Полный текст (125 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
تعظيم وإجلال أصحاب رسول الله ﷺ
ثم ذكر البارودي رحمة الله تعالى عليه بعد ذلك في آخر ميمية الصلاة على الأصحاب والأنصار، والنبي ﷺ كما نعظم سنته ﵊ فإننا نعظم أولئك الرجال الذين حملوا إلينا سنته ﷺ ، فأصحاب محمد ﷺ كانوا شامه في جبين الأيام، وتاجاً على مفرق الأعوام، فحبهم دين وملة وقربة، فيجب أن ينظر إليهم المرء نظرة إجلال وإكبار وإعظام، وأن يعلم أنهم أدوا ما عليهم وبقي الذي لهم.
جعلنا الله وإياكم ممن ملئ قلبه محبة وإجلالاً وتعظيماً لله، ثم ملئ قلبه محبة لرسول الله ﷺ وأصحابه؛ ذلك الرعيل الأمثل والجيل الأول، من زكاهم الله في كتابه وعلى لسان رسوله.
هذا ما تيسر إراده وتهيأ إعداده حول ميمية البارودي التي عارض فيها ميمية البوصيري قلناه.
نسأل الله جلا وعلا التوفيق والقبول منه، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد الله رب العالمين.
стр. 72
سلسلة المدائح النبوية [أبيات من ميمية الشيخ ناصر الزهراني - حادثة الإفك] [١]
لقد كان النبي ﷺ يعبد ربه خير عبادة، فيقوم الليل حتى تتفطر قدماه، ويصوم النهار.
وقد حث النبي أمته على قيام الليل، وبين لهم أحسن الهدي في ذلك، فإن هديه ﷺ هو أكمل الهدي في الصلاة والصيام وغيرهما.
فمن أراد الفلاح والفوز فعليه باتباع سنته صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 73
فضل قيام الليل
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأرض والسماوات، وأشهد أن سيدنا ونبينا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، وتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة المشاهدون! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فهذا لقاء متجدد من لقاءاتنا الموسومة بالمدائح النبوية، وقد مرت معنا لقاءات تبين من خلالها المنهج الذي نسير عليه، فنعرض بعض القصائد التي قيلت في مدح النبي ﷺ فنختار منها أبياتاً، ثم نزدلف من تلك الأبيات إلى بيان ما في الأيام النضرة والسيرة العطرة مما يمكن أن ننهل ونستقي منه.
والقصيدة التي نختارها اليوم هي للدكتور ناصر الزهراني عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى، أي: أن القصيدة من الشعر العربي الحديث المعاصر.
وهذه القصيدة نظمها قائلها في ثلاثة وستين بيتاً، وأراد أن تكون القصيدة بعمر نبينا صلوات الله وسلامه عليه، وقد أخذت القافية الميمية، وهي من روائع ما قيل في مدح نبينا ﷺ .
وسنختار في هذا اللقاء أبياتاً، ونختار في لقاءات أخر أبياتاً أخرى منها.
قال الدكتور ناصر الزهراني في مدح النبي ﷺ : تعجب الخلق من دمعي ومن ألمي وما دروا أن حبي صغته بدمي أستغفر الله ما ليلى بفاتنتي ولا سعاد ولا الجيران في أضم لكن قلب بنار الشوق مضطرم أف لقلب جمود غير مضطرم منحت حبي خير الناس قاطبة برغم من أنفه لا زال في الرغم يكفيك عن كل مدح مدح خالقه واقرأ بربك مبدأ سورة القلم شهم تشيد به الدنيا برمتها على المنابر من عرب ومن عجم أحيا بك الله أرواحاً قد اندثرت في تربة الوهم بين الكأس والصنم نفضت عنها غبار الذل فاتقدت وأبدعت وروت ما قلت للأمم ربيت جيلاً أبياً مؤمناً يقظاً حثوا شريعتك الغراء في نهم محابر وسجلات وأندية وأحرف وقواف كن في صمم فمن أبو بكر قبل الوحي من عمر ومن علي ومن عثمان ذو الرحم من خالد من صلاح الدين قبلك من مالك ومن النعمان في القمم من البخاري ومن أهل الصحاح ومن سفيان والشافعي الشهم ذو الحكم من ابن حنبل فينا وابن تيمية بل الملايين أهل الفضل والشمم من نهرك العذب يا خير الورى اغترفوا أنت الإمام لأهل الفضل كلهم ينام كسرى على الديباج ممتلئاً كبراً وطوِّق بالقينات والخدم لا هم يحمله لا دين يحكمه على كئوس الخنى في ليل منسجم أما العروبة أشلاء ممزقة من التسلط والأهواء والغشم فجئت يا منقذ الإنسان من خطر كالبدر لما يجلي حالك الظلم أقبلت بالحق يجتث الضلال فلا يلقى عدوك إلا علقم الندم أنت الشجاع إذا الأبطال ذاهلة والهندواني في الأعناق واللمم فكنت أثبتهم قلباً وأوضحهم درباً وأبعدهم عن ريبة التهم بيت من الطين بالقرآن تعمره تباً لقصر منيف بات في نغم طعامك التمر والخبز الشعير وما عيناك تعد إلى اللذات والنعم تبيت والجوع يلقى فيك بغيته إن بات غيرك عبد الشحم والتخم لما أتتك قم الليل استجبت لها العين تغفو وأما القلب لم ينم تمسي تناجي الذي أولاك نعمته حتى تغلغلت الأورام في القدم أزيز صدرك في جوف الظلام سرى ودمع عينك مثل الهاطل العمم الليل تسهره بالوحي تعمره وشيبتك بهود آية استقم صلوات الله وسلامه عليه.
هذه بعض من أبيات الشيخ الدكتور ناصر الزهراني في مدح النبي ﷺ ، وسنقف عند بعض أبياتها.
سنقف عند قوله: الليل تسهره بالوحي تعمره وشيبتك بهود آية استقم وقبلها قال: لما أتتك قم الليل استجبت لها تنام عينك أما القلب لم ينم قيام الليل منقبة من أعظم مناقب الصالحين، قال الله جل وعلا: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧].
وقال جل وعلا: ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٤]، والنبي ﷺ عندما أنزل عليه الملك أول الأمر وجاءه التكليف السماوي بهذه الرسالة العالمية السماوية؛ نزل يضطرب فؤاده وتتسابق رجلاه حتى وصل إلى بيت خديجة، والخائف دائماً يحتاج إلى شيء ثقيل عليه حتى يسكن، فلما دخل بيته قال: (دثروني دثروني)، والعرب تسمي الثياب الملاصقة للبدن شعاراً، وما زاد تسميه دثار، والنبي قطعاً ﵊ لما قدم إلى خديجة كان عليه ثياب، لكنه كان يجد في نفسه رجفة لهول ما رأى، فأخذ ينادي: (دثروني دثروني) يريد شيئاً ثقيلاً على بدنه، لعله يسكن، فدثرته خديجة، فقال: (زملوني زملوني)، وهو نفس المعنى السابق، فزملته خديجة ﵂ وأرضاه، فناداه ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١]، وهذا قيام بالتكليف، وقد قال بعضهم: إن النبي ﷺ نبئ باقرأ وأرسل المدثر، وقال: (زملوني زملوني)، فأنزل الله عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل:١]، وهذا ليس اسماً للنبي ﷺ ، وإنما نداء له، بالصفة المتلبس بها، كما سمى النبي ﷺ علياً: أبا تراب؛ لأنه نام واضطجع على التراب ﵁.
стр. 74
قيام الليل زاد ومعين على تحمل التكاليف
ولما أراد الله أن يكلف نبيه بين له ما يعينه على التكليف، فقال له: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٦].
فأنت أيها النبي الكريم ستكلف تكليفاً عظيماً: ((إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا))، وهذا القول الثقيل يحتاج منك إلى قيام في الليل، فإن أحسنت القيام بين يدينا في الليل رزقت التوفيق منا في النهار، فقام ﷺ لربه في الليل حق قيام كما قال الدكتور ناصر وفقه الله: الليل تسهره بالوحي تعمره وشيبتك بهود آية استقم آية هود هي: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢]، والنبي ﷺ لما قيل له: (دب إليك الشيب، قال: شيبتني هود -أي سورة هود- وأخواتها)، مثل التكوير والنبأ والمرسلات التي ذكر الله جل وعلا فيهن حشر العباد وقيام الأشهاد، وذكر الله جل وعلا فيها ما يكون بعد نفخة الفزع من اضطراب السماء وغيرها.
стр. 75
هديه ﷺ في قيام الليل
والذي يعنينا أن النبي ﷺ لما ناداه ربه: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:٢] كان ﷺ يقوم الليل ويحييه، إلا أنه من مجمل ما دل عليه قيامه في الليل أنه لم يقم ﷺ ليلة بأكملها، وقد كان صلوات الله وسلامه عليه في العشر الأواخر من رمضان كان يحيي الليل كله، فيجمع ما بين الصلاة، وتلاوة القرآن، والذكر والتسبيح، كما تقول عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فقيام العبد بين يدي ربه في الليل منقبة جليلة كان الصالحون قبلنا من لدن آدم وسيبقون إلى أن تقوم الساعة يحيون الليل بعضه أو كله، والنبي ﷺ أرشد إلى قيام داود، فقال ﵊: (أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود)، ثم فصل هذا الإجمال فقال: (كان يصوم يوماً ويفطر يوماً)، فهذا صيامه ﵊، أي: صيام داود، ثم قال في الصلاة: (كان ينام نصف الليل -أي داود-، ويقوم ثلثه، وينام سدسه).
الصلاة إذا كانت بين منامين، يعني: نام الرجل في الليل ثم استيقظ فصلى، ثم عاد فاضطجع قبل الفجر، فهذه التي تسمى ناشئة الليل على أظهر أقوال أهل العلم، وهي المقصودة بقول الله جل وعلا في سورة المزمل: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٦]، فتحرر من هذا أن النبي ﷺ كان يقوم الليل ويحييه لربه ﵎.
وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيلاً ما ورد في كيفية صلاته صلوات الله وسلامه عليه وقيامه، مما يمكن للمرء أن يستن به بسنة نبيه ﷺ .
فمن حيث الإجمال كان النبي ﷺ يطيل القراءة، كما كان ﵊ يقول في سجوده -لما سمعته عائشة -: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)، جاء هذا في حديث صحيح، فهذا كله يندرج في إجمالنا لقيام ليل رسولنا ﷺ .
стр. 76
تفصيل قيامه ﷺ في الليل
وجاء عن النبي ﷺ في روايات عدة صحيحة كيفية قيامه بالليل، فلما أرشد قال: (صلاة الليل مثنى مثنى)، فيتحرر من هذا ما يلي: أن يصلي الرجل ركعتين ركعتين، فإذا خشي الصبح وأراد أن يوتر أوتر بواحدة توتر له ما قد سلف، فهذه صورة من صور قيام الليل.
الصورة الثانية: أن يوتر الإنسان بتسع، ثبت عنه ﷺ أنه كان يصلي ثمان ركعات متتابعات لا يجلس في واحدة منهن إلا في الثامنة، فيقول التشهد ويثني على الله ثم يقوم، فإذا قام قبل أن يسلم قام إلى الركعة التاسعة، فيصلي الركعة التاسعة ثم يجلس، فيتشهد ويصلي على النبي ﷺ ، ثم يثني على ربه كثيراً ويدعو، ثم يسلم سلاماً يُسمع أهله، هذه صورة.
الصورة الثالثة: نفس ما صنعه في الثمان والتسع يصنعه في الست والسبع، بمعنى أنه يصلي ست ركعات متتابعة ثم يجلس في السادسة، ثم يقوم قبل أن يسلم فيأتي بالسابعة، ثم يجلس فيسلم.
الحالة الرابعة: أن يفعل ذلك أربع وخمس ركعات بنفس الطريقة الأولى، وقد كان أولاً يصلي الثمان والتسع، فلما ثقل وحمل اللحم كما تقول عائشة ﵂ وأرضاها كان يصلي ست ويوتر بالسابعة، ثم نقل عنه نقلاً صحيحاً أنه كان يصلي ركعتين وهو جالس بعد الوتر، وهذه سنة اختلف الناس في فهمها أو في قبولها، والأظهر والعلم عند الله أنها سنة ثابتة صحيحة كما عند مسلم في الصحيح فلا يمكن دفعها، وهذه السنة لا تعارض قوله ﷺ : (اجعلوا آخر صلاتكم وتراً)؛ لأن الذي قال: (اجعلوا آخر صلاتكم وتراً) هو الذي صنع هاتين الركعتين، وقد جاء بسند لا بأس به: (أنه ﷺ كان يقرأ في الركعة الأولى بالزلزلة: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة:١]، ويقرأ في الركعة الثانية: بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١])، فهذا حال صلاته وهو جالس صلاة ركعتين بعد وتره صلوات الله وسلامه عليه.
ونقل عنه ﷺ أنه كان يقرأ بسبح والكافرون وقل هو الله أحد عند ختم صلاته، يعني: عندما يصلي مثنى مثنى يأتي بركعتين في الأخير يقرأ في الأولى بسبح وفي الثانية بسورة قل يا أيها الكافرون، ثم يأتي بركعة بواحدة منفصلة يقرأ فيها بقل هو الله أحد.
وعلم النبي ﷺ الحسن بن علي أن يقول في قنوته في وتره: (اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، واصرف عني ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك)، إلى هنا تقريباً انتهى ما علمه النبي ﷺ الحسن أن يقوله في قنوته، والإطالة التي يصنعها الأئمة الآن لا بأس بها إذا كانت إطالة قليلة، لكنه لا ينبغي أن تكون الإطالة زائدة عن الحد، أن أو تورث في الناس السآمة والملل، أو أن تكون دعاء مكرراً أو ما أشبه ذلك، فقد كان ﷺ يتوخى جوامع الكلم في دعائه وفي حديثه للناس.
فهذا بعض ما نقل إلينا من قيام الليل عند رسول الله ﷺ ، كانت عائشة تقول: (يصلي أربعاً لا تسل عن حسنهن وطولهن)، فقولها: أربعاً فيه إجمال، فسره قوله ﷺ : (صلاة الليل مثنى مثنى)، فلعل أم المؤمنين ﵂ وأرضاها تقصد أنه كان يصلي ركعتين ثم يتبعها بركعتين، ثم يستريح، وهذا معنى قولها: (صلى أربعاً لا تسل عن حسنهن وطولهن)، وذات مرة قام ﷺ يصلي، فقرأ بالبقرة، ثم قرأ بالنساء، ثم قرأ بآل عمران، وهذا فيه دلالة ظاهرة واضحة على أنه ﷺ كان يطيل القيام جداً، والناس مأمورون جملة بقيام الليل، وكل بحسب طاقته وبدنه وصحته، لكن من المهم جداً أن يكون لك أيها المؤمن وأنت تكون لك أيتها المؤمنة حظ من قيام الليل بين يدي ربك جل وعلا.
والنبي ﷺ ذكر الركوع والسجود فقال: (أما الركوع فعظموا فيه الرب)، قال في أول الحديث: (أما وإني نهيت أن أقرأ القرآن ساجداً أو راكعاً، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه الدعاء؛ فقمن أن يستجاب لكم)، ولا يوجد حالة للعبد هو أقرب فيها إلى الله من حال السجود، فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، ولهذا قدم الله السجود على القيام في كتابه، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر:٩]، وجاء في الخبر الصحيح عن عصاة بني آدم من المؤمنين عندما يدخلون النار، قال ﷺ : (إن الله حرم على النار أن تأكل أعضاء السجود من بني آدم)، فعصاة المؤمنين من بني آدم وهم من كتب الله عليهم النار -نسأل الله لنا ولكم العافية- تحرق النار فيهم كل شيء إلا أعضاء السجود، وهذا ينبيك عن عظمة السجود لرب العالمين ﷻ .
стр. 77
أنواع السجود
والسجود يقع أيها المبارك -كما دلت عليه سنة أحمد التي نحن نتلمسها في هذه المدائح- على أحوال: يقع السجود كجزء من الصلاة فرضاً ونفلاً، وهذا ظاهر.
ويقع السجود سجود تلاوة، وذلك في أن يقرأ الإنسان آية سجدة فيسجد، فهذه قد جاء في السنن والمسند: (أن الرجل المؤمن إذا قرأ القرآن فمر بآية سجدة فسجد يعتزل الشيطان يبكي، ويقول: يا ويلاه أمر بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فلم أسجد فلي النار) فهذه الحالة الثانية للسجود.
الحالة الثالثة: سجود الشكر، وذلك أن يبشر الإنسان بدفع نقمة أو بحلول نعمة فيسجد، وسجود الشكر على الأظهر لا يلزم له طهارة؛ لأن الإنسان لا يدري على أية حالة يبشر، والقبلة يجتهد فيها قدر الإمكان، وغالباً أن الإنسان في بلده أو في موطنه يعرف اتجاه القبلة، لكن لو فرضنا أنه في سفر ولم يكن قد تبينت له قبلة فيسجد على أي حال كان: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥].
فالمقصود أن سجود الشكر حالة وسجود التلاوة حالة، والسجود داخل الصلاة فرضاً ونفلاً حالة.
ويبقى سجود يكون داخل الصلاة ويسمى سجود السهو، وهذا له أسبابه، من ترك ركن نسيان ركن أو نسيان واجب، وفي كل الأحوال يسبح الإنسان ربه، ويتوسل إلى خالقه ومولاه، ويسأله من خيري الدنيا والآخرة، يقول ﷺ كما بينا: (أما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن -أي: جدير وحري- أن يستجاب لكم).
стр. 78
خيرة الله للعبد خير من خيرته لنفسه
هناك مخاوف نحذرها لا يدفعها إلا الله، وهناك رغبات وأماني وآمال نطلبها لا يحققها إلا الله، فكلما خلصت نية العبد وصفت سريرته وازدلف إلى ربه وأظهر لله فقره في السجود وفي غيره نال ما عند الله جل وعلا من العطايا، والرب ﵎ أرحم بنا من أنفسنا، فقد لا يستجاب لنا في أمر أعظم في أنفسنا، وقد يعجل لنا الثواب، وقد يؤخر، لكن ينبغي عليك أن تكون حسن الظن بربك جل وعلا، وأن تعلم حقيقة علمها الله نبيه وهي: أن خيرة الرب لعبده خير من خيرة العبد لنفسه، وسأضرب لك مثلاً من القرآن يدل على هذا المعنى أختم به هذه اللقاء.
فموسى ﵊ خرج من أرض مصر يتبعه فرعون وجنده، فلما وصل موسى إلى شاطئ البحر قال بنو إسرائيل: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، فقال موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، فأمر الله موسى أن يضرب بعصاه البحر، فورد أنه قال: باسم الله، انفلق أبا خالد، وهي كنية البحر، فانفلق البحر، وأياً كان الأمر سواء قالها موسى أو لم يقل فقد انفلق البحر، ولما انفلق البحر أصبح البحر اثني عشر طريقاً يبساً، فمشى موسى والمؤمنون الذين معه وتجاوزوا إلى الشق الآخر، فلما وصل موسى إلى الشق الآخر كان فرعون داهية بمعنى الكلمة، فلم يأمر فرعون جنده أن يعبروا البحر، بل توقف ينتظر ماذا سيحل بموسى، لكن لا يمكن أن يرقى مكر فرعون إلى مكر الله؛ ففرعون منع جنده أن يعبروا البحر فوقف ينظر ما الذي سيحل بموسى، وموسى ﵇ نجا هو المؤمنون جميعاً إلى الشق الآخر، فلما وصلوا إلى الشق الآخر أراد موسى ألا يصل إليه فرعون، فبدهي من موسى أن يضرب البحر بعصاه حتى يعود بحراً فيمتنع فرعون، فينجو موسى ويعود فرعون، فهذا اختيار العبد الكليم موسى بن عمران، لكن الله قال لموسى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان:٢٤]، أي: اتركه ساكناً، أي: أنت لا علاقة لك بالموضوع، فلم يقدر موسى أن يضرب البحر؛ لأن الله نهاه، فبقي البحر يبساً كما هو، فاقتنع فرعون أن البحر سيبقى يبساً أبد الآبدين، فهنا اطمأن فرعون فعبر، فلما عبر واكتمل جنده في البحر أمر الله البحر أن يعود بحراً فعاد بحراً، فأغرق فرعون وجنده ونجا موسى، فكانت خيرة موسى أن ينجو وأن يعود فرعون، وكان قدر الله أن ينجو موسى ويغرق فرعون، فتعلم بذلك أن خيرة الرب لعبده خير من خيرة العبد لنفسه.
هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده حول الجزء الأول من ميمية الدكتور ناصر الزهراني في مدح سيد الخلق محمد بن عبد الله، ﷺ .
أسأل الله لي ولكم التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 79
سلسلة المدائح النبوية [أبيات من ميمية الشيخ ناصر الزهراني - حادثة الإفك] [٢]
لقد رمى المنافقون عرض النبي ﷺ فصبر وصبرت زوجته عائشة ﵂، فأنزل الله براءتها من فوق سبع سماوات في قرآن يتلى إلى يوم القيامة.
وتوعد الله المنافقين بالعذاب الأليم، بعد أن وبخهم في القرآن الكريم.
стр. 80
اصطناع الله نبيه لنفسه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، وإن كان يقل مع حق جلاله حمد الحامدينن وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، وتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون والمؤمنات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فهذا لقاء متجدد من لقاءاتنا الموسومة بالمدائح النبوية، وكنا قد تكلمنا في اللقاء الماضي عن ميمية الدكتور ناصر الزهراني في مدح النبي ﷺ ، وذكرنا أنها ميمية حوت ثلاثة وستين بيتاً من الشعر على قدر عمر رسول الله ﷺ .
وتكلمنا وعلقنا على بعض أبيات منها، واليوم نستأنف الحديث عنها ونذكر الجزء الثاني من القصيدة، ثم نعلق عليه بعون الله وفضله ورحمته.
قال الزهراني حفظه الله: فوضت أمرك للديان مصطبراً بصدق نفس وعزم غير منثلم ولى أبوك عن الدنيا ولم تره وأنت مرتهن لازلت في الرحم وماتت الأم لما أن أنست بها ولم تكن حين ولت بالغ الحلم ومات جدك من بعد الولوع به فكنت من بعدهم في ذروة اليتم فجاء عمك حصناً تستكن به فاختاره الموت والأعداء في الأجم ترمى وتؤذى بأصناف العذاب فما رئيت في ثوب جبار ومنتقم حتى على كتفيك الطاهرين رموا سلى الجزور بكف المشرك القزم أما خديجة من أعطتك مهجتها وألبستك ثياب العطف والكرم عادت إلى جنة الباري ورحمته وأسلمتك لجرح غير ملتئم والقلب أفعم من حب لعائشة ما أعظم الخطب فالعرض الشريف رمي وشج وجهك ثم الجيش في أُحد يعود بين مقتول ومنهزم لما رزقت بإبراهيم وامتلأت به حياتك بات الأمر كالعدم ورغم تلك الرزايا والخطوب وما رأيت من لوعة كبرى ومن ألم ما كنت تحمل إلا قلب محتسب في عزم متقد في وجه مبتسم بنيت بالصبر مجداً لا يماثله مجد وغيرك عن نهج الرشاد عمي يا أمة غفلت عن نهجه ومضت تهيم من غير هدي ولا علم يوماً مشرقة ويوماً مغربة تسعى لنيل دواء من ذوي سقم لن تهتدي أمة في غير منهجه مهما ارتضت من بديع الرأي والنظم هذا الجزء الثاني من القصيدة التي قالها الدكتور الزهراني في مدح سيد الخلق وأشرفهم محمد بن عبد الله ﷺ ، وسنقف وقفات مع هذه القصيدة، ووقفاتنا كالتالي: نلحظ في القصيدة أن الشاعر وفق في مسألة أن الله جل وعلا أراد أن يصطنع هذا النبي لنفسه، وإن كان الشاعر لم يقل ذلك صراحة، وإنما ذكرها من باب الصبر على الرزايا، لكن هناك من يقول: إن الله جل وعلا اختار محمد بن عبد الله واصطفاه من الخلق أجمعين، وحتى يكون هذا العبد الصالح والنبي الكريم لربه لا غيره فإنه قدر عليه أن لم ير والده قط، فمات والده وهو حمل في بطن أمه، فلما ولد لم يكن هناك شفقة من الوالد عرفها ﷺ فيتعلق بها، ثم ما لبث أن تعلق بأمه، وما أن شب وتعلق بأمه وبلغ ست سنين إلا واختار الموت تلك الأم فماتت بالأبواء، فلما ماتت تعلق ﷺ بجده عبد المطلب، فما أن بدأ قلبه يتعلق بجده حتى مات الجد، فلما بلغ مبلغ الرجال وبلغ أشده ونبئ صلوات الله وسلامه عليه نصره عمه، فلما رأى نصرة عمه تزداد يوماً بعد يوم ويقف عمه أمام كفار قريش؛ حماية لابن أخيه صلوات الله وسلامه عليه، ثم يموت أبو طالب فيصبح هذا القلب النبوي لا يعرف منة لأحد عليه، ويصبح معلقاً كل التعلق بربه ﵎، وهذا من اصطفاء الله لنبيه ﷺ ، ألم يقل الله عن كليمه موسى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١]، فالأنبياء يصطفون لربهم جل وعلا، ولا ريب أن نبينا ﷺ في الذروة منهم صلوات الله وسلامه عليه، فالله جل وعلا اصطنعه لنفسه، ولذلك نشأ ﷺ لا يتعلق إلا بربه، وحتى يزداد الأمر يقيناً عندك أيها المبارك تدبر غزوة بدر، ولا نريد من تدبرها أن نحفظ أرقاماً؛ قتل كذا من المؤمنين وقتل كذا من المشركين، لكن تأمل أولها، فقد خرج النبي ﷺ وبعض أصحابه يريدون القافلة، فقال الرب ﵎ لهم قبل أن يحسم أمر القافلة: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧]، فالله جل وعلا وعد نبيه وأصحابه إما أن يدركوا عير قريش، وإما أن ينتصروا، ومع ذلك فرت العير ونجا أبو سفيان، فلم يبق من موعود الله إلا الأمر الثاني؛ لأن الله جل وعلا وعد نبيه إما عير قريش وإما النصر، فقول ربنا: إحدى الطائفتين ليس المقصود منه النصر أو الشهادة فهذا محال، وإنما المقصود منه إما العير وإما النصر، ولهذا قال الله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧]، فلما فرت العير أصبح واضحاً جلياً أن الفريقين سيلتقيان وأن النصر للمؤمنين، فالنبي ﷺ قدم بدراً وهو يعلم علم اليقين أن النصر له، ومع ذلك لأن قلبه معلق بالله أظهر هنا في ليلة بدر كمال العبودية، فأخذ ﷺ يدعو ربه ويتوجه إليه ويسأله ويلح على ربه في السؤال ويقول: (اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً)، فالإلحاح هنا لإظهار عبوديته لربه صلوات الله وسلامه عليه، وهذا ثمرة طبيعية لتربية الله له واصطفاء الله جل وعلا له دون سائر الخلق، فالأم تموت قبل أن يتعلق بها تعلقاً تاماً، ثم يتعلق بالجد فيموت الجد، ثم يتعلق بالعم فيموت العم، فلا يبقى في البيت إلا خديجة فتموت خديجة، حتى يصبح ﷺ يمشي على الأرض وقلبه معلق بربه، ومن قبل ذلك فالإنسان يبقى معترفاً بوالديه بالتربية والحنان والعطف والتنشئة، فمات أبوه وأمه وهو صغير حتى يمشي ﷺ وليس لأحد من أهل الأرض عليه منة إلا منة ربه ﵎، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨] صلوات الله وسلامه عليه، وهذا كله من اصطفاء الرب ﵎ له.
لقد وفق الشاعر في قضية تسلسل الأمر، وجعل ثمرته الصبر، ولو أنه جعلها في كيفية بناء الله جل وعلا لشخصية نبيه لكان أولى وأحرى.
стр. 81
فضل عائشة
ثم ذكر الشاعر مسألة أن عائشة ﵂ رميت، فقال: ما أعظم الخطب فالعرض الشريف رمي هذا بعد أن أفعم قلبه ﷺ بحب عائشة، وعائشة هي البكر الوحيدة التي تزوجها النبي ﷺ ، فكل أزواجه قبلها وبعدها كانت كل واحدة منهن سيدة، ونبينا ﷺ منّ الله جل وعلا عليه بتعدد النساء، وقد كان هذا سنة في الأنبياء من قبله، ولهذا قال الرب ﵎: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأحزاب:٣٨] أي: من أنبياء الله ورسله، وقال الله جل وعلا عن بعض أنبيائه ورسله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨]، فهو ﷺ قد منّ الله جل وعلا على بعض النساء أن اختارهن الله زوجات لنبيه وأشرف خلقه ﵊ ومنهن عائشة بنت الصديق، والأربعة الراشدون الذين حول النبي ﷺ وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي لو تأملناهم لوجدنا أن النبي ﷺ قد تزوج بنت أبي بكر وبنت عمر، وزوج عثمان وعلياً، فتزوج ﷺ بنت أبي بكر وهي عائشة، وتزوج بنت عمر وهي حفصة، وزوج عثمان: رقية ثم أم كلثوم، وزوج علياً: فاطمة، فالأربعة الراشدون ﵃ وأرضاهم معهم نسب واتصال غير اتصال الصحبة مع رسولنا صلوات الله وسلامه عليه.
فكانت عائشة ﵂ وأرضاها أحظى زوجات النبي ﷺ عنده، لكن الشاعر هنا يذكر أن القلب أفعم حباً لـ عائشة بعد موت خديجة، لكن هناك مرحلة زمنية ما بين خديجة وعائشة، نعم خديجة لا يرقى إليها أحد من النساء، قال ﷺ : وقد قالت له عائشة وقد غضبت وأصابها ما يصيب النساء، قالت: وهل كانت إلا عجوزاً في غابر الأزمان قد أبدلك الله خيراً منها، فقال ﷺ : (والله ما أبدلني الله خيراً منها؛ لقد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقني إذ كذبني الناس، وواستني في مالها إذ حرمني الناس، وكان لي منها الولد، ثم قال: ورزقت حبها)، فكان ﷺ قد رزقه الله حب خديجة، فيجب أيها المؤمن! أن تلحظ أن النبي ﷺ لم يتزوج امرأة على خديجة، فـ خديجة كانت واحدة في بيت النبوة، ثم ماتت، وبعد أن ماتت تزوج النبي ﷺ النساء مثنى وثلاث كما أباح الله ﵎ له.
стр. 82
حادثة الإفك
ومسألة رمي عائشة رضي الله تعلى عنها تسمى في عرف أهل السيرة بحادثة الإفك؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١]، وقبل أن أزدلف إلى القصة كاملة ثم أحرر ما فيها من معان زاهرة، أنبه إلى أن كلمة الإفك معناها الكذب، وتقال عندما يريد أحد أن يجعل من الباطل حقاً، ويريد أن يغير الواقع، فيسمى ذلك إفكاً، قال الله جل وعلا: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم:٥٣]، والمؤتفكة هم قوم لوط لما قلبوا الفطرة وأتوا الذكران من العالمين، فعاملهم الله بالمثل، فقلب عليهم الأرض وجعل عاليها سافلها، قال الله جل وعلا: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود:٨٢]، هذا الأمر سماه الله إفكاً؛ لأن الأمر انقلب عليهم، فسمى قوم لوط بالمؤتفكة.
وحديث الإفك سمي بحديث الإفك لأن عبد الله بن أبي المنافق المعروف ومن معه من مرضى القلوب أرادوا أن يجعلوا من عائشة الطاهرة المبرأة ومن الفراش النبوي الطاهر الكريم أن يجعلوه عرضة ومقاماً ومكاناً للفواحش، فأرادوا من أن يجعلوا عين الحقيقة باطلاً، وهذا محال، قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١].
وعلى عجل أسرد الخبر، ثم أذكر ما فيه من معان زاخرة.
خرجت عائشة ﵂ مع النبي ﷺ في غزوة المريسيع لما أجريت القرعة، وكانت يوم ذاك صغيرة خفيفة اللحم لم تتجاوز على الكثير أربعة عشر عاماً؛ لأن غزوة المريسيع كانت تقريباً في السنة الخامسة، وعائشة لما مات النبي ﷺ كان عمرها ثمانية عشر عاماً، وكانت خفيفة البدن قليلة اللحم، فلما كان الجيش عائد وقبل أن يصلوا إلى المدينة كانوا في مكان يسمى اليوم بالعشيرة، وهو إلى الآن موجود قبل المدينة بحوالي ثلاثين كيلو، فأناخ الجيش مطاياه كالعادة في نحر الظهيرة، وذهب كل لشأنه، فخرجت عائشة لبعض حاجتها، وكانت عليها قلادة أهدتها إياها أمها، فلما عادت إلى مكانها لم تجد القلادة، فبدهي أن ترجع إلى المكان الذي ذهبت إليه، فخرجت تبحث عن القلادة، وفي هذه الفترة التي تبحث عنها -والله جل وعلا يحكم ما يشاء فوق عرشه ويقدر ما يريد- قام الجيش ورحل، فعادت عائشة فلم تجد الجيش، فكان كل ما كانت تحمله من هم وما تفكر فيه أن الجيش لا يلبث أن يفقدها فيعود، والذين حملوا الهودج ظنوا أن أم المؤمنين فيه ولم يشعروا بأنها ليست فيه؛ لأنها كانت خفيفة اللحم، ثم عادت عائشة ﵂ وأرضاها إلى المكان الذي فيه الجيش واتكأت على جذع شجرة تنتظر أن يعود إليها أحد، وبقدر الله غلبها النوم، فجاء صفوان بن المعطل، وهو صحابي اشتهر أنه كان كثير النوم، ولأمر ما بقدر الله تأخر عن الجيش، فلما وصل إلى المكان الذي كان الجيش منيخاً فيه رأى أم المؤمنين، والإنسان إذا نام يتكشف فرأى وجهها وعرفها؛ لأنه كان يعرفها قبل أن تنزل آية الحجاب، فلما رآها ماذا قال؟ وفق، والإنسان إذا وفق عند اللحظة الأولى فما بعدها تبع لها، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فينبغي على الإنسان أن يوطن نفسه كيف يتعامل مع الأحداث إذا وقعت، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فأفاقت أم المؤمنين على استرجاعه فاسترجعت، وقالت كلمة سأقولها في آخر الكلام، ثم أدنى منها ناقته وركبت الناقة وهو يقودها ومضوا، وكان الجيش منيخاً والناس في عز الظهيرة ماكثون، وإذا بالناقة يقودها صفوان وعليها أم المؤمنين، فرآها عبد الله بن أبي فقال عليه من الله ما يستحق: امرأة نبيكم مع رجل؟ والله ما سلمت منه ولا سلم منها، ثم أخذ يفرق الكلام ويجمع ويزيد فيه وينقص منه، وعائشة ﵂ لا تدري عن ذلك شيئاً، فشاع الخبر حتى وصل إلى أم مسطح ومسطح فقير من قرابة أبي بكر وكان أبو بكر ينفق عليه، وكانت أمه تتضجر من كون مسطح خاض في الحديث، فأرادت أن تخبر عائشة الخبر، فذات يوم خرجت عائشة مع أم مسطح فعمداً عثرت أم مسطح؛ تريد أن تفتح الباب للكلام، فقالت بعدما عثرت -والإنسان جبلة يا أخي إذا عثر وسقط يردد كلمة فيقول: باسم الله، خير إن شاء الله، فهذا بدهي في الإنسان-: تعس مسطح، فسكتت عائشة، وبعد قليل سقطت مرة أخرى فقالت: تعس مسطح، فتعجبت عائشة كيف تدعين على رجل شهد بدراً هذا وهو ولدك، فأخبرتها الخبر، ففجعت أم المؤمنين وفوجئت، فعادت وقد شعرت من قبل أنها تفقد اللطف الذي تراه في النبي ﷺ ، ثم استأذنت النبي ﵇ أن تذهب إلى أبويها حتى تستفتح الخبر، فعادت إلى أبويها، وكان الصديق أكمل الناس أدباً مع رسول الله ﷺ ، وكان على سطح البيت يقرأ القرآن ويبكي، وزوجته أم رومان تبكي وعائشة كذلك، ومع ذلك كان يستحيي أن يأتي النبي ﷺ ويسأله عن الخبر، وسكت النبي لأن الوحي سكت، فلما سكت نبي الله سكت أبو بكر، وهذا من كمال الأدب معه ﷺ ، وبعد ذلك أخذ النبي ﷺ يستشير الناس فاستشار علياً، فغلبت على علي عصبته؛ لأن النبي ﷺ ابن عمه، فقال: تلميحاً لا تصريحاً النساء غيرها كثير، وأما أسامة فنصح النبي ﷺ أن يبقي على عهده، ثم إن النبي ﷺ استشار إحدى أمهات المؤمنين وهي التي كانت تسامي عائشة وتنازعها في المنزلة، فقالت: أهلك ولا نعلم إلا خيراً، فأثنت على عائشة، وهذا من حفظ الله لتلك المرأة العظيمة.
وموضع الشاهد: أن النبي ﷺ بعد فترة أتى إلى عائشة في بيت أبويها وسألها إن كان وقع منها ذنب أن تستغفر أو أن تعترف، فقالت: لا أجد إلا ما قال أبو يوسف -نسيت اسم يعقوب-: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨]، وهنا نزل الوحي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١]، فبرأ الله أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها، ولما برأها الله قال ﷺ لـ عائشة: (يا عائشة! أما الله فقد برأك، فقالت لها أمها: قومي إلى رسول الله، فاتكأت على محبة رسول الله لها، وعلى أنها بريئة وقالت: والله لا أقوم إليه، ولكن أحمد الله)، فهي لم تفعل هذا من باب أن عائشة ﵂ وأرضاها لا تعرف قدر رسول الله لا، فهي أم المؤمنين الصادقة الصديقة بنت الصديق، لكنها قالت ذلك مدلة بعظم حب رسول الله ﷺ لها.
стр. 83
الذين اتهموا وبرأهم القرآن
وهنا نقف قبل أن أسترسل في مسألة ما الذي تستفيده أنتَ وأنتِ أيتها المباركة عندما نتكلم عن قضية الاستنباط من الآيات، نحن لم نأت هنا لنذكر تاريخاً نقرؤه قرأه عشرات والمئات قبلنا، لكن نأتي هنا لنذكر استنباطات نقدمها للناس؛ حتى يعرف الناس بأي طريقة يقرءون القرآن، ويستنبطونه، ويعرفون ما فيه من مناهل، ففي كتاب الله جل وعلا وفي السنة أيضاً ذكْر أربعة اتهموا، والأربعة هؤلاء الذين اتهموا برأهم الله، فنأخذهم تاريخياً: فيوسف ﵇ اتهم بامرأة العزيز، فبرأه الله، قال الله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف:٢٦]، فجعل البراءة على يد رجل أو طفل كان موجوداً في الدار، وأما موسى ﵊ فإن النبي ﷺ أخبر في الحديث القدسي أن الحجر شهد له لما أخذ ثيابه، فأصبح يتبعه فرآه بنو إسرائيل عرايناً، فعرفوا أنه بريء مما رموه به من عاهة في جسده.
ومريم الصديقة اتهمها قومها: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم:٢٧]، فبرأها الله بأن أنطق الله نبيه: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم:٣٠].
والرابعة: عائشة فقد اتهمت في عرضها، فبرأها الله بآيات أنزلت من فوق سبع سماوات تتلى إلى يوم القيامة: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور:٢٦]، فهذا كلام رب العزة فيه البراءة العظيمة لأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
فهذا أول ما يمكن أن نأخذه من معان زاخرة من حديث الإفك.
стр. 84
أرجى آية في القرآن
الأمر الثاني: كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه ينفق على مسطح؛ لأن مسطحاً كان فقيراً، فلما ثبت لدى أبي بكر براءة ابنته وأن مسطحاً كان ممن خاض في حديث الإفك أقسم ألا ينفق على مسطح، وذنب مسطح أنه وقع في عرض النبوة، وهو ذنب يحط النجم من قدره كما يقول العلماء، ومع ذلك عاتب الله أبا بكر لأنه حرم مسطحاً مما كان يعطيه، قال الله: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا﴾ [النور:٢٢]، فذكر الله جل وعلا ذووا القربى، فهذه الآية قال بعض العلماء: إنها أرجى آية في كتاب الله، لماذا أرجى آية في كتاب الله؟ إن الله جل وعلا سمى مسطحاً مؤمناً ومهاجراً ولم يحبط الله جهاد مسطح وهجرته، مع أن مسطحاً وقع في كبيرة من أعظم الكبائر وهو الخوض في بيت النبوة، ومع ذلك لم يحبط الله جل وعلا عمله، وأمر أبا بكر أن يبقى على صلته له، فإذا كان هذا ذنب مسطح ومع ذلك لم يحبط الله عنه عمله السابق إذاً فهذا الآية من أعظم آيات الرجاء.
وبعض العلماء يقول: إن أرجى آية في كتاب الله هي قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] آية المداينة، وهي أطول آية في كلام الله، قال الفقهاء والعلماء والمفسرون: إن هذه الآية فيها دلالة واضحة على عناية الله جل وعلا بمال المؤمن في الدنيا فكيف بعناية الله جل وعلا بالمؤمن في يوم القيامة يوم يكون أحوج ما يكون إلى رحمة ربه.
وذهب فريق آخر إلى أن أرجى آية في كلام الله هي قول الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر:٣٢ - ٣٣]، قالوا: إن واو الجماعة في قول الله جل وعلا: ((يَدْخُلُونَهَا)) تعود إلى الظالم نفسه وإلى المقتصد وإلى المحسن السابق في الخيرات، حتى قال بعض العلماء: إن هذه الواو ينبغي أن تكتب بماء العينين لا بماء الحبر.
هذا ما تيسر إيراده في هذا اللقاء المبارك حول قول الدكتور ناصر الزهراني في مدح النبي ﷺ : ما أعظم الخطب فالعرض الشريف رمي والقصيدة زاخرة بكثير من المعاني، وسنعلق ونواصل التعليق عليها في اللقاء القادم إن شاء الله.
وصلى الله على محمد، والحمد لله رب العالمين.
стр. 85
سلسلة المدائح النبوية [أبيات من ميمية الشيخ ناصر الزهراني - حسبنا الله ونعم الوكيل] [٣]
لقد برأ الله تعالى في القرآن الكريم بعضاً ممن اتهم كيوسف وعيسى ﵉، ومريم وعائشة ﵄ وغيرهم، وكانت تبرئة عائشة أعظم التبرئات، فقد برأها في أعظم كتاب، وجعل ذلك يتلى إلى يوم الدين.
стр. 86
براءة عائشة مما رميت به
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى.
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد كنا قد تكلمنا في اللقاء الماضي في لقاءاتنا هذه الموسومة بالمدائح النبوية عن ميمية الدكتور ناصر الزهراني في مدح النبي ﷺ .
واليوم -أيها المباركون والمباركات! - نستأنف ذلك الحديث الذي كنا قد انتهينا فيه إلى ما ذكره الشاعر في قصيدته عن رمي عرض النبي ﷺ أي: الحديث عن حادثة الإفك.
سنعيد قراءة بعض الأبيات ونكمل ما لم نقرأه في اللقاء الماضي، ثم نعرج على التعليق عليها كما هو حالنا في كل لقاء.
قال المادح: فوضت أمرك للديان مصطبراً بصدق نفس وعزم غير منهرم ولى أبوك عن الدنيا ولم تره وأنت مرتهن لازلت في الرحم وماتت الأم لما أن أنست بها ولم تكن حين ولت بالغ الحلم ومات جدك من بعد الولوع به فكنت من بعدهم في ذروة اليتم فجاء عمك حصناً تستكن به فاختاره الموت والأعداء في الأجم ترمى وتؤذى بأصناف العذاب فما رئيت في ثوب جبار ومنتقم حتى على كتفيك الطاهرين رموا سلى الجزور بكف المشرك القزم أما خديجة من أعطتك بهجتها وألبستك ثياب العطف والكرم عادت إلى جنة الباري ورحمته وأسلمتك لجرح غير ملتئم والقلب أفعم من حب لعائشة ما أعظم الخطب فالعرض الشريف رمي وشج وجهك ثم الجيش في أحد يعود بين مقتول ومنهزم لما رزقت بإبراهيم وامتلأت به حياتك بات الأمر كالعدم إلى أن قال: إن أبصرت بيدة من نور سنته فطائر السعد لم يهوِ ولم يحم غنى فؤادي وذابت أحرفي خجلاً ممن تألق في تبجيله كلمي يا ليتني كنت فرداً من صحابته أو خادماً عنده من أصغر الخدم تجود بالدمع عيني حين أذكره أما الفؤاد فللحوض العظيم ظمي يا رب لا تحرمنّي من شفاعته في موقف مفزع بالهول متسم هذه بعض الأبيات التي قالها الدكتور ناصر الزهراني في ميميته في مدح النبي ﷺ ، وقد نبهنا قبل لقاءات إلى أن القصيدة ثلاثة وستون بيتاً على قدر عمر رسول الله ﷺ .
وأبدأ هنا من حيث انتهيت في اللقاء الماضي من خبر عائشة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها، وحررنا هنالك معنيين مهمين: الأول منهما: أن الله جل وعلا برأ عائشة بكلامه، أي: بقرآن أنزل من فوق سبع سماوات، وقلنا وقتها: إن الله جل وعلا برأ عيسى وبرأ موسى وبرأ يوسف، وكل كانت في البراءة، إلا أن تبرئة الطاهرة عائشة كان أعظم؛ ذلك أنه أنزل في خير كتاب، وهذا حرره كثير من العلماء كما تراه عند القرطبي في الجامع وعند غيره.
стр. 87
أرجى آية في القرآن
ونأتي إلى مسألة أخرى حررناها في اللقاء الماضي، وهي أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه لما أقسم ألا ينفق على مسطح -وكان ينفق عليه من قبل- فإن الله جل وعلا عاتبه وندبه إلى الإنفاق وقال: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور:٢٢]، وقلنا: إن العلماء يقولون في هذا: إن هذه أرجى آية في كلام الله.
стр. 88
تفويض عائشة أمرها إلى الله تعالى
وذكرنا وقتها أن عائشة رضي الله تعالى عنه وأرضاها لما رأت صفوان بن المعطل قالت كلمة، ولم نفصح عن تلك الكلمة حينها من باب التشويق، والآن نذكرها.
عائشة ﵂ جلست مع إحدى أمهات المؤمنين وهي حفصة بعد حادثة الإفك بأشهر، وأخذا يتحادثان ويتبادلان الحديث، فقالت حفصة لـ عائشة ﵄ وعن أبويهما قالت لها: عندما رأيت صفوان بن المعطل ماذا قلت؟ قالت: قلت: حسبنا الله ونعم الوكيل، فكلمة حسبنا الله ونعم الوكيل من أعظم ما يتحصن به المسلم، قال الله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، وقال الله بعدها: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران:١٧٤]، ونحن في هذه الحياة الدنيا نرى من الخطوب ونسمع من الفواجع، وهذا لا يسلم منه أحد، والله يقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤]، والدنيا طبعت على هذا ولا انفكاك، لكن حري بالمؤمن أن يتعلم كلمات يقولوها؛ حتى تكون عوناً له من الرب ﵎، ومن أعظم هذه الكلمات: حسبنا الله ونعم الوكيل، والنبي ﷺ أخبر أصحابه أن صاحب القرن -وهو إسرافيل- قد حنى وأصغى أذنه ينتظر متى يؤمر بالنفخ فينفخ، ثم قال الصحابة للرسول ﷺ : (قالوا: كيف نقول؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل)، فالمؤمن يتدبر المعاني العظيمة في هذه الكلمات، اطمأن قلبه وسكنت نفسه، وهذا مندرج في قول الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، ولا ينبغي للإنسان أن يلجأ إلى أحد غير ربه، فمن خاف من شيء فر منه إلا من خاف من الله فر إليه، ولا أحد يكفي ويمنع ويعطي ويرفع إلا الله جل وعلا.
قالوا عن رجل من السلف يقال له: أبو حاتم أراد الحج فكان كلما عزم على الحج خاف على بناته من بعده، ولم يكن له إلا إناث، فقالت له ابنته الكبرى ذات يوم: يا أبتاه! حج وأوكل أمرنا إلى الله، فأخذ برأي ابنته الكبرى وتوجه إلى الحج، فحين توجه إلى الحج ما أمسوا إلا والفتاة الكبرى ترى صغار إخوتها يتضاغون عند قدميها، ولم يكن عندهم إلا الماء من شدة الفقر، وبيتهم في أطراف البلدة، فأخذت تلجأ إلى ربها وتسأله ألا يفضحها أمام إخوتها، فقدر أن يدخل القرية أحد الأثرياء الأمراء ومعه حاشيته وخدمه عطَّش، فأراد الخدم أن يتقربوا إلى سيدهم فطرقوا أول بيت يقابلونه فكان بيت أبي حاتم، فسألوهم ماء، والماء يا أخي يوجد في بيوت الفقراء وبيوت الأغنياء، فقالوا: هل عندكم من ماء؟ قالوا: نعم، فأعطوهم ماء، فقدر للأمير أن يشرب الماء على حدة الباب، فأخذ يجول بطرفه في البيت فعرف فقرهم، فشرب الماء وأراد أن يكرمهم وهو غاد في سفره، فرمى لهم بصرة فيها مئات الدنانير، فقالت تلك المرأة الفتاة العارفة بربها لما قلبت الصرة، قالت: هذا مخلوق نظر إلينا فاستغنينا، فكيف بنظر أرحم الراحمين إلينا! فالله جل وعلا علمنا على لسان نبيه وفي كتابه أن نقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، وهذه أمنا أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها ابتليت ذلك الابتلاء، بقيت وحيدة فجاءها رجل غريب، صحيح أنه من أصحاب نبيها ﷺ ، لكن ليس له نسب ولا حرمة، وليس بينهم إلا ما يكون بين الرجل والمرأة، فلما رأته اعتصمت بربها، فقالت: حسبنا الله ونعم الوكيل، والحياة يا أخي! دوائر، فالإنسان قد يبتلى فإن نجح زادت دائرة الابتلاء، فإن نجح زادت دائرة الابتلاء؛ حتى يمحص من الذنوب، فترفع درجاته وتكفر سيئاته.
فـ مريم ﵍ كانت زاهدة عابدة، لكن كانت زاهدة عابدة في المحراب لا ترى الرجال ولا يرونها، ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران:٣٧]، وفي هذه المواقف كانت مريم زاهدة عبادة وهذا حق من ثناء الله عليها، فقدر لها أن تخرج، فالآن انفكت من المحراب، والدائرة بدأت تتسع، وبدأت تتسع العطايا وتأتي بعد التمحيص والابتلاء.
قيل للشافعي ﵀: أيهما أفضل للرجل أن يمكَّن أو يبتلى؟ قال: سبحان الله! وهل يمكَّن حتى يبتلى، فهذه مريم خرجت، فلما خرجت في البرية غاب عنها عين الرقيب، وجاءها جبريل في صورة شاب جميل وسيم تام الخلقة وهي امرأة، لكنها بقيت على دينها وتقواها التي كانت في المحراب، فقالت: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٨] ألتجئ إلى الله، ((إِنْ كُنتَ تَقِيًّا)) والذي يظهر لي أن جواب الشرط محذوف، والمعنى: إن كنت تقياً فاتركني، فنجحت في الابتلاء، فلما نجحت في الابتلاء وكانت في البرية كما كانت في المحراب من الله عليها بالعطايا، وسماها صديقة ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم:١٩]، فبين لها مقامها ورفيع مكانتها عند الله، بعد ذلك نادتها الملائكة: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٢ - ٤٣].
والذي يعنينا هنا أن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها لما وجدت نفسها عرضة للابتلاء لجأت إلى رب الأرض والسماء، فلا أحد يعصم إلا الله، ولا يكفيك إلا الله كما أنه لا يمنعك ولا يعطيك إلا الله، وهذا الحجاج بن يوسف نقم ذات مرة على الحسن البصري أبي سعيد زاهد عصره، فبعث جنده وحرسه أن يأتوا بـ الحسن البصري، وأعد السيف والنطع ليقتله، فلما دخل الحسن حرك شفتيه، فالحاجب الذي على الباب لاحظ أن الحسن حرك شفتيه، فلما دخل تغير الحجاج، فأجلسه بجواره وأخذ يسأله، ويقول: يا أبا سعيد! أنت سيد العلماء، فلما خرج الحسن بعد أن طيبه الحجاج وأعطاه هدية تبعه الحاجب، قال: يا أبا سعيد! والله إنك لتعلم أن الحجاج ما طلبك ليكرمك، وإنما أتى بك ليقتلك، فتغير عليك، لكني رأيتك عندما دخلت من الباب حركت شفتيك فأسألك بالله ماذا كنت تقول؟ فقال الحسن: كنت أقول: اللهم يا ولي نعمتي وملاذي عند كربتي اجعل نقمته علي برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم.
فتحرر من هذا، بل من القرآن والسنة أن الله وحده من يكفيك، فلا تلجأ إلى زيد ولا عمرو، لا صاحب قبر ولا صاحب أرض، والجأ إلى الواحد الديان يعصمك.
стр. 89
رحمة النبي وعطفه على صحابته الكرام
والآن نأخذ بيتاً مليئاً بالعاطفة التي بدأت بحرف ليت الذي يفيد التمني، والعرب تقول: ليت للتمني وتقول لعل للترجي، فليت عندهم في الشيء الذي يغلب على الظن استحالة وقوعه، ولعل في الشيء الذي يرجى وقوعه.
قال الدكتور المادح الزهراني: يا ليتني كنت فرداً من صحابته أو خادماً عنده من أصغر الخدم
стр. 90
صورة من رحمة النبي بصحابته
سنعرج هنا على بعض ما كان ينال الصحابة من عطف رسول الله ﷺ ؛ كيف تعرف كيفية التعامل النبوي مع أصحابه ﷺ ، ففي حجة الوداع أردف النبي ﷺ أسامة بن زيد من عرفة إلى مزدلفة، ففي يوم عرفة كان الناس مجتمعين ينتظرون الإمام وهو رسول الله ﷺ ينتقل إلى مزدلفة، فالنبي ﵊ كان على بغلته لكنه كأنه ينتظر شيئاً، والناس يلتفتون ميمنة وميسرة ماذا ينتظر رسول الله؟ فإذا بـ أسامة بن زيد يأتي وهو غلام أسمر نحيل جداً، فجاء وفي القوم بنو هاشم، فركب خلف النبي ﷺ على نفس البغلة، فكان كل الانتظار من أجل أسامة حب رسول الله ﷺ ، حتى ذكر الذهبي في السير: أن أسامة ﵁ وأرضاه ذات مرة كاد ينزل مخاطه، فأراد النبي أن يمسحه، فقامت عائشة تسبق النبي ﷺ ، وأسامة من أتراب عائشة فهما بسن واحد، وهذا قبل الحجاب، فقال ﷺ لها: (يا عائشة! إني أحبه فأحبيه).
وفي صباح يوم العيد -بالنسبة للحجاج لا يوجد عندهم صلاة عيد هذا يكون في مزدلفة- في صبيحة يوم عشر ذي الحجة أراد النبي أن ينتقل من مزدلفة إلى منى فغير ﷺ ؛ حتى لا يقع في نفوس بني هاشم شيء، فأنزل أسامة فخرج يجري، يمشي متجهاً إلى الجمرة إلى منى، وأردف والفضل بن عباس صلوات الله وسلامه عليه، الفضل بن عباس ابن عمه، وكان وضيئاً جميلاً، وهم في الطريق مر ركب نساء، والفضل باعتبار كونه شاباً أخذ ينظر إلى النساء، فالنبي ﷺ أمال بوجهه.
وإذا أردت أن تنجح في الحياة وتنجو مع السنة فانظر بعين القدر وعين الشرع، فالذي ينظر بعين القدر فقط لا يقيم معروفاً ولا ينهى عن منكر، والذي ينظر بعين الشرع ويهمل عين القدر سيتعب كثيراً ولن يؤدي ثمرة، وعلاقة هذا بالحديث أن النبي ﵊ يعلم أن الفضل شاب وضيء، وبدهي أن تعلق به النساء، وبدهي أن ينظر إلى النساء، فهو ﵊ بعين الشرع لوى عنق الفضل ونهاه أن ينظر، وبعين القدر صبر على الفضل ولم ينزله من بغلته ولم يزجره أمام الناس؛ لأنه شاب واكتفى ﷺ بتأديبه.
стр. 91
صورة ثانية من رحمته ﷺ بصحابته
هذا بعض أحواله ﷺ ، ولنأخذ حالاً أخرى مع أصحابه فنذكر خبره مع جابر بن عبد الله: جابر ﵁ وأرضاه مات أبوه شهيداً في أحد، وقد أوصاه بأخواته من بعده، فبقي جابر يحمل هم أخواته، وكان قليل ذات اليد، وذات يوم كان مع النبي ﷺ في سفر وهو على جمل له والجمل به داء، فتأخر عن الركب، وهو ﵊ يسير في آخر الركب شفقة بهم، ولهذا قال الدكتور المادح هنا: يا ليتني كنت فرداً من صحابته أو خادماً عنده من أصغر الخدم فالنبي ﷺ سأل جابراً عما يعيقه في الطريق، فأخبره بالجمل وبما عليه من عيب، فقال ﷺ : (أتبيعني إياه، فقبل جابر لكنه اشترط أن يمضي به إلى المدينة، فوخز النبي ﷺ الجمل بعصاً كانت معه فأصبح الجمل يسرع وينافس غيره من الجمال، ولما وصل المدينة ﵊ جاء جابر بالجمل، فقال ﷺ لخازنه المالي أظنه قال لـ بلال: زده في السعر، يعني: إذا كنا نحن اتفقنا مثلاً معه على أوقيتين أو درهمين فزده، فبعد أن قبض جابر المال قال ﷺ لـ جابر: خذ جملك)، فالنبي ﷺ أراد أن يعطي جابراً، لكن لم يرد أن يعطيه المال بطرية مباشرة، وحفظاً وعلى كرامته وعلى شخصيته جاء له بطريقة البيع والشراء.
وجابر نفسه ﵁ وأرضاه سأله النبي ﷺ عن الزواج، فقال: (تزوجت، قال: أبكراً أم ثيباً؟ قال: ثيباً، قال: هلا بكر تلاعبها وتلاعبك فقال عذره ﵁ وأرضاه، قال: إن أبي ترك لي أخوات فأنا لو جئت بصغيرة بكر لأصبحت ترباً لهن تنافسهن وينافسنها، لكن أتى بثيب حتى يحقق وصية أبيه)، وهذا العمل من جابر يسمى وسطية، وقد أخذه جابر من النبي ﷺ وأما لو جاء أحد غير جابر وأوصاه أبوه بأخواته فإنه سيقول: أنا لست في حاجة لأن أتزوج، وصية أبي أهم، فأبقى على أخواتي، فيحرم نفسه مما أباحه الله، وقد يأتي شخص آخر ويقول: أنا لست مسئولاً عن أخواتي، وأنا مكلف بنفسي سأتزوج بكراً، فـ جابر ﵁ وأرضاه جمع بين الأمرين ما بين الزواج واختار ثيباً؛ حتى تكون الثيب أقدر على رعاية أخواته.
قلت: إن جابراً استقى هذا من السنة، ففي غزوة أحد استشهد من الصحابة سبعون، فالله جل وعلا يقول: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٤٠]، يعني: إن قتل منكم سبعون في أحد فقد قتل منهم سبعون في بدر، فالذي يعنينا أن الصحابة رضي الله تعالى عليهم شق عليهم قتل السبعين، وأرادوا أن يحملوا قتلاهم ويدفنوهم في المدينة؛ لأن هناك في المدينة الغلمان والخدم والعبيد يعملون معهم فيدفنون، وأما في أحد فلا يستطيعون أن يحرفوا سبعين قبراً؛ لأنهم منهزمين منكسرين قد أصابهم الجرح والقرح، وهم كلمى من الجراح، فأرادوا أن يحملوا قتلاهم إلى المدينة ليكون أيسر في عملية الحفر والدفن، والنبي ﷺ أراد أن الأرض التي قتلوا فيها تشهد لهم، فجاء ﷺ بحل وسط فقال ﷺ : احفروا -أي: في أحد- وعمقوا القبر وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد، فالسبعون عندما يدفنون اثنين وثلاثة في قبر لا نصبح في حاجة إلى سبعين قبراً، بل نحتاج إلى أقل، نحتاج إلى عشرين أو إلى أربعين بالأكثر، فهذا فيه نوع من الشفقة على الصحابة وفيه نفس الوقت تحقيق لمقصد شرعي، وهو أن الأرض تشهد لهم، فيكون ﷺ قد جمع بين الأمرين لأصحابه، فهذا استنبطه جابر معنىً، فلما أراد أن يتزوج تزوج ثيباً، لتكون زوجة له، وفي نفس الوقت تقوم برعاية إخوته.
стр. 92
صورة ثانية من رحمته ﷺ بصحابته
وهذا موقف آخر له ﷺ مع أصحابه، فـ ربيعة بن كعب الأسلمي أحد الذين خدموا النبي ﷺ ، وكان يصلح للنبي ﵊ وضوءه، فأراد النبي أن يكافئه فقال له: (يا ربيعة! سلني حاجتك، قال: يا رسول الله! أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك يا ربيعة؟! قال: هو ذاك يا رسول الله!)، فتأمل إكرام النبي ﷺ لـ ربيعة، وتأمل كيف أن ربيعة وجد في النبي ﷺ من جميل الصحبة وحسن العشرة ما جعله يتمنى أن يكون رفيقاً للنبي ﷺ في الجنة، فقال: (أسألك مرافقتك في الجنة)، ومرافقة الأنبياء في الجنة من أعظم المطالب، فالإنسان ينبغي أن تكون همته عالية.
فقد مر ﷺ على أعرابي في الطريق في إحدى أسفاره فأكرمه الأعرابي، فقال له ﷺ : (ائتنا أي: تعاهدنا حتى يكافئه على صنيعه، فمرت الأيام بالأعرابي فقدم المدينة على رسول الله ﷺ ، فأراد النبي أن يكافئه؛ لأنه أكرمه في سفره، فقال: يا أعرابي! سلني حاجتك؟ فقال الأعرابي: أعنز يحلبها أهلي، فتعجب ﷺ ؛ لأن الطلب قليل، وقال: عجز هذا الأعرابي أن يكون كعجوز بني إسرائيل -هنا نوع من التشويق-، فقال الصحابة: يا رسول الله! وما عجوز بني إسرائيل؟ فقال ﷺ : إن موسى لما أراد أن يرحل من أرض مصر أخبره علماء بني إسرائيل أن يوسف أخذ عليهم العهد والميثاق إذا خرجوا من أرض مصر أن يأخذوا جسده معهم، قال: ومن يدلني على قبر يوسف؟ قالوا: لا يعرف قبر يوسف إلا عجوز في بني إسرائيل -أي: امرأة-، فذهبوا إليها، فسألها موسى: أين قبر يوسف؟ قالت: لا أدلك حتى تعطيني سؤلي، قال: وما سؤلك؟ قالت: أن أكون مرافقتك في الجنة)، فهذه المرأة طلبت من موسى ﵊ أن تكون مرافقته في الجنة.
ومن أعظم ما يجعل المرء رفيقاً للأنبياء في الجنة كثرة الصلاة؛ لأن النبي ﷺ قال لـ ربيعة بن كعب الأسلمي لما قال له: (أسألك أن أكون رفيقك في الجنة، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود)، فهذا سبب خاص وسبب عام، وقد ذكره الله في القرآن، وهو عموم طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ .
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩].
إذاً يتحرر من هذا كله أن الأصحاب رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم عاشوا في غبطة عيش مع سيد الأنبياء وخاتم المرسلين ﷺ ، ونحن لم تكتحل أعيننا برؤية رسول الله ﷺ لكننا نسأل الله العزيز الجليل أن يمن علينا برفقته وصحبته ﵊ في جنات عدن في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وليس بين الله وبين أحد من خلقه نسب، لكن إذا كان هناك إيمان وعمل صالح فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.
هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده، وأعان الله على قول معقبين فيه في حلقات ثلاث على قصيدة الدكتور ناصر الزهراني في مدح النبي ﷺ .
وأختم أنه ليس المقصود من هذه اللقاءات حسن الإلقاء وطريقته، وإنما المقصود أن ننهل جميعاً من معين السنة ورياضها، وأن نتقرب إلى الله جل وعلا بحب رسولنا ﷺ والتأسي به.
نسأل الله أن يحشرنا جميعاً تحت لوائه، وأن يسقينا من حوضه، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 93
سلسلة المدائح النبوية [أبيات من همزية شوقي - الإسراء والمعراج]
لقد كانت حادثة الإسراء والمعراج منة عظيمة من الله تعالى على نبيه ﷺ وهذه الأمة، وقد كانت هذه الحادثة تكرمة لنبينا ﷺ وتعويضاً له عما لاقاه من كفار قريش من الأذى، وما لاقاه في الطائف، فعوضه الله تعالى بهذه النعمة الجليلة والمنزلة العظيمة.
стр. 94
سرد حادثتي الإسراء والمعراج إجمالاً
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خالق الكون بما فيه، وجامع الناس ليومٍ لا ريب فيه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، نبي الأميين، ورسول رب العالمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.
أما بعد: أيها الإخوة جميعاً! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا لقاء من اللقاءات المباركة الموسومة بالمدائح المرضية التي جرت العادة أننا نستقي فيها أبياتاً شعرية لشعراء مسلمين أثنوا فيها ومدحوا رسولنا ﷺ ، وهي قصائد غرر، فنختار منها أبياتاً، وقد مضى -ولله الحمد- الكثير من الأبيات التي من خلالها نهلنا من معين السيرة، وارتوينا من منهج رسولنا صلوات الله وسلامه عليه، وذلك من خلال تعرضنا لتلك الأبيات وما تضمنته من الإشارة للحياة النضرة والسيرة العطرة لرسولنا ﷺ .
وحادثة الإسراء والمعراج حادثة جليلة مبنىً ومعنىً، وقد كانت ميزاناً خصباً لكثيرٍ من المادحين الذين مدحوا النبي ﷺ ، فأحدهم يقول: سريت من حرمٍ ليلاً إلى حرم كما سرى البرق في داج من الظلم وآخر يقول: أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدم وشوقي ﵀ يقول: يا أيها المسرى به شرفاً إلى ما لا تنال الشمس والجوزاء يتساءلون وأنت أطهر هيكل بالروح أم بالهيكل الإسراء بهما سموت مطهرين كلاهما روح وروحانية وبهاء تغشى العيوب من العوالم كلما طويت سماء قلدتك سماء أنت الذي نظم البرية دينه ماذا يقول وينظم الشعراء وهمزية شوقي قد مضت معنا من قبل لكننا الآن نعاود الحديث عنها؛ لأننا سنتحدث عن حادثة الإسراء والمعراج، وتناول الشعراء المسلمين لها.
فسنسرد الآن على وجه الإجمال مسألة الإسراء والمعراج، ومضامين ما فيها من قبسات، ومن تضمنته من آيات وعظات، نزدلف إليه إن شاء الله تعالى بعد عرضها كاملة.
كان الإسراء والمعراج قبل الهجرة بثلاث سنين على الأرجح، وأكثر العلماء على أنه في شهر رجب والعلم عند الله، ونبينا ﷺ جاءه الملك ليشق صدره، ويخرج قلبه، وغسل القلب الطاهر الشريف في طست من ذهب، بماء زمزم، ثم أعاده مكانه، وقدم له البراق ينتهي حافره حيث ينتهي طرفه، وكان معه جبريل، وقد ارتحل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وكل ذلك كان في برهة من الليل.
ثم ربط ﷺ دابته في المربط الذي يربط فيه الأنبياء دوابهم في حلقة بيت المقدس، ودخل ﷺ المسجد وصلى بالنبيين إماماً، ثم عرج به إلى السماوات السبع ومعه جبريل، فاستفتح جبريل السماء الدنيا، فسأله خازنها: من أنت؟ قال: أنا جبريل.
فسئل: أو معك أحد؟ قال: معي محمد، قال الخازن: أو قد بعث إليه؟ قال جبريل: نعم.
ورأى ﷺ رجلاً عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة، فإذا نظر جهة اليمين ضحك، وإذا رأى جهة الشمال بكى، فقال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك آدم؟ وهذه أرواح بنيه، فإذا رأى جهة اليمين رأى أهل الجنة فضحك، وإذا رأى جهة الشمال رأى أهل النار فبكى، فسلم عليه قائلاً: أهلاً بالابن الصالح والنبي الصالح.
ثم أتى السماء الثانية فوجد فيها ابني الخالة: يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم، فرحبا به قائلين: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، قال: ثم أتيت السماء الثالثة فإذا فيها نبي الله يوسف، وقد أعطي شطر الحسن، فرحب به قائلاً: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح.
ثم أتى السماء الرابعة فوجد فيها أخاه إدريس، فرحب به قائلاً: أهلاً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم أتى السماء الخامسة فوجد فيها رجلاً تكاد تلامس لحيته سرته، فقال: من هذا يا جبريل؟! قال: هذا المحبب في قوم هارون بن عمران، ثم رحب به قائلاً: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح.
ثم أتى السماء السادسة فإذا فيها أخاه موسى، فلما جاوزه بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل من أمتي.
ثم أتى السماء السابعة فإذا برجل قد أسند ظهره إلى البيت المعمور، قال ﷺ : ما رأيت أحداً أشبه بصاحبكم منه ولا منه بصاحبكم، قلت: من هذا يا جبريل؟! قال: هذا أبوك إبراهيم، فسلم ورحب قائلاً: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح.
ثم تجاوز ﷺ سدرة المنتهى إلى مستوى يسمع فيه صرير الأقلام، وهناك كلمه ربه وناجاه، وقربه وأدناه، وفرضت عليه الصلوات الخمس، وأوتي خواتيم سورة البقرة.
فعاد ﷺ فسأله موسى فأخبره بما فرض الله عليه، وقال: إني قد بلغت الناس قبلك، وإن أمتك لن تطيق ذلك، فرجع ﷺ إلى ربه يسأله التخفيف، وما زال ﷺ يراجع ربه حتى قال: استحييت من ربي -أي: اعتذر من موسى- فنادى منادٍ: قد أمضيت فريضتي وأبقيت أجري، فبقيت خمس صلوات بأجر خمسين صلاة.
ثم عاد ﷺ إلى مكانه ومرقده، فلما أصبح اتخذ ناحيةً عند البيت فاجتمع عليه كفار قريش، فأول من قدم إليه أبو جهل، وكان شديد العداوة للنبي ﷺ كما هو معروف في السيرة، فقال: يا ابن أخي! هل من أمر؟ فأخبره النبي ﷺ بما رأى وبما كان له البارحة، فقال: يا ابن أخي! أرأيت إن جمعت لك قومك أكنت محدثنا بما أنت محدث به؟ فقال ﷺ : نعم.
فناداهم أبو جهل؛ يستثمرها فرصة للسخرية من رسول الله ﷺ ، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠].
فأخذ ينادي بأعلى صوته: يا بني لؤي بن غالب يا بني فهر يا بني كذا! هلموا إلي، فاجتمعوا إليه، قال: اسمعوا من محمد بن عبد الله ماذا يقول، وقص عليهم ﷺ خبر الإسراء والمعراج، فبين مشبك عشره على رأسه لا يصدق ما يسمع، وما بين فاغر فاه، فلما أكثر عليهم قالوا: صف لنا بيت المقدس، فلم يكن النبي ﷺ قد رآه جيداً؛ لأنه دخله ليلاً، فنحى جبريل ما بينه وبين بيت المقدس، فرأى ﷺ بيت المقدس قريباً منه، وأخذ يصفه لقريش فقال بعضهم لبعض: أما المسجد فكما قال، وهذا قاله من ذهب إلى الشام منهم قبل ذلك.
هذه حادثة الإسراء والمعراج كما هي مدونة، ونحن لم نقل شيئاً جديداً؛ لأن السيرة لا يملك أحد أن يزيد فيها أو ينقص منها، لكن تتفاوت أقدار العلماء وميدانهم الرحب الذي يجرون فيه، هو كيف يستنبطون من حادثة الإسراء والمعراج.
وهنا شوقي يقول: يا أيها المسرى به شرفاً إلى ما لا تنال الشمس والجوزاء يتساءلون وأنت أطهر هيكل بالروح أم بالهيكل الإسراء.
أي: ثمة خلاف هل كان الإسراء والمعراج بالروح والجسد أو بالروح فقط، فالحق الذي لا مرية فيه كما قال شوقي: بهما سموت مطهرين كلاهما روح وريحانية وبهاء فالنبي ﷺ أسري وعرج به روحاً وجسداً؛ لأننا لو قلنا: إن الإسراء والمعراج لم يكن إلا روحاً لم يكن في ذلك معجزة، وليس بكثيرٍ على قريش أن تكذبه، ولا يمكن لقريش أن تكذب رجلاً يقول: إنني رأيت البارحة كذا وكذا.
فهذه لو كانت مجرد رؤيا لما أصبح في ذلك معجزة، ولا عظم احتفاء من الله بنبيه ﷺ ، لكن القضية كلها قضية إسراء ومعراج بالروح والجسد، ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١ - ١٠]، ثم قال الله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨] صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 95
العبر والفوائد المستنبطة من حادثتي الإسراء والمعراج
هذه هي رحلة الإسراء والمعراج التي كانت محل احتفاء كثير من شعراء المسلمين، لكن ما الذي يمكن أن نستنبطه منها؟
стр. 96
تعويض الله لنبيه عن صدود الناس عنه ومنعه من دخول المسجد الحرام
سنبدأ من مبدأ المقاربة، النبي ﷺ قبل رحلة الإسراء والمعراج كان قد ذهب إلى الطائف فصده أهلها، فالصدود الذي حصل من أهل الطائف عوض الله جل وعلا نبينا ﷺ عنه بالصعود إلى السماوات السبع؛ لأن الطائف عالية مرتفعة عن مكة، فالله جل وعلا عوضه عن الطائف بالسماوات السبع، وعوضه عن أهل الطائف الذين صدوه بأن فتح له أبواب السماوات السبع، فلما رده أهل مكة ومنعوه من دخول البيت والطواف به، ولم يدخله ﷺ إلا في جوار مطعم بن عدي، عوضه الله عنه بذلك الاحتفاء الذي ناله ﷺ بالمسجد الأقصى يوم أن أم النبيين وصلى بهم ﵊.
وقد جاء في بعض الروايات أنه ﷺ لما صلى بهم التفت فإذا فيه مشيخة الأنبياء: إبراهيم وإسحاق ويعقوب وكبار أنبياء الله ورسله، فقال: إن الله قد أمرني أن أسألكم: هل أمركم الله أن تدعوا إلى عبادة أحدٍ غيره؟ قالوا: لا.
قال الله في الزخرف: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]، وفي قراءة: (يَعبُدون) والمعنى واحد.
والمقصود: أن النبي ﷺ روي أنه سأل الأنبياء والرسل هذا السؤال، فانظر إلى عظيم الاحتفاء بدلاً من ذلكم الصدود الذي كان يمثل حزناً في قلبه صلوات الله وسلامه عليه، وكيف انتقل من ارتفاع الطائف إلى السماوات السبع الطباق، ومن صدود أهل الطائف إلى احتفاء الملائكة، ومن صدود قريش إلى دخول المسجد الأقصى، والوصول إلى البيت المعمور.
هذا أعظم ما يمكن أن يستنبط من رحلة الإسراء والمعراج، لكن رحلة الإسراء والمعراج كانت احتفاء عظيماً من الله، فهي زاخرة بالمعاني التي يمكن لأي موفق أن ينهل منها ويستنبط منها ما يعينه في أمر دينه ودنياه.
جاء في التاريخ أن زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه وأرضاه كان مع النبي ﷺ ، ثم إن الله جل وعلا جعل بدلاً من زيد -على علو شأن زيد في الدين- جعل بدلاً منه جبريل، فكان جبريل صاحب رسول الله ﷺ في رحلته المباركة إلى السماوات السبع العلى.
стр. 97
لقاؤه ﷺ للأنبياء
وأما قضية مقابلته ﷺ للأنبياء: فآدم هو أبو البشر وإليه ينسبون، والنبي ﷺ لم يكن قد رأى آدم من قبل، قال: رأيت رجلاً عن يمينه أسودة وعن شماله أسودة، وآدم أعطاه الله جل وعلا خصائص لم تعط لأحد غيره، منها: أن الله ﵎ خلقه بيده، وأن الله ﵎ نفخ فيه من روحه، وأن الله ﵎ أسجد له ملائكته، فهذه عطايا لم يعطها الله أحداً من خلقه، لكن قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل، وهو نبي مكلم، والنبي ﷺ كما في حديث أبي ذر سئل: (عن أبينا آدم أكان نبياً؟ قال: نعم نبي مكلم).
فلما هو نبي في ذلك الوقت منّ الله عليه بأن كلمه، هذا هو أبونا الذي نسبنا الله إليه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف:٣١] إلى غير ذلك من الآيات التي جاء القرآن فيها يخاطبنا بنسبتنا إلى أبينا آدم، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء:٧٠].
وذكر النبي ﷺ في رحلة الإسراء والمعراج أنه رأى ابني الخالة: يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم، فـ مريم ﵍ هي أم عيسى، وكانت لها أخت، هذه الأخت تزوجها زكريا ثم بعد ذلك كفل مريم، وجاء من زكريا يحيى ﵇، ويحيى له خصيصة على الأنبياء جميعاً ليست لغيره، وهي أن الله سماه، وهذه خصيصة له لم يعطاها أحد غيره، قال الله تعالى: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٧].
وعيسى ابن مريم مر معنا خبره في لقاء سابق عند حديثنا عن قول الأعشى: نبي يرى ما لا ترون وذكره أغار لعمري في البلاد وأنجدا وفي السماء الثالثة وجد ﷺ أخاه يوسف، قال: فإذا أنا برجل أعطي شطر الحسن، والألف واللام في الحسن إما أن تعود إلى معهود لفظي، أو تكون لاستغراق الحسن، ويبعد أن تكون لاستغراق الجنس، ولم يأت معهود لفظي، ولم يبقى إلا المعهود الذهني، والمعهود الذهني هنا هو أن الله جل وعلا خلق آدم على أكمل صورة؛ لأن الله خلق آدم بيده، فكان المقصود من قوله ﷺ أن يوسف أعطي شطر الحسن، أي: أن جمال يوسف ﵇ على الشطر والنصف من جمال أبينا آدم ﵉.
وفي السماء الرابعة لقي ﷺ أخاه أدريس، وقد أشار الله إلى رفعة إدريس في قوله ﵎: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٦ - ٥٧].
في السماء الخامسة لقي ﷺ شقيق موسى هارون بن عمران المحبب في قومه.
وفي السماء السادسة لقي أخاه موسى، وموسى أحد أولي العزم من الرسل، وأولوا العزم من الرسل خمسة: نوح وإبراهيم ومحمد وعيسى وموسى عليهما جميعاً أفضل الصلاة والسلام.
ولما جاوز النبي ﷺ موسى بكى، فقيل لموسى -والله أعلم بمن قال له-: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخل من أمتي، وهذا المقصود منه الغبطة والتنافس المحمود بين الأنبياء، وإلا محال أن يكون في قلب موسى شيء من الحسد، فموسى ﵊ نبي مكلم وهو بمنزلة عالية، والله جل وعلا قال في حقه: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٤٤]، وكان النبي ﷺ يقول: (رحم الله أخي موسى؛ لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر) يبين علو منزلة موسى.
وفي السماء السابعة لقي النبي ﷺ أباه إبراهيم، فلما أن لقيه تعجب من شدة الشبه بينهما، قال: ما رأيت أحداً أشبه بصاحبكم منه ولا منه بصاحبكم، قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم، ونلحظ أن آدم وإبراهيم فقط هم اللذان قالا: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح، أما بقية الأنبياء فكلهم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ففهم العلماء من هذا أن أدريس ويحيى وعيسى ويوسف وهارون وموسى هؤلاء الذين لقيهم النبي ﷺ في رحلة الإسراء والمعراج ليس أحدٍ منهم في عمود نسبه النبي ﷺ باستثناء إبراهيم وآدم.
فإبراهيم قطعاً في عمود نسبه النبي ﷺ ، وآدم أبو البشرية جميعاً، هذه فائدة.
стр. 98
التأدب والاستئذان عند طرق أماكن الناس
الفائدة الثانية: كون جبريل ﵇ يستأذن ومعه أشرف الخلق محمد ﷺ فهم منه العلماء أنه يجب وينبغي على من يأتي إلى مكان أن يتأدب مع أهله، ولو كان هو أفضل من أصحاب ذلك المكان، فالله تعالى أعطى لأصحاب المكان سلطاناً، فيجب أن نستأذن ونتأدب في دخولنا على غيرنا، فإذا كان جبريل -وهو خير الملائكة- ومعه محمد ﷺ -وهو خير الخلق- يطرقان ويستأذنان على خازنٍ من خزنة السماوات، وهو لا شك أنه ملك كريم، لكنه ليس أفضل من جبريل، ولا أفضل من محمد ﷺ .
стр. 99
تأدب النبي مع ربه
والمراجعة بين النبي ﷺ ورده مع موسى، في علم يسمى علم التجريب، وهو لا يؤخذ من كتب، ولا يقرأ في دواوين، ولا يأتي من حفظ المتون، ولكن يأتي من الدخول في معترك الحياة، فستخرج لك التجارب أشياء لا تعرفها، ومن ذلك علم الدعوة إلى الله جل وعلا.
فموسى ﵊ ابتلى الناس وخبرهم، والنبي ﷺ لم يكن له إلا عشر سنوات فقط في الدعوة، فلما فرض الله عليه خمسين صلاة قال له موسى -متكئاً ومعتمداً على علمٍ تجريبي عنده-: إن أمتك لن يطيقوا هذا، فأخذ ﷺ يراجع ربه، ثم ازدحم عند النبي ﷺ أمران هما: أدبه مع ربه، وشفقته على أمته، فأدبه مع ربه يمنعه أن يراجع ربه مرة أخرى استحياء، وشفقته على أمته بوده لو أنها كانت خمس صلوات ولا تكن خمسين، فقرر أن يبقي على الأدب فيعتذر من أمته، فقال لموسى: إنني استحييت من ربي، فلما قدم ﵊ حق ربه أكرمه الله جل وعلا وأعطاه ما لم يطلبه، فنادى منادٍ: أن أمضيت أمري فجعلها الله جل وعلا خمس صلوات بأجر خمسين صلاة.
وهكذا الإنسان يتأدب مع ربه ﵎، ويعظم حق ربه جل وعلا، ولا يقدم على حق الله ﵎ حق أحد، وكلما كان الإنسان عظيم الصلة بربه، مقدماً حق الله جل وعلا على كل مطالبه نال أرفع الدرجات وعالي المنازل، وكما قلت في دروس ولقاءات عديدة إن هذا ميدان يتسابق فيه الصالحون والمقربون، ومن يريد المنازل العالية من أهل الإيمان.
стр. 100
الجزاء من جنس العمل
واستنبط العلماء كذلك من حادثة الإسراء والمعراج أن الله جل وعلا -وقد مر معنا هذا إجمالاً- يكافئ على النضير، أي: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]، فـ جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة قطعت يداه، فكافأه الله جل وعلا بجناحين يطير بهما في الجنة، وإبراهيم بنى لله البيت -الكعبة- فجعله الله جل وعلا يتكئ على البيت المعمور، والله يقول كما مر معنا في لقاء ماضي: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]، والله كما قال: ﴿لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة:١٢٠].
وفي رحلة الإسراء والمعراج وجد الارتباط التاريخي ما بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، ومعلوم أن النبي ﷺ مات والمسجد الأقصى لم يدخل في ديار المسلمين، والله يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١]، ونحن لا نقول أقصى إلا إذا كان بيننا وبينه مسجد آخر، وهما طرفان: المسجد الحرام والمسجد الأقصى، فلا بد أن يكون هناك وسط حتى يعرف أن هذا أقصى، فلو كانا اثنين لا يتحرر معنى كلمة أقصى إلا بوجود وسط، فهذا فيه إشارة إلى أن هناك مسجداً سيبنى ما بين مكة والمسجد الأقصى؛ لأن حادثة الإسراء والمعراج قبل الهجرة، ولم يكن بناء المسجد النبوي إلا بعد الهجرة، فلما بني المسجد النبوي اتضح لنا لماذا سمي بيت المقدس بالمسجد الأقصى، فأصبح المركزي -الوسط- المسجد الحرام، وبعده في جهة الشام شمالاً المسجد النبوي؛ لأن قبلة أهل المدينة جنوب، ثم بعد ذلك المسجد الأقصى.
стр. 101
الفرق بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى
والفرق بينهما أن المسجد الأقصى مكان مبارك ومقدس، لكن مكة والمدينة حرم، ولا يقال للمسجد الأقصى إنه حرم إلا من باب التغليب، وإنما ورد في الشرع أن الحرمين اثنان: مكة والمدينة، وأما بيت المقدس فهي أرض مباركة، قال الله: ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف:١٣٧]، وهناك فرق بين كونها مباركة وبين كونها حرماً، فلا يمنع الصيد بالمسجد الأقصى ولا في قاعة بيت المقدس، أي: في مدينة القدس اليوم، بخلاف مكة والمدينة فإنهما حرم، لكن يجوز من باب التغليب عندما نشركها سوياً كأن نقول: المسجد الأقصى هو أولى القبلتين وثالث الحرمين، فباب التغليب باب واسع.
ومن باب التغليب أن العرب تقول للشمس والقمر: القمران، ويقصدون الشمس والقمر، لكن غلبوا القمر على الشمس بالذكورية؛ لأن لفظ القمر مذكر، كما يقال الحسنان عن الحسن والحسين، فنغلب الحسن؛ لأنه أكبر من الحسين، ويقال: العمران لـ أبي بكر وعمر؛ لأن أبا بكر اسم مركب تركيب إضافي، وأما عمر فهو اسم مفرد، والمفرد يقدم على الاسم المركب.
وهكذا يقال عن مكة ومدينة: المكتان؛ على أن مكة أفضل عند جمهور العلماء خلافاً لـ مالك ومن يرى رأيه أن المدينة أفضل.
فالذي يعنينا أنه يمكن أن يقال عن المسجد الأقصى حرم من باب التغليب، والنبي ﷺ قبل هجرته وكذلك مكث بعد الهجرة ستة عشر شهراً وهو يصلي جهة بيت المقدس، حتى أنزل الله جل وعلا قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤].
نعود إلى همزية شوقي التي هي المنطلق في الحديث، قال شوقي: تغشى الغيوب من العوالم كلما طويت سماء قلدتك سماء وهذا منزلة عالية في الفصاحة والبلاعة.
قوله: قلدتك سماء، أي: أنه ﷺ هو الزينة للسماء، وهو الفخار لها، فكان بمروره عليها تزدان السماء به، وهذا من التوفيق، وقد سبق الشعراء شوقي إلى هذا المعنى، لكن شوقي في صياغته كان أسبق من الشعراء في علو منزلته
стр. 102
الغيوب التي أطلع الله تعالى عليها نبيه في المعراج
قوله: تغشى الغيوب.
أي: أن الله جل وعلا أطلعك على كثير من الغيوب، ومن الغيوب التي أطلعها الله جل وعلا عليها نبيه في الإسراء والمعراج أنه ﷺ دخل الجنة، ورأى أن أكثر أهلها الفقراء، ورأى النار واطلع عليها، ورأى مالكاً خازنها، ومالك خازن النار الأول، كما أن الله جل وعلا أخبر أن مالكاً في القرآن هو القيم على هذا الأمر، قال الله تعالى في الزخرف: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧].
ومن تلك الغيوب أنه رأى ﷺ كثيراً من الأمور التي لم يكن ليعلمها، لكن الله جل وعلا منّ عليه بذلك تثبيتاً له.
стр. 103
الحكمة من عروجه ﷺ
ويبقى سؤال واحد ننهي به الحلقة: لماذا عرج به ﷺ ؟ نعلم أن من الأجوبة: أنه احتفاء به، لكن الجواب الأهم أن تعلم أن النبي ﷺ يبلغ عن الله رسالاته، وناصح له في ذرياته، وهو آخر الأنبياء، فلا بد أن يكون هذا النبي الذي سيبلغ على يقين بما يقول، فرحلة الإسراء والمعراج أطلعت نبينا ﷺ عما يخبر عنه، فكان ﵊ عندما يتحدث عن الجنة يتحدث عنها وقد رآها عياناً، وعندما يحذر من النار يتحدث عنها وقد رآها عياناً، وبهذا يعظم حديثه وأثره في الناس؛ لأنه خارج من قلب شاهد ورأى، ولهذا قال الله في النجم: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، فأسند الرؤية إلى فؤاده صلوات الله وسلامه عليه، وهذه خصيصة، وكأن الله أشار في القرآن أنه قد أعطاها إبراهيم، قال الله جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام:٧٥].
أحيانا الله وإياكم على سنة محمد وإبراهيم، ورزقنا الله وإياكم التوفيق، هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده حول همزية شوقي: يا أيها المسرى به شرفاً إلى ما لا تنال الشمس والجوزاء وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 104
سلسلة المدائح النبوية [أبيات من همزية شوقي] [١]
هذه هي القصيدة البائية لأمير الشعراء أحمد شوقي، وقد نظمها يمدح فيها سيد الأولين والآخرين نبينا محمد ﷺ ، وقد تعرض فيها لذكر الإرهاصات والمقدمات التي كانت قبل البعثة؛ تمهيداً لهذا الحدث العظيم الذي غير مجرى التاريخ.
стр. 105
الإرهاصات التي كانت قبل البعثة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة المباركون والأخوات المباركات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا لقاء متجدد من لقاءات عنوانها: المدائح النبوية، وهي قصائد قيلت في مدح خير الخلق ﷺ ، فننتقي من بعضها أبياتاً وأفانين، ثم نعلق عليها تعليقاً نحاول من خلاله أن نقرب أيام نبينا ﷺ ؛ لنقتدي وننهل من معين سيرته، ونقتبس من ثناء نبوته.
كنا قد تكلمنا عن شوقي ﵀ وذكرنا أن له ثلاث قصائد في مدح رسول الله ﷺ : البائية والنونية والهمزية.
وقد مضى القول عن بائيته، ومطلعها: سلوا قلبي، وعن نونيته ومطعلها: ريم على القاع.
واليوم نقف مع همزيته، وكما جرت العادة نقرأ الأبيات ثم نعرج ونعلق عليها بما يفتحه الله علينا.
قال شوقي ﵀: ولد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثناءُ الروح والملأ الملائك حوله للدين والدنيا به بشراء يا خير من جاء الوجود تحية من مرسلين إلى الهدى بك جاءوا بيت النبيين الذي لا يلتقي إلا الحنائف فيه والحنفاء خير الأبوة حازهم لك آدم دون الأنام وأحرزت حواء هم أدركوا عز النبوة وانتهت فيها إليك العزة القعساءُ خلقت لبيتك وهو مخلوق لها إن العظائم كفؤها العظماء بك بشر الله السماء فزينت وتضوعت مسكاً بك الغبراء وبدا محياك الذي قسماته حق وغرته هدىً وحياء ليل يتيه على الزمان صباحه ومساؤه بمحمد وضاء ذعرت عروش الظالمين فزلزلت وعلت على تيجانهم أصداء والنار خاوية الجوانب حولهم خمدت ذوائبها وغاب الماء والآي تترى والخوارق جمة جبريل رواح بها غداء نعم اليتيم بدت مخايل فضله واليتم رزق بعضه وذكاء في المهد استسقى الحمام برجائه وبقصده تستدفع البأساء يا من له الأخلاق ما تهوى العلا منها وما يتعشق الكبراء لو لم تقم ديناً لقامت وحدها ديناً تضيء بنوره الآناء زانتك في الخلق العظيم شمائل يغرى بهن ويولع الكرماء أما الجمال فأنت شمس سمائه ما لاح في الصديق منك إياء والحسن من كرم الوجوه وخيره ما أوتي القواد والزعماء فإذا سخوت بلغت بالجود المدى وفعلت ما لا تفعل الأنواء وإذا عفوت فقادراً ومقدراً لا يستهين بعفوك الجهلاء وإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هما الرحماء وإذا غضبت فإنما هي غضبة في الحق لا ضغن ولا بغضاء وإذا رضيت فذاك في مرضاته ورضى الكثير تحلم ورياءُ وإذا خطبت فللمنابر هزة تعرو الندي وللقلوب بكاء وإذا قضيت فلا ارتياب كأنما جاء الخصوم من السماء قضاء وإذا حميت الماء لم يورد ولو أن القياصر والملوك ظماء وإذا أجرت فأنت بيت الله لم يدخل عليه المستجير عداء وإذا ملكت النفس قمت ببرها ولو أن ما ملكت يداك الشاء وإذا بنيت فخير زوج عشرةً وإذا ابتنيت فدونك الآباء وإذا صحبت رأى الوفاء مجسماً في بردك الأصحاب والخلطاء وإذا أخذت العهد أو أعطيته فجميع عهدك ذمة ووفاء وإذا مشيت إلى العدا فغضنفر وإذا جريت فإنك النكباء في كل نفس من سطاك مهابة ولكل نفس في نداك رجاء والرأي لم ينض المهند دونه كالسيف لم تضرب به الآراء يا أيها الأمي حسبك رتبة في العلم أن دانت بك العلماء الذكر آية ربك الكبرى التي فيها لباقي المعجزات غناء صدرُ البيان له إذا التقت اللغى يتقدم البلغاء والفصحاء يا أيها المسرى به شرفاً إلى ما لا تنال الشمس والجوزاء يتساءلون وأنت أطهر هيكل بالروح أم بالهيكل الإسراء بهما سموت مطهرين كلاهما روح وريحانية وبهاء تغشى الغيوب من العوالم كلما طويت سماء قلدتك سماء أنت الذي نظم البرية دينه ماذا يقول وينظم الشعراء والمصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء صلى عليك الله ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء واستقبل الرضوان في غرفاتهم بجنات عدن آلك السمحاء هذا بعض ما قاله شوقي في همزيته في مدح رسولنا صلوات الله وسلامه عليه، وقد عرج شوقي في قصيدته على معانٍ عديدة، وأظهر فيها قدرة شعرية بالغة الذروة زانها أنها قيلت في سيد الخلق وأشرفهم محمد بن عبد الله ﷺ ، وسنقف هنا مع بعض ما ذكره شوقي في قصيدته.
ذكر شوقي قضية إرهاصات النبوة، وعبر عنها بعد أن ذكر أن عروش الظالمين زلزلت فقال: والآي تترى والخوارق جمة جبريل رواح بها غداء
стр. 106
الضابط في تقديم الجن على الإنس في القرآن والعكس
وشوقي أغفل هنا مسألة منع الله جل وعلا للجن أن يسترقوا السمع قبل بعثة رسول الله ﷺ ؛ حماية للقرآن، فالجن ما علاقتهم بنبينا ﷺ ؟ نحاول في هذا اللقاء أن نتكلم عن السيرة من هذا الوجه.
إن الجن أحد عقلاء ثلاثة خلقهم الله: الملائكة، والجن، والإنس.
وقد ذكرهم الله جل وعلا في القرآن، فتارة يقدم الإنس وتارة يقدم الجن، والتقديم بحسب السياق، فعندما يذكر الله القوة فإنه يقدم الجن، قال الله جل وعلا: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن:٣٣]، وذكر جل وعلا جند نبي الله سليمان فقال تباركت أسماؤه وجل ثناؤه: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل:١٧]، لكن لما تكلم الله جل وعلا عن البلاغة والفصاحة وهي في الإنس أكثر قدم الإنس، قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء:٨٨]، ولما أراد الله أن يتكلم عن بداية الخلق قدم الجن، فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، أو أن التقديم والتأخير له ضوابطه في القرآن، الجن بالنسبة لنا بني آدم عالم غيبي؛ ولهذا اشتق من الجن، من الفعل جن الذي يعني الاستتار، ولهذا تسمى الجنة جنة؛ لأنها لم تر، ويسمى الحمل في بطن أمه جنيناً لأنه لا يرى، والله يقول عن خليله إبراهيم: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ [الأنعام:٧٦] أي: أظلم وأصبح لا يُرى.
وهؤلاء الجن كتب الله قدراً أنهم يروننا ولا نراهم، ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧].
وهم أسبق منا خلقاً، قال الله: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر:٢٧]، فهذا كله إلى الآن كلام عام لا علاقة له بالسيرة.
стр. 107
استراق الجن للسمع قبل البعثة ومنعهم من ذلك بعد البعثة
وأما السيرة فإن الجن كانوا يسترقون السمع، قال الله جل وعلا عنهم: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن:٩]، وكانت الجن لا يحول بينها وبين خبر السماء شيء، فلما أراد الله بعثة سيد الخلق ﷺ وقد علم الله أزلاً وأراد ذلك قدراً أن ينزل خير كتبه على خير خلقه، حمى الله جل وعلا وحيه إلى نبيه ﷺ من استراق الجن له، فالذي وقع أن الله جل وعلا منع الجن من استراق السمع، وهذا كان كبيراً جداً على الجن، فخرجوا يبحثون عن السبب، فطائفة منهم جاءت إلى وادي النخلة، فمروا على رسول الله ﷺ وهو يقرأ القرآن في منقلبه من الطائف إلى مكة قائماً به في الليل، فجاءوا وسمعوا أعظم كلام وهو كلام الله، من أعذب وأعظم من تكلم به وهو رسول الله ﷺ ، فأخذوه رطباً من شفتيه، الجن وقلوبهم مخلوقة من نار لما رأت القرآن يتلي من لدن محمد ﷺ ركب بعضها بعضاً، وقد صور الله هذا الموقف فقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩] وعبد الله هو نبينا محمد ﷺ ، ((كَادُوا)) أي: الجن، ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩] تقول: تلبد الشيء يعني: ركب بعضه بعضاً، فركب بعضهم بعضاً يستمعون القرآن رغم أنهم كانوا تقريباً تسعة، فهؤلاء بعثهم إبليس لينظروا في سبب عدم قدرتهم على استراق السمع، فأضحوا مؤمنين، فرقت قلوبهم ولانت طباعهم، وأسلموا أمرهم لله وقبلوا الدين، قال الله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣١]، فانقلبوا من كفرة مردة أعوان لإبليس إلى مؤمنين صالحين يدعون إلى الله جل وعلا، فظاهر الأمر أنهم كانوا يهوداً؛ لأنهم قالوا: (أنزل من بعد موسى) ولم يذكروا عيسى بشيء.
والمقصود: أن الله جل وعلا خيرته لعبده خير من خيرة العبد لنفسه، وهؤلاء خرجوا لأمر وعادوا بشيء آخر عادوا مؤمنين، وكما أخبر الله جل وعلا أنهم عادوا ليسوا فقط مؤمنين، بل مؤمنين يدعون إلى دين ربهم، (يا قومنا أجيبوا داعي الله)، وهكذا المؤمن إذا تلقى العلم بلغه غيره؛ حتى يكون ممن يدعو إلى دين الله جل وعلا.
стр. 108
لا يعلم الغيب إلا الله تعالى
وهذا الأمر يؤكد ما كنا قد حررناه سابقاً من أن الغيب لا يعلمه إلا الله، فإن أولئك النفر من الجن استمعوا إلى نبينا ﷺ ، وأخذوا عنه القرآن، وخرجوا يبلغون الدين، وكل ذلك والنبي ﷺ لا يعلم، قال الله عنهم: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن:١]، فتأمل وتدبر قول الله: (أوحي إلي)، أي: أنا لا أعلم ولا أدري؛ لأني لا أراهم، لكن الله أبلغني أنه استمع نفر من الجن فقالوا: (إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد)، فهذا موقف حصل للجن مع نبينا ﷺ .
стр. 109
أدب الجن مع ربهم
لقد ذكر الله جل وعلا الجن في آيتين وأثنى عليهم بهما ضمناً، الآية الأولى: أنهم تأدبوا مع ربهم لما قال الله جل وعلا عنهم أنهم يقولون: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الجن:١٠]، فنسبوا الشر إلى ما لم يسم فاعله، -يعني: كما يقول النحاة: مبني للمجهول-، فهؤلاء الجن -تأدباً مع ربهم- نسبوا الرشد إلى ربهم ولم ينسبوا إليه الشر مع أن الله خالق كل الشيء.
الموقف الثاني: أن النبي ﷺ قرأ عليهم سورة الرحمن، وقد ورد فيها كثيراً قول الله جل وعلا: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣]، فكانوا كلما تليت عليهم هذه الآية يجيبون رسول الله ﷺ بقولهم: لا نكذب بأي من آيات ربنا، لا نكذب بأي من آيات ربنا، فهذا من أدب الجن مع رسولنا ﷺ ، ومع ربهم جل وعلا.
стр. 110
سكنى بعض مؤمني الجن في المدينة
وفي غزوة الخندق حصل أن النبي ﷺ جاءه شاب من الأنصار يستأذنه في أنه لا يستطيع أن يرابط مع الجيش؛ لأنه حديث عهد بعرس، فأذن له، وقبل أن أذكر حكاية هذا الشاب نذكر أصل الحديث: كان أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه ذات يوم يصلي، فجاءه أحد أصحابه من التابعين يستأذن عليه فوجده يصلي، فهذا الرجل مكث في البيت ينتظر أبا سعيد أن يفرغ من صلاته، فإذا بحية في عراجين البيت في الشجر في السقف، فقام الشاب ليقتلها، فإذا بـ أبي سعيد وهو في صلاته يشير إليه أن امكث مكانك، فمكث الرجل، فلما فرغ أبو سعيد من صلاته أخذ بيد الشاب وأخرجه من البيت وأشار إلى بيت غير بعيد من بيت أبي سعيد، وقال: انظر أترى ذلك البيت؟ قال: نعم، قال: إن ذلك البيت كان لفتىً منا معشر الأنصار، هذا الفتى هو الشاب الذي تكلمنا عنه آنفاً، فقد كان حديث عهد بعرس، فكان في يوم الخندق يحفر معهم، ثم إذا حل المساء يستأذن، فذات مرة قال له النبي ﷺ : (خذ سيفك معك فإني أخشى عليك بنو قريظة) أي: اليهود من بني قريظة، فأخذ السيف وعاد إلى بيته ومعه سلاحه وسيفه ورمحه، فوجد زوجته وهو حديث عرس بها خارج الدار، فأخذته الغيرة فسل سيفه غاضباً، فأشارت إليه زوجته وعروسه إلى داخل الدار، فدخل الدار فوجد حية ملتوية على سريره، فضربها، قال أبو سعيد: فلا يدرى أيهما أسبق موتاً الفتى الأنصاري أم الحية، أي: ماتا سوياً، فلما علم النبي ﷺ بذلك قال: (إن في المدينة إخواناً لكم من الجن، فإذا رأيتم مثل هذا فحرجوا عليه ثلاثاً) أي: لا تقتلوه مباشرة.
فهذا خبر عن الجن وعلى أنه كان بعضهم يسكنون المدينة، وأنهم مؤمنين برسالة نبينا ﷺ .
следующие страницы →