← Сира

Сира · id 37737

شرح المدائح النبوية

صالح المغامسي

Полный текст (125 стр.). Показаны 106–125 · переход к 111.

стр. 106

الضابط في تقديم الجن على الإنس في القرآن والعكس وشوقي أغفل هنا مسألة منع الله جل وعلا للجن أن يسترقوا السمع قبل بعثة رسول الله ﷺ ؛ حماية للقرآن، فالجن ما علاقتهم بنبينا ﷺ ؟ نحاول في هذا اللقاء أن نتكلم عن السيرة من هذا الوجه. إن الجن أحد عقلاء ثلاثة خلقهم الله: الملائكة، والجن، والإنس. وقد ذكرهم الله جل وعلا في القرآن، فتارة يقدم الإنس وتارة يقدم الجن، والتقديم بحسب السياق، فعندما يذكر الله القوة فإنه يقدم الجن، قال الله جل وعلا: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن:٣٣]، وذكر جل وعلا جند نبي الله سليمان فقال تباركت أسماؤه وجل ثناؤه: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل:١٧]، لكن لما تكلم الله جل وعلا عن البلاغة والفصاحة وهي في الإنس أكثر قدم الإنس، قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء:٨٨]، ولما أراد الله أن يتكلم عن بداية الخلق قدم الجن، فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، أو أن التقديم والتأخير له ضوابطه في القرآن، الجن بالنسبة لنا بني آدم عالم غيبي؛ ولهذا اشتق من الجن، من الفعل جن الذي يعني الاستتار، ولهذا تسمى الجنة جنة؛ لأنها لم تر، ويسمى الحمل في بطن أمه جنيناً لأنه لا يرى، والله يقول عن خليله إبراهيم: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ [الأنعام:٧٦] أي: أظلم وأصبح لا يُرى. وهؤلاء الجن كتب الله قدراً أنهم يروننا ولا نراهم، ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧]. وهم أسبق منا خلقاً، قال الله: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر:٢٧]، فهذا كله إلى الآن كلام عام لا علاقة له بالسيرة.

стр. 107

استراق الجن للسمع قبل البعثة ومنعهم من ذلك بعد البعثة وأما السيرة فإن الجن كانوا يسترقون السمع، قال الله جل وعلا عنهم: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن:٩]، وكانت الجن لا يحول بينها وبين خبر السماء شيء، فلما أراد الله بعثة سيد الخلق ﷺ وقد علم الله أزلاً وأراد ذلك قدراً أن ينزل خير كتبه على خير خلقه، حمى الله جل وعلا وحيه إلى نبيه ﷺ من استراق الجن له، فالذي وقع أن الله جل وعلا منع الجن من استراق السمع، وهذا كان كبيراً جداً على الجن، فخرجوا يبحثون عن السبب، فطائفة منهم جاءت إلى وادي النخلة، فمروا على رسول الله ﷺ وهو يقرأ القرآن في منقلبه من الطائف إلى مكة قائماً به في الليل، فجاءوا وسمعوا أعظم كلام وهو كلام الله، من أعذب وأعظم من تكلم به وهو رسول الله ﷺ ، فأخذوه رطباً من شفتيه، الجن وقلوبهم مخلوقة من نار لما رأت القرآن يتلي من لدن محمد ﷺ ركب بعضها بعضاً، وقد صور الله هذا الموقف فقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩] وعبد الله هو نبينا محمد ﷺ ، ((كَادُوا)) أي: الجن، ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩] تقول: تلبد الشيء يعني: ركب بعضه بعضاً، فركب بعضهم بعضاً يستمعون القرآن رغم أنهم كانوا تقريباً تسعة، فهؤلاء بعثهم إبليس لينظروا في سبب عدم قدرتهم على استراق السمع، فأضحوا مؤمنين، فرقت قلوبهم ولانت طباعهم، وأسلموا أمرهم لله وقبلوا الدين، قال الله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣١]، فانقلبوا من كفرة مردة أعوان لإبليس إلى مؤمنين صالحين يدعون إلى الله جل وعلا، فظاهر الأمر أنهم كانوا يهوداً؛ لأنهم قالوا: (أنزل من بعد موسى) ولم يذكروا عيسى بشيء. والمقصود: أن الله جل وعلا خيرته لعبده خير من خيرة العبد لنفسه، وهؤلاء خرجوا لأمر وعادوا بشيء آخر عادوا مؤمنين، وكما أخبر الله جل وعلا أنهم عادوا ليسوا فقط مؤمنين، بل مؤمنين يدعون إلى دين ربهم، (يا قومنا أجيبوا داعي الله)، وهكذا المؤمن إذا تلقى العلم بلغه غيره؛ حتى يكون ممن يدعو إلى دين الله جل وعلا.

стр. 108

لا يعلم الغيب إلا الله تعالى وهذا الأمر يؤكد ما كنا قد حررناه سابقاً من أن الغيب لا يعلمه إلا الله، فإن أولئك النفر من الجن استمعوا إلى نبينا ﷺ ، وأخذوا عنه القرآن، وخرجوا يبلغون الدين، وكل ذلك والنبي ﷺ لا يعلم، قال الله عنهم: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن:١]، فتأمل وتدبر قول الله: (أوحي إلي)، أي: أنا لا أعلم ولا أدري؛ لأني لا أراهم، لكن الله أبلغني أنه استمع نفر من الجن فقالوا: (إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد)، فهذا موقف حصل للجن مع نبينا ﷺ .

стр. 109

أدب الجن مع ربهم لقد ذكر الله جل وعلا الجن في آيتين وأثنى عليهم بهما ضمناً، الآية الأولى: أنهم تأدبوا مع ربهم لما قال الله جل وعلا عنهم أنهم يقولون: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الجن:١٠]، فنسبوا الشر إلى ما لم يسم فاعله، -يعني: كما يقول النحاة: مبني للمجهول-، فهؤلاء الجن -تأدباً مع ربهم- نسبوا الرشد إلى ربهم ولم ينسبوا إليه الشر مع أن الله خالق كل الشيء. الموقف الثاني: أن النبي ﷺ قرأ عليهم سورة الرحمن، وقد ورد فيها كثيراً قول الله جل وعلا: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣]، فكانوا كلما تليت عليهم هذه الآية يجيبون رسول الله ﷺ بقولهم: لا نكذب بأي من آيات ربنا، لا نكذب بأي من آيات ربنا، فهذا من أدب الجن مع رسولنا ﷺ ، ومع ربهم جل وعلا.

стр. 110

سكنى بعض مؤمني الجن في المدينة وفي غزوة الخندق حصل أن النبي ﷺ جاءه شاب من الأنصار يستأذنه في أنه لا يستطيع أن يرابط مع الجيش؛ لأنه حديث عهد بعرس، فأذن له، وقبل أن أذكر حكاية هذا الشاب نذكر أصل الحديث: كان أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه ذات يوم يصلي، فجاءه أحد أصحابه من التابعين يستأذن عليه فوجده يصلي، فهذا الرجل مكث في البيت ينتظر أبا سعيد أن يفرغ من صلاته، فإذا بحية في عراجين البيت في الشجر في السقف، فقام الشاب ليقتلها، فإذا بـ أبي سعيد وهو في صلاته يشير إليه أن امكث مكانك، فمكث الرجل، فلما فرغ أبو سعيد من صلاته أخذ بيد الشاب وأخرجه من البيت وأشار إلى بيت غير بعيد من بيت أبي سعيد، وقال: انظر أترى ذلك البيت؟ قال: نعم، قال: إن ذلك البيت كان لفتىً منا معشر الأنصار، هذا الفتى هو الشاب الذي تكلمنا عنه آنفاً، فقد كان حديث عهد بعرس، فكان في يوم الخندق يحفر معهم، ثم إذا حل المساء يستأذن، فذات مرة قال له النبي ﷺ : (خذ سيفك معك فإني أخشى عليك بنو قريظة) أي: اليهود من بني قريظة، فأخذ السيف وعاد إلى بيته ومعه سلاحه وسيفه ورمحه، فوجد زوجته وهو حديث عرس بها خارج الدار، فأخذته الغيرة فسل سيفه غاضباً، فأشارت إليه زوجته وعروسه إلى داخل الدار، فدخل الدار فوجد حية ملتوية على سريره، فضربها، قال أبو سعيد: فلا يدرى أيهما أسبق موتاً الفتى الأنصاري أم الحية، أي: ماتا سوياً، فلما علم النبي ﷺ بذلك قال: (إن في المدينة إخواناً لكم من الجن، فإذا رأيتم مثل هذا فحرجوا عليه ثلاثاً) أي: لا تقتلوه مباشرة. فهذا خبر عن الجن وعلى أنه كان بعضهم يسكنون المدينة، وأنهم مؤمنين برسالة نبينا ﷺ .

стр. 111

هل يدخل مؤمنو الجن الجنة أولاً ؟ ومن باب الاستطراد في الحديث فقد العلماء في مسألة: هل يدخل مؤمنو الجن الجنة أم لا؟ فبعض العلماء يقول: إنهم يدخلونها لكن لا يسكنون في بحبوحتها، وإنما على أطرافها، وبعضهم يقول: إنهم لا يدخلون الجنة، وإنما جزاؤهم: أنهم لا يعذبون في النار. وبعضهم يقول: إنهم يدخلونها، لكن يعاقبون بأن يراهم بنو آدم وهم لا يرون بني آدم، أي: عكس ما حاصل في الدنيا، وهذه كلها اجتهادات علماء، لكن الذي عليه أكثر المفسرين وهو الحق إن شاء الله أنهم يعاملون مثل غيرهم من المؤمنين؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٤٦ - ٤٧]، فهذا وعد من الله، والله جل وعلا أجل من أن يخلف وعده، والخطاب للجن والإنس، وهذا القول حرره ابن كثير رحمة الله تعالى عليه ودافع عنه وهو الحق إن شاء الله: أنهم يعاملون يوم القيامة معاملة غيرهم من الناس، وهذا ظاهر القرآن والسنة، والعلم عند الله. وهؤلاء الجن كما قلنا منهم مؤمنين ومنهم كفار، منهم من آمن بنبينا ﷺ ولهم ذراري وأتباع، ومنهم -وهذا الكثير- من هو كافر مكذب برسول الله ﷺ .

стр. 112

الإرهاصات قبل مولد النبي والذي يعنينا في الخطاب هنا قضية أن الله جل وعلا جعل إرهاصات عظيمة قبل مولده ﷺ . خلقت لبيتك وهو مخلوق لها إن العظائم كفؤها العظماء ونبينا ﷺ لم يولد في التاريخ أحد أجل ولا أعظم منه ﵊، وكان بدهياً أن يسبق ولادته أمور عظيمة، كما حدث أن الله جل وعلا منع الفيل من أن يصل إلى بيته الحرام، وكان ذلك في عام مولده، ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل:١ - ٢] الآيات الشهيرة. وحدثت خوارق يذكرها أهل السير والتاريخ بعضها يمكن إثباته وبعضها لا يمكن إثباته، لكن الذي يعنينا جملة أن ولادة النبي ﷺ شيء عظيم، وقد حف التاريخ قبل ولادته بعظائم تمهد لظهوره، وقبل ذلك كان عيسى يبشر به، وإبراهيم يدعو بأن يكون محمداً ﷺ من ولده، وكان ﵊ مفتخراً يقول: (أن دعوة أبي إبراهيم، وبشارة أخي عيسى، ورؤيا أمي حين رأت أن نوراً يخرج منها تضيء له بصرى من أرض الشام). ومن الغريب أن النبي ﷺ قال: (إن أمي رأت حين وضعتني نوراً يخرج منها أضاءت له بصرى من أرض الشام)، فأول ديار الشام التي فتحت على أيدي المسلمين كانت بصرى، وهي البلدة التي رأت آمنة بنت وهب أن نوراً يخرج منها تضيء له بصرى من أرض الشام. وإذا عدنا إلى مسألة ما يكون بين يدي ولادته ﷺ فهذا قد يسوقنا بعد ذلك إلى أن الله جل وعلا أكرمه، فببركته تعددت مرضعاته ﵊، فقد أرضعته حليمة، وقبل ذلك أرضعته أم أيمن، وأرضعته ثويبة مولاة أبي لهب، ومولاة أبي لهب هذه قدر لها أنها لما أنجبت آمنة طفلها المبارك محمد بن عبد الله ذهبت إلى سيدها أبي لهب ولم يكن يوم ذاك هناك بعثة أو دين، ولم يكن هناك كافر، فأتت إليه تخبره وتبشره أن زوجة أخيك عبد الله -وكان عبد الله قد مات- قد أنجبت غلاماً فأعتقها، ثم إنه بعد أن مات أبو لهب رآه أخوه العباس في المنام، فسأله عن حاله، فقال: أنا بشرِّ حال، إلا أنني في يوم الإثنين أسقى من نقرة في إبهامي؛ لأنه أعتق ثويبة عندما بشرته بمحمد ﷺ ، فإذا كان هذا حال رجل كافر بالله وبرسوله ويصنع به هكذا لأنه أعتق ثويبة، فكيف بمن يموت على التوحيد، ويموت محباً لله، ويموت وهو محباً لرسول الله ﷺ ، لا ريب أن فضل الله واسع، وأجر الرب ﵎ كبير، وفيها دلالة على أن الله جل وعلا لا يبخس أحداً حقه، وأبو لهب ينقر له في إبهامه ويسقى في قبره حتى لا يكون له عند الله شيء يوم القيامة، وهذا الصنيع الذي صنعه والمعروف الذي قام به نال ثوابه وهو في القبر، فليس له عند الله يوم القيامة مطلب، وأما من أراد الله بهم الحسنى ورفيع المقامات وعالي الدرجات فإن الله يدخر لهم الثواب والعطايا في الآخرة يوم يلقونه؛ لأن الأصل أن الثواب في الآخرة، لكن قد يعجل أو يعطى إنسان من ثواب الدنيا شيئاً كثيراً، ولا يمنع ذلك من أن يكون له مقام عظيم وأجر كريم في الآخرة. قال الله عن خليله إبراهيم: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنِ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت:٢٧]، وسليمان ﵊ أعطاه الله ملكاً عظيماً، وله أجره يوم القيامة كما أخبر الله جل وعلا في سورة (ص). والذي يعنينا أن هذا وقع لـ أبي لهب من جراء عتقه لـ ثويبة مولاته عندما بشرته بمولد رسول الله ﷺ .

стр. 113

فصاحة القرآن وبلاغته وذكر شوقي كذلك في همزيته التي بين يدينا قضايا أخر من أشهرها أنه قال: الذكر آية ربك الكبرى التي فيها لباقي المعجزات غناء وكنا قد أفردنا حديثاً خاصاً عن القرآن العظيم، لكن تبقى قضية وهي: أن القرآن من أعظم الطرائق لأن ينال الإنسان بها مرتبة عليا في الفصاحة، وكثير ممن يتصدر للعلم قد تخونه بعض الألفاظ البلاغية والقدرة البيانية، وهذا كله لقلة تدبره وقراءته للقرآن، فالقرآن تحدى الله به فصاحة البلاغاء، وبلاغة الفصحاء، وهو المعجزة الكبرى التي أوتيها نبينا ﷺ . وكان النقاد قديماً يبحثون في قضية: لماذا عجزت العرب عن الإتيان بمثل القرآن؟ وبعضهم يرده إلى مسألة الصرفة، وهو قول إبراهيم النظام من المعتزلة، وهو أن الله صرفهم وإلا فالعرب قادرون، وهذا قول باطل، فبلاغة القرآن لا يمكن أن يرتقي إليها بلاغة أحد من الخلق، قال الله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]. يكون في هذا اللقاء قد تحدثنا عن بيتين لـ شوقي، وهما قوله: والآي تترى والخوارق جمة جبريل رواح بها غداء وقوله: الذكر آية ربك الكبرى التي فيها لباقي المعجزات غناء وفي اللقاء القادم إن شاء الله تعالى سنتحدث عن خصائص النبي ﷺ الشاملة التي ذكرها شوقي في أبيات متتابعة والتي أولها: زانتك في الخلق العظيم شمائل يغرى بهن ويولع الكرماء نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يلبسنا وإياكم لباس العافية والتقوى. هذا ما تهيأ إيراده وأعان الله على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 114

سلسلة المدائح النبوية [أبيات من همزية شوقي] [٢] لقد بلغ النبي ﷺ الذروة في الكرم والجود والعفو، فكان ﷺ كريماً جواداً أجود من الريح المرسلة، وكان أكرم ما يكون في رمضان. وكان عفواً يصفح ويغفر عمن أساء إليه، ومن درس سيرته رأى ذلك يقيناً.

стр. 115

بلوغ النبي الذروة في السماحة والكرم والجود بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأرض والسماوات، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا لقاء متجدد من لقاءاتنا الموسومة بالمدائح النبوية، وكنا أيها المباركون قد تكلمنا في اللقاء الماضي عن همزية شوقي (ولد الهدى). وحررنا بعض أبياتها وعلقنا عليها، فمنها ما كان يتعلق بعالم الجن، ومنها ما كان يتعلق بمعجزة القرآن، وذكرنا حينها أننا سنتعرض لمجمل ما قاله شوقي من وصف نبينا ﷺ الخلقية. نكرر هنا بعض الأبيات التي قالها شوقي؛ لأن هذه سنة متبعة في هذه اللقاءات، ثم نعرج إن شاء الله تعالى على الأبيات التي نريد التعليق عليها. ولد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثناءُ الروح والملأ الملائك حوله للدين والدنيا به بشراء يا خير من جاء الوجود تحية من مرسلين إلى الهدى بك جاءوا بيت النبيين الذي لا يلتقي إلا الحنائف فيه والحنفاء خلقت لبيتك وهو مخلوق لها إن العظائم كفؤها العظماء يا أيها المسرى به شرفاً إلى ما لا تنال الشمس والجوزاء يتساءلون وأنت أطهر هيكل بالروح أم بالهيكل الإسراء بهما سموت مطهرين كلاهما روح وريحانية وبهاء تغشى الغيوب من العوالم كلما طويت سماء قلدتك سماء زانتك في الخلق العظيم شمائل يغرى بهن ويولع الكرماء فإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هم الرحماء وإذا ملكت النفس قمت ببرها ولو أن ما ملكت يداك الشاء وإذا أخذت العهد أو أعطيته فجميع عهدك ذمة ووفاء وإذا قضيت فلا ارتياب كأنما جاء الخصوم من السماء قضاء وإذا بنيت فخير زوج عشرة وإذا ابتنيت فدونك الآباء أنت الذي نظم البرية دينه ماذا يقول وينظم الشعراء والمصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء صلى عليك الله ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء واستقبل الرضوان في غرفاتهم بجنات عدن آلك السمحاء وقبل أن أعلق على القصيدة أمهد بالتالي: كلنا نسمع عن كرم حاتم وشجاعة عمرو بن معد يكرب، ونسمع عن ذكاء إياس، وتعلم فنعلم من حيث الإجمال أن العرب كان فيها مشاهير في كل خلق، لكن لا يوجد فيها أحد بلغ الذروة في كل شيء، فمثلاً يقولون: إن أبا تمام -الشاعر العباسي المعروف، وكان ذكياً جداً- وقف بين يدي أحد الأمراء يمدحه، فقال في القصيدة وهو يمدح صاحبه: إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياسِ فأحد حساد أبي تمام قال: إن الأمير -أي الممدوح- أعظم من أجلاف العرب الذين ذكرتهم، فقال أبو تمام يعتذر لنفسه: لا تنكروا ضربي له من دونه مثلاً شروداً في الندى والباسِ فالله قد ضرب الأقل لنوره مثلاً من المشكاة والنبراسِ أي: أنني وإن شبهته بهؤلاء إلا أن ذلك من باب الطريقة القرآنية في أن الله شبه نوره بنور المشكاة، ونور الله أعظم من نور المشكاة، وهذا تصرف ذكي من أبي تمام، لكن أنى لذلك الممدوح أن يصل إلى كرم حاتم أو ذكاء إياس. والذي جعلنا نمهد لهذا: أن النبي ﷺ في الذروة في السخاء، والذروة في الكرم، والذروة في الشجاعة، والذروة في الجمال، والذروة في العفو، والذروة في العدل، فكل مكارم الأخلاق تنتهي إليه صلوات الله وسلامه عليه، وهنا نسجل لـ شوقي قدرته على هذه النظرة في مدح نبينا ﷺ ، فالذين سبقوا شوقي ممن مدحه ﷺ لم يصلوا إلى أن يجمعوا كل الخصال وينبهوا عليها ويشيروا إليها في مدح نبينا ﷺ ، إلا أن شوقي تنبه لذلك.

стр. 116

حسن تعامله ﷺ مع الآخرين ومراعاة مشاعرهم وأما التعريج على القصيدة وربطه بالسيرة: فإن نبينا ﷺ سبق أن تحدثنا عن عفوه وعن عدله، ونتحدث الآن عن مواقف يظهر فيها كيف كان ﷺ يتعامل مع من حوله مراعاة لمشاعر الناس، وأيضاً نقل فقه المسألة التكيف مع واقعه الذي يعشيه ﵊، وهذه بلغ فيها ﷺ كما في غيرها منازل عظمى، وأذكر مثلاً الآن هذه المقارنة: ففي الهجرة تبع سراقة بن مالك النبي ﷺ ، وكان الذي أخرج سراقة هو المال، وذلك لما علم أن قريشاً جعلت مائة ناقة لمن يأتي بالنبي ﷺ ويرده، فتبع النبي ﷺ وهو يوم ذاك مشرك، فغاصت قوائم فرسه في الأرض، فدعا له النبي ﷺ فقامت فرسه مرة مرتين، فآمن سراقة أن هذا الرجل صادق، ولم يؤمن به كنبي، لكن آمن أن هذا الرجل صادق فيما يقول، فقال له ﷺ : (يا سراقة! كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟). فهذا موقف سنعلق عليه بعد التالي. وعمر ﵁ في المدينة بعد الهجرة لما اعتزل النبي ﷺ نساءه دخل عليه عمر وليس في البيت شيء يرد الطرف، والنبي ﷺ نائم على حصير قد أثر في جنبه، فقال عمر ﵁: (يا رسول الله! أنت فيما أنت فيه وكسرى وقيصر فيما هم فيه؟! قال ﷺ : أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك أقوام عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، لهم الدنيا ولنا الآخرة). فانظر الآن بديع فهمه ﷺ للنفسيات، فـ سراقة أخرجه المال، وحتى لو قلنا وقتها: إنه مؤمن فهو حديث عهد بإيمان، فالنبي ﵊ يشبع الحاجة النفسية التي عند سراقة، فقال له: (كيف بك إذا لبست سواري كسرى)، فعلى الأقل إذا دعا سراقة إلى قومه وقالوا له وعنفوه: كيف تركته وقد كانت فرصة لك أن تحمل النياق وأن تنال الجائزة؟ فإنه يتذكر أن الرسول وعده بسواري كسرى، فلا يبقى فيه ندم على أنه ترك النبي ﷺ . وأما عمر فشخصية أخروية لا تعرف الدنيا ولا تنظر إليها، وثاني رجل في الإسلام بعد أبي بكر ليس رجلاً دنيوياً ترده بالدنيا، فالنبي ﷺ لما قال له عمر بن الخطاب ﵁ كسرى وقيصر قال: لهم الدنيا ولنا الآخرة، مع أن سواري كسرى اللذين بشر النبي ﷺ بهما سراقة لم يصلا إلى سراقة إلا عن طريق عمر؛ لأن مدن كسرى فتحت في عهد عمر، ومع ذلك لم يذكر النبي ﷺ طرفة عين لـ عمر مسألة سواري كسرى؛ لأن عمر شخصية أخروية، فانظر وأنت مطمئن إلى عظيم ما منّ الله به على نبيه ﷺ في التعامل مع الناس، وكيف كان ﵊ يعطي كل نفس ما تحتاجه، ويتعامل معها من منظور فقهي وعلمي ﷺ بواقع حاله وأصحابه. وفي خبره ﷺ عن السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب قال ﵊ في مجمع من أصحابه، لما سأله عكاشة بن محصن ﵁ وأرضاه، وقد كان في علم الله وقدره أن عكاشة منهم، فقال: (يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم، فقام رجل آخر -وحق له أن يقوم- فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم)، فلم يقل ﷺ : لست منهم، ولم يقل: أنت منهم؛ وقد علم بطريق الوحي أنه ليس منهم، لكنه اختار لفظاً يناسب الحال فقال: (سبقك بها عكاشة). تقرأ بالتشديد والتخفيف، فهذا من مراعاة المشاعر منه ﷺ . فهنا يأتي الرجل العاقل فيترجم هذه المواقف النبوية إلى أفعال، فعندما نتكلم مع الناس نراعي نفسياتهم، ونختار أعذب الألفاظ. فذات مرة رأى الرجل أظنه أبا جعفر المنصور أن جميع أسنانه قد سقطت، فقام وجلاً خائفاً، وقال: ادعوا لي معبراً، فأتوه بمعبر، وهذا المعبر جيد في التعبير لكنه لا يحسن الوصف، ولا يحسن كيف يقدم الجواب، فقال: ستفقد جميع أهلك، أي: سيموت أبناؤك وبناتك والأسرة كاملة، فاغتاظ أبو جعفر وقال: ابحثوا عن معبر آخر، فجاءوا بمعبر آخر فقال: ماذا رأيت يا أمير المؤمنين! قال: رأيت أن جميع أسناني قد سقطت، قال: هذه بشرى لك يا أمير المؤمنين! فأنت آخر أهلك موتاً، أنت طويل العمر فالمعنى واحد، فمعنى أنه طويل العمر أن أهله سيموتون قبله، فما أراد الأول أن يقوله قاله الثاني، لكن قاله بصياغة تختلف عن الأول، فتعجب أبو جعفر من فصاحته وحسن أدبه وجمال لفظه. فمن قدر له أن يقرأ سيرة نبينا ﷺ ، ويتبصر كيف كان ﵊ ينتقي الألفاظ ويقولها لغيره سواء من أهل الكفر أو من أهل الإيمان، علم عظيم خصاله ﷺ ، وعلو دأبه في كل شأن عظيم صلوات الله وسلامه عليه. ومقصودنا قبل أن ننتقل إلى بيت آخر من أبيات همزية شوقي أن نبين أنه يجب أن ننهل ونستقي من معين سيرة نبينا ﷺ ، وما هذه المدائح التي قيلت فيه بالنسبة لنا إلا طريق نعرج من خلال التعليق عليها إلى أن نصل إلى ما كان عليه الرحمة المهداة والنعمة المسداة صلوات الله وسلامه عليه من عظيم الخصال، وجليل المناقب.

стр. 117

تعليمه ﷺ لأمته قال شوقي في همزيته: يا أيها الأمي حسبك رتبة في العلم أن دانت بك العلماء نعلم جميعاً أن النبي ﷺ قال له الملك أول ما رآه: (اقرأ، قال: ما أنا بقارئ) أي: لا أجيد القراءة، فهذا الأمي ﵊ الذي لا يجيد القراءة علم الله جل وعلا به الأمة كلها، وهذا معنى قول شوقي: يا أيها الأمي حسبك رتبة في العلم أن دانت بك العلماء فهو ﷺ أفضل معلم للبشرية، وفي دعوة أبيه إبراهيم: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:١٢٩]. وإذا أردنا أن نتكلم عن العلم في حياة النبي ﷺ فهذا باب مستفيض، لكني أذكر أحداثاً وأعلق عليها، ولعل في هذا طريقاً جيداً للوصول إلى الغاية. قال عمر ﵁ كما في حديث جبريل المشهور في صحيح مسلم: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد سواد الشعر، شديد بياض الثياب، ولا يعرفه منا أحد). فلماذا قال عمر: (شديد سواد الشعر، شديد بياض الثياب ولا يعرفه منا أحد)؟ إن المجتمع النبوي في المدينة مجتمع صغير، فلا يوجد رجل في الحلقة لا يعرفه كل الناس؛ لأنه لو كان غريباً لا يعرفه الناس الجميع لا يعرفونه فمعناه أنه من الأعراب، فإذا كان من الأعراب الذين قدموا فسيظهر عليه أثر السفر، لكن الذي استوقف عمر هنا أن هذا الرجل رجل شديد سواد الشعر، شديد بياض الثياب، ومع ذلك ليس قادماً من الأعراب، وليس من أهل المدينة، فهذان الوصفان في العادة لا يجتمعان. قال: (فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه)، وقد قال العلماء: إن هذه من طرائق طلب العلم، فأخذ جبريل يسأل وهو يعلم الإجابة، قال: أخبرني عن الإيمان، أخبرني عن الإسلام، ويسأله عن أشراط الساعة، فهذه الأسئلة تسمى عند العلماء سؤالات جبريل. ما معنى سؤالات جبريل؟ أحياناً يكون هناك عالم في المجلس وأنت تعرف الإجابة، لكنك تسأل حتى يستفيد الحاضرون، فجبريل ﵇ يعرف ما هي أركان الإيمان، ويعلم ما هي أركان الإسلام، ويعلم ما هي أشراط الساعة، ولما قال: (أخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل) أي: علمي وعلمك سواء، لكنه أراد جبريل بهذه الطريقة أن يعلم الصحابة، والموقف في جملته لنا طلبة العلم طريق في قضية كيف كان النبي ﷺ يعلم أصحابه.

стр. 118

اهتمام العلماء بأخذ ميراث النبوة وقد أخذ العلم عن نبينا ﵊ خلق كثير، وسنعرج هنا على بعض علماء الأمة الكبار الذين قد يصدق فيهم كثيراً قول النبي ﷺ : (العلماء ورثة الأنبياء)، وأنا أريد بإيضاحي لهذه المسألة أن يعني العالم بمسألة مهمة وهي قضية كيف يربى الطلاب؟ فإن تربية الطلاب مسألة جليلة الأهمية، فكل من طار قبل أن يريش فإنه يقع، يذكرون عن أبي حنيفة النعمان رحمة الله تعالى عليه أنه كان ذات يوم في مجلسه، وكان من تلاميذه أبو يوسف الذي أصبح بعد ذلك قاضي القضاة، وقد نشأ أبو يوسف يتيماً، فأمه كانت تطلب منه أن يعمل عند رجل آخر، يعني: يعمل في مهنة أو صنعة ويأتيها بمال بدانق أو دانقين، فكانت المرأة إذا رأت ابنها في حلقة أبي حنيفة تعاقبه، فكان أبو يوسف يوم أن كان يتيماً صغيراً يحتار يتردد ما بين العمل والمهنة التي تطلبها أمة وبين الجلوس بين يدي أبي حنيفة، وهذا العالم الرباني أبو حنيفة كان ممن آتاه الله نوراً يستشرف به المستقبل، فذات يوم جاءت أم أبي يوسف وضربت ابنها، فمنعها أبو حنيفة، وقالت له المرأة محتجة: إن ابني يكسب من صنعته كل يوم دانق أو دانقين، فقال لها أبو حنيفة: والله إن ابنك سيأكل الفالوذج بزيت الفستق. والفلوذج نوع من الحلوى لم يكن يومئذ يوجد إلا في بيوت الأثرياء، وزيت الفستق أو دهن الفستق لا يوجد إلا في بيت الخليفة، فاغتاظت المرأة منه وقالت: والله إنك رجل مجنون، ضعيت ابني اليتيم وحرمته من كسبه، فمرت الأيام ولزم أبو يوسف حلقة أبي حنيفة حتى مات أبو حنيفة، وأصبح أبو يوسف بعد ذلك يتصدر مكانه، ودانت له العلماء، وهو أحد من غرفوا علم نبينا ﷺ ، فلما دانت له العلماء وأصبح ذائع الصيت كان قريباً من هارون الرشيد، فكان يدخل على هارون الرشيد في قصره، وذات يوم قدر لـ أبي يوسف أن يتعشى عند هارون الرشيد، فقدم له هارون قطعة من الحلوى، وقال: يا أبا يوسف! كل فهذا فالوذج بدهن الفستق، فتبسم أبو يوسف، فتعجب هارون من تبسمه، وقال: ما الذي يدفعك إلى هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، وحكى له القصة. فتحققت فراسة أبي حنيفة في أبي يوسف أنه أصبح وارثاً للعلم، قائماً به بين الناس، حتى أصبح الخلفاء يجلونه ويقدرونه ويقدمون له الطعام، فقال هارون معلقاً: لقد كان أبو حنيفة يرى بعيني عقله ما لا يراه الناس بعيني رءوسهم. فهذا مثل نضربه على واحد ممن ورثوا علم نبينا ﷺ في قضية أنه يصبّر طلابه على العلم، ويقال لهم ما يمنيهم ويجعلهم يصونوا العلم، فبه تعلو منازل الدرجات، وإن كنا نجزم أنه لم يكن مقصود أبي حنيفة أن يكون أبا يوسف دنيوياً، ولم يكن أبو يوسف كذلك، لكنها في قضية مفهوم كلمة الطلب. وكذلك مما يعين على أن يصل الإنسان إلى منزلة عليا في العلم أن يخدم الإنسان من هو أعلم منه، وقد قدر لـ يحيى بن يحيى أن يصحب الليث بن سعد، وكان الليث بن سعد يوماً على بغلته في المدينة فجاء يحيى بن يحيى والليث لا يعرفه وهو يومئذ غلام، فأخذ يسوق البغلة لليث، فرق له الليث وأعجب بصنيعه هذا، وقال: يا غلام خدمك العلم، دعوة من عالم في مدينة رسول الله ﷺ ، فلما قالها مضت الدنيا بقدر الله بـ يحيى بن يحيى ﵀ حتى عاد إلى الأندلس وأصبح إماماً ومفتياً بها، ويدخل على الخليفة والأمير متى شاء، فتحققت فيه دعوة الليث بن سعد رحمة الله تعالى عليهما، فصحبة العلماء تعطي نوعاً من البركة على الإنسان ينالها ويشعر من إقبال التوفيق ما يناله.

стр. 119

الحكمة من عدم كون النبي يقرأ ويكتب نعود للفظ شوقي: (يا أيها الأمي) وكون النبي ﷺ لا يقرأ ولا يكتب هذه منقبة في حقه، ومذمة في غيره، فلا يأتي أحد يمتنع عن القراءة والكتابة بحجة أن النبي ﷺ لم يكن يقرأ، لكن هذه بالنسبة له ﷺ منقبة؛ حتى يقطع الله جل وعلا على أهل الإشراك ذمهم لنبيه ﷺ ؛ ولهذا قال الله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٨ - ٤٩] فعلماؤها الأمة كلهم في ميزان حسناته صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 120

النبي هو المصدر الأول والمنهل الأعذب للعلم (ومن نهلك العذب يا خير الورى اغترفوا)، فكل أخذوا عنه صلوات الله وسلامه عليه من الصديق والفاروق وعثمان وعلي وغيرهم من الأصحاب إلى يومنا هذا، فالناس تنهل، فالعلماء ينهلون من معين علمه، وجميل سنته صلوات الله وسلامه عليه، على أن السنة تحتاج إلى رجل يحسن التدبر، وأن يعلم أن الدين لا يجمع بين متناقضين ولا يفرق بين متماثلين، فالنظرة إلى السنة والتأمل والتدبر إذا قام بها الإنسان قل إنكاره، فمن كثر علمه قل إنكاره؛ لأنه يعرف للمسألة أكثر من وجه، وسآتي بمثال حي من حياة الناس الآن، فلو قدر أنك زرت أخاً لك في بيته، ثم إن الذي استقبلك في المطار أخذك بسيارته وأوصلك إلى بيت أخيك، فأنت من خلال تتبعك لهذا الذي معك عرفت الطريق إلى بيت أخيك في هذه البلدة التي أنت غريب عنها، لكنك لا تعرف طريقاً غيرها، فلو قدر أنك أتيت مرة أخرى إلى نفس البلدة وأخذك شخص آخر غير الأول وهو يعرف طريقاً أقرب من طريق الذي كان قد أوصلك سابقاً، فعندما تراه يحيد عن الطريق الأول تجد نفسك جبلة تنكر عليه؛ لأنك لا تعلم طريقاً غيره، وأما هو فكان واثقاً من نفسه وعلى بينة من أمره، فهو يعرف طريقاً أو أكثر تدل على بيت أخيه، فكثر إنكارك لأن علمك قليل، لكن لو كنت تعلم طرائق متعددة توصل إلى بيت أخيك ما كان لك ولا عليك أن تنكر على من أوصلك، ولهذا من يعرف السنة حقاً ويستطيع الجمع بين الأحاديث وأوتي علماً وحفظاً تجده ذا سكينة ووقار لا يبادر إلى أي شيء ينكره اللهم إلا المنكرات المعروفة التي لا خلاف بين المسلمين فيها، لكن في أصله العام يبقى الرجل ذا تؤده؛ لأنه أبصر بالسنة وأعلم بالهدى، ويملك نظرة واسعة في الجمع بين الأحاديث، وتلك منزلة ينال بها الإنسان رفيع الدرجات، وأعالي ما وصل إليه العلماء، وكلنا في جملة الأمر نسير بهدى الله نغترف من عذب وسيرة نبينا ﷺ . هذا ما تهيأ إيراده معلقين به على قول شوقي: يا أيها الأمي حسبك رتبة في العلم أن دانت بك العلماء وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 121

سلسلة المدائح النبوية [حُداء الهجرة النبوية لعبد الرحمن العشماوي] لم يأت أحد من الأنبياء والمرسلين بما جاءوا به إلا عاداهم بعض أقوامهم، ورموهم عن قوس واحدة، لذلك جاءت الهجرة كحل لهذا الصد من هؤلاء الأقوام، فقد هاجر نبينا محمد ﷺ من مكة إلى المدينة لما آذته قريش، فأقام دولة الإسلام في المدينة. وهاجر أصحابه بسبب الأذى قبل ذلك إلى الحبشة، فلما سمعوا بهجرة النبي وأصحابه إلى المدينة رجعوا من الحبشة إلى المدينة.

стр. 122

الهجرة والبعثة مقرونتان بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة قامت عليها السماوات والأرض ولأجلها كان الحساب والعرض، هي عماد الإسلام، ومفتاح دار السلام. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، نبي سلم الحجر عليه، ونبع الماء من بين أصبعيه، فصلى الله وسلم وبارك وأنعم عليه، وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فهذا لقاء نتابع فيه المدائح النبوية؛ تلك القصائد التي قيلت في خير البرية ﷺ ، واليوم سنقف مع قصيدة للدكتور عبد الرحمن العشماوي الشاعر الإسلامي السعودي المعاصر، في قصيدة جعل عنوانها: حداء الهجرة. وهي قصيدة تعنى بالنبي ﷺ جملة، وبحادثة الهجرة على وجه الخصوص من سيرته صلوات الله وسلامه عليه. وكما جرت العادة فسنقرأ شيئاً من الأبيات، ثم نعلق عليها تعليقاً يغلب على الظن أننا نحاول أن نجلو فيه شيئاً من سيرة نبينا ﷺ . قال الدكتور عبد الرحمن العشماوي في ذكرى هجرة نبينا ﷺ : تسري فيرتاح الظلام من السرى ويفر من أجفان أنجمه الكرى ويفيض وجه هلاله بسعادة فيصير حين يراك بدراً نيراً ويراك مصدر ما صفى من نوره أعظم بنور كنت فيه المصدرا تسري فيلتهم الطريق خطاك في شوق ويضحك تحت نعليك الثرى يلقي إليك الرمل ألف تحية ولو استطاع لصار حقلاً أخضرا والغار يصبح واحة من فرحة لما يرى في ليل وجهك مسفرا ما ضمك الغار المحب وإنما ضم الندى والغيث حتى أزهرا ظن النبوة منبعاً يجري على أرض الكرامة والأمانة كوثرا تسري فيورق كل غصن ذابل ويصير من بعد الجفاف الأنضرا ويدر ضرع الشاة وهي هزيلة لبناً ألذ لشاربيه وأوفرا أسرجت خيل الحق في غسق الدجى وخرجت والتاريخ يبصر ما يرى فمررت من بين الرجال كأنهم خشب وسلمت الأمانة حيدرا احثوا التراب على الرءوس ولا تخف فعيون من وصدوا طريقك لا ترى تسري فيهتف من قباء هاتف شغفاً ويلقاك العقيق مكبرا هذه ثنيات الوداع تألقت لما رأت ليل المدينة مقمرا ماذا أقول إذا كتبت مدائحي إني أراك من المدائح أكبرا فأقول ما يرضي عقيدتك التي أجريت منها في المشاعر أنهرا فلأنت عبد الله أنت رسوله يرضيك أن تدعى بذاك وتذكرا صلوات الله وسلامه عليه، وحقاً كما قال الدكتور العشماوي؛ فنبينا ﷺ لا يرضيه شيء أعظم من أن يقال: إنه عبد الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه. وأما التعليق على الأبيات أيها المباركون! فإن الشاعر ذكر أن القصيدة تعنى بقضية الهجرة، وأحرر القول هنا حول الهجرة فيما يلي: يجب أن نعلم أن الهجرة بدأت مع البعثة، فالبعثة والهجرة في أيام ولدتا واحدة، فإن النبي ﷺ كما نعلم من سيرته أنه لما نزل خائفاً وجلاً من الجبل قال: (دثروني دثروني)، ودثرته خديجة، وناداه ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١]، وزملته خديجة وأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل:١] وأخذته خديجة إلى ابن عم لها يقال له: ورقة بن نوفل، وورقة هذا أخبر النبي ﷺ بأن قومه سيخرجوه، فقال ﷺ في أيام البعثة الأولى مستفهماً: (أومخرجي هم؟ قال: نعم)، وهذا يدل على أن الهجرة والبعثة وجدتا في أيام واحدة، فهذا إرهاص عن طريق ورقة بن نوفل يسوقه الله إلى نبيه ﷺ كي يوطئه بأن يقبل الهجرة. وكانت قبل الهجرة إلى المدينة الهجرة -كما هو معلوم- إلى الحبشة لبعض الصحابة، ولم يهاجر النبي ﷺ إلى أي ديار قبل المدينة، لكن ما الفرق ما بين الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى المدينة؟ قبل أن نبين الفرق نقول: إن النبي ﷺ ما هاجر إلى المدينة إلا والإسلام قد دخل أكثر بيوتها، فالهجرة إلى الحبشة هجرة إلى دار أمن، وأما الهجرة إلى المدينة فهي هجرة إلى دار أمن وإيمان بخلاف الهجرة إلى الحبشة، والآن بعض المسلمين في بعض البلدان مضطرون للهجرة لأي سبب سياسي أو اقتصادي أو شخصي وهذا ظاهر عياناً واقع مشهود نعيشه، فالحمد الله هنا على نعمة الأمن والإيمان. فالمقصود: أن هجرتهم إلى السكنى في الغرب، منهم من يذهب إلى استراليا، كمثال، فالهجرة إلى استراليا ليست هجرة إلى دار إيمان، لكنها هجرة إلى دار أمن، فكذلك المهاجرون الأوائل الذين هاجروا إلى الحبشة هاجروا إليها باعتبار أنها إلى دار أمن. إذاً: فهذا يسوغ شرعاً للمؤمن إذا خاف على دينه أن يهاجر إلى دار أمن، وأما الهجرة إلى المدينة فكانت هجرة إلى دار إيمان، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر:٩]، فالدار المدينة، والإيمان ذلك الذي كان يملأ القلوب، وأكثر أهل المدينة من الأنصار من أهل الإيمان بالله ورسوله ﷺ ، فهذا تفريق ما بين الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى المدينة، وبينا أن الهجرة ولدت مع أيام البعثة، فقد قال لـ ورقة بن نوفل: (أومخرجي هم؟).

стр. 123

صحبة الصديق لرسول الله في الهجرة وقد منَّ الله جل وعلا على الصديق بأن يكون صاحب نبينا ﷺ في هجرته، وقد ذكر المؤرخون أن عمر رضي الله تعالى عنه هاجر جهاراً، وفعل ذلك بعض الصحابة غير عمر، فلماذا هاجر عمر جهاراً وهاجر النبي ﷺ خفية؟ هناك جملة أسباب عديدة لكن من أهمها: أن النبي ﷺ موضع قدوة، فهو يقول: (الضعيف أمير الركب)، فالأحكام الشرعية تأتي على حال الإنسان الأضعف، ولا تأتي على حال الإنسان الأقوى، فنبينا ﷺ قدوة بخلاف عمر، وعمر قدوة في أفعاله التي وافق فيها النبي ﷺ ، وأما ما اجتهد فيه فيبقى مثله مثل سائر الأصحاب رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، لا تكلف ما لا تطيق؛ لأن الله جل وعلا رفع عنا العسر ووضعه عنها ببعثة نبينا ﷺ ، فهذا من أعظم الأسباب في أن النبي ﷺ أخفى هجرته بخلاف بعض الصحابة كـ عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه فيما ذكره المؤرخون عنه.

стр. 124

تبيين أن الضمير في قوله تعالى: (فأنزل الله سكينته) يعود إلى الصديق والنبي ﵊ مكث مع أبي بكر في الغار، وهذا أمر مستفيض، لكنني سأقف عند نقطة يغفل عنها البعض، وإن كان قولنا فيها قد يخالف قول جماهير أهل العلم من المفسرين، الله جل وعلا يقول: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة:٤٠]، فجمهور أهل العلم من المفسرين على أن قول الله جل وعلا: ((فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ)) أي: على النبي ﷺ ، ((وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا)) أي: بما وقع للنبي ﷺ من نصرة في الغار، وأقول والعلم عند الله: إن هذا خلاف الصواب أو خلاف ظاهر الآية فيما يبدو لنا، وتفسير معنى الآية كالآتي: لقد نزلت هذه الآية تتحدث عما كان من حال بعض المنافقين من عدم نصرتهم لنبينا ﷺ ، فالله جل وعلا أراد أن يبين لمن يقرأ كلامه أن النبي ﷺ في غنى عن نصرة العباد له؛ لأن الله ينصره، ثم ذكر الله جل وعلا -فيما نحسب- موضعين نصر فيهما نبيه، فقال: ((إِلَّا تَنصُرُوهُ)) أي: إن لم تنصروه، ((فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ)) في موضعين، الأول: ((إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ))، فالموقف الأول عندما أخرجه الذين كفروا، أي: ألجئوه إلى الخروج من مكة إلى المدينة، ((ثَانِيَ اثْنَيْنِ)) أي: النبي ﷺ والصديق: ((إِذْ هُمَا)) النبي والصديق، ((فِي الْغَارِ)) المعروف. هذا كله لا خلاف فيه، ((إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ)) أي: النبي ﷺ يقول لصاحبه أبي بكر، وهذا إلى الآن متفق عليه، ((لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)) وهذا خطاب من النبي ﷺ لما قال له أبو بكر: (إن أحدهم لو نظر أسفل قدميه لرآنا، قال: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما)، فهذا الحدث بينه الله قولاً فقال الله جل وعلا: ((إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا))، وهذه منزلة شريفة لـ أبي بكر، إذ أن الله قال على لسان نبيه في القرآن: ((إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)) أي: معك، في حين أن الله قال على لسان كليمه موسى لما أتبعه فرعون وجنوده بغياً وعدواً، قال موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، ولم يشرك في تلك المعية، في حين أن الله جل وعلا أشرك الصديق في هذه المعية مع نبيه ﷺ ، وإن كنا نعلم أن نصرة الله لنبيه تختلف عن نصرته لـ أبي بكر، لكن في جملة الخطاب جاء الخطاب واحداً، ((لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ))، أي: على أبي بكر؛ لأن النبي ﷺ دخل الغار مطمئناً، تغشاه السكينة، وأما أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه فحزنه وشفقته وخوفه على رسوله ﷺ جعله خائفاً؛ لأنه يعلم أن في هلاك رسول الله ﷺ ذهاباً للدين، وهلاكاً للأمة، فدخل خائفاً وجلاً، وأخذ يقول: يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر أسفل قدميه لرآنا، فقال النبي ﵊ لهذا الصديق: ((لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا))، وبهذا اللفظ النبوي نزلت السكينة على أبي بكر: ((فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ))، فأصبح النبي ﷺ من بادئ الأمر والسكينة عليه، وأما الصديق فبعد هذا الطمأنينة التي جاءت على لسان النبي ﷺ غشيته السكينة، وأما قول الله: ((وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا)) عقلاً -يا أخي- ونقلاً لا يمكن أن يستقيم الخطاب إذا كان الحديث عن الهجرة، لكن ((وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا)) الواو هذه واو استئناف، والله يتكلم الآن عن موقف ثان غير موقف الهجرة، يتكلم على أنه نصر نبيه يوم بدر، فيوم بدر حاربت الملائكة، والصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم كانوا حاضرين بدراً، يعني: النفر الذين شهدوا بدراً كانوا حاضرين، ومع ذلك لم يروا الملائكة، ولم يروا أولئك الجند الذين أيد الله بهم نبيه، فهذا معنى قول الله: ((وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ)) أي: يوم بدر ((لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى))، هذا كله في بدر. إذاً: القرآن يتحدث عن موقفين نصر الله فيهما نبيه: الموقف الأول يوم الغار، والموقف الثاني: يوم بدر، ((وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا))، لكن لو جعلنا كما قال -جمهور أهل التفسير- لو جعلنا الخطاب: ((وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا)) خاص بيوم الهجرة فلا يستقيم المعنى؛ لأن الصحابة ﵃ وهم المخاطبون الأولون بالقرآن لم يكونوا حاضرين يوم الغار، فبدهي جداً أنهم لم يروا النبي ولم يروا الجنود؛ لأنهم لم يكونوا حاضرين، والإنسان لا يطلب منه ولا يكلف أن يقع شاهد إثبات يعمر فيه، لا يمكن أن يقع هذا، ولا يمكن أن يستقيم نقلاً ولا عقلاً، لكنهم يوم بدر كانوا حاضرين مع نبيهم ﷺ ، فشهدوا المعركة لكنهم لم يشهدوا أولئك الملائكة وهم ينصرون نبينا ﷺ . فيستقيم المعنى: ((وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا)) وكنتم حاضرين، لكن في يوم الغار لم يكن أحد من الصحابة مع النبي ﷺ إلا أبو بكر، وكان موجوداً مع النبي في الغار، فلا يستقيم أن يكون الخطاب عن يوم الغار: ((وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا)). ومن ذهب إلى أن المقصود نسج العنكبوت وبيض الحمامة، فهذا يرده العقل، ولو سلمنا بصحة الرواية التي تقول: إن العنكبوت نسجت بيتاً، وسلمنا بصحة الرواية التي تقول: إن الحمامة باضت، فهذه من جنود الله ونحن متفقون، لكنها ترى بالعين، فالله يقول: ((وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا))، فإذا كان القرشيون رأوا الحمامة ورأوا العنكبوت لم يستقم معنى الآية: ((وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا))، لكن يستقيم إذا جعلنا الموقف موقفين: يوم بدر وموقف قبله يوم الغار، فالله يريد أن يقول للناس: إنني نصرت نبيي بموقفين حالكين: موقف الغار لم يكن معه إلا أصحابه، وموقف يوم بدر يوم كانوا أذلة، وهذا يعضده قول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران:١٢٣]. بعض الطوائف ممن ينتسب إلى الإسلام ((لا تَحْزَنْ)) فيها قدح لـ أبي بكر، أين القدح؟ قالوا: إن النبي ﷺ قال للصديق، وفعل الصديق هذا واحد من اثنين -حسب نظرتهم- إما أن يكون طاعة وإما أن يكون معصية، فلو كان حزنه طاعة، فالنبي لا يمكن أن ينهاه عن طاعة ويقول له لا تحزن وهي طاعة، قالوا: لم يبق إلا أن يكون معصية، فيقولون: إن الصديق عصى الله ورسوله يوم الغار، وهذا باطل؛ لأن هذا الموقف ليس موقف طاعة ولا موقف معصية، بدليل أن الله قال لنبيه: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس:٧٦] فإذا كان قول الله جل وعلا: ((لا تَحْزَنْ)) قدح للصديق فيلزم من قولكم أن قول الله: ((فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ)) قدح في النبي ﷺ ، وهذا القول فيه كفر. إذاً فـ الصديق لم يكن عليه تثريب، بل إنني أقول: إن قول الله جل وعلا: ((فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ)) أن المقصود إنزاله على الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهي من أعظم مناقبه وخصاله، فما آتاه الله إياه ﵁ وعن أبويه وعن أبنائه وبناته، فلا يعرف في الصحابة أحد أسلم أبواه وزوجته وأبناؤه وبناته جميعاً إلا الصديق، فهذه خصيصة ومنقبة أكرم الله بها صاحب رسول الله ﷺ . أرجو أن يكون قد تحرر الخطاب حول الهجرة.

стр. 125

من بركات رسول الله نعود إلى قول الدكتور العشماوي في قصيدته: ويدر ضرع الشاة وهي هزيلة لبناً ألذ لشاربيه وأوفرا هذا وقع للنبي ﷺ في طريقه من شاة أم معبد، وقصة الشاة مشهورة، وأنا لا أحب أن أتكلم في شيء مشهور، لكن سأقف وقفة خفية في الموضوع: نعلم أن النبي ﷺ أتى ومعه أصحابه أبو بكر وعامر بن فهيرة كخادم وعبد الله بن أريقط كدليل، فأصبحوا أربعة، فدخلوا على أم معبد في القصة المشهورة وما كان عندها حليب في الخيمة إلا شاة أخبرت أنها عازب وحيال وأنها أجهدها ضعفها أن تذهب مع الغنم، فمسح ﷺ على ضرع الشاه وسمى الله ودرت، فهذا كله نقرؤه ما في السيرة، والموقف الخفي: أن النبي أشرف هو الخلق وعامر بن فهيرة إنما جاء خادماً، والعظيم من الناس تنطلق عظمته من نفسه ولا يحتاج إلى أن تسلط عليه الأضواء، فإذا غابت عنه الأضواء ذهبت عظمته، هذا يقال في عظماء الدنيا، وأما من ملك العظمة الأولى أعطاه الله جل وعلا عظمة من عنده هبة ربانية مثل رسول الله ﷺ ، فهذا لا يحتاج أن يلفت أنظار الناس إليه؛ لأنه مكتف ذاتياً بما جعله الله في قلبه من العظمة، وتحرير هذا أن النبي ﷺ هو سيد هذا الركب، بل هو سيد الناس، بل هو سيد ولد آدم، ومع ذلك هو الذي حلب، وسقى المرأة، وسقى أبا بكر، وسقى عامراً، وسقى عبد الله بن أريقط، ثم شرب، ولو كان غيره ممن يبحث عن العظمة فإنه يحاول سيقول: يا عامر! تعال اسقنا؛ حتى يبين أنه هو الآمر والناهي، لكنه ﷺ لم يفعل هذا؛ لأنه عظيم في نفسه ولو لم يدرك بعض من حوله عظمته، فسقى لهم وشرب آخر القوم ﷺ ؛ حتى يبين لكل أحد من أين تنطلق عظمة الإنسان، فالذي يبني عظمته على مدح الناس سيشعر بالإهانة والذل إذا تخلى الناس عنه، لكن العظيم عظيم أينما وضعته، مثل نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله، ومع ذلك بيع بثمن بخس، فيوسف في بيت أبيه هو يوسف عندما بيع، وهو يوسف عندما كان في قصر امرأة العزيز، وهو يوسف عندما كان في السجن، وهو يوسف على كرسي الوزارة، فلم يتغير حاله؛ لأن عظمته تنبعث من نفسه، وهذا حال أنبياء الله العظماء، وفي مقدمتهم سيد الخلق وأشرفهم ﷺ . إن المرء إذا كان عظيم الصلة بالله فإنه يعلم أن الله وحده هو المعطي، والله وحده هو المانع، ويعزل نفسه عن مدح الناس أو ذمهم، ويكون همه وغايته رضوان الله، فهذا يشعر بطمأنينة وسكينة مهما تبدل الناس عليه وتغيروا حوله فإنه يبقى واثقاً في خطوته، فيمشي نحو طريقه إلى ربه بخطى ثاتبة يتذكر قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]، وقول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨]، فيخشى أنه بذنوبه يذله الله، فإذا أحسن الصلة مع ربه أعزه الله جل وعلا بطاعته، فقد قيل: يأبى الله إلا أن يذل من عصاه، فمن أراد السؤدد والفوز في الدارين والسعادة في الحياتين فليحسن الصلة بربه جل وعلا، فنبينا ﷺ كان أعظم خلق الله صلة بربه ﵎، فهذه الصلة العظيمة والاستغفار في فلق الأسحار، والقيام لله ﵎، والقيام بواجبه والعبودية على أكمل وجه، هي التي جعلته ﷺ بما آفاءه الله عليه عزيزاً لا يبلغ عزته أحد من العباد بما وهبه ربه، وبما منحه خالقه. وهذا فيه درس لكل أحد أن يجعل أمره ويفوضه إلى الله كما قال العبد الصالح: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤]. جعلني الله وإياكم ممن توكل عليه فكفاه، وسأله فأعطاه، واستغنى به فأغناه. هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله من تحرير التعليق حول قصيدة الدكتور عبد الرحمن العشماوي في حداء الهجرة النبوية. نسأل من الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.