Полный текст (125 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
سلسلة المدائح النبوية [أبيات من بائيَّة شوقي]
هذه القصيدة من روائع شوقي أمير الشعراء، وقد مدح فيها سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه بأسلوب شائق ولفظ رائق، ولا عجب في ذلك فشوقي ممن يسّر له قيادة الشعر، وفتْق معانيه، واستخراج درره، فلله درّه!
стр. 2
المنهج العام في شرح هذه المدائح
الحمد لله رب العالمين، وإن كان يقل مع حق جلاله حمد الحامدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين وإله الآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره وتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فما زلنا أيها المباركون والمباركات! نتفيأ ظلال طرق المدائح النبوية؛ تلكم القصائد التي قيلت في سيد الخلق وأشرفهم محمد بن عبد الله ﷺ .
وقبل أن نشرع في القصيدة التي اخترنا أبياتاً منها في لقاء هذا اليوم، يحسن بنا أن نستصحب أموراً: أننا في هذه اللقاءات لا نريد أن نبين المنهج العام والصناعة الأدبية لتلك القصائد، وإنما نريد أن نتخذ من تلكم القصائد مطايا نصل بها إلى الكثير من الخفايا من سيرة نبينا ﷺ ، وما يمكن أن نستقيه وننهله من نعيم سيرته العطرة وأيامه النضرة صلوات الله وسلامه عليه، فما هذه القصائد إلا مدخل للنظر في السيرة، وبيان كيف وفق أولئك الشعراء إلى صياغة مناقبه وخصاله وأفضاله صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 3
شيء من خبر شوقي
والقصيدة التي نحن بصدد الحديث عنها اليوم هي بائية شوقي والتي مبدأها: سلوا قلبي غداة سلا وثابا لعل على الجمال له عتابا وقد بويع شوقي بإمرة الشعر عام ١٩٣٢م، وكان قرنه الأول حافظ إبراهيم أول المبايعين، وقال في قصيدته التي بايع فيها شوقي أميراً للشعراء: أمير القوافي قد أتيت مبايعاً وهذي وفود الشرق قد بايعت معي وشوقي له أبيات حاد فيها عن المنهج الحق، كقوله: رمضان ولى هاتها يا ساقي مشتاقة تسعى إلى مشتاقِ وغيرها من الأبيات التي حاد فيها عن منهج الحق إما خلقياً وإما عقدياً، لكن الرجل غفر الله له ورحمه له ثلاث قصائد في مدح النبي ﷺ عز نظيرها، وقل مثيلها، منها ما عرفت بنهج البردة، والقصيدة التي عارض فيها شوقي بردة البوصيري رحمه الله تعالى، ومعلوم أن بردة البوصيري مطلعها: أمن تذكر جيران بذي سلم مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم أم هبت الريح من تلقاء كاظمة وأومض البرق في الظلماء من إضمِ ونحن لا نستطيع أن نعرج على ميمية شوقي حتى نعرج أولاً على ميمية البوصيري، لكننا في هذا اللقاء سنقف مع بائية شوقي رحمه الله تعالى.
وبقيت له الهمزية والتي مطلعها: ولد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثناء الروح والملأ الملائك حوله للدين والدنيا به بشراء وسنخصص حلقات متتابعة لهمزية شوقي ولنونيته، لكننا بعد أن نعرض لميمية البوصيري رحمة الله تعالى عليهما.
стр. 4
المعنى العام لهذا المديح
أما اليوم فإننا ننيخ المطايا ونقف أمام بائية شوقي، قال شوقي في هذه القصيدة: سلوا قلبي غداة سلا وثابا لعل على الجمال له عتابا ويسأل في الحوادث ذو صواب فهل ترك الجمال له صوابا ولي بين الضلوع دم ولحم هما الواهي الذي ثكل الشبابا وكل بساط عيش سوف يطوى وإن طال الزمان به وطابا كأن القلب بعدهم غريب إذا عادته ذكرى الأهل ذابا ولا ينبيك عن خلق الليالي كمن فقد الأحبة والصحابا أخا الدنيا أرى دنياك أفعى تبدل كل آونة إهابا فمن يغتر بالدنيا فإني لبست بها فأبليت الثيابا لها ضحك القيان إلى غبي ولي ضحك اللبيب إذا تغابى جنيت بروضها ورداً وشوكاً وذقت بكأسها شهداً وصابا ولم أر مثل حكم الله حكماً ولم أر مثل باب الله بابا إلى أن قال في مدح سيد الخلق ﷺ : وعلمنا بناء المجد حتى أخذنا إمرة الأرض اغتصابا وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا تجلى مولد الهادي وعمت بشائره البوادي والقصابا وأسدت للبرية بنت وهب يداً بيضاء طوقت الرقابا لقد وضعته وهاجاً منيراً كما تلد السماوات الشهابا أبا الزهراء قد جاوزت قدري بمدحك بيد أن لي انتسابا فما عرف البلاغة ذو بيان إذا لم يتخذك له كتابا مدحت المالكين فزدت قدراً فلما مدحتك اقتدت السحابا هذه بعض الأبيات من بائية شوقي ﵀ رحمة واسعة.
إن شوقي في هذه القصيدة حاول أن يبدأ أولاً بالحكم، ثم يبين عالمية النبي ﷺ ، فقال: وعلمنا بناء المجد حتى ثم انتقل إلى يوم مولده ﷺ ، ثم حرر ذلكم الإسداء القدري الذي جعله الله على يد آمنة بنت وهب يوم أن وضعت رسول ﷺ ، ثم قال يخاطب نبينا ﷺ : (أبا الزهراء) معتمداً على ما في ذاكرتنا الإسلامية التاريخية من عظيم محبة النبي ﷺ لابنته فاطمة، ثم بين جملة بلاغة المصطفى ﷺ ، ثم ذكر بعد ذلك أنه قدر له -أي: شوقي - أن يمدح كثراً من ملوك وسلاطين عصره، وأنه مدحهم على بينة وعلى علم فنال حظوة عندهم، ونال منزلة عند الناس بمدحه لهم، لكنه يقول: لما مدحتك أي: يا رسول الله ﷺ اقتدت السحابا بمعنى: أنني أصبحت أتحكم فيها، وهو يقصد أنه بلغ ذروة في المجد عالية جداً، ببركة مدحه لرسول ﷺ ، هذا هو الإلمام الشامل لقصيدة شوقي رحمة الله تعالى عليه.
стр. 5
فقد النبي للأحبة
ذكر شوقي في الحكم أن الإنسان كلما فقد الكثير من الأحبة كان ذلك أكثر تجربة في نفسه في أن يحكم على الناس، ولذلك قال: ولا ينبيك عن خلق الليالي كمن فقد الأحبة والصحابا فهل أراد شوقي أن يقول: إن النبي ﷺ جرب بفقد الأحبة؟ سواء قصده شوقي أو لم يقصده فإن السيرة تدل على ذلك، فنبينا ﷺ كان له ابنان القاسم وعبد الله، وأربع بنات: رقية وأم كلثوم وزينب وفاطمة، ثم ولد له بعد هؤلاء الستة إبراهيم فأضحوا سبعة، وكلهم توفوا في حياته ﷺ إلا فاطمة كما سيأتي الحديث عنها تفصيلاً.
فالنبي ﷺ أعظم من جرب فقد الأحبة، فهو ﵊ لم تكتحل عيناه أصلاً برؤية أبيه عبد الله بن عبد المطلب، إذ على الصحيح أن عبد الله بن عبد المطلب والد النبي ﷺ توفي والنبي ﷺ حمل في بطن أمه، وأمه آمنة بنت وهب عاش معها ﷺ ست سنين فأدرك من ذلك عاطفتها، فحق له بعد ذلك أن يقف على قبرها ويقول: (إنني استأذنت ربي بأن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنت أن أزورها فأذن لي، فبكى ﷺ ، فبكى الصحابة لبكائه، فلم ير باكياً أعظم منه).
قال شوقي رحمه الله تعالى: أبا الزهراء قد جاوزت قدري لمدحك بيد أن لي انتسابا يقصد الانتساب للملة.
فما عرف البلاغة ذو بيان إذا لم يتخذك له كتابا مدحت المالكين فزدت قدراً فلما مدحتك اقتدت السحابا
стр. 6
نسب آل البيت إلى النبي
الزهراء مؤنث أزهر وهو لقب غلب على فاطمة بنت محمد ﵂ وأرضاها، وفاطمة إحدى أربع أخوات كلهن بنات رسول الله ﷺ ، لكن الله يقول وقوله الحق: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨]، فأراد الله جل وعلا أن النسب المتصل بنبينا ﷺ ينقطع إلا من جهة فاطمة، فـ زينب تزوجت أبا العاص بن الربيع وأنجبت منه أمامة، ثم إن أمامة كبرت وماتت دون أن تلد، أي: لم يكن لها عقب، أما رقية وأم كلثوم فقد تزوجهما عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فتزوج رقية ولم ينجب منها، وتزج أم كلثوم وأنجب منها ابناً يقال له عبد الله، ثم إن عبد الله هذا نشأ صغيراً حتى بلغ قرابة ست أو سبع سنين -كما قال أهل السير- ثم إنه مات، وإبراهيم الذي ولد للنبي ﷺ من جهة مارية القبطية مات وقد بلغ من العمر ثمانية عشر شهراً، وأما عبد الله والقاسم ابنا النبي ﷺ هذان ماتا بعد البعثة بقليل، بهذا تصير السلالة الشريفة المتصلة به ﷺ كلها مردها إلى فاطمة، وفاطمة زوجها النبي ﷺ من ابن عمها علي بن أبي طالب، فأنجبت منه الحسن والحسين ومحسن، ولما ولدت الحسن دخل ﷺ يقول: (أين ابني أين ابني؟ فأتوه به، قال: ما أسميتموه؟ قالوا: أسميناه حرباً، قال: بل هو الحسن)، ثم بعد طهر واحد حملت وولد الحسين، وكأن علياً ﵁ لأمر ما في نفسه يحب اسم حرب، فقال ﷺ كما قال في أخيه الحسين: (أين ابني أين ابني؟ قالوا: هاهو يا رسول الله! قال: ما أسميتموه؟ قالوا: أسميناه حرباً، قال: بل هو الحسين، ثم حملت فقال ﷺ : أين ابني؟ ثم سماه محسناً وقال معقباً: أسميتهم بأسماء أبناء هارون: بشير وبشار ومبشر)، وهذا يدل على أن النبي ﷺ كان حريصاً على اقتفاء أثر الأنبياء من قبله؛ لأن الله قال له وقوله الحق: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، ففي هذا الأمر عمد ﷺ إلى أن يتخذ له إماماً من النبيين، فلما أخذ ﷺ من كل نبي شيئاً من مناقبه وخصاله اجتمعت المناقب فيه، كما سيأتي تحريره في أمثلة شوقي.
فقد اجتمعت كل مناقب الخير والفضل فيه صلوات الله وسلامه عليه.
فأما محسن فقد مات صغيراً، فبقينا في الحسن والحسين، فأي نسب اليوم إلى رسول الله ﷺ -لا إلى آل البيت؛ لأن كلمة آل البيت أعم، لكن إلى رسول الله ﷺ إنما هو إما من الحسن أو من الحسين، ولهذا قدر الله في أن الحسين بن علي ﵁ شهيد كربلاء لما مات في كربلاء كان الناجي الوحيد من الرجال ابنه علي المعروف بـ زين العابدين، فكما أن الحسين يقال له: شهيد كربلاء فإنه يقال لابنه علي بن الحسين المعروف بـ زين العابدين يقال له: نجي كربلاء، فأبقى الله علي بن الحسين حياً ولم يتسلط عليه الأعداء ولم يقتلوه؛ حتى يبقي الله جل وعلا على عقب نبيه ﷺ من ذرية الحسين الممتدة إلى فاطمة إلى ظهره صلوات الله وسلامه عليه.
فكل من ينتسب إلى رسول الله ﷺ اليوم قطعاً هو إما من ذرية الحسن أو من ذرية الحسين، ومن كان من ذرية الحسين فهو قطعاً من ذرية زين العابدين بن علي، وأكرر أن مسألة آل البيت أوسع وأعم، وسيأتي تفصيلها.
стр. 7
حب آل البيت وإجلالهم
فهذا زين العابدين هو الذي قال فيه الفرزدق أبياته الشهيرة لما حج هشام بن عبد الملك في خلافة أبيه، فلما حج رأى الناس عند الطواف إذا رأوا علي بن الحسين يفسحون له كي يستلم الحجر، ويطوف بالبيت على سعته وراحته، فقال مستنكراً: من هذا؟ يريد أن يتجاهله، والعظيم من الناس حتى لو تجاهلته لا يضره، وهو يريد أن يزهد أهل الشام يومئذ فيه، فقال الفرزدق الشاعر رغم أن الفرزدق معروف بفسقه، لكن يجتمع فيه كل أحد صفات خير وصفات شر، والمنصف ينظر إلى هذه وهذه، فقال الفرزدق مجيباً لـ هشام بعد أن استنكر واستفهم مستنكراً من هذا، فقال: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرمُ هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم وليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم كلتا يديه غياث عم نفعهما يستوكفان ولا يعروهما عدم سهل الخليقة لا تخشى بوادره يزينه اثنان حسن الخلق والشيم ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم عم البرية بالإحسان فانقشعت عنها الغياهب والإملاق والعدم مشتقة من رسول الله نبعته طابت مغارسه والخيم والشيم هذا ابن فاطمة إن كنت تجهله بجده أنبياء الله قد ختموا فهذه الأبيات قالها الفرزدق الشاعر الأموي المعروف في مدح زين العابدين بن علي، هذا يسوقنا إلى أن محبة آل بيت رسول ﷺ دين وملة وقربة، وقد قال الفرزدق في هذه القصيدة: من معشر حبهم دين وبغضهم كفر وقربهم منجى ومعتقد والإمام أحمد بن حنبل -إمام أهل السنة في زمانه- لقي ما لقي من العنت من المعتصم الخليفة العباسي، والمعتصم أبوه هارون الرشيد وهو عباسي، وهو ابن عم رسول ﷺ ، فكان الإمام أحمد رحمة الله تعالى عليه من تعظيمه لآل بيت رسول الله ﷺ رغم ما وجده من سياط المعتصم وعنته وجلده وسجنه له كان يقول: جعلتك في حل؛ لأنني أستحيي أن ألقى نبينا ﷺ يوم القيامة وبيني وبين أحد أبناء عمومته خصومة، فهذا مثل ونموذج يحتذى في التعامل مع آل بيت رسول الله ﷺ .
نعود فنقول: إن فاطمة التي قال شوقي هنا فيها: أبا الزهراء قد جاوزت قدري كانت أشبه مشية برسول الله ﷺ ، ونبينا ﷺ قدوة في الخير كله، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، وقد يتعذر على كل أحد أن يجمع كل ما في النبي ﷺ فهذا محال، لكن نأخذ منه ﷺ بعض الأشياء قدر الإمكان، فيجتمع فيك بعض الخصائص والفضائل لرسول صلوات الله وسلامه عليه، فهذه فاطمة ابنته من أشد الناس شبهاً بمشية أبيها صلوات الله وسلامه عليه، وكان ﷺ يحبها حباً جماً، وقد دخلت عليه في يوم وفاته فبشرها بأنها سيدة نساء أهل الجنة، وأخبرها أنه سيموت في مرضه هذا، فلما أخبرها أنه سيموت في مرضه هذا بكت، فلما أخبرها بأنها سيدة نساء أهل الجنة سرت رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
وفاطمة ﵂ وأرضاها أخبرها النبي ﷺ في مرضه أنها أول أهله لحوقاً به، وهذا سيأتي بيانه في قضية الغيب في حياة النبي ﷺ فلا نعجل في أمر لنا فيه أناة.
стр. 8
تكريم الله تعالى للمرأة في الإسلام
إن إكرام النبي ﷺ لابنته فاطمة ولسائر بناته من أعظم الدلائل على أن الله جل وعلا كرم المرأة، فقد كرمها زوجة، وكرمها أختاً وكرمها ابنة وكرمها جارة، وكرمها عمة، وكرمها خالة، وبكل ذلك وردت السنة، فالنبي ﷺ يأتيه رجل ويقول له: (يا نبي الله إن لي غدرات وفجرات، فقال له: ألك والدة؟ قال: لا، قال: ألك خالة؟ قال: نعم، قال: برها)، فجعل ﷺ بر الخالة كمنزلة بر الأم، وقال في الأم من قبل: (أمك ثم أمك ثم أمك ثم أمك)، فهو في البنات يرعى حقوق بناته ﷺ ، وإذا دخلت عليه ابنته فاطمة قام ومشى إليها صلوات الله وسلامه عليه.
كما أكرمها ﷺ جارة، فقد جاءته امرأة فقدم لها ﷺ طيب القول ولينه فتعجبت عائشة عنها، قال: (إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان)، فهو ﷺ يذكر أن هذه المرأة كانت جارة له ذات يوم من الدهر في زمن خديجة، ويكرمها.
وأكرم ﷺ هالة أخت خديجة ﵂ وأرضاها، إكراماً لزوجته خديجة.
والمقصود: أن الله جل وعلا كرم المرأة عموماً، ومن أعظم الدلائل أن سورة في القرآن عدد آيها ثمان وتسعون آية هي سورة مريم سميت باسم الصديقة مريم ﵍، وقد قال الله جل وعلا عنها: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة:٧٥]، وقال الله جل وعلا: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٤٢]، ولما أراد الله جل وعلا أن يقدم في القرآن الموحى إلى نبيه دينه الحق لم يبدأ به جل وعلا كمن يريد من الناس ألا يقبلوا دينه، كما يقع من أخطائنا نحن أحياناً في الدعوة، ولكن لما جاء وفد النصارى إلى النبي ﷺ أذن لهم أن يدخلوا مسجده الشريف، وصلوا جهة الشرق؛ لأن النصارى تعظم الشرق، وهو ﷺ مقر لهم، فلما أراد أن يثبت لهم أن عيسى ليس ابناً لله قال الله جل وعلا في أول الآيات التي أنزلت في هذا الشأن: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران:٣٣]؛ لأن النصارى يعظمون آل عمران، ثم أثنى الله جل وعلا على مريم وبين جل وعلا مكانها ومقامها: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٢ - ٤٣]، ثم بعد أن بين الله جل وعلا فضل مريم وفضل بيت آل عمران جملة قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران:٥٩ - ٦٠].
فبين لهم الصواب وبين لهم الحق، ودلهم على الجادة بعد أن مهد ووطأ لذلك تمهيداً وتوطئة تناسب أن يقبلوا قوله، فلما اعترضوا أنزل الله جل وعلا آيات المباهلة: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١]، عمد ﷺ هنا إلى فاطمة وعلي والحسن والحسين وخرج وهم وراءه، فقال لوفد نجران يدعوهم إلى المباهلة، وقال لـ فاطمة وعلي والحسن والحسين: (إذا أنا دعوت فأمنوا)، فلما رأى وفد النصارى تلك الوجوه النيرة آل بيت رسول الله ﷺ وألصق الناس به نسباً، قالوا: إن هذه الوجوه لو سألت الله أن يزيل الجبال لأزالها، فامتنعوا عن المباهلة، وهذا كله ناله هؤلاء الأربعة بقرابتهم من رسول الله ﷺ وبإيمانهم من قبل، وشهادتهم أن النبي ﷺ رسول من عند الله.
стр. 9
تابع حب آل البيت وإجلالهم
والمقصود أن إجلال آل رسول الله ﷺ دين وملة وقربة، والمؤمن ومذهب أهل السنة -سلك الله بنا وبكم سبيلهم- ألا نغلو فيهم ولا ننزلهم منازل أعلى مما أعطاهم الله جل وعلا إياها؛ لأن هذا في الأصل سوء أدب مع الله، ولا نضيع حقهم، ونتذكر وصية النبي ﷺ فيهم، قال ﵊: (الله الله في آل بيتي الله الله في آل بيتي)، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول: والله لإسلام العباس أحب إلي من إسلام الخطاب لو كان قد أسلم، وكل ذلك من دلائل محبة عمر وفقهه معرفته بتوقير آل بيت رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 10
فصاحة النبي ﷺ
قال شوقي: مدحت المالكين أي: أهل السلطان والملك.
فزدت قدراً وهذا من الواقع المشهود، فالإنسان إذا كان له حظوة عند الملوك فإن هذا مما يرفع قدره، ثم استدرك وهذا من أدبه مع رسول الله ﷺ ، والحق أن شوقي أوتي باعاً عظيماً وحظوة كبيرة في لين القول، وطيب الكلام.
فلما مدحتك اقتدت السحابا وفي رواية كنت أحفظها من قبل: ازددت السحابا والمعنى واحد، أي: أنني بمدحي للناس ارتفعت، لكنني بلغت الذروة ووصلت إلى أعلى ما يمكن أن يصل إليه إنسان من جاه لما مدحتك يا سيد الخلق، صلوات الله وسلامه عليه.
فلما مدحتك اقتدت السحابا قال قبلها: فما عرف البلاغة ذو بيان إذا لم يتخذك له كتابا وشوقي يأتي أحياناً بالمعنى الواحد ثم يغير في الطرائق في ذكره.
فهذا البيت قاله شوقي في ميميته -كما سيأتي- يخبر فيه عن فصاحة النبي ﷺ ، وهو قوله: يا أفصح الناطقين الضاد قاطبة حديثك الشهد عند الذائق الفهم وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه يتعجب من فصاحة النبي ﷺ ، فيقول له صلوات الله وسلامه عليه: (وأي غرابة في ذلك وأنا من قريش واسترضعت في بني سعد)، فالعرب كانت تعمد كثيراً إلى أن تسترضع أبناءها في البادية، حتى يشب المرء مع طيب الهواء ونقائه يشب فصيحاً بليغاً، والشافعي رحمة الله تعالى عليه مكث عشر سنوات في بني هذيل يطلب اللغة، ولهذا أصبح إماماً في اللغة يحتج بقوله، والوليد بن عبد الملك كان أسيراً عند أبيه عبد الملك بن مروان بخلاف إخوته، وبعث عبد الملك سليمان وغيره إلى البادية، ولم يبعث الوليد، فكان الوليد يلحن، أي: لا يقيم المسائل النحوية جيداً بينه وبين أبيه، فكان عبد الملك بعد ذلك يتحسر على أنه لم يبعث الوليد أيام صباه إلى البادية، ويقول: حبنا للوليد أضر به، أي: أنه لم يرسله إلى البادية ليقيم لسانه.
نعود إلى أفصح الخلق ﷺ ، فقد أوتي ﵊ جوامع الكلم، وهي كلمات معدودات تدخل فيها معان لا يمكن حصرها، وهذا من البلاغة، ولهذا ينبغي للخطيب الذي يرقى المنابر أن يحاول أن لا يكرر الكلام ولا أن يعيد نفس الفكرة، وإنما يحاول أن يأتي بجوامع الكلم، وأن يرقى بسامعيه إلى محل أعلى كما كان ﷺ يقول، وقد قال أهل الصناعة الأدبية إن هناك كلمات أثرت عن النبي ﷺ لم يسبق إليها، أي: أن العرب لم تكن تعرفها، منها قوله ﷺ يوم حنين: (الآن حمي الوطيس)، قالها ﷺ لما اشتد رحى المعركة في يوم حنين، فهذه العبارة لم تكن تعرفها العرب من قبل، وإنما أول من قالها هو رسول الله ﷺ ، وذكروا كلمات أو عبارات غير هذه كما بينهما أصحاب كتاب المفصل في الأدب العربي، والذي يعنينا أن الإنسان إذا أراد أن يقوِّم لسانه فعليه بقراءة القرآن، وتأمل أحاديث المعصوم ﷺ ، فسيجد فيها مرتقى عالياً، ومنازل رفيعة في البلاغة والفصاحة، وهذا شأن أنبياء الله، ونبينا ﷺ هو أفصح من نطق لغة الضاد، إلا أن أهل السير يقولون: إن شعيباً ﵇ إذا ذكر يوسم بأنه خطيب الأنبياء، وشعيب أحد أربعة أنبياء من العرب وهم: شعيب وهود وصالح وختموا برسول الله ﷺ .
هذا ما تمكنا إيراده وتهيأ إعداده حول بائية شوقي في مدح سيد الخلق ﷺ .
وفي اللقاء القادم سنعرج على ميمية البوصيري، ثم نردف بعد ذلك قصائد شوقي التي عارض بها نونية البوصيري.
نسأل الله لنا ولكم التوفيق.
وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 11
سلسلة المدائح النبوية [أبيات من داليَّة الأعشى]
هذه القصيدة قالها الأعشى، وقد صنعها ليلقيها بين يدي النبي ﷺ ، حيث إنه عزم على المجيء إلى المدينة كي يسلم، فتلقته قريش في الطريق تصده عن المجيء إلى الرسول ﷺ ، فأغرته بالمال فرجع، فبينما هو راجع في الطريق وقع من على راحلته فوقصته فمات كافراً.
стр. 12
شيء من حياة الأعشى وذكر سبب موته على الكفر
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فقدَّر، وشرع فيسّر، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره وتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة المباركون! والأخوات المباركات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فهذا لقاء متجدد مع لقاءاتنا الموسومة بالمدائح النبوية، وهي قصائد قيلت في مدح خير البرية ﷺ ، فنعلق عليها بما يتفق مع السيرة العطرة والأيام النضرة لرسولنا ﷺ .
والقصيدة التي نحن بصدد الحديث عنها اليوم لها نوع من الغرابة، وهو أن قائلها وهو الأعشى مات كافراً، فقد همّ أن يسلم وقدم إلى المدينة يريدها، فتعرضت له قريش وأغرته بالمال كما سيأتي، وقبل أن نعلق على القصيدة أقرأ بعض أبيات منها، ثم نستعين الله جل وعلا في التعليق عليها بما ينفع الناس.
قال الأعشى: ألم تغتمض عيناك ليلة أرمد وبت كما بات السليم المسهد ألا أي هذا السائلي أين يممت؟ فإن لها في أهل يثرب موعدا فأما إذا ما أدلجت فترى لها رقيبين جدلاً لا يغيب وفراقدا أجدت برجليها النجاء وراجعت يداها خنافاً ليناً غير أحردا فآليت لا أرثي لها من كلالة ولا من حفى حتى تزور محمدا متى ما تناخي عند باب ابن هاشم تريحي وتلقيى من فواضله يدا نبي يرى ما لا ترون وذكره أغار لعمري في البلاد وأنجدا له صدقات ما تغب ونائل وليس عطاء اليوم مانعه غدا أجدك لم تسمع وصاة محمد نبي الإله حين أوصى وأشهد إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ولاقيت بعد الموت من قد تزود ندمت على ألا تكون كمثله وأنك لم ترصد لما كان أرصد هذه هي أبيات الأعشى في داليته التي قالها في مدح النبي ﷺ ، وقبل أن نعلق عليها أستحضر شيئاً مما قيل حوله، والتمديد هنا في الخطاب مهم جداً، والأعشى شاعر جاهلي وهو أحد أصحاب المعلقات، وهو صاحب المعلقة المشهورة: ودِّع هريرة إن الركب مرتحلُ وهل تطيق وداعاً أيها الرجلُ غراء فرعاء مصقول عوارضها تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحل وهذا الشاعر كان له باع كثير وكبير في شعر العرب، وكان يعرف بثمادة العرب، وكان شعره يسير الركبان، ثم لما أظهر الله نبيه ونشر الله دينه بلغ الأعشى خبر نبوة محمد ﷺ ، فعزم وقد كبرت سنة على أن يأتي من بوادي نجد حيث كان يسكن إلى يثرب -أي: إلى المدينة- فصنع هذه القصيدة وعزم على إنشادها بين يدي النبي ﷺ ، فتعرضت له قريش، فجاءه أبو سفيان، وقد أخبر أبو سفيان الناس أن هذا رجل شاعر وله مقامه عند العرب، فلو قدر له أن يسلم ويمدح النبي فإن أبا سفيان سيحذر قريش ويقول لن يبقى بيت إلا وسيدخله الإسلام، فقرر أبو سفيان مع من حوله من القرشيين أن يعطوا الأعشى مائة ناقة على أن يرجع من عامه هذا، فتعرضوا للأعشى في الطريق فأخبروه بالنبي ﷺ وما جاء به، ثم لما وجدوا منه عزماً على الذهاب أغروه بالمال، وقالوا له: هل لك إلى أن نعطيك مائة ناقة فترجع من عامك هذا وبيننا وبينه هدنة، ثم ترى في العام القادم أمرك؟ فقبل رأيهم، وهذا كله يمضي بقدر الله، فرضي بالمائة ناقة وعاد أدراجه راجعاً إلى ديار قومه، وفي الطريق سقط من على ناقته فدقت عنقه ومات على الكفر.
إن الهداية أيها المبارك بيد الله، كما قال الله لنبيه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]، والله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١١١]، فالهداية تطلب من الرب ﵎، والله وحده أعلم بقلوب الناس، وإلا فـ أبو سفيان الذي كان سبباً في غواية الأعشى ورده إلى ديار قومه ومانعه من يأتي المدينة قد أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، وعُد صحابياً، فانظر إلى أقدار الله فهي سر الله في الأرض فلا يتعرض لها، والنبي ﷺ كان ينبه أصحابه ويعزم عليهم ألا يخوضوا في القدر، فنقول كما قال الصالحون من قبلنا، وكما علمنا ربنا: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨].
стр. 13
شؤم الطمع في الدنيا
ثم ننظر إلى أن الأعشى أغرته الأموال، وطمعه في الدنيا جعله يرجع بما ناله من حض ونصيب دنيوي، ويرجئ مسألة إسلامه؛ ولهذا قال الله لنبيه معلمنا والمؤدب: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١]، وقال جل ذكره: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران:١٤٥]، فبيّن الله جل وعلا أن الناس تختلف مشاربهم وطرائقهم، فمن كان يريد الآخرة هذا يثبت على دينه وقيمه ويرزق ثباتاً، ومن كانت الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه فإنه غالباً ينتكس في طريقه ويرجع عن الجادة التي كان يسير عليها، وعلى هذا حري بالمؤمن أن يتحرر من المطامع الدنيوية، وأن يجعل الجنة بغيته، وينظر فيما وعد الله جل وعلا به عباده الصالحين من نعيم لا ينفذ، وقرة عين لا تنقطع، فهذه هي التي يثبت الله بها الإيمان في القلوب.
مر أبو حازم أحد أعيان السلف على سوق ممن يبيعون اللحم، فقالوا: يا أبا حازم! هلا اشتريت لحماً؟ قال: لا أملك دراهم ولا دنانير، قالوا: خذ اللحم الآن ونحن نصبر عليك حتى يرزقك الله دنانير ودراهم فنأخذها منك، فقال: إن كانت المسألة مسألة الصبر فأنا أصبر حتى أدخل الجنة.
فكلما زاد يقين المرء بموعود الله جل وعلا لعباده الصالحين ازداد ثباتاً على دينه؛ ولهذا كان النبي ﷺ في سيرته وأيامه يبيّن لأصحابه مسألة التعلق بنعيم الجنة، فلما أهديت له مناديل من بلاد فارس وتعجّب الصحابة من لينها وأخذوا يلمسونها ويتعجّبون من لينها، قال ﷺ : (لمناديل سعد بن معاذ في الجنة ألين من هذا)، فانتقل بهم ﷺ من هذا العالم الدنيوي الفاني إلى العالم الأخروي، والله لما ذكر نعيم الجنة قال: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ [الفرقان:١٦] أي: أن عباده الصالحين منذ آدم إلى أن تقوم الساعة يسألون الله جل وعلا نعيم الجنة؛ لأن نعيم الجنة خلود بلا موت، ولا يفنى شبابهم، ولا تبلى ثيابهم.
والمقصود أن الطمع الدنيوية عند الأعشى كان سبباً في بقاءه على الكفر وموته عليه، ولهذا حري بأهل العلم خاصة أن يكون تعلقهم بثواب الله قوياً جداً؛ حتى يقتدي الناس بهم، ولله الحمد والمنّة أمة محمد ﷺ أمة خير، وأنا أدركت ولله الحمد بعض مشائخي ممن ما زالوا أحياء إلى اليوم من ترفع عن المطامع الدنيوية وتعلق بالله ما لا يمكن أن يصدقه أحد في زماننا، حتى إن أحدهم يتردد كثير على المسجد النبوي الشريف حتى أصبح الناس يعرفون أوقات دخوله وخروجه، وله مكان خارج الحرم يضع فيه نعليه، وذات يوم أراد أحد الطلاب أن يُكرم الشيخ، فلما خرج الشيخ من الحرم قدم هذا الطالب البار وأخذ النعلين ووضعهما بين قدمي الشيخ ليلبسهما، فتغير وجه الشيخ؛ لأنه لا يريد أن يُخدم لأنه عالم، ثم نظر في الشاب وتأمل واسترجع وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم إنه بعد أيام خرج الشاب من الحرم فإذا بالشيخ يعطيه نعليه، أي: أن الشيخ عرف أين يضع الشاب نعليه، ووضعهما بين قدميه، كأنه يقول له: لا أريد منك جزاء، فما قدمته لي من خدمة قد رددتها إليك؛ لأن هذا الشيخ الجليل كذلك نحسبه ولا نزكي على الله أحداً إنما يريد ما عند الله من الثواب، وهذه منازل عالية ينبغي على العلماء المنافسة فيها.
стр. 14
لا يعلم الغيب إلا الله تعالى
وأما البيت الذي سنعلق عليه من القصيدة فهو بيت القصيد فيها، وهو قوله عن نبينا ﷺ : نبي يرى ما لا ترون وذكره أغار لعمري في البلاد وأنجدا والبيت يحتمل معنيين: المعنى الأول: أن النظرة المحمدية للعالم غير نظرة الناس في جاهليتهم، أي: أنه جاء بدين جديد، وهذا ظاهر بين، والمعنى الثاني: ما أطلع الله عليه نبيه من الغيب، وهذا الذي سنتحدث عنه، فنقول: الأصل أن الغيب لا يعلمه إلا الله، قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥]، وقال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧].
ومفاتح الغيب خمسة لا يعلمها إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤]، فينبغي أن تعلم أن أنبياء الله على رفيع منازلهم وجليل قدرهم لا يعلمون الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه، وسأذكر أمثلة من القرآن تبين لك الفرق العظيم الشاسع الذي لا يمكن أن يكون فيه وجه مقارنة من أي وجه بين علم الله وعلم أنبياءه ورسله، ويكفينا أن نعلم أن الخضر عندما ركب مع موسى على السفينة جاء طائر فنقر في البحر نقرة أو نقرتين، فقال الخضر لموسى معلماً: ما بلغ علمي وعلمك من علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر من البحر، لكننا سنذكر أمثلة في القرآن أشد وضوحاً من هذا، قال الله جل وعلا عن ضيف إبراهيم: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحجر:٥١]، وضيف إبراهيم هم الملائكة إسرافيل وميكال وجبريل ﵈ جميعاً، وقد قدموا على إبراهيم في صورة رجال، وخليل الله هو أفضل الخلق بعد نبينا ﷺ ، ولم يكن في زمانه أحد أقرب إلى الله منه ومع ذلك لم يعلم أن هؤلاء ملائكة؛ لأن إبراهيم يعلم أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون، ولو كان يعلم أنهم ملائكة ما تكلف لهم وذبح عجلاً، لكنه عمد إلى عجل من خيار عجله وذبحه وقدمه لهم وهو يقول: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٧]؛ لأنه لم يكن يعلم أنهم ملائكة حتى كشفوا اللثام عن أنفسهم ﵈ كما هو مبين في القرآن، فهنا يظهر بجلاء أن إبراهيم على علمه لم يكن يعلم أن هؤلاء ملائكة.
وسليمان بعده صلوات الله وسلامه عليه أُعطي الريح: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ:١٢]، ومع كونه في مكان عالٍ ومرتفع، ويطلع إلا أنه غابت عنه مملكة بأكملها، مما دفع الهدد إلى أن يقول بين يديه: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل:٢٢].
ونبينا ﷺ وهو أكرم الخلق على الله كان يسكن المدينة، وفي المدينة منافقون آنذاك يتآمرون عليه ويدخلون معه مسجده ويخرجون معه دون أن يعلم عنهم شيئاً، يقول الله جل وعلا: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١]، فإذا جاز على سيد الخلق ﷺ أن يغيب عنه علم بعض من يسكن معه في مدينته فما بالك بمن دونه وكل الناس دونه صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 15
أقسام الغيب التي علمها الله تعالى لنبيه
إذا تحرر هذا سننتقل إلى أقسام الغيب التي علمها الله نبيه، وأقسام الغيب التي علمها الله نبيه ثلاثة: فقد أخبره الله جل وعلا بما قد كان، وهذا ظاهر في القرآن، كإخباره ﷺ في القرآن عن نبأ يوسف وإخوته، وعن أصحاب الكهف، وعن الأمم السابقة: قوم نوح وهود، قال الله جل وعلا: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود:٤٩]، ويكثر في حديثه ﷺ : كان فيمن كان قبلكم، وهذا غيب قد مضى وانتهى.
وغيب آخر أخبر عنه ﷺ ووقع كما أخبر في حياته، مثل إخباره ودعائه ﷺ على من لمزه وهمزه من قريش وهو في مكة، فيقول عبد الله بن مسعود وهو شاهد على الواقع أن الذين سمى النبي ﷺ : رأيتهم صرعى في قليب بدر، وهذا شيء أخبر به ﷺ فقال قبل معركة بدر: (كأني أنظر إلى مصارع القوم)، وأخذ يسمي ويحدد الأماكن، فما جاز أحدهم الموقع الذي أخبر به صلوات الله وسلامه عليه، وقال لأم علي يوم أن حارب علي عمرو بن عبد ود في الخندق: (إن ابنك سيقتله)، فقتل علي عمرو بن عبد ود، فهذا من الغيب الذي أخبر به ﷺ ووقع في حياته، وهو كثير.
الأمر الثالث: غيب أخبر عنه ﷺ ووقع بعد وفاته أو لم يقع بعد، أي: أنه ينقسم إلى قسمين: قسم أخبر عنه ووقع بعد وفاته، وقسم أخبر أنه سيقع بعد وفاته ولم يقع إلى يومنا هذا، فمما أخبر عنه أنه سيقع بعد وفاته لما ارتقى جبل أحد قال: (اثبت أحد؛ فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان)، وعنى بالشهيدين: عمر وعثمان، فكلاهما مات شهيداً، فهذا غيب أخبر به ﷺ ووقع كما قال، ولما أتى ﷺ بئر أريش استأذن عثمان -وكان قد استأذن أبو بكر وعمر قبله- فقال ﵊ لـ أبي موسى الأشعري: (ائذن لـ عثمان وبشره بالجنة على بلوى تصيبه)، فأصابت عثمان البلوى ثم مات شهيداً ﵁ وأرضاه.
وهذا غيب آخر أخبر به ﷺ ووقع، فقد أخبر ﷺ أن القسطنطينية ستفتح وقال: (نعم الأمير أميرها، ونعم الجيش جيشها) يعني: الجيش الذي سيفتحها والأمير والذي سيكون على يديه الفتح، ووقع هذا الفتح متأخراً على يد محمد الفاتح أحد سلاطين آل عثمان ﵀، فهذا بعض من الغيب الذي أخبر النبي ﷺ به.
الجزء الثاني من القسم الثالث: وهو أن النبي ﷺ أخبر عن أمور لم تقع إلى يومنا هذا، فنحن نعلم يقيناً أنها ستقع فقد أخبر بوقوعها الصادق المصدوق ﷺ ، ومن ذلك: خروج الدجال، فـ الدجال فتنة من أعظم الفتن، والنبي ﷺ قد حذّر أمته منه وقال: (إن يخرج وأنا بين أظهركم فأنا حجيجكم دونه، وإن يخرج بعدي فكل امرئ حجيج نفسه) الدجال لم يخرج إلى الآن، وهو من الغيب الذي أخبرنا النبي ﷺ عن خروجه، وقد علمنا النبي ﷺ أن نقرأ فواتح وخواتيم سورة الكهف، وأخبر أنها مما يقي من فتنة الدجال.
وكذلك قال ﷺ لأصحابه يوماً: (هل سمعتم بمدينة نصفها في البحر ونصفها في البر؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: أما وإنه سيفتحها سبعون ألفاً من بني إسحاق، لا يفتحونها بسيوف ولا رماح ولا حراب، ولكنهم يقولون لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط أحد جانبيها، ثم يقولونها مرة ثانية فيسقط الجانب الآخر)، فهذا الحدث لم يقع إلى الآن، وبنو إسحاق هم الروم، وهم سكان أوروبا حالياً، وهذا معناه أن كثيراً من الأوروبيين سيدخلون في الإسلام، فهذا وعد نبوي صادق وواقع لا محالة، ولهذا ينبغي على أبناء جلدتنا وبني قومنا أن يكون خطابهم الدعوي خطاباً متريثاً ولا يكون مجرد دعوة بالهلاك والثبور على الأقوام، وإنما ينظر إلى الأحاديث النبوية مجملة.
فالنبي ﷺ يخبر أن هذه المدينة ستفتح على يد بني إسحاق، وإسحاق هو ابن إبراهيم، وقد ترك يعقوب، ومن ذرية يعقوب كان بنو إسرائيل اليهود، وترك إسحاق غير يعقوب ترك ابناً يقال له العيص، من ذرية العيص أكثر سكان أوروبا حالياً، وهذه المدينة التي ذكر النبي ﷺ في وصفها أن نصفها في البر ونصفها في البحر كان أكثر الناس يظنون أنها القسطنطينية، لكن ذهب الشيخ عمر سليمان الأشقر وفقه الله وحفظه إلى أنه يغلب على الظن أنها مدينة البندقية، والشيخ عمر زار مدينة البندقية وتحقق من أنها يتطابق أكثر وصفها مع قول النبي ﷺ ، وأنا أميل إلى ما ذهب إليه الشيخ عمر وأراه أقرب إلى الصواب أن المقصود مدينة البندقية، وهي مدينة عامرة في روما اليوم والذي يعنينا أن هذا من الغيب الذي أخبر عنه رسولنا ﷺ ولم يقع بعد، وجميع أشراط الساعة والجنة والنار ودخولهما يندرج تحت الغيب الذي أخبر عنه النبي ﷺ ولم يقع بعد، وكذلك عيسى ابن مريم ﵇، وخروج يأجوج ومأجوج، فيأجوج ومأجوج أخبر الله أنهم قوم يفسدون في الأرض، والنبي ﷺ أخبر أنهم في ردم، وأنهم يحفرون كل يوم، وأنهم يرد عليهم الردم كما كان حتى يقول القيم عليهم: سنعود غداً إن شاء الله، فيعودون فيجدونه كما تركوه بالأمس فيخرجون، قال الله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٩٦ - ٩٧]، والذي يعنينا أن النبي ﷺ صادق فيما يقول ويخبر به ﷺ ، والله يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣].
فهذه أقسام الغيب الذي تندرج فيما أراده الأعشى بقوله: نبي يرى ما لا ترون وذكره أغار لعمري في البلاد وأنجدا
стр. 16
عدم الاغترار بالسحرة والمشعوذين
إذا تحرر هذا كله ينبغي للمؤمن أن يكون حصيفاً عاقلاً، وأن يعلم أن من نراه من كثير ممن يدعي السحر والشعوذة والكهانة أنهم لا يملكون من الأمر شيئاً، وأنهم ولو قالوا: إنهم لهم اختلاط وصلة بالجن فلا يمكن أن يعلم الغيب أحد إلا الله، قال الله جل وعلا عن سليمان وموته: ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ:١٤]، فهذا نص قاطع على أن الغيب لا يعلمه أحد إلا الرب ﵎، وإنما يعلم المرء بمقدار ما علمه الله جل وعلا: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧]، فعلى العاقل أن يزن الأمور بميزان صحيح وأن يتريث في قوله، وأن يعلم أن الله جل وعلا وحده من وسع كل شيء رحمة وعلماً، فربنا ﵎ يعلم ما قد كان، ويعلم ما يكون، ويعلم جل وعلا ما سيكون، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، وهذا كله من قرائن عظمته ودلائل ملكه جل وعلا، أما نحن معشر البشر فلا نعلم إلا ما علمنا الله، قال الله ﵎: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٨]، وقال جل وعلا: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥].
علمني الله وإياكم ما ينفعنا، ونفعنا بما علمنا.
كان هذا تعليقاً وتحريراً على قول الأعشى: نبي يرى ما لا ترون وذكره أغار لعمري في البلاد وأنجدا وصلى الله وسلم وبارك وأنعم عليه، والحمد لله رب العالمين.
стр. 17
سلسلة المدائح النبوية [أبيات من دالية حسان بن ثابت، وفاته ﷺ ] [١]
لقد كان موت رسول الله ﷺ كارثة على الأمة وأي كارثة! فقد أظلمت المدينة، واسودت الحياة في وجوه الصحابة، ونزل عليهم الكآبة والحزن، فصبر الصحابة على ذلك، وكان الصديق هو رأسهم في ذلك، فصبر وصبرهم، فكل نفس ذائقة الموت، فكل مصيبة تهون بجانب مصابنا برسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 18
مرثية حسان في النبي وما امتازت به
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وسع الخلائق خيره، ولم يسع الناس غيره، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة المباركون والأخوات المباركات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فهذا لقاء متجدد مع برنامجنا ولقاءاتنا الموسومة بالمدائح النبوية التي نعرج فيها على ما قيل من أبيات فيمن ختم الله به النبوة، وأتم الله به الرسالات نبينا صلوات الله وسلامه عليه، ولقاء اليوم يأخذ طابعاً خاصاً وهو أننا في أول لقاءاتنا بدأنا بقصيدة حسان: عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء وأما اليوم فسنختم هذين اللقاءين بقصيدة لـ حسان، لكن المناسبة تختلف فالدالية التي نحن بصدد الحديث عنها اليوم تتحدث عن وفاة رسول الله ﷺ ، وقد كان من النقاد يقولون دوماً في الصناعة الأدبية: إن شعر الرثاء هو أصدق أغراض الشعر؛ لأن الغالب فيه أن القائل لا يرجو ثناء ولا مدحاً من الناس ولا عطايا، فكيف إذا كان الرثاء صادر من قلب صحابي جليل صحب النبي ﷺ وعرفه، وكان له مع النبي ﷺ أيام وليال في خير المدائن مدينته صلوات الله وسلامه عليه، ثم رأى بعينيه وفاة نبينا ﷺ وشارك في الصلاة عليه، ثم تصدر الناس في رثائه ﵊، ذلكم هو حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه وأرضاه شاعر رسول الله ﷺ ، وسنقف ونختار أبياتاً من دالية حسان في رثاء سيد الخلق ورسول الحق ﷺ ، ثم كما جرت العادة سنعرج ونعلق على الأبيات في لقاءين متتابعين بإذن الله نذكر منهما من معين السيرة، وننهل من تلك الأيام التي ختم الله بها أيام وليال عمر أطهر الخلق وأشرفهم صلوات الله وسلامه عليه.
قال حسان ﵁ وأرضاه: بطيبة رسم للرسول ومعهد منير وقد تعفو الرسوم وتهمد ولا تمتحي الآيات من دار حُرمة بها منبر الهادي الذي كان يصعد وواضح آيات وباقي معالم وربع له فيه مصلى ومسجد بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستضاء ويوقد معارف لم تطمس على العهد آيها أتاها البلى فالآي منها تجدد عرفت بها رسم الرسول وصحبه وقبراً به واراه في الترب ملحد ظللت بها أبكي الرسول فأسعدت عيون ومثلاها من الجفن تسعد تذكر آلاء الرسول وما أرى لها محصياً نفسي فنفسي تبلد مفجعة قد شفها فقد أحمد فظلت لآلاء الرسول تعدد وما بلغت من كل أمر عشيرة ولكن نفسي بعد ما فيه تحمد أطالت وقوفاً تذرف العين جهدها على طلل القبر الذي فيه أحمد فبوركت يا قبر الرسول وبوركت ديار ثوى فيها الرشيد المسدد وهل عدلت يوماً رزية هالك رزية يوم مات فيه محمد وأمست بلاد الحرم وحشاً بقاعها لغيبة ما كانت من الوحي تعهد فبكّي رسول الله يا عين عبرة ولا أعرفنك الدهر دمعك يجمد وما فقد الماضون مثل محمد ولا مثله حتى القيامة يفقد وليس هوائي نازعاً عن هؤائه لعلي به في جنة الخلد أخلد مع المصطفى أرجو بذاك جواره وفي نيل ذاك اليوم أسعى وأجهد
стр. 19
استئثار الله تعالى بالبقاء والكمال
هذه بعض الأبيات قالها حسان رضي الله تعالى عنه في رثاء رسول الله ﷺ ، والحديث عن وفاة رسول الله ﷺ حديث عن مصاب عظيم وخطب جلل، لكننا سنحاول قدر الإمكان أن نقدم لك أيها المبارك وأيها الأخت المباركة ما يمكن أن ننهله من زاخر المعاني في هذا المقطع من السيرة من وفاة رسول الله ﷺ فنقول وبالله التوفيق: أولاها: أن الله جل وعلا استأثر بالكمال لنفسه وكتب النقص على عباده، فقال وهو أصدق القائلين: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦]، وقال جل ذكره وتباركت أسماؤه: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، وقال جل ذكره: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤]، فنبينا ﷺ هو أشرف الخلق وأجلهم لكنه مع ذلك كتب الله عليه الموت كما كتب الله الموت على كل أحد، فالله جل وعلا هو الحي حياة لم يسبقها عدم ولا يلحقها زوال، كما أن علمه جل وعلا علم لم يسبقه جهل ولا يلحقه نسيان، ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢]، وقال جل وعلا هو الحي لا إله إلا هو: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر:٦٥]، وقال تباركت أسماؤه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان:٥٨]، فالله جل وعلا هو الحي، والحي حين لا حي، فالموت أذل الله جل وعلا به خلقه، وكتبه ﵎ على عباده، قال الله جل وعلا مستفتحاً سورة الملك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:١ - ٢]، قال بعض أجلاء المفسرين: قدم الله جل وعلا ذكر الموت على ذكر الحياة حتى يذل عباده ويخبر جل وعلا أنه المالك القهار الواحد الذي لا رب غيره ولا إله سواه، فهذا مما يشترك فيه الخلق أجمعون ومنهم نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 20
تخيير النبي عند الموت
الأمر الثاني: أن النبي ﷺ خير ما بين الخلد في الدنيا ثم الجنة وما بين لقاء الله ثم الجنة، ولما كانت أنفس الأنبياء لا تتعلق بشيء كتعلقها بالله كان ﷺ عظيم الشوق إلى لقاء ربه جل وعلا، جاء في الآثار أنه زار المقبرة كالمودع فاستغفر لأهل البقيع، وكان معه غلامه أبو مويهبة فقال يا أبو مويهبة: (إن الله خيرني بين الخلد في الدنيا ثم الجنة وبين وقبل أن يكمل قاطعه أبو مويهبة قائلاً: يا رسول الله بأبي أنت وأمي اختر الخلد في الدنيا ثم الجنة، قال: لا يا أبا مويهبة! إنني اخترت لقاء الله ثم الجنة).
стр. 21
إرهاصات قبل وفاته ﷺ
وهذه كان من إرهاصات مرضه ﷺ كما سيأتي.
وفي العام التاسع أُذّن في الناس أن النبي ﷺ سيحج، فأم المدينة خلق كثير كلهم يريد أن يأتم بحجة نبينا ﷺ ، فخرج ﷺ في العام العاشر من الهجرة حاجاً بالناس محرماً من ذي الحليفة، فلما وقف ﷺ في عرفة في ذلك الثرى الطاهر أنزل الله جل وعلا عليه قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، والأنبياء والرسل إنما كلفوا بمهام جليلة ورسائل عظيمة، فإذا تمت كان ذلك إيذاناً بأن أعمارهم لم يبق منها إلا القليل، فلما أنزلت عليه هذه الآية عرف ﷺ بدنو أجله وقرب رحيله، فأخذ يودع الناس فكان كلما خطب وقال شيئاً وعظ الناس فيه وذكرهم قطع خطبته قائلاً: (اللهم هل بلغت اللهم فاشهد، ويقول: لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا).
فعرفت تلك الحجة بحجة الوداع؛ لأن النبي ﷺ ودع الناس فيها، ثم عاد راجعاً ﷺ إلى المدينة كان ذلك في أخريات شهر ذي الحجة، ثم كان شهر محرم وشهر صفر، وفي أوائل شهر ربيع دخل ﷺ على عائشة فوجدها قد عصبت رأسها بعصابة وهي تقول: وارأساه، فقال ﷺ : (بل أنا وارأساه)، فبدأ يشتد عليه المرض ويعرف ﷺ بدنو رحيله وقرب أجله، فأخذ يتقلل من الدنيا ولم تكن الدنيا يوماً في قلبه، فأعتق غلمانه، وتصدق بدنانير تسعة كانت عنده صلوات الله وسلامه عليه، وقد بدأ منه الوفاء لأصحابه ﷺ ، وقد كان وفياً معهم حياته كلها لكنه لما شعر بدنو الرحيل أراد أن يبلغ الذروة في الوفاء، فبدأ بالموتى فخرج ﷺ إلى شهداء أحد فاستغفر لهم ودعا لهم، وكأنه ﷺ بخروجه إليهم ودعائه لهم واستغفاره لهم صلوات الله وسلامه عليه يرد لهم شيئاً من الجميل والصنيع الذي قدموه يوم أن قدموا فداء لله ورسوله وماتوا شهداء؛ يرجون الجنة ويبتغوا ما عند الفضل الواسع، فودعهم ﷺ واستغفر لهم، وقفل راجعاً، وسن لأمته بعد ذلك أن تأتي إلى شهداء أحد كما فعل صلوات وسلامه عليه ويدعو الإنسان لهم.
стр. 22
وفاؤه ﷺ لأصحابه قبل موته
والنبي ﷺ في غدوه ورواحه وخروجه وولوجه بركة على الناس، فإنه ﷺ كان يدعو لأهل القبور ويقول: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها على أهلها بصلاتي عليهم) صلوات الله وسلامه عليه، وصدق الله القائل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣]، وكما صنع ﷺ بشهداء أحد صنع بأهل بقيع الغرقد، فقد أتاهم وقال: (اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد)، وهؤلاء هم أصحابه الذين ماتوا ودفنوا في البقيع، وغالب من دفن في البقيع لم يكن ممن مات في المعارك؛ لأن أهل المعارك القتلى منهم والشهداء منهم يدفنون في مواطنهم، فقد دفن أهل بدر في بدر والقتلى في أحد في أحد، وأما المقبورون من الصحابة في البقيع فغالبهم ممن مات بصورة عادية ولم يكن قتيلاً أو شهيداً في معركة.
والمقصود أنه ﷺ دعا لهؤلاء ودعا لهؤلاء، فهو حتى قبل أن يرحل من الدنيا أراد أن يكون وفياً مع أصحابه صلوات الله وسلامه عليه.
ثم أيها المباركون نتفيأ وإياكم ظلال قصيدة حسان: بطيبة رسم للرسول ومعهد منير وقد تعفو الرسوم وتهمد بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستضاء ويوقد ذكرنا أن النبي ﷺ تجلى خصلة الوفاء فيه أكثر ما تجلت يوم قرب رحيله، خاصة عندما رأينا أنه ﷺ أتى شهداء أحد، وأتى أهل بقيع الغرقد فاستغفر لهم كالمودع صلوات الله وسلامه عليه، ونجد أنفسنا لزاماً -حتى يستقيم العرض- أن نذكر تلك الأيام والليالي الأخيرة من حياته ﷺ سرداً، ثم إن شاء الله تعالى في اللقاء القادم نعرج على قصيدة حسان ونربط كيف ننهل من نعيم السيرة العطرة والأيام النضرة، وما يمكن أن نستقيه من تلك الليالي والأيام التي كانت آخر ما عاشه ﷺ من حياته المباركة.
стр. 23
موت النبي ﷺ
فنقول: لما اشتد به المرض صلوات الله وسلامه عليه أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، فكأن عائشة ﵂ كرهت أن يتشاءم الناس بأبيها، فاعتذرت لرسول الله ﷺ قائلة: إن أبا بكر رجل أسيف، فقال ﷺ : (إنكن صواحب يوسف، أو تظهرن ما لا تخفين)، ثم بعد ذلك صلى أبو بكر بالناس والنبي ﷺ في حجرته حتى دنت ساعة الرحيل، وكان ذلك ضحى يوم الإثنين يوم الإثنين من شهر ربيع الأول في صلاة الفجر، وهي آخر صلاة صلاها الصحابة رضي الله تعالى عنهم ورسول الله ﷺ بين أظهرهم، فكان أبو بكر يصلي بالناس فإذا بهم يفاجئون أن الستارة التي ما بين الحجرة التي فيها نبينا ﷺ وبين المسجد تكشف، ونبينا ﷺ يطل على أصحابه يتهلل وجهه كأنه ورقة مصحف، ففرح الصحابة واستبشروا، فقرت عينه ﷺ أن رآهم مجتمعين على الصلاة، ثم عاد إلى فراشه وبدأ المرض يتفاقم، فدخل عليه ﷺ أسامة بن زيد حبه وابن حبه، فطلب أسامة من رسول الله أن يدعو له، فرفع يديه يدعو، وخرج أسامة، فدخلت فاطمة ابنته فقربها منه وأخبرها أن جبريل كان يراجعه القرآن كل عام مرة، وأنه راجعه القرآن في هذا العام مرتين، وقال: (ولا أراه إلا قرب أجلي)، ثم أخبرها أنه سيموت في مرضه هذا، وأنها أول أهله لحوقاً به، فبكت، ثم أخبرها وسارها أنها سيدة أهل الجنة فرضيت وضحكت وخرجت من عنده، ثم دخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر أخو عائشة وفي يد عبد الرحمن سواك، فأخذ ﷺ يحدق النظر إلى السواك، ففهمت عائشة مراده، فأخذت السواك من أخيها بعد أن أشارت إليه هل تريده فأشار برأسه أن نعم، وقضمت السواك وطيبته فاستاك به ﷺ ، ثم ضمته عائشة إلى سحرها ونحرها، وثقل ﷺ عليها فسمعته وهو يردد: (مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، ثم قال: بل الرفيق الأعلى قالها ثلاثاً)، ثم مالت يده وفاضت روحه إلى أعلى عليين في المحل الأسنى والملكوت الأعلى صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 24
تغسيله ﷺ
وتولى غسله أهل بيته، فباشر علي ﵁ الغسل بنفسه، وكان قثم والفضل وأبوهما العباس يقلبون الجسد الشريف الطاهر، وأسامة وشقران مولى رسول الله ﷺ يسكبان الماء، ولم تكشف لرسول الله ﷺ عورة، ثم كفن صلوات الله وسلامه عليه، ثم صلي عليه في نفس حجرة عائشة صلي عليه أرسالاً، أي: صلى الناس فراداً ليس لهم إمام، فصلى عليه أولاً عمه العباس، ثم صلى عليه بنو هاشم، ثم المهاجرون، ثم الأنصار، ثم سائر الناس، ثم حفر له ﷺ لحد في الجهة الجنوبية الغربية من حجرة عائشة، فنزل قبره علي وأسامة وقثم والفضل وشقران ﵃ جميعاً، وأودع جسد ﷺ اللحد وضم على اللحد تسع لبنات، ثم بعد أن بنيت التسع اللبنات خرج من في القبر ثم حثي التراب على القبر، هذه وفاته ﷺ وغسله ودفنه، قال حسان: وهل عدلت يوماً رزية هالك رزية يوم مات فيه محمد وما فقد الماضون مثل محمد ولا مثله حتى القيامة يفقد صلى الإله ومن يحف بعرشه والطيبون على المبارك أحمد
стр. 25
عظم وفاة النبي ﷺ على الصحابة
هذا على وجه الإجمال أيها المبارك خبر وفاة نبينا ﷺ فارتجت المدينة، ويوم دخلها أنار منها كل شيء، ويوم مات أظلم منها كل شيء، وبعد ذلك ارتجت المدينة، ثم عقد الناس الخلافة لـ أبي بكر رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، تقول فاطمة وهي تسائل أنساً ﵁ كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله ﷺ ؟! وهي بهذا لا تعترض على قدر الله لكنها تخبر عن عظيم الفاجعة وهول المصيبة، وقد قال ﷺ : (تعزوا بمصيبتي عن كل مصيبة)، فأهل الإسلام لم يصابوا بمصيبة أعظم من فقد رسول الله ﷺ ، وموت رسول الله ﷺ إذا ذكرناه بصورة خاصة يذكر فيه فضل فاطمة ﵂؛ لأن بنات النبي ﷺ وأبناءه الذين ماتوا قبله صلوات الله وسلامه عليه كلهم في ميزانه صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنهم ماتوا قبله، وأما فاطمة رضي الله تعالى عنها فرسول الله ﷺ -وهو أبوها- في ميزانها ﵂ وأرضاها، وأنت تعلم أن الإنسان إذا فقد عزيزاً وكلما كان ذلك العزيز عظيماً أو يعظم فقده كان ذلك في ميزان أهله الذين مات عنهم، فكيف بـ فاطمة ﵂ وأرضاها أن النبي ﷺ وهو سيد الخلق ورسول الحق وأشرف من خلق الله وأعظمهم قدراً وأرفعهم ذكراً في ميزانها ﵂ وأرضاها، وهذا مما رجح به العلماء فضل فاطمة على كثير من النساء، ويزيد الأمر جلاء ووضوحاً قوله ﷺ عنها: (إنما فاطمة بضعة مني).
إن هذه الأخبار الثابتة عن وفاة نبي الهدى ورسول الرحمة ﷺ تزخر أيها اللبيب بمعان عظيمة بدءاً من توديعه للناس، وانتهاء بدفنه بعد الصلاة عليه صلوات الله وسلامه عليه، وحسان رضي الله تعالى عنه انفرد عن الشعراء بأنه رثى النبي ﷺ كما رثاه بعض الصحابة، وأما من جاء بعد ذلك من الشعراء فإنهم كانوا في سياق المدح للنبي ﷺ ؛ لأن الرثاء غالباً يكون بعد الوفاة مباشرة، وهذا لا يتحقق في الشعراء الذين وجدوا بعد وفاته صلوات الله وسلامه عليه، ولكنه يتحقق كثيراً في حسان ﵁ وأرضاه، وكانت دالية حسان معبرة كل التعبير عن عظيم الخطب وجليل الأمر يوم أن فقد الناس رسول الهدى ونبي الرحمة صلوات الله وسلامه عليه، وقد حظيت مدينته صلوات الله وسلامه عليه بأن كان جسده الشريف مأواه فيها في ثراها، وذلك في الجهة الجنوبية الغربية من حجرة عائشة، وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها قد رأت -كما روى سعيد بن منصور في سننه- قبل مرض النبي ﷺ أن ثلاثة أقمار تسقط في حجرها، فذهبت إلى أبيها أبي بكر -وكان لـ أبي بكر باع في تأويل الرؤيا- فقصت الرؤيا عليه، فخنقته العبرة تأدباً؛ لأنه فقه المعنى، فلما مات النبي ﷺ وغسل ودفن في حجرة عائشة قال الصديق ﵁ لابنته: هذا أول أقمارك يا عائشة! ثم دفن في نفس الحجرة أبو بكر ﵁ وأرضاه بعد سنتين وبضعة أشهر، ثم دفن عمر رضي الله تعالى عنه بعد أن ولي الناس عشر سنين، فكان الصديق والفاروق هما القمران اللذان ثلث بهم من دفن في الحجرة الطاهرة الشريفة، تصدق بذلك رؤيا عائشة يوم أن رأت أن ثلاثة أقمار تسقط في حجرها.
هذا خبر وفاة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه على وجه الإجمال، والإنسان إذا علم أن الله ﵎ كتب الموت على كل حي هانت عليه كل مصيبة يراها، ويتعزى بوفاة رسول الله ﷺ ، على أنك يجب أن تعلم أن الله جل وعلا ما رضي بالبقاء والخلد إلا لأشقى خلقه عليه وهو إبليس، ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر:٣٦ - ٣٨].
وأما أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم فإنهم يبلغون عن الله رسالاته، ويمسحون له في برياته، حتى إذا أدوا الأمانة وبلغوا الرسالة خيروا بين الخلد في الدنيا أو الموت، وكلهم يختار لقاء الله ثم الجنة، وقد قال ﷺ : (إن الأنبياء يخيرون عند الموت)، وعائشة ﵂ لما أخبرها النبي ﷺ بهذا الحديث: (إن الأنبياء يخيرون عند الموت)، لم يتضح لها صورته، فلما سمعت النبي ﷺ يقول في خبر وفاته: (مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، ويقول: بل الرفيق الأعلى بل الرفيق الأعلى، قالت ﵂ وأرضاها: فعلمت أنه يخير)، وقد خير ﷺ عند موته فاختار ما أعده الله جل وعلا له عنده، فروحه ﵊ في أعلى عليين وجسده في حجرة عائشة، على أن الأرض قد حرم الله عليها أن تأكل أجساد الأنبياء، قال ﵊ لما قال للصحابة من قبل: (إن صلاتهم عليه تبلغه حيث ما كانوا، قالوا: يا رسول الله! وكيف تبلغك وقد أرمت؟ قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء).
ويجب أن تفطن أيها اللبيب! إلى أن هذا التحريم إنما هو تحريم منع لا تحريم شرع، ونظيره في القرآن قول الله جل وعلا: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص:١٢] أي: حرمنا على موسى تحريم منع لا تحريم شرع؛ لأن موسى يومها لم يكن في زمن التكليف، لكنه لا يجد نفسه -بقدر الله وأمره ومشيئته- يقبل أثداء النساء.
ومنه قول النبي ﷺ في إخباره عن السجود أن النار حرم الله عليها أن تأكل أعضاء السجود من بني آدم، فهذا كله مندرج في تحريم المنع، وعدم أكل الأرض لأجساد الأنبياء وتخييرهم عند الموت هو إحدى الخصائص التي خص الله جل وعلا بها أنبياءه ورسله صلوات الله وسلامه عليه، وهذه الخصائص لا تخرجهم عليهم الصلاة والسلام من كونهم بشر لا يملكون لأنفسهم ولا غيرهم ضراً ولا نفعاً، كما حكى الله ذلك عن رسله كلهم عليهم الصلاة والسلام.
ومن هذا يتجلى للمؤمن أن يعلم عظيم القدرة وجليل الحكمة لربنا ﵎ يوم أن كتب الموت جل وعلا على عباده، ورسولنا صلى الله عليها وسلم عاش ٦٣ عاماً، ٤٠ منها قبل البعثة و ٢٣ عاماً نبياً ورسولاً، وقد نبئ بإقرأ وأرسل بالمدثر، ومكث في مكة ١٣ عاماً، وفي المدينة ١٠ أعوام، وهو ﵊ عمره كما قال في أعمار أمته قال: (أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين)، فهو ﵊ عاش ٦٣ سنة، ولذلك تلحظ إذا تدبرت السنة أنه في حجة الوداع ﷺ كان قد ساق الهدي معه مائة واشترك هو وعلي ﵁ في الهدي؛ لأن علياً ﵁ أحرم من جهة اليمن، فقال له النبي ﷺ لما لقيه في مكة: (بماذا أحرمت؟ قال: يا رسول الله! أُحرم بما أهل به رسول الله ﷺ ولأن النبي صلى الله ﵊ كان قارناً فقد أشركه النبي ﷺ في هديه، فلما جاء يوم النحر نحر ﷺ من البدن ٦٣ بيده وأوكل إلى علي نحر الباقي، فعدد ما نحره ﷺ من النياق كان ٦٣ على قدر عمره الشريف صلوات الله وسلامه عليه، وكأن هذا نوع من الإرهاصات لدنو أجله وقرب رحيله، وأنه ﷺ لن يزيد عمره على ٦٣ سنة.
أحياني الله وإياكم على سنته، ورزقنا الله وإياكم حبه واتباع ملته، وسقانا الله وإياكم من يده، وجعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.
هذا هو الخبر النبوي من السيرة العطرة والأيام النضرة، وسنفصل فيما يمكن أن نستقي منه إن شاء الله تعالى في اللقاء القادم على ضوء قول حسان: وما فقد الماضون مثل محمد ولا مثله حتى القيامة يفقد هذا والله تعالى أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 26
سلسلة المدائح النبوية [أبيات من دالية حسان بن ثابت - وفاته ﷺ ] [٢]
إن الناظر في خبر وفاة سيد المرسلين ﷺ وقصة ذلك، فإنه يستنتج منها الفوائد والعبر التي تفيد المرء في حياته وسيره إلى الله تعالى، وفي كيفية العمل في مثل تلك المواقف.
وكذلك يستفيد من فعل الصديق الأكبر وصبره وتحمله، فهو لم يجعل العاطفة تغلبه في مثل ذلك الموقف الرهيب.
стр. 27
مرض النبي وثقل ذلك عليه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وأحكم كل شيء صنعه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فقدر، وشرع فيسر، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة المباركون والأخوات المباركات! كنا قد أشرنا في اللقاء الماضي -ونحن نتحدث إجمالاً- عن خبر وفاة رسول الله ﷺ في لقاءاتنا هذه الموسومة بالمدائح النبوية، إذ كنا نتفيأ ظلال قصيدة حسان: بطيبة رسم للرسول ومعهد منير وقد تعفو الرسوم وتهمد بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستضاء ويوقد معارف لم تطمس على العهد آيها أتاها البلى فالآي منها تجدد عرفت بها رسم الرسول وصحبه وقبراً بها واراه في الترب ملحد فبوركت يا قبر الرسول وبوركت بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد وما فقد الماضون مثل محمد ولا مثله حتى القيامة يفقد صلى الإله ومن يحف بعرشه والطيبون على المبارك أحمد قلنا: إننا سنعرج في هذا اللقاء بإذن الله تعالى على المعاني الزاخرة من خبر وفاة نبينا ﷺ في هذه المقطوعة الجليلة الأثر من نبأ وخبر حياة نبينا ﷺ ، وقد ذكرنا إجمالاً تسلسل الأحداث التاريخية في وفاته، وانتهينا إلى دفنه، والآن نحاول أن نذكر ما الذي نستقيه من ذلك، فالسيرة والسنة لا ينبغي للإنسان أن يقرأها فقط وإن كان في قراءتها أجر وثواب عظيم وبركة جليلة لمن أخلص النية، لكن ينبغي أن الإنسان يتعدى هذا الأمر إلى مرحلة أعلى ومنزلة أرفع، فيحاول أن يستقي من معين السنة، فنبينا ﷺ قدوة وأي قدوة، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١].
فنستعين بالله ﵎ فيما ننهله من معين السنة ورياضها فنقول: إن الله جل وعلا خلق خلقه أطواراً، وهذه سنة الله جل وعلا في خلقه لا يستثني منها أحد، وكذلك النبي ﷺ كان سيد البلغاء وإمام الفصحاء والله يقول له: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ [مريم:٩٧]، ويقول ﷺ : (أنا أفصح العرب بيد أني من قريش)، وكان الصديق ﵁ والصحابة يتعجبون من بلاغته وفصاحته ﷺ ، ومع ذلك إذا استصحبنا قول الله جل وعلا أن الله خلق خلقه أطواراً كما بين الله في سورة نوح، فنجد أن النبي ﷺ في مرض موته -وهو سيد الخلق وإمام الفصحاء- يدخل عليه أسامة حبه وابن حبه فيطلب منه أن يدعو، فيعجز ﷺ أن يرفع صوته بالدعاء؛ لأن المرض كان قد أثقل عليه، ويدخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر كما مر معنا وفي يد عبد الرحمن سواك، فيعجز وهو إمام الأمة ورأس الملة وأعظم البلغاء وسيد الفصحاء أن يقول لـ عائشة: أعطوني السواك، وإنما حدق النظر في السواك ففهمت عائشة مراده ﷺ ، فأخذت السواك من أخيها وقضمته وطيبته وأعطته رسول الله ﷺ ، فتدبر أيها المؤمن! هذا حال سيد الخلق وأكرمهم على الله فما حالنا نحن وحال غيرنا! لقد خلق الله جل وعلا خلقه أطواراً، وصرفهم كيفما شاء عزة واقتداراً، والعاقل من يعلم ذلك من نفسه، ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم:٥٤].
فسبحان من لا يمسه نفع ولا ضر، سبحان الله علام الغيوب، سبحان الرب ﵎ الذي لا يحول ولا يزول، سبحان من استوى على عرشه وفي كل مكان رحمته وعلمه وسلطانه! والنبي ﷺ عندما ننظر للسيرة العطرة بهذا التأمل وذلكم التدبر نلحظ أننا ضعفاء مهما بلغنا، كما أن سكرة الموت لا يمكن أن يحيد عنها أحد، فقد تكون لحظة وقد تكون لحظات، والنبي ﷺ كان يدع يديه الطاهرتين الشريفتين في ركوة فيها ماء ويقول: (لا إله إلا الله، اللهم إن للموت سكرات فأعني على سكرات الموت)، وسكرات الموت حق لا يمكن دفعه، قال الله جل وعلا: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [ق:١٩ - ٢٠].
стр. 28
الصديق وسكرة الموت
والصديق ﵁ لما جاءته سكرة الموت كان مغطى، فكانت بجواره ابنته عائشة ﵂ وأرضاها فكانت عندما رأت اشتداد المرض على أبيها أبي بكر تتمثل ببيت قديم لـ حاتم طي يقول فيه: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر إذا حشرجت يوماً أي: الروح والنفس.
فكشف ﵁ وأرضاه عن وجهه وقال لها: يا بنية لا تقولي هذا ولكن قولي كما قال الله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩]، فالشاهد أن النبي ﷺ وهو أكرم الخلق على الله كان يقول في تلك السكرات: (لا إله إلا الله، اللهم إن للموت سكرات فأعني على سكرات الموت)، وقد أعانه الله جل وعلا.
стр. 29
من أعظم المناقب الشوق إلى الله تعالى
الأمر الثالث: أن من أعظم المناقب الشوق إلى لقاء الله، والشوق إلى لقاء الله لا يلزم منه تمني الموت، ولا يلزم منه عدم كراهة الموت، لكن المؤمن يبقى في تعظيم لربه وشوق إلى خالقه جل وعلا، وأنبياء الله ورسله ما امتلأت قلوبهم بشيء أعظم من توحيدهم لخالقهم، وإجلالهم لربهم ﵎.
فهذا الإجلال العظيم الذي كان يسكن قلوبهم لربهم ﵎ جعلهم عندما يخيرون قبل أن يموتوا بين الخلد في الدنيا ثم الجنة وبين لقاء الله ثم الجنة أن يختاروا لقاء الله، فكان النبي ﷺ -على أنه لم يعش طويلاً فقد عاش ثلاثة وستين عاماً- لما خير اختار لقاء الله ثم الجنة؛ شوقاً إلى ربه.
ويجب أن تعلم أيها الأخ المؤمن! أن الله ﵎ لا تطيب الدنيا إلا بذكره، ولا تطيب الآخرة إلا بعفوه، ولا تطيب الجنة إلا برؤيته، والإنسان إنما يكون له ثقل ميزان وعظيم أجر في أي مكان يذكر الله جل وعلا فيه، والآخرة هولها شديد، والناجون هم من عفا الله عنهم، يقول ﷺ للصديقة بنت الصديق: لما قالت له: أرأيت إن علمت أي ليلة هي ليلة القدر ماذا أقول فيها قال: (قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)، ولا تطيب الجنة إلا برؤيته ﵎: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
وفي صحيح مسلم من حديث صهيب: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، ودخل أهل النار النار نادى منادٍ: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا، ألم يبيض وجوهنا، ألم يجرنا من النار، ألم يدخلنا الجنة؟ فيكشف الحجاب فيرون وجه ربهم ﵎، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم هو أعظم ولا أجل من رؤية وجه الله ﵎.
стр. 30
تشريف آل بيت النبوة بغسله
ودل كذلك خبر وفاة نبينا ﷺ أن الله جل وعلا منح أهل بيت رسول الله ﷺ ومواليه شرفاً لا يضاهى، وعزاً لا يبارى ألا وهو تولي غسل ودفن رسول الله ﷺ ، والميت أولى به قرابته وعصبته، والصديق ﵁ له مكانته وكذلك عمر وعثمان ﵃ وأرضاهم أجمعين، لكن الميت أولى به القرابة والعصبة هذا الذي دل عليه الشرع، وهذا الذي وقع فعله من الصحابة، فقد تولى غسله علي ونال الشرف الأعظم؛ لأنه هو الذي باشر غسل النبي ﷺ ، والعباس عم رسول الله، وابناه: قثم والفضل، فكانا يقلبان الجسد الطاهر الشريف، ولم تكشف لرسول الله عورة، وكان شقران وأسامة يسكبان الماء، فهذا شرف لا يضاهى ومجد لا يبارى.
стр. 31
غسل الرجل للمرأة والعكس
وغسل الميت جاء في السنة أن يكون على مكان مرتفع، وأن يتولى غسل الميت وصيه في الأول ثم آل بيته، ولا يجوز للرجل أن يغسل امرأة ولا للمرأة أن تغسل الرجل إلا في حالتين: فيجوز للرجل أن يغسل المرأة إذا كانت زوجته، أو كانت طفلة رضيعة، ولا تسمى في هذه الحالة مرأة.
والمرأة يجوز لها أن تغسل الذكر في حالتين: إذا كان الميت زوجها، أو كان طفلاً رضيعاً لا يعد له عورة، وأما غير ذلك فلا يغسل الذكر إلا الذكر ولا تغسل الأنثى إلا الأنثى.
وأبو بكر رضي الله تعالى عنه لما مات أوصى قبل أن يموت أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس رغم وجود أبنائه ووجود أبيه، فقد كان أبوه يوم ذاك كبيراً، وكذلك وجود كثير من الصحابة الذين لهم علاقة عظيمة بـ الصديق ﵁ وأرضاه، لكن لأمر ماء أراده أبو بكر أوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس، وقد تولت ﵂ وأرضاها الصديق.
والذي يعنينا أن الله جل وعلا من على علي ﵁ بأن باشر غسل رسولنا صلوات الله وسلامه عليه، ثم كفن صلوات الله وسلامه عليه، ثم قبر، والله جل وعلا جعل الأرض مأوى ومسكناً لنا ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً ?وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات:٢٥ - ٢٦]، وقال: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس:٢١].
стр. 32
من السنة وضع الميت على شق الأرض
والسنة وضع الميت على شقه الأيمن مستقبل القبلة؛ لأن النبي ﷺ لما ذكر المسجد الحرام قال: (قبلتكم أحياء وأمواتاً)، والنبي ﷺ سجي ووضع في قبره، والقبر كان لحداً، فيوضع الميت على شقه الأيمن، ويقرب من جدار القبر، ويوضع خلف ظهره شيء من التراب؛ حتى لا ينقلب، ثم توضع اللبنات، فنبينا ﷺ وضعت تسع لبنات على لحده، فإذا نزل التراب على القبر لم ينزل على جسده الشريف؛ لأن جسده الشريف في اللحد وهو الشق الذي في القبر وعليه اللبن، ثم ينزل التراب على القبر نفسه لا على الشق، والنبي ﷺ داخل الشق مغطى باللبن، وهذا يفعل لكل ميت فيدفن في لحد محمي؛ حتى لا يصيبه أذى، وهذه من سنن الله جل وعلا وقد علم الناس كيف يقبرون منذ أن مات آدم ﵊ فإن الملائكة تولت غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، ثم قالت لبنيه: هذه سنتكم يا بني آدم!
стр. 33
أعظم ما قاساه الصحابة من وفاة النبي هو انقطاع الوحي
إن أعظم ما قاساه الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم من خبر وفاة نبينا ﷺ انقطاع الوحي، ذلك أنه بموته ﵊ انقطع نزول الوحي إلى الأرض؛ لأن الوحي خاص بالأنبياء، أي: وحي التبليغ، ولهذا لما مر أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه مع عمر على أم أيمن وجداها تبكي، فقالت: إني لا أبكي على فقد رسول الله؛ لأني أعلم أن الله قد كتب الموت على نبيه، وأن ما عند الله لرسوله خير مما له عندنا، لكنني أبكي لانقطاع الوحي، وهذا قد ذكره حسان رضي الله تعالى عنه في داليته، أن فقد الوحي ليس بالأمر الهين، والله جل وعلا أخبر في كتابه لأمهات المؤمنين أن يذكرن ما أنزل الله عليهن من الكتاب والحكمة وكل ذلك وحي الله، يقول في تزكية نبيه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
стр. 34
صبر الصديق بعد وفاة الرسول
وعمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه عندما جاءه خبر موت رسول الله ﷺ كأنه استثقل الأمر، ولا ضيم أن النبي ﷺ ذاهب إلى ربه كما ذهب موسى، فعظم هذا على بعض الصحابة.
ولما قدم الصديق من بيته ودخل على بيت ابنته عائشة وأتى النبي ﷺ فقبله بين عينيه، ودمعت عينا الصديق ﵁ وقال: واصفياه! واخليلاه! ثم قال: طبت حياً وميتاً يا رسول الله! ثم خرج إلى الناس فرقى المنبر فقال: أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤].
نحن نؤمن وعلى يقين أنه لا أحد أعظم إيماناً برسول الله ﷺ من أبي بكر، ولا أحد صحب النبي ﷺ أعظم من أبي بكر، ولا أحد يحب النبي ﷺ كحب أبي بكر، ولا أحد خليل لرسول الله ﷺ مثل أبي بكر، ومع ذلك جميع الألقاب التي يستحقها رسول الله ﷺ وتشرف الألقاب به تجنبها الصديق، فقال: من كان يعبد محمداً، ولم يقل: من كان يعبد نبينا ولا رسولنا ولا شفيعنا ولا حبيبنا؛ لأنه رجل رشيد، فالناس وقتها آنذاك وهم يسمعون خطابه في هول الفاجعة يحتاجون إلى رجل ثابت الجنان رابط الجأش يعلم عظم المصيبة، ولا يحتاجون إلى رجل يزيدهم بكاء على ما هم عليه، فترك أبو بكر الألفاظ التي تزيد من عاطفة الناس ولجأ إلى ألفاظ تذكر الناس بجلال الموقف وكيف يتعاملون معه، فقال ﵁ وعن أبويه قال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
والصديق بهذه الكلمات غلب على عواطفه وجعلها جانباً؛ حتى يقود الأمة ويسوس الناس، وعندها من لم يكن مصدقاً أن النبي ﵇ قد مات صدق وآمن، حتى قال عمر: كأني أسمع تلك الآية لأول مرة، ثم بعد أن تمكن أبو بكر من جمع الناس وتبليغ الحقائق لهم تفرغ لنفسه وبكائه، فقام في العام القابل بعدها وقف على المنبر وقال: إن رسول الله ﷺ قام في مقامي هذا عام أول وبكى ﵁ وأرضاه، ثم أراد أن يبلغ الناس بعضاً من أحاديث رسول الله ﷺ فلم يقدر، وأخذ يقطع خطبته ثلاث مرات، وهذا بعد مرور عام يتذكر النبي ﷺ ويبكي ﵁.
فهذا الموقف يجعلك تعرف أنه يقع على ذي العلم وعلى ذي الشرف وعلى الرائد وعلى القائد ما لا يقع على غيره، يقول المتنبي في ذلك أبياتاً تبين أن الإنسان الذي يوكل إليه عظائم الأمور ليس كغيره: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم فالذين يريدون أن يكون لهم دور بارز وجهد ظاهر في قيادة أمتهم لابد أن يكون الإنسان منهم ثابت الشخصية، رابط الجأش، قوي الجنان، لا يغلب عواطفه، وإنما يحكم عقله وعلمه وينظر في سنن الله وسنن أبيائه ورسله وسيرة سلف الأمة الصالح، ويسير على خطاً ثابتة، فليس كل أمورنا تصنع وتقام وتؤدى بالعواطف ولكن: الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني إن موت النبي ﷺ وغسْله شرف لمن غسله، وبعض الناس من لطف الله به إن لم يقدر على الخير كله فإنه يقبل ببعضه، فـ أوس بن خولي ﵁ وأرضاه أنصاري لما جاء آل بيت رسول الله علي ومن معه وهم يغسلون النبي ﷺ أخذ ينادي علياً من خارج الدار ويقول: يا علي أنشدك الله والرحم إلا أدخلتني، وهو لا يريد ﵁ وأرضاه أن يفوته يوم كهذا، فأنشدك الله والرحم إلا أدخلتني، فرق له علي ﵁ وأرضاه وأذن لـ أوس أن يدخل دون أن يشارك، فدخل أوس بن خولي ﵁ وجلس في ناحية الدار ورآهم وأبصرهم وهم يتولون غسل نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 35
اختلاف عواطف الناس والتعبير عنها
فهذا يفيد أن عواطف الناس تختلف، والتعبير عن تلك العواطف يتباين، وبعض من الناس كتب الله لهم الفقه -وهذا من توفيق الله- كيف يصلون إلى حاجاتهم، وليس أن غيرهم أغبياء لكن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فمثلاً اشترى النبي ﷺ جملاً من أعرابي، فاتفقا على القيمة، فزاده بعض الصحابة دون أن يدري أن النبي ﵇ قد اشتراه، فطمع الأعرابي في مال الصحابة فأنكر أن يكون قد باع الجمل لرسول الله ﷺ ، فجاء خزيمة بن ثابت وقال: أنا أشهد أنك بعته الجمل بكذا وكذا، ولم يكن حاضراً، فتعجب النبي ﷺ منه فقال: يا رسول الله! أصدق في خبر السماء أفلا أصدق بأنك بعت أو اشتريت جملاً بكذا وكذا، فجعل النبي ﷺ شهادته بشهادة رجلين، رغم أننا نعلم أن الصحابة جميعاً يصدقون بخبر النبي ﷺ فكلهم مؤمنون به، بل فيهم من هو أشد إيماناً ويقيناً برسول الله من خزيمة بن ثابت، لكن: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١].
ومثله تقريباً أبو أيوب الأنصاري عندما أخذ رحل رسول الله ﷺ وأدخله داره، وفاز بإيواء رسول الله ﷺ ، فقال ﵊: (المرء مع رحله).
يقول أهل العلم: إن الإخلاص من أعظم أسباب التوفيق، فما رفع شيء إلى السماء كما حررنا سالفاً أعظم من الإخلاص، ولا نزل شيء من السماء أعظم من التوفيق، وقد قال الله حكاية عن العبد الصالح: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨].
стр. 36
بقاء القرآن معجزة خالدة
نعود فنقول: من المعاني الزاخرة في خبر وفاة رسولنا ﷺ أن الله ﵎ لما قبض نبينا ﷺ أبقى على معجزته الخالدة وهي القرآن، ولهذا مر معنا أن شوقي يقول: جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بحكيم غير منصرم آياته كلما طال المدى جدد يزينهن جلال العتق والقدم فالنبي ﷺ وإن مات إلا أنه تركنا على محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وقال: (كتاب الله وسنتي)، فأوفى ﷺ أمته من بعده، فتدبر القرآن وتدبر سنته، وهو ﷺ أقام لنا مجداً عظيماً وديناً قيماً على ملة أبيه إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه.
ثم بعد ذلك لما توفاه الله جل وعلا كان ﵊ قد أدى ما عليه، وأكمل تبليغ الرسالة، ولذلك حرص ﵊ أن يُشهد الناس فقال: (أما وإنكم ستسألون عني فما أنتم قائلون؟ فقالوا ﵃ -وهم أكرم جيل وأمثل رعيل-: نشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة)، ونحن نشهد أن رسولنا ﷺ قد أدى الأمانة، ونصح الأمة، وبلغ رسالة ربه على الوجه الأكمل والنحو الأتم صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 37
صلاة الصحابة على الرسول فراداً
ونبينا ﷺ لم يصل الصحابة عليه جماعة، أي: لم يتقدمهم أحد، وهذا من فقه الصحابة، فالصحابة ﵃ وأرضاهم أجلّوا واستكبروا واستعظموا أن يتقدمهم أحد في الصلاة على النبي ﷺ ؛ إجلالاً له، وفيها أمر نفسي وهو: أن كل فرد من الصحابة عندما يباشر الصلاة على رسول الله بنفسه من غير إمام فكأنه يبلغ عواطفه ودعاءه إلى رسول الله ﷺ مباشرة، فإذا انقلب إلى أهله ورجع إلى داره يشعر أنما فيه من عواطف جياشة قد أصابته يوم وفاة رسول الله ﷺ قد استطاع أن يعبر عنها بأن صلى على رسول الله ﷺ .
والصلاة إنما تكون تعبداً للرب ﵎ لا شك في ذلك ولا منة، فلا يشرك مع الله أحد، لكن عندما يباشر الإنسان الصلاة على الميت إماماً أو لوحده فإنه يشعر بأن الدعاء الذي يريد أن يبلغه للميت كأنه قد وصل، وإن كان هو يدعو الله جل وعلا والله ﵎ هو القائم بالأمر جل جلالة.
فالمقصود: أن في هذا نوعاً من إطراح كثير من الحواجز النفسية التي تكون فيما لو صلى الإنسان إماماً، ولعل هذا قد تعرض له بعض العلماء في قضية لماذا صلى الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم على نبيهم ﷺ أرسالاً.
هذه بعض المعاني التي وقفنا عليها من خبر وفاة نبينا ﷺ من قول حسان: بطيبة رسم للرسول ومعهد منير وقد تعفو الرسوم وتهمد ونحن في هذه اللقاءات المتتابعة في مدائح النبي ﷺ لم نرد أن نكون شخصية إنشادية، أو شخصية تقول شعراً، أو أن يُعنى بالشعر أكثر من اللازم، لكن أردنا أن نبلغ السيرة العطرة والأيام النضرة لرسولنا ﷺ .
وسأختم إن شاء الله تعالى بلقاء نتكلم فيه عن الشعر في حياة النبي ﷺ ، وموقف الإسلام من الشعر، ونظرات فيما قلناه إجمالاً.
هذا والله تعالى أعز وأعلى وأعلم، وصلى الله على محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 38
سلسلة المدائح النبوية [أبيات من رائِيّة ابن دقيق العيد]
لقد كانت الهجرة النبوية حدثاً تاريخياً عظيماً، فقد غيرت مجرى التاريخ، ومكنت للمسلمين أن يقيموا دولة الإسلام، ويفروا من اضطهاد المشركين في مكة، وهكذا تكون الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام ومن بلد الاستضعاف إلى بلد القوة.
стр. 39
علة ذكر ابن دقيق للحجاز في شعره
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خالق الكون بما فيه، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه.
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله، آخر الأنبياء في الدنيا عصراً، وأرفعهم وأجلهم يوم القيامة شأناً وذكرا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون والأخوات المؤمنات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا لقاءنا متجدد مع لقاءاتنا الموسومة بالمدائح النبوية، هذه اللقاءات التي من خلالها نعرج على بعض القصائد التي قيلت في مدح نبينا ﷺ ، فنستعرض منها أبياتاً ثم نجعل من هذا البيت طريقاً لنا إلى الحديث عن سيرة نبينا ﷺ ، ونحن لا نتكلم في برنامج إنشادي، ولا نحاول أن نقدم أنفسنا كقراء شعر من الطراز الأول، لكن المقصود من ذلك إلقاء الضوء على بعض الأبيات، من خلال هذه الأبيات نصل إلى معاني زاخرة من سيرة نبينا ﷺ ، فربنا جل شأنه يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]، ولا سبيل إلى الاقتداء به ﷺ إلا بعد التأمل والنظر والتدبر في سيرته العطرة وأيامه النضرة، ويجب أن يكون ذلك مصحوباً بمحبة عظيمة، وإجلال كبير شرعي له، صلوات الله وسلامه عليه.
مر معنا الكثير من القصائد منها ما وقفنا معه مرة، ومنها ما وقفنا معه أكثر من مرة، واليوم نقف مع قصيدة لـ ابن دقيق العيد، الفقيه الشافعي المعروف، والقصيدة رائية، قالها في مدح رسول الله ﷺ ، وقد اخترنا منها بعض الأبيات، ثم نعلق على القصيدة كما جرت به العادة.
قال ابن دقيق العيد ﵀: يا سائراً نحو الحجاز مشمرًا اجهد فديتك في المسير وفي السرى وتدرع الصبر الجميل ولا تكن في مطلب المجد الأثير مقصرا اقصد إلى حيث المكارم والندى يلقاك وجههما مضيئاً مقمرا وإذا سهرت الليل في طلب العلا فحذار ثم حذار من خدع الكرى إن كَلّت النجب الركائب تارة فأعد لها ذكر الحبيب مكررا وابعث لها سر المدام فإنها بالذكر لا تنفك حتى تسكرا فالقصد حيث النور يشرق ساطعاً والطرف حيث ترى الثرى متعطرا قف بالمنازل والمناهل من لدن وادي قباء إلى حمى أم القرى وإذا رأيت مهابط الوحي التي نشرت على الآفاق نورًا نورا فاعلم بأنك ما رأيت شبيهها مذ كنت في ماضي الزمان ولا يرى شرفا لأمكنة تنزل بينها جبريل عن رب السماء مخبّرا فتأثرت عنه بأحسن بهجة أفدي الجمال مؤثّرًا ومؤثرا فتردد المختار بين بعيدها وقريبها متبدياً متحذرا ومهابة ملأ القلوب بهاؤها واستنزلت كبر الملوك مصغرا نزلت على قدم الزمان لتبع ودنت على بعد المزار لقيصرا هذه بعض أبيات قالها ابن دقيق العيد رحمة الله تعالى عليه في مدح النبي ﷺ ، وقد قرأناها بعد أن اقتطفناها من ديوانه.
فنعلق عليها ونقول: تلحظ أول الأمر أن ابن دقيق العيد تكلم على الحجاز، ثم ذكر قضية أن تلك الأمكنة دنا منها المختار، وتردد في أروقتها صلوات الله وسلامه عليه، ونص على قباء أي الشاعر.
وسنذكر في هذا اللقاء قضية الحجاز وقضية قباء في السيرة العطرة والأيام النضرة لرسولنا ﷺ ، إن شبه الجزيرة العربية كان أغلب أقسامها الجغرافية نجد وتهامة والحجاز، هذه هي الأقطاب الثلاثة لها، والنبي ﷺ ولد في مكة، وهاجر إلى المدينة وبها توفي، فهو ﷺ لم يغادر الحجاز كموطن، وإنما غادره عارضاً كخروجه ﷺ إلى تبوك ثم عاد.
والذي يعنينا هنا أن الحجاز ورد كلفظة تغنى بها الشعراء وحتى الفقهاء، فمثلاً النبي ﷺ ورده عنه أنه نهى عن الشرب قائماً، وثبت عنه أنه شرب قائماً صلوات الله وسلامه عليه، كما في الحديث الصحيح (أنه شرب من زمزم وهو قائم) وهذه مسألة اختلف العلماء فيها، وعلاقتها بالموضوع أن الفقهاء عندما أرادوا أن ينظموا هذا الأمر الفقهي شعراً ذكروا أن السنة أن يشرب الإنسان قاعداً، وأن شربه ﷺ وهو قائم لينقل الأمر من التحريم إلى الجواز، ونظموا في ذلك شعراً يقول قائلهم: إذا جئت تشرب فاقعد تفز بسنة صفوة أهل الحجاز وقد صححوا شربه قائماً وإنما ذاك بيان الجواز فالفقهاء هنا لما نظروا إلى السنة النبوية وأن النبي ﷺ نهى عن الشرب قائماً، وثبت عنه أنه شرب قائماً، قالوا: إن النهي هنا ليس لكراهة التحريم، وإنما لكراهة التنزيه، واحتجوا بأن شربه قائماً صلوات الله وسلامه عليه ينقل الأمر من التحريم إلى الكراهة أو إلى بيان الجواز.
وموضوع الشاهد أنهم قالوا: إذا جئت تشرب فاقعد تفز بسنة صفوة أهل الحجاز.
صلوات الله وسلامه عليه، وأنا أسوق هنا الأمر أو الشعر أو البيتين ليس لأمر شعري أو لأمر فقهي، بل لأمر يتعلق بحديثنا عن الحجاز، فهنا نتذكر السيرة في قضية الهجرة، فالحكم على الشيء فرع من تصوره، وإنما يكون ظلمنا للغير، أو ظلمنا على الأشياء ناتج من عدم حكمنا عليها حكماً صحيحاً، وذلك إذا كان الإنسان لا يتصور الموقف كاملاً.
стр. 40
علة مجيء إبليس في صورة شيخ نجدي
ومن ذلك أن النبي ﷺ تآمر المشركون عليه في دار الندوة، فجاء إبليس وحضر الاجتماع في صورة شيخ نجدي،
و
السؤال
لماذا حضر إبليس في صورة شيخ نجدي؟
الجواب
حضر إبليس في صورة شيخ نجدي لأن قلنا: إن الأقاليم كانت في شبه جزيرة العرب ثلاثة: الحجاز ونجد وتهامة، فالقرشيون قالوا قبل الاجتماع: لا يدخلن عليكم رجل من أهل تهامة، فإن هواهم مع محمد، فكان القرشيون يتخوفون من أي أحد في تهامة، ولو جاء وقال: أنا من تهامة ما قبلوه، ولا أخذوا عنه رأياً؛ لأنه كان يغلب على ظنهم أن أهل تهامة ينازعون في النبي ﷺ ويعارضون قريشاً فيه، أي: أن هواهم مع هواه صلوات الله وسلامه عليه.
فعزمت قريش على ألا تدخل رجلاً من تهامة في دار الندوة، فهذا هو الذي دفع إبليس أن يأتي في صورة رجل من أهل نجد، لعلهم يقبلونه؛ لأن أهل نجد آنذاك لم يكن لهم علاقة بالنبي ﷺ ، فهم لا يعرف عنهم شيء لا قبول ولا رد ولا حياد، فجاء إبليس بهذه الصورة حتى يتمكن من الدخول، لا لعارض في قضية أن أهل نجد أو أهل تهامة أو أهل الحجاز أحدهم له فضل على الآخر، هذا كله ملغي غير موجود في السيرة، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، فكان في الحجاز من نصر النبي ﷺ ، وكان في الحجاز من عاداه، وكذلك في كل بلد، وإلى اليوم يوجد في أصقاع الأرض من هو مؤمن برسول الله ﷺ ، محب له، ويوجد في جزيرة العرب من لا يبلغ الإيمان في قلبه ما بلغ في قلب أخيه ذلك الذي بعدت دياره، ونأت مواطنه والعبرة عند الله جل وعلا بالتقوى، هذا حديثنا عن قضية الحجاز في الشعر العربي الذي مدح به النبي ﷺ .
следующие страницы →