Полный текст (125 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
بقاء القرآن معجزة خالدة
نعود فنقول: من المعاني الزاخرة في خبر وفاة رسولنا ﷺ أن الله ﵎ لما قبض نبينا ﷺ أبقى على معجزته الخالدة وهي القرآن، ولهذا مر معنا أن شوقي يقول: جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بحكيم غير منصرم آياته كلما طال المدى جدد يزينهن جلال العتق والقدم فالنبي ﷺ وإن مات إلا أنه تركنا على محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وقال: (كتاب الله وسنتي)، فأوفى ﷺ أمته من بعده، فتدبر القرآن وتدبر سنته، وهو ﷺ أقام لنا مجداً عظيماً وديناً قيماً على ملة أبيه إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه.
ثم بعد ذلك لما توفاه الله جل وعلا كان ﵊ قد أدى ما عليه، وأكمل تبليغ الرسالة، ولذلك حرص ﵊ أن يُشهد الناس فقال: (أما وإنكم ستسألون عني فما أنتم قائلون؟ فقالوا ﵃ -وهم أكرم جيل وأمثل رعيل-: نشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة)، ونحن نشهد أن رسولنا ﷺ قد أدى الأمانة، ونصح الأمة، وبلغ رسالة ربه على الوجه الأكمل والنحو الأتم صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 37
صلاة الصحابة على الرسول فراداً
ونبينا ﷺ لم يصل الصحابة عليه جماعة، أي: لم يتقدمهم أحد، وهذا من فقه الصحابة، فالصحابة ﵃ وأرضاهم أجلّوا واستكبروا واستعظموا أن يتقدمهم أحد في الصلاة على النبي ﷺ ؛ إجلالاً له، وفيها أمر نفسي وهو: أن كل فرد من الصحابة عندما يباشر الصلاة على رسول الله بنفسه من غير إمام فكأنه يبلغ عواطفه ودعاءه إلى رسول الله ﷺ مباشرة، فإذا انقلب إلى أهله ورجع إلى داره يشعر أنما فيه من عواطف جياشة قد أصابته يوم وفاة رسول الله ﷺ قد استطاع أن يعبر عنها بأن صلى على رسول الله ﷺ .
والصلاة إنما تكون تعبداً للرب ﵎ لا شك في ذلك ولا منة، فلا يشرك مع الله أحد، لكن عندما يباشر الإنسان الصلاة على الميت إماماً أو لوحده فإنه يشعر بأن الدعاء الذي يريد أن يبلغه للميت كأنه قد وصل، وإن كان هو يدعو الله جل وعلا والله ﵎ هو القائم بالأمر جل جلالة.
فالمقصود: أن في هذا نوعاً من إطراح كثير من الحواجز النفسية التي تكون فيما لو صلى الإنسان إماماً، ولعل هذا قد تعرض له بعض العلماء في قضية لماذا صلى الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم على نبيهم ﷺ أرسالاً.
هذه بعض المعاني التي وقفنا عليها من خبر وفاة نبينا ﷺ من قول حسان: بطيبة رسم للرسول ومعهد منير وقد تعفو الرسوم وتهمد ونحن في هذه اللقاءات المتتابعة في مدائح النبي ﷺ لم نرد أن نكون شخصية إنشادية، أو شخصية تقول شعراً، أو أن يُعنى بالشعر أكثر من اللازم، لكن أردنا أن نبلغ السيرة العطرة والأيام النضرة لرسولنا ﷺ .
وسأختم إن شاء الله تعالى بلقاء نتكلم فيه عن الشعر في حياة النبي ﷺ ، وموقف الإسلام من الشعر، ونظرات فيما قلناه إجمالاً.
هذا والله تعالى أعز وأعلى وأعلم، وصلى الله على محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 38
سلسلة المدائح النبوية [أبيات من رائِيّة ابن دقيق العيد]
لقد كانت الهجرة النبوية حدثاً تاريخياً عظيماً، فقد غيرت مجرى التاريخ، ومكنت للمسلمين أن يقيموا دولة الإسلام، ويفروا من اضطهاد المشركين في مكة، وهكذا تكون الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام ومن بلد الاستضعاف إلى بلد القوة.
стр. 39
علة ذكر ابن دقيق للحجاز في شعره
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خالق الكون بما فيه، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه.
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله، آخر الأنبياء في الدنيا عصراً، وأرفعهم وأجلهم يوم القيامة شأناً وذكرا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون والأخوات المؤمنات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا لقاءنا متجدد مع لقاءاتنا الموسومة بالمدائح النبوية، هذه اللقاءات التي من خلالها نعرج على بعض القصائد التي قيلت في مدح نبينا ﷺ ، فنستعرض منها أبياتاً ثم نجعل من هذا البيت طريقاً لنا إلى الحديث عن سيرة نبينا ﷺ ، ونحن لا نتكلم في برنامج إنشادي، ولا نحاول أن نقدم أنفسنا كقراء شعر من الطراز الأول، لكن المقصود من ذلك إلقاء الضوء على بعض الأبيات، من خلال هذه الأبيات نصل إلى معاني زاخرة من سيرة نبينا ﷺ ، فربنا جل شأنه يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]، ولا سبيل إلى الاقتداء به ﷺ إلا بعد التأمل والنظر والتدبر في سيرته العطرة وأيامه النضرة، ويجب أن يكون ذلك مصحوباً بمحبة عظيمة، وإجلال كبير شرعي له، صلوات الله وسلامه عليه.
مر معنا الكثير من القصائد منها ما وقفنا معه مرة، ومنها ما وقفنا معه أكثر من مرة، واليوم نقف مع قصيدة لـ ابن دقيق العيد، الفقيه الشافعي المعروف، والقصيدة رائية، قالها في مدح رسول الله ﷺ ، وقد اخترنا منها بعض الأبيات، ثم نعلق على القصيدة كما جرت به العادة.
قال ابن دقيق العيد ﵀: يا سائراً نحو الحجاز مشمرًا اجهد فديتك في المسير وفي السرى وتدرع الصبر الجميل ولا تكن في مطلب المجد الأثير مقصرا اقصد إلى حيث المكارم والندى يلقاك وجههما مضيئاً مقمرا وإذا سهرت الليل في طلب العلا فحذار ثم حذار من خدع الكرى إن كَلّت النجب الركائب تارة فأعد لها ذكر الحبيب مكررا وابعث لها سر المدام فإنها بالذكر لا تنفك حتى تسكرا فالقصد حيث النور يشرق ساطعاً والطرف حيث ترى الثرى متعطرا قف بالمنازل والمناهل من لدن وادي قباء إلى حمى أم القرى وإذا رأيت مهابط الوحي التي نشرت على الآفاق نورًا نورا فاعلم بأنك ما رأيت شبيهها مذ كنت في ماضي الزمان ولا يرى شرفا لأمكنة تنزل بينها جبريل عن رب السماء مخبّرا فتأثرت عنه بأحسن بهجة أفدي الجمال مؤثّرًا ومؤثرا فتردد المختار بين بعيدها وقريبها متبدياً متحذرا ومهابة ملأ القلوب بهاؤها واستنزلت كبر الملوك مصغرا نزلت على قدم الزمان لتبع ودنت على بعد المزار لقيصرا هذه بعض أبيات قالها ابن دقيق العيد رحمة الله تعالى عليه في مدح النبي ﷺ ، وقد قرأناها بعد أن اقتطفناها من ديوانه.
فنعلق عليها ونقول: تلحظ أول الأمر أن ابن دقيق العيد تكلم على الحجاز، ثم ذكر قضية أن تلك الأمكنة دنا منها المختار، وتردد في أروقتها صلوات الله وسلامه عليه، ونص على قباء أي الشاعر.
وسنذكر في هذا اللقاء قضية الحجاز وقضية قباء في السيرة العطرة والأيام النضرة لرسولنا ﷺ ، إن شبه الجزيرة العربية كان أغلب أقسامها الجغرافية نجد وتهامة والحجاز، هذه هي الأقطاب الثلاثة لها، والنبي ﷺ ولد في مكة، وهاجر إلى المدينة وبها توفي، فهو ﷺ لم يغادر الحجاز كموطن، وإنما غادره عارضاً كخروجه ﷺ إلى تبوك ثم عاد.
والذي يعنينا هنا أن الحجاز ورد كلفظة تغنى بها الشعراء وحتى الفقهاء، فمثلاً النبي ﷺ ورده عنه أنه نهى عن الشرب قائماً، وثبت عنه أنه شرب قائماً صلوات الله وسلامه عليه، كما في الحديث الصحيح (أنه شرب من زمزم وهو قائم) وهذه مسألة اختلف العلماء فيها، وعلاقتها بالموضوع أن الفقهاء عندما أرادوا أن ينظموا هذا الأمر الفقهي شعراً ذكروا أن السنة أن يشرب الإنسان قاعداً، وأن شربه ﷺ وهو قائم لينقل الأمر من التحريم إلى الجواز، ونظموا في ذلك شعراً يقول قائلهم: إذا جئت تشرب فاقعد تفز بسنة صفوة أهل الحجاز وقد صححوا شربه قائماً وإنما ذاك بيان الجواز فالفقهاء هنا لما نظروا إلى السنة النبوية وأن النبي ﷺ نهى عن الشرب قائماً، وثبت عنه أنه شرب قائماً، قالوا: إن النهي هنا ليس لكراهة التحريم، وإنما لكراهة التنزيه، واحتجوا بأن شربه قائماً صلوات الله وسلامه عليه ينقل الأمر من التحريم إلى الكراهة أو إلى بيان الجواز.
وموضوع الشاهد أنهم قالوا: إذا جئت تشرب فاقعد تفز بسنة صفوة أهل الحجاز.
صلوات الله وسلامه عليه، وأنا أسوق هنا الأمر أو الشعر أو البيتين ليس لأمر شعري أو لأمر فقهي، بل لأمر يتعلق بحديثنا عن الحجاز، فهنا نتذكر السيرة في قضية الهجرة، فالحكم على الشيء فرع من تصوره، وإنما يكون ظلمنا للغير، أو ظلمنا على الأشياء ناتج من عدم حكمنا عليها حكماً صحيحاً، وذلك إذا كان الإنسان لا يتصور الموقف كاملاً.
стр. 40
علة مجيء إبليس في صورة شيخ نجدي
ومن ذلك أن النبي ﷺ تآمر المشركون عليه في دار الندوة، فجاء إبليس وحضر الاجتماع في صورة شيخ نجدي،
و
السؤال
لماذا حضر إبليس في صورة شيخ نجدي؟
الجواب
حضر إبليس في صورة شيخ نجدي لأن قلنا: إن الأقاليم كانت في شبه جزيرة العرب ثلاثة: الحجاز ونجد وتهامة، فالقرشيون قالوا قبل الاجتماع: لا يدخلن عليكم رجل من أهل تهامة، فإن هواهم مع محمد، فكان القرشيون يتخوفون من أي أحد في تهامة، ولو جاء وقال: أنا من تهامة ما قبلوه، ولا أخذوا عنه رأياً؛ لأنه كان يغلب على ظنهم أن أهل تهامة ينازعون في النبي ﷺ ويعارضون قريشاً فيه، أي: أن هواهم مع هواه صلوات الله وسلامه عليه.
فعزمت قريش على ألا تدخل رجلاً من تهامة في دار الندوة، فهذا هو الذي دفع إبليس أن يأتي في صورة رجل من أهل نجد، لعلهم يقبلونه؛ لأن أهل نجد آنذاك لم يكن لهم علاقة بالنبي ﷺ ، فهم لا يعرف عنهم شيء لا قبول ولا رد ولا حياد، فجاء إبليس بهذه الصورة حتى يتمكن من الدخول، لا لعارض في قضية أن أهل نجد أو أهل تهامة أو أهل الحجاز أحدهم له فضل على الآخر، هذا كله ملغي غير موجود في السيرة، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، فكان في الحجاز من نصر النبي ﷺ ، وكان في الحجاز من عاداه، وكذلك في كل بلد، وإلى اليوم يوجد في أصقاع الأرض من هو مؤمن برسول الله ﷺ ، محب له، ويوجد في جزيرة العرب من لا يبلغ الإيمان في قلبه ما بلغ في قلب أخيه ذلك الذي بعدت دياره، ونأت مواطنه والعبرة عند الله جل وعلا بالتقوى، هذا حديثنا عن قضية الحجاز في الشعر العربي الذي مدح به النبي ﷺ .
стр. 41
التعريف بقباء
وأما قباء التي ذكرها ابن دقيق العيد هاهنا اختلف في سبب التسمية، والأظهر أنه كان بئراً بهذا الاسم، وقباء يقع في الجهة الجنوبية الغربية قليلاً في مدينة رسول الله ﷺ ، وهذه الديار كانت لبني عمرو بن عوف، وتبعد الآن عن المسجد النبوي تقريباً سبعة كيلو مترات.
والنبي ﷺ أول ما نزل في المدينة نزل إليها؛ لأن المهاجرين الأولين الذين سبقوا النبي ﷺ بقدومهم إلى المدينة كانوا ينزلون إلى قباء، وأول من نزل فيها أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، فهذا أول المهاجرين، وهو أول ما وصل إلى المدينة وصل إليها، وظاهر الطريق أنذاك أنه كان شبه لزام على من يأتي إلى المدينة أن يبدأ بقباء؛ لأننا نعلم أن دليل النبي ﷺ وهو عبد الله بن أريقط في آخر الأمر اخترق بهم وادي ريم، ووادي ريم اليوم خمسين كيلو على طريق الهجرة إلى المدينة، ثم اخترق بهم بطن وادي ريم، ثم أتى نازلاً على قباء.
والطريق الآن كذلك فطريق الهجرة المعمول به حالياً يؤدي إلى مسجد قباء، فـ أبو سلمة بن عبد الأسد كان أول من نزل قباء، وأهل السير والتاريخ والعلم عند الله بصحة السند يقولون: إن أبا سلمة هو أول من يأخذ كتابه بيمينه، كما أن أخاه الأسود بن عبد الأسد أول من يأخذ كتابه بشماله، وهذا الأسود بن عبد الأسد هو الذي أقسم في أول المعركة قبل أن يقتتل الفريقان، أقسم أن يأتي إلى البئر الذي عند النبي ﷺ وأصحابه ويشرب دونه أو يهلك، فهلك قتله حمزة وبعض الصحابة قبل أن يصل إلى البئر، لكنه كان قد أقسم، وهذا يدلك على فرط شجاعته، وعلى فرط عناده وكفره وعدم إيمانه بالله ورسوله، فالمشهور أن هذا الرجل هو أول من يأخذ كتابه بشماله، وأخوه -وسبحان من قال: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠]- هو أول من يأخذ كتابه بيمينه، وهو أول من وصل قباء من المهاجرين على المشهور، وقد يكون قبله واحد أو اثنان، لكن المشهور أن أول من وصل هو أبو سلمة بن عبد الأسد، وقد كان زوجاً لـ أم سلمة ﵂ وأرضاها، ثم مات عنها شهيداً، ثم تزوجها نبينا ﷺ .
موضع الشاهد: أن النبي ﵊ اختط ما كان عليه المهاجرون الأولون، فعندما بدءوا في قباء بدأ ﷺ بقباء، ونزل ﵊ في ديار بني عمرو بن عوف.
стр. 42
المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى
وهناك أسس مسجده ﷺ ، مسجد قباء، - أي في ديار بني عمرو بن عوف- وليس المسجد النبوي، فمسجد قباء أسس قبل المسجد النبوي، وعلى هذا فإن الأظهر أنه المقصود بقول الله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨]، هذا المسجد، النبي ﷺ أخذ لبنة فوضعها في قبلته، فجاء أبو بكر وأخذ لبنه، فجاء عمر وأخذ لبنة، ثم تتابع فعل الصحابة، وأخذوا يبنونه، وبناه النبي ﷺ مع أصحابه في ديار بني عمرو بن عوف، وهو أول مسجد أسس في الإسلام، ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة:١٠٨].
ونخرج عن الدرس قليلاً فهنا فائدة في القرآن، يقول الله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ﴾ [التوبة:١٠٨]، كلمة فيه هنا جاءت متتابعة من غير فاصل: فيه فيه، فهي في الأول خاتمة للجملة الأولى، وفي الثانية بداية لها، وهذا لم يتكرر في القرآن إلا مرتين، في هذه الآية، وفي قول الله جل وعلا: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، فلفظ الجلالة هنا جاء مكرراً ليس بينهما فاصل لا من حرف ولا من غيره.
ذكرنا أن مسجد قباء بناه النبي ﷺ أول قدومه المدينة في بني عمرو بن عوف.
стр. 43
فضل مسجد قباء
قال ﷺ : (من توضأ في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه ركعتين كان له كأجر عمرة)، فالصلاة فيه تعدل أجر عمرة بنص الخبر الصحيح عن نبينا ﷺ .
وقد كان النبي ﷺ يأتي مسجد قباء كل سبت ماشياً أو راكباً، وقول الراوي: (كان النبي ﷺ يأتي قباء كل سبت) يحتمل معنيين: إما أن يكون النبي ﷺ يأتي قباء كل يوم سبت من كل أسبوع، وإما أن يكون الراوي قد قصد بكلمة السبت كلمة الأسبوع، أي: أن النبي ﷺ له يوم في الأسبوع يأتي فيه إلى قباء، والقول أنه يأتيه في يوم السبت تحديداً أظهر في المعنى، وأقرب إلى ظاهر اللفظ، لكن يبقى البحث عن العلة، لماذا كان النبي ﷺ يتوخى يوم السبت في أن يأتي فيه إلى مسجد قباء؟ أحسن ما قيل في التعليل في هذه القضية أن تعرف أصل المسألة، ما أصل المسألة.
إن النبي ﵊ لم يكن في زمنه مسجد يقام فيه الجمعة إلا مسجده، فالجمعة في المدينة لم تكن تقام إلا في المسجد النبوي، أي: أن هناك جمعة واحدة فقط، وهذا يلزم منه أن أهل قباء يأتون إلى مسجد الرسول ﷺ ويصلون معه الجمعة، ومن هنا قال العلماء: إن تفقد النبي ﷺ لأهل قباء، وإتيانه المسجد كل سبت، المقصود منه: زيارة المسجد، وفي نفس الوقت أنه ﷺ يتفقد من لم يصل الجمعة معه من أصحابه، وهذا هو الأظهر والأليق وهو حمل العلة عليه ﷺ ، وهو يتفق تماماً مع ما عرف عن نبينا ﷺ من وفاء، وما كان يتحلى به صلوات الله وسلامه عليه، من الشفقة والحدب على أصحابه والسؤال عنهم، ﵃ وأرضاهم.
وهنا يأتينا
السؤال
قلنا: إن الجمعة لم تكن تقام إلا في مسجده ﷺ ، فهل كانت هناك جمعة أخرى على وجه الأرض؟
و
الجواب
كانت هناك جمعة أخرى بعد الهجرة بسنتين تقريباً، وقد أقيمت في جوافا، وجوافا بالفتح أو جوافا بالضم هي الآن في إقليم الأحساء من المملكة العربية السعودية، أي: في الشرق من أقاليم المملكة العربية السعودية، وهي بجوار مدينة الهفوف، فالجمعة في جوافا هي ثاني جمعة أقيمت في الإسلام، ويوجد هناك مسجد شبه مهجور، وهو مهدوم، وقد مررت عليه في إحدى أسفاري، لكن لا تقام فيه صلاة الآن، ونحن نهيب بالمسئولين في وزارة الشئون الإسلامية أن يحاولوا إعادة بناء المسجد، وأن يحيى؛ لكونه ثاني مسجد في الإسلام أقيمت فيه صلاة الجمعة.
ومكث النبي ﷺ في قباء أياماً، فالنبي ﵊ ولد يوم الإثنين، ونبئ يوم الإثنين، وهاجر من مكة يوم الإثنين، ومكث في الطريق خمسة عشر يوماً، ودخل المدينة يوم الإثنين، دخلها ﷺ في قباء، ومكث في قباء على الصحيح الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، خمسة أيام، والجمعة قبل الزوال خرج ﷺ من قباء فأدركته الجمعة غير بعيد عن مسجد قباء، وليوم هناك مسجد موجود مقام مشيد وسعه الملك فهد ﵀، وتقام فيه الصلوات الخمس، وقد عرف بمسجد الجمعة، هذا المسجد صلى فيه ﷺ أول جمعة في المدينة.
ومن هذا يتحرر علاقة النبي ﷺ بالمساجد التي في المدينة، وبلا ريب أن أكثر علاقة له ﷺ كانت بمسجده، وقد تكلمنا عن الروضة الشريفة، وذكرنا حدودها في حلقة مضت.
стр. 44
التعريف بمسجد القبلتين
أما ما تسمعه يا أخي عن مسجد القبلتين، فالمدينة كانت عامرة تغص بالأنصار: الأوس والخزرج، وكانت ديار بني سلمة إلى الشمال الغربي من مسجده ﷺ ، وكان لهم مسجد يصلون فيه، واستأذنوا النبي ﵊ أن يدنوا من المسجد النبوي، فقال ﷺ : (يا بني سلمة دياركم) أي: الزموا دياركم، (تكتب آثاركم)، وكان النبي ﷺ في أول نزوله المدينة يصلي جهة الشام ستة عشر شهراً، حتى نزل قول الله جل وعلا: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤]، فتغيرت القبلة من الشمال إلى الجنوب، فذهب رسول من النبي ﷺ يخبر بني سلمة بتغير القبلة، فجاءهم وهم يصلون الظهر أو العصر، والأظهر أنها كانت صلاة العصر، فجاءهم وهم يصلون إلى جهة الشمال؛ لأن بيت المقدس في الشام شمال المدينة، فأخبرهم وهم يصلون أن القبلة قد انتقلت إلى مكة، فلما قال لهم: إن القبلة توجهت إلى الكعبة عرفوا أنهم سيتجهون جنوباً، فتغيروا، فتقدم إمامهم وتأخر مأمومهم، وأصبحوا يصلون جهة الجنوب.
إذاً في صلاة واحدة جمع الأخيار من الأنصار من بني سلمة الصلاة إلى قبلتين، فأول الصلاة كان إلى جهة الشام، وآخر الصلاة كان إلى جهة الكعبة؛ لهذا سمي هذا المسجد بمسجد القبلتين، وإلا فقباء والمسجد النبوي ومسجد بني عبد الأشهل، كل هذه المساجد التي كانت موجودة قبل التحويل اتجهت قبلتها إلى القبلتين، فالمسجد النبوي كانت قبلته شمالاً وحولت جنوباً، ومسجد قباء كانت قبلته شمالاً وحولت جنوباً، وكذلك غيرهما من المساجد، لكن سمي مسجد بني سلمة مسجد القبلتين؛ لأن أهله في فريضة واحدة صلوا إلى القبلتين شمالاً إلى الشام، وجنوباً إلى الكعبة حيث استقر الأمر، ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤].
стр. 45
مكانة الصلح بين الناس
هذا كله أيها الأخ المبارك! يعطينا صورة عن حياة النبي ﷺ التي تتعلق بالعبادات.
وبنو عمرو بن عوف حصل بينهم في إحدى أيام حياة النبي ﷺ شيء من النزاع، فخرج ﷺ ليصلح بينهم فتأخر على أصحابه -أي: في مسجده- فجاء بلال ﵁ مؤذن رسول الله ﷺ إلى أبي بكر وقال: هل أقيم وتصلي؟، وانظر إلى أدب الصحابة، قال أبو بكر: نعم، فأقام بلال الصلاة، وتقدم أبو بكر يصلي كما في البخاري، فلما قام أبو بكر ﵁ وأرضاه يصلي، وهم في الركعة الأولى قدم النبي ﷺ ، وكأنه ﵊ رغب أن يصلي في الصف الأول، فحثى حتى وصل إلى الصف الأول، فأحدث الناس صوتاً؛ يشعرون أبا بكر أن النبي ﵊ قد قدم، فلما شعر أبو بكر بأن ثمة حدثاً يكون وراءه التفت، فرأى النبي ﷺ ، فأشار إليه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه أن ابق مكانك، لكن أبا بكر رجع ﵁ وأرضاه، ورفع يديه يدعو، فالآن هو في صلاة فرفع يديه يدعو، ثم وقف في الصف وقدم النبي ﷺ وأكمل بهم الصلاة، فلما سلم صلوات الله وسلامه عليه وانصرف إلى الناس بوجهه قال لـ أبي بكر: (ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟) أي: أنا أشرت إليك بيدي أن ابق مكانك، فقال ﵁ وأرضاه: (ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يتقدم النبي ﷺ ، ولم يقل: ما كان لـ أبي بكر، وإنما قال: ما كان لـ ابن أبي قحافة، يختار اسماً أوضع، وكأنه تلميذ في مدرسة محمد ﷺ ، وأما رفعه يديه يدعو فإنه يحمد الله ويشكره أن النبي ﷺ طلب منه أن يصلي به.
ومن هذا الموقف الجزئي أخذ بعض الفقهاء جواز الدعاء في الصلاة؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر على أبي بكر أنه رفع يديه يدعو في الصلاة، وهو دليل ظاهر لمن قال بدعاء ختم القرآن في رمضان، وفيه آثار كثيرة تدل عليه، لكن من أكثر الدلائل والقرائن فقهية على جواز الدعاء بختم القرآن هو قضية صنيع أبي بكر هنا، فقد رفع يديه يدعو ويحمد الله على ما آتاه الله، وأن النبي ﷺ أراد أن يقدمه، ولم ينكر عليه النبي ﷺ رفعه ليديه بالدعاء، والنبي ﵊ لا يقر على باطل.
وهذا الأمر برمته يبين لك أن الإصلاح بين الناس شأنه عظيم؛ ولهذا ذهب النبي ﷺ إلى قباء إلى بني عمرو بن عوف، وأخرت الصلاة، كل ذلك من أجل تحقيق الصلح، والله يقول: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:١٢٨]، وإمام المسلمين وأهل الجاه والثراء والكلمة المسموعة في الأمة أولى الناس بالقيام بهذه الأمور على الوجه الأكمل والنحو الأتم، وكل ذلك مستقى من سيرة عطرة وأيام نضرة لسيد الخلق الداعي إلى الحق صلوات الله وسلامه عليه.
جعلني الله وإياكم ممن يحيا على سنته، ويموت على سنته.
هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده من التعليق على رائية ابن دقيق العيد في مدح رسولنا صلوات الله وسلامه عليه.
وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 46
سلسلة المدائح النبوية [أبيات من لامية أبي طالب]
هذه القصيدة هي لامية أبي طالب عم النبي ﷺ ، وقد كان أبو طالب يحوط النبي ﷺ وينصره أمام قريش، حتى إن النبي ﷺ يشفع له يوم القيامة رغم كفره، فيكون في ضحضاح من النار.
والقصيدة قالها أبو طالب عندما حاصرت قريش بني هاشم وبني المطلب في الشعب.
стр. 47
التفصيل في ذكر نسب أولاد عبد مناف
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة المباركون والأخوات المباركات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هذا لقاء من لقاءاتنا الموسومة بالمدائح النبوية، نعرج فيه كما جرت العادة على بعض الأبيات من بعض القصائد التي مدح فيها رسولنا ﷺ ، وقبل أن نذكر قصيدة اليوم نزدلف إليها بحديث نبوي شريف، ذلك أن النبي ﷺ أجدبت المدينة في عهده فخرج ﷺ بأصحابه إلى المصلى واستسقى ربه، فنزل الغيث سريعاً عاجلاً كثيراً، وتفرق الناس إلى منازلهم ودورهم يستكنون، فلما رأى النبي ﷺ نزول الغيث وإجابة الرب ﵎ لدعائه ومشهد الناس وهم ينتقلون إلى دورهم قال ﵊: (لو رأى أبو طالب ذلك لسره)، ففقه بعض الصحابة مراد رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! كأنك تشير إلى قوله: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل وقال ﷺ : نعم.
هذا البيت الذي استحضر أمام رسولنا ﷺ وذكر هو من قصيدة لامية قالها أبو طالب عم رسول الله ﷺ أيام حاصرت قريش بني هاشم في الشعب، ومعلوم أن بني هاشم حوصروا جميعاً في الشعب إلا اثنين: أبو لهب، وأبو سفيان بن الحارث وقد رفعناهما ها هنا؛ لأننا إنما ذكرناهما هنا من باب الحكاية.
فالذي يعنينا أن أبا طالب قال هناك قصيدته اللامية، وسنختار منها أبيات موجزة جداً ثم نعرج عليها ونعلق على ما قام به أبو طالب مع رسولنا ﷺ ، وما يمكن أن ننهل من معين السيرة في هذا الجانب.
قال أبو طالب في لاميته: خليليّ ما أذني لأول عاذل بصغواء في حق ولا عند باطل ولما رأيت القوم لا ود عندهم وقد قطعوا كل العرى والوسائل وقد صارحونا بالعداوة والأذى وقد طاوعوا أمر العدو المزايل وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافياً غير ناعل جزى الله عنا عبد شمس ونوفلاً عقوبة شر عاجل غير آجل بميزان قسط لا يغيض شعيرة له شاهد من نفسه حق عادل وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل صلوات الله وسلامه عليه، فهو المقصود من بيت الأخير من قول أبي طالب.
سنتكلم الآن عن جانب السيرة فيها: لقد أيد الله جل وعلا نبيه بظهيرين أيام الدعوة في مرحلتها السرية، وبعد ذلك بقليل في أيام اشتداد أذى قريش عليها في مكة، نصير ظاهري كانت تمثله: خديجة ﵂ وأرضاها، ونصير ظاهري وكان يمثله: أبو طالب الذي مات على الكفر.
ونبدأ بالقضية من أولها: فالنبي ﵊ اسمه: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وعبد مناف هذا ترك أربعة أبناء هم: عبد شمس، ونوفل، والمطلب -ليس عبد المطلب، فـ عبد المطلب هذا لقب وليس اسماً- وهاشم فهؤلاء الأربعة إخوة، وأبوهم هو عبد مناف.
ومن هاشم كان نبينا ﷺ ، فعندما نقول: بنو هاشم فإنما نعني أحد هؤلاء الأربعة، فالله جل وعلا اختار قريشاً من العرب، واختار هاشماً من قريش، واختار نبينا ﷺ من بني هاشم، فهو ﵊ خيار من خيار.
إذاً فنبينا من بني هاشم، وبقي لـ هاشم من الإخوة؟ ثلاثة عبد شمس، ونوفل، والمطلب، فلما حصر بنو هاشم في شعب بني هاشم حاصرتهم قريش في الشعب كان بنو عبد شمس وبنو نوفل قد تآمروا مع قريش ضد بني هاشم، فأصبحوا غير موالين لأبناء أخيهم، وأما المطلب فقد انضموا إلى بني هاشم في الشعب، فأصبح الشعب يضم بني هاشم الذين منهم النبي ﷺ ويضم أبناء عمومتهم من بني المطلب.
وأما أبناء عمومتهم عبد شمس ونوفل فهؤلاء كانوا مع قريش ضدهم، لهذا قال أبو طالب في لاميته: جزى الله عنا عبد شمس ونوفلاً عقوبة شر عاجل غير آجل لأنه كان يتوقع ويتمنى أن يكونوا معهم لكنهم انقلبوا عليهم وكانوا مع قريش، لذلك لما جاء النبي ﷺ في يوم خيبر يقسم الغنائم جعل الخمس بين بني هاشم وبني المطلب، فاعترض بنو عبد شمس وبنو نوفل مثل: عثمان بن عفان وغيره وجبير بن مطعم.
فهؤلاء قدموا إلى النبي ﷺ يسألونه ويستفسرون كيف يعطي بني المطلب من الغنائم؟ وقالوا بلسان الحال والمقال: يا رسول الله! أما إنك أعطيت بني هاشم فهذا لا غضبة فيه؛ لأنك منهم، فنحن لا نعترض على أنك أعطيت بني هاشم؛ لأنك أنت هاشمي، لكن ما دمت قد أعطيت بني المطلب فكان ينبغي أن تعطينا؛ لأن المطلب أخ لـ نوفل وأخ لـ عبد شمس، فقال ﷺ : (إن بني المطلب لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام)، فيذكر ﷺ بموقف بني المطلب في الشعب، (فبنو المطلب وبنو هاشم كالشيء الواحد، وشبك ﷺ بين أصابعه) فإذا قلنا: آل البيت فإنهم لا يدخل فيهم بنو المطلب على الصحيح، وأما عند قسمة الغنائم فإنه يعطون منها، هذا مذهب الشافعي ﵀ وأكثر أهل العلم وهو الذي نختاره.
نعود الآن إلى قضية أبي طالب.
стр. 48
نصرة أبي طالب لرسول الله
لقد نصر أبو طالب النبي ﷺ وقد عمر أكثر من ٨٠ عاماً، فنصر النبي ﷺ نصراً مؤزراً، ومن أعظم الدلائل على أن هذا الرجل أشرب حب رسول الله ﷺ أنه كان في الشعب إذا جاء الليل واتخذ ﷺ مكاناً ينام فيه ونام بقية من في الشعب، يقوم أبو طالب في الليل فيحمل النبي ﷺ من مرقده ويأتي بأحد أبنائه فيضعه مكانه؛ حتى إذا بيت أحد أن يقتل النبي ﷺ ويغدر به وهو نائم فإنه سيغدر بابن أبي طالب ولا يغدر بالنبي ﷺ .
وهذا ينبئك عن عظيم المحبة التي كان يكنها أبو طالب لرسول الله ﷺ ، فلا غروا بعد ذلك أن يشفع النبي ﷺ له يوم القيامة في أن يكون أهون أهل النار عذاباً.
نعود إلى أبي طالب ولاميته، فلما قال أبو طالب: جزى الله عنا عبد شمس ونوفلاً عقوبة شر عاجل غير آجل إنما كان يقصد أنه كان يرغب ويتمنى من أبناء عمومته أن يقفوا نصراء يحمون ويدافعون معه عن النبي ﷺ ، لكن الأمر لم يكن كما توقع، وأبو طالب كان يعلم أن النبي ﷺ على الحق، وله في ذلك نونية منها: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا لكن كتب الله جل وعلا له ذلك، فكان أبو طالب يمثل أعظم نصير وظهير للنبي ﷺ من الخلق خارج البيت النبوي، في حين كانت خديجة كما بينا تمثل أعظم نصير داخلي له ﷺ ، فلما رأت قريش أن النبي ﷺ في حمى عمه اشتد أذاها على أصحابه، وقل أذاها عليه صلوات الله وسلامه عليه، ثم فجع ﷺ بعد ذلك بموت أبي طالب.
стр. 49
ذكر أولاد عبد المطلب ومن آمن ومن كفر
لقد ترك أبو طالب أربعة أبناء: طالباً وبه يكنى، وجعفراً، وعقيلاً، وعلياً، وابنتين هما: أم هاني، وجمانة.
وأما علاقة هؤلاء بالنبي ﷺ فـ طالب على المشهور مات على الشرك، وليس فيما بين أيدينا في المصادر التاريخية أخبار عنه، وأما عقيل فقد أسلم تقريباً عند الحديبية وحسن إسلامه، وأما جعفر فهو الذي قال النبي ﷺ فيه: (أشبهت خلقي وخلقي).
وقد بينا في لقاء سابق أن هناك خمسة شديدوا الشبه برسول الله ﷺ وهم: جعفر، وقاسم، والفضل، وأبو سفيان بن الحارث، والحسن بن علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فهؤلاء الخمسة الذي يشبهون النبي ﷺ منهم جعفر بن أبي طالب، وقد كان من السابقين الأولين إلى الإسلام، وهاجر إلى الحبشة، ولقي النبي ﷺ بعد فتح خيبر فقال النبي ﷺ ذلك الحديث الشهير، قال: (لا أدري بأيهما أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر)، وعانقه وقبله بين عينيه.
ثم قدر لهذا الصحابي الجليل أن يستشهد في غزوة مؤتة، ونعاه النبي ﷺ مع صاحبيه اللذين استشهدا معه وهما: زيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة، وذلك لما أن خرج على الناس وأخبر ﷺ بحال قادة الجيش وأمرائه في مؤتة.
стр. 50
ذكر مثال على ذكاء علي وقضائه
وأما علي رضي الله تعالى عنه فهو رابع الخلفاء، وحاكم الحنفاء، الصحابي الجليل المشهور، أحد العشرة المبشرين، زوجه النبي ﷺ ابنته فاطمة، وكان من أذكى الناس، ومن دلائل ذكائه نأخذ هذه القصة التي تبين قضاء علي ﵁ وفهمه وذكاؤه: ذلك أن رجلاً كان يمشي في الصحراء ثم التقى به صديق له، فمضى يمشيان سوياً فجاعا، فلما جاعا أناخا مطياهما تحت شجرة وأخرج كل منهما ما معه من زاد، فأحدهما أخرج خمسة أرغفة، والآخر أخرج ثلاثة أرغفة، فأصبحت ثمانية أرغفة بينهما، وقبل أن يبدآ الأكل مر بهما أعرابي ضيف فدعواه إلى الطعام، فقبل فأكل معهما، فلما أكل معهما وانتهى أعطاهم ثمانية دنانير أو ثمانية دراهم وخرج لما خرج أراد أن يقتسم الثمانية فقال الذي جاء بخمسة أرغفة أنا أتيت بخمسة أرغفة وأنت بثلاث فخمس دراهم لي وثلاث لك، فاعترض الثاني وقال: لا إنما هي بالقسمة نحن اثنان والدراهم ثمانية فأربعة لي وأربعة لك فلما اختصما ذهبا إلى علي ﵁ وأرضاه يحتكما إليه، فلما ذهبا إلى علي ﵁ وأرضاه يحتكما إليه وتيقن علي أنهما سيقبلان حكمه قال: ٧ دراهم لصاحب الخمسة ودرهم ١ لصاحب ٣.
وهذا من دلائل فقه وذكاء علي ﵁ وأرضاه، فـ علي ﵁ نظر إلى أن الأرغفة الثمانية في كل رغيف ثلاثة أثلاث.
إذاً فهذه الأرغفة تتكون من أربعة وعشرين ثلثاً، وقد أكملها ثلاثة رجال، أي: أن كل شخص من هؤلاء الثلاثة أكل ثمانية أثلاث، فصاحب الخمسة أرغفة قدم خمسة عشر ثلثاً؛ لأن ثلاثة في خمسة بخمسة عشر، فقدم خمسة عشر ثلثاً، وقد أكل منها ثمانية وأبقى ٧ أكلها الضيف، فاستحق سبعة دراهم، وأما صاحب الثلاثة أرغفة فإن الثلاثة أرغفة في مجموعها فيها تسعة أثلاث، وقد أكل هو منها ثمانية أثلاث وبقي ثلث استحق عليه الدرهم.
الذي يعنينا هو أن هؤلاء الأربعة هم أبناء أبي طالب، وقلنا: إن ثلاثة منهم أسلموا: عقيل، وجعفر، وعلي ﵃ وأرضاهم، وأم هاني، وجمانة ابنتا أبي طالب.
وأما طالب فقد حررنا القول: أنه مات بعد غزوة بدر على الأشهر، ولا يعرف كيف مات، ولا يدرى عنه كثير شيء؛ لأن المصادر شحيحة.
لمثل هذا.
стр. 51
ذكر أعمام النبي ﷺ وأحوالهم
إن أبا طالب واحد من عشرة من أعمام النبي ﷺ ، فالنبي ﵊ له عشرة أعمام، ستة من هؤلاء الأعمام لم يدركوا بعثته، فلا يتحرر في حقهم كفر ولا إيمان؛ لأنهم أقرب إلى أهل الفترة، وأما أربعة منهم فأدركوا البعثة، فآمن منهم اثنان، وكفر اثنان، فاللذان كفرا هما أبو لهب، وأبو طالب، إلا أن الفرق بينهما: أن أبا طالب كان أعظم نصير للنبي ﷺ ، وأما أبو لهب فأخباره مشهورة ذائعة منتشرة في أنه ناصب النبي ﷺ العداوة، وفيه نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:١ - ٢].
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]، تكرر مرتين: في المرة الأولى دعاء، وفي المرة الثانية ليس تأكيداً كما يظنه بعض النحاة، وإنما تب الأولى دعاء، وتب الثانية بمعنى وقد فعل، أي: هذا الدعاء الذي كان عليه قد وقع وحصل بأمر من الله وقدره.
وأبو لهب اسمه: عبد العزى، وسمي أبو لهب؛ لأنه كان وضيء الوجنتين، فكانتا متقدمتين كالجمرتين فعرف بذلك.
стр. 52
ذكر خبر حمزة ﵁
وأسلم من أعمام النبي ﷺ حمزة، والعباس، وحمزة ﵁ وأرضاه هو أخ للنبي ﷺ من الرضاعة، وقد أسلم قديماً قبل الهجرة.
ثم هاجر مع النبي ﷺ إلى المدينة، وكان له مواقف مشهودة يوم بدر، فهو أسد الله وأسد رسوله ﷺ ، وقد قتل شهيداً يوم أحد طعنه وحشي، ووحشي هذا كان غلاماً عند بعض بني أمية، ولم يكن له ناقة ولا جمل في نصر قريش أو هزيمتها لكنه كان ينشد حريته.
فأعمامه وأسياده عرضوا عليه الحرية على أن يقتل حمزة، فاتخذ حربة ونزل ساحة القتال ولم يكن له هم إلا أن يقتل حمزة، فوقع منه أن رمى الحربة فأصابت حمزة في مقتل فقتل، ثم مرت سنون وأعوام حتى انتشر دين الله فآمن وحشي، وقدم المدينة، فدخل على النبي ﷺ فقال له: أوحشي أنت؟ قال: نعم، قال: قص علي قتل حمزة، فقص وحشي على رسول الله ﷺ قتل حمزة، فإذا بعيناه تذرفان صلوات الله وسلامه عليه، ثم قال له: غرب وجهك عني؛ لأن النبي ﷺ كان يحب حمزة حباً جماً، ولم يكن يقدر -وهذا شيء بشري لا يعاتب فيه ولا يلام صلوات الله وسلامه عليه من ذا الذي يقدر على معاتبته ولو أنه قد زكاه الله من فوق سبع سموات واختاره واصطفاه على الخلق أجمعين.
لم يكن يقدر على أن ينظر إلى قاتل حمزة وهو وحشي، لكن وحشي بقي على إيمانه وإسلامه وقدر له بنفس الحربة أن يقتل مسيلمة الكذاب ثم يموت بعدها بسنين، هذا حمزة.
стр. 53
ذكر خبر العباس وأولاده
وأما العباس فهو من حيث السن أسن من النبي ﷺ وهو عم رسول الله ﷺ وأسلم قبيل الفتح بقليل وقيل: أنه أسلم قبل ذلك لكنه كان يخفي إسلامه وكنيته: أبو الفضل، ومن أشهر أبنائه: عبد الله الذي دعا النبي ﷺ بقوله: (اللهم فقه في الدين، وعلمه التأويل).
وإلى أحفاد العباس تنسب الدولة العباسية التي أسسها أبو العباس السفاح، وأسسها ثانياً: أبو جعفر المنصور، ومن خلفائها: هارون الرشيد، والأمين، والمأمون، والمعتصم وغيرهم، فهؤلاء من جهة القرابة أبناء عم رسول الله ﷺ .
ويتحرر من هذا أن أعمام النبي ﷺ ينقسمون إلى قسمين: منهم من لم يدرك البعثة، ومنهم من أدرك البعثة، فأدرك البعثة منهم أربعة، آمن اثنان منهم وكفر اثنان، كفر أبو طالب وأبو لهب، وآمن العباس، وحمزة.
نعود إلى أبي طالب، قلنا: إن أبا طالب عمّر حتى جاوز الثمانين، وكان فقير المال لكنه أسر الناس بأخلاقه، وكان له جاه عظيم على فقره في قريش، ولهذا لم تستطيع قريش أن تصل إلى النبي ﷺ ، وبعض أهل العلم يحمل قول الله جل وعلا في سورة الأنعام: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٦] على أنها نزلت في أبي طالب، وهذا قول من أقوال المفسرين، ومفاده: أن أبا طالب ينهى الناس أن يقربوا إلى النبي ﷺ ويدافع عنه، وفي نفس الوقت ينأ بنفسه على أن يدخل في هذا الدين، قال الله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٦]، فهذا قول لبعض أهل التفسير قد يكون قريباً من الصواب، لكن الآية لا تحتمل فصل الخطاب فالأمر فيها غير واضح جلي في هذا المعنى.
стр. 54
إلانة الله تعالى الصخر لإبراهيم ﵇
والذي يعنينا هنا أن هذه اللامية قالها أبو طالب يبين فيها أنه باقي على مولاته ونصرته لنبينا ﷺ ، ونلحظ أن أبا طالب كان يقسم حينها بما كانت العرب تقسم به من الأمور المعظمة كالبيت، وقال في لاميته: وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافياً غير ناعل فمقام إبراهيم كان موجوداً عند قريش يرونه، وإبراهيم ﵊ -وهو خليل الله المعروف- بنى البيت، فلما علا البنيان اتخذ صخراً فرقى عليه ليصل، وهنا ننيخ المطايا إيمانياً، فمن لان قلبه لله ألان الله له كل شيء، فإبراهيم ﵊ أسلم قلبه لله ولان فلما وضع قدميه على الصخر لان الصخر، فأصبح أثر قدمي إبراهيم بيناً ظاهراً في الصخر يراه كل أحد، فانظر إلى حسن التعامل مع الرب ﵎، ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠]، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]، ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣١ - ١٣٢].
فهذا خليل الله لان قلبه لربه وأسلم قلبه لربه جل وعلا.
فلما ارتقى على الصخر لان الصخر -على ما في الصخر من صلاته- لقدم خليل الله إبراهيم، فأصبح الناس جليلاً بعد جليل يرونه، فكانت قريش تعظم هذا، فجاء أبو طالب يقسم فيقول: وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافياً غير ناعل وقد كانوا ما يعظمونه يقسمون به، فلما جاء الإسلام وجاء نبينا بالدين الحق نهانا نبينا ﷺ عن أن نحلف بأحد غير ربنا؛ لأن القسم بأي أحد تعظيم له، والتعظيم المقيد قد يطلق لأي أحد، وأما التعظيم المطلق والذي منه القسم فهذا لا يكون إلا لله الواحد القهار، فمن أراد أن يحلف فليحلف بالله وحده ولا يحلف بأحد غيره، وكلما عظمت ربك كان ذلك أرفع في درجاتك وأعلى في منزلتك.
والله أمر نبيه أن يقسم في القرآن في ثلاثة مواضع: في سورة التغابن، وفي سورة سبأ، وفي سورة يوسف، ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧]، وفي سورة يونس، ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧]، في التغابن.
ومقصودنا من هذا: أن ينبغي أن تكون قلوبنا طائعة لربها كما كان هدي نبينا ﷺ .
هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده في التعليق على بعض أبيات لامية أبي طالب.
وفقني الله وإياكم لما يحب ويرضى، وألبسنا الله وإياكم لباسي العافية والتقوى.
وصل الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 55
سلسلة المدائح النبوية [أبيات من ميمية أحمد شوقي] [١]
لقد أعجز الله بهذا القرآن وببلاغته الإنس والجن، فتحداهم أن يأتوا بمثله، ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثله، ثم تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله، فلم يستطع الجن والإنس وأخرسوا، مع أن العرب كانوا أهل فصاحة وبلاغة إلا أن ألسنتهم جمدت لا تحرك ساكناً في ذلك.
وبلاغة القرآن بحر لا ساحل له في ألفاظه ومعانيه، وفي كناياته وتشبيهاته وأمثلته.
стр. 56
تمكن شوقي من الشعر
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وأحكم كل شيء صنعه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا رب غيره، ولا شريك معه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة المباركون والأخوات المباركات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا لقاء متجدد معكم حول لقاءاتنا الموسومة بالمدائح النبوية، هذه اللقاءات التي نجعل فيها من القصائد التي قيلت في مدح سيد الخلق وأشرفهم ﷺ سبيلاً وطريقاً وتوطئة لنا في الحديث عن سيرته العطرة وأيامه النضرة، وفي أيام سبقت ولقاءات خلت تحدثنا عن ميمية البوصيري ﵀ التي فتح بها باباً واسعاً للشعراء في معارضتها، فيقول كل منهم ما يفتح الله به عليه في مدح سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، ونبهنا حينها إلى أن أمير الشعراء في هذا العصر أحمد شوقي ﵀ كان من أكثر من برع في معارضة ميمية البوصيري ميمية الشعرية: ريم على القاع بين البان والعلم وهذه ميمية التي سنختار أبياتاً منها هي إحدى قصائد ثلاث نبهنا سابقاً إلى أن شوقي قالها في مدح رسول الله ﷺ ، وهي: البائية ومطلعها: سلوا قلبي غداة سلا وثابا والهمزية ومطلعها: ولد الهدى فالكائنات ضياء والميمية التي هي محور حديثنا في هذه الليلة.
قال شوقي ﵀: ريم على القاع بين البان والعلم أحل سفك دمي في الأشهر الحرم رمى القضاء بعيني جؤذر أسداً يا ساكن القاع أدرك ساكن الأجم لما رنا حدثتني النفس قائلة يا ويح جنبك بالسهم المصيب رمي جحدتها وكتمت السهم في كبدي جرح الأحبة عندي غير ذي ألم يا لائمي في هواه والهوى قدر لو شفك الوجد لم تعذل ولم تلم وظللته فكانت تستظل به غمامة جذبتها خيرة الديم أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدم لما رأوك به التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم صلى وراءك منهم كل ذي خطر ومن يفز بحبيب الله يأتمم جبت السماوات أو ما فوقهن بهم دجى على منورة درية اللجم ركوبة لك من عز ومن شرف لا في الجياد ولا في الأينق الرسم حتى بلغت سماء لا يطار لها على جناح ولا يسعى على قدم مشيئة الخالق الباري وصنعته وقدرة الله فوق الشك والتهم ذكرت باليتم في القرآن تكرمة وقيمة اللؤلؤ المكنون في اليتم الله قسم بين الخلق رزقهم وأنت خيرت في الأرزاق والقسم إن قلت في الأمر لا أو قلت فيه نعم فخيرة الله في لا منك أو نعم أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بحكيم غير منصرم آياته كلما طال المدى جدد يزينهن جلال العتق والقدم شريعة لك فجرت العقول بها عن زاخر من صنوف العلم ملتطم يلوح حول سنا التوحيد جوهرها كالحلي للسيف أو كالوشي للعلم واترك رعمسيس إن الملك مظهره في نهضة العدل لا في نهضة الهرم هذه بضع أبيات اخترناها لكم من ميمية شوقي رحمه الله تعالى، وغني عن القول أن شوقي كان يملك مقوداً عظيماً في البيان، ولم يكن هناك غرابة أن يبايعه أهل عصره على إمرة الشعر، وحسن منه أن سخر بلاغته وبيانه كثيراً في بيان خصائص وصفات نبينا ﷺ ، وأنت لو قلبت ديواناً للمتنبي مثلاً الذي يعده الكثير جزافاً شاعر العربية الأول لا تجد فيه قصيدة واحدة يمدح فيها رسول الله ﷺ ، وهذه وصمة عار عليه وعلى شعره، وأما شوقي ﵀ فقد استغل قدرته الشعرية وما آتاه الله جل وعلا من مقود البيان، فجعل كثيراً من قصائده بل صاغ ثلاث درر كلهن في مدح سيد الخلق ﷺ .
стр. 57
استغناء النبي عن المدح بمدح ربه له
وسنقف هنا وقفات متعددة مع هذه الميمية عبر لقاءين متتابعين، ونبدأ بالأيسر.
يقول شوقي: وظللته فكانت تستظل به غمامة جذبتها خيرة الديم إن الشعر يا أخي صنعة، والمعاني -كما يقول الجاحظ - مطروحة في الطريق، لكن الإنسان إذا قدر على صياغة تلك المعاني الشهيرة بين الناس عبر ألفاظ ممزوجة بماء الشعر فإن من يسمعها يطرب لها لكنه يعجز أن يقولها، فهذه هي حقيقة الشعر، إلا أننا نرى أن شوقي ههنا وفق للمعنى ووفق للفظ، فأخذ الصناعة من بابها كله، فهو يقول: وظللته: يقصد النبي ﷺ ، وكون أن الغمامة ظللته ﵊ هذا مشهور معروف ذكره أهل السيرة ومن دونوا تاريخ نبينا ﷺ ، لكن انظر كيف تعامل شوقي مع هذا الحديث التاريخي المكتوب الذي نقرأه جميعاً، فقال: وظللته، أي: النبي ﷺ .
ثم عكس الوضع، فقال: فكانت تستظل به غمامة جذبتها خيرة الديم فهو يقول: إن النبي ﷺ أشد عطاء وأكثر سخاء من عطاء السحاب، فهذه السحابة في الأصل بدأت مظللة، لكنها ما لبثت أن أصبحت هي تستظل به صلوات الله وسلامه عليه، وهذا معنى ذا شأو بعيد يبين لك القدرة الشعرية، وهذا القول قد لا يكون مقبولاً في أطراف الناس وأحادهم، لكنه بلا مرية وبلا شك مقبول في سيد الخلق ﷺ ، وقد مضى معنا مراراً أن الله جل وعلا زكاه، ونحن نعلم أن الشعراء إذ يمدحون نبينا ﷺ ، فإن النبي ﵊ يكفيه ثناء الله عليه، لكن ثمة أفعال وثمة أقوال تزيدنا نحن القائلين بها شرفاً، وإلا فهي في ذاتها لا تزيد من قدمت له شيئاً، اللهم إلا أن يكون أمراً تعبدياً محضاً، فقد تعبدنا الله جل وعلا بالصلاة على نبينا ﷺ ، ونحن نعلم أن النبي ﷺ بما آتاه الله من فضل هو غني عن صلاتنا عليه؛ لأن الله يقول وقوله الحق: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٥٦] ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، فما صلاتنا على النبي ﷺ إلا أجر يزيد عندنا وحسنات تتضاعف لنا، وإلا فهو ﷺ ليس في حاجة لأن يصلي أحد عليه؛ لأن الله جل وعلا قد أكرمه من قبل، لكن فيها من عظيم الذكر وجليل العطاء وكبير المنحة من ربه تبارك له، ﷺ .
стр. 58
الإيمان بما أخبر الله به وأخبر به رسوله
ثم قال شوقي رحمة الله تعالى عليه: أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدم لما رأوك به التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم صلى وراءك منهم كل ذي خطر ومن يفز بحبيب الله يأتمم جبت السماوات أو ما فوقهن دجى على منورة درية اللجم ركوبة لك من عز ومن شرف لا في الجياد ولا في الأينق الرسم هذه الأمور يعجز العقل عن تقبلها، وإنما يقبلها إذا علم أنها من عند الله، فالذي يجعلنا نؤمن برحلة الإسراء والمعراج ونردد ما قاله الصديق ﵁ وأرضاه: إن قالها فقد صدق، الذي يجعلنا نقبلها أن الله ورسوله ﵊ أخبر بذلك، لهذا استنبط شوقي هذا الأمر، وهنا تتجلى بدعة الشعراء وقدرتهم الفنية، فقال شوقي معقباً على تلك الأحداث التي مرت معنا في لقاء مضى، قال معقباً: مشيئة الخالق الباري وصنعته وقدرة الله فوق الشك والتهم وقدرة الله فوق الشك والتهم وإلا إذا جعلنا الأمر على ما يقتضيه العقل فلا يمكن أن يصدق أو يقبل أن أحداً عرج به إلى السماء السابعة، وقبل ذلك سرى به إلى المسجد الأقصى وكل ذلك في برهة من الليل، لكن لما كان هذا تدبير وتقدير العزيز العليم آمنا به وصدقنا به، وعلمنا أن هذا من دلائل الله احتفاء الله برسوله ﷺ .
стр. 59
معجزة القرآن الخالدة
ثم تطرق شوقي لمسألة أخرى فقال: جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بحكيم غير منصرم آياته كلما طال المدى جدد يزينهن جلال العتق والقدم قبل أن أنيخ المطايا وأتحدث عن بلاغة القرآن سأتحدث عن قول شوقي: جاء النبيون بالآيات فانصرمت إن الله جل وعلا أعطى بعض الأنبياء معجزات، لكن تلك المعجزات ما إن انتهت حياتهم إلا وانتهت تلك المعجزات، فإن الله جل وعلا أخرج لصالح من صخرة ناقة عشراء، لها شرب يوم ولكم شرب يوم معلوم، فكانت حجة على قومه، لكن الناقة قد ماتت، فقد عقرها قومه.
والله جل وعلا أعطى موسى ﵊ تسع آيات، قال له: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ [النمل:١٢]، هذه التسع آيات ذكرها الله جل وعلا متفرقة في القرآن قال ربنا: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٣٠] هاتان اثنتان، وقال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣] وهذه خمس، فتصير مع الاثنتين سبعاً، وقبلها كانت العصا، وأنه يضع يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، فأصبحت تسعاً، لكن هذه الآيات غير موجودة اليوم، كما قال شوقي: جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بحكيم غير منصرم وحتى التوراة التي كتبها الله جل وعلا لنبيه موسى والإنجيل الذي أنزله الله جل وعلا على نبيه عيسى قد دخلهما كثير من التحريف؛ لأن الله قال: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة:٤٤] أي: أن الله جل وعلا أوكل إليهم حفظه فضيعوه إلا قليلاً، لكن القرآن -كما سيأتي الحديث عن بلاغته تفصيلاً- قد توكل جل وعلا بحفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] أي: القرآن، فالله ﵎ تكفل بحفظ القرآن، فالذي بين دفتي المصحف اليوم هو كلام الله تكلم به حقيقة على الوجه الذي يليق بجلاله وعظمته، نزل به خير الملائكة جبريل، على خير الأنبياء محمد ﷺ ، في خير ليلة وهي ليلة القدر، في خير شهر وهو شهر رمضان.
فهذا كله يدل على أن شوقي قد وفق عندما قال: جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا أي: يا محمد بحكيم: هذا نعت للقرآن.
غير منصرم: أي: لا ينتهي، وإنما يرفع عند اقتراب الساعة، يرفع القرآن بين عشية وضحاها في ليلة فلا يبقى في الصدور منه شيء.
آياته كلما طال المدى جدد يزينهن جلال العتق والقدم وهذا لا يكون إلا لكلام الله، وسنبين هنا -مع ضرب بعض الأمثلة- بلاغة القرآن، فالله جل وعلا ذكر في القرآن خبر موسى والخضر، وأخبر أن موسى ذهب يطلب العلم من لدن الخضر فاشترط الخضر على موسى ألا يسأله حتى ينبئه بما وقع له، فاتفقا على هذا، فلما مضيا في الطريق أخبر الله جل وعلا كما هو معلوم أن الخضر في أول الأمر خرق السفينة، وفي ثاني الأمر قتل الغلام، وفي ثالث الأمر بنى الجدار، فأراد موسى بعد ذلك أن يستفهم فقال له الخضر: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٨]، فجاء بكلمة (تستطع) ثقيلة جداً؛ لأن وقتها موسى ﵇ لم يكن يعلم لماذا صنع الخضر كل ذلك، فهو مازال في حيرة من أمره والأمر عنه مغيب، ثم أخذ الخضر يحل العقد واحدة واحدة، فقال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩] يحكي القصة، ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف:٨٠]، الآن بدأت الأمور تتضح لدى موسى، والمسائل التي كانت معقدة بدأت تحل، ثم قال له: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢]، الآن جميع العقد انحلت، ثم قال الخضر هنا: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٨٢] فخففها؛ لأن موسى الآن أصبحت الصورة أمامه واضحة وليست كالأول، والعرب أهل البلاغة يقولون: الزيادة في المبنى زيادة في المعنى، فلهذا فاللفظ القرآني جاء في الأول ثقيل ليناسب الوضع: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٨]، فلما نبأه وحل الأمر وانكشف الوضع قال له: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٨٢]، وهذا من دلائل القرآن.
وبعدها بآيات في نفس سورة الكهف ذكر الله جل وعلا خبر بناء السد على يأجوج من قبل ذي القرنين، وذو القرنين عبد صالح وملك صالح، وقد بنى الردم ما بين يأجوج ومأجوج في قصة معروفة ليس هذا وقت بيانها؛ لأنني أتكلم عن بلاغة القرآن ولا أتكلم عن غوص القرآن، ثم قال ربنا جل وعلا بعد ذلك يصف هذا الردم، قال: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف:٩٧]، وقال بعدها: ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف:٩٧]، فهذا الردم يحول ما بين يأجوج ومأجوج والخروج إلى الناس للإفساد، فأيهما أشد صعوبة أن يرتقوا ويرقوا على الردم أو أن ينقبوه؟ لا ريب أن نقبه أشد، فلما تكلم عن الظهور والصعود عليه قال الله جل وعلا: ((فَمَا اسْطَاعُوا)) بالتخفيف، أي: لم يستطيعوا أن يعتلوه، ولما تكلم عن النقض -وهو أشد- أتى بلفظة تناسبها، قال ربنا: ((فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا))، وتلك منزلة عالية في البلاغة لا تكون إلا في القرآن.
وقال الله جل وعلا في سورة الضحى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:٩ - ١٠]، فاليتيم في بني آدم من فقد أباه قبل البلوغ، وفي الحيوانات من فقد أمه، وفي الطير من فقد أباه وأمه؛ لأن الطير يشترك فيه الأبوان في رعاية الطائر الصغير.
فاليتيم لما كان دون البلوغ كنت أقدر على أن تنهره بقولك وأن تزجره بفعلك، فعبر جل وعلا بالقهر، فقال: ((فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ)) أي: لا قولاً ولا فعلاً، ولما تكلم جل وعلا عن السائل قال: ((وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ))؛ لأن السائل قد يكون قوي البدن شديد العنف، فلا تقدر عليه من كل وجه، لكن قد تستطيع أن تقدر عليه بلسانك فقط، فلهذا قال الله: ((وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ))، وهذا من بلاغة القرآن.
كذلك إذا تجاوزنا هذه المسائل اللفظية فإن الله جل وعلا ذكر في القرآن أفانين عدة، ولا أريد أن أصرف الحديث إلى شيء واحد، فالرب ﵎ استفتح سوراً معدودات بحمده، فقال جل وعلا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، وقال في الأنعام: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١]، وقال ﵎ في الكهف: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف:١]، وقال جل وعلا في سبأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ:١]، وقال في فاطر: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:١]، ولا يوجد في القرآن إلا هذه السور الخمس التي استفتحها الله جل وعلا بحمده ﵎، ذكر الله في القرآن خمسة وعشرين نبياً صرح الله بأسمائهم، وثمة رجال في القرآن مختلف في نبوتهم، لكن المتفق على نبوتهم هم خمسة وعشرون، قال الله جل وعلا: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٨٣ - ٨٦]، فهؤلاء ثمانية عشر، والسبعة الباقون ذكروا متفرقين، وقد جمعوا في بيتي شعر: في تلك حجتنا منهم ثمانية من بعد عشر ويبقى سبعة وهم إدريس هود شعيب صالح وكذا ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا صلوات الله وسلامه عليهم، فهؤلاء السبعة لم يذكروا في آية: ((وَتِلْكَ حُجَّتُنَا))، فهؤلاء خمسة وعشرون نبياً صرح الله بأسمائهم في القرآن.
ولم يذكر في القرآن من الصحابة إلا واحد وهو زيد ﵁ في الأحزاب: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ [الأحزاب:٣٧]، ولم يذكر من النساء في القرآن إلا مريم ابنة عمران ذكرها الله جل وعلا في عدة سور في آل عمران، وفي مريم، وسميت سورة باسمها.
وأما الملائكة فقد مر معنا أنه ليس هناك مذكور منهم بأسمائهم الصريحة إلا خمسة: جبريل وميكال ذكرا في البقرة، وجبريل ذكر في التحريم، وهاروت وماروت ذكرا في البقرة: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة:١٠٢]، ومالك ﵇ ذكر في الزخرف: ﴿وَنَاد
стр. 60
سلسلة المدائح النبوية [أبيات من ميمية أحمد شوقي] [٢]
لقد أقام النبي ﷺ صرح العدل والمساواة، وبث في هذه الأمة أواصر الأخوة والعطف والصفح والعفو، وطبق ذلك تطبيقاً علمياً أسر به القلوب، وملك به الأفئدة.
وهو بذلك سابق للحضارات المعاصرة التي تزعم إقامة مؤسسات العدل وصروح المساواة حسب زعمهم.
стр. 61
بعض ما ورد من نبأ عيسى بن مريم
الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، وتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة المباركون والأخوات المباركات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا لقاء متجدد يأخذ طابع اللقاء الثاني في التعليق على ميمية شوقي رحمة الله تعالى عليه، وكنا قد علقنا على بعض أبيات منها في اللقاء السابق، وقلنا: إن ميمية شوقي من أفضل ما قيل في مدح رسول الله ﷺ ، ورأينا أن يكون الحديث عنها في حلقتين، وقد مضت الحلقة الأولى، ونسأل الله التوفيق في هذه الحلقة.
نذكر ببعض أبياتها: قال شوقي ﵀: ريم على القاع بين البان والعلم أحل سفك دمي في الأشهر الحرم رمى القضاء بعيني جؤذر أسداً يا ساكن القاع أدرك ساكن الأجم لما رنا حدثتني النفس قائلة يا ويح جنبك بالسهم المصيب رمي جحدتها وكتمت السهم في كبدي جرح الأحبة عندي غير ذي ألم يا لائمي في هواه والهوى قدر لو شفك الوجد لم تعذل ولم تلم ذكرت باليتم في القرآن تكرمة وقيمة اللؤلؤ المكنون في اليتم جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بحكيم غير منصرم آياته كلما طال المدى جدد يزينهن جلال العتق والقدم أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدم لما رأوك به التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم صلى وراءك منهم كل ذي خطر ومن يفز بحبيب الله يأتمم جبت السماوات أو ما فوقهن دجى على منورة درية اللجم حتى بلغت سماء لا يطار لها على جناح ولا يسعى على قدم ركوبة لك من عز ومن شرف لا في الجياد ولا في الأينق الرسم مشيئة الخالق الباري وصنعته وقدرة الله فوق الشك والتهم تعلمت أمة بالفقر ناجية رعي القوافل بعد الشاء والنعم واترك رعمسيس إن الملك مظهره في نهضة العدل لا في نهضة الهرم هذه بعض أبيات كنا قد تحدثنا عنها سابقاً وذكرنا هذه الأبيات قبلها.
نعود فنعلق في هذا اللقاء المبارك على بيتين من أيبات شوقي، فالأول هو قوله: أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم عيسى ﵊ هو عيسى ابن مريم كما هو معلوم، وهو آخر الأنبياء قبل نبينا ﷺ ، والناس فيه ثلاثة طوائف: النصارى زعمت كفراً أنه ابن الله، وأنه ثالث ثالث، واليهود زعموا أنهم قتلوه، والمسلمون -وهذا هو القول الحق بما علمهم الله- يقولون: إنه عبد الله ورسوله، وقد ائتمر على قتله لكن الله رفعه، قال الله جل وعلا: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٥٦ - ١٥٨].
فعيسى ﵊ رفع إلى السماء الثانية، فلهذا لقيه النبي ﷺ في رحلة الإسراء والمعراج في السماء الثانية، وأخبر نبينا ﷺ أن عيسى سيعود وينزل، واضعاً يده على أجنحة ملك، وكأنه يقطر منه الماء وهو لم يتوضأ بعد، يعني: من يراه يظن أن وجه عيسى يقطر ماء وهو ليس بحقيقة يقطر ماء، يقول ﷺ : (كأنه خارج من ديماس)، والديماس في اللغة هو الحمام، لكن قد يأتي إنسان فيظن أن معنى الحديث أن عيسى كأنه من توه خارج من قضاء حاجته، وليس هذا مقصود النبي ﷺ ، فالحمام في عصرنا هذا أصبح يطلق على مكان قضاء الحاجة، وأما فيما سلف في اللغة لا يطلق على مكان قضاء الحاجة، وإنما يطلق على المكان الذي يغتسل فيه الناس، وأما الذي يقضى فيه الحاجة فإنه يسمى كنيفاً، فعيسى ﵊ من يراه يظنه أن عليه بقايا الماء وكأنه لتوه مغتسل، وهذه أنوار نبوية يضعها الله جل وعلا على من يشاء من عباده من أنبيائه ورسله.
فالنبي ﷺ يقول: (أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم)؛ لأنه ليس بين عيسى وبين محمد ﷺ نبي، وعيسى أعطاه الله جل وعلا معجزات قبل أن يرفعه إليه، منها: أنه يحيي الموتى بإذن الله، ويبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، وكان يأخذ من الطين فيجعله كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، لكن يأبى الله إلا أن يفرق بينه وبين خلقه، فهذا الطائر الذي ينفخ فيه عيسى فيكون طيراً بإذن الله ويطير لا يلبث إذا غاب أن يسقط ميتاً؛ حتى يعلم الناس أن هذه معجزة وليس عيسى بخالق، فالله يقول: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣]، أي: لا أحد يخلق إلا الله، لكن هذه معجزة ولا تسمى خلقاً، فالمعنى الحقيقي لم يؤته الله جل وعلا لعبده ونبيه عيسى ابن مريم ﵊، وإنما كانت معجزة عيسى إحياء الموتى، فانظر كيف تعامل شوقي مع هذا المعنى، وهذا من الدلائل على أن شوقي أعطي باعاً عظيماً في الفهم.
قال: أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له، أي: كلمه.
стр. 62
تبشير الأنبياء السابقين برسالة نبينا محمد ﷺ
ثم قال: وأنت -أي: يا محمد- أحييت أجيالاً من الرمم أي: أن الله جل وعلا منّ على أمة الإسلام بأن أحياهم من الموتة الحقيقة وهي موتة الجهل وما كانوا عليه من شرك وظلم وسوء أخلاق، فأحياهم الله جل وعلا بهذا الدين العظيم الذي بعث به رسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وقد كان ﷺ دعوة أبيه إبراهيم، فإبراهيم ﵊ لم يكن همه إلا أن يقيم أهله العبادة، فلما وضع هاجر وابنها في وادي مكة قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم:٤٠]، ثم تمنى على الله أن يبعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، فكان نبينا ﷺ دعوة أبيه إبراهيم.
ثم قال في الحديث نفسه: (وبشارة أخي عيسى)، فعيسى كان يخبر أتباعه ويبشر برسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦]، فلهذا حاول شوقي في هذا المعنى الكبير أن يقارن مقارنة ذات أدب؛ لأن البعض من الشعراء أو المادحين قد يتطرق لمدح النبي ﷺ لكنه يخطئ عندما يعقد مقارنة يحاول من غير فهم وإدراك أو بعاطفة تزيد عن الحد أن يقلل من شأن الأنبياء غيره، وهذا مسلك غير حميد، فحق لنا أن نمدح نبينا ﷺ بما هو وفق ضوابط الشرع، لكن لا يحق لنا أن نسيء الأدب مع أنبياء الله ورسله الآخرين، ولا داعي لأن أضرب أمثلة فيمن أخطئوا فيه في هذا الباب، فالمهم أن الإنسان يتأدب مع أنبياء الله ورسله، فالنبي ﷺ يقول: (أنا أول من يفيق فأجد موسى آخذاً بقوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعة الطور)، ويتأدب مع أخيه يوسف فيقول: (رحم الله أخي يوسف لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي)، ويقول متأدباً مع أخيه لوط: (رحم الله أخي لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد)، ويقول ﷺ : (لا يقل أحدكم أنا أفضل من يونس بن متى)، وهذا الحديث اختلف الناس في معناه، لكن الصواب عندي -والعلم عند الله- أنه لا يأتي أحد يقرأ أن الله جل وعلا قد أخبر بما أخبر عنه من نبأ يونس بن متى فقال جل وعلا عنه: ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم:٤٨]، فربما وقع من بعض الصالحين -ظناً منهم- أنهم أفضل من يونس، فنبه النبي ﷺ على هذا الأمر.
стр. 63
مجيء نبينا محمد بالعدل والمساواة الحقة
وأما ما يتعلق ببيت شوقي: واترك رعمسيس إن الملك مظهره في نهضة العدل لا في نهضة الهرم فهذا البيت ليس فرداً في القصيدة، وإنما مهد له شوقي وبين أن النبي ﷺ أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، ومعلوم أن نبينا نبئ بإقرأ وأرسل بالمدثر، قال شوقي: ونودي اقرأ تعالى الله قائلها لم تتصل قبل من قيلت له بفم ثم أخذ يطنب في ذكر النبي ﷺ وصفاته، وما أفاءه الله عليه من هذا الدين العظيم، وكيف أن أتباعه نشروا الدين في أسقاع الأرض، ثم قال معقباً هذا البيت الذي بين أيدينا: واترك رعمسيس إن الملك مظهره في نهضة العدل لا في نهضة الهرم وندرك جميعاً أن الذي تفتخر به الحضارة المصرية هو أهرام الجيزة، وإن كانت هذه تدل على ما كان عند الفراعنة القدماء من تشييد في البناء لكن شوقي أراد أن يقول: إن الحق والفخر لا يكون في البناء الحجري بقدر ما يكون في البناء الإنساني: أهرامنا شاد طه دعائمها وحي من الله لا طين ولا حجر فافتخار الحضارة المصرية بأهرام الجيزة يقول شوقي فيه: إن الأولى والأحرى بالناس أن يفتخروا بما قدمه الدين من مظاهر عظيمة ومناقب جليلة على لسان سيد الأنبياء والمرسلين ﷺ .
واترك رعمسيس، أي: أي كل حضارة سبقت اتركها خلف ظهرك، ثم بين: إن الملك مظهره في نهضة العدل لا في نهضة الهرم ونحن نعلم أن العالم المعاصر يفتخر كثيراً بالثورة الفرنسية المعاصرة، ويجعلون من تقويض سجن الباستيلا أمراً يتغنون به ليل نهار، وهذا نبه عليه شوقي ﵀ في قصيدة أخرى: وما البستيل إلا بنت أمس وكم أكل الحديد بها صحينا أو كما قال، فالذي يعنينا أن النبي ﷺ أقام العدل في النفس البشرية أولاً، فقال ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، فلما أصلح الله رسوله فرداً كان حَريّاً بعد ذلك أن يكون المجتمع وأن تكون الأمة قائمة على العدل، وما يتغنى به الإنسان اليوم من الحضارات وحق لها من ظهور منظمات ومؤسسات تعنى بحقوق الإنسان لا حرج في ذلك ولا ضير، قال قائلهم: زمان الفرد يا فرعون ولى ودالت دولة المتجبرينا
стр. 64
بعض الأمثلة على العدل والإخاء عند نبينا محمد ﷺ
إلا أننا ينبغي أن نعلم أن هذا الأمر لم يقم به أحد أعظم من رسول الله ﷺ ، وإذا كان شعار فرنسا اليوم ثلاثة شعارات وهي: المساواة والحرية والإخاء، فإن المساواة قالها نبينا ﷺ في حديثه الشهير: (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد)، وقوله ﷺ لما أتت إليه قريش بقدها وقديدها تقدم أسامة بن زيد ليشفع في المرأة المخزومية، فقال ﷺ : (وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، ولا يوجد في النساء أشرف من فاطمة، وهي البضعة النبوية والجهة المصطفوية ﵂، ومع ذلك يقول ﷺ : إن قربها مني وكونها بضعة مني لا يعفيها ذلك من إقامة الحد عليها لو أنها سرقت، وهذا مبدأ عظيم وموئل كريم جاء به رسول الهدى ونبي الرحمة ورسول الإنسانية جميعاً، وهو الذي تتغنى به الحضارة المعاصرة، لكننا ينبغي أن نكون منصفين نحكم بالعدل: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]، فنقول: إن الحضارة الإنسانية المعاصرة اليوم بلا شك أنها بعدت كثيراً -وهذا من فضل الله علينا- عن كثير من التجبر والظلم الذي كان سائماً في عصور سابقة وأيام غابرة، لكن الحضارة الغربية كفرت بالطاغوت إلى حد كبير لم تعظم الفرد، لكنها لم تؤمن بالله، وأما النبي ﷺ فقد جاء بدين نؤمن من خلاله بالله ﵎ رباً، فنعبده جل وعلا وحده لا شريك له، ونخلص له العمل، وننبذ كل طاغوت متجبر وراء ظهرنا.
نعود فنقول: إن شوقي يتغنى بالحضارة الإسلامية: واترك رعمسيس إن الملك مظهره في نهضة العدل لا في نهضة الهرم والنبي ﷺ كما بين ذلك في فاطمة ابنته بينه في نفسه، فقد وقف ﷺ يوم بدر يسوي الصفوف، فإذا بأحد أصحابه -وأظنه عكاشة - يتقدم، فضربه النبي ﷺ من باب حيثيات عمله، حتى يرجع إلى الصف بشيء كان في يده، فقال ذلك الصحابي الجليل: أوجعتني يا رسول الله! فطلب القصاص، فقام نبي الرحمة ورسول الهدى -وهو أشرف من يمشي على الأرض- فكشف عن بطنه وقال اقتد يا عكاشة، لكن هذا الصحابي لم يكن يروم قصاصاً، وإنما كان يروم التصاقاً بنبي الرحمة ﷺ .
فعرفنا من هذا الموقف وزدنا يقيناً بعدل نبينا، لكن ذلك الصحابي ضم النبي ﷺ وقبل بطنه، فقال له ﵊: (ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله قد حضر ما ترى - أي: الموت والطعن والرماح والسيوف والعدو وملاقاته- فأحببت أن يكون آخر العهد أن يمس جلدي جلدك يا رسول الله).
هذا الموقف العاطفي هنا قد لا نستطيع أن نبحر فيه كثيراً، وإنما نتكلم عن موقف العدل، فهذا هو نبي الرحمة ورسول العدل ﷺ يقيمه بينه وبين أصحابه.
ويعدل بين نسائه وزوجاته في النفقة والمبيت والسكنى، ويقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما أملك ولا أملك)، وكان ﷺ في الآداب التي علمها الناس يعطى السقاء والإناء الذي عن يمينه، فجلس على شماله أبو بكر ومشيخة الصحابة، وعن يمينه غلام صغير، فلما جيء له بالقدح وشرب أعطاه الذي عن يمينه، وهذا من كمال عدله صلوات الله وسلامه عليه.
ويعلم ﵊ أن الأسرة مجموعة أفراد، فيقول: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)، لأن الضغينة إذا تكونت في الأسرة فسد المجتمع، فالمجتمع أصلاً ليس إلا مجموعة أسر، فهو ﵊ بدأ بالنفس الإنسانية يصلحها، (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، ثم ينشر العدل بين الرجل وأزواجه، ثم ينشر العدل بين الرجل وأولاده: (اتقوا واعدلوا بين أولادكم)، ثم ينشر العدل في المجتمع، فينزل القرآن: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]، فإذا كان الله يأمرنا بالعدل مع أعدائنا، فكيف مع أهلينا وموالينا وإخواننا وبني جلدتنا ومن يدين بدينا! ذلك أولى وأحرى، أي: ملك يقوم على الظلم فهو منتهي، وأي: ملك وأي حضارة بتعبير أوضح تقوم على العدل والإنصاف فإنها تبقى، وهذا سر بقاء كثير من الحضارات، وأما التي تقوم على الظلم فإنها لا تلبث أن تنتهي، فالنبي ﷺ لم يأت بالعدل فقط، وإنما أتى بكثير أو بكل ما يمكن أن يصلح الله به البشرية، لكن نحن مقيدون بالبيت الشعري.
وقد بعث ﷺ عبد الله بن رواحة إلى يهود خيبر؛ لأن النبي صالح يهود خيبر على النصف من الثمار والتمر، ومعلوم أن خيبر وإن كانت بلدة شديدة الحمى إلا أنها بلدة كثيرة التمر، يقول حسان: فإنا ومن يهدي القصائد نحونا كمستبضع تمراً إلى أهل خيبرا ومع ذلك لما ذهب عبد الله بن رواحة -وهو التلميذ النجيب في مدرسة محمد ﷺ وأراد أن يأخذ منهم نصف ثمارهم قال لهم: يا معشر يهود! والله إنكم أبغض خلق الله إلي.
وهذه الطريقة مرضية في التعبير عما في نفسك، لكن لا تتجاوز إلى بخس الآخرين حقهم.
وإني قادم إليكم من أحب الناس إلي، يقصد النبي ﷺ ، ثم قال: ولا يمنعني بغضي لكم وحبي لهم أن أجور بينكم، فقد أمرت بأن أعدل، فعدل في خرص النخل، فقالت اليهود -وهم أهل العلم بلا شك، لكنهم لا يعملون بعلمهم- قالوا: بالعدل قامت السموات والأرض.
فالله جل وعلا يقول: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧].
إذا تجاوزنا مسألة قول شوقي: إن الملك مظهره في نهضة العدل
стр. 65
تحريم الظلم وعواقبه
وانتقلنا إلى العدل بين الناس، أو بتعبير أوضح أن الإنسان لا يظلم من حوله، والإسلام حتى يسد هذا الباب حذر من الظلم، جاء في الحديث القدسي: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، ومن الطرائف في تأديب النفس البشرية حتى لا تظلم ولا تجور، جاءت الآثار تدل على أن الله يقبل دعوة المظلوم وإن كان كافراً؛ فبعث النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن وهم يومئذ أهل كفر، فقال له وهو يودعه على أبواب المدينة: (واتق دعوة المظلوم فأنه ليس بينها وبين الله حجاب)، فمن أراد أن ينصف نفسه، أو أراد أن يرتقي بنفسه إلى الدرجات العلى والمنازل الرفيعة فيصنع في كل أحد إذا وقف بين يديه في شيء يخصه ما يحب أن يصنعه الله به إذا وقف بين يديه، وهذه المراتب عالية ودرجات رفيعة لا تعطى لكل أحد، لكن كما قال الله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥].
وسعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه ولاه عمر على الكوفة، فاشتكاه بعض أهلها ظلماً وزوراً، فبعث عمر -وهذا من العدل- أشبه ما تسمى بلجنة تحري تسأل الناس عن سعد، فكلما مروا على قوم وسألوا عن سعد أثنوا عليه خيراً، حتى دخلوا مسجداً أظنه كان لبني عبس هناك، فقام رجل فقال: إن سعداً لا يحكم بالسوية، ولا يعدل في القضية، وذكر أمور يذم بها سعداً، فقام سعد ﵁ وأرضاه وكنيته أبو إسحاق فقال: اللهم إن كان عبدك هذا قام رياءً وظلماً وسمعة فاللهم أطل عمره وعرضه للفتن، يقول راوي الحديث: فإن هذا الرجل الذي ظلم سعداً عُمِّر حتى جاوز التسعين فسقط حاجباه على عينيه من شدة الشيب، وهو في السن هذا احدودب ظهره، وأخذ يمشي في طرقات الكوفة ويتعرض للنساء والفتيات يغمزهن ويلمزهن ويتعرض لهن في طريقهن، فإذا قال له الناس: يا رجل! اتق الله وأكثر من الحياء فلا يصنع من كان في سنك مثل هذا، فيقول مجيباً يبين واقع حاله: شيخ كبير أصابته دعوة سعد، فالإنسان أحياناً قد يؤتى قدرة على أن يظلم، لكنه إن كان لديه رقابة حقيقة مع ربه تذكر أن الله جل وعلا أقدر عليه من قدرته على من يريد ظلمه، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦].
وعثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه ظلمه الذين خرجوا عليه وطوقوا داره في يوم عرف بيوم الدار، وسمي بيوم الدار لأن الخوارج اقتحموا على عثمان داره، وموضع الشاهد الذي يعنيني هنا تحريره من هذه القضية أن هؤلاء دخلوا عليه وقتلوه، وهو أمير البررة وقتيل الفجرة ﵁ وأرضاه، فلما قتلوه قامت زوجته نائلة بنت الفرافصة تدافع عنه زوجها، فلما أرادت أن تدافع عنه كانت امرأة بدينة نسبياً، فأحد الرجال ضربها من خلفها، فقالت غاضبة والموقف موقف دماء زوجها مضرج بالدماء، قالت: مه -كلمة استنكار- قطع الله يديك ورجليك وأدخلك النار، تدعو عليه مظلومة، فهذا الرجل شوهد بعد سنين في البصرة أو بالكوفة وهو مقطوع اليدين والرجلين ويقول: يا ويلاه من النار! فرآه رجل لا يعرفه فقال: أنت في النار؟ أنت من أهل الجنة أنت مبتلى؛ لأنك مقطوع اليدين والرجلين، فأظنك ستكرم يوم القيامة، فقال: إنك لا تدري لقد دخلت على عثمان يوم الدار وشاركت في قتله، وضربت زوجته فدعت علي قائلة: قطع الله يديك ورجليك وأدخلك النار، فأنا الآن أقول عن نفسي: مقطوع اليدين والرجلين وبقيت واحدة أن أدخل النار، فتجد أن الله أجاب دعوة نائلة؛ لأنها مظلومة، وهنا يتحرر لنا مع القيمة العظمية التي بثها النبي ﷺ في أمته وهي العدل والإنصاف وعدم ظلم الناس، فهو وإن جاءت بها الحضارة المعاصرة وقامت بها مؤسساتها، إلا أن نبينا صلوات الله وسلامه عليه كان أسبق إلى هذا كله، وبينه بياناً شافياً عن ربه ﵎.
هذا ما تيسر إيراده في التعلق الثاني لنا على ميمية شوقي والتي مطلعها: ريم على القاع بين البان والعلم أحل سفك دمي في الأشهر الحرم أسأل الله لي ولكم التوفيق.
وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 66
سلسلة المدائح النبوية [أبيات من ميمية البارودي]
هذه القصيدة قالها المجدد للشعر في العصر الحديث محمود سامي البارودي، وقد كان له باع كبير في الشعر وفي فن المعارضات.
وقد مدح فيها نبينا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فأجاد وأفاد، وأنعم وأكرم بالممدوح
стр. 67
من خبر البارودي
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة المشاهدون والمشاهدات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هذا لقاء متجدد من لقاءاتنا الموسومة بالمدائح النبوية، فنحن في البرنامج العالمي للتعريف بنبي الرحمة ﷺ ، هذا البرنامج الذي له أنشطته المتعددة في التعريف بسنة محمد ﷺ ، والذب عنها، ونشر فضائله وذكر مناقبه، إنما يجعله من هذه اللقاءات الموسومة بالمدائح النبوية أحدى الطرائق للقيام بواجب أو بعض الواجب نحو سنة نبينا ﷺ .
وسنقف في هذا اليوم مع معارضة البارودي، والبارودي هو محمود سامي البارودي، وهو حامل لواء تجديد الشعر في العصر الحديث، ورغم أن البارودي كان رجلاً عسكرياً إلا أن الله جل وعلا منحه قدرة أدبيه فذة، وكان على يديه تجديد وبعث الشعر من جديد في العصر الحديث، وله في فن المعارضات باع طويل، ونظافة المحافظين كما يقول أهل الصناعة الأدبية، ثم حمل لواءها فيما بعد: شوقي وحافظ وسارا على نهج البارودي.
والذي يعنينا هنا هو تلك النونية التي قالها البارودي وهو في منفاه في سيران يمدح فيها سيد الخلق وأشرفهم ﷺ ، وقد قلت مراراً في هذا اللقاءات لمن يفقد سبب من يشرح الأبيات ويبين معاني الكلمات، ولكنني اتخذ من بعض أبيات القصيدة طريقاً للتعريف بالأيام النضرة والسيرة العطرة لنبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ورزقني الله وإياكم جواره في جنات النعيم.
قال البارودي رحمه الله تعالى: يا رائد البرق يمم دارة العلمِ واحْدُ الغمام إلى حيّ بذي سَلَمَ وإن مررت على الروحاء فأمر لها أخلاف سارية هتانة الديم أدعو إلى الدار بالسقيا وبي ظمأ أحق بالريّ لكني أخو كرم منازل لهواها بين جانحتي وديعة سِرها لم يتصل بفمي عهد تولى وأبقى في الفؤاد له شوقًا يفل شباه الرأي والهمم إذا تذكرته لاحت مخايله للعين حتى كأني منه في حلم فما على الدهر لو رقت شمائله فعاد بالوصل أو ألقى يد السلم صدرتها بنسيب شف باطنه عن عفة لم يشنها قول متهم لم أتخذه جزافاً بل سلكت به في القول مسلك أقوام ذوي قدم تابعت كعباً وحساناً ولي بهما في القول أسوة بر غير متهم والشعر معرض ألباب يروج به ما نمقته يد الآداب والحكم فلا يلمني على التشبيب ذو عنت فبلبل الروض مطبوع على النغم وليس لي روضة ألهو بزهرتها في معرض القول إلا روضة الحرم فهي التي تيمت قلبي وهمت بها وجداً وإن كنت عف النفس لم أهم محمد خاتم الرسل الذي خضعت له البرية من عرب ومن عجم قد أبلغ الوحي عنه قبل بعثته مسامع الرسل قولا غير منكتم فصل رب على المختار ما طلعت شمس النهار ولاحت أنجم الظلم والآل والصحب والأنصار من تبعوا هداه واعترفوا بالعهد والذمم وامنن على عبدك العاني بمغفرة تمحو خطاياه في بدء ومختتم هذه هي من ميمية البارودي رحمة الله تعالى عليه اقتطفنا لك أيها المبارك بعض أبيات منها ونحن الآن بصدد الحديث عنه.
стр. 68
تحديد فج الروحاء، وما جاء فيه في السنة النبوية
ذكر البارودي موضعين في قصيدته: الروحاء والروضة، فأما الروحاء ففج يقال له: فج الروحاء، وهو في الطريق ما بين المدينة ومكة، وهو إلى المدينة أقرب، ولا زال عامراً إلى اليوم، وهذا الفج مر به النبي ﷺ في ذهابه إلى معركة بدر؛ لأنه دون بدر تقريباً بسبعين كيلو متر، كما أنه يبعد عن المدينة سبعين كيلو، أي: أنه في المنتصف تقريباً بين بدر وبين المدينة، فهذا الفج وهو فج الروحاء ذكره النبي ﷺ ، وقد دلت أحاديث عنه ﵊ أن فج الروحاء سيبقى عامراً، فقد ذكر النبي ﷺ أخاه عيسى ابن مريم ﵇ -ومعلوم أن عيسى بن مريم سينزل في آخر الزمان- سيمر بفج الروحاء حاجاً أو معتمراً أو مهلاً بهما، فهذا فيه إشارة إلى أمور لعل من أهمها أن عيسى قد يتخذ من المدينة موطناً؛ لأنه كونه يمر في فج الروحاء محرماً هذا يدل على أنه سيأتي من قِبَل المدينة وهذا الفج كما قلت مر به النبي ﷺ .
стр. 69
تحديد مكان الروضة وذكر فضلها
ثم قال البارودي: وليس لي روضة ألهو بزهرتها ثم قال: إلا روضة الحرم، الروضة: اسم مكان، وقد أطلقها النبي ﷺ في الحديث الصحيح عندما قال: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)، وفي حديث آخر قال: (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة)، فلا يمكن حمل كلمة روضة هنا على أنها مجالس الذكر فقط؛ لأن هذا ينطبق على كل مكان، قال ﷺ : (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا)، ويمكن حمل ذلك -وهو الذي عليه أكثر العلماء- على أن هذه القطعة من المسجد النبوي إنما هي تكون يوم القيامة في الجنة، أو أنها مأخوذة الآن من الجنة.
وهنا قبل أن نشرع في تحديدها نذكر لطيفة قالها بعض أهل التفسير: الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الكهف:١٠٧ - ١٠٨] أي: الجنة ﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف:١٠٨]، فأهل الجنة -رزقنا الله وإياكم دخولها- لا يبغون حولاً عن الجنة؛ لأنه لا يوجد بديل أفضل من الجنة، ويرزقهم الله القناعة التامة لذلك الموطن، وأهل المدنية اليوم وكل من يأتيها، وهذا أمر شائع ذائع بين الناس فيمن صفت نيته وخلصت سريرته أنهم لا يرغبون في النقلى عن المدينة ويشق عليه أن يغادرها، قال بعض أهل العلم: إن سبب ذلك الشيء المتواتر بين الناس أن في المدينة قطعة من الجنة وهي الروضة، فهناك بعض القاسم المشترك ما بين حال أهل الجنة وحال من يسكن المدينة لعموم قوله ﷺ : ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة.
والمنبر كان بينه وبين جدار الحرم مسافة مقدارها ممر شاة، ثم يوجد مكان كان النبي ﷺ يصلي فيه وهو المحراب النبوي، لكن المحراب النبوي لم يكن مبنياً كما هو اليوم، وإنما هو موضع وقوفه ﷺ وهو يؤم الناس بالصلاة، فالمسجد النبوي اليوم فيه ثلاثة محاريب: المحراب الذي في جهة القبلة، وهو الذي يصلي فيه الأئمة المعاصرون اليوم، وهذا المحراب هو موضع إمامة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أي: أنه من التوسعة الجنوبية القبلية التي أحدثها عثمان ﵁ ونعم ما فعل في مسجد رسول الله ﷺ ، فـ عثمان كانت توسعته للمسجد من جهة القبلة، واتخذ المحراب في وسط المسجد، فأقره الصحابة على فعله هذا وصلوا وراءه، وكون الصحابة ﵃ وأرضاهم يصلون وراء عثمان هذا إقرار وإجماع منهم على حسن صنيع عثمان، ثم في الروضة نفسها اليوم محراب مبني وهو موضع محراب رسول الله ﷺ ، وفي جهة الغرب من الروضة خارج حدود الروضة الآن يوجد محراب، وهذا المحراب لا يتعلق به أمر تعبدي وإنما هو باق لأمور تاريخية، وهذا المحراب بناه أحد سلاطين آل عثمان في زمانه، ومكتوب على المحراب تاريخ بناءه.
فهذا المحراب بناه أحد سلاطين آل عثمان أيام كان الحجاز تحت ولاية دولة آل عثمان، وأما الحراب النبوي فبدهي أن نقول: إن النبي ﷺ كان يصلي بالناس إماماً فيه، فهذه هي المحاريب الثلاثة، وأما الروضة فإن النبي ﷺ يقول: (ما بين بيتي ومنبري)، وكلمة بيت: عامة لكن رواية (قبري) خاصة، فنحتاج إلى التوفيق بين الروايتين وهذا أمر لا بد أن نعمد إليه؛ لأننا إذا جعلنا رواية (بيتي) هي الحاكمة فالأمر يختلف، وإن جعلنا رواية (قبري) خاصة معلمة لقوله ﷺ : (ما بين بيتي ومنبري) فالأمر يختلف في تحديد الروضة، وتحديد الروضة إنما يفهم جلياً إذا استطعنا أن نحرر العام والخاص بين قوله ﷺ : (ما بين بيتي ومنبري) وقوله: (ما بين قبري ومنبري)، وهذا ما سيتضح إن شاء الله تعالى لنا بعد قليل في بيان تحديد الروضة، وإن كان الذي عليه العمل الآن عمل قول الجمهور، وهو الذي تعارف عليه الناس منذ قديم الزمان.
لا خلاف أن المنبر حد، فإن جعلنا رواية (قبري) مخصصة لعموم قوله ﷺ : (ما بين بيتي ومنبري) عرفنا بعد ذلك أن بيت عائشة هو المقصود؛ لأن النبي ﷺ كان قبره في بيت عائشة رضي الله تعالى عنه وأرضاها إذا جعلنا رواية قبري مخصصة لحديث بيتي فعرفنا أن الحدود من المنبر إلى القبر، وهذا قول مالك ﵀ وعليه عمل الناس اليوم، فالحدود الموجودة الآن في المسجد النبوي الشريف الذي تحدد الروضة وتميز فرشها عن بقية المسجد هو المعمول به على هذه الرواية على أن المقصود: رواية (قبري) مخصصة لرواية (بيتي)، فيصبح المقصود بيت عائشة رضي الله تعالى عنه وأرضاها؛ لأن بيت عائشة هو الذي احتوى الجسد الشريف الطاهر.
وإذا أطلقنا رواية (بيتي) فلا يخصص بيت عائشة دون غيرها من أمهات المؤمنين، فنجد أن لـ صفية ﵂ وأرضاها بيتاً في الجهة الغربية من المسجد عند خوخة أبي بكر اليوم بجوار باب الرحمة، وهذا في الجهة الغربية من المسجد، لأن حجرة عائشة في الشرق من المسجد، وعلى هذا تصبح المسافة أكبر بكثير مما هي عليه اليوم، فتصبح حجرة حفصة في الشمال الغربي وحجرة عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها في الجنوب الغربي، والمنبر هذا المثلث يكون الروضة، وهو لا يمكن أن يكون مثلثاً بطريقة ظاهرة لكنه أشبه بالمعين في ما يقول أهل الرياضيات، والذي يعنينا الآن أن الروضة الشريفة صلى فيها النبي ﷺ وفيها اسطوانات، ومكانها باقٍ إلى اليوم، فخلفاء المسلمين وملوكهم وسلاطينهم عبر الدهور إلى هذه الدولة المباركة -أيدها الله بنصره- يحافظون على الأسطوانة نفسها، فقد يتغير البناء لكن الموقع هو هو.
ومكتون على كل اسطوانة: ما تعارف الناس عبر التاريخ عليه كاسطوانة التوبة التي تاب عندها الصحابي أبو لبابة رضي الله تعالى عنه، واسطوانة الوفود التي كان النبي ﷺ يقابل عندها الوفود إلى غير ذلك من الاسطوانات.
والذي يعنينا هنا: أنه كان في أيام النبي ﷺ وأبي بكر وعمر يمكن الجمع بين فضيلتين: فضيلة الصلاة بالصف الأول، وفضيلة الصلاة في الروضة، وأما بعد ولاية عثمان ﵁ وأرضاه وتوسعة المسجد إلى الجنوب فإنه لا يمكن للمرء أن يصلي بالصف الأول، وفي ذات الوقت يصلي في الروضة لبعد المسافة؛ لأن الصف الأول الآن ليس في الروضة، فعندما نصلي فرضاً نتقدم للصلاة في الصف الأول، ونحرص على فضيلة الصف الأول، وإما إذا جئنا نصلي نفلاً إذا دخلنا المسجد في أي ساعة من ليل أو نهار، فإننا نصلي في الروضة ما اسطعنا؛ لأن قول النبي ﷺ : (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) هذا فيه بيان لفضل الروضة عن غيرها من المسجد، وإن كان النبي ﷺ لم يحدد ذلك الفضل ولم يذكر الجزاء المعين عليه.
وكان للمدينة إمام يصلي التراويح وهو شيخنا الشيخ عبد العزيز بن صالح رحمه الله تعالى، وقد ظل إماماً للمسجد النبوي خمسة وأربعين عاماً رحمة الله تعالى عليه، وهذا الرجل المبارك لم يكن يأخذ أجراً على إمامته فكان يقول: أنا إلى الأجر أحوج مني إلى الأجرة، والذي يناسب ذكره في الحديث عن الشيخ ابن صالح في هذه القضية أن الشيخ عبد العزيز بن صالح رحمة الله تعالى عليه كان يصلي في صلاة التهجد في رمضان في محراب النبي ﷺ إماماً، فيمكن حينها لمن عاصر الشيخ أن يصلي بالصف الأول وبالروضة، فيجمع ما بين الفضيلتين: الصلاة في الصف الأول، والصلاة في الروضة.
وقد من الله جل وعلا على كثير ممن عاصر الشيخ من تحقيق هذا الأمر، هذا الآن لا يعمل به لازدحام الناس فيما يبدو فيصلي الإمام التراويح والتهجد والفروض الخمس كلها في محراب عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وبقي أن نقول: إن هذه الروضة المباركة شهدت تعليم النبي ﷺ ، فالأصل في مقام التعليم للعظات والوصايا المحمدية أنها كانت تنطلق من روضته ﷺ في مسجده، والروضة على وجه الأخص هي مجمع أصحاب محمد ﷺ .
стр. 70
تعظيم السنة النبوية والعمل بها
وهذا يسوقنا لحديث إلى مسألة بالغة الأهمية وهي تعظيم سنة ﷺ ، يقول ﵊: (إلا إني أوتيت القرآن ومثله معه)، فالقرآن والسنة قرينان لا يتفرقان أبداً كلاهما يعضد الآخر، والصحابة ﵃ رقبوا هذا الأمر فكانوا يعظمون أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقديراته كما يعظمون القرآن، ولا يفرقون بينهما، وهذا هو فعل المؤمن الحق، فالله جلا وعلا يقول: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، فالإيمان بالرسل تعظيم أقواله وأخذها كأخذ الوحي تماماً صحيحاً أن السنة كلها مندرجة في آية واحدة ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [الحشر:٧].
وسنذكر نماذج لتعظيم أصحاب محمد ﷺ لسنة نبيهم النبي ﷺ ، فقد دخل النبي على علي رضي تعالى عنه وأرضاه وعلى فاطمة -وهي قصة شهيرة في قيام الليل-، ثم إن النبي ﷺ بعد ذلك جاءته فاطمة تطلبه خادماً فقال لها ولـ علي: (ألا أدلكما على خير من ذلك؟ إذا أويتما إلى فراشكما فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، واحمدا الله ثلاثاً وثلاثين، وكبراه أربعاً وثلاثين، فهو خير لكم من خادم)، فـ علي ﵁ أخذ بهذه الوصية النبوية والعظة المحمدية فكان لا يبيت الليل حتى يقولها، فقال له ذات مره بعض المعارضين له: ما نسيتها قط؟ قال: والله ما نسيتها، قال: ولا في ليلة صفين، وليلة صفين ليلة المعركة الشهيرة التي كانت بين معاوية وعلي ﵄، فقال علي ﵁: (والله ما تركتها ولا في ليلة صفين).
فهذا يبين لك الحفاوة التي تحلى بها الأصحاب ﵃ وأرضاهم سنة نبينهم ﷺ ، بل إنه ورد أن النبي ﷺ قال ذات يوم في باب كان في شرقي المسجد قال: لو تركنا هذا الباب للنساء، فسمعه عبد الله بن عمر ﵁ وهو يومئذ شاب في السادسة عشر تقريباً من عمره أو في الثامنة عشر، فـ ابن عمر عُمر حتى تجاوز الثمانين، وكان يسكن المدينة، أي: أنه عاش بعد هذه الوصية النبوية أكثر من ستين عاماً ومع ذلك لم يدخل ابن عمر من هذا الباب عملاً؛ لقول النبي ﷺ (لو تركنا هذا الباب للنساء)، ولو هنا تفيد الحث وليس أمراً قاطعاً صارماً، فإنه لم يقترن بوعيد ولم يقترن بلعن، وإنما هو أمنية نبوية، فأخذها ابن عمر على أعلى من محاملها مما يبين لك تعظيم أصحاب محمد ﷺ ، لأقوال وأفعال نبيهم صلوات الله وسلامه عليه.
فنحن في زمن يجب فيه أن نحي سنة تعظيم أقوال نبينا ﷺ ، وأن نأخذها مع القرآن، وأن نعلم أن النبي ﷺ قال: (تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدي: كتاب الله وسنتي)، فالأخذ بالسنة مما يرفع الله جل وعلا بها قدر العبد، ويجعله في موطن شريف وموئل كريم، فمن أراد التوفيق في الدارين والسعادة في الحياتين فليعظم سنة نبيه ﷺ ، وترى حولك أحياناً في واقعك كثيراً من الناس الذين ترى عليهم أثر البركة والتوفيق والثبات، فإن قدر لك أن تعيش معهم أياماً وتخالطهم وجدت أنهم يعظمون سنة نبيهم ﷺ ويعملون بها.
وقد أدركنا أقواماً ولا حاجة للتسمية في مدينة رسول الله ﷺ من مشايخنا وغيرهم يعظمون سنة النبي تعظيماً جليلاً، ويأخذون بها ويتأسون بها، حتى إنني أذكر أنني ذات مرة قدر لي أن أسافر مع أحد أولئك الذين نحسبهم على كثير من الخير فقرأت عليه قصيدة فكان كلما قرأت عليه بيت يقول فيه: إيه، وهذا مأخوذ من سنة النبي ﷺ ، فلما طلب من بعض الصحابة أن يسمعه شيئاً من أمية بن أبي الصلت، فكان كلما قال ذلك الصحابي بيتاً من الشعر كان النبي ﷺ يقول: إيه، أي: زدني، فهذا الرجل المبارك تلحظ منه إذا تبعت باقي حياته أن فيها توفيقاً وفيها السداد؛ لأنه يأخذ بالسنة.
ويجب ألا يكون دراستنا للسنة إنما هو لحفظ المتون، أو لنطاول بها أقراننا، أو نبحث بها عن صدارة في مجالس الناس، لكن ينبغي أن تكون السنة النبوية هي الواقع المشهود والمنشود المطلوب، فنسعى في تحقيقها ونتأسى بفعله ﷺ فنقدم ما قدمه الله، ونقدم ما قدمه رسوله ﷺ ، ونفقه الكثير من المعاني الجميلة التي كانت في حياة نبينا ﷺ ، فإن فهم السيرة العطرة والأيام النضرة يساعد كثيراً في أن المرء يتحلى بحلية النبي ﷺ ، ويسير على طريقه وعلى هديه، فيوفق إلى كثير من الأعمال الصالحة.
стр. 71
تعظيم وإجلال أصحاب رسول الله ﷺ
ثم ذكر البارودي رحمة الله تعالى عليه بعد ذلك في آخر ميمية الصلاة على الأصحاب والأنصار، والنبي ﷺ كما نعظم سنته ﵊ فإننا نعظم أولئك الرجال الذين حملوا إلينا سنته ﷺ ، فأصحاب محمد ﷺ كانوا شامه في جبين الأيام، وتاجاً على مفرق الأعوام، فحبهم دين وملة وقربة، فيجب أن ينظر إليهم المرء نظرة إجلال وإكبار وإعظام، وأن يعلم أنهم أدوا ما عليهم وبقي الذي لهم.
جعلنا الله وإياكم ممن ملئ قلبه محبة وإجلالاً وتعظيماً لله، ثم ملئ قلبه محبة لرسول الله ﷺ وأصحابه؛ ذلك الرعيل الأمثل والجيل الأول، من زكاهم الله في كتابه وعلى لسان رسوله.
هذا ما تيسر إراده وتهيأ إعداده حول ميمية البارودي التي عارض فيها ميمية البوصيري قلناه.
نسأل الله جلا وعلا التوفيق والقبول منه، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد الله رب العالمين.
стр. 72
سلسلة المدائح النبوية [أبيات من ميمية الشيخ ناصر الزهراني - حادثة الإفك] [١]
لقد كان النبي ﷺ يعبد ربه خير عبادة، فيقوم الليل حتى تتفطر قدماه، ويصوم النهار.
وقد حث النبي أمته على قيام الليل، وبين لهم أحسن الهدي في ذلك، فإن هديه ﷺ هو أكمل الهدي في الصلاة والصيام وغيرهما.
فمن أراد الفلاح والفوز فعليه باتباع سنته صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 73
فضل قيام الليل
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأرض والسماوات، وأشهد أن سيدنا ونبينا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، وتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة المشاهدون! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فهذا لقاء متجدد من لقاءاتنا الموسومة بالمدائح النبوية، وقد مرت معنا لقاءات تبين من خلالها المنهج الذي نسير عليه، فنعرض بعض القصائد التي قيلت في مدح النبي ﷺ فنختار منها أبياتاً، ثم نزدلف من تلك الأبيات إلى بيان ما في الأيام النضرة والسيرة العطرة مما يمكن أن ننهل ونستقي منه.
والقصيدة التي نختارها اليوم هي للدكتور ناصر الزهراني عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى، أي: أن القصيدة من الشعر العربي الحديث المعاصر.
وهذه القصيدة نظمها قائلها في ثلاثة وستين بيتاً، وأراد أن تكون القصيدة بعمر نبينا صلوات الله وسلامه عليه، وقد أخذت القافية الميمية، وهي من روائع ما قيل في مدح نبينا ﷺ .
وسنختار في هذا اللقاء أبياتاً، ونختار في لقاءات أخر أبياتاً أخرى منها.
قال الدكتور ناصر الزهراني في مدح النبي ﷺ : تعجب الخلق من دمعي ومن ألمي وما دروا أن حبي صغته بدمي أستغفر الله ما ليلى بفاتنتي ولا سعاد ولا الجيران في أضم لكن قلب بنار الشوق مضطرم أف لقلب جمود غير مضطرم منحت حبي خير الناس قاطبة برغم من أنفه لا زال في الرغم يكفيك عن كل مدح مدح خالقه واقرأ بربك مبدأ سورة القلم شهم تشيد به الدنيا برمتها على المنابر من عرب ومن عجم أحيا بك الله أرواحاً قد اندثرت في تربة الوهم بين الكأس والصنم نفضت عنها غبار الذل فاتقدت وأبدعت وروت ما قلت للأمم ربيت جيلاً أبياً مؤمناً يقظاً حثوا شريعتك الغراء في نهم محابر وسجلات وأندية وأحرف وقواف كن في صمم فمن أبو بكر قبل الوحي من عمر ومن علي ومن عثمان ذو الرحم من خالد من صلاح الدين قبلك من مالك ومن النعمان في القمم من البخاري ومن أهل الصحاح ومن سفيان والشافعي الشهم ذو الحكم من ابن حنبل فينا وابن تيمية بل الملايين أهل الفضل والشمم من نهرك العذب يا خير الورى اغترفوا أنت الإمام لأهل الفضل كلهم ينام كسرى على الديباج ممتلئاً كبراً وطوِّق بالقينات والخدم لا هم يحمله لا دين يحكمه على كئوس الخنى في ليل منسجم أما العروبة أشلاء ممزقة من التسلط والأهواء والغشم فجئت يا منقذ الإنسان من خطر كالبدر لما يجلي حالك الظلم أقبلت بالحق يجتث الضلال فلا يلقى عدوك إلا علقم الندم أنت الشجاع إذا الأبطال ذاهلة والهندواني في الأعناق واللمم فكنت أثبتهم قلباً وأوضحهم درباً وأبعدهم عن ريبة التهم بيت من الطين بالقرآن تعمره تباً لقصر منيف بات في نغم طعامك التمر والخبز الشعير وما عيناك تعد إلى اللذات والنعم تبيت والجوع يلقى فيك بغيته إن بات غيرك عبد الشحم والتخم لما أتتك قم الليل استجبت لها العين تغفو وأما القلب لم ينم تمسي تناجي الذي أولاك نعمته حتى تغلغلت الأورام في القدم أزيز صدرك في جوف الظلام سرى ودمع عينك مثل الهاطل العمم الليل تسهره بالوحي تعمره وشيبتك بهود آية استقم صلوات الله وسلامه عليه.
هذه بعض من أبيات الشيخ الدكتور ناصر الزهراني في مدح النبي ﷺ ، وسنقف عند بعض أبياتها.
سنقف عند قوله: الليل تسهره بالوحي تعمره وشيبتك بهود آية استقم وقبلها قال: لما أتتك قم الليل استجبت لها تنام عينك أما القلب لم ينم قيام الليل منقبة من أعظم مناقب الصالحين، قال الله جل وعلا: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧].
وقال جل وعلا: ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٤]، والنبي ﷺ عندما أنزل عليه الملك أول الأمر وجاءه التكليف السماوي بهذه الرسالة العالمية السماوية؛ نزل يضطرب فؤاده وتتسابق رجلاه حتى وصل إلى بيت خديجة، والخائف دائماً يحتاج إلى شيء ثقيل عليه حتى يسكن، فلما دخل بيته قال: (دثروني دثروني)، والعرب تسمي الثياب الملاصقة للبدن شعاراً، وما زاد تسميه دثار، والنبي قطعاً ﵊ لما قدم إلى خديجة كان عليه ثياب، لكنه كان يجد في نفسه رجفة لهول ما رأى، فأخذ ينادي: (دثروني دثروني) يريد شيئاً ثقيلاً على بدنه، لعله يسكن، فدثرته خديجة، فقال: (زملوني زملوني)، وهو نفس المعنى السابق، فزملته خديجة ﵂ وأرضاه، فناداه ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١]، وهذا قيام بالتكليف، وقد قال بعضهم: إن النبي ﷺ نبئ باقرأ وأرسل المدثر، وقال: (زملوني زملوني)، فأنزل الله عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل:١]، وهذا ليس اسماً للنبي ﷺ ، وإنما نداء له، بالصفة المتلبس بها، كما سمى النبي ﷺ علياً: أبا تراب؛ لأنه نام واضطجع على التراب ﵁.
стр. 74
قيام الليل زاد ومعين على تحمل التكاليف
ولما أراد الله أن يكلف نبيه بين له ما يعينه على التكليف، فقال له: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٦].
فأنت أيها النبي الكريم ستكلف تكليفاً عظيماً: ((إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا))، وهذا القول الثقيل يحتاج منك إلى قيام في الليل، فإن أحسنت القيام بين يدينا في الليل رزقت التوفيق منا في النهار، فقام ﷺ لربه في الليل حق قيام كما قال الدكتور ناصر وفقه الله: الليل تسهره بالوحي تعمره وشيبتك بهود آية استقم آية هود هي: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢]، والنبي ﷺ لما قيل له: (دب إليك الشيب، قال: شيبتني هود -أي سورة هود- وأخواتها)، مثل التكوير والنبأ والمرسلات التي ذكر الله جل وعلا فيهن حشر العباد وقيام الأشهاد، وذكر الله جل وعلا فيها ما يكون بعد نفخة الفزع من اضطراب السماء وغيرها.
стр. 75
هديه ﷺ في قيام الليل
والذي يعنينا أن النبي ﷺ لما ناداه ربه: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:٢] كان ﷺ يقوم الليل ويحييه، إلا أنه من مجمل ما دل عليه قيامه في الليل أنه لم يقم ﷺ ليلة بأكملها، وقد كان صلوات الله وسلامه عليه في العشر الأواخر من رمضان كان يحيي الليل كله، فيجمع ما بين الصلاة، وتلاوة القرآن، والذكر والتسبيح، كما تقول عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فقيام العبد بين يدي ربه في الليل منقبة جليلة كان الصالحون قبلنا من لدن آدم وسيبقون إلى أن تقوم الساعة يحيون الليل بعضه أو كله، والنبي ﷺ أرشد إلى قيام داود، فقال ﵊: (أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود)، ثم فصل هذا الإجمال فقال: (كان يصوم يوماً ويفطر يوماً)، فهذا صيامه ﵊، أي: صيام داود، ثم قال في الصلاة: (كان ينام نصف الليل -أي داود-، ويقوم ثلثه، وينام سدسه).
الصلاة إذا كانت بين منامين، يعني: نام الرجل في الليل ثم استيقظ فصلى، ثم عاد فاضطجع قبل الفجر، فهذه التي تسمى ناشئة الليل على أظهر أقوال أهل العلم، وهي المقصودة بقول الله جل وعلا في سورة المزمل: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٦]، فتحرر من هذا أن النبي ﷺ كان يقوم الليل ويحييه لربه ﵎.
وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيلاً ما ورد في كيفية صلاته صلوات الله وسلامه عليه وقيامه، مما يمكن للمرء أن يستن به بسنة نبيه ﷺ .
فمن حيث الإجمال كان النبي ﷺ يطيل القراءة، كما كان ﵊ يقول في سجوده -لما سمعته عائشة -: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)، جاء هذا في حديث صحيح، فهذا كله يندرج في إجمالنا لقيام ليل رسولنا ﷺ .
следующие страницы →