Полный текст (83 стр.). Показаны 71–83 · переход к 76.
стр. 71
هدم الكعبة
ومن علامات الساعة الكبرى هدم الكعبة، والكعبة رفع قواعدها خليل الله إبراهيم كما هو معلوم، وجعلها الله جل وعلا مثابة للناس وأمنا، كما جعل توحيده حرزاً للناس وحصناً، وتبقى الكعبة شامخة يحجها الناس، وقد تعرضت في القرن الرابع لأذى القرامطة، لكنهم لم يهدموها، وإنما سلبوها الحجر الأسود، ومكث عندهم عشرين عاماً إلا أياماً، ثم أعيد الحجر على مشهد من الناس، وعرفه العلماء ورد إلى مكانه، وأهل التاريخ يقولون: إن الحجر حمل إلى البحرين -في شرقي المملكة الآن- على عشرين أو أربعين جملاً حتى وصل به إلى تلك المنطقة، وعندما أعيد أعيد على جمل واحد، فبقي قادراً على السير من تلك المنطقة إلى مكة.
والحجر اليوم مقسم إلى خمس أو ثمان قطع مثل التمرة يكبر ويصغر، فلو دققت النظر في نفس الحجر لوجدت قطعاً أشبه تماماً بالتمرات، ولكنها تقل وتكبر من واحدة إلى أخرى، ومجموع ما هو فيه -بحسب علمي-ثمان قطع، حيث جمع في إناء واحد في غلاف واحد في إطار واحد ثم وضع في الكعبة.
وقد أخبر ﷺ بأن هذه الكعبة سيهدمها ذو السويقتين من أرض الحبشة، قال ﵊: (كأني أنظر إليه أصيلعاً أفيدعا يستخرج كنوزها ويسلبها حليها يهدمها حجراً حجراً)، وهذا يقع بقدر الله؛ لأن الأمور إلى زوال، فتهدم، فلا يحج إلى البيت بعد ذلك ولا يعتمر، فلا يبقى إلا شرار خلق الله.
وعبادة الله مرتبطة بالعلم، فالناس إذا كانوا في جهل فلا يمكن أن يعبدوا الله، فإذا وجد علم عبد الله، فهذه الأحداث يكون بسببها -بلا شك- موت العلماء وفقد العلم، إذ الكعبة تهدم، فلا يوجد تدريس ولا يوجد علم لم يعبد الله به؛ لأن الله جل وعلا يعبد على بينه، وتبقى أشياء يسيرة من الدين، فيبقى أناس لا يعرفون من الدين إلا كلمة (لا إله إلا الله) فقيل لـ حذيفة ﵁ تنفعهم هذه؟ قال: نعم تنفعهم.
وذلك لأنهم أصلاً لم يبلغهم من الدين إلا (لا إله إلا الله) وفهم يقولون: لا إله إلا الله، ولكن لا يصلون، وليس معنى ذلك أنهم يعرفون الصلاة ولا يصلون، فهذا لا يعقل، بل يعتبر كفراً عند بعض العلماء، بل لم يبلغهم أن هناك شيئاً اسمه صلاة، لكن بلغهم من دين الله (لا إله إلا الله) ثم يموت هؤلاء وتقبض أرواحهم فتعبد الأوثان من جديد، يقول ﵊: (تضطرب إليات نساء دوس عند ذي الخلصة) والخلصة: صنم كانت دوس تعظمه في الجاهلية، ودوس الآن عامرة بالطاعات، ففيها حلقات تحفيظ، وفيها مخيمات، وألقيت فيها -لله الحمد- دروساً، وأتاها غيري من الفضلاء من العلماء وغيرهم، فهي عامرة بالإيمان والطاعات ونشر الدين، وهذا مثل ضربه النبي ﷺ لا لمعنى أ، الوثنية محصورة في دوس، وإنما ستعم، ولكن النبي ﷺ ضربه لشيوع وثنيتهم آنذاك في الجاهلية قبل بعثة النبي ﷺ ، وهم الذين منهم عبد الرحمن بن صخر أبو هريرة الصحابي الجليل المعروف.
فالذي يعنينا أن يعود الناس لعبادة الأوثان، ومع ذلك يقول ﷺ : (أنهم في خير وعافية)، يعني: يعجل الله لهم طيباتهم فيرزقون ويمطرون ويغاثون وهم في رغد من العيش رغم أنهم يعبدون الأوثان فلا تجري عليهم أحكام من عصى الله في الدنيا؛ لأن الأمر إلى زوال، ثم تحدث أمور وأمور فيطوى وجه الإسلام ويرفع القرآن في ليلة، وتهدم الكعبة، وكل هذا متقارب بعضه من بعض حتى يأمر الله ملكاً من ملائكته يقال له: إسرافيل -وهو الآن قد أصغى أذنه وحنى رقبته والتقم الصور بيده ينتظر متى يؤمر بالنفخ فينفخ- فيأمره الله فينفخ فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم يأمره بعد أربعين يوماً أو سنة أو شهراً أن ينفخ فينفخ فيقوم الناس لرب العالمين.
стр. 72
الرحيل عن الدنيا
стр. 73
بيان معنى الموت
الموت: انقطاع تعلق الروح بالجسد والله جل وعلا خلقنا أجساداً وأرواحا، وأما أبونا آدم فخلق جسداً قبل أن يخلق روحاً، كما هو ظاهر القرآن؛ لأن الله جل وعلا نفخ فيه بعد أن خلقه جسداً، وأخرجنا من ظهره أرواحاً، فكنا في عالم الأرواح الأول، أما بنو آدم الذين ينسبون إليه فإن الله خلقهم أجساداً قبل أن يخلقهم أرواحاً، وذلك أن الإنسان يكون جنيناً في بطن أمه، حتى إذا تم له أربعة أشهر أمر الملك بأن ينفخ فيه الروح، فالموت انقطاع هذه الصلة التي بين الروح والجسد، وأما الروح نفسها فلا تذهب ذهاباً كلياً وإنما تخرج من الجسد، فإذا خرجت من الجسد خروجاً كلياً سمي هذا موتاً، فأصبح الجسد لا حراك به البتة، ولا تجري عليه أقلام التكليف التي تجري على من كانت الروح مقترنة به، فما كان له من أموال أو عقار لن يكون في سلطانه، وينقطع بذلك عمله، إلا ما استثناه الشرع، كما في قوله ﷺ : (صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له)، وأمثال ذلك.
стр. 74
فرار الخلق من الموت
قال ﵊: (إن الروح إذا صعد تبعه البصر)، فهذه الساعة لا بد منها، وتسمى اللحظات التي قبلها سكرة، قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]، أي: ما كنت منه تفر.
وهذا يدل على أن النفوس جبلت على أنها تحاول الفرار من الموت، فلا يذهب أحد إلى الموت طواعية، ولهذا قال الله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]، فهي ساعة كنت تحيد عنها، ولكن لا بد من إتيانها، وهذه الساعة ضرب الله لها موعداً لا يمكن أن يؤخر ولا يمكن أن يقدم، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]، وهذا يعطي الإنسان نوعاً من الطمأنينة إلى أن الموت نفسه هو واق للإنسان؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يموت قبل حلول أجله أبداً.
стр. 75
قابض الروح ونافخها
والذي يكلف بنفخ الروح هو ملك، وكذلك الذي ينزعها ويقبضها ملك، إلا أن الأول الذي ينفخ الروح لم يذكر في القرآن أو في السنة أن له أعواناً، وأما الآخر -وهو ملك الموت- فقد جاء في القرآن والسنة ما يدل على أن له أعوانا، قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة:١١]، وقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١]، فقوله سبحانه: ﴿رُسُلُنَا﴾ [الأنعام:٦١] دلالة جمع، وهو ملك له أعوان.
فهذا الجسد إذا قبضت منه الروح يصبح لا حراك به، ولذلك لا يضره شيء، ولذلك قالت أسماء بنت أبي بكر لـ عبد الله بن الزبير لما ذكر لها في حربه مع الحجاج أنه بلغه أن الحجاج يمثل بقتلاه، قالت: يا بني! وهل يضر الشاة سلخها بعد ذبحها؟! لأن الجسد إذا خرجت منه الروح لا يضره شيء أياً كان، فهذا الجسد له عالم منفك عن عالم الروح، ثم تعود الروح فتتصل به في حياة البرزخ.
стр. 76
سنية تغميض عيني الميت ومشروعية تقبيله
والسنة أن تغمض عينا الميت؛ لأن النبي ﷺ أغمض عيني عثمان بن مظعون وقبله وبكى، قالت عائشة: حتى رأيت الدموع تسيل، والصديق ﵁ حين قدم من السنح لما بلغه موت النبي ﷺ دخل دار ابنته عائشة فوجد النبي ﷺ ، فعرف أنه ميت فقبله وهو يبكي، فتقبيل الميت مشروع وجائز، بل قد نقول: إنه سنة في بعض الأحوال؛ لفعل النبي ﷺ وفعل أبي بكر.
стр. 77
غسل الميت
ثم بعد ذلك يجرد من ثيابه التي مات فيها ويغسل، وهذا فيه تكريم للميت، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠]، فكرمهم وهم أحياء بما يليق بهم، وكرمهم جل وعلا وهم موتى بما يليق بهم، وقال الله: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس:٢١].
وغسل الميت فرض كفاية، وأولى الناس بغسل الميت وصيه، أي: من أوصى الميت بأن يغسله، وقد أوصى الصديق ﵁ وأرضاه عند موته بأن تغسله زوجته أسماء بنت عميس، وأوصى أنس بن مالك ﵁ عند موته بأن يغسله محمد بن سيرين معبر الرؤى المعروف، وكان يومها مسجوناً، ثم أخرج من السجن فغسل أنساً ﵁ ثم أعيد إلى السجن.
وكان محمد بن سيرين يعبر للناس الرؤى ويقول: إن صدقت رؤياك حصل كذا بقدر الله، فيقع الأمر كما أخبر.
فجاءه رجل ذات يوم فقال: رأيت أحد الرجال نبت في ساقه شعر، ولم يكن يدري فيمن رؤيت الرؤيا، فقال: هذا رجل يركبه دين فيسجن فيموت في سجنه.
فقال له السائل: لقد رأيتها فيك يعني: رأيت في المنام أنه نبت على ساقك شعر.
فوقع الذي عبر به، فركبه دين ثم سجن ثم مات رحمه الله تعالى في سجنه، وفي أيام سجنه مات أنس بن مالك، وكان أنس يعرف صلاح صلاح محمد بن سيرين، وأنس ممن عمر من الصحابة، ويبدو أنه في وقته لم يكن في بلدته كثير من الصحابة، فأوصى بأن يغسله التابعي الجليل محمد بن سيرين، فأولى الناس بغسل الميت من أوصى الميت بأن يغسله.
أما إذا لم يكن الميت قد أوصى فلا شك في أن عصبته هم الذين يتولون غسله، فالأب ثم الجد ثم الابن ثم باقي العصبة الأقرب فالأقرب، والنبي ﵊ لم يوص من يقوم بغسله، فغسله أهل بيته علي والعباس وابناه قثم والفضل وأسامة؛ لأنه مولاه، وشقران؛ لأنه مولاه، وأوس بن خولي أنصاري شهد غسل النبي ﷺ ولكنه لم يباشر.
وهنا مسألة فقهية، وهي أن الذكر والأنثى لا يجوز لأحدهما أن يغسل الآخر إلا في حالتين: الأولى: حالة الزوجية، فيجوز للزوجة أن تغسل زوجها، فإن أسماء بنت عميس غسلت أبا بكر، ويجوز للرجل أن يغسل زوجته، ولا أعلم أن هذا وقع، ولكنه جائز شرعا؛ لأن النبي ﷺ أخبر به عائشة.
الحالة الثانية: إذا كان أحد الميت -ذكراً كان أو أنثى- دون سبع سنين، فيجوز أن تغسله امرأة أو يغسله رجل؛ لأن من كان دون سنين لا يعتبر له عورة يخشى من نظر الآخر إليها.
стр. 78
تكفين الميت
ثم إذا غسل الميت كفن، فإذا كفن فإنه يستحب أن يكفن في أثواب بيض وأن تكون جديدة، إلا شهيد المعركة الذي يموت في أرض المعركة، فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه، وإنما يدفن بثيابه؛ لأن النبي ﷺ دفن شهداء أحد بثيابهم المضرجة بدمائهم، وقال: (أنا شهيد على هؤلاء)، ولم يصل عليهم ﷺ ولم يكفنهم.
ثم بعد ذلك يدفن إما لحداً وإما شقاً، واللحد أفضل، ومعلوم أن اللحد يكون تجويفاً في القبر، وأياً كان الميت، وأياً كان القبر فإنه بعد الصلاة عليه يوجه إلى القبلة؛ لأن النبي ﷺ ذكر البيت الحرام بعد أن ذكر الكبائر، ثم قال: (واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً)، فقوله ﵊ في البيت الحرام: (قبلتكم أحياء)، أي: حال الصلاة وحال الدعاء، وقوله: (أمواتاً)، أي: في حال الاحتضار وحال الدفن.
والبراء بن معرور ﵁ وأرضاه لما مات أوصى من حوله بأن يوجهوه للقبلة، وأوصى بثلث ماله للرسول ﷺ ، فلما مات وبلغ النبي ﷺ هذا الخبر قال ﵊: (أصاب الفطرة)، أي: أصاب الفطرة في أنه اختار أن يوجه إلى القبلة (ورددت ثلث ماله عليه) أي: لم يقبل ﷺ ذلك، بل تركه لينتفع به أهله.
стр. 79
الصلاة على الميت
وبعد التكفين يصلى على الميت، والصلاة على الميت فرض كفاية، فالميت إن كان صغيراً لا يدعى له بالمغفرة؛ لأنه شافع غير مشفوع فيه؛ فهو يشفع لأهله، ولم يجر عليه قلم التكليف حتى تكون هناك ذنوب فيستغفر له، وأما إن كان كبيراً فلا شك في أنه حري بأن يستغفر له وما أحوجه إلى ذلك، وقد جاءت في ذلك أدعيه المقصود منها جملة: الاستغفار للميت.
وقد قلنا: إن الشهيد لا يصلى عليه، ويصلى على غيره من موتى المسلمين أياً كان حالهم قبل الوفاة إن كانوا من أهل الإسلام.
стр. 80
دفن الميت
ثم يدفن، وقلنا: إن اللحد أفضل من الشق، والنبي ﷺ وضع في لحد، وينصب لبن على اللحد، وقد نصبت على النبي ﵊ تسع لبنات في قبره ثم يحثى التراب على القبر بعد الصلاة عليه، وبهذا يكون الميت قد وري جسداً، قال الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً ?وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦]، والكفت في اللغة: الضم والجمع.
فهذه رحلة الجسد إلى مثواه.
стр. 81
حب المرء للدنيا وكراهيته الموت
وأما رحلة الروح فإنه سيأتي الحديث عن حياة البرزخ لينجم عن هذا كله الذي قلناه أن الموت حق لا مناص منه، ولكن الإنسان عند لحظات الموت وعند الشعور بخروج الروح يصيبه شيء من التشبث بالحياة والتعلق بها، ولذلك فإن الذين يعنون بالتحقيق في القضايا الجنائية التي يكون فيها انتحار يرون أحياناً -إن كان الحال يساعد- أن الميت قد حاول أن يرجع مرة أخرى عن قراره بالانتحار، حيث ترى بعض العلامات الدالة أمنياً على أن الميت قد حاول أن ينثني عن قراره؛ لأنه إذا شعر بخروج الروح يتشبث بالحياة ويصيبه شيء من الندم على صنيعه، ولكن يكون قد دخل في عالم الموت ولا يسعفه الوقت على أن يتراجع.
стр. 82
الدنيا مزرعة للآخرة
نقول: إن الله جل وعلا جعل الدنيا مزرعة للآخرة، قال الله تعالى عن عبده: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٤]، ولكي لا يصيب إنسان ندم فإنه ما دام في دار العمل يسعى السعي الحثيث في الإكثار من الحسنات والاستغفار من السيئات حتى يلقى الله وهو راض عنه، والعرب تقول في كلامها: إن الندامة أربع: ندامة يوم، وندامة عام، وندامة عمر، وندامة لا تنقطع أبداً.
أما ندامة اليوم فإنهم يقولون: إن الرجل يخرج وبإمكانه أن يتغدى في بيته على سنة العرب قديماً، حيث يتغدون بأكلة واحدة، فيقول: سأجد من يضيفني، أو سأجد صيداً، فيخرج ولا يتغدى، فإن لم يجد غداءاً أصابه ندم على أنه لم يتغدى في بيته، ولكن هذا الندم لا يستمر أكثر من يوم، فإذا عاد إلى بيته طعم وأكل فذهب الشيء الذي كان نادماً عليه.
وأما ندم السنة فينطبق على المزارعين، فالزرع له إبان ووقت يزرع فيه، فإذا جاء مزارع ولم يزرع الزرع في وقته فإنه يندم؛ لأنه لن يستطيع أن يزرع تلك البذرة إلا في العام القادم في مثل تلك الأيام التي فرط فيها، فهذه ندامة سنة.
وأما ندامة العمر فندامة رجل تزوج امرأة ولم يجدها موافقة له وليس بإمكانه تطليقها، فيبقى صابراً عليها العمر كله حتى يفرق بينهما الموت وهذه الثلاث كلها فيها جبر على قول العامة.
وأما الندم الذي لا ينقطع أبداً فهو ندم المرء -عياذاً بالله- يوم القيامة على ما فرط في جنب الله، فهذا الذي لا ينفع فيه التحسر ولا ينفع فيه الصبر، كما قال تعالى عن أهل النار: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١]، والله ﵎ حذر من هذا وقال: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٣٩ - ٤٠]، فنقول: إن الدنيا مزرعة للآخرة، فينبغي للمؤمن أن يحصد العمل في رمضان وفي غيره حتى يلقى الله جل وعلا وقد كثرت حسناته وخفت سيئاته وكان أقرب إلى الفلاح منه إلى الخسران.
стр. 83
الحاجة إلى جزء من الغفلة عن الموت
ومعرفة الإنسان بأنه لن يموت قبل أجله يدفعه إلى أن يبني لنفسه مجداً، يقول المتنبي: إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم والإنسان إذا كان يتوقع الحوادث ويخافها ويهابها فلن يصل إلى مقصوده، فسيموت قبل أوانه، فإذا كان يتوقع الموت فإنه يصيبه الهلع والفزع، فيموت قبل أن يموت حقاً، يموت كل يوم حتى يأتي اليوم الذي يموت فيه.
ودع التوقع للحوادث إنها في الحي من قبل الممات ممات واجعل رجاءك دون يأسك جنة حتى تزول بيأسك الأوقات لولا مغالطة النفوس عقولها لم تصف للمتيقظين حياة فالإنسان أحياناً لابد له من أن يتغافل في أشياء تقع، قيل للإمام أحمد: إن فلاناً يقول: تسعة أعشار العقل في التغافل، فقال: أخطأ، بل العقل كله في التغافل.
فثمة أشياء لو دقق فيها الإنسان فلن يمشي خطوتين في الحياة، ولكن الإنسان يأخذ بالأسباب الظاهرة ويتوكل على العلي الكبير ويمضي، ولن يقع إلا ما قدر الله، وما كان لك سيأتيك على ضعفك، وما لم يكن لك لن تناله بقوتك.