتل سمية من أجله، وقد كانت قبل بعثته ﷺ مبجلة عند أبي جهل، وكان ياسر مرفوع المقام عند أبي جهل، فمن أجله قتلوا، وكان يمر عليهم ويقول: (صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة). فالمراد أن الأحداث التاريخية تُنَزَّل بحسب الواقع حتى يصل الإنسان إلى مراده، وقد قال ﵊: (ولكنكم قوم تستعجلون)، فيحتاج الإنسان إلى عمل، ويحتاج إلى يقين، ويحتاج إلى أناة، ويحتاج إلى أن يستظل بعلم الشرع الذي علمه الله لرسولنا ﷺ . إن الإخبار بالغيبيات لا يعني أن يطلبها المرء لأنها قادمة، بل إذا وقعت وهو موجود يتعامل معها على منهاج محمد صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 30

كثرة البلاء بين يدي الساعة إن الله جل وعلا منذ أن خلق الخلق وهو يبتليهم؛ لأن الجنة درجات عالية، والصعود إلى الأعلى يحتاج إلى جهد، ولا بد من الفتن والابتلاءات والاختبارات قبل الوصول إليها، كما أخبر الله عن ذلك في كتابه وأخبر به رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولا بد من أن يميز أهل البر من أهل الفجور، وأهل الإيمان من أهل الكفر، ﴿أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]. وهذه الفتن ترتقي وتعتلي وتصعد وتكبر كلما دنت الساعة، وهذه سنة الله جل وعلا في خلقه. والله جل وعلا قد بعث أنبياء شتى ورسلاً إلى أمم شتى، وأخبر جل وعلا بأن هذه الأمة هي آخر أمة، وأن نبيه ﷺ هو آخر الأنبياء.

стр. 31

بيان علة تحذير الأنبياء أممهم من الدجال وهذا التأصيل لا بد منه قبل الشروع في الحديث عن فتنة الدجال. يقول النبي ﷺ عن الدجال: (ما من نبي إلا وحذره أمته، وأنا أحذركم إياه، فأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم، وإنه خارج فيكم لا محالة)؛ لأن لم تبق أمة ليخرج فيها الدجال، فهو خارج في هذه الأمة، أمة الإجابة التي آمنت، أو أمة الدعوة التي بعث إليها النبي ﷺ . وما السر في أن جميع الأنبياء يحذرون أممهم من الدجال؟ إن السر في ذلك أن الفتن في غير الدجال تتعلق -في الغالب- بادعاء النبوة، ولكن فتنة الدجال في ادعاء الإلهية، وقد يأتي إنسان ويقول: كذلك فرعون والنمرود كل منهما زعم أنه إله! والجواب عن هذا أن النمرود وفرعون لم يكن بأيديهما شيء يثبتان به للناس أنهما قريبان قريبين من القدرة الإلهية إلا القتل، كما قال تعالى عن فرعون: ﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ﴾ [الأعراف:١٢٧]، والنمرود يقول: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨]، ولكن ليس لديه شيء يخدع به الناس، فكشف عواره للناس ظاهر جداً، ولذلك رضخ الناس للنمرود ورضخوا لفرعون من باب سلطان القوة لا من باب سلطان القناعة، فلا يسمى النمرود ولا يسمى فرعون فتنة بالمعنى الحقيقي للخوض في قضية الإلهية، أما الدجال فإن الله جل وعلا يعطيه بأمره ﵎ فتنة للناس عن طريق بعض الأمور التي يلبس بها عليهم، وهذا اللبس هو الذي خاف منه النبي ﷺ ، فحذر المؤمنين من الخروج إليه، وأخبر بأن الرجل يأتيه يظن أنه مؤمن، وأنه لا يلتبس عليه شيء، ومع ذلك يقع في فتنته، وقد قال العلماء: إن الآثار تدل على أن الدجال يظهر في مرحلة يقل الحديث عنه فيها بين الناس. فهذا الدجال فتنته هي في أنه يزعم أنه هو رب العالمين، وأنه هو الخالق وهو الرازق وهو المدبر، وله مع ذلك علامات سيأتي الحديث عنها.

стр. 32

ذكر بعض ما يقع قبل خروج الدجال وقبل ظهوره تحدث أمور، من أعظمها: أن ثمة صلحاً يقع بين المسلمين والروم، وأن طائفة كبرى من الروم تؤمن، إذ يقول النبي ﷺ : (سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟ فقال الصحابة: نعم يا رسول الله. قال: فإنه سيدخلها سبعون ألفاً من بني إسحاق). وبنو إسحاق هم الروم، وهم أكثر الأوربيين اليوم؛ لأن إبراهيم ﵊ ولد له إسحاق وإسماعيل، فمن ذرية إسماعيل كان العرب، ومن ذرية إسحاق كان يعقوب ﵇، وهو إسرائيل المذكور في القرآن، فبنو إسرائيل هم بنو يعقوب. والابن الثاني لإسحاق هو العيص، ومن ذرية العيص نشأ الروم المعاصرون والذين قبلهم، ويعرفون اليوم بالأوروبيين، فهؤلاء قال عنهم ﷺ : (سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: أما إنه سيدخلها سبعون ألفاً من بني إسحاق بغير سهم ولا سلاح غيره، يقولون: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط جانب منها، ثم يقولون في الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط جانب منها، ثم يقولون: لا إله إلا الله والله أكبر فيفرج لهم ويدخلونها). فهذا إخبار بأن هؤلاء مؤمنون؛ لأنهم قالوا لا إله إلا الله والله أكبر. وكان غالب السابقين من العلماء يرون أن المدينة هي مدينة القسطنطينية، ولكن بعض علماء العصر ذهب إلى أنها القسطنطينية أو البندقية، وهو الشيخ عمر سليمان الأشقر، وهو أردني الجنسية ويعيش في الكويت، وهو أحد علماء أهل السنة الكبار، فقد ذهب إلى المدينتين: القسطنطينية والبندقية المدينة المعروفة في إيطاليا، فقال -حفظه الله-: هي أقرب إلى البندقية منها إلى القسطنطينية. يعني أن وصف النبي ﷺ بأنه جانب منها في البر وجانب منها في البحر ينطبق على البندقية أكثر مما ينطبق على غيرها. والذي يعنينا -سواء وكانت القسطنطينية أم كانت البندقية أم كانت غيرهما- أن خبر النبي ﷺ سيقع، والنبي ﷺ لم يحدد المدينة اسماً، وإنما حددها وصفاً، وفي التأصيل العلمي لا يجوز الجزم بشيء لم يجزم النبي ﷺ به، ولا ننزل الأوصاف كما يحلو لنا. فهذه إرهاصات تكون قبل خروج الدجال؛ لأن في آخر الحديث: (ثم يسمعون بخروج الدجال)، فهذا يدل على أن هذا الأمر يقع قبل خروج الدجال، ثم يخرج الدجال.

стр. 33

ذكر فتن الدجال يقول ﷺ في أحاديث شتى عن الدجال: (يمر بالحي فيصدقونه -أي: يؤمنون به- فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، حتى تروح مواشيهم من يوهم ذلك أسمن، كانت وأعظمه، وأمده خواصر وأدره ضروعاً) قال: (ويمر بالحي فيدعوهم فيردوا عليه قوله، فتتبعه أموالهم فيصبحون ممحلين ليس لهم من أموالهم شيء، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبه كنوزها)، وذلك لأن المدن والقرى في شتى الأرض من قديم الزمان عاش فيها أقوام وجاءت دول وذهبت أمم، وقد يكون فيها أشياء مدفونة في الأرض لا يعلمها أحد، قال: (فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل) وهي إما جماعات النحل وإما ذكورها، ولا ريب في أن الناس إذا رأوا هذا دخل في أنفسهم كثير من الشبهات، فيرون أن هذا يمكن أن يكون إلهاً، ومن ذلك أن الله جل وعلا أعطاه القدرة على الاستعانة بالشياطين، فيأتي إلى الأعرابي في البادية فيقول له: أنا ربك. فيكذبه الأعرابي، فيقول له: أرأيت لو أنني أحييت لك أباك وأحييت لك أمك أكنت تؤمن بي؟ فيقول: نعم، فيتمثل الشيطان الذي يعين الدجال في هيئة أب ذلك الأعرابي، ويتمثل شيطان آخر في هيئة أمه، فيقول الدجال له: هذا أبوك وهذه أمك. فيؤمن به، فتذليل الشياطين له من أسباب فتنة الناس به. وكذلك سرعته في الأرض؛ فإن النبي ﷺ قال لما سُئل عنه: (كالغيث استدبرته الريح)، كناية عن سرعة تجواله في الأرض، حتى يأتي المدينة ولها يومئذ سبعة أبواب، فإذا جاء من الباب الذي هو جهة جبل أحد ضربته الملائكة على وجهه وترده إلى الشام ليهلك، فيخرج من المدينة إلى الشام، وفي الشام يهلك على يد عيسى ابن مريم كما سيأتي في آخر الخبر. ومن فتنته أنه معه نهران -كما في صحيح مسلم من حديث حذيفة - ماء ونار، فالذي معه على أنه نار ترى رأي العين هو ماء أبيض عذب، والذي معه على أنه ماء يُرى رأي العين هو نار تتأجج، أي: ماؤه نار وناره ماء. والنبي عليه الصلاة السلام شفيق بالأمة، والإنسان إذا كان فيه حدبة وشفقة بالناس فإنه لا يذكر أشياء عظيمة جداً يبحث الناس عنها في المعاجم حتى يعرفوا مراده، وإنما يأتي بالأمور ميسرة؛ لأنه يريد إنقاذهم، ولا يريد أن يبين فصاحته وبلاغته، فقال ﷺ : (فإما أدركن أحد) أي: إذا أدرك أحد منكم الماء والنار (فليغمض عينيه) يعني: إذا ابتليت بهذا فاغمض عينيك، والإنسان إذا أغمض عينيه لن يرى النار على أنها نار أبداً، ثم قال ﷺ : (ثم ليطأطئ رأسه فيشرب منه، فإنه ماء بارد). ولهذا الأمر مثال يسير، وهو أنك في بيتك إذا أردت أن تعطي ابنك الدواء لمصلحته فإن الابن إذا رآك تخلط الأدوية فإما أن يشمئز، وإما أن يخاف، وإما أن يفزع، فتقول له وأنت تريد منه أن يشرب اغمض عينيك حتى يسهل عليه الشرب، ولا ما يرى ما يشربه فيمنعه ذلك من الشرب. فالنبي ﷺ يأتي بشيء يعرفه الناس، فقال: (وليغمض عينيه)؛ لأنه لو فتح عينيه سيراه ناراً، فإذا طأطأ رأسه وشرب سيجد أنه ماء عذب وليس بنار كما يرى، بخلاف الأول، وهذا مما أعطاه الله جل وعلا للدجال.

стр. 34

بيان عجز الدجال وكذبه ويُظهر الله جل وعلا كمال قدرته ويظهر النقص في هذا الذي يدعي الإلهية، حيث تتبعه كنوز الأرض الخربة، ويمشي في الناس كالغيث استدبرته الريح، ولا يترك بلداً إلا يطأها إلا مكة والمدينة، ويستعين بالشياطين، ومع هذا كله يعجز عن أن يذهب العور الذي في عينه، فلو كان إلهاً حقاً لسوّى نفسه، ولكنه يعجز عن أن يذهب العور الذي في عينه، ويعجز عن أن يمسح ما على جبينه بين عينيه، فإنه مكتوب على جبينه: (ك ف ر) على حقيقتها كما قال الإمام النووي وغيره، ويراها كل مؤمن فيقرؤها، ويغيب عنها كل كافر ومنافق فلا يستطيع أن يقرأها، فالله يظهر قوته التي أعطاه الله إياها من وجه ويظهر لنا نقصه من وجه آخر. قال ﵊: (ما من فتنة منذ أن خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة أعظم من الدجال)، ولكن يسهل الخلاص منه بالتوحيد، وبالجانب العملي بقراءة فواتح سورة الكهف أو قراءة خواتمها، فكل جاءت الأحاديث، وحسن للمؤمن أن يحفظ سورة الكهف كلها، وحسن -إن عجز- أن يحفظ خمس عشرة آية من أولها وعشر آيات من آخرها لتبقى حصناً في قلبه، وقد لا ندرك الدجال -نعوذ بالله من ذلك كله-، ولكن يبقى الإنسان آخذاً بالأسباب متبعاً للسنة متوكلا على الملك الغلاب.

стр. 35

نزول عيسى ﵇ لقتل الدجال ثم ينزل عيسى ابن مريم ﵊ من السماء واضعاً يديه على أجنحة ملك إذا طأطأ رأسه يظهر لرائيه كأنه يتحدر منه ماء الوضوء، يقول ﵊: (كأنه خارج لتوه من ديماس) والديماس: الحمام، وهو ليس بخارج لتوه من ديماس (فإذا رآه عدو الله -أي: الدجال- ذاب كما يذوب الملح في الماء)، إلا أن عيسى يتبعه بحربة تكون معه فيقتله حتى يطمئن الناس من أن الدجال قد مات؛ لأن مكوثه في الأرض أربعين يوماً أثر في الخلق وفي قناعات في الناس، فإذا قتل ولصق دمه بالحربة تزول كل تلك القناعات، ولو جاء عيسى وقال: إنني قتلته قد لا يقع في قلوب الناس بعض التصديق، وهذه سنة لله ماضية في خلقه، فالله جل وعلا لما أهلك فرعون نجاه ببدنه حتى يرى الناس عياناً أن فرعون الذي كانوا يزعمون من قبل أنه إله ميت هالك، قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٢] فلو أن البحر ابتلعه لقال الناس: مفقود، وقد ذهب وسوف يعود، أو استعان بالملائكة، فتجول حوله الأساطير، ولكن الله جل وعلا أخرجه بجسده ونجاه حتى يكون لمن خلفه آية، وحتى يقتنع الناس بأن فرعون قد مات، ونفس السنة تجري على الدجال، فيرى الناس دمه في حربة عيسى فيطمئنوا بأنه قد قتل.

стр. 36

ذكر ما يقع عند قصد الدجال المدينة المنورة جاء في الأحاديث الصحيحة أنه عندما يقصد المدينة -ولا يدخلها- ترجف، وليس هناك أحاديث صحيحة في أنه يخرج منها سبعون ألف منافق، ولكن قال ﷺ : (فترجف المدينة ثلاث رجفات فيخرج منها كل كافر ومنافق) ولم يحدد عدداً، وقد حاول بعض الناس أن يصف الذين سيخرجون من المدينة، وهذا غير صحيح، فعلى الإنسان ألا يركب طريقاً ليس له، فنحن نقول كما قال ﷺ : (ترجف فيخرج منها كل كافر ومنافق) ونعوذ بالله من الكفر والنفاق والشقاق، ونسأل الله الحياة على التوحيد والموت عليه، وأما غير ذلك فلا نصف أقواماً فنقول: قد يكونون من بني فلان أومن بني فلان، فهذا كله تجرأ وتقدم بين يدي الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه. ونقول: ليحذر المؤمن من أن يظهر للناس ما لا يبطن، وليستعذ من الكفر والنفاق خوفاً من أن يقع في المحذور، فهذا الذي على المؤمن أن يصنعه، والغيب لا يعرف بعقل ولا بتجربة، وإنما يعرف بالخبر الصحيح الصريح عن الله أو عن رسوله ﷺ ، فهذا مجمل ما أفاء الله علينا وبيناه في قضية خبر الدجال، سائلين الله لنا ولكم التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 37

سلسلة أشراط الساعة الكبرى [دخول أهل الجنة الجنة] في يوم القيامة يفصل الله تعالى بين عباده بحكمه وهو أحكم الحاكمين، فيقضي على بعض خلقه بدخول النار، ويكرم آخرين بدخول الجنة، وأول من يستفتحها منهم هو رسولنا ﷺ ، فيفتح له فيدخل المؤمنون إلى كرامة الله بعد تهذيبهم وتصفية قلوبهم من غلها. وأما أهل النار فيصيرون إلى دار الخزي والهوان، يصلون العذاب الأليم ويستغيثون من حرها فيغاثون بماء الحميم كالمهل يغلي في البطون عياذاً بالله تعالى من حالهم.

стр. 38

المسير إلى الجنة دار الكرامة

стр. 39

تصفية المؤمنين قبل دخول الجنة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن أهل الموقف يوم القيامة ينصرفون إلى دارين لا ثالث لهما: إما الجنة، وإما النار. والجنة -أسكننا الله وإياكم إياها- درجة عالية كتبها الله جل وعلا للصالحين والمؤمنين والمتقين من عباده، وجعلها وعداً مسئولاً يسأله عباده إياها، والحديث عنها مشهور مستفيض، ولذلك سنقف وقفات علمية معرفية غير وعظية على ما يغلب على الظن أنه غير معروف، أو -على الأقل- غير مشتهر. إن أهل الطاعات إذا انصرفوا إلى الجنة يحبسون على قنطرة قبل الجنة؛ لأن الله قال: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩]. فدخول الجنة يستلزم قلباً سليماً، فلا بد من أن يسعى الإنسان في سلامة قلبه، ومع ذلك يبقى لبعض الناس مع غيرهم شيء من المظالم في الدنيا قلما يسلم منها أحد من هؤلاء الذين كتب الله لهم الجنة، فقبل أن يدخلوا الجنة يحبسون على قنطرة؛ لأن الله حكم عدل، فيقتص منهم لمظالم كانت بينهم حتى ينقوا ويهذبوا، ثم بعد أن ينقوا ويهذبوا ولا يبقى في الصدور والقلوب شيء يؤذن لهم بدخول الجنة، قال الله جل وعلا: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف:٤٣]. فالله جل وعلا أسند النزع إلى ذاته العلي، وهذا لا يقع في الدنيا، وإنما يقع في الآخرة، ولهذا روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: إني لأرجو الله أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير ممن قال الله فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف:٤٣]، وعثمان ﵁ أشد هذه الأمة حياءً، زوجه النبي ﷺ ابنتيه، وعلي ﵁ زوج فاطمة، وأول من أسلم من الفتيان، وله مشاهد عظام في الدين، وطلحة ﵁ شهد له النبي ﷺ بالجنة، وقال يوم أحد: (أوجب طلحة) أي: ثبتت له الجنة، والزبير رضي الله تعالى عنه هو ابن صفية عمة رسول الله ﷺ ، قال فيه ﵊: (لكل نبي حواريون، وحواريي من أمتي الزبير). ومع ذلك وقع بين هؤلاء الأربعة ما وقع باجتهاد منهم، وهم منارات شامخة، وقامات سامقة، ومجنون من يجعل نفسه حكماً بين هؤلاء العظام، ولكن نقول: هم أصحاب نبينا ﷺ ، توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وهؤلاء الأربعة مشهود لهم بالجنة، فهم من العشرة المبشرين، وإنما يأتي الإنسان ما يأتيه من الضرر عندما يقحم عقله أو نفسه فيما ليس فيه مجال. ومثال ذلك في المعتزلة، وهي فرقة ظهرت قديماً، ومنهم رجل يقال له: عمرو بن عبيد، كان مشهوراً بالصلاح والتقوى والورع، فلو خاصمته في ملايين الملايين لتركها لك، حتى إن أبا جعفر المنصور كان يستدعيه، فقال له: يوماً وهو الخليفة، والناس يتمنون مجالس السلطان لما يكون فيها من العطايا، قال له: اطلب حاجتك. فقال: حاجتي ألا تستدعيني. أي: لا تطلب مني أن أدخل قصرك ولا آتيك: فخرج، فقال أبو جعفر أبياته الشهيرة: كلكم يمشي رويد كلكم يطلب صيد غير عمرو بن عبيد يعني: كل من يأتيني هنا يتلطف في الكلام يريدا العطية، غير عمرو بن عبيد، فإنه لا يريد شيئاً. فهذا الرجل -على ما كان عليه من الورع وكثرة الصلاة والصيام- يقول: لو شهد عندي علي وعثمان وطلحة والزبير لما قبلت شهادة أحدهم ولو في قشرة بصلة؛ لأنهم فساق. فانظر إلى العقل الذي دعاه إلى أن يعبد كيف دعاه إلى أن يقول هذا على هؤلاء؟! يقول: لأنهم اقتتلوا، والحق لابد من أن يكون مع أحدهما، فالآخر الذي ليس معه الحق ظالم لأخيه، فهو فاسق، والفاسق لا تقبل شهادته. فنسي بحار الفضل العظيمة لهؤلاء الأربعة ولغيرهم من الصحابة، وأقحم نفسه حكماً في رجال زكاهم الله جل وعلا في القرآن، وزكاهم رسوله ﷺ ، وكل إنسان يتكلف شيئاً ليس له تظهر عورته، وتبين سوءته، ويظهر للناس جهله، ولكن العاقل يعلم أن ثمة أشياء لم يكلفنا الله بها، ولا نسأل عنها، ولا نطيق لها حملاً، فنسأل الله لنا ولأنفسنا ولغيرنا العافية منها.

стр. 40

استفتاح رسول الله الجنة لأهلها فأهل الجنة يحبسون قبل دخول الجنة، ثم بعد تصفيتهم يتوجهون إليها، وكانوا في الدنيا يسألونها الله الأيام والسنين، وعندما يرونها يكادون يطيرون شوقاً إليها؛ لأنهم ما صاموا ولا صلوا ولا عبدوا إلا من أجل دخولها، فهي الوعد الذي وعدهم الله جل وعلا إياه، ولكنهم يجدونها مغلقة الأبواب الثمانية، فيفزعون إلى أبيهم آدم قائلين: يا أبانا! استفتح لنا الجنة. فيقول ﵇: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم. وفي هذا دليل على أن الجنة التي أدخلها آدم وحواء وأخرجا منها هي جنة عدن التي وعدها الله جل وعلا عباده، وليس كما قال بعض أهل الفضل والعلم من أنها جنة أخرى. فيقول: لست لها، اذهبوا إلى محمد صلوات الله وسلامه عليه. وقد مر معنا أن الناس ينتهي بهم المطاف إلى نبينا ﷺ في المقام المحمود، وينتهي بهم المطاف في دخول الجنة إلى نبينا ﷺ ، وهذا من إكرام الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه، وقد مر معنا أن الله أكرم هذا النبي إكراماً لم يكرمه الله جل وعلا أحداً من خلقه، فإن الله يقول وقد أباح له النساء: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب:٥١]، أي: تقدم من تشاء، وتؤخر من تشاء. فالعدل لم يكن واجباً عليه ﷺ ، فمن اعتزلتها وأبعدتها ثم أردت أن تقربها مرة أخرى فلك ذلك. فيستفتح ﷺ باب الجنة، فيقول له الخازن: من أنت؟ والإنسان إذا أراد أن يطرق داراً؛ فإن من حق صاحب الدار أن يسأل، ولا يعد هذا خذلانا في الضيافة؛ لأن العاقل لا يدخل كل أحد بيته، وفي حديث الإسراء أن جبريل -وهو خير الملائكة- لما عرج مع النبي ﷺ -وهو خير الخلق- في رحلة المعراج فوصل إلى السماء الدنيا طرق الباب، فقال الخازن لجبريل: من أنت؟ فقال: أنا جبريل. فقال: أمعك أحد؟ قال: نعم، معي محمد. فبعد أن عرف أذن لهما بالمرور والعبور؛ لأنه مالك للمكان فلو كان القادم أفضل من أهل الدار فإن للمسئول عن الدار أن يسأل. فحين يستفتح نبينا، فيفتح باب الجنة يدخلها نبينا صلوات الله وسلامه عليه، ثم يدخلها الصالحون.
следующие страницы →