Полный текст (83 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ذكر ما يقع عند قصد الدجال المدينة المنورة
جاء في الأحاديث الصحيحة أنه عندما يقصد المدينة -ولا يدخلها- ترجف، وليس هناك أحاديث صحيحة في أنه يخرج منها سبعون ألف منافق، ولكن قال ﷺ : (فترجف المدينة ثلاث رجفات فيخرج منها كل كافر ومنافق) ولم يحدد عدداً، وقد حاول بعض الناس أن يصف الذين سيخرجون من المدينة، وهذا غير صحيح، فعلى الإنسان ألا يركب طريقاً ليس له، فنحن نقول كما قال ﷺ : (ترجف فيخرج منها كل كافر ومنافق) ونعوذ بالله من الكفر والنفاق والشقاق، ونسأل الله الحياة على التوحيد والموت عليه، وأما غير ذلك فلا نصف أقواماً فنقول: قد يكونون من بني فلان أومن بني فلان، فهذا كله تجرأ وتقدم بين يدي الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه.
ونقول: ليحذر المؤمن من أن يظهر للناس ما لا يبطن، وليستعذ من الكفر والنفاق خوفاً من أن يقع في المحذور، فهذا الذي على المؤمن أن يصنعه، والغيب لا يعرف بعقل ولا بتجربة، وإنما يعرف بالخبر الصحيح الصريح عن الله أو عن رسوله ﷺ ، فهذا مجمل ما أفاء الله علينا وبيناه في قضية خبر الدجال، سائلين الله لنا ولكم التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 37
سلسلة أشراط الساعة الكبرى [دخول أهل الجنة الجنة]
في يوم القيامة يفصل الله تعالى بين عباده بحكمه وهو أحكم الحاكمين، فيقضي على بعض خلقه بدخول النار، ويكرم آخرين بدخول الجنة، وأول من يستفتحها منهم هو رسولنا ﷺ ، فيفتح له فيدخل المؤمنون إلى كرامة الله بعد تهذيبهم وتصفية قلوبهم من غلها.
وأما أهل النار فيصيرون إلى دار الخزي والهوان، يصلون العذاب الأليم ويستغيثون من حرها فيغاثون بماء الحميم كالمهل يغلي في البطون عياذاً بالله تعالى من حالهم.
стр. 38
المسير إلى الجنة دار الكرامة
стр. 39
تصفية المؤمنين قبل دخول الجنة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن أهل الموقف يوم القيامة ينصرفون إلى دارين لا ثالث لهما: إما الجنة، وإما النار.
والجنة -أسكننا الله وإياكم إياها- درجة عالية كتبها الله جل وعلا للصالحين والمؤمنين والمتقين من عباده، وجعلها وعداً مسئولاً يسأله عباده إياها، والحديث عنها مشهور مستفيض، ولذلك سنقف وقفات علمية معرفية غير وعظية على ما يغلب على الظن أنه غير معروف، أو -على الأقل- غير مشتهر.
إن أهل الطاعات إذا انصرفوا إلى الجنة يحبسون على قنطرة قبل الجنة؛ لأن الله قال: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩].
فدخول الجنة يستلزم قلباً سليماً، فلا بد من أن يسعى الإنسان في سلامة قلبه، ومع ذلك يبقى لبعض الناس مع غيرهم شيء من المظالم في الدنيا قلما يسلم منها أحد من هؤلاء الذين كتب الله لهم الجنة، فقبل أن يدخلوا الجنة يحبسون على قنطرة؛ لأن الله حكم عدل، فيقتص منهم لمظالم كانت بينهم حتى ينقوا ويهذبوا، ثم بعد أن ينقوا ويهذبوا ولا يبقى في الصدور والقلوب شيء يؤذن لهم بدخول الجنة، قال الله جل وعلا: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف:٤٣].
فالله جل وعلا أسند النزع إلى ذاته العلي، وهذا لا يقع في الدنيا، وإنما يقع في الآخرة، ولهذا روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: إني لأرجو الله أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير ممن قال الله فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف:٤٣]، وعثمان ﵁ أشد هذه الأمة حياءً، زوجه النبي ﷺ ابنتيه، وعلي ﵁ زوج فاطمة، وأول من أسلم من الفتيان، وله مشاهد عظام في الدين، وطلحة ﵁ شهد له النبي ﷺ بالجنة، وقال يوم أحد: (أوجب طلحة) أي: ثبتت له الجنة، والزبير رضي الله تعالى عنه هو ابن صفية عمة رسول الله ﷺ ، قال فيه ﵊: (لكل نبي حواريون، وحواريي من أمتي الزبير).
ومع ذلك وقع بين هؤلاء الأربعة ما وقع باجتهاد منهم، وهم منارات شامخة، وقامات سامقة، ومجنون من يجعل نفسه حكماً بين هؤلاء العظام، ولكن نقول: هم أصحاب نبينا ﷺ ، توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وهؤلاء الأربعة مشهود لهم بالجنة، فهم من العشرة المبشرين، وإنما يأتي الإنسان ما يأتيه من الضرر عندما يقحم عقله أو نفسه فيما ليس فيه مجال.
ومثال ذلك في المعتزلة، وهي فرقة ظهرت قديماً، ومنهم رجل يقال له: عمرو بن عبيد، كان مشهوراً بالصلاح والتقوى والورع، فلو خاصمته في ملايين الملايين لتركها لك، حتى إن أبا جعفر المنصور كان يستدعيه، فقال له: يوماً وهو الخليفة، والناس يتمنون مجالس السلطان لما يكون فيها من العطايا، قال له: اطلب حاجتك.
فقال: حاجتي ألا تستدعيني.
أي: لا تطلب مني أن أدخل قصرك ولا آتيك: فخرج، فقال أبو جعفر أبياته الشهيرة: كلكم يمشي رويد كلكم يطلب صيد غير عمرو بن عبيد يعني: كل من يأتيني هنا يتلطف في الكلام يريدا العطية، غير عمرو بن عبيد، فإنه لا يريد شيئاً.
فهذا الرجل -على ما كان عليه من الورع وكثرة الصلاة والصيام- يقول: لو شهد عندي علي وعثمان وطلحة والزبير لما قبلت شهادة أحدهم ولو في قشرة بصلة؛ لأنهم فساق.
فانظر إلى العقل الذي دعاه إلى أن يعبد كيف دعاه إلى أن يقول هذا على هؤلاء؟! يقول: لأنهم اقتتلوا، والحق لابد من أن يكون مع أحدهما، فالآخر الذي ليس معه الحق ظالم لأخيه، فهو فاسق، والفاسق لا تقبل شهادته.
فنسي بحار الفضل العظيمة لهؤلاء الأربعة ولغيرهم من الصحابة، وأقحم نفسه حكماً في رجال زكاهم الله جل وعلا في القرآن، وزكاهم رسوله ﷺ ، وكل إنسان يتكلف شيئاً ليس له تظهر عورته، وتبين سوءته، ويظهر للناس جهله، ولكن العاقل يعلم أن ثمة أشياء لم يكلفنا الله بها، ولا نسأل عنها، ولا نطيق لها حملاً، فنسأل الله لنا ولأنفسنا ولغيرنا العافية منها.
стр. 40
استفتاح رسول الله الجنة لأهلها
فأهل الجنة يحبسون قبل دخول الجنة، ثم بعد تصفيتهم يتوجهون إليها، وكانوا في الدنيا يسألونها الله الأيام والسنين، وعندما يرونها يكادون يطيرون شوقاً إليها؛ لأنهم ما صاموا ولا صلوا ولا عبدوا إلا من أجل دخولها، فهي الوعد الذي وعدهم الله جل وعلا إياه، ولكنهم يجدونها مغلقة الأبواب الثمانية، فيفزعون إلى أبيهم آدم قائلين: يا أبانا! استفتح لنا الجنة.
فيقول ﵇: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم.
وفي هذا دليل على أن الجنة التي أدخلها آدم وحواء وأخرجا منها هي جنة عدن التي وعدها الله جل وعلا عباده، وليس كما قال بعض أهل الفضل والعلم من أنها جنة أخرى.
فيقول: لست لها، اذهبوا إلى محمد صلوات الله وسلامه عليه.
وقد مر معنا أن الناس ينتهي بهم المطاف إلى نبينا ﷺ في المقام المحمود، وينتهي بهم المطاف في دخول الجنة إلى نبينا ﷺ ، وهذا من إكرام الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه، وقد مر معنا أن الله أكرم هذا النبي إكراماً لم يكرمه الله جل وعلا أحداً من خلقه، فإن الله يقول وقد أباح له النساء: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب:٥١]، أي: تقدم من تشاء، وتؤخر من تشاء.
فالعدل لم يكن واجباً عليه ﷺ ، فمن اعتزلتها وأبعدتها ثم أردت أن تقربها مرة أخرى فلك ذلك.
فيستفتح ﷺ باب الجنة، فيقول له الخازن: من أنت؟ والإنسان إذا أراد أن يطرق داراً؛ فإن من حق صاحب الدار أن يسأل، ولا يعد هذا خذلانا في الضيافة؛ لأن العاقل لا يدخل كل أحد بيته، وفي حديث الإسراء أن جبريل -وهو خير الملائكة- لما عرج مع النبي ﷺ -وهو خير الخلق- في رحلة المعراج فوصل إلى السماء الدنيا طرق الباب، فقال الخازن لجبريل: من أنت؟ فقال: أنا جبريل.
فقال: أمعك أحد؟ قال: نعم، معي محمد.
فبعد أن عرف أذن لهما بالمرور والعبور؛ لأنه مالك للمكان فلو كان القادم أفضل من أهل الدار فإن للمسئول عن الدار أن يسأل.
فحين يستفتح نبينا، فيفتح باب الجنة يدخلها نبينا صلوات الله وسلامه عليه، ثم يدخلها الصالحون.
стр. 41
أول هذه الأمة دخولاً الجنة
والذي ندين الله به أن أول هذه الأمة دخولاً هو أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ويقول بعض العلماء: إن أبا سلمة ﵁ وأرضاه أول المهاجرين هو أول من يدخل هذه الجنة من هذه الأمة، ولكن الذي يظهر -والعلم عند الله- أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه هو أول من يدخل الجنة من هذه الأمة.
وحين يدخل أهل الجنة الجنة، يكرمون بزيادة كبد النون، وهذه تحفة تقدم لهم قبل أن ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها كما ورد في الحديث.
стр. 42
دخول الجن دار الكرامة
هنا مسألة، وهي: هل الجن يدخلون الجنة أم لا يدخلونها؟ إن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣١].
فالآية صريحة في أن هؤلاء الجن آمنوا بالنبي ﷺ ، ودعوا قومهم إلى الإيمان فقالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣١] وهذا عند النحويين يسمى جواب الأمر، فقوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا﴾ [الأحقاف:٣١] أمر، وقوله: ﴿أَجِيبُوا﴾ [الأحقاف:٣١] أمر، وجوابه: (يغفر لكم) ولذلك جاءت مجزومة، وعطف عليها: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣١].
قال فريق من العلماء: إن الجن يكافئون على إيمانهم بأن الله لا يعذبهم بالنار، ولكنهم لا يدخلون الجنة، ومن أدلتهم هذه الآية، فقالوا: إن الله ذكر إيمانهم، والآية في سياق الفضل والامتنان عليهم، فلو كان هناك جزاء على إيمانهم أعظم من الإجارة من العذاب الأليم لذكره الله جل وعلا هنا، فلما لم يذكر الله أنه يدخلهم الجنة دل على أنه يكفيهم من الثواب أن يجاروا من العذاب الأليم.
واحتجوا بدليل عقلي، فقالوا: إن الجن من ذرية إبليس وذرية إبليس، لا يمكن لها أن تدخل الجنة.
ويروى عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه قال: إنهم يكونون حول الجنة في أرجائها وأطرافها، ولا يدخلون بحبوحتها.
وقال آخرون: يدخلون الجنة، ولكنهم لا يرون بني آدم، ويراهم بنو آدم، على عكس ما كانت عليه الحالة في الدنيا.
وقال آخرون: إنهم يدخلون الجنة، ولكنهم لا يطعمون ولا يشربون؛ لأنهم قريبو الخلق من الملائكة، فيعاملون معاملة الملائكة في أنهم لا يتلذذون بطعام الجنة ولا شرابها.
وهذه أقوال ليس عليها دليل، ولكن منهجي العلمي أن أذكر كل شيء، ثم أبين ما نعتقد أنه صحيح، وقد ساقها جميعاً الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره، ورآها مرجوحة جداً، وقال الرأي الذي يراه، ونحن مقتنعون تماماً بما دونه الحافظ ابن كثير، وقد حرر ذلك تحريراً علمياً يدل على علو كعبه رحمه الله تعالى في العلم، وهو بلا شك كذلك.
قال الحافظ يرد عليهم: إن الله قال في سورة الرحمن: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٤٦ - ٤٧].
فقال: إن الآية مخاطب بها الثقلان: الجن والإنس، والآية في سياق الامتنان، فما كان الله ليمتن على الجن بجزاء لا يحصل لهم، يعني: إذا كان الله يقول لهم وللإنس: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] ويعدهم بالجنتين، وكان هذا الجزاء لا يحصل لمؤمنهم؛ فلا عبرة ولا داعي لأن يمن الله عليهم بشيء لا يقع لهم، وهذا دليل من القوة بمكان.
ثم قال رحمه الله تعالى: إن الله جل وعلا إذا كان يعاقب كافرهم على أن يدخل النار وهو مقام عدل؛ فلأن يعاقب ويكافئ مؤمنهم بدخول الجنة -وهو مقام فضل- من باب أولى.
ثم قال رحمه الله تعالى: يشملهم قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف:١٠٧]، فهم يدخلون في عموم هذه الآية؛ لأنهم مؤمنون، وعملوا الصالحات.
ثم قال رحمه الله تعالى: إنه إذا ثبت أن الله جل وعلا ينشئ للجنة خلقاً -لم يكلفوا في الدنيا لأن الذين كتب الله لهم الجنة لا يملئونها-، فمن باب أولى أن يدخلها من كلف وآمن وعمل صالحاً، وهم الجن.
هذه أجوبته، وهذا الذي عليه أكثر العلماء.
стр. 43
المشهود لهم بالجنة
ومما يتصل بالحديث عن الجنة شهادة النبي ﷺ لبعض أصحابه عيناً بدخول الجنة، والعاقل إذا سمع أو بلغه خبر نبوي فإنه يتأمله حتى يستفيد منه عملياً، وإلا كان هذا العلم حجة عليه.
يقول ﷺ : (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة) وعد العشرة، والعشرة إنما سموا بالعشرة المبشرين؛ لأنهم سيقوا في حديث واحد، وقد شهد النبي ﷺ لغيرهم بالجنة، فشهد بالجنة لـ بلال ﵁ وأرضاه وقال: (ما دخلت الجنة قط) أي: في الرؤيا (إلا ووجدت دف نعليك أمامي- أو قال: سمعت خشخشتك في الجنة) ثم قال: (يا بلال! أخبرني بأرجى عمل عملته في الإسلام.
فقال: إنني ما توضأت وضوءاً في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت ما كتب الله لي أن أصلي).
فظاهر الأمر أن هذا كان سبباً؛ لأن النبي ﷺ أقره على ذلك، ولم يقل له: لا أظنه، فهذا سبب عظيم من أسباب دخول الجنة.
وكان حارثة بن نعمان ﵁ باراً بأمه، فشهد له النبي ﷺ بالجنة، وقدم جعفر بن أبي طالب ﵁ أنموذجاً عظيماًَ في الجهاد في سبيل الله، فشهد له النبي ﷺ بالجنة، وسعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه قال عنه ﵊: (لمناديل سعد في الجنة أعظم من هذا) يشير إلى حرير أهدي له صلوات الله وسلامه عليه، وكان سعد ﵁ وأرضاه قد بذل جاهه وقلبه ونفسه في سبيل نصرة دين الله ﵎.
فتحرر من هذا أن الوضوء وبر الوالدة من أعظم أسباب دخول الجنة التي شهد بها النبي ﷺ لهؤلاء أعياناً.
أما عامة الصحابة فمشهود لهم من حيث العموم، لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨].
وقال ﷺ : (لن يلج النار أحد بايع تحت الشجرة) فمن لن يلج النار سيكون في الجنة، ولكن لا يشهد بالتعيين إلا لمن شهد له النبي ﷺ .
стр. 44
آخر أهل الجنة دخولاً إليها
وقد أخبر النبي ﷺ عن آخر أهل النار خروجاً منها، وآخر أهل الجنة دخولاً إليها، وهو رجل يخرج من النار وقد فتسفعه النار، فيحبو مرة ويكبو مرة، فيقول: يا رب! أخرجني منها، فيخرجه الله منها، فتلوح له شجرة فيسأل الله أن يستظل بظلها ويدنو منها، فيأخذ الله عليه عهوداً ومواثيق على ألا يسأله غيرها، وهو يعلم أنه سيسأله، فيدنوا من الجنة، فترفع له شجره أخرى، فيقول: يا رب! أدنني منها أستظل بظلها وأشرب من مائها.
فيأخذ الله عليه عهوداً ومواثيق على ألا يسأله غيرها، فيأتيها فترفع له شجرة أخرى أعظم من الأولين، فيأخذ الله عليه عهوداً ومواثيق على ألا يسأله غيرها، فإذا دنا من الثالثة سمع أصوات أهل الجنة فيسألها الله جل وعلا، فيقول الله جل وعلا له: يا ابن آدم! ما يصريني منك؟ أي: ما يقطع سؤلك.
ثم يأمره الله جل وعلا بأن يدخلها وله كمثل ملك أعظم ملك من ملوك الدنيا وعشرة أمثاله، فيقول الرجل: أتسخر بي وأنت رب العالمين؟! فضحك ﷺ لما حدث، فقالوا: يا رسول الله! مم تضحك؟! قال: أضحك من ضحك رب العالمين إذ قال له عبده: أتسخر بي وأنت رب العالمين؟! فيقول الله له: لا أسخر بك، ولكني على ما أشاء قادر.
أو من قوله: (ولكني على ما أشاء قادر) نأخذ درساً مهماً، وهو أنه يجب أن تعلم وأنت ترفع يديك وتسأل الله أن الله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فلنا ذنوب لا يقدر على غفرانها إلا الله، ولنا عيوب لا يمكن أن يسترها إلا الله، ولنا ديون لا يمكن أن يقضيها إلا الله، ولنا آمال لا يمكن أن يحققها إلا الله، ولنا مخاوف لا يمكن أن يؤمننا منها إلا الله، فإذا استقر في القلب أن الله جل وعلا على كل شيء قدير، واستفتح العبد دعاءه وهو يدعو ربه بالثناء على الله ومدحه جل وعلا بما هو أهله، ثم بالصلاة على نبيه ﷺ ، فإنه حري بعد ذلك بما وقع في القلب وبما نطق به اللسان أن يستجاب له.
واعلم أن الله أرحم بك من نفسك، فإن لم تعط العطية في حينها، فإما أن تؤخر وإما أن يكافئك الله جل وعلا بأعظم مما سألت، وخيرة الله لعبده خير من خيرة العبد لنفسه.
стр. 45
مسير المجرمين إلى النار
стр. 46
أنواع النيران
إن النار -أعاذنا الله وإياكم منها- هي الخزي الأعظم والخسران الأكبر الذي أنبأ الله جل وعلا عنه في كتابه، ولا خسران أكبر منها ولا ندامة بعدها، ويقال: إن النيران ثلاث: نار تحرق ولها نور ولها ضوء، وهذه نار الدنيا، فإننا نرى نار الدنيا تؤذي من يقترب منها وتحرقه بقدر الله، وفي نفس الوقت لها منافع، ومنها كونها تضيء، قال الله جل وعلا: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة:٧١ - ٧٣].
ونار تحرق ولكن ليس لها نور ولا ضوء ولا منافع، وهي نار جهنم أعاذنا الله وإياكم منها، فلا يمكن أن ينتفع بنار جهنم أحد؛ لأن الله جل وعلا خلقها عذاباً ولم يخلقها للانتفاع، فهي تحرق مثل نار الدنيا، مع الفارق في الحرق، إلا أنه لا نفع من ورائها كما يمكن أن ينتفع من نار الدنيا.
ونار ثالثة لا تحرق ولها نور ولها ضوء، وهي النار التي رآها موسى ﵊ عندما اقترب من الشجرة عند جبل الطور قبل أن يكلمه ربه ﵎، فهذه نار لها نور ولها ضوء، ولكنها لا تحرق، ولذلك لم تتغير الشجرة التي رآها موسى ﵊، وإنما رآها تزداد خضرة.
стр. 47
خزنة النار
لقد جعل الله جل وعلا للنار خزنة، والرب ﵎ أوكل بعض الأمور إلى بعض ملائكته، وهو جل وعلا غني عن هؤلاء الملائكة، ولكن هذه الأمور العظام يدبرها ﵎ كيف يشاء، فجعل الله جل وعلا للنار خزنة، وجعل عليهم قيماً يقال له: مالك، كما أن قيم الجنة يقال له: رضوان، إلا أن الفرق بينهما أن مالكاً نص الله عليه في كتابه في سورة الزخرف فقال: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧].
وأما رضوان فلم يرد ذكره في القرآن، ولكن جاء في الآثار، يقول شوقي: كما تلقاك دون الخلد رضوان ومالك أحد خمسة من الملائكة نص الله عليهم بأسمائهم في كتابه، فالملائكة جم غفير ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]، ولكن المذكورين نصاً بأسمائهم الصريحة في القرآن خمسة: جبريل، وميكال، وهاروت، وماروت، وكلهم ذكروا في البقرة، ومالك ﵇ ذكر في الزخرف، وكرر ذكر جبريل ﵇ في التحريم.
فخزنة النار مسئولون عنها، كما أن خازن الجنة رضوان، ويروى عن علي ﵁ أنه أسلمت على يديه قبيلة يقال لها: همدان، وهي قبيلة يمنية شهيرة، وكانوا شيباً وشباناً معه، فقال يمدحهم: فلو كنت بواباً على باب جنة لقلت لهمدان ادخلوا بسلام فالشاهد هو استقبال خزنة الجنة لأهل الجنة، وكذلك النار جعل الله لها خزنة، واستقبالهم غير استقبال خزنة الجنة لأهل الجنة، فأولئك يقولون: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣] وأما هؤلاء فلا يزالون يسألون أهل النار ويوبخونهم على ما آل بهم إلى هذا الأمر، قال الله: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] قال العلماء: يمكث ألف عام لا يجيبهم، ثم بعد ألف عام -عياذا بالله- يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧].
ولذلك دعا النبي ﷺ أمته إلى أن تحذر النار بكل وسيلة، حتى عبر عن ذلك بقوله: (اتقوا النار ولو بشق تمرة).
стр. 48
ذكر بعض أعظم أسباب دخول النار
ولما كسفت الشمس في عهده خرج ﷺ فزعاً حتى إنه أخطأ في إزاره وردائه، ثم صلى بالناس في محرابه المعروف، والمحاريب التي في الحرم اليوم ثلاثة: الأول: المحراب الذي يصلي فيه الأئمة الآن، وهذا المحراب كان موضع صلاة أمير المؤمنين عثمان ﵁ وأرضاه.
وأما الصديق والفاروق والنبي ﷺ فما كانوا يصلون فيه؛ لأن التوسعة الجنوبية حدثت في عهد عثمان.
والثاني: المحراب الذي في الروضة الآن، فهذا مكان صلاة نبينا ﷺ ، وصلاة الصديق والفاروق من بعده إلى زمن عثمان.
وأما المحراب الذي هو خارج الروضة جهة الغرب فهوا محراب بناه سليمان القانوني أحد سلاطين آل عثمان، حيث كان المذهب الحنفي هو السائد في دولة آل عثمان، وكان الشافعية أكثر الناس حظاً في المسجد النبوي آنذاك، وكانوا يصلون في محراب النبي ﷺ ، فأراد أن يساوي أهل مذهبه بالشافعية، فبنى محراباً موازياً لمحراب النبي ﷺ ، ولكن لم يجعله في الروضة، وهو المحراب الموجود الآن في غربي الروضة المشرفة.
فالنبي ﷺ لما كسفت الشمس ازدلف إلى محرابه وصلى إماماً، وفي أثناء صلاته تأخر إلى الوراء قليلاً، ثم حدث الناس بعد الفراغ من الصلاة، وأخبرهم بأمور عدة، فأخبرهم بأن كل شيء توعدون به قد رآه في صلاته، حتى النار رآها أمامه، ولأجل ذلك تأخر خوفاً من أن يصيبه لفحها، وأخبرهم بأنه وجد فيها أصحاب المعاصي كلهم، حتى صاحب المحجن رآه يجر قصبه في النار.
حتى وصاحب المحجن معهود ذهني، وهو رجل مشهور في الجاهلية اسمه عمرو بن مالك، كان عنده عصا طويلة معكوفة في أعلاها، فكان يتربص بالحجاج المارين في الطريق، فإذا مر رجل معه متاع علق محجنه في المتاع ثم أخذه، فإن فطن الرجل وتنبه اعتذر له بأن المتاع تعلق بالمحجن من غير قصد، فيعطيه المتاع ويمشي، وإن كان لم يفطن ولم يتنبه له أخذ المتاع، ومكث دهره كله لا يعرف حتى فضح واشتهر.
فنأخذ من هذا أن من أعظم أسباب دخول النار بعد الكفر ظلم العباد، وأخذ حقوقهم -عياذا من ذلك- في الأمر الحقير، أو في الأمر الكبير، ولهذا قال النبي ﷺ : (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين)، وقال في الظلم: (ولو عوداً من آراك) لأن حقوق الناس لا يجوز شرعاً لأحد أن يأخذها وينالها بأي طريقة، علموا ذلك أو لم يعلموا، ويؤيد هذا أنه ﷺ قال: (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها).
فقوله: (قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس) قال الإمام القرطبي ﵀: وهذه السياط موجودة عندنا في المغرب إلى الآن.
وهذا في زمنه، قال صديق حسن خان في (يقظة أولي الاعتبار): جاء بل هذه السياط وهؤلاء الناس موجودون في كل زمان ومكان، وهي عند أهل الثراء والجاه والسلاطين أكثر من غيرهم.
فظلم العباد -أياً كان- من أعظم أسباب دخول النار.
ثم قال ﷺ : (ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات) وقال في نفس الحديث الذي رأى فيه النار: (يا معشر النساء! تصدقن وأكثرن الاستغفار؛ فإني رأيتكن أكثر أهل النار) فلما سألن عن ذلك قال ﷺ : (تكثرن اللعن، وتكفرن العشير) فقوله: (تكثرن اللعن): أي: يجري على ألسنتكن اللعن (وتكفرن العشير) العشير الزوج، أي: ربما أسدى لك المعروف تلو المعروف تلو المعروف، ثم يأتي منك إنكار لذلك المعروف الذي أسدى إليك الزوج، وهذه صفة غالبة في النساء.
فالإضرار بالناس من حيث الجملة من أعظم أسباب دخول النار على أن السبب الأعظم في دخول النار، والخلود فيها هو الكفر، فليس بعد الكفر ذنب، والكفر والشرك بالرب ﵎ أعظم أسباب دخول النار، بل هو السبب الأعظم، على أن الكفر والشرك -عياذا بالله- ليس سبباً في دخول النار فحسب، بل إنه سبب مقتض للخلود فيها، فالكفار والمشركون لا يمكن أن يخرجوا من النار البتة، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ * قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ * ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٠ - ١٢].
فأهل الكفر وأهل الشرك خالدون مخلدون في النار أبداً، أما من مات على التوحيد ولم يأت بذنب يخرجه من الملة، فإنه مهما طال بقاؤه في النار سيخرج منها لا محالة، فهذا الذي اقتضته حكمة الله ﵎.
стр. 49
الكلام في النصوص الواردة في خلود بعض أصحاب المعاصي في النار صنفان
هناك أقوام جاء في ظاهر القرآن أو ظاهر الحديث أنهم مخلدون، ومن أشهرهم: الأول: من قتل نفساً عمداً، فإن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣].
مر وإن أول ما يحاسب عليه الخلق من حقوق الله هو الصلاة، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء، وأي مقتول يقتل عمداً ينجم عن قتله ثلاثة حقوق: حق لله، وحق للمقتول، وحق لأولياء الدم.
فأولياء الدم يخيرون ين القصاص والدية، والعفو، ولهم أن يختاروا إحداها.
وحق الله سنؤجل الحديث عنه؛ لأنه يتعلق بالحديث.
وحق المقتول ولا يمكن أن يسقط ولو عفا أولياؤه، وفي يوم القيامة؟ يطالب بحقه؛ لأن الميت لا يستفيد شيئاً من عفو الناس، فعلى ذلك له حق يطالب به يوم القيامة.
وأما حق الله فظاهر الآية أنه مخلد في النار، حيث يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]، ولكن جمهور العلماء يقولون: إن الآية تجري مجرى الوعيد، وإنه إذا مات على التوحيد، ولم يأت بناقض؛ فإن خلوده خلود مؤقت، وإنما ساقه الله بهذا الطريقة للزجر ولبيان حرمة الدماء، وإلا فإن شاء جل وعلا عفا عنه، وإن شاء عذبه، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
الصنف الثاني: قاتل نفسه، فإن النبي ﷺ أخبر: (بأن من طعن نفسه فهو خالد في النار مخلد فيها أبداً، ومن احتسى سماً فهو خالد في النار مخلد فيها أبداً)، وفي الحديث الآخر: (عبد بادرني بنفسه حرمت عليه الجنة).
ولكن هذه الأحاديث تحمل على أنها أحاديث وعيد يراد بصياغتها زجر الناس عن هذا العمل، ولا تحمل على أن صاحبها يخلد خالداً في النار؛ لأن القرآن والسنة كلاهما لا يمكن أن يكون بينهما تعارض، وقبل أن يحكم الإنسان على حديث ويفقه معناه يجب أن يجمع قرائنه وأمثاله في نفس الباب، وقد صح عنه ﷺ -كما عند مسلم في الصحيح-: أن رجلين من الصحابة كانا في سفر، فأجاب أحدهما مرض، فلم يصبر فقطع عروق يده، فنزف حتى مات، ثم إن صاحبه قبل أن يقدم إلى المدينة رآه في المنام وهو في هيئة حسنه إلا يديه، فقد رآهما مغلولتين، فقال له: يا ابن عم: ما فعل الله بك؟ قال: إن الله قد غفر لي كل شيء قال: فما بال يديك، قال: إن الله قد قال لي: إنا لن نصلح منك ما أفسدته من نفسك؛ لأنه قتل نفسه بقطع عروقه.
فأخبر هذا الصاحب النبي ﷺ بخبر القتل، وبخبر الرؤيا، فقال ﷺ : (اللهم وليديه فاغفر، اللهم وليديه فاغفر، اللهم وليديه فاغفر).
قال العلماء: إن هذا يدل على أنه لا يخلد في النار؛ لأن النبي ﷺ لا يمكن أن يدعوا بالمغفرة لرجل كتب الله له الخلود في النار.
стр. 50
استغاثة أهل النار
إن أعظم ما يتمناه أهل النار -عياذاً بالله-: شربة الماء، قال الله جل وعلا بعد أن ذكر في الأعراف نداءات عدة: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠].
ومن هنا أخذ العلماء أن الصدقة إذا أطلقت فإنها أفضل ما تكون في الماء، وثمة أحاديث تؤيد هذا المعنى، فأعظم ما يطلبه أهل النار، وأول ما يطلبونه من أهل الجنة كما نصت الآية هو الماء، فيجيبهم أهل الجنة: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا﴾ [الأعراف:٥٠] أي: الماء أو الطعام ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف:٥٠ - ٥١] إلى آخر الآية.
ثم إنهم يستغيثون في النار نفسها، قال الله تعالى الكهف: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا﴾ [الكهف:٢٩] واقعة في جواب الشرط ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩].
فهنا يغاثون بماء كالمهل، أي: في منتهى الحر كالزيت، فيقرب منهم ليشربوه، فقبل أن يرفعوه بأيديهم إلى أفواههم تسقط فروة جلودهم من حر هذا الحميم، فكيف إذا شربوه أعاذنا الله وإياكم من هذا.
стр. 51
تكريم الله لمواضع السجود في ابن آدم
وأهل المعاصي في الدنيا من المؤمنين يعذبون إن كتب الله جل وعلا لهم النار، فيعذبون فيها ما شاء الله لهم أن يعذبوا، وقد حرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أعضاء السجود؛ لكرامة هذا الفعل عند الله جل وعلا، فمن عذب كأكلة الربا، وأكلة أموال اليتامى ظلماً، والمصورين، وغيرهم ممن ورد في حقهم العذاب والوعيد؛ فإن النار تحرق منهم كل شيء إلا مواضع السجود.
стр. 52
دوام الجنة والنار
والنار والجنة مخلوقتان موجودتان الآن ولا تبيدان ولا تفنيان، وأهلهما لا يرتحلون عنهما، ولا يبيدون، فأما أهل الجنة فقد قال النبي ﷺ : (لا يفنى شبابهم، ولا تبلى ثيابهم).
وقال الله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨].
وكذلك أهل النار يخلدون فيها، قال الله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧].
وأياً كان خلاف العلماء في الاستثناء هنا إلا أن أحداً لم يقل إن أهل الجنة يخرجون منها، أو: إن أهل النار يخرجون منها، وإنما اختلفوا في الاستثناء على معان عديدة، والله جل وعلا قال: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر:٣٦] وأخبر بأنهم لا يخرجون منها وأنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧].
стр. 53
شفاعة رسول الله في عمه أبي طالب
لقد أدرك الإسلام أربعة أعمام للنبي ﷺ ، فآمن منهم اثنان وكفر اثنان، فاللذان آمنا هما حمزة والعباس، واللذان كفرا أبو لهب وأبو طالب، فـ أبو لهب كان عدوا وأمره مقضي.
وأما أبو طالب فناصر النبي ﷺ ، حتى ذكروا من شفقته أنه لما كانت قريش قد حاصرت النبي ﷺ في شعب بني هاشم كان يأتي في الليل فيحمل النبي ﷺ وهو نائم ويجعله ينام في مكان، ثم يأتي بأحد أبنائه ويجعله ينام في مكان النبي ﷺ ، حتى إذا بيت قرشي لم يستطع قتل النبي ﷺ ؛ لأنه في تلك الأيام كان لا يوجد ضوء، فيعرف في أول الليل أين بات النبي ﷺ فإذا أراد أن يقتله ليلاً قتل ابنه، ولا يقتل النبي ﷺ ، وقد قال الله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] ومحبة الكافر غير جائزة، فليست المحبة في قوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] بمعنى: توده، ولكن المفعول به محذوف، أي: إنك لا تهدي من أحببت هدايته، أي: إنك لست قادراً على أن تهدي من تحب له الهداية، ومن تحب له الخير ومن تحب له أن يتبع صراطك المستقيم.
وقريش قد صنعت كل شيء لآلهتها إلا السجود، فلم تضع جباهها لها لما فيها من أنفة، وكان أبو طالب يقول لرسول الله ﷺ : كلما في دينك حسن إلا أنني أضع جبهتي وأرفع عجيزتي، وكان يقول: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لو جدتني سمحا بذاك يقينا في قصيدة طويلة يثبت فيها أنه مقتنع بكلام النبي ﷺ ، ولكن كانت قريش تأتيه من جانب الأنفة فيقولون: أترغب عن دين آباءك أترغب عن دين عبد المطلب؟! حتى مات وهو يقول: هو على دين عبد المطلب.
فهذا تنفعه شفاعة النبي ﷺ مع أن الشفاعة لأهل النار من الكفار منتفية؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨].
لكن استثني أبو طالب استثناء جزئياً، وهو يكون أهون أهل النار عذاباً بشفاعة النبي ﷺ له.
وليعلم أن النار مخلوقة خلقها الرب ﵎، فالسبيل الأعظم للنجاة منها أن نسأل من خلقها أن يجيرنا منها.
وقانا الله وإياكم لفح جهنم، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 54
سلسلة أشراط الساعة الكبرى - نزول عيسى ابن مريم وبداية التغير وخروج يأجوج ومأجوج
إن بين يدي الساعة أشراطاً لها إذا وقعت آذنت بزوال الدنيا واقتراب الآخرة، وحصول واحدة منها يستتبع باقيها كعقد انفرط، ومن جملة تلك الأشراط نزول عيسى ﵇، وخروج يأجوج ومأجوج للإفساد في الأرض، وخروج دابة من الأرض تكلم الخلق أن الناس كانوا بآيات الله لا يؤمنون، وهدم الكعبة، وطلوع الشمس من مغربها، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها، لم تكن آمنت من قبل.
стр. 55
علامات الساعة الكبرى
стр. 56
ذكر قول من زعم أن المهدي هو ابن الحنفية
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه وبعد: فسنستأنف ما كنا قد بدأناه حول الحديث عن أشراط الساعة الكبرى، فنقول والله المستعان: كنا قد بينا مسألة المهدي ومسألة خروج الدجال، وبقي أن نعقب عليهما بكلام يسير قبل الكلام عن عيسى بن مريم ﵇.
وقد ذكرنا مذهب أهل السنة في المهدي ومذهب الشيعة الإمامية، ولكن ينبغي أن يعلم أنه ليست الآراء في المهدي محصورة في هذين الرأيين، فهناك آراء أخرى لكنها غير شائعة وغير ذائعة، ولذلك أعرضنا عنها، منها قول فرقة في الشيعة تسمى: (الكيسانية) بأن المهدي المنتظر هو ثالث أبناء علي، وهو محمد بن الحنفية نسبة إلى أمه، وكانت من بني حنيفة، وهؤلاء كانوا موجودين أيام بني أمية، ولكن لا أظن أن أحداً يعتقد هذا الرأي اليوم، وإن وجد فليس ذا بال، ومن هؤلاء آنذاك كثير عزة الشاعر المعروف الذي يقول: ألا إن الأئمة من قريش حماة الدين أربعة سواء علي والثلاثة من بنيه هم الأسباط ليس بهم خفاء فسبط سبط إيمان وبر وسبط غيبته كربلاء وسبط لا يذوق الموت حتى يقود الخيل يقدمها اللواء تغيب لا يرى فيهم زماناً برضوى عنده عسل وماء ورضوى: الجبل المعروف قبل ينبع جهة ديار جهينة، فهذا الجبل الذي يزعم الكيسانيون أنه فيه المهدي الذي ينتظرون خروجه.
стр. 57
ذكر من يقف في وجه الدجال
وكنا قد بينا في قضية الدجال أنه يقتل على يد عيسى ابن مريم، ولكن لا يعني ذلك أن الدجال لا يقاوم؛ فإنه يخرج له شاب فيزداد الشاب بـ الدجال كفراً رغم ما يريه الدجال من الآيات، ثم إن الدجال في خاتمة المطاف يقتله، قال ﷺ : (ذاك أعظم الناس شهادة عند رب العالمين).
وممن يحارب ويقاوم الدجال بنو تميم القبيلة المعروفة، وما تزال أسرهم موجودة في نجد وما حولها، والنبي ﷺ لما ذكرهم قال: (هم أشد أمتي على الدجال، هم أشد أمتي على الدجال)، وهذا موضع ثناء منه صلوات الله وسلامه عليه على أهل تلك القبيلة.
إلى هنا انتهينا، وانتهينا في الدرس الماضي إلى نزول رسول الله عيسى بن مريم واضعاً يديه على أجنحة ملك، وقلنا: إنه يقتل الدجال بحربة تكون في يده.
стр. 58
اختلاف النصارى في عيسى ﵇
وعيسى بن مريم ﵊ نبي رسول لا يختلف في هذا اثنان من المؤمنين، والله جل وعلا جعل هذا النبي الكريم آية، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون:٥٠]، وقال جبريل ﵇ كما حكى الله جل وعلا في القرآن: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٢١].
ولهذا ما اختلف الناس في أحد كما اختلفوا في عيسى بن مريم من السابقين، وفي هذه الأمة اختلف الناس كثيراً في علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فالنواصب يعادونه، والشيعة يتولونه زيادة على حقه، وأهل السنة ينصفونه، وهذا هو الحق، فمثله مثل عيسى بن مريم، فاليهود يريدون قتله، والنصارى يتولونه حتى جعلوه إلها، والمسلمون قالوا فيه الحق، وهو أنه نبي الله وكلمة منه ألقاها إلى مريم وروح منه.
وقد أعطى الله عيسى ﵊ معجزات، فكان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، كما حكاه الله في آل عمران، وحكاه الله جل وعلا في المائدة.
وقد أرادت اليهود قتله، ثم إن الله جل وعلا رفعه كما هو منصوص في القرآن، وألقي الشبه على غيره.
فاليهود ظنت أن من قتلته عيسى، ثم صلبوه، والنصارى آمنوا بأنه قتل وبأنه صلب فداء للبشرية، ويقولون: إن الله حكم عدل لا يترك خطيئة من غير عقوبة، وإن آدم ﵇ أخطأ بأكله من الشجرة وأهبط إلى الأرض، وإنه لا بد من أن يدفع أحد ثمن خطيئة آدم، فقالوا زوراً وبهتاناً وكفراً وتطاولاً على الله: إن الله جل وعلا أراد أن يخلص بني آدم من خطيئة أبيهم فبعث ابنه -تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً- فألقى عليه ما يسمى بالناسوت، أي: ما يقارب الإنس حتى يقتل ويصلب، فيكون في قتله وصلبه كفارة لخطايا بني آدم، فمن آمن بعيسى كفرت عنه خطاياه، ويسمى ذلك عندهم في دينهم المحرف بالتعميد.
أما النصارى الأولون الذين أثنى عليهم الله في القرآن الذين هم أتباع عيسى الحقيقيون فلا ريب في أنهم كانوا على الدين الحق؛ لأن النصرانية المحرفة هي التي عليها أتباعها اليوم، أما النصرانية الحقة فهي التي كانت في زمن عيسى بن مريم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة:١١١]، فهؤلاء حواريون أتباع عيسى الذين كانوا معه ﵊.
فأما رفع عيسى ﵇ اضطهدت اليهودية النصرانية مرحلة من الزمن، ثم بعد تقريباً قرابة ثلاثة قرون جيء إلى المكان الذي صلب فيه عيسى على حسب زعمهم، وإلا فعيسى رفع، فجاء رجل فوجد خشبة فتمسح بها، وكأنه كان به مرض فبرئ، فدل الناس على المكان، وفي وقتها كانت النصارى لهم سلطان، فجاء الإمبراطور أو الملك أو السلطان آنذاك فبنى كنيسة على ذلك المكان، وهي إلى اليوم موجودة في أرض فلسطين تسمى: كنيسة القيامة؛ لأنهم يزعمون أن عيسى ﵇ منها سيقوم مرة أخرى على أنه مخلص، وتسمى كنيسة القمامة؛ لأن اليهود كانوا يرمون القمائم عندها إهانة لعيسى ﵇.
وهذه الكنيسة موجودة إلى اليوم في أرض فلسطين، وهي معظمة عندهم وفيها تصاوير وغيرها، وفي هذا المكان يزعم النصارى أن عيسى سيعود مرة أخرى، والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨]، وقال: ﴿وَإِنَّهُ﴾ [الزخرف:٦١] أي: عيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف:٦١]، أي: علامة من علامات وأمارات الساعة.
стр. 59
يهدي الله لنوره من يشاء
وكان النبي ﵊ تأتيه النصارى أيام مكثه ﷺ في المدينة، فتأتيه وفود نصارى وغير نصارى، فهؤلاء الذين يأتونه أخلاطا، كان منهم من يؤمن بالنبي ﷺ إذا لقيه فينتفع، وربما انتفع قومه من وراءه، ومنهم -والعياذ بالله- من لا يقبل، ومنهم من لا يقبل الإسلام، ولكن يقبل الجزية مع السلم، مثل نصارى نجران، وهذه سنة الله جل وعلا في خلقه، فالناس يردون على مورد واحد ويختلفون في انتفاعهم بالشيء الواحد.
كما أن الكلمة أو الموعظة أو المحاضرة أو الكتاب يقرؤه جم غفير، ولكن استفادة الناس مما يقرءونه تختلف، فهناك قرية موجودة إلى الآن اسمها: (جواثا) في الأحساء مررت عليها ولكني لم أزرها، هذه جاء منها وفد إلى النبي ﷺ فأسلموا وقبلوا الإسلام وأذن لهم النبي ﵊ في أن يصلوا جمعة، فلما عادوا إلى ديارهم نزلوا بجوار الهفوف الآن تقريباً وبنوا مسجداً وأقاموا جمعة، فما كان في عهد النبي ﷺ جمعة تقام في الأرض إلا جمعتان: جمعة في مسجده ﷺ ، وجمعة في (جواثه) فهي ثاني جمعة أقيمت في الإسلام، ثم بعد ذلك كثرت الجمع، ولكنها ثاني جمعة، وأهلها إلى اليوم يفتخرون بها فيقولون: والمسجد الثالث الشرقي كان لنا والمنبران وفصل القول في الخطب أيام لا مسجداً لله نعرفه إلا بطيبة والمحجوج ذو الحجب يقولون: ما كان هناك مساجد إلا مسجد مكة يصلي فيه من لم يهاجر خفية، ومساجد طيبة، وهي: مسجد النبي ﷺ ، ومسجد قباء، ومسجد القبلتين.
وحق لهم أن يفتخروا.
стр. 60
دعوة الله تعالى النصارى إلى الدين
فهذا استطراد في أنهم انتفعوا بقدومهم إلى النبي ﷺ .
وعندما قدم نصارى نجران صلوا جهة الشرق، وسكت النبي ﷺ عنهم؛ لأن النصارى إلى اليوم يعظمون جهة المشرق؛ لأن مريم عندما خرجت من بيت لحم اتجهت مكاناً شرقياً كما أخبر الله، ثم إن الله جل وعلا أثنى على البيت الذي يعظمونه، فهم يعظمون مريم وكفيلها زكريا وأبوها عمران، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٣٤] وذلك لدعوتهم.
فقص الله الخبر حتى يستدر قلوبهم وليبين أن الدين لم يرد به مواجهة الناس، وإنما هو هداية الناس، ثم قال الله بعد ذلك: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران:٥٩ - ٦٠]، فلما أقام الله عليهم الحجة قال سبحانه: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٦١]، وأتت آية المباهلة.
والذي يعنينا أن أولئك النصارى قبلوا الجزية ولم يدخلوا في الإسلام، ثم توالت السنون إلى أيامنا هذا فظهرت النصرانية بقوة في أوروبا.
стр. 61
نزول عيسى ﵇ وعمله بشريعة رسول الله
وسينزل عيسى ابن مريم كما أخبر النبي ﷺ ، قال ﵊: (سينزل عيسى بن مريم شرقي المنارة البيضاء شرقي دمشق)، وقال: (فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع كأن فيه بللاً فيه قطر وإن لم يتوضأ).
وبعد أن ينتهي الدجال يحكم عيسى بالقرآن لا بالإنجيل؛ لأن الله قال في كتابه: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨]، أي: على كل كتاب قبله، فيكسر الصليب الذي هو شعار النصرانية المحرفة، والصليب لم يعرف إلا بعد ثلاثة قرون من قتل عيسى، فيكسر الصليب الذي هو رمز النصرانية المحرفة، ويقتل الخنزير، ولا يقبل إلا الإسلام، ولا يعد هذا الفعل من عيسى نسخاً لشريعة محمد ﷺ ؛ لأن النبي ﵇ أخبر بأن عيسى سيصنع هذا.
فالجزية موجودة في ديننا، ولكن عيسى إنما يعمل بالإسلام؛ لأن النبي ﷺ أخبر بأن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب حتى ينزل عيسى، فالذي قال: إن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب حتى ينزل عيسى هو نبينا ﷺ ، فليس صنيع عيسى بناسخ لشريعة محمد ﷺ ؛ لأن شريعته ﵇ آخر الشرائع وناسخة ما قبلها.
стр. 62
خروج يأجوج ومأجوج
وبعد ذلك بفترة يخرج الله يأجوج ومأجوج من ردم بناه عليهم ذو القرنين، قال الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف:٩٢ - ٩٤].
فهؤلاء يخرجون بقدر الله في آخر الزمان، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء:٩٦]، فيفر عيسى والمؤمنون الذين معه إلى جبل الطور، ويمكث هؤلاء يفسدون في الأرض ويشربون بحيرة طبرية ويكون منهم ما يكون، ثم إن عيسى يدعو عليهم فيبعث الله عليهم أول الأمر دوداً في رقابهم فيموتون كلهم في وقت واحد.
ثم يبعث الله جل وعلا طيراً تحملهم فتلقيهم في البحار، ثم ينزل الله مطراً ليس لأهل زرع ولا لأهل ضرع يغسل الأرض من نتنهم.
стр. 63
طيب العيش بعد هلاك يأجوج ومأجوج
ثم ينزل عيسى والمؤمنون الذين معه، وهنا تطيب الحياة حقاً، وتمر الأرض بأفضل أيامها؛ لأن الله يأمر الأرض أن تخرج بركتها، وكأن في ذلك -والعلم عند الله- رد على ما كان يصنعه الدجال، وينزع الله حمة كل ذي حمة، أي: كل صاحب أذى يخلص منه الأذى، يقول ﵊: (عصابتان من أمتي أحرزهما الله من النار عصابة تغزوا الهند) وهذه لا أعلم كيفيتها (وعصابة تكون مع عيسى ابن مريم)؛ وهذه الفئة التي تكون مع عيسى بن مريم يبين لهم عيسى بن مريم درجاتهم في الجنة، وقد مكثوا أربعين يوماً يحاربون الدجال، وعصمهم الله جل وعلا من الدجال، فإذا مكن عيسى أخبرهم بدرجاتهم في الجنة، ويقول ﷺ يخبر عن انصراف الناس عن الدنيا: (حتى تكون السجدة للرجل خير من الدنيا وما فيها)؛ لأن المؤمنين آنذاك يرون قرب الساعة؛ لأنهم يعيش بين أظهرهم عيسى ابن مريم، وهم على يقين من أن الساعة قريبة، وأن الأمر حق، فهم يرون نبياً من أنبياء الله يمشي بين أظهرهم فيتفرغون للعبادة، ولو شغل أحدهم بالدنيا لم ينشغل؛ لأن الأمور يقينيات وآيات ظاهرة، فلا يقبل أن يترك السجدة أبداً؛ لأنه يبحث عما يزيد في درجاته في أخراه.
ثم يمكث عيسى في الأرض أربعين عاماً، ولا أدري أيدخل فيها ما مكث قبل خروج يأجوج ومأجوج أم لا، ولكن ذكر ﷺ أنه: يمكث أربعين عاماً، قال ﷺ : (طوبى للعيش بعد المسيح)، أي: بعد أن يؤمن الله جل وعلا العباد بالمسيح من يأجوج ومأجوج، ثم بعد ذلك يموت عيسى بن مريم، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، ثم تتوالى بقايا أشراط الساعة تباعاً حتى تطلع الشمس من مغربها، ثم تكون نار تحشر الناس إلى أرض المحشر.
стр. 64
بشرية يأجوج ومأجوج
إن يأجوج ومأجوج هم بشر من ذرية آدم، والله جل وعلا يقول في القرآن عن نبيه نوح: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات:٧٧].
ففهم أهل العلم من هذه الآية أن الله جل وعلا حصر ذرية بني آدم بعد الطوفان في أبناء نوح، ولهذا يقول بعضهم: إن نوحاً ﵇ هو الأب الثاني للبشرية، والمشهور عند أهل الأخبار أن نوحاً ترك أربعة: كنعان ويافث وسام وحام، فيقولون: إن كنعان هو الذي غرق، ولا ريب في أن أحد أبناء نوح قد غرق بنص القرآن، ولكن هل هو كنعان أو غيره، فهذا علمه عند الله جزماً، والمشهور عند أهل الأخبار والسير أن الذي غرق هو كنعان، فبقي ثلاثة هم يافث وسام وحام.
والخلاصة من هذا أن يأجوج ومأجوج عند أكثر أهل العلم من ذرية يافث بن نوح، وأن هؤلاء القوم كانوا متشبعين بالهمجية، والمقصود بالهمجية هنا غير اللفظة العامية الدراجة، وإن كان المعنى قريباً، فالمراد أنهم غير ذوي بناء حضاري، فهم يفعلون الشيء لمجرد الفعل، كما وجد في بعض العصور من التتار حين دخلوا بلاد الإسلام، فبعضهم كان يقتل لمجرد القتل، وإلا فإن فرعون -مثلاً- عندما أراد أن يبطش كان يبطش بطشاً حضارياً، فكان يقتل الغلمان ويستبقي النساء للخدمة، ولما تضرر الأقباط أهل مصر من قتل الغلمان أبقى على بعض الغلمان، فكان يقتل عاماً ويترك عاماً حتى يكون هناك خدم للقبط، وهذا الأمر فيه الإسراف والعلو والفساد في الأرض، إلا أن فيه شيئاً من حظوظ النفس، أي: أبقى لحظ نفسه.
أما هؤلاء ومن في فكرهم فكانوا يقتلون لمجرد القتل ولا يتركون أحداً، فنقل عن بعض من داهموا مع جنكيز خان وأمثاله أنهم كانوا يقتلون الطفل الرضيع ويقتلون المرأة ويقتلون الرجل ويقتلون الشاب ولا يتركون أحداً، بل يقتلون لمجرد القتل، ولو كانوا ذوي عقول لاستبقوا النساء على الأقل للتمتع بهم وإن كان حراماً، ولكن هذا يدل على أن هناك شيئاً من حظوظ النفس يبحث عنها المرء، ولكنهم لعدم ففههم ولعدم عقلهم يسفكون الدماء لمجرد سفك الدماء.
فيأجوج ومأجوج من نسل يافث بن نوح، يعيشون خلق ردم بناه عليهم ذو القرنين، وهو ملك صالح، وهل هو نبي أو غير نبي؟ اختلف فيه ولا يوجد نص قاطع، بل ورد في حديث صحيح أن النبي ﷺ قال: (لا أدري أكان ذو القرنين نبياً أم لا).
стр. 65
حكمة الله تعالى في خفاء مكان يأجوج ومأجوج
والله جل وعلا إذا أراد شيئاً هيأ أسبابه، فلو علم الناس بمكان يأجوج ومأجوج -ولو من باب التطفل الحضاري- لذهبوا إليه، ولكن الله جل وعلا أخفاه، ويقال: إنه قريب من ولاية جورجيا في الاتحاد السوفيتي سابقاً، فهذا أكثر قول أهل العلم بالجغرافيا والنظر في الأبحاث، ولكن يبقى الأمر ظناً، فردم عليهم ذو القرنين حتى لا يخرجوا، وهم متعطشون والهون للخروج، وسيأتي عليهم يوم يخرجون فيه، كما قال الله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٦].
وقد بينا خروجهم، وقلنا: إنه بعد خروج يأجوج ومأجوج يطيب العيش بعد المسيح، وهذه أمور غيبيه لا يمكن لأحد أن يجزم فيها بشيء تفصيلاً، إلا بما دل عليه خبر صحيح صريح عن الله أو عن رسوله ﷺ .
стр. 66
بيان ظاهر الأحاديث فيما يستوطنه عيسى ﵇
إن ظاهر الأحاديث يدل على أن عيسى ﵇ يستوطن الحجاز؛ لأن النبي ﵊ قال: (والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم من فج الروحاء حاجاً أو معتمراً أو ليثنينهما)، وفج الروحاء باق إلى اليوم قبل المسيجيد، وذهابه إليه حاجاً أو معتمراً غالب الظن أن يكون الخروج فيه من المدينة، فيكون الإحرام من من ميقات المدينة؛ لأنه لو أراد أن يحج أو يعتمر ﵇ إلى البيت العتيق من بلد غير المدينة فلن يمر بفج الروحاء.
فعلى هذا يحمل قوله ﷺ : (والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم من فج الروحاء حاجاً أو معتمراً أو ليثنينهما)، أي: يجمع بينهما، والمقصود أن هذا يدل عليه استقراء الأمر في الحجاز.
стр. 67
ابتداء زوال الدنيا بعد حصول طيب العيش
وقد أخبر النبي ﷺ فقال: (طوبى للعيش بعد المسيح)، وأي أمر يصل إلى تمامه وكماله فذلك في الغالب مؤذن بنقصانه، ويقال: تقرب زوالاً إذا قيل: تم، فالبدر إذا اكتمل بدأ تناقصه بعد ذلك، فعندما تصل البركة في الأرض إلى أن تنزع حمة كل ذي حمة، وأن الإنسان أنبت لو بذر في الصفا لأنبتت؛ لأن الله يأمر الأرض بأن تخرج بركتها فلا يبقى بعد ذلك شيء ينتظره الناس، أشراط وعلامات أخرى.
يموت عيسى بن مريم ﵊ ثم يبدأ فناء الكون تدريجياً، وسنذكر بعضاً من أشراط الساعة الكبرى، ولا ألتزم بتقصي مسألة الترتيب.
стр. 68
طلوع الشمس من مغربها
معلوم أن الشمس خلق من خلق الله، فالله يقول في القرآن: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس:٣٨]، وطلوعها من المشرق وغيابها في المغرب أمر متحقق يراه كل ذي عينين منذ أن حلق الناس، وقد حبسها الله لـ يوشع بن نون كما في الخبر الصحيح، يقول شوقي: قفي يا أخت يوشع أخبرينا أحاديث القرون الغابرينا هذا شاعر أديب ينظر إليها نظرة أدبية فيقول: أنت في علو والأحداث تقع في الأرض وأنت تراقبينها، فأنت أعلم بما وقع من أحداث وخطوب في قصص التاريخ تحت منظرك وعينيك.
وقد كسفت الشمس في عهد النبي ﷺ كما في البخاري من حديث أبي موسى: (كسفت الشمس في عهد النبي ﷺ ، فقام فزعاً إلى المسجد يظنها الساعة، فصلى بأطول قيام وسجود وركوع يفعله)، والإشكال في الحديث أن أبا موسى ﵁ عبر بأن النبي ﷺ خشي أن تكون الساعة، وأبو موسى صحابي جليل لا يمكن أن يتجرأ على أن يقول: إن النبي ﷺ يخشى أن تكون الساعة دون أن يرى شيئاً في النبي ﷺ بجعله يجزم بهذا القول.
وقد أجاب العلماء عن هذا فقال بعضهم: إن النبي ﷺ يعلم أنها ليست الساعة، ولكنه قام فزعاً بخشي أن تكون الساعة؛ لأن الله جل وعلا لم يخبره بعد بعلامات الساعة.
وهذا التخريج يمكن أن يكون مقبولاً لولا إشكال آخر، وهو أن خسوف الشمس أو كسوفها في عهد النبي ﷺ وقع في اليوم الذي مات فيه ابنه إبراهيم، وإبراهيم ابن النبي ﷺ اتفق أهل الأخبار على أنه مات في السنة العاشرة من الهجرة، أي أن هذا الحدث بتعبير موجز وقع متأخراً جداً في حياة النبي ﷺ ، فيبعد أن يقال: إنه ﵊ لم يكن قد علم بعد أشراط الساعة ولا أخبر بها.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى -وهو قول نرى أنه أقرب الأقوال إلى الصواب-: لعله ﷺ قام فزعاً أن تكون هذه مقدمة لأشراط الساعة كطلوعها من مغربها؛ لأنه إذا ظهرت علامة كبرى منها فإن تتابع الباقي يكون على إثرها، ويعبر عنها العلماء بأنها كالسبحة إذا انقطعت تتابع خرزها.
والذي يعنينا هو أن النبي ﷺ قام فزعاً، وهذا مما يدل على أنه ﷺ يعلم عظم قيام الساعة.
стр. 69
الحث على العمل قبل امتناع التوبة
والعبرة من هذا الخوض في أشراط الساعة ينبغي أن تكون في المقام الأول في أن يبعث الإنسان على العمل، فالله يقول: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ [الشورى:١٨]، أي: من وقوع الساعة، بخلاف الذي لا يؤمن بها أصلاً فلو أخبرته أو لم تخبره عن الساعة فإنه لا يبالي ولا يسعى إلى عمل، وإنما العبرة بالعمل؛ لأن الذي عليه مدار النجاة هو الإيمان والعمل الصالح بعد رحمة الله ﵎.
يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، فعندها تنقطع التوبة، فلو أن أحداً تاب وندم وفزع ورجع فهذا لا يقبل، نسأل الله العافية.
كما أنه -على وجه العموم- لا تقبل التوبة إذا بلغت الروح الحلقوم؛ فإن الله جل وعلا لا يقبلها من صاحبها؛ لأنه قد عاين الموت وراءه، ومن رأى الموت عياناً وغرغرت روحه وبلغت الحلقوم لا يقبل الله جل وعلا توبته.
فإذا طلعت الشمس من المغرب ورآها الناس من المغرب لم يبق شيء يمكن أن يخوفوا به أو علامة أو أمارة تدل على قرب الساعة أعظم من هذا، فربما آمن أقوام، فلا يقبل الله جل وعلا إيمانهم.
стр. 70
خروج الدابة
ويتبع ذلك أو يسبقه -لا ندري بالتحديد- خروج الدابة، فالله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٨٢].
وقوله تبارك اسمه وجل ثناؤه: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل:٨٢] صريح واضح جداً في أن هذه الدابة تخاطب الناس، وجاء في حديث صحيح أنها تسم الناس على خراطيمهم ثم يعمرون أي: يكبرون، وينقطع أثرها، فيأتي الرجل فيشتري الثوب فيسأل: ممن اشتريته؟ فيقول: اشتريته من ذلك الموسوم.
أي: من ذلك الرجل الذي عليه وسم على خرطومه، أي: على أنفه، فتسم المؤمن أو تسم الكافر، أي: تميز أهل الكفر من أهل الإيمان ولا ريب في أن هذه علامة كبرى تدل على قرب قيام الساعة.
ولم يرد نص صريح في مكان خروج الدابة، ولكن نقل عن ابن عمر أنها تخرج من جبل الصفا، وإن صح الإسناد فقول ابن عمر أحب إلينا من قول غيره، وإن لم يصح الإسناد -والعلم عند الله- فالله أعلم من حيث تخرج، وأياً كان الأمر فإن الله أخبر بخروجها ونحن نؤمن بخروجها؛ لأن الله ورسوله ﵊ أخبرا بذلك.
стр. 71
هدم الكعبة
ومن علامات الساعة الكبرى هدم الكعبة، والكعبة رفع قواعدها خليل الله إبراهيم كما هو معلوم، وجعلها الله جل وعلا مثابة للناس وأمنا، كما جعل توحيده حرزاً للناس وحصناً، وتبقى الكعبة شامخة يحجها الناس، وقد تعرضت في القرن الرابع لأذى القرامطة، لكنهم لم يهدموها، وإنما سلبوها الحجر الأسود، ومكث عندهم عشرين عاماً إلا أياماً، ثم أعيد الحجر على مشهد من الناس، وعرفه العلماء ورد إلى مكانه، وأهل التاريخ يقولون: إن الحجر حمل إلى البحرين -في شرقي المملكة الآن- على عشرين أو أربعين جملاً حتى وصل به إلى تلك المنطقة، وعندما أعيد أعيد على جمل واحد، فبقي قادراً على السير من تلك المنطقة إلى مكة.
والحجر اليوم مقسم إلى خمس أو ثمان قطع مثل التمرة يكبر ويصغر، فلو دققت النظر في نفس الحجر لوجدت قطعاً أشبه تماماً بالتمرات، ولكنها تقل وتكبر من واحدة إلى أخرى، ومجموع ما هو فيه -بحسب علمي-ثمان قطع، حيث جمع في إناء واحد في غلاف واحد في إطار واحد ثم وضع في الكعبة.
وقد أخبر ﷺ بأن هذه الكعبة سيهدمها ذو السويقتين من أرض الحبشة، قال ﵊: (كأني أنظر إليه أصيلعاً أفيدعا يستخرج كنوزها ويسلبها حليها يهدمها حجراً حجراً)، وهذا يقع بقدر الله؛ لأن الأمور إلى زوال، فتهدم، فلا يحج إلى البيت بعد ذلك ولا يعتمر، فلا يبقى إلا شرار خلق الله.
وعبادة الله مرتبطة بالعلم، فالناس إذا كانوا في جهل فلا يمكن أن يعبدوا الله، فإذا وجد علم عبد الله، فهذه الأحداث يكون بسببها -بلا شك- موت العلماء وفقد العلم، إذ الكعبة تهدم، فلا يوجد تدريس ولا يوجد علم لم يعبد الله به؛ لأن الله جل وعلا يعبد على بينه، وتبقى أشياء يسيرة من الدين، فيبقى أناس لا يعرفون من الدين إلا كلمة (لا إله إلا الله) فقيل لـ حذيفة ﵁ تنفعهم هذه؟ قال: نعم تنفعهم.
وذلك لأنهم أصلاً لم يبلغهم من الدين إلا (لا إله إلا الله) وفهم يقولون: لا إله إلا الله، ولكن لا يصلون، وليس معنى ذلك أنهم يعرفون الصلاة ولا يصلون، فهذا لا يعقل، بل يعتبر كفراً عند بعض العلماء، بل لم يبلغهم أن هناك شيئاً اسمه صلاة، لكن بلغهم من دين الله (لا إله إلا الله) ثم يموت هؤلاء وتقبض أرواحهم فتعبد الأوثان من جديد، يقول ﵊: (تضطرب إليات نساء دوس عند ذي الخلصة) والخلصة: صنم كانت دوس تعظمه في الجاهلية، ودوس الآن عامرة بالطاعات، ففيها حلقات تحفيظ، وفيها مخيمات، وألقيت فيها -لله الحمد- دروساً، وأتاها غيري من الفضلاء من العلماء وغيرهم، فهي عامرة بالإيمان والطاعات ونشر الدين، وهذا مثل ضربه النبي ﷺ لا لمعنى أ، الوثنية محصورة في دوس، وإنما ستعم، ولكن النبي ﷺ ضربه لشيوع وثنيتهم آنذاك في الجاهلية قبل بعثة النبي ﷺ ، وهم الذين منهم عبد الرحمن بن صخر أبو هريرة الصحابي الجليل المعروف.
فالذي يعنينا أن يعود الناس لعبادة الأوثان، ومع ذلك يقول ﷺ : (أنهم في خير وعافية)، يعني: يعجل الله لهم طيباتهم فيرزقون ويمطرون ويغاثون وهم في رغد من العيش رغم أنهم يعبدون الأوثان فلا تجري عليهم أحكام من عصى الله في الدنيا؛ لأن الأمر إلى زوال، ثم تحدث أمور وأمور فيطوى وجه الإسلام ويرفع القرآن في ليلة، وتهدم الكعبة، وكل هذا متقارب بعضه من بعض حتى يأمر الله ملكاً من ملائكته يقال له: إسرافيل -وهو الآن قد أصغى أذنه وحنى رقبته والتقم الصور بيده ينتظر متى يؤمر بالنفخ فينفخ- فيأمره الله فينفخ فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم يأمره بعد أربعين يوماً أو سنة أو شهراً أن ينفخ فينفخ فيقوم الناس لرب العالمين.
стр. 72
الرحيل عن الدنيا
стр. 73
بيان معنى الموت
الموت: انقطاع تعلق الروح بالجسد والله جل وعلا خلقنا أجساداً وأرواحا، وأما أبونا آدم فخلق جسداً قبل أن يخلق روحاً، كما هو ظاهر القرآن؛ لأن الله جل وعلا نفخ فيه بعد أن خلقه جسداً، وأخرجنا من ظهره أرواحاً، فكنا في عالم الأرواح الأول، أما بنو آدم الذين ينسبون إليه فإن الله خلقهم أجساداً قبل أن يخلقهم أرواحاً، وذلك أن الإنسان يكون جنيناً في بطن أمه، حتى إذا تم له أربعة أشهر أمر الملك بأن ينفخ فيه الروح، فالموت انقطاع هذه الصلة التي بين الروح والجسد، وأما الروح نفسها فلا تذهب ذهاباً كلياً وإنما تخرج من الجسد، فإذا خرجت من الجسد خروجاً كلياً سمي هذا موتاً، فأصبح الجسد لا حراك به البتة، ولا تجري عليه أقلام التكليف التي تجري على من كانت الروح مقترنة به، فما كان له من أموال أو عقار لن يكون في سلطانه، وينقطع بذلك عمله، إلا ما استثناه الشرع، كما في قوله ﷺ : (صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له)، وأمثال ذلك.
стр. 74
فرار الخلق من الموت
قال ﵊: (إن الروح إذا صعد تبعه البصر)، فهذه الساعة لا بد منها، وتسمى اللحظات التي قبلها سكرة، قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]، أي: ما كنت منه تفر.
وهذا يدل على أن النفوس جبلت على أنها تحاول الفرار من الموت، فلا يذهب أحد إلى الموت طواعية، ولهذا قال الله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]، فهي ساعة كنت تحيد عنها، ولكن لا بد من إتيانها، وهذه الساعة ضرب الله لها موعداً لا يمكن أن يؤخر ولا يمكن أن يقدم، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]، وهذا يعطي الإنسان نوعاً من الطمأنينة إلى أن الموت نفسه هو واق للإنسان؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يموت قبل حلول أجله أبداً.
стр. 75
قابض الروح ونافخها
والذي يكلف بنفخ الروح هو ملك، وكذلك الذي ينزعها ويقبضها ملك، إلا أن الأول الذي ينفخ الروح لم يذكر في القرآن أو في السنة أن له أعواناً، وأما الآخر -وهو ملك الموت- فقد جاء في القرآن والسنة ما يدل على أن له أعوانا، قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة:١١]، وقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١]، فقوله سبحانه: ﴿رُسُلُنَا﴾ [الأنعام:٦١] دلالة جمع، وهو ملك له أعوان.
فهذا الجسد إذا قبضت منه الروح يصبح لا حراك به، ولذلك لا يضره شيء، ولذلك قالت أسماء بنت أبي بكر لـ عبد الله بن الزبير لما ذكر لها في حربه مع الحجاج أنه بلغه أن الحجاج يمثل بقتلاه، قالت: يا بني! وهل يضر الشاة سلخها بعد ذبحها؟! لأن الجسد إذا خرجت منه الروح لا يضره شيء أياً كان، فهذا الجسد له عالم منفك عن عالم الروح، ثم تعود الروح فتتصل به في حياة البرزخ.
следующие страницы →