Полный текст (149 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
سلسلة الأيام النضرة في السيرة العطرة [المقدمة، اسمه ونسبه، أبواه، مولده، مرضعاته، أسمائه، نشأته، رحلاته، زواجه من خديجة]
لقد هيأ الله تعالى نبيه قبل البعثة وأعده روحاً وبدناً ونسباً، فقد اختاره تعالى من خير البيوت، وقدر رضاعته في البادية ليصلب عوده، واختار له طريق الكسب بالرعي والتجارة، وأنعم عليه قبل النبوة بالزواج بالفاضلة الرشيدة خديجة سيدة نساء العالمين، فلقي منها المعين والنصير في أيام الشدة والرخاء، وأحاط برعايته جده له صغيراً، وكفالة عمه له إلى أن صار نبياً رسولاً.
стр. 2
ذكر بعض مناقب عبد الغني المقدسي مؤلف الدرة المضيئة في السيرة النبوية
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاء أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ عن الله رسالاته ونصح له في برياته، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة، فجزاه الله بأفضل ما جزى به نبياً عن أمته، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم عليه، وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهج بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا بحمد الله وتوفيقه وعونه أول دروسنا العلمية في التعليق على الدرة المضيئة في السيرة النبوية للعلامة عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي رحمه الله تعالى.
وإن من التأدب مع أهل التصنيف أن يذكر ما لهم من فضل وما قدموه لدين الله جل وعلا من عمل نافع، وصاحب هذا التصنيف هو أحد أئمة المسلمين الذين عاشوا في القرن السادس الهجري، وكان ذا ورع وعبادة، وهو ممن اشتغل بطلب العلم وتعليمه، وممن عرف عنهم كثرة التعبد والتماس الأثر، وكان فقيهاً حنبلياً رحمه الله تعالى، ومما يذكر عنه في وفاته أنه ﵀ أصابه المرض، حتى إنه لم يقدر على الذهاب إلى المسجد، فلما اشتد عليه المرض دخل عليه أحد أبنائه، فقال له: يا أبتاه! ما تشتهي؟ قال: أشتهي الجنة.
ثم إنه صلى الفجر، فقال له ابنه: يا أبتاه! هاهنا دواء؟ قال: يا بني! لم يبق إلا الموت شاعراً بدنو الأجل.
ثم قال له ابنه يكرر
السؤال
ماذا تشتهي؟ قال: أشتهي أن أنظر إلى وجه الله ﵎.
فدخل عليه جماعة من أصحابه يعودونه، فلما سلموا عليه رد عليهم بصوت ضعيف، ثم أخذوا يتحدثون فيما بينهم، فكان العجب أنه -وهو المريض الذي يعاد- قال لهم: قولوا لا إله إلا الله، اذكروا الله، ففيم تخوضون؟ فلما قاموا عنه أخذ يردد (لا إله إلا الله) ويحرك بها شفتيه، حتى فاضت روحه وانتقل إلى جوار ربه.
стр. 3
مكانة دراسة السيرة النبوية وأثرها
وهذا المتن الذين بين يديك خاص بالسيرة العطرة والأيام النضرة لرسولنا صلوات الله وسلامه عليه، وفيه تعريف بجملة من أصحابه، وهم العشرة المبشرون بالجنة.
وقبل أن نشرع في شرح المتن يجب أن ننبه على أن الإنسان لا يمكن أن يهيأ له مقام بعد أن يدرس كتاب الله جل وعلا أعظم من أن يدرس سيرة نبيه ﷺ ، ولا ريب في أن نبينا ﵊ ختم الله به الرسالات، وأتم الله جل وعلا به النبوات، وبعثه بين يدي الساعة هادياً ومبشراً ونذيراً صلوات الله وسلامه عليه، وعلى هذا فإنه ينبغي أن يقرر ذلك شرعاً قبل أن نشرع في شرح هذه الدرة المضيئة حتى نتأسى به صلوات الله وسلامه عليه، ونجعله بيننا وبين ربنا، فنقتفي أثره ونلتمس سنته ونتبع هديه الذي أمرنا الله جل وعلا به في المقام الأول، قال تباركت أسماؤه وجل ثناؤه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١].
وقد فطر الله جل وعلا كثيراً من خلقه على محبة نبيه ﷺ ، فقد صعد أحد فرجف الجبل فرحاً بصعوده، فقال ﵊: (اثبت أحد؛ فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان)، وترك الجذع الذي كان يخطب عليه لما صنع له المنبر، فحن الجذع إليه، فنزل إليه وضمه إليه، وكان الحسن البصري ﵀ إذا حدث بهذا الحديث يقول: يا معشر المسلمين! الخشبة تحن إلى رسول الله ﷺ ، فما بال قلوبكم لا تحن إليه؟! ولقد أعطاه الله من المزايا والعطايا ما لم يعط أحداً من العالمين، فقد أشار إلى القمر وأومأ إليه فانفلق بإذن الله تأييداً لرسالته، وأشار إلى السحاب فتفرق إكراماً لإشارته، إلى غير ذلك مما سيأتي في المتن من معجزاته صلوات الله وسلامه عليه.
فهذا كله يدفع المؤمن وطالب العلم في المقام الأول إلى أن يكون عالماً فقيهاً مطلعاً على سيرته ﷺ ، حتى يدعو الناس إلى هديه ﵊، فإن الله سد كل باب موصل إليه إلا ما كان عن طريقه صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 4
النبوة اصطفاء
والرسالة والنبوة لا تنال بالسعي ولا بالكد ولا بالعمل ولا بطلب علم، وإنما هي هبة من الله، يقول الله جل شأنه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، فالله ﵎ اصطفى هؤلاء الرسل من بين خلقه أجمعين ومنحهم النبوة وأعطاهم الرسالة، فكانوا أئمة هدى ومصابيح دجى، نشر الله بهم دينه على مر العصور وكر الدهور؛ حجة من الله ﵎ على خلقه، كما قال الله ﵎: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٦٥].
والمقصود من هذا كله إخلاص النية والسعي بقدر الإمكان في فهم سيرته العطرة وأيامه النضرة صلوات الله وسلامه عليه قبل أن نشرع تفصيلاً في ذكرها.
وصاحب هذا المتن قال في أوله: إنه موجز ومختصر، وإن المراد به الإلمام الشامل بسيرته ﵊، وسنحاول أن نعرج بقدر الإمكان على ما أطلق منها؛ لأن بعض النصوص في المتن -كما هو معلوم- لا يكاد يجهلها أحد، وإنما سنقف على ما يغلب على الظن أنه يحتاج إلى أن يقف الإنسان معه ويبينه لغيره، والله تعالى هو المستعان وعليه التكلان.
فنسأل الله أن يرزقنا وإياكم صلاح النية وإخلاص القصد، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه يبتغى بها رضاه ويتقى بها سخطه؛ إنه سميع مجيب.
стр. 5
اختيار الله واصطفاؤه لأنبيائه
قال المصنف رحمه الله تعالى: هو أبو القاسم.
ثم ذكر اسمه الصريح.
وقبل أن نشرع في هذا نبين أن لله جل وعلا في خلقه سنناً، وهذه السنن لا تتبدل ولا تتغير، كما قال الله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٢].
ومن سننه ﵎ في خلقه سنة الاختيار والاصطفاء، ولن نتوسع في الباب حفاظاً على المتن، ولكن نقول: إن الله جل وعلا لم يختر من بني آدم كلهم أنبياء إلا مائة وأربعة وعشرين ألفاً، ومن هؤلاء الأنبياء اختار الله جل وعلا ثلاثمائة وثلاثة عشر دجلاً جعلهم رسلاً، ومن هذا الجم الغفير من الرسل اختار خمسة هم أولوا العزم من الرسل، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ونبينا ﷺ ، ثم من هؤلاء الخمسة اختار نبينا ﷺ ليكون خاتم النبيين وأفضل المرسلين وخير خلق الله أجمعين، ومن هنا نفهم أن سنة الله مضت في قضية الاصطفاء والاختيار.
أما نسبه ﷺ فإن أهل السيرة إذا ذكروه صلوات الله وسلامه عليه فبدهي أن يبدءوا باسمه ونسبه، ونسبه ﷺ من أبيه عبد الله ومن أمه آمنة إلى آدم ﵇ لم يكن من سفاح قط، ولم يأت رجس من الشيطان لأحد أبويه إلى آدم ﵇، بل حفظه الله في أرحام النساء وأصلاب الرجال، حتى ولدته أمه آمنة من أبيه عبد الله، وهذا لا خلاف فيه بين أحد ممن ينتسب إلى أمة الإسلام.
وعدم الاطلاع إنما هو قائم على أسماء آبائه ﷺ ، فهذا هو الذي وقع فيه الجهل، وهو الذي لم يثبت كله، وإنما هو مقسم عند العلماء إلى ثلاثة أقسام، فنسبه إلى جده عدنان ثابت عند أهل النسب، ثم من عدنان إلى إسماعيل بن إبراهيم ﵇ مختلف فيه يعرف بعضه ويجهل بعضه، ولكن لا يستطيع أحد أن يجزم به، ومن إسماعيل إلى آدم ذكر فيه خلاف أكثر من الأول، وسيأتي اسم جد واحد سنعلق عليه -إن شاء الله- في المتن.
стр. 6
ذكر نسب رسول الله ﷺ
فأما النسب الثابت فهو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن معد بن عدي.
فهذا النسب ثلاثة وعشرون جداً ثابتة صحته عنه صلوات الله وسلامه عليه، وقصي أشهر من فيهم، وهو الذي جمع القرشيين، ويسمى مجمعاً، وأما فهر الذي ورد في النسب فهو المسمى قريشاً عند العرب، وهاشم هو آخر من ينتسب إليه النبي ﷺ ممن يتعلق بهم الحكم الشرعي كما سيأتي.
فهذا النسب ثابت بلا خلاف عند أهل العلم، وإنما الخلاف فيما بعد، فأما عدنان فلا خلاف بين العلماء في أنه ينتسب إلى إسماعيل، ولكن الأسماء المذكورة من عدنان إلى إسماعيل هي التي يعتريها عدم الثبت، فالاختلاف في الأسماء لا في ثبوت أنه ﷺ من ذرية إسماعيل، فلا ريب أنه ﵊ من ذرية إسماعيل بن إبراهيم، فقد قال له أبوه إبراهيم: أهلاً بالابن الصالح.
ثم ينتهي نسبه ﵊ إلى آدم، وهذا من جهة أبيه.
стр. 7
ذكر نسبه من جهة أمه ﷺ
وأما من جهة أمه فإن أمه آمنة بنت وهب يلتقي نسبها مع نسب أبيه في كلاب بن مرة، فيصبح زهرة الذي تنتسب إليه آمنة بنت وهب أخاً لـ قصي جد النبي ﷺ الخامس، فـ زهرة وقصي أخوان لـ كلاب بن مرة، فيلتقي نسب أبيه ﷺ مع نسب أمه في كلاب بن مرة، فهو ﵊ من جهة أبيه من بني هاشم، ومن جهة أمه من بني زهرة، وأشهر أصحابه الذين كانوا من بني زهرة سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو الذي جمع له النبي ﷺ أبويه، فقال له في يوم أحد: (ارم فداك أبي وأمي)، وقال ﷺ -كما عند الترمذي بسند صحيح، وعند الحاكم في المستدرك من حديث جابر -: (هذا خالي، فليرني امرؤ خاله)، فافتخر به ﷺ ؛ لأنه من بني زهرة، وبنو زهرة هم أخواله صلوات الله وسلامه عليه، ومن رحمة الله بنبيه أن قريشاً لما جمعت لنبينا ﵊ في يوم بدر، كانوا بنو زهرة ممن قدموا لحربه ﵊، ثم تبين لهم نجاة العير، فرجع بهم الأخنس بن شريق فلم يقاتل أحد من بني زهرة في بدر، فأخواله ﷺ من جهة أمه لم يقاتل منهم أحد في بدر.
стр. 8
اصطفاء الله لنبيه ﷺ
نعود للنسب فنقول: إن الله جل وعلا اختار من بني آدم كلهم بني إسماعيل، ثم اختار بني كنانة من بني إسماعيل، ثم اختار قريشاً من بني كنانة، ثم اختار بني هاشم من قريش، ثم اختار نبينا ﷺ من بني هاشم، فهو ﵊ خيار من خيار من خيار، فما خلق الله الخلق وجعلهم فرقتين إلا كان ﷺ في خير تلك الفرقتين، وما زال الناس يفرقهم الله شعوباً وقبائل وبيوتاً حتى انتهى بهم ﷻ -وهو العليم بخلقه- إلى بني هاشم، فجعلهم أفضل خلقه عموماً من حيث الإجمال، ثم جعل من بني هاشم نبينا وسيدنا وإمامنا ﷺ .
стр. 9
صلة بني المطلب ببني هاشم
ويضاف إلى ذلك أن هاشماً هو ابن عبد مناف، وعبد مناف ترك أربعة من الولد، ترك نوفلاً وترك عبد شمس وترك المطلب وترك هاشماً، وهذا مسألة يجب تحريرها؛ لأنها تتعلق بها مسائل شرعية.
فهؤلاء الأربعة إخوان من أبيهم الذي هو عبد مناف، ورسول الله ﷺ عندما ينسب ينسب إلى هاشم، لما حصل ما حصل ما حصل في شعب أبي طالب وحاصرت قريش النبي ﵊ في الشعب انضم أبناء المطلب إلى بني هاشم في الشعب كافرهم ومؤمنهم، وبقي بنو عبد شمس وبني نوفل مع قريش ضد النبي ﷺ وبني هاشم.
فهذا الموقف لبني المطلب حفظه النبي ﷺ لهم، فلما كانت غزوة خيبر وقسم النبي ﷺ الغنائم جاءه وفد من بني عبد شمس وبني نوفل، ومنهم جبير بن مطعم وعثمان ﵁؛ لأنه من بني عبد شمس، فقالوا: يا نبي الله! إنك أعطيت إخواننا من بني هاشم، وهذه لا تثريب فيها؛ لأن الله شرفهم بك، ولكنك أعطيت إخواننا من بني المطلب، ونحن وإياهم شيء واحد؛ لأن المطلب أخ لـ نوفل وأخ لـ عبد شمس، فقال ﷺ : (لا، إن بني المطلب لم يفارقونا في جاهلية ولا في إسلام، وشبك بين أصبعه)، ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أن بني المطلب يدخلون في آل البيت بمقتضى هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ، وهذه أهم ما يعرف من فوائد ذكر النسب الشريف على نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 10
ذكر بعض أخبار هاشم وعبد المطلب
وكان اسم هاشم عمراً، وإنما سمي هاشماً لأنه كان يكسر الخبز ويضعه مع المرق وكان يسمى ذلك عند العرب آنذاك الثريد ويطعم به الحجاج، وهو الذي سن رحلتي الشتاء والصيف، ولذا قال فيه القائل: عمرو الذي هشم الثريد لقومه قوم بمكة مسنتين عجاف سنت إليه الرحلتان كلاهما سفر الشتاء ورحلة الأصياف وهو الذي ينسب إليه ﷺ في المقام الأول، فيقال: النبي الهاشمي، وعندما يقال: النبي المضري يخرج بنو ربيعة.
ثم كان من أولاد هاشم عبد المطلب، وليس هو المطلب الأول، وهو جد النبي ﷺ وأحد الذين كفلوه كما سيأتي تحريره في موضعه، واسمه شيبة، فقيل له: شيبة الحمد، وإنما سمي عبد المطلب لأن المطلب أخا هاشم جاء المدينة وكان شيبة فيها صغيراً، وقد ولد بالمدينة ومات أبوه هاشم وتركه بها، فأخذ المطلب شيبة هذا وأردفه وراءه، ودخل به مكة، فلما دخل به مكة ظنه الناس من قريش عبداً للمطلب، فأخذوا يقولون: عبد المطلب، عبد المطلب حتى غلب عليه.
هنا تظهر فائدة ثانية قلما ينتبه لها، وهي أن النبي ﷺ قال مفتخراً: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)، فهذا الحديث قاله النبي ﷺ في غزوة حنين، والشراح عندما يأتون إلى ذلك يقولون: إنه لا يذكر الإنسان أنه عبد لغير الله، ويجوز من باب النسب، ويأتون بهذا الدليل، فيقولون: إن النبي ﷺ يقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)، وهذا وهم ممن قاله؛ لأن العبودية هنا لم يقصد بها القرشيون عبودية الذل وعبودية التعبد، وإنما قصدوا بها عبودية الرق، كما تقول: إن زيداً من الناس عبد لبني فلان، بمعنى أنه رقيق، لا أنه يعبدهم.
فقوله ﵊: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) لم يغير فيه ﵊ اسم جده، ولم يقل: إن عبد المطلب لم يكن عبداً؛ لأنه فهم الحال الذي وضع له الاسم، وهو أن قريشاً فهمت أن شيبة عبد للمطلب، أي أنه غلام، بمعنى عبودية رق، والعبودية ثلاثة أقسام: الأولى: عبودية رق وضدها الحرية، وهذه تسمى عبودية شرعية.
الثانية: عبودية ذل وقهر، وهذه يشترك فيها كل الخلق، فالملائكة والجن والإنس كلهم عبيد لله ﵎ من هذا الباب، ودليلها من القرآن: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣].
ودليل الأولى قوله تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة:١٧٨].
الثالثة: عبودية الطاعة، وتنقسم إلى قسمين: عبودية طاعة لله، وعبودية طاعة لغير الله ﵎، كما قال ﵊: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة) إلى آخر الحديث.
وعبودية طاعة الله هي التي يتنافس فيها المتنافسون ويشمر فيها العاملون، وهي التي بلغ النبي ﷺ الذروة منها، فكان كما سماه الله جل وعلا، حيث قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١]، فقصد الله بها هنا عبودية الطاعة.
فـ عبد المطلب جد النبي ﷺ الأول، ومن هذا نفهم أن النبي ﷺ من جهة أبيه وأمه عربي من العرب المستعربة.
стр. 11
أقسام العرب
والعرب ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: عرب بائدة، وعرب عاربة، وعرب مستعربة.
أما العرب البائدة فهم ثمود وعاد، فهذه أمم عربية كانت موجودة ثم بادت، ولم يبق لها على الأرض نسل، والعرب العاربة عرب أقحاح، وهم ذرية يعرب بن قحطان، فـ يعرب هو جد العرب، ويسمى هؤلاء بالقحطانيين نسبة إلى يعرب بن قحطان.
والقسم الثالث: العرب المستعربة، والسين والتاء في اللغة غالباً ما تعني الطلب، والاكتساب، فالعرب المستعربة ليسوا عرباً في أصلهم، وإنما اكتسبوا العروبة، فإسماعيل ﵊ هو ابن إبراهيم، وإبراهيم لم يكن عربياً، ولذلك جاء في القرآن ممنوعاً من الصرف للعلمية والعجمة، أي أنه: غير عربي.
فإبراهيم ﵊ ليس عربياً، وعليه فإسماعيل ليس عربياً، ولكن إسماعيل اكتسب العربية من جهة قبيلة زوجته؛ لأنه أخذها من جرهم، وجرهم قبيلة عربية قحطانية، فأخذ منهم إسماعيل، فمن ولدوا من ذرية إسماعيل وزوجته التي من جرهم يسمون عرباً مستعربة، ومنهم نبينا ﷺ .
فالعرب قحطانيون وعدنانيون، وهذا تقسيم، ويسمون عرب الشمال وعرب الجنوب، وهذا تقسيم، ويقال: عرب الحجاز، وهم العرب المستعربة في الغالب، وليس لهذا التقسيم قسيم.
فعلى هذا يفهم أن العرب أمة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عرب بائدة، وعرب عاربة، وعرب مستعربة، وأنه ﷺ من العرب المستعربة الذين اكتسبوا العربية من جرهم، وهي قبيلة قحطانية نزلت مكة وتزوج منهم إسماعيل ﵊، فهذا كله في ذكر نسبه ﷺ ، وقد بينا أهم ما فيه.
стр. 12
ذكر أول نبي
وقد ذكر المصنف أن إدريس ﵇ أو من نبئ وأول من خط بالقلم، وهذا ذكر أبو هلال العسكري في الأوائل، ولا دليل عليه، وإذا أطلقنا النبوة فمن الخطأ أن يقال: إن إدريس ﵇ أول من نبئ؛ لأن هذا قد يفهم منه بادي الرأي أن آدم ﵊ ليس بنبي، والمعلوم شرعاً أن النبي ﵊ سئل عن آدم: أنبي هو؟ فقال: (نعم، نبي مكلم)، فآدم نبي، فالقول بأن إدريس أول من نبئ غير صحيح، إلا أن يكون المقصود أول من نبئ بعد آدم ﵇، أما مسألة أنه أول من خط بالقلم وما إلى ذلك فلا سبيل ولا دليل إلى إثباته.
стр. 13
بيان المراد بقريش
وذكر المصنف أن قريشاً هو ابن فهر، والصواب أنه هو فهر نفسه، فقريش لقب لـ فهر واختلفوا لماذا سمي قريشاً، والأظهر أنه كان قادراً على أن يجمع الناس، وكان ذا سلطان، فلهذا سمي قريشاً، فقريش لقب لـ فهر غلب عليه حتى غلب على الاسم، وليس ابن فهر فهذا ما يتعلق بالنسب الشريف.
стр. 14
القول في مصير والدي رسول الله يوم القيامة
ثم بعد أن ذكر المصنف الاسم والنسب ذكر آمنة بنت وهب، وقد عرجنا عليها، والصواب عندنا من أقوال العلماء ألا يتكلم في شأن والديه ولا يحكم لهما لا بجنة ولا بنار، فهما من أهل الفترة، والله أعلم بحالهما، وإن كان الإمام السيوطي ﵀ ألف رسالة مشهورة اسمها (قرة العينين في نجاة الأبوين)، وحكم فيها بنجاة أبوي النبي ﷺ ، ولكن نقول: إن التوقف في هذه المسألة أفضل.
أما أبوه فقد مات في المدينة، ودفن بها، وقد أخطأ المصنف ﵀ عندما ذكر أن أباه دفن في الأبواء، وإنما الذي دفن بالأبواء هو أمه صلوات الله وسلامه عليه، وقد ثبت عنه ﷺ : (أنه وقف على قبر أمه وبكى، فقيل له: يا رسول الله! ما يبكيك؟ قال: هذا قبر أمي آمنة بنت وهب، سألت الله جل وعلا أن أزور قبرها فأذن لي، وسألته أن أستغفر لها فلم يأذن لي.
فبكى ﷺ وقال: حضرتني رقتها علي فبكيت، فبكى أصحابه رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم).
قال الحافظ ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية: رؤيت ساعة أكثر باكياً من تلك الساعة.
والمقصود أنه ﷺ بشر يحن إلى أبويه، وإن كانا ماتا على غير ملة الإسلام، وطالب العلم يفرق بين الكافر والمؤمن ومن لم يدرك الإسلام، فالمؤمن من جاءته الدعوة فقبلها، والكافر من جاءته الدعوة فردها، وأما الذي لم تبلغه الدعوة فلا يقال له: مؤمن؛ لأنه ما استجاب لشيء، ولا يقال له: كافر؛ لأنه لم يرد شيئاً، فأبواه ﷺ -على الصحيح- يحكم بأنهما من أهل الفترة، والله تعالى أعلم.
стр. 15
ذكر زمن مولده ﷺ
ثم ذكر مولده صلوات الله وسلامه عليه، ونبدأ بالمتفق عليه وننتهي بالمختلف فيه كما هي طريقتنا في الشرح.
فالمتفق عليه أنه ولد في يوم الإثنين، وهذا مقطوع به، فقد قال ﵊: (ذلك يوم ولدت فيه) أي: يوم الإثنين، واختلف في أي يوم كان من الشهر مع الاتفاق على أنه كان في شهر ربيع الأول.
والمشهور عند العلماء -نقل بعض العلماء الإجماع عليه- أنه كان في الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وهذا ما تجرأ عليه بعض العلماء فنقل الإجماع عليه، وليس عليه إجماع على الصحيح، وقيل: إنه في اليوم الثاني من شهر ربيع الأول، وقيل غير ذلك، ولكن الحساب الفلكي المعاصر يقول: إن يوم الإثنين في عام مولده ﷺ لا يمكن أن يكون اليوم الثاني عشر، وإنما هو اليوم التاسع من شهر ربيع الأول.
فإن قال قائل: كيف يعرف بالفلك المعاصر الآن يوم قد مر عليه أكثر من ألف وأربعمائة وخمسين عاماً أو أكثر؟ فإننا نقول: إنه إذا دخل رمضان في يوم الجمعة، فبالحساب المعروف والمعقول والمعهود الذي لا يختلف فيه اثنان يستحيل أن يكون عيد الفطر في ذلك العام في يوم الجمعة؛ لأن الشهر ثلاثون يوماً، فإما أن يكون يوم الجمعة يوم ثمانية وعشرين، ولا يعقل أن يكون الشهر أقل من تسعة وعشرين، وإما أن يكون بعده بأسبوع، فيكون في اليوم الخامس والثلاثين، والشهر لا يكون خمسة وثلاثين يوماً، فعندما تقطع بأنه لا يمكن أن يكون العيد في هذا العام في يوم الجمعة فهذا بناء على حساب معروف، فهو ﵊ ثبت عنه أنه وقف في عرفة في شهر ذي الحجة من العام العاشر في يوم الجمعة، فيمكن أن يرجع الإنسان إلى الخلف فيعرف أي يوم الإثنين في شهر ربيع الأول كان يوم مولده، ويوم الجمعة كذلك كان في اليوم السابع عشر في شهر رمضان الذي قاتل فيه النبي ﷺ في غزوة بدر، فمن الممكن أن ترجع إلى الوراء لتعرف، ولكن الفلكيين يرجعون إلى حسابات غير هذا، وأنا أتكلم في أن الأمر يمكن أن يستدل عليه بيسر.
وأكثر العلماء على أنه ولد عام الفيل، وعام الفيل هو العام الذي غزا فيه أبرهة الأشرم الكعبة، وهذا ثابت جملة بنص القرآن، قال الله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١]، فأصحاب الفيل هم أبرهة وجيشه ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ﴾ [الفيل:٢] أي: مكرهم وإرادتهم الكعبة بسوء ﴿فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:٢ - ٥].
ففي هذا العام الذي كان فيه محاولة غزو الكعبة من أبرهة -والعرب تؤرخ بالأحداث العظام- ولد نبينا ﷺ ، فأصبح المتفق عليه أنه ولد في عام الفيل في يوم الإثنين من شهر ربيع الأول، مع الخلاف في أي يوم ولد فيه تاريخياً، ولا ريب في أن يوم مولده لم يكن يوماً عادياً قطعاً: يوم يسير على الزمان صباحه ومساؤه بمحمد وضاء وإن كنا نعلم أنه لا يتعلق بمعرفة يوم مولده أمر شرعي، إلا أن يوم مولده ﷺ لن يكون يوماً عادياً، فإن الدنيا بعد ولادته ﷺ لم تكن كالدنيا قبل ولادته صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 16
ذكر مرضعاته ﷺ
ثم انتقل المصنف إلى مرضعاته صلوات الله وسلامه عليه، وأول من تولى رضاعته أمه آمنة بلا شك، وقد أرضعته ثلاثة أيام على المشهور عند العلماء، ثم أرضعته ثويبة جارية لـ أبي لهب، وكان لها ولد يقال له: مسروح، فأرضعته بلبن ابنها مسروح وأرضعت معه عمه حمزة بن عبد المطلب، فأصبح حمزة ﵁ وأرضاه عم النبي من جهة النسب وأخاه من جهة الرضاعة.
стр. 17
ذكر خبر رضاعته من حليمة السعدية
ثم أرضعته حليمة السعدية ﵂ وأرضاها حيث قدمت إلى مكة فأخذته معها -في قصة معلومة عجيبة سنتعرض لها تفصيلاً- إلى بادية بني سعد الموجودة إلى اليوم في جنوب الطائف، فمكث في بادية بني سعد ﷺ أربع سنين، وفي بادية بني سعد كانت حادثة شق الصدر الأولى.
والعلماء ﵏ إذا عرجوا على ذكر حليمة السعدية لا يدخلون بقلمهم في الكتاب، وإنما ينقلون ما قصته حليمة فيما نقله محمد بن إسحاق بن يسار المدني إمام أهل السير في قصة إرضاع حليمة لنبينا ﷺ ، ونحن لسنا أحسن من أولئك حالاً ولا أفصح منهم مقالاً، فإن تحديث حليمة بنفسها عن قصة رضاعته ﷺ أبلغ من خطاب أحد غيرها، وسأذكره على وجه الإجمال.
قال ابن إسحاق: وحدثني جهم مولى الحارث بن حاطب الجمحي عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أو عمن حدثه عنه قال: كانت حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية أم رسول الله ﷺ التي أرضعته تحدث أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر تلتمس الرضعاء، قالت: وهي في سنة شهباء لم تبق لنا شيئاً، قالت: فخرجت على أتان لي قمراء معنا شارف لنا والله ما تبض بقطرة وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا من بكائه من الجوع، ما في ثديي ما يغنيه وما في شارفنا ما يغذيه -والشارف: الناقة المسنة- وكلنا كنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتاني تلك، فلقد أدمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفاً وعجفاً، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه إذ قيل لها: إنه يتيم؛ وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم وما عسى أن تصنع أمه وجده؟! فكلنا نكره لذلك، فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعاً غيري، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعاً، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، قال: لا عليك أن تفعلي عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة، قالت: فذهبت إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره، قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا إنها لحافل فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا رياً وشبعاً، فبتنا بخير ليلة، قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي -والله يا حليمة - لقد أخذت نسمة مباركة، قالت: فقلت: والله إني لأرجو ذلك، قالت: ثم خرجنا وركبت أتاني وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالركب ما يقدر عليها شيء من حمرهم حتى إن صواحبي يقلن لي: يا بنت أبي ذؤيب! ويحك أربعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله إنها لهي هي، فيقلن: والله إن لها لشأناً، قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضاً من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا به معنا شباعاً لبناً فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم؛ اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب.
فتسرح أغنامهم جياعاً -أي: تروح أغنامهم جياعاً- ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعاً لبناً، فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشب شباباً لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاماً جفراً، قالت: فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شيء على مكثه فينا؛ لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه، وقلت لها: لو تركت بني عندي حتى يغلظ؛ فإني أخشى عليه وباء مكة، قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا، قالت: فرجعنا به، فوالله إنه بعد مقدمنا بأشهر مع أخيه لفي بهم لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتد، فقال لي ولأبيه: ذلك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فاضطجعاه فشقا بطنه فهما يسوطانه، قالت: فخرجت أنا وأبوه نحوه، فوجدناه قائماً منتقعاً وجهه، قالت: فالتزمته والتزمه أبوه، فقلنا له: ما لك يا بني؟ قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فاضطجعاني وشقا بطني، فالتمسا به شيئاً لا أدري ما هو.
قالت: فرجعنا إلى خبائنا، قالت: وقال لي أبوه: يا حليمة! لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب، فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به، قالت: فحملناه فقدمنا به على أمه، فقالت: ما أقدمك به يا ظئر -أي: يا مرضعة- وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك؟ قالت: فقلت: نعم قد بلغ الله بابني وقضيت الذي علي وتخوفت الأحداث عليه، فأديته عليك كما تحبين، قالت: ما هذا شأنك فاصدقيني خبرك، قالت: فلم تدعني حتى أخبرتها، قالت: أفتخوف عليه الشيطان؟ قالت: قلت: نعم، قالت: كلا والله، ما للشيطان عليه منه سبيل، وإن لبني لشأناً، أفلا أخبرك ما خبره؟ قالت: قلت: بلى، قالت: رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء لي به قصور بصرى من أرض الشام، ثم حملت به، فوالله ما رأيت من حمل قط كان أخف ولا أيسر منه، ووقع حين ولدته وإنه لواضع يده بالأرض رافع رأسه إلى السماء، دعيه عنك وانطلقي راشدة.
هذا ما ذكره الإمام ابن إسحاق ﵀ وأخذه عنه أهل العلم، والسند فيه ما فيه كما قال العلماء، ولكن الحديث أصله في صحيح مسلم؛ فإن شق الصدر ثابت في صحيح مسلم عنه صلوات الله وسلامه عليه.
والذي يعنينا من هذا المقام أن مرضعاته صلوات الله وسلامه عليه ثلاث: أمه آمنة، وثويبة جارية أبي لهب، وحليمة السعدية.
стр. 18
ذكر أسمائه ﷺ
وهنا فصل في ذكر أسمائه صلوات الله وسلامه عليه، وتحرير المسألة أن يقال: إن من أسمائه ﷺ ما يشاركه فيه الناس، مثل: محمد وأحمد، فالناس يسمون بمحمد وأحمد، ولهذا لم يقل ﷺ في تفسيرهما شيئاً، فقال: أنا محمد، ولم يبين، وقال: أنا أحمد، ولم يفصل؛ لأنهما من الأسماء المشتركة التي يسمى بها غيره، ولكن عندما قال: أنا الماحي أنا العاقب فصل صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن الماحي والعاقب يتعلقان بكونه نبياً ورسولاً، لا بكونه رجلاً ينادى بين الناس.
فهو الماحي لكونه ﵊ يمحي به الكفر، والعاقب لأنه: جاء عقب النبيين ﵊، وهذان يتعلقان برسالته، فلهذا بين معنى الماحي، وبين أنه العاقب الذي يحشر الناس على يديه.
وأحمد هو الاسم المسمى به في الإنجيل، ومحمد هو الاسم المسمى به ففي التوراة، في التوراة جاء أن اسمه محمد، وفي الإنجيل جاء أن اسمه أحمد.
والحديث -كما بين المصنف- أخرجه الإمام مسلم في الصحيح، وقد ذكر فيه النبي ﷺ أسماء خاصة به، كمحمد وأحمد بالنسبة للنبيين، أي: لا يوجد نبي من الأنبياء اسمه محمد ولا يوجد نبي من الأنبياء اسمه أحمد ولكن كلمة (نبي التوبة) تطلق عليه وعلى غيره من الأنبياء، و (نبي الرحمة) تطلق عليه وعلى غيره من الأنبياء؛ لأن كل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا رحمة وتوبة للناس، والفرق بينه وبينهم أن له ﷺ منها الحظ الأوفر والنصيب الأكمل.
والأسماء الأولى التي ذكرها ﷺ ونقلها المصنف تدل على رفيع مقامه ﵊ عند ربه وعلو منزلته.
стр. 19
ذكر بعض خصائصه ﷺ
وله ﵊ خصائص في الدنيا وخصائص في الآخرة، والمقام المحمود خصيصة في الآخرة، وهو أعظم خصائصه ﷺ ، فقد قال ﵊ -كما في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا علي، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد، وأرجو أن أكون أنا هو) صلوات الله وسلامه عليه، ونحن نقول كما علمنا نبينا ﵊: (وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته)، والله جل وعلا قال له في الإسراء: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، فالمقام المحمود له ﷺ ، وله لواء الحمد، فقد قال ﵊ في حديث صحيح: (ولواء الحمد يومئذ بيدي) فكل الناس -آدم فمن سواه- تحت هذا اللواء الذي يحمله صلوات الله وسلامه عليه.
والمقصود بيان رفيع مقامه وجليل مكانته، ولا أريد أن أفصل في هذا أكثر؛ لأن هذا سيأتي بيانه في فصول قادمة، ومعلوم من الدين بالضرورة مقامه صلوات الله وسلامه عليه بين خلق الله أجمعين ورفيع منزلته وعلو درجته ﵊ عند ربه.
قال المصنف: [وسماه الله بشيراً ونذيراً ورءوفاً ورحيماً ورحمة للعالمين]، هذه الكلمات الأفضل أن يقال فيها: إنها صفات أكثر من كونها أسماء؛ لأن جميع الرسل كانوا مبشرين وكانوا منذرين وكانوا رؤفاء بأممهم، وكانوا رحمة للعالمين أجمع، والفرق بينهم وبينه صلوات الله وسلامه عليه أن له المقام الأعلى، فهو أوفر حظاً وأكمل نصيباً ﵊.
ولا ريب في أن الله أعد نبيه ﷺ لهذا الأمر العظيم منذ الأزل، فكان بدهياً أن يتعاهده ربه جل وعلا، والله جل وعلا قد قال لموسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، فإذا كان هذا في حق موسى فكيف بحق محمد ﷺ ؟!
стр. 20
كفالة جده وعمه له ﷺ
وذكر المصنف ما أفاء به الله جل وعلا عليه من إيواء جده عبد المطلب له أول الأمر، ثم عمه أبي طالب، وكلا الرجلين بذلا جهداً عظيماً في كفالة نبينا ﷺ .
أما عبد المطلب فقد كان يقربه منه، وكان يفرش له فراشاً عند الكعبة فيجلس ﷺ بجوار جده، ولا يعاتبه أحد رغم أن عبد المطلب كان وجيهاً سيداً مطاعاً مهاباً، ولكن كانت الحظوة برسول الله ﷺ وهو صبي عند جده عظيمة.
فلما مات كفله عمه أبو طالب، وأبو طالب اسمه عبد مناف، وهذا العم مات على غير إسلام، ولكن ذلك يمنع القول بأنه كان من أعظم النصراء لنبينا ﷺ ، ومما ينقل عنه في تعهده لنبينا ﵊ صغيراً وكبيراً أن قريشاً كانت تطلب من أبي طالب أن يستسقي لهم إذا أجدبت الديار -كما نقل ابن عساكر في تاريخ دمشق- فجاء أبو طالب وحمل النبي ﷺ ، وكان يومئذ صغيراً أبيض، فألصقه بجدار الكعبة، فلما ألصقه بجدار الكعبة أشار ﷺ بإصبعه إلى السماء وهو صبي، فجاء السحاب من كل مكان، فسقوا حتى سال الوادي، فقال أبو طالب في لاميته بعد ذلك: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل فهذا من حظوة النبي ﷺ عند أبي طالب، فلما كبر بقيت هذه الحظوة كما هي، وكان ﷺ قد رباه الله وتعهده بأنه يفقه يفعل وما يصنع من دون أن يعلم أنه سيكون نبياً، فكان يرعى الغنم على قراريط لأهل مكة من أجل أن يسد العوز والفقر والحاجة المالية التي كانت موجودة عند أبي طالب حتى لا يكون عبئاً عليه، فلما حوصرت بنو هاشم في الشعب كان أبو طالب -رغم كفره- أحد الذين حوصروا مع النبي ﷺ في الشعب.
وبلغ من محبته للنبي ﷺ أنه كان إذا جاء الليل يحمل النبي ﵊ من مكانه ويضعه في مكان آخر، ثم يأتي بأحد أبنائه ويضعه مكان النبي ﵊، حتى إذا بيت أحد النية على أن يغتال النبي ﵊ وهو نائم فإنه يغتال ابنه لصلبه، ولا يغتال النبي ﵊.
فهذا كان يفعله كله وهو مشرك، يقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٦]، ينهون أي أحد عن أن يصل إلى النبي ﷺ ، ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٦]، فلا يقبلون الدخول في الدين، حتى تعلم أن الهداية مردها إلى الرب ﵎.
стр. 21
الرحلة الأولى إلى الشام
ثم كانت رحلة النبي ﷺ الأولى إلى الشام، وفيها كان خبر بحيرى الراهب، وما نقل من أن الراهب قال: إنه لما دخل لم يبق حجر ولا شجر إلا سجد له، فغير ثابت، وإن ثبت فمحمول على أن المقصود بالسجود هنا سجود تحية لا سجود عبادة؛ لأن الله لا يأذن لأحد شرعاً أن يسجد لغيره ﵎، فسجود الملائكة لآدم وسجود إخوة يوسف ليوسف كله كان سجود تحية ولم يكن سجود عبادة.
والمقصود أنه ﷺ كان معروفاً في التوراة، وهذا الراهب اطلع على ما في التوراة، فعرف من الدلائل ما يدل على أنه ﷺ سيكون خاتم الأنبياء.
стр. 22
زواجه بخديجة رضي الله تعالى عنها
والرحلة الثانية كانت -كما ذكر المصنف- مع ميسرة غلام خديجة، وهي أحد الأسباب التي أرادها الله أن تقع ليتزوج ﷺ من خديجة بنت خويلد.
ونقف هنا عند خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فـ خديجة لها خصائص لا يشاركها فيها واحدة من أمهات المؤمنين، ولها خصيصة واحدة لا يشاركها فيها واحدة من نساء العالمين، فمن الخصائص التي لم يشاركها فيها واحدة من أمهات المؤمنين: أن النبي ﷺ لم يتزوج عليها وهي حية، فلم يجمع بينها وبين غيرها من النساء.
والثانية: أن الله رزقه منها الولد، ولم يرزقه الولد من غيرها، إلا ما كان من جاريته مارية أم إبراهيم.
فهذه من الخصائص التي تفردت بها خديجة رضي الله تعالى عنها عن أمهات المؤمنين.
وأما الخصيصة التي تفردت بها عن نساء العالمين أجمعين فهي أن الله جل وعلا بلغها سلامه مع جبريل ﵇، وهذه خصيصة لا يعلم نقلاً أن واحدة من نساء العالمين نالتها، فرضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد ثبت عنه ﷺ -كما في الصحيحين- أنه قال: (إني رزقت حبها)، أي: حب خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
والمقصود أن الرحلة الثانية له ﷺ كانت إلى الشام، وخديجة هي أول نسائه، وسيأتي فصل عن نسائه صلوات الله وسلامه عليه.
فلما بلغ خمساً وعشرين سنة تزوج خديجة ﵍، هكذا قال المصنف، فلما بلغ أربعين سنة اختصه الله بكرامته.
стр. 23
كرامات خديجة الإلهية وخصائصها
стр. 24
سبقها بالإسلام كل الأمة
وكانت خديجة قد تزوجت قبله رجلين هما عتيق بن عائذ، وأبو هالة التميمي وكلاهما توفيا عنها، ثم تزوجت نبينا ﷺ وعمره إذ ذاك خمس وعشرون سنة، وعمرها أربعون سنة، فالفارق بينهما خمسة عشر عاماً، وهذا المرأة هي سيدة نساء العالمين على الصحيح، وقد اختصها الله جل وعلا بكرامات، منها كرامات إلهية ومنها كرامات نبوية، وكل من عند الله.
أما الكرامات الإلهية فإنها أول إنسان في هذه الأمة آمن بنبينا ﷺ ، قال عز الدين بن بكير ﵀: وأجمع المسلمون على أن خديجة بنت خويلد أول الناس إسلاماً من هذه الأمة، فلم يسبقها إلى الإسلام أحد، لا أبو بكر ولا غيره من الصحابة ﵃ وأرضاهم، فمنذ أن نزل ﷺ من الجبل إلى بيت خديجة لم يقابل أحداً ويعرض عليه الدين، فعرض الدين أول الأمر على خديجة خائفاً، وقال: (حتى خشيت على نفسي) فقالت: لا والله لن يخزيك الله أبداً، وهي امرأة تتكلم بعقل ومنطق، فلما أقسمت كان يجب عليها أن تأتي بالدليل على قسمها، وهو ما يسمى في علم المنطق بالاستنباط أو بالاستقراء، فقالت: (إنك لتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق، وتصدق الحديث)، وذكرت فضله ﷺ ، وهي زوجته وأعلم الناس به، وقد يكون الإنسان سخياً في الظاهر بخيلاً على أهله، وقد يكون الإنسان حليماً في الخارج ويغضب على أهل بيته، وقد يكون الإنسان عدلاً بين الناس جائراً في منزله جائراً على طلابه، ولكن هذه الزوجة تعرف كل شيء من مخبره ومظهره وباطنه ﷺ ، فأقسمت على أنه لن يخزيه الله، فكانت أول خلق الله إسلاماً من هذه الأمة.
стр. 25
سلام الله تعالى عليها
الخصيصة الإلهية الثانية: أنه نزل جبريل من السماء -كما في الخبر الصحيح- فقال لنبينا ﷺ : (هذه خديجة بنت خويلد ستأتيك، فإذا هي أتتك فاقرئها من الله ومني السلام، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.
فلما جاءت خديجة أخبرها النبي ﷺ بما قال جبريل، فقال: إن الله يقرئك السلام وجبريل يقرئك السلام).
ولم يبلغنا -فيما نعلم- أن الله جل وعلا أرسل سلاماً إلى امرأة إلا لـ خديجة بنت خويلد، وهذه المنقبة لو عرفت مقدار عظمة الله لعرفت مقدار عظمتها، وذلك أن يبعث الله بسلام منه إلى امرأة تمشي على قدميها بين الناس، والرسول بين الله وبين خديجة جبريل، ثم محمد ﷺ ، وانظر إلى تأدب جبريل، فقد كان بإمكان جبريل أن يقول هذه الرسالة لـ خديجة مباشرة، ولن يغار النبي ﷺ من جبريل؛ لأن جبريل ليست الشهوة موجودة فيه، فالملائكة لا يتناكحون ولا يتناسلون، ولكن كل شيء له باب، والله يقول: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة:١٨٩]، فلا يعقل أن يكلم أحد زوجة رجل وهو موجود، فأقرأه جبريل السلام لها فأقرأها النبي ﷺ السلام.
ثم انظر إلى فقهها ﵂ مع أن الإسلام في أول أيامه، فقد قالت: إن الله هو السلام، وعليك وعلى جبريل السلام.
ولم تقل: وعلى الله السلام، مع أن الصحابة لما هاجروا إلى المدينة وفرضت الصلاة كانوا يقولون: السلام على الله، السلام على جبريل، فأخبرهم النبي ﷺ بأن الله هو السلام، ولا ينبغي أن يقال: السلام على الله، وعلمهم ﷺ يقولون، فهذه من مناقبها ﵂ وأرضاها، وهاتان خصيصتان من الله جل وعلا.
стр. 26
مبالغة النبي ﷺ في إكرامها
ومن الخصائص الإلهية التي تندرج في الخصائص النبوية أن النبي ﷺ كان يكرمها أعظم الإكرام، ومن دلائل إكرام النبي ﷺ لها ما يأتي: أولاً: لم يتزوج عليها صلوات الله وسلامه عليه مدة حياتها حتى ماتت عن خمس وستين سنة، وكان عمره ﷺ عندما ماتت قرابة الخمسين عاماً، فعاشت معه ﵂ وأرضاها خمساً وعشرين سنة، فلم يتزوج عليها ولم يتسر أيام حياته معها.
ثانياً: أن النبي ﷺ أكثر من ذكرها وهو في المدينة، فقالت له عائشة وقد أصابتها الغيرة: (وهل كانت إلا عجوزاً قد أبدلك الله خيراً منها.
فقال: لا والله ما أبدلني الله خيراً منها؛ لقد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وكان لي منها الولد) ولم تنجب واحدة من زوجات النبي ﷺ غير خديجة، اللهم إلا ما كان من أمر جاريته مارية القبطية، فقد تسراها ﷺ فأنجب منها إبراهيم، وأما زوجاته اللاتي هن أمهات المؤمنين فلم تنجب منه ﷺ واحدة منهن، إلا خديجة أنجبت منه غلامين وأربع بنات، وسيأتي فصل في ذكر أولاده ﷺ .
ثالثاً: أنه لما ماتت نزل النبي ﷺ قبرها ودفنها ولم يصل عليها؛ إذ لم تكن الصلاة قد فرضت، وماتت وبنو هاشم لتوهم خارجون من الشعب قبل أن تفرض الصلاة، والصلاة إنما فرضت بعد رحلة الإسراء والمعراج، ففي صبيحة ليلة الإسراء والمعراج عند الظهر نزل جبريل فأم النبي ﷺ ، وقبلها لم تكن الصلاة مفروضة الفرض فضلاً عن صلاة الجنازة وهي نافلة، فلم يصل عليها ﷺ ، وإنما نزل قبرها ﵂ وأرضاها.
فهذه بعض مناقب أم المؤمنين ﵂ وأرضاها خديجة بنت خويلد التي تزوجها النبي ﷺ .
وهذا كله يندرج في عناية الله بنبيه، فإن قلت: أين عناية الله بنبيه من هذا الزواج؟ فنقول: إن الله علم أن هذا النبي سيبلغ الوحي، وهو يحتاج في أيام الدعوة إلى امرأة تنصره، ولا يحتاج إلى امرأة شابة تكثر مطالبها، وإنما يحتاج إلى امرأة راشدة عاقلة، فالنبي ﵊ ترك عندها الأبناء والبنات وذهب إلى غار حراء يتحنث الليالي ذوات العدد، فلما رجع لم تخبره ولم تلمه ولم تعنفه على أنه تركها وترك الأبناء، وإنما ضمته إلى صدرها، وهو يقول: زملوني زملوني، فلما سمعت ذلك منه أخذت بيده، وذهبت به إلى ورقة بن نوفل ابن عمها، فقالت: اسمع من ابن أخيك، وأخذت تعضده وتأويه ﷺ وتنصره وتعينه بإيمانها، كما قال صلوات الله وسلامه عليه بعد ذلك عنها، فحفظ النبي ﷺ لها هذا الجميل، وهذا كله من عناية الله بنبينا صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 27
سلسلة الأيام النضرة في السيرة العطرة [أعمامه وعماته، أزواجه، خدمه]
في هذه المادة تجد الكلام عن أعمام النبي ﷺ ؛ عمن أسلم منهم ومن لم يسلم منهم، وعمن لم يدرك البعثة، وذكر شيء من أخبارهم.
وتجد أيضاً الكلام على عمات النبي، من أسلم منهن، ومن لم تدرك البعثة، وذكر شيء من أخبارهن.
وكذلك تجد الكلام عن أزواجه اللاتي عقد عليهن، وهن أقسام: فمنهن من دخل بها ومنهن من لم يدخل بها، ومنهن من كان يقسم لهن ومنهن من كان لا يقسم لهن، ومنهن من ماتت في حياته ومنهن من عشن بعده.
والكلام أيضاً على خدمه، وعمل كل واحد منهم.
стр. 28
ذكر أعمام النبي ﷺ
ذكر صاحب المتن أعمام النبي ﷺ ، وقبل التعليق على هذا يحسن أن تعلم أن العم معروف أنه أخو الوالد، وأن عبد المطلب هو جد النبي ﷺ ، ولم يكن له في أول الأمر إلا ابن واحد، ثم إنه اشتد عليه بعض الخلاف مع زعماء قريش فنذر إن رزقه الله أولاداً يمنعونه أن يذبح أحدهم، وهذا في الجاهلية، فرزقه الله جل وعلا أولاداً، فأراد أن يذبح ابنه عبد الله، ثم حصل ما حصل من قضية الاستهام، ففدي عبد الله بمائة من الإبل، فهؤلاء كلهم إخوة لـ عبد الله والد النبي ﷺ ، فأصبح إخوة أبيه أعمامًا له.
نعود لأصل الموضوع: أصل الموضوع أن لوطًا ﵊ -ويحسن بطالب العلم أن يربط بين حياة الأنبياء، ويفقه السنن التي يبعث الله جل وعلا من أجلها الرسل- كان ابن أخ لإبراهيم ﵊، فلما هاجر لوط ونزل أرض سدوم في جهة البحر الميت اليوم، وجاءته الملائكة بصورة أناس ذوي وجوه حسان تامي الخلقة، وفتن بهم قوم لوط، ودخلوا عليه وراودوه عن ضيفه كما قال القرآن، قال لوط -كما قال الله-: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠]، فكان يتمنى أن يكون له قوم ينصرونه على هؤلاء؛ لأنه لو كان منيعاً لما تجرأ هؤلاء عليه، قال ﷺ كما في البخاري وغيره قال: (فما بعث الله نبياً بعده إلا في منعة من قومه).
فكان للنبي ﷺ أعمام، وبنو هاشم كانوا لهم صيت عند القرشيين، وهذا كله من أجل حفظ نبينا ﷺ ، وقد بينا في السابق أن الإنسان قد يستفيد حتى من الكافر، فبنو هاشم مؤمنهم وكافرهم كانوا عصبة للنبي ﵊، وقلنا إنهم جميعاً دخلوا معه الشعب المؤمن منهم والكافر، وقبلوا الحصار؛ لأنهم يشعرون بالأنفة والحمية لمن يحمونه ولو كانوا يخالفونه.
стр. 29
أقسام أعمام النبي من حيث الإسلام وعدمه
والشاهد من هذا كله أن النبي ﵊ كان له أعمام كثيرون، لكن هؤلاء الأعمام أنت لست ملزماً بحفظهم، وإنما ذكرهم صاحب المتن من باب التعلم، والذي أنت ملزم به هو التصور الكامل للمسألة، وأن تعلم أن أعمام النبي ﷺ يمكن تقسيمهم إلى ثلاثة أقسام: قسم لم يدرك نبوة الرسول ﷺ ومبعثه، وبالتالي عندما لم يدرك النبوة لم يدرك المبعث، فيكون قد مات على دين آبائه، فهو من أهل الفترة، فيجري عليه ما يجري على أهل الفترة؛ لأنه ما أدرك بعثة النبي ﷺ .
القسم الثاني: أدرك مبعث النبي ﷺ ولم يؤمن، وهذا يضم اثنين شهيرين: أبو طالب وأبو لهب، فكلاهما أردك البعثة النبوية ولم يؤمن، وهذا القسم نفسه ينقسم إلى قسمين: قسم لم يؤمن وناصر النبي ﷺ ، وهو أبو طالب.
وقسم لم يؤمن وعادى النبي ﵊ ولم ينصره، وهو أبو لهب، وسمي أبا لهب لجمال خديه ونورهما، وإلا فاسمه الحقيقي عبد العزى، وإنما أبو لهب كنيته، وفي هذا نزل قول الله جل وعلا: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:١ - ٢].
وهذه الآية من أعظم السور الدالة على أنه لا يمكن لأحد أن يخرج عن مشيئة الله، وذلك أن النبي ﵊ يقول: هذا القرآن من عند الله، وقريش تقول -ومن ضمنها أبو لهب -: هذا القرآن ليس من عند الله، فلما قال أبو لهب لنبينا ﵊: تباً لك سائر اليوم؛ ألهذا جمعتنا؟! أنزل الله على نبينا هذه السورة، فقال ﵊ يتلوها: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:١ - ٣].
ومعلوم أن النار ذات لهب لا يصلاها المؤمن، وإنما يصلاها الكافر، فهو يقول للناس وأبو لهب يسمع: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣]، فكان بإمكان أبي لهب أن يقول للناس: محمد يقول: إنني في النار، وأنا الآن مؤمن بمحمد؛ حتى يبطل على النبي القرآن، إذاً فمحمد كذاب.
فهذه على سهولتها لم يستطع أن يقولها، وإلا لو قالها لخرج، لكن الله جل وعلا يعلم يقيناً أنه لن يقولها، ولذلك قال الله: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣]، وأنا لا أريد أن أخرج من السيرة إلى التفسير، ولكن من أراد أن يخشع في القرآن فليتدبر القرآن في المقام الأول، ففي القرآن كنوز ليس هذا وقت إخراجها، من رزق قدرة على التفسير فسيرى شيئاً عجباً في دلائل قدرة الله، لكن كما قلت: لا أريد أن أخرج إلى هذا المنحى.
والمقصود أن أبا لهب لم يؤمن بالنبي ﷺ وعاداه.
القسم الثالث: قسم أدرك البعثة وأسلم، وهما حمزة والعباس، وحمزة ﵁ تقدم إسلامه، وأما العباس فقد تأخر إسلامه إلى قريب من زمن الفتح، وبعض المؤرخين يقول: إنه أسلم قبل ذلك، لكنه ما أشهر إسلامه إلا في زمن الفتح، والذي يعنينا أنه أسلم ومات على الإسلام.
стр. 30
ذكر حمزة ﵁ وذكر قصة قتله
وحمزة هو أخو النبي ﵊ من الرضاعة، وكنيته أبو عمارة، ولم يترك إلا ابنة ماتت قبل أن تنجب، فالنسب إذاً إلى حمزة منقطع، فلا يوجد أحد اليوم من ذرية حمزة بن عبد المطلب ﵁ وأرضاه، وهذا الصحابي الجليل أسلم قديماً، أي: أنه من السابقين الأولين من المسلمين، ثم هاجر مع النبي ﵊، وكان ينصر الرسول في مكة، فلما هاجر كان فارساً مقداماً ورجلاً شجاعاً، فلما كانت يوم بدر كانت لـ حمزة اليد الطولى في رفع لواء أهل الإسلام؛ لأنه كان رجلاً فارساً مغواراً، فكان أكثر من مات من القرشيين مات بسبب قتل حمزة له، وممن قتل رجل يقال له: مطعمة بن عدي، ومطعمة هذا عم لرجل اسمه جبير بن مطعم، فـ مطعم ومطعمة أخوان، ومطعم له ابن اسمه جبير أسلم بعد ذلك.
فـ جبي ر هذا جاء لغلام اسمه وحشي، ووحشي هذا كان عبداً عند جبير، ولا يعنيه هل ينتصر المسلمون أو ينتصر الكافرون، لا تضره ذلك شيئاً، لكنه كان غلاماً يجيد الرمي بالحربة، فجاءه جبير وعرض عليه أكثر شيء يتمناه وهو الحرية، فقال له: إن قتلت حمزة فأنت حر، فأعد وحشي حربة له، ولما جاء أبو سفيان بجيشه في أحد جاء معه، وليس له هم إلا حمزة، فتربص به والناس يقتتلون، وهو لا ينتصر لا لهؤلاء ولا لهؤلاء، ويوجد في كل قوم أقوام من الساقة ليس عليهم بأس، فأخذ يتربص بـ حمزة وحمزة يفتك في الناس، حتى جاء حمزة لرجل قرشي كانت أمه تختن النساء في الجاهلية، فناداه حمزة: هلم إليّ يا بن كذا وكذا يسبه ويعيره بأمه، ثم ضربه فمات، فلما فرغ والتف إذا بـ وحشي يرميه بالحربة فسقطت في أعلى سرته ونزلت من ثنته، فسقط على الأرض وأخذ يتلوى، ولم يكن بجواره أحد ينقذه، يقول وحشي راوي الخبر: وأنا أنظر إليه، أي: أنه يريد الحربة، قال: وأنا أنظر إليه حتى تيقنت أنه مات، فقام إليه وحشي وأخذ الحربة، قال وحشي: وليس لي شأن ولا هم في غيره، فهمّي حريتي وقد نلتها، ثم انتظر قليلاً حتى ينتهي الناس من الحرب، وجاءت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان فكأنها قطعت شيئاً من جسد حمزة، فجاء النبي ﷺ وحمزة قد مثّل به فحزن حزناً شديداً، وكان ﵊ يحب حمزة حباً شديداً، فقال: لولا أن تبكي عليه صفية وهي عمة النبي ﷺ وأخت حمزة الشقيقة -لتركت حمزة هكذا حتى يحشر من بطون السباع والوحوش والطير، لكنه دفنه ﵊ كما دفن معه بقية الشهداء وقال ﵊ بعد ذلك: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ثم ذكر رجلاً آخر يقوم إلى إمام جائر فيأمره فينهاه فيقتله الإمام).
стр. 31
ذكر شيء من خبر وحشي ﵁
ثم إن وحشياً هذا رجع إلى مكة ونال حريته، ثم عاش حتى جاء النبي ﵊ ودخل مكة، ففر إلى الطائف، فلما ذهب النبي ﵊ إلى الطائف وأسلم أهلها قال: قلت في نفسي: أذهب إلى الشام أذهب إلى اليمن، فبلغني أن النبي ﵇ لا يؤذي أحداً دخل في دين الله، فقدم المدينة والنبي ﵊ فيها، فلما رآه ﵊ قال: (أنت وحشي؟ قال: نعم يا رسول الله! قال: أنت قتلت حمزة؟ قال: نعم، قال: نعم، قال: كيف قتلته؟ فأخذ وحشي يقص على النبي ﷺ قتله لحمزة، وعيناه ﵊ تذرفان)؛ حزناً على عمه، ثم قال له: (غرب وجهك عني) أي: لا أستطيع أن أراك، فهناك حقوق شرعية وهناك حقوق خاصة، فالحق الشرعي أن النبي ﷺ لا يستطيع أن يمنع وحشياً من الإسلام؛ لأن هذا دين، هو ﵊ ما بعث إلا رحمة للعالمين، وأما الحق الخاص الشخصي فلا يستطيع الإنسان أن يتخلص منه، فهو شيء في القلب، فهو ﵊ لا يستطيع أن يطيق رجلاً قتل عمه الذي من أحب الناس إليه، والذي ناصره، وقتله هكذا غيلة من غير مواجهة، فقال له: (غرب وجهك عني)، فكان وحشي ﵁ وأرضاه يتحرج من الطرائق والأماكن التي يمشي فيها النبي ﷺ .
ثم عُمِّر وحشي حتى قالوا: إنه قتل مسيلمة الكذاب بنفس الحربة.
ثم إنه كان ﵁ وأرضاه مبتلىً بشرب الخمر، فقلما يصحو في آخر عمره، حتى إن الرواية هذه في قضية قتل حمزة يقول الراوي عن وحشي: لما بُعثت إليه قيل لي: لعلك أن تجده غير شارب للخمر، يعني: في وقت صحو، قال: فوافقته في وقت صحو.
وهنا تأتي مسألة عند العلماء وهي: ينقل عن عمر ﵁ أنه قال: (لا يجتمع حمزة وقاتله في الجنة)، لكن يشك في صحة الكلام إلى عمر على اعتبار أن وحشياً مات مدمناً على للخمر فلا يدخل الجنة.
لكن الصواب أن يقال: إن وحشياً أسلم والنبي ﷺ قَبِل إسلامه، وهو معدود في الصحابة؛ لأنه رأى النبي ﵊ وآمن به ومات على الإيمان، لكن يتوقف عند هذا ولا يدخل في قضية أن وحشياً لا يدخل الجنة؛ لأنه مات شارب للخمر، فالصحابة كلهم يتفاوتون في قضية إتيانهم للطاعات وبعدهم عن المعاصي، والذي يعنينا هنا أن وحشياً هو الذي قتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عن جميع الصحابة.
ثم إن جبيراً هذا نفسه الذي أوصى وحشياً أن يقتل حمزة هو نفسه أسلم، فرحمة الله واسعة، ومن تاب تاب الله جل وعلا عليه، والصحابة لهم منزلة خاصة، والقرآن والسنة لا يجوز لأحد أن يخوض فيهما فيما لا يعرف ولو كانت على غرار المسائل العلمية، وإنما يخوضها بتحقق وبمعرفة ما للصحابة من حق عظيم عند الله وعند رسوله ﷺ .
هذا ما كان من شأن حمزة.
стр. 32
ذكر العباس بن عبد المطلب ﵁
وأما العباس فقد كان أسن من النبي ﷺ بثلاث سنوات -أي أكبر-، لكنه كان مؤدباً، فإذا سئل أيهما أكبر أنت أم رسول الله ﷺ ؟ يقول: هو أكبر مني، وأنا أسن منه، فهذا من الأدب؛ فكلمة أكبر تحتمل أشياء كثيرة، فيقول: هو أكبر مني، أي: في الفضل والعلم والعقل والدين والهداية، وأنا أسن منه، وكلمة أسن تعطي نفس المعنى بالسن، لكنها تؤتي نفس الضعف، كمن يقال: أسن فلان، يعني: ضعف، فاللغة من يعرفها كثيراً يستطيع أن يلعب بألفاظها، فقال العباس: هو أكبر مني، وأنا أسن منه.
قلنا: إن العباس أسلم قبل عام الفتح على الصحيح، وفي معركة خيبر كان أحد الصحابة قد أسلم ويخفي إسلامه عن قريش، ثم لما دخل مكة والنبي ﵊ قد انتصر في خيبر، أشاع هذا الرجل في القرشيين أن النبي ﵊ غلب في خيبر وهزم وقتل، حتى يطمئن على ماله ويريد أن يخرج من مكة، قبل أن يخرج جاء إلى العباس وقال له: إن النبي ﵊ قد انتصر، وإنما أنا قلت هذا خوفاً على تجارتي، وأبشرك أن النبي ﵊ قد تزوج بنت ملكهم، أي: بنت حيي بن أخطب، فسكت العباس حتى اطمأن أن صاحبه هذا خرج من مكةفلبس أحسن ثياب -وهذه عادة عند القرشيين الناس من قديم يفرون من الشماتة- فدخل المسجد وقريش في أنديتها تحسب أن النبي ﵊ قد غلب في خيبر أو قتل، فدخل وهو متجمل متطيب وطاف بالبيت، فلما طاف بالبيت جاء القرشيون إليه يقولون له: هذا والله التجمل لحر المصيبة يا أبا الفضل، يعنون أن محمداً ابن أخيه قد مات، هذا والله التجمل لحر المصيبة يا أبا الفضل! وهي كنية العباس، فقال: وما ذاك؟ فقالوا له: قتل ابن أخيك كذا وكذا، قال: كذبتم، والله لقد أضحى منتصراً معرساً في ابنة ملكهم، أي: متزوجاً بابنة ملكهم، ثم تبين للقرشيين صدق ما قاله أبو الفضل ﵁ وأرضاه.
ثم هاجر العباس بعد ذلك وأدرك النبي ﷺ عندما مات، وقلنا: إنه واحد من الستة الذين اشتركوا في غسل النبي ﵊، وقلنا: إن الصحيح أنه لم ينزل القبر، وإنما نزل قبره ابناه قثم والفضل، وكنيته أبو الفضل ﵁ وأرضاه.
وزوجته كنيتها أم الفضل لها أخت اسمها ميمونة، وكان أبو الفضل العباس يرى من ميمونة أخت زوجته يرى منها التقوى، فأشار على النبي ﵊ أن يتزوجها فتزوجها، وهي ميمونة بنت الحارث الهلالية، وهي خالة ابن عباس كما سيأتي، فكان عندها مع النبي ﵊ فينقل للناس أخبار قيام الليل عن رسول الله ﷺ .
والعباس كان الصحابة يعرفون له قدره وأنه سيد بني هاشم في زمانه؛ لأنه أكبرهم، وهو أول من صلى على رسول الله ﷺ وهو ميت، وقلنا في درس وفاته ﵊: إن الناس صلوا عليه أرسالاً -أي: متفرقين-، فكان أول من صلى عليه عمه العباس، ولم يتقدم أحد، ثم صلى عليه بنو هاشم كلهم كـ علي وغيره من بني هاشم.
هذا ما كان من العباس ﵁، وقد أكرمه الله أن من ذريته ابنه عبد الله بن عباس الصحابي المعروف بالعلم، ثم من ذريته قيام دولة بني العباس، فـ أبو العباس السفاح مؤسس دولة بني العباس من ذرية العباس بن عبد المطلب ﵁، وإنما سميت دولتهم بالدولة العباسية نسبة إلى العباس بن عبد المطلب عم النبي صلوات الله وسلامه عليه.
هذا بالنسبة لأعمامه.
стр. 33
عمات رسول الله ﷺ
стр. 34
ذكر صفية بنت عبد المطلب ﵁
وأما عماته ﷺ فقد اختلف فيمن أسلم منهن ممن لم تسلم، وممن ثبت إسلامها صفية بنت عبد المطلب، وهذه صفية هي أم الزبير بن العوام حواري النبي ﷺ ، وقلنا كما مر معنا أنها أخت شقيقة لـ حمزة بن عبد المطلب، ولا شك في إسلامها فإسلامها وهجرتها، ﵂ وأرضاها ثابتان.
стр. 35
ذكر عاتكة بنت عبد المطلب ﵁
ومنهن امرأة يقال لها عاتكة، وقد اختلف في أنها أسلمت أو لم تسلم، وهذه عاتكة هي التي رأت الرؤيا قبل معركة بدر، فقد رأت في مكة أن صخرة كبيرة انفلقت عند جبال مكة، ثم تناثرت حجارها على كل بيت في قريش، ثم سمعت منادياً ينادي يقول: يا آل بدر انصرفوا إلى مصارعكم، فلما أصبح الناس يتحدثون بهذه القصة كان أبو جهل مازال حياً؛ لأن هذا قبل موقعة بدر، وكان بنو مخزوم أحد أنداد بني هاشم، فبنو مخزوم أندار لبني هاشم، فالنزاع الذي كان ما بين أبي جهل وبين النبي ﷺ بالنسبة لـ أبي جهل كان نزاع أقران وتنافس أقران من جهة أبي جهل نفسه، فلما بلغته هذه الرؤيا دخل على العباس، ودخل على بني هاشم وقال: يا بني عبد المطلب أما كفاكم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم؟! والله لا يتحدثن أحد بهذه الرؤيا إلا فعلت وفعلت وفعلت، فصدق الله رؤيا عاتكة وجاء المنادي ينادي ويستغيث بالقرشيين حتى ينقذوا العير، ثم خرج الناس كما وقع في الرؤيا، ومن لم يخرج أخرج بدلاً منه، فخرجوا كلهم كما قال في الرؤيا: يا آل بدر انصرفوا لمصارعكم، وخرجوا جميعاً إلى بدر، فكان ما كان من أمر بدر، وأصيبت قريش في قتلاها، وهذا كله مر معنا في غزوة بدر، لكن تكلمنا عنه من باب الحديث عن عاتكة التي اختلف في إسلامها.
وأما أكثر عماته ﷺ وهن أربع فلم يدركن بعثته صلواته الله وسلامه عليه.
стр. 36
ذكر أزواجه ﷺ
والفصل الذي نحن بصدد إيضاحه اليوم هو ذكر أزواجه عليه وعليهن الصلاة والسلام: وقبل أن نشرع فيما ذكره المصنف من ذكر أسماء أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن، فإننا نقول: إن نبينا ﷺ جعله الله -كما مر معنا- بشراً، فأخذ الخصائص البشرية التي أعطيت للناس، كما قال جل وعلا عن أنبيائه ورسله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨].
والبيت النبوي كان يتكون في أول الإسلام وقبل الإسلام قبل البعثة، كان يتكون من النبي ﷺ وأم المؤمنين خديجة بنت خويلد والستة الذين رزقهم جل وعلا نبيه من خديجة.
طفلان صغيران ماتا وهما صغيران، وبقي أربع بنات، فكان البيت النبوي قد استقر على أربع بنات مع النبي ﵊، أما القاسم وعبد الله الملقب بـ الطيب أو الطاهر فقد مر معنا أن هذين توفيا وهما صغار، لكن البيت النبوي اقتصر على أربع بنات وأمهن خديجة ورسول الله ﷺ .
ومضى على هذا من زواجه ﵊ حتى توفيت خديجة خمسة وعشرون عاماً، فإن خديجة توفيت والنبي ﷺ عمره قرابة خمسين عاماً، وذلك قبل أن يهاجر إلى المدينة بثلاث سنوات، هذا كله وهو ﵊ لم يتزوج، ثم بعد ذلك تزوج سودة ومازال ﵊ يتزوج لأسباب سيأتي ذكرها حتى توفي ﷺ .
وبالنسبة لك كطالب علم يجب أن تعلم التالي: الثابت أنه ﵊ عقد على ثلاث عشرة امرأة، هذا مجرد عقد، ودخل على إحدى عشرة امرأة، وتوفي ﷺ عن تسع، وكان يقسم قبل وفاته لثمان، وبيان هذا على النحو التالي: قلنا: إنه عقد على ثلاثة عشر امرأة صلوات الله وسلامه عليه: اثنتان منهن عقد عليهما ولم يدخل عليهما، فلا تجري عليهما قضايا وأحكام أمهات المؤمنين في الآخرة، وأما في الدنيا فالمسألة خلافية، فلا يقال لواحدة منهما: إنها أم المؤمنين، لكن هل يتزوجها أحد بعد النبي ﷺ ؟ هذه مسألة لم تثبت.
هاتان المرأتان هما أسماء بنت النعمان الكندية، فهذه رأى فيها بياضاً فطلقها ومتعها صلوات الله وسلامه عليه، ولم يدخل عليها، والمرأة الثانية عمرة بنت يزيد الكلابية، فهذه لما دخل عليها كانت حديثة عهد بجهل وقبح، والله جل وعلا جعل لأكثر الأشياء أسباباً، فلما دخل عليها قالت: أعوذ بالله منك؛ لجهلها تقول لرسول الله ﷺ : أعوذ بالله منك، فقال لها ﷺ : (لقد عذت بعظيم)، وفي رواية قال: (عائذ مانع، الحقي بأهلك)، فطلقها ولم يدخل عليها، فهاتان لم يدخل عليهما صلوات الله وسلامه عليه.
وبقي إحدى عشرة امرأة فهؤلاء هن أمهات المؤمنين قطعاً، فكلهن دخل عليهن صلوات الله وسلامه عليه، اثنتان منهن توفيتا في حياته صلوات الله وسلامه عليه وهما: خديجة بنت خويلد وزينب بنت خزيمة الهلالية.
والتسع الباقيات منهن سودة بنت زمعة أول زوجاته بعد خديجة، فهذه كبرت ووهبت في آخر عمره ﷺ وهبت ليلتها لـ عائشة، فأصبح النبي ﷺ لا يقسم لتسع وإنما يقسم لثمان من نسائه، تحرر من هذا أنه ﵊ عقد على ثلاث عشرة امرأة، ولم يدخل باثنتين منهن، ودخل بإحدى عشرة، اثنتان من الإحدى عشرة توفيتا في حياته وهما خديجة بنت خويلد وزينب بنت خزيمة ﵄، وتسع نسوة بقين في حياته مات عنهن، منهن سودة بنت زمعة لم يكن ﷺ يقسم لها في آخر حياته كما سيأتي، ووهبت ليلتها لـ عائشة ﵅، فهؤلاء هن أمهات المؤمنين.
وهؤلاء ﵅ وأرضاهن اختارهن الله ليكن أزواج النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، ويجب عليهن رغم أنهن أمهات المؤمنين يجب عليهن الحجاب في المقام الأول، فلا يصح لأحد من الأمة أن يرينه أو أن يراهن، يعني: أن الحجاب فرض عليهن رغم أنهن أمهات المؤمنين، إلا رجل بينه وبينهن محرم من جهة أخرى كقرابة مثلاً، فـ ميمونة هي خالة ابن عباس لذلك فهو يراها، لكن كونها أم المؤمنين لا يعني ذلك أنه يراها، هذا الأمر الأول.
والأمر الثاني: أن الله حرم على المؤمنين نكاح أمهات المؤمنين بعد نبينا ﷺ ، وجعل هذا أمراً عظيماً لا يقبل، ولم يحصل ولله الحمد والمنة قطعاً.
وأما في الآخرة: فإنهن جميعاً الإحدى عشرة زوجاته ﷺ ، كما أنهن زوجاته في الدنيا.
стр. 37
سبب تعدد زوجات النبي ﷺ
وأما قضية تعدد زواجه ﵊ فبالنسبة لنا معشر المسلمين لا نقول: كيف تزوج النبي ﷺ إحدى عشرة امرأة أو عقد على ثلاث عشرة امرأة، لماذا؟ لأننا نعلم أن الله جل وعلا جعله أفضل الخلق، ويعطيه يوم القيامة المقام المحمود، فهو ﷺ لا يفتح باب الجنة إلا إذا طرقه، فيقول له الخازن من أنت؟ فيقول: أنا محمد، فإذا كنا نعلم هذا من دين، وأنه ﷺ أفضل الخلق، وأفضل الأنبياء والرسل، وأول من يطرق باب الجنة فلا نستكثر عليه بعد ذلك أن يهبه جل وعلا أن ينكح ما شاء الله من النساء.
فنحن -معشر المسلمين- مؤمنون أنه ﷺ في أعلى الدرجات، فلا نستكثر أن يهبه ويمنحه ويعطيه الله أن يتزوج أكثر مما نتزوج نحن، أي: أكثر من أربع نساء، لكن كيف نرد على غير المسلمين؟ وهذه النقطة أكثر فيها القول المستشرقون وغيرهم في أنه ﵊ تزوج كثيراً، فنقول: إنه ﵊ لم يتزوج إلا بعد خديجة، أي: بعد أن أتم الخمسين، فلو كان زواجه ﵊ لمجرد الشهوة الجسدية لتزوج قبل الخمسين، هذا أمر.
الأمر الثاني: أنه ﵊ لم يتزوج بكراً إلا عائشة، وجميع نسائه الباقيات كن ثيبات، ولم يتزوج بكراً إلا عائشة، وأما الباقيات فكلهن تزوجهن لمصالح ستأتي في ذكر أسمائهن ومناسبة زواجه منهن.
الأمر الثالث: أن حياته ﷺ لم تكن حياة غنىً وبطراً وثراء وفخراً وخيلاء، بل كان يمر الهلال ثم الهلال ثم الهلال شهران والنبي ﷺ لم يوقد في بيته نار، فيقال لـ عائشة: ما طعامكم يومئذ؟ قالت: الأسودان التمر والماء.
ثم إن الله جل وعلا بين هذا الأمر، والدين ليس فيه غموض، فقال لنبيه أن يقول للنساء كما في آية الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٨ - ٢٩]، فاخترن ﵅ وأرضاهن ضيق الحياة وشغف العيش مع نبينا ﷺ ؛ ليظفرن يوم القيامة بأن يكن أزواجه صلوات الله وسلامه عليه في الجنة.
كما أنهن رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن كان في زواجه منهن ﵊ مصالح لا تعد ولا تستقصى في مصالح الدعوة.
فمنهن بنات أحب الناس وألصق الناس به كـ عائشة وحفصة بنتا أبي بكر وعمر، ومنهن بنات عدوه كـ صفية بنت حيي بن أخطب، ومنهن قريبات، ومنهن أرامل جاهد أزواجهن في سبيل الله ثم تركوا، فمنهن من ارتد زوجها وبقيت وحيدة في الغربة، فتزوجها حتى يلم عليها مسألة الغربة، فلمصالح عدة تزوج صلوات الله وسلامه عليه، ثم إنه ﵊ أمر بأن يربي الجيل، ومن تربية الجيل تربية النساء، ولا سبيل له ﵊ إلى أن يصل إلى النساء، فلما ربى أزواجه قمن رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن بتربية النساء وتعليم النساء مبادئ الدين والحكمة، فمصالح عدة لا تعد ولا تحصى في زواجه منهن صلوات الله وسلامه عليه.
أما هن ومناقبهن وشيء من سيرهن فهذا ما عرض له المؤلف إجمالاً، ونعلق عليه تفصيلاً.
стр. 38
من زوجاته خديجة بنت خويلد
قال ﵀: أول من تزوج رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد، تزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وبقيت معه حتى بعثه الله ، فكانت له وزير صدق، وماتت قبل الهجرة بثمان سنين، وهذا أصح الأقوال، وقيل: قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل: بأربع سنين.
وقد مر معنا سيرتها ﵂ وأرضاها في مناسبة قبلها، وقلنا: إنها سيدة نساء العالمين، وتوقف بعض العلماء في أيهما أفضل هي أو عائشة، والمقطوع إن شاء الله أنها أفضل أزواج النبي ﷺ قاطبة، قال ﵊: (والله ما أبدلني خير منها، لقد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، وصدقت بي إذ كذبني الناس، وأعطاني الله منها الولد، وإني رزقت حبها)، هذا كلام النبي ﷺ .
ومر معنا أن الله بلغها سلامه عن طريق جبريل، ومر معنا أنها أول خلق الله من هذه الأمة إسلاماً، فلم يسلم أحد قبلها للنبي ﷺ لا أبو بكر ولا عمر ولا زيد ولا بلال ولا علي، فهي أول خلق الله إسلاماً من هذه الأمة ﵂ وأرضاها، ولم يتزوج النبي ﵊ في حياتها أبداً حتى ماتت ﵂ وأرضاها.
стр. 39
من زوجاته سودة بنت زمعة
ثم قال: ثم تزج سودة بنت زمعة بعد خديجة بمكة قبل الهجرة، وكانت قبله عند السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو، وكبرت عنده وأراد طلاقها فوهبت يومها لـ عائشة فأمسكها.
وسودة ﵂ وأرضاها كانت سيدة، ثبطة ثقيلة البدن، وطالب العلم إذا قرأ حياة أمهات المؤمنين يربطها بالفقه، ويربطها بالعقيدة، ويربطها السيرة؛ حتى يفهم السيرة العطرة لرسولنا ﷺ .
قلنا: كانت ثبطة خفيفة الدم خفيفة الروح، وهي التي أذن لها ﷺ في مزدلفة أن تغدو قبل حطمة الناس في الليل، أذن لها أن تخرج من مزدلفة في الليل قبل طلوع الشمس إلى منى، فقابلته ﵂ في منى؛ لأنها كانت ثقيلة البدن بطيئة الحركة، حتى كانت إذا سعت تجعل سعيها متفرق ﵂ وأرضاها، فهذا يعرف به الناس أن النبي ﵊ بعث بالتيسير، وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، فلما رأى أم المؤمنين ﵂ -وهي زوجته- ثقيلة البدن بطيئة الحركة، أذن لها أن تخرج قبله إلى منى حتى توافيه بمنى من مزدلفة في منتصف الليل تقريباً، كل ذلك تقديراً لوضعها ﵂ وأرضاها.
وقلنا: إنها كانت امرأة ضخمة جداً وكانت مع ذلك خفيفة الروح، روى ابن سعد بسند مرسل: أنها صلت وراءه ذات يوم فأطال الركوع، فلما فرغ من صلاته قالت: لقد وضعت يدي على أنفي خشية أن يخرج الرعاف، فضحك ﷺ لخفة دمها.
وهي أول امرأة تزوجها النبي ﷺ بعد خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وفي آخر عمرها آخر أيامه ﵊ وهبت يومها لـ عائشة، وتنازلت عن تلك الليلة لـ عائشة؛ لأن النبي ﵊ كان يحب عائشة فمالت مع ما يهواه؛ رغبة في أن تبقى يوم القيامة زوجة له صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 40
من زوجاته عائشة بنت أبي بكر الصديق
ثم قال: وتزوج رسول الله ﷺ عائشة بنت أبي بكر الصديق في مكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث سنين، ومات النبي ﷺ وهي بنت ثمانِ عشرة، وتوفيت بالمدينة ودفنت بالبقيع، ثم ذكر أشياء أخرى عنها.
عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها هي أم المؤمنين كأخواتها، وقد تزوجها هنا قال: قبل الهجرة، وهذا بمعنى العقد، والأظهر عند العلماء أن النبي عقد على سودة وعقد على عائشة في وقت واحد، أي: في أيام متقاربة، فدخل على سودة قبل الهجرة، ولم يدخل على عائشة إلا بعد الهجرة.
ومن مناقبها: أن النبي ﷺ لم يتزوج بكراً غيرها، وكان أحب نسائه إليه، وهذه مسألة قلبية لا يجب فيها العدل، وكانت ﵊ يقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) أي: في المسألة القلبية، وكن نساء الأنصار وأصحابه إذا أردن أن يهدين النبي ﵊ شيئاً من الهدايا أو من العطايا يتحين الليلة التي يكون فيها ﷺ عند عائشة، ولما مرض ﵊ وغلبته الحمى وأصبح يمرَّض في بيوت أزواجه كان يقول: (أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟)، حتى فهمن أنه يريد بيت عائشة، فبقي ﷺ يمرض في بيت عائشة، وأسندت رسول الله ﷺ إلى صدرها في اللحظات الأخيرة، وطيبت له السواك بفمها، فاجتمع ريقه مع ريقها صلوات الله وسلامه عليه قبل وفاته ﷺ .
فهذا كله يبين منزلتها عند رسول الله ﷺ ، وهي ابنة أحب وأقرب الناس إليه أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فهي الصديقة بنت الصديق، حبيبة رسول الله ﷺ ، وابنة أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
ولما مات ﵊ كان سنها إذ ذاك ثمانِ عشرة سنة، وعمِّرت بعده حتى ماتت سنة ثمانِ وخمسين على الأشهر، ودفنت بالبقيع -أي: بقيع الغرقد-، وصلى عليها أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وفي غزوة بني المصطلق -غزوة المريسيع- اتهمت بحديث الإفك المشهور، فبرأها الله جل وعلا من فوق سبع سماوات، فقد رماها المنافقون بـ صفوان بن معطل، فبرأ الله صفوان وبرأ الصديقة بنت الصديق بعد شهر من انقطاع الوحي عنه صلوات الله وسلامه عليه، وكانت عالمة جداً بالشرع، وهي من المكثرين رواية عن رسول الله ﷺ .
следующие страницы →