← Сира

Сира · id 37741

الأيام النضرة في السيرة العطرة

صالح المغامسي

Полный текст (149 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ذكر أزواجه ﷺ والفصل الذي نحن بصدد إيضاحه اليوم هو ذكر أزواجه عليه وعليهن الصلاة والسلام: وقبل أن نشرع فيما ذكره المصنف من ذكر أسماء أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن، فإننا نقول: إن نبينا ﷺ جعله الله -كما مر معنا- بشراً، فأخذ الخصائص البشرية التي أعطيت للناس، كما قال جل وعلا عن أنبيائه ورسله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨]. والبيت النبوي كان يتكون في أول الإسلام وقبل الإسلام قبل البعثة، كان يتكون من النبي ﷺ وأم المؤمنين خديجة بنت خويلد والستة الذين رزقهم جل وعلا نبيه من خديجة. طفلان صغيران ماتا وهما صغيران، وبقي أربع بنات، فكان البيت النبوي قد استقر على أربع بنات مع النبي ﵊، أما القاسم وعبد الله الملقب بـ الطيب أو الطاهر فقد مر معنا أن هذين توفيا وهما صغار، لكن البيت النبوي اقتصر على أربع بنات وأمهن خديجة ورسول الله ﷺ . ومضى على هذا من زواجه ﵊ حتى توفيت خديجة خمسة وعشرون عاماً، فإن خديجة توفيت والنبي ﷺ عمره قرابة خمسين عاماً، وذلك قبل أن يهاجر إلى المدينة بثلاث سنوات، هذا كله وهو ﵊ لم يتزوج، ثم بعد ذلك تزوج سودة ومازال ﵊ يتزوج لأسباب سيأتي ذكرها حتى توفي ﷺ . وبالنسبة لك كطالب علم يجب أن تعلم التالي: الثابت أنه ﵊ عقد على ثلاث عشرة امرأة، هذا مجرد عقد، ودخل على إحدى عشرة امرأة، وتوفي ﷺ عن تسع، وكان يقسم قبل وفاته لثمان، وبيان هذا على النحو التالي: قلنا: إنه عقد على ثلاثة عشر امرأة صلوات الله وسلامه عليه: اثنتان منهن عقد عليهما ولم يدخل عليهما، فلا تجري عليهما قضايا وأحكام أمهات المؤمنين في الآخرة، وأما في الدنيا فالمسألة خلافية، فلا يقال لواحدة منهما: إنها أم المؤمنين، لكن هل يتزوجها أحد بعد النبي ﷺ ؟ هذه مسألة لم تثبت. هاتان المرأتان هما أسماء بنت النعمان الكندية، فهذه رأى فيها بياضاً فطلقها ومتعها صلوات الله وسلامه عليه، ولم يدخل عليها، والمرأة الثانية عمرة بنت يزيد الكلابية، فهذه لما دخل عليها كانت حديثة عهد بجهل وقبح، والله جل وعلا جعل لأكثر الأشياء أسباباً، فلما دخل عليها قالت: أعوذ بالله منك؛ لجهلها تقول لرسول الله ﷺ : أعوذ بالله منك، فقال لها ﷺ : (لقد عذت بعظيم)، وفي رواية قال: (عائذ مانع، الحقي بأهلك)، فطلقها ولم يدخل عليها، فهاتان لم يدخل عليهما صلوات الله وسلامه عليه. وبقي إحدى عشرة امرأة فهؤلاء هن أمهات المؤمنين قطعاً، فكلهن دخل عليهن صلوات الله وسلامه عليه، اثنتان منهن توفيتا في حياته صلوات الله وسلامه عليه وهما: خديجة بنت خويلد وزينب بنت خزيمة الهلالية. والتسع الباقيات منهن سودة بنت زمعة أول زوجاته بعد خديجة، فهذه كبرت ووهبت في آخر عمره ﷺ وهبت ليلتها لـ عائشة، فأصبح النبي ﷺ لا يقسم لتسع وإنما يقسم لثمان من نسائه، تحرر من هذا أنه ﵊ عقد على ثلاث عشرة امرأة، ولم يدخل باثنتين منهن، ودخل بإحدى عشرة، اثنتان من الإحدى عشرة توفيتا في حياته وهما خديجة بنت خويلد وزينب بنت خزيمة ﵄، وتسع نسوة بقين في حياته مات عنهن، منهن سودة بنت زمعة لم يكن ﷺ يقسم لها في آخر حياته كما سيأتي، ووهبت ليلتها لـ عائشة ﵅، فهؤلاء هن أمهات المؤمنين. وهؤلاء ﵅ وأرضاهن اختارهن الله ليكن أزواج النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، ويجب عليهن رغم أنهن أمهات المؤمنين يجب عليهن الحجاب في المقام الأول، فلا يصح لأحد من الأمة أن يرينه أو أن يراهن، يعني: أن الحجاب فرض عليهن رغم أنهن أمهات المؤمنين، إلا رجل بينه وبينهن محرم من جهة أخرى كقرابة مثلاً، فـ ميمونة هي خالة ابن عباس لذلك فهو يراها، لكن كونها أم المؤمنين لا يعني ذلك أنه يراها، هذا الأمر الأول. والأمر الثاني: أن الله حرم على المؤمنين نكاح أمهات المؤمنين بعد نبينا ﷺ ، وجعل هذا أمراً عظيماً لا يقبل، ولم يحصل ولله الحمد والمنة قطعاً. وأما في الآخرة: فإنهن جميعاً الإحدى عشرة زوجاته ﷺ ، كما أنهن زوجاته في الدنيا.

стр. 37

سبب تعدد زوجات النبي ﷺ وأما قضية تعدد زواجه ﵊ فبالنسبة لنا معشر المسلمين لا نقول: كيف تزوج النبي ﷺ إحدى عشرة امرأة أو عقد على ثلاث عشرة امرأة، لماذا؟ لأننا نعلم أن الله جل وعلا جعله أفضل الخلق، ويعطيه يوم القيامة المقام المحمود، فهو ﷺ لا يفتح باب الجنة إلا إذا طرقه، فيقول له الخازن من أنت؟ فيقول: أنا محمد، فإذا كنا نعلم هذا من دين، وأنه ﷺ أفضل الخلق، وأفضل الأنبياء والرسل، وأول من يطرق باب الجنة فلا نستكثر عليه بعد ذلك أن يهبه جل وعلا أن ينكح ما شاء الله من النساء. فنحن -معشر المسلمين- مؤمنون أنه ﷺ في أعلى الدرجات، فلا نستكثر أن يهبه ويمنحه ويعطيه الله أن يتزوج أكثر مما نتزوج نحن، أي: أكثر من أربع نساء، لكن كيف نرد على غير المسلمين؟ وهذه النقطة أكثر فيها القول المستشرقون وغيرهم في أنه ﵊ تزوج كثيراً، فنقول: إنه ﵊ لم يتزوج إلا بعد خديجة، أي: بعد أن أتم الخمسين، فلو كان زواجه ﵊ لمجرد الشهوة الجسدية لتزوج قبل الخمسين، هذا أمر. الأمر الثاني: أنه ﵊ لم يتزوج بكراً إلا عائشة، وجميع نسائه الباقيات كن ثيبات، ولم يتزوج بكراً إلا عائشة، وأما الباقيات فكلهن تزوجهن لمصالح ستأتي في ذكر أسمائهن ومناسبة زواجه منهن. الأمر الثالث: أن حياته ﷺ لم تكن حياة غنىً وبطراً وثراء وفخراً وخيلاء، بل كان يمر الهلال ثم الهلال ثم الهلال شهران والنبي ﷺ لم يوقد في بيته نار، فيقال لـ عائشة: ما طعامكم يومئذ؟ قالت: الأسودان التمر والماء. ثم إن الله جل وعلا بين هذا الأمر، والدين ليس فيه غموض، فقال لنبيه أن يقول للنساء كما في آية الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٨ - ٢٩]، فاخترن ﵅ وأرضاهن ضيق الحياة وشغف العيش مع نبينا ﷺ ؛ ليظفرن يوم القيامة بأن يكن أزواجه صلوات الله وسلامه عليه في الجنة. كما أنهن رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن كان في زواجه منهن ﵊ مصالح لا تعد ولا تستقصى في مصالح الدعوة. فمنهن بنات أحب الناس وألصق الناس به كـ عائشة وحفصة بنتا أبي بكر وعمر، ومنهن بنات عدوه كـ صفية بنت حيي بن أخطب، ومنهن قريبات، ومنهن أرامل جاهد أزواجهن في سبيل الله ثم تركوا، فمنهن من ارتد زوجها وبقيت وحيدة في الغربة، فتزوجها حتى يلم عليها مسألة الغربة، فلمصالح عدة تزوج صلوات الله وسلامه عليه، ثم إنه ﵊ أمر بأن يربي الجيل، ومن تربية الجيل تربية النساء، ولا سبيل له ﵊ إلى أن يصل إلى النساء، فلما ربى أزواجه قمن رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن بتربية النساء وتعليم النساء مبادئ الدين والحكمة، فمصالح عدة لا تعد ولا تحصى في زواجه منهن صلوات الله وسلامه عليه. أما هن ومناقبهن وشيء من سيرهن فهذا ما عرض له المؤلف إجمالاً، ونعلق عليه تفصيلاً.

стр. 38

من زوجاته خديجة بنت خويلد قال ﵀: أول من تزوج رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد، تزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وبقيت معه حتى بعثه الله ، فكانت له وزير صدق، وماتت قبل الهجرة بثمان سنين، وهذا أصح الأقوال، وقيل: قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل: بأربع سنين. وقد مر معنا سيرتها ﵂ وأرضاها في مناسبة قبلها، وقلنا: إنها سيدة نساء العالمين، وتوقف بعض العلماء في أيهما أفضل هي أو عائشة، والمقطوع إن شاء الله أنها أفضل أزواج النبي ﷺ قاطبة، قال ﵊: (والله ما أبدلني خير منها، لقد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، وصدقت بي إذ كذبني الناس، وأعطاني الله منها الولد، وإني رزقت حبها)، هذا كلام النبي ﷺ . ومر معنا أن الله بلغها سلامه عن طريق جبريل، ومر معنا أنها أول خلق الله من هذه الأمة إسلاماً، فلم يسلم أحد قبلها للنبي ﷺ لا أبو بكر ولا عمر ولا زيد ولا بلال ولا علي، فهي أول خلق الله إسلاماً من هذه الأمة ﵂ وأرضاها، ولم يتزوج النبي ﵊ في حياتها أبداً حتى ماتت ﵂ وأرضاها.

стр. 39

من زوجاته سودة بنت زمعة ثم قال: ثم تزج سودة بنت زمعة بعد خديجة بمكة قبل الهجرة، وكانت قبله عند السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو، وكبرت عنده وأراد طلاقها فوهبت يومها لـ عائشة فأمسكها. وسودة ﵂ وأرضاها كانت سيدة، ثبطة ثقيلة البدن، وطالب العلم إذا قرأ حياة أمهات المؤمنين يربطها بالفقه، ويربطها بالعقيدة، ويربطها السيرة؛ حتى يفهم السيرة العطرة لرسولنا ﷺ . قلنا: كانت ثبطة خفيفة الدم خفيفة الروح، وهي التي أذن لها ﷺ في مزدلفة أن تغدو قبل حطمة الناس في الليل، أذن لها أن تخرج من مزدلفة في الليل قبل طلوع الشمس إلى منى، فقابلته ﵂ في منى؛ لأنها كانت ثقيلة البدن بطيئة الحركة، حتى كانت إذا سعت تجعل سعيها متفرق ﵂ وأرضاها، فهذا يعرف به الناس أن النبي ﵊ بعث بالتيسير، وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، فلما رأى أم المؤمنين ﵂ -وهي زوجته- ثقيلة البدن بطيئة الحركة، أذن لها أن تخرج قبله إلى منى حتى توافيه بمنى من مزدلفة في منتصف الليل تقريباً، كل ذلك تقديراً لوضعها ﵂ وأرضاها. وقلنا: إنها كانت امرأة ضخمة جداً وكانت مع ذلك خفيفة الروح، روى ابن سعد بسند مرسل: أنها صلت وراءه ذات يوم فأطال الركوع، فلما فرغ من صلاته قالت: لقد وضعت يدي على أنفي خشية أن يخرج الرعاف، فضحك ﷺ لخفة دمها. وهي أول امرأة تزوجها النبي ﷺ بعد خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وفي آخر عمرها آخر أيامه ﵊ وهبت يومها لـ عائشة، وتنازلت عن تلك الليلة لـ عائشة؛ لأن النبي ﵊ كان يحب عائشة فمالت مع ما يهواه؛ رغبة في أن تبقى يوم القيامة زوجة له صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 40

من زوجاته عائشة بنت أبي بكر الصديق ثم قال: وتزوج رسول الله ﷺ عائشة بنت أبي بكر الصديق في مكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث سنين، ومات النبي ﷺ وهي بنت ثمانِ عشرة، وتوفيت بالمدينة ودفنت بالبقيع، ثم ذكر أشياء أخرى عنها. عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها هي أم المؤمنين كأخواتها، وقد تزوجها هنا قال: قبل الهجرة، وهذا بمعنى العقد، والأظهر عند العلماء أن النبي عقد على سودة وعقد على عائشة في وقت واحد، أي: في أيام متقاربة، فدخل على سودة قبل الهجرة، ولم يدخل على عائشة إلا بعد الهجرة. ومن مناقبها: أن النبي ﷺ لم يتزوج بكراً غيرها، وكان أحب نسائه إليه، وهذه مسألة قلبية لا يجب فيها العدل، وكانت ﵊ يقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) أي: في المسألة القلبية، وكن نساء الأنصار وأصحابه إذا أردن أن يهدين النبي ﵊ شيئاً من الهدايا أو من العطايا يتحين الليلة التي يكون فيها ﷺ عند عائشة، ولما مرض ﵊ وغلبته الحمى وأصبح يمرَّض في بيوت أزواجه كان يقول: (أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟)، حتى فهمن أنه يريد بيت عائشة، فبقي ﷺ يمرض في بيت عائشة، وأسندت رسول الله ﷺ إلى صدرها في اللحظات الأخيرة، وطيبت له السواك بفمها، فاجتمع ريقه مع ريقها صلوات الله وسلامه عليه قبل وفاته ﷺ . فهذا كله يبين منزلتها عند رسول الله ﷺ ، وهي ابنة أحب وأقرب الناس إليه أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فهي الصديقة بنت الصديق، حبيبة رسول الله ﷺ ، وابنة أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ولما مات ﵊ كان سنها إذ ذاك ثمانِ عشرة سنة، وعمِّرت بعده حتى ماتت سنة ثمانِ وخمسين على الأشهر، ودفنت بالبقيع -أي: بقيع الغرقد-، وصلى عليها أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وفي غزوة بني المصطلق -غزوة المريسيع- اتهمت بحديث الإفك المشهور، فبرأها الله جل وعلا من فوق سبع سماوات، فقد رماها المنافقون بـ صفوان بن معطل، فبرأ الله صفوان وبرأ الصديقة بنت الصديق بعد شهر من انقطاع الوحي عنه صلوات الله وسلامه عليه، وكانت عالمة جداً بالشرع، وهي من المكثرين رواية عن رسول الله ﷺ .

стр. 41

من زوجاته حفصة بنت عمر بن الخطاب وتزوج رسول الله ﷺ حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵁ وكانت قبله عند خنيس بن حذافة، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد توفي بالمدينة، وقد شهد بدراً، ويروى أن النبي ﷺ طلقها فأتاه جبريل ﵇، فقال له: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة؛ فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة. وروى عقبة بن عامر الجهني قال: (طلق رسول الله ﷺ حفصة بنت عمر فبلغ ذلك عمر فحثا على رأسه التراب، وقال: ما يعبأ الله بـ عمر وابنته بعد هذا، فنزل جبريل من الغد على النبي ﵊ وقال: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة؛ رحمة لـ عمر). وقد توفيت سنة سبع وعشرين. أما قول المؤلف ﵀، أن عمر حثا على رأسه التراب، فهذا لم أقف فيه على سند صحيح، لكن كونها طلقت وكون النبي ﷺ راجعها بأمر من الله عند طريق جبريل هذا ثابت عند أبي داود وعند غيره من أصحاب السنن بسند صحيح، وهي ﵂ وأرضاها كما جاء في الحديث كانت صوامة قوامة، وهي بنت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فكما تزوج النبي بنت أبي بكر فقد تزوج بنت عمر، والأربعة الراشدون: اثنان منهما تزوج النبي ابنتيهما، واثنان منهما زوجه، فزوج رقية وأم كلثوم لـ عثمان، وزوج فاطمة لـ علي، فهؤلاء الأربعة الراشدون أصهار مع النبي ﷺ . وقد رأى عبد الله بن عمر رؤيا فقصها عليها، فقصتها على النبي ﷺ ، فقال لها: (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم الليل، فكان عبد الله بعدها لا يترك قيام الليل).

стр. 42

من زوجاته أم حبيبة بنت أبي سفيان ومن أزواجه ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رملة كما قال المؤلف، وهذا فيه وهم؛ لأن رملة اسم لأختها على الصحيح، وقد هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة فتنصر بالحبشة وأتم الله لها الإسلام، فتزوجها رسول الله ﷺ وهي بأرض الحبشة. وأم حبيبة بنت أبي سفيان تتعلق بها أمور: أولها: أنها خرجت مع زوجها عبيد الله بن جحش هجرة إلى الحبشة فراراً بالدين، فهذا عبيد الله بن جحش أخذ زوجته وترك مكة التي فيها أهله ومقامه، وهاجر إلى الحبشة فراراً بدينه فتنصر، أي: بالحبشة، وارتد عن الإسلام ومات على الكفر، فنسأل الله جل وعلا الثبات على دينه فلا يغتر أحد بعمل، والمرء إذا سجد وإذا أحس بالقرب من الله في دعائه فإنه يسأل الله الثبات على الدين، ولا تجزم لأحد تراه لا بجنة ولا بنار، فإن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وسل الله لنفسك ولمن تحب وللمؤمنين الثبات على دينه. فلما تنصر زوجها وارتد تركها، فتزوجها النبي ﷺ ، فأرسل عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة يخطبها، فخطبها النجاشي لنبينا ﷺ ، وأصدقها النجاشي نيابة عن رسول الله ﷺ أربعمائة دينار، فهي أكثر نساء النبي ﷺ صداقاً، فلما جاءت عنده في المدينة، ولما أخلت قريش بصلح الحديبية جاء أبو سفيان ليجدد الصلح، فدخل عليها في المدينة، فلما دخل عليها كان فراش النبي ﷺ مفرداً، فطوت الفراش، فقال لها أبوها وهو زعيم قريش يومئذ على الكفر، قال: يا ابنتي والله لا أدري أرغبت بي عن الفراش أو رغبت بالفراش عني! أي: هل أنا لا أستحق أن أجلس عليه أو أن هذا الفراش لا يليق بي، فقالت: هذا فراش رسول الله ﷺ وأنت امرؤ مشرك نجس، فما أحببت أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ ، وهذا من موالاتها لنبيها ﵊ وبراءتها من أهل الشرك ولو كان أباها.

стр. 43

بطلان حديث في صحيح مسلم وقد وقع عند مسلم في الصحيح من حديث عكرمة بن عمار عن أبي زميل عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ جاءه أبو سفيان فقال له: إنني أريد منك ثلاثة أمور: أن تتزوج ابنتي أم حبيبة أيم العرب، وأن تولي ابني معاوية، وأن تجعلني أقاتل أهل الشرك كما كنت أقاتل أهل الإسلام)، لكن هذا الحديث وإن كان عند مسلم في الصحيح إلا أنه لا يعقل تطبيقه على السيرة؛ لاتفاق أهل السير أن النبي ﷺ تزوج أم حبيبة في السنة السابعة وليس بعد إسلام أبي سفيان، وأبو سفيان تأخر إسلامه إلى عام الفتح، ولهذا اختلف العلماء في هذا الحديث رغم أنه عند مسلم في الصحيح، فجزم أبو محمد بن حزم رحمة الله تعالى عليه العلامة المعروف أن هذا كذب موضوع وضعه عكرمة بن عمار على ابن عباس. وبعض العلماء قال: هذا وهم، والمقطوع به عند العلماء أن الحديث لا يمكن أن يصح وإن كان عند مسلم في الصحيح، وذلك لأمور عدة منها: أن أم حبيبة ثبت بإجماع الناس أن النبي ﷺ تزوجها قبل إسلام أبي سفيان.

стр. 44

من زوجاته أم سلمة وتزوج رسول الله ﷺ أم سلمة، واسمها هند بنت أمية، وكانت قبله عند أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد، وقد توفيت سنة اثنتين وستين، ودفنت بالبقيع، وهي آخر أزواج النبي ﷺ وفاة. وقد كانت زوجة لـ أبي سلمة، وبعد أن استشهد ﵁ ترك لها عمراً ودرة وابنتين أخريين، وهذه المرأة خطبها أبو بكر عندما مات زوجها فردته، ثم خطبها عمر فردته، ثم خطبها النبي ﷺ وبعث لها رسولاً، فقالت: مرحباً إلا أنه اخبر رسول الله ﷺ أني فيّ ثلاث: أنني غيراء وأنني في مصبية، فقال ﷺ : (أما كونك غيراء فإنني أسأل الله أن يذهب غيرتك، وأما كونك مصبية -أي: عندي صبيان- فإنني أسأل الله أن يكفيك الصبيان) يعني: يعينك الله جل وعلا على هؤلاء الصبيان. ومن صبيانها عمرو بن أبي سلمة ربيب رسول الله ﷺ ، وهو الذي طاشت يده في الصحفة لما وضع الطعام، فقال له ﷺ : (يا غلام سم الله، وكل مما يليك، قال عمرو: فمازلت تلك طعمتي بعد)، فهذا ربيب النبي ﷺ الذي كان باقي مع أم سلمة. وأم سلمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها ذكر المؤلف أنها آخر أزواج النبي ﷺ وفاة.

стр. 45

من زوجاته زينب بنت جحش وتزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش، وهي بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة فطلقها، فزوجها الله إياه من السماء. زينب بنت جحش كانت تحت زيد بن حارثة، وزيد بن حارثة هو مولى النبي ﷺ ، وقد كان عند خديجة فوهبته للنبي ﵊ فأعتقه، فجاء أهله من اليمن يطلبونه قبل الهجرة، فاختار النبي ﷺ على أبيه وأعمامه، فقال ﵊: (أشهدكم أن زيداً يرثني وأرثه)، فكان يعرف بأنه زيد بن محمد، وهذا كان قبل أن تنزل الشرائع على ما كانت تصنعه قريش والعرب في الجاهلية، فكان التبني مسموح به، ويرث الرجل من ابنه المتبنى كما يرث الابن من أبيه الذي تبناه، فأبطل الله جل وعلا التبني وأبطل الله ما يتعلق بالتبني، أبطل الله التبني بقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥]، وأبطل الله ما يتعلق به بقوله: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٧٥]، ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:٦]. وكانت العرب ترى من أعظم العار أن يتزوج الرجل ابنة ابنه الذي تبناه، فأراد الله أن يبطل هذا الأمر، وكانت زينب بنت جحش ترى في نفسها أنفة على زيد؛ لأنه مولى، فكان زيد يأتي للنبي ﷺ ويشتكيها، وقد أخبر الله نبيه أن زيداً سيطلق لا محالة، وأنك ستتزوج زينب بعده، هذا أخبر الله به نبيه عن طريق جبريل، فلما جاء زيد للنبي ﵊ يشتكي له قال له ﷺ : (أمسك عليك زوجك)، وأخفى في نفسه ما أخبره الله جل وعلا به، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٣٧]، أي: بالإسلام، ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٣٧] أي: بالعتق، ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب:٣٧] أي: ما الله مظهره، وهو زواجك من زينب، ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب:٣٧] لماذا؟ ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ﴾ [الأحزاب:٣٧] ابن حارثة، وهو الصحابي الوحيد المذكور نصاً في القرآن، ثم بين الله العلة: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب:٣٧]، فلهذه العلة أراد الله جل وعلا أن يتزوج النبي ﵊ زينب بنت جحش، فكانت تفتخر على أمهات المؤمنين وتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات، ﵂ وأرضاها.

стр. 46

من زوجاته زينب بنت خزيمة وتزوج ﷺ زينب بنت خزيمة، وكانت تسمى أم المساكين؛ لكثرة إطعامها المساكين، وكانت تحت عبد الله بن جحش. هذه ﵂ وأرضاها لا يوجد الكثير عن سيرتها؛ لسبب بسيط وهو: أنها لم تمكث مع النبي ﵊ إلا ثمانية أشهر، والثمانية الأشهر ليست مدة طويلة يمكن أن نعرف شيئاً عنها، إلا أنها كانت رقيقة القلب تأوي المساكين فعرفت بـ أم المساكين، وهي أخت لـ ميمونة بنت الحارث آخر زوجات النبي ﷺ من أمها، فيكون النبي ﵊ قد تزوج أختين من الأم: زينب وميمونة، فهاتان أختان من الأم، وكلاهما من بني هلال.

стр. 47

من زوجاته جويرية بنت الحارث وتزوج رسول الله ﷺ جويرية بنت الحارث، وهي من سبي بني المصطلق، وكانت امرأة حلوة ملاحة، تقول عائشة: لا يراها أحد إلا أخذت بقلبه، ويعجب بها، تقول عائشة: فلما رأيتها: أبغضتها، وهذه عادة بين النساء، وعائشة ﵂ صحيحة نفسياً ما في شيء تخفيه، بل تقول كل شيء بوضوح، وتقول: إنها كانت امرأة صوامة قوامة برة، لكن مع ذلك تقول: أول ما رأيتها أبغضتها؛ لما كان عليها من الملاحة، فلا يراها أحد إلا أعجبته، فدخلت على رسول الله ﷺ تسأله أن يعينها في مكاتبة وقعت في الأسر، والمكاتبة أن تدفع مالاً لمن أسرها فتصبح طليقة، فعرض عليها النبي ﷺ أن يعينها ويؤدي كتابها عنها ثم يتزوجها، فوافقت ورضيت، وهذا من إكرام الله لها، ولما وافقت قال الناس: أصهار رسول الله ﷺ فتركوا ما في أيديهم من السبي، تقول عائشة: فما رأيت امرأة أعظم بركة على قومها منها ﵂ وأرضاها. وأما أبوها الحارث فإنه أسلم وجعله النبي ﵊ على صدقات قومه.

стр. 48

من زوجاته صفية بنت حيي وتزوج رسول الله ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب من ولد هارون بن عمران أخي موسى. هذه قد مرت معنا، وأبوها زعيم اليهود حيي بن أخطب، وقدر الله لها أن يخرجها من تلك الملة ويدخلها في ملة الإسلام، وأن يجعلها زوجة نبينا ﷺ ، وقد قال ابن القيم وغيره: إنها كانت من أجمل نساء العالمين، ولعل الله يفتح لكم القدس فتأخذون السبي، وتحيون السنة وتتزوجون من اليهود بعد أن تعتقوهن كما فعل نبيكم ﷺ . هذه المرأة تزوجها النبي ﷺ وكانت من ولد هارون، فعيرتها إحدى أمهات المؤمنين ذات مرة قائلة: يا يهودية! فقال ﷺ : (ولماذا تعيرك؟ والله إنك لابنة نبي -يقصد هارون-، وعمك نبي يقصد موسى، وإنك لتحت نبي يقصد نفسه ﷺ ، وأغضبتها إحدى أمهات المؤمنين، فهجرها النبي ﵊ ثلاث ليال لا يكلمها؛ إكراماً لـ صفية رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

стр. 49

من زوجاته ميمونة بنت الحارث الهلالية وتزوج ﷺ ميمونة بنت الحارث الهلالية وهي آخر من تزوج صلوات الله وسلامه عليه من أمهات المؤمنين. وميمونة هذه قلنا: إنها أخت لـ زينب بنت خزيمة، وتزوجها بعد عمرة القضاء، وهي آخر أمهات المؤمنين تزوجها النبي ﷺ ، وقد تزوجها في سرف، وأنت خارج من مكة إلى المدينة تأتيك النوارية، وبعد النوارية بقليل قبل المركز يأتي وادٍ اسمه سرف، وعلى اليمين وعلى اليسار الآن فيه محطات وبقالات، يعني: معمور. في هذا الوادي تزوج النبي ﷺ ميمونة بنت الحارث بعد أن حل من عمرة القضاء، ومن أعاجيب قدر الله أنها -أي: ميمونة - ماتت في نفس المكان وفي نفس هذا الوادي، وهي آخر أمهات المؤمنين وفاة على ما أذكر.

стр. 50

إعطاء الإنسان الحرية في المطالبة بحقه هؤلاء -على وجه الإجمال- أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن، وقلنا: إنه ﷺ مات عن تسع، وكان يقسم لثمان، وأن أقرب نسائه إليه عائشة ﵂ وأرضاها، وكن أمهات المؤمنين يبعثن فاطمة ابنة رسول الله ﷺ فتأتي فاطمة لأبيها وتقول: إن نساءك يسألنك العدل في ابنة ابن أبي قحافة وهو أبو بكر، فأريد أن أستشهد بهذه القضية على شيء خلاف ما يظن الناس، فالناس هنا من المحدثين وأهل السير يقولون: هذا فيه دلالة على فضل عائشة رضي الله تعالى عنها، وهذا ظاهر لا يحتاج إلى شرح، لكن الذي يحتاج إلى التنبيه هو ما يسمى اليوم بحقوق الإنسان في حياة النبي ﷺ ، فهؤلاء أمهات المؤمنين يجهرن بمطالبهن علانية ويذكرن حقوقهن ولا يغضب صلوات الله وسلامه عليه، ويبعثن ابنته لتقول له ﵊: إن نساءك يسألنك العدل في بنت ابن أبي قحافة، وأعظم تكريم للإنسان وآدميته أن يعطى حقه في أن يقول مطالبه، فإذا وجد معلم يمنع الطلاب من كل سؤال، أو جد أمير أو قاضي أو والي أو حاكم يمنع الناس من حقوقهم، أو وجد أب يمنع الأبناء من حقوقهم، أو وجد زوج يمنع الزوجات من حقوقهن فهذا لم يعرف سماحة الإسلام حقيقة، فينبغي أن يعطى الناس حقهم في إظهار رغباتهم، لكن ينبغي على الناس وهم يظهرون رغباتهم أو مطالبهم أن يظهروها بالسبل الشرعية الواضحة البينة التي لا تخرج عن نطاق الأدب مع من هو أكبر منا، أو من جعل الله جل وعلا له ولاية علينا إن كان أباً أو كان زوجاً أو إن كان حاكماً أو إن كان غير ذلك.

стр. 51

ذكر من خدمه ﷺ ثم ذكر المؤلف ﵀ خدمه ومواليه صلوات الله وسلامه عليه، ثم ذكر أفراسه التي كان يمتطيها، وسلاحه صلوات الله وسلامه عليه، وسنعرض لهذه الأربع القضايا إن شاء الله في هذا اللقاء، فأقول مستعيناً بالله ﵎: أما ما يتعلق بخدمه ﷺ فإنه صلوات الله وسلامه عليه خدمه بعض أصحابه، وكان ﵊ يزاوج بالمهام التي يعطيها لأولئك الخدم، بمعنى: أن الناس يتفاوتون في القدرات والمواهب والسن، فلم يكن كل أولئك الخدم يكلفون بشيء واحد، ومن أشهر من خدمه صلوات الله وسلامه عليه أنس بن مالك، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن مسعود، وربيعة بن كعب الأسلمي وغيرهم ﵃ وأرضاهم أجمعين.

стр. 52

أنس ممن خدم النبي أما أنس فكانت مهمته في الأشياء اليسيرة: في قضاء الحوائج، والقرب منه ﷺ يبعثه هنا وهناك، وقد أتت به أمه إلى النبي ﷺ وهو صغير، وقد أعطته إياه ليخدمه، فقبله ﵊، فمكث يخدم النبي ﵊ عشر سنين، وكان ﵊ قد دعا لـ أنس بأن يكثر الله في ماله وولده، وأن يبارك فيه، فعمر أنس حتى أدرك مائة شخص من صلبه ﵁ وأرضاه، وأدرك خلافة عبد الملك بن مروان، فكان الحجاج بن يوسف القائد الأموي المعروف يتعرض له بالأذى أحياناً، فكتب أنس ﵁ إلى عبد الملك بن مروان: إن اليهود لو وجدت رجلاً خدم موسى ساعة من نهار لعظمته وبجلته، وأنا خدمت نبيكم ﷺ عشر سنين، فبعث عبد الملك إلى الحجاج بن يوسف يأمره أن يكف أذاه عن أنس ﵁ وأرضاه، وقد حدث أنس بأحاديث كثيرة، وهو أحد المكثرين من الصحابة رواية عن رسول الله ﷺ . وذلك ﵁ أنه خدم النبي ﷺ عشر سنين فلم يقل له ﵊ لشيء فعله لم فعلته، ولا لشيء تركه لم لم تفعله، وهذا من رفق الإنسان بمن تحت يده خاصة إذا كان صغيراً لا يعقل، والنبي ﵊ ذاق مرارة فقد الوالدين، ومرارة فقد الأبناء، فطبعه الله جل وعلا على الرقة والرحمة لكل من حوله صلوات الله وسلامه عليه، وما كان أنس يرى من رسول الله ﷺ إلا الشفقة والرحمة، ولم ينقل أبداً أنه ضرب قط ﵊.

стр. 53

عقبة بن عامر ممن خدم النبي وأما عقبة بن عامر فكان موكولاً إليه أن يأخذ بزمام ناقة النبي ﷺ في أسفاره، وهو الذي كان مع النبي في الأبواء ما بين مكة والمدينة، فهاجت ريح شديدة فقال ﷺ له -أي: لـ عقبة -: (يا عقبة تعوذ بالفلق والناس، وأخذ يقرأهما ﵊: (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس)، ويقول: ما تعوذ متعوذ بمثلهما).

стр. 54

ربيعة بن كعب الأسلمي ممن خدم النبي وممن خدمه ربيعة بن كعب الأسلمي، وكان يسكب الوضوء لرسولنا ﷺ ، وقد رأى ربيعة من خلق رسول الله وسماحته وحب جواره ما جعله يطمع ويرغب في أن يكون جاراً له في الآخرة، فبينما هو يسكب الوضوء له أراد ﵊ أن يكافئه؛ لأن ربيعة يفعل هذا تطوعاً، فهو ليس من الموالي كما سيأتي، فقال له، النبي: (سلني حاجتك، قال: يا رسول الله! أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أوغير ذلك يا ربيعة؟! قال: هو ذاك يا رسول الله! قال ﵊: فأعني على نفسك بكثرة السجود) أي: أعني على نفسك بكثرة الصلاة، وهذا من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، فأطلق السجود صلوات الله وسلامه عليه وأرد الصلاة كلها، ومن هنا تؤخذ فائدة: أن كثرة الصلاة من أسباب جوار النبيين عموماً، ومن أسباب جوار نبينا ﷺ في جنات النعيم، رزقنا الله وإياكم هذه المنزلة.

стр. 55

ابن مسعود ممن خدم النبي وممن خدمه ﵊ عبد الله بن مسعود الصحابي الشهير، وكان يحمل له وضوءه ونعليه وسواكه، فيضع نعلي النبي ﷺ تحت ذراعيه، فـ عبد الله بن مسعود صحابي شهير أخذ القرآن من في رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وأثنى عليه النبي بقوله: (إنك غلام معلم)، وهو القائل عن نفسه: (والله ما من آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ومتى نزلت)، إلى غير ذلك مما يدل على فقهه في القرآن ﵁ وأرضاه. فهؤلاء بعض ممن خدم نبينا ﷺ ، وقد قلنا: إنهم كانوا يخدمونه تطوعاً صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 56

سلسلة الأيام النضرة في السيرة العطرة [حجه وعمرته، غزواته، كتابه، بعوثه إلى الملوك] لقد من الله تعالى على نبيه بفضائل عديدة جعلها تعالى شرعة لأمته، ومن ذلك عمرته وحجته التي نقلها الصحابة منسكاً منسكاً، كما من عليه في السابق بالجهاد في سبيله، حيث خاض المعارك غازياً ومدافعاً ومنافحاً ﷺ عن دين الله، وبعث في ذلك السرايا والبعوث، مبيناً بذلك فضيلة الجهاد في سبيل الله، ولما كان المقصود منه هو دعوة الناس إلى الله ودعاءه ﷺ الناس بالقلم حين وضعت الحرب أوزارها، فكاتب الملوك برسالة الإسلام رحمة وشفقة بالناس.

стр. 57

ذكر عدد عمراته ﷺ قال المصنف ﵀: [فصل: في حجه وعمرته. روى همام بن يحيى عن قتادة قال: قلت لـ أنس: كم حج النبي ﷺ من حجة؟ قال: حجة واحدة، واعتمر أربع عمر: عمرة النبي ﷺ حيث صده المشركون عن البيت، والعمرة الثانية حيث صالحوه من العام القابل، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنيمة حنين في ذي القعدة، وعمرته مع حجته. صحيح متفق عليه]. هذا بعد قدومه المدينة، وأما بمكة فلم يحفظ عنه حج ولا عمرة، وحجة الوداع ودع الناس فيها، وقال: (عسى ألا تروني بعد عامي هذا). إن النبي ﵊ لم يحج إلا حجة واحدة، واعتمر أربع عمرات: عمرة لم يكتب لها التمام، وعمرة مقرونة بالحج، وعمرتان منفصلتان. وتفصيل ذلك أن العمرة الأولى كانت في العام السادس، حيث خرج ﷺ من ذي الحليفة محرماً حتى وصل مكة فردته قريش، وحصل بينهم المفاوضات، وفي هذه المفاوضات بعثت قريش سهيل بن عمرو، فلما رآه النبي ﷺ قال: (سهل أمركم)، وهذا من باب التفاؤل بالأسماء، فاصطلح ﷺ مع القرشيين على أن يعود في العام القادم بعد العام السادس، فيعود ليعتمر وليس معهم إلا السيوف في أغمادها، فوافق ﷺ ، وأمر الناس أن يحلوا إحرامهم وينحروا هديهم، فلم يقبلوا ولم يرفضوا، ولكن لن يبادر أحد إلى فعل شيء، فدخل ﷺ على أم سلمة حزيناً، فأخبرها الخبر، فقالت له: يا رسول الله! انحر هديك واحلق رأسك. فإنهم سيصنعون كذلك ففعل ﷺ ولم يجد الصحابة بداً من ذلك؛ لأنه عز عليهم أن يأتوا محرمين ثم يردوا من البيت وهم على مقربة منه عند الحديبية، ولكن: المسلم يسلم لقدر الله، ولا يدري أين مواطن الخير، والنبي ﵊ في عمرته هذه كان على القصواء، فلما وصلت قريباً من البيت بركت من غير سبب، ففهم ﷺ الأمر، فقال الناس: خلأت القصواء، فقال ﵊: (والله ما خلأت، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل)؛ لأن البيت معظم، (والله لا تسألني قريش أمراً يعظمون فيه حرمات الله إلا أعطيتهم إياه)، فقبل ﷺ ورجع من عامه، وفي الطريق أنزل الله جل وعلا عليه سورة الفتح. ثم في العام الذي بعده في السنة السابعة خرج ﷺ محرماً من المدينة، فالعمرة الأولى لم تتم، وكان أحرم بالأولى في ذي القعدة، والثانية كذلك في ذي القعدة، فخرج ﷺ إلى مكة فدخلها، فلما دخلها خرج القرشيون إلى أحد جبال مكة وهم يقولون: سيأتيكم محمد وأصحابه وقد أوهنتهم حمى يثرب، وكان الجبل الذي علاه القرشيون شمال البيت، ومعلوم أن الركنين اليمانيين سميتا يمانيين لأنهما جهة اليمن، فأمر النبي ﷺ أصحابه بالاضطباع -وهو إخراج الكتف الأيمن- وأمرهم أن يرملوا -أي: يسرعوا المشي المتقارب- في الأشواط الثلاثة الأولى حتى يرد على القرشيين قولهم: إن الصحابة أهلكتهم حمى يثرب. فعند الطواف بين الركن اليماني والحجر كانوا في منأى عن أبصار قريش، فلا داعي إذاً للرمل، فكان يمشون المشي العادي، فإذا جاوزوا الحجر بدءوا يسرعون حين تراهم قريش. ثم رجع ﷺ إلى المدينة، وفي العام الذي بعد فتح مكة، وبعد فتح مكة توجه إلى حنين والطائف، ومعلوم أنه ﷺ بعد أن انتهى من هوازن في حنين حاصر الطائف واشتد الحصار دون أن يستطيع ﷺ أن يدخلها، فشاور أحد الناس -وأظن أن اسمه نوفل - فقال له: يا رسول الله! إنهم كثعلب في جحر، إن تركته لن يؤذيك، وإن أقمت عليه أمسكت، فقبل النبي ﷺ النصيحة وتركهم ورجع إلى مكة، وفي الجعرانة قبل أن يقسم الغنائم أو بعدها جعلها منزلاً له، فأحرم ﷺ بالليل ودخل مكة ليلاً فاعتمر، ثم رجع من ليلته إلى الجعرانة، وعلى هذا قال بعض المالكية: إن الجعرانة أفضل حل على وجه الأرض، والذي جعلهم يقولون هذا هو النبي ﵊ في كل حجته وعمراته أحرم من حرم، والمدينة حرم كما هو معلوم، فأحرم ﷺ من ذي الحليفة وهي حرم، ولم يحرم ﷺ أبداً من حل إلا من الجعرانة، فلذا قال بعضهم: إنها أفضل حل على وجه الأرض، وقال بعضهم: هذا شيء قدري لا علاقة له بالأحكام الفقهية، والله أعلم. والعمرة الرابعة كانت في حجة الوداع، حيث قرن ﷺ بين الحج والعمرة، فساق الهدي معه وأحرم في شهر ذي القعدة، ولكنه دخل مكة في شهر ذي الحجة.

стр. 58

ذكر حجة الوداع وحجة الوداع هي الحجة الوحيدة التي حجها النبي ﷺ في الإسلام، ولم ينقل عنه أنه حج قبل الهجرة أو لم يحج، أو قبل البعثة، فهذا كله غير منقول وغير محفوظ ولم ينقل فيه شيء. وفي حجة الوداع أحرم من ذي الحليفة، وساق الهدي معه صلوات الله وسلامه عليه، وفي الطريق أناخ المطايا وجلس ﷺ ، وكان مع أبي بكر زوجته أسماء، ثم إن أبا بكر أسند الراحلة إلى غلام له، فتأخر الغلام، فجاء أبو بكر يسأل الغلام: أين الراحلة؟ فقال: أضعتها، فأخذ أبو بكر يضربه ويقول: بعير واحد وتضيعه! فأخذ يضربه، وأخذ النبي ﷺ يتبسم وينظر إليه ويقول: (انظروا إلى المحرم، يضرب غلامه وهو محرم)، ولذا قال أبو داود في ذلك: (باب تأديب المحرم غلام).

стр. 59

دخول مكة وطوافه بالبيت ثم سار حتى وصل ﷺ إلى مكة، فبدأ بالبيت، فبدأ بالحجر فاستلمه وقبله، وفي رواية لـ ابن عباس أنه سجد عليه، ثم جعل الكعبة عن يساره وطاف سبعاً، وهنا رمل ﷺ ، ولم تكن هناك حاجة للرمل؛ لأن مكة فتحت، فرمل ﷺ الثلاثة الأشواط بين الركنين، فأصبحت سنة الرمل قائمة في الثلاثة الأشواط؛ حتى بين الركنين الذين كان قد ترك النبي ﷺ الرمل بينهما في عمرة القضاء كما بينا، ففي حجة الوداع رمل ﷺ ثلاثاً، ثم مشى أربعاً لتبقى تلك سنة، ثم أتى مقام إبراهيم وتلا الآية: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥]، وصلى ركعتين قرأ فيهما في الأولى بالكافرون وفي الثانية بالإخلاص. ثم رجع إلى الحجر واستلمه، ثم توجه إلى الصفا، فلما أقبل على الصفا تلا الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨]، وقال: (أبدأ بما بدأ الله به)، ولم يقلها ﵊ كما يفعل الناس اليوم، حيث يقولها الواحد منهم كلما يرقى الصفا أو يرقى المروة.

стр. 60

سعيه بين الصفا والمروة ثم نزل ﵊ حتى جاء إلى ما بين العلمين الأخضرين اليوم وكان آنذاك حصباء من الأرض، فأخذ يسرع في مشيه ويقول: (لا يقطع الأبطح إلا شداً)، أي: بقوة، قال الراوي: فأرى ركبتيه تدوران في إزاره صلوات الله وسلامه عليه. ثم رقى المروة، وفعل عليها كما فعل على الصفا، فاستقبل البيت ووحد الله وكبره ودعا وهلل ورفع يديه ثلاثاً، ثم أتم سعيه، ولم يحلق رأسه؛ لأنه قد ساق الهدي.

стр. 61

توجهه إلى منى ثم عرفة وفي اليوم الثامن توجه إلى منى، ومكث فيها وصلى فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وفي الفجر ذهب إلى عرفة، ولما توجه إلى عرفة ضربت له القبة بنمرة -قرية شرقي عرفات- فأناخ فيها، ونام فيها وارتاح قليلاً حتى زالت الشمس، ولما زالت الشمس ركب القصواء وتقدم حتى أتى بطن عرنة، وهو ليس من عرفة، وليس بحرم، وإن كان بين المشعر وبين مكة، فوقف فيه وخطب الناس خطبته العظيمة وقال فيها: (لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)، فعرفت بحجة الوداع، ثم تقدم حتى أتى الموقف وجعل بطن ناقته إلى يمين الصخرات، ووقف يدعو رافعاً يديه حتى غابت الشمس.

стр. 62

إفاضته إلى مزدلفة ثم أردف أسامة بن زيد خلفه حين ذهب إلى مزدلفة، وفي الطريق توقف ونزل في أحد الشعاب وبال وتوضأ وضوءاً خفيفاً، فلما ركب الناقة - قال له أسامة: الصلاة يا رسول الله. فقال: (الصلاة -وفي رواية: المصلى- أمامك)، أي: في مزدلفة. فأتى مزدلفة فصلى المغرب والعشاء جمع تأخير؛ لأنه دخلها في وقت صلاة العشاء، ثم اضطجع حتى أذن الفجر، فصلى الفجر في أول وقته، ثم بعد ذلك أتى المشعر الحرام الذي بني عليه المسجد اليوم، فوقف عنده وذكر الله، ثم قبل أن تشرق الشمس أنزل أسامة وأردف الفضل بن عباس، وكان شاباً حسن الشعر وسيماً، وهو في الطريق إلى منى رأى ضعناً -أي: نساء ركب- يجرين، فأخذ الفضل ينظر إليهن، فأمال شقه ﷺ إلى الشق الثاني، فكأنه رأى النساء الأخريات، فأمال النبي ﷺ وجهه مرة أخرى.

стр. 63

رميه وحلقه ونحره بمنى ثم أتى ﷺ منى فأتى الجمرة ولم يبدأ بشيء قبلها، فرماها وهو على ناقته بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم أتى الحلاق وكان اسمه معمر بن عبد الله، فقال له: (قد أمكنك الله من شحمة أذن نبيه ومعك الموسى)، فحلق رأسه ﷺ ، ثم بعد ذلك ذهب إلى المنحر ونحر هديه ﷺ ، فنحر ثلاثاً وستين بيده، فكان عمره ﷺ ثلاثاً وستين، فنحر ثلاثاً وستين والإبل معقولة أيديها اليسرى، فتسابقت تقدم رقابها إليه صلوات الله وسلامه عليه، وبعد أن أتم نحرها أمر علياً بأن يكمل عنه، فأكمل عنه علي ما تبقى، وكانت مائة ناقة قدمها ﷺ لنحرها. ثم جاءته امرأة من خثعم، وهي قبيلة إلى الآن موجودة لهم مواطن وأماكن في الطريق بين الطائف إلى أبها، وكانت هذه المرأة جميلة جداً، فجاءت تسأله أن أباها رجل كبير فرض عليه الحج وهو لا يستطيع، فقالت: أأحج عنه، فقال: نعم. فأخذ الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، كما في حديث ابن عباس، فأمال النبي ﷺ وجه الفضل ولم ينزله من راحلته. ومن أراد أن يسوس الناس فلابد له من أن ينظر إلى الأشياء بعينين: عين شرع وعين قدر، كما ساسهم ﷺ ، والخير كل الخير في اتباعه. فـ الفضل شاب أعزب وسيم، فكونه ينظر إلى النساء أمر محرم، ولكن ذلك أقرب إلى طبيعة هذا الشباب، فهذا هو القدر، والحرمة هي الشرع، فماذا فعل ﷺ ؟ لقد أنكر عليه وأمال وجهه، فنظر للأمر بعين الشرع، أما عين القدر فهو ﷺ يعلم أن هذا شاب أعزب والفتاة جميلة، فلم ينزله من الناقة ولم يعنفه ولم يسبه ولم يشتمه مراعاة لوضعه وحالته وعمره ﵁ وأرضاه. فإذا أراد الإنسان أن يسوس الناس فلينظر في كل أمر، ولذلك جاء في الإسلام التفريق بين كبر الغني وكبر الفقير؛ لأن الغني عندما يتكبر يكون لكبره وإن كان حراماً؛ لأنه ذو مال، وأما الفقير فعلى أي وجه يتكبر؟! وكذلك الزنا حرمة الله على الجميع، ولكن الزنا من الكبير في السن ليس كالزنا من الشاب، قال ﷺ : (أشيمط زان وعائل مستكبر وملك كذاب)، فالملك يكره منه الكذب لأنه يحتاج إلى أن يكذب، فليس هناك أحد يخاف منه من أجل أن يكذب، ولكن عندما يكذب الخائف يكون لكذبه وجه وإن كان حراماً. فمن أراد أن يسوس الناس فليسسهم بهدي محمد ﷺ ، فينظر بعين الشرع وعين القدر.

стр. 64

إحلاله من الإحرام وطواف الإفاضة ورميه أيام التشريق ثم دخل على عائشة فطيبته بعد أن أحل من إحرامه، وتوجه إلى مكة وطاف طواف الإفاضة، والصواب أنه طاف طواف الإفاضة وهو راكب على بعير، ولم يسع؛ لأنه ﷺ كان قارناً، فرجع إلى مكة فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، واليوم الحادي عشر يسمى في عرف الفقهاء: يوم القر؛ لأنه ليس فيه تعجل ولا ذهاب ولا إياب، وليس فيه إلا الرمل، فمكث ﷺ فيه، ثم في اليوم الثاني عشر أذن لمن أراد أن يتعجل، أما هو ﷺ فبقي إلى اليوم الثالث عشر، وقال في اليوم الثاني عشر: (إنا نازلون غداً في خيف بني كنانة)، والخيف في اللغة: ما قرب من الأرض، فلم يصل إلى الوادي، ولذلك يسمى المسجد الرسمي الذي في منى يسمى مسجد الخيف؛ لأنه ليس في الوادي ولا في أعلى الجبل، وإنما هو في منحدر الجبل. فقال ﵊: (إنا نازلون غداً في خيف بني كنانة)، وخيف بني كنانة هو المكان الذي اجتمعت فيه قريش على أن تحصر بني هاشم في الشعب، فلما نزل ﷺ في اليوم الثالث عشر رمى الجمرات الثلاث ولم يصل الظهر والعصر في منى، وأتى خيف بني كنانة -وهو ما يسمى المعابدة اليوم- فنزل فيه ﷺ وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء يقصر الرباعية.

стр. 65

طواف الوداع ورجوعه ﷺ إلى المدينة وقبل السحر بقليل نزل إلى مكة، فطاف بالبيت طواف الوداع، ثم صلى بالناس صلاة الفجر، ثم قفل ﷺ راجعاً إلى المدينة تشرف به المهاد والنجاد يكبر على كل شرف من الأرض حتى رأى معالمها فقال: (آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون)، ودخلها ﷺ بعد أن نام في أبيار علي في مسجد يسمى مسجد المعرس، بجوار مسجد الميقات اليوم، ثم لما أصبح دخل ﷺ المدينة نهاراً، وكان لا يدخلها ليلاً صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 66

ذكر غزوات الرسول ﷺ قال المؤلف ﵀: [غزا رسول الله ﷺ بنفسه خمساً وعشرين غزوة، هذا هو المشهور، قاله محمد بن إسحاق، وأبو معشر، وموسى بن عقبة وغيرهم، وقيل: غزا سبعاً وعشرين، والبعوث والسرايا خمسون أو نحوها. ولم يقاتل إلا في تسع: بدر، وأحد، والخندق، وبني قريظة، والمصطلق، وخيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف. وقد قيل: إنه قاتل بوادي القرى، وفي الغابة، وبني النضير].

стр. 67

ذكر فضل الجهاد في سبيل الله هذا ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى حول غزواته ﷺ ، والحديث عن الغزوات حديث طويل، كما أنه في نفس الوقت مشهور لا يكاد يجهله أحد، وعلى الأقل يلم به الجميع إلماماً عاماً، ولذلك سنتحدث إجمالاً عن غزواته ﷺ ، ثم سنذكر تعليقاً علمياً ومعرفياً وعقدياً عليها. فنقول والله المستعان وعليه البلاغ: إن الله جل وعلا أذن بالجهاد بعد هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩]، والجهاد في دين الله جل وعلا بمنزلة عالية، قال ﷺ : (وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله)، ولما أراد أن يبين ﷺ لأصحابه فضيلة العشر الأول من ذي الحجة قال ﵊: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر)، فقال الصحابة لما استقر في قلوبهم فضل الجهاد: ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال ﷺ : (ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)، والله جل وعلا يقول وهو أصدق القائلين: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران:١٩٦ - ١٧٠]، فهذه الأمور من باب التمهيد للدرس، وإلا فلا يكاد مؤمن يجهل فضل الجهاد بضوابطه الشرعية في سبيل الرب ﵎، وهذا التقديم نقوله بين يدي ذكر غزواته ﷺ .

стр. 68

ذكر الفرق بين السرية والبعث والغزوة ومن الناحية العلمية يرد عليك وأنت طالب علم الغزوة والسرية والبعث، فالسرية والبعث يجعلها غالب المؤرخين بمعنى واحد، فتكون الغزوة هي التي يقودها النبي ﷺ بنفسه ويشارك فيها، فإذا كانت المعركة بهذا المناط سميت غزوة. أما السرية أو البعث فهي التي يبعثها النبي ﷺ دون أن يكون فيها ﵊، مثل سرية مؤتة؛ فإنها كانت بقيادة زيد بن حارثة، ولم يكن النبي ﷺ عليها، والسرية سميت سرية لأنها جرت العادة بأنها تبعث في الليل، يقال: فلان سرى أي: مضى في الليل. وأما البعث فقد قلنا: إن أكثر المؤرخين على أنه بمنزلة السرية، ولكن بعضاً منهم يقول: إن البعث هو المجموعة من الجند التي يبعثها صاحب السرية، فيصبح البعث منفكاً نسبياً عن السرية عند بعض العلماء، وجمهورهم على أن السرية والبعث بمعنى واحد.

стр. 69

ذكر الغزوات إجمالاً وأول الغزوات بدر، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام: بدر الصغرى، وبدر الكبرى، وبدر الموعد. فبدر الصغرى سببها أن رجلاً يقال له: قلس أغار على سرح المدينة، فتبعه النبي ﷺ إلى بدر وهذا كله قبل معركة بدر، وتسمى هذه معركة بدر الصغرى، وأما التي نزل فيها القرآن فهي المعركة الشهيرة في رمضان عند المسلمين، وكانت في السابع عشر من رمضان، وأصلها -كما هو معلوم- أن النبي ﷺ بلغه أن عيراً لقريش عائدة من الشام، فقال لأصحابه: (لعل الله ينحلكموها) يعني: يمنحكم إياها، فهبوا لها فلم يدركوها، فقال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧]، وإحدى الطائفتين هنا ليست إحدى الحسنيين، فإحدى الحسنيين هي النصر أو الشهادة، وأما إحدى الطائفتين فالعير أو النصر، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧]، فقال ﷺ بعد أن استشار أصحابه قال: (امضوا؛ فإن الله وعدني إحدى الطائفتين)، أي: وعدني إما أن تدركوا العير، وإما أن تقابلوا قريشاً فتنتصروا. فأتى النبي ﷺ بدراً كما هو معروف، وكانت الغلبة للمسلمين، واستشهد منهم أربعة عشر صحابياً جليلاً شهيداً، ووقف النبي ﵊ وأثنى على أهل بدر. فهذه بدر الكبرى التي قال الله فيها: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران:١٢٣]. وبعد بدر جمعت قريش أمرها، فكان في السنة الثالثة غزوة أحد بقيادة أبي سفيان، وأحد هو الجبل المعروف في شمال المدينة، وسمي أحداً لانفراده عن بقية الجبال، وهو جبل قال فيه ﷺ : (هذا أحد جبل يحبنا ونحبه)، وارتقى عليه ﵊ ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فاهتز فرحاً، فقال ﵊: (اثبت أحد؛ فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان). والذي يعنينا أن في ساحته كانت معركة أحد، وكانت الغلبة -كما هو معلوم- أول الأمر للمسلمين، ثم إن الرماة عصوا النبي ﷺ وتركوا أماكنهم فانقلب الوضع وتغير الحال وجال خالد بمن معه من القرشيين فأصبح الأمر لهم، واستشهد من المسلمين آنذاك سبعون ﵃ وأراضهم. ثم كانت غزوة بني النضير، وهم قوم من اليهود كانوا يسكنون المدينة، كان منهم بعض التآمر، ثم إن النبي ﵊ ذهب إليهم في دية رجلين، فلم يساعدوه، وتآمروا على قتله، فأجلاهم النبي ﷺ من المدينة. ثم بعد ذلك كانت غزوة الأحزاب، ومن اسمها يظهر أن قريشاً وغطفان ومن حالفهم حاصروا المدينة في القصة المعروفة، فأخذ النبي ﵊ مشورة سلمان الفارسي وحفر الخندق، فاختصم الناس في سلمان، وقال المهاجرون: سلمان منا، وقال الأنصار: سلمان منا، فقال ﷺ : (سلمان منا آل البيت). ثم بعد ذلك لما رجع المشركون من غزوة الخندق فردهم الله، انكسر المشركون معنوياً، فقال ﷺ : (الآن نغزوهم ولا يغزونا)، فوقع الأمر كما قال صلوات الله وسلامه عليه. وبعد ذلك كان مسير النبي ﷺ للعمرة في العام السادس، فاصطلح مع القرشيين في الصلح الذي تم تاريخياً وعرف في كتب السيرة بصلح الحديبية، واتفق الطرفان على ألا يكون قتال عشر سنين. وبعد هذا الصلح رجع ﷺ إلى المدينة فغزا خيبر في نفس العام، وأظهر علي ﵁ بلاء معروفاً، وكان في السبي صفية بنت حيي بن أخطب ﵂، ثم تزوجها النبي ﷺ في منصرفه من خيبر. فهذا كله في أحداث السنة السادسة. وفي السنة الثامنة كان فتح مكة، حيث خرج النبي ﷺ بعد أن استنصر به عمرو بن سالم الخزاعي، قيل: إنه كان من شروط الصلح -صلح الحديبية- أن من أراد أن يدخل في حلف محمد دخل، ومن أراد أن يدخل في حلف قريش دخل، فدخلت بكر في حلف قريش، ودخلت خزاعة في حلف النبي ﷺ ، ثم إن قريشاً أعانت بكراً على خزاعة، فجاء عمرو بن سالم الخزاعي يستنصر برسول الله ﷺ ، فقال له: (نصرت يا عمرو بن سال م)، فخرج ﷺ في العام الثامن من الهجرة إلى مكة ومعه أكثر من عشرة آلاف من أصحابه، ثم دخلها عنوة صلوات الله وسلامه عليه والمغفر على رأسه وطاف بالبيت، ففتح مكة، ثم جعل عليها عتاب بن أسيد. ثم خرج ﷺ إلى حنين فقاتل هوازن وثقيفاً، وحاصر الطائف، ولكنه لم يستطع أن يدخلها، ثم رجع، فقيل له: يا رسول الله! ادع على ثقيف، فقال: (اللهم اهد ثقيفاً وائت بهم)، فتحققت ﵊ ودعوته وهدى الله ثقيف. ثم رجع ﷺ إلى المدينة، وفي رجب من العام التاسع كانت آخر الغزوات، وهي غزة تبوك، فخرج ﷺ بجيش العسرة إلى تبوك -وهي منطقة تبعد عن المدينة اليوم سبعمائة كيلو تقريباً- في الحر والقيض، وقد تآمر المنافقون وخذله أكثرهم، فخرج ﵊ ولم يلق حرباً، فأناخ في تبوك قرابة عشرين يوماً، ثم رجع صلوات الله وسلامه عليه. فهذا على وجه الإجمال، وهناك غزوات لنبينا ﷺ تركنا ذكرها، كذات الرقاع وبني المصطلق وغيرهما.

стр. 70

بيان عظم التوحيد والذي يعنينا من هذا كله الدروس والعبر والعظات التي يجدها شارح السيرة في هذه الغزوات التي غزاها النبي ﷺ . فأول ذلك: أن يعلم المرء أن الله ما أمر بشيء أعظم من توحيده، وما نهى عن شيء أعظم من الإشراك به، فما بعث الرسل ولا أنزلت الكتب إلا ليعبد الله وحده دون سواه، ففي بدر قال ﵊ لأصحابه: (امضوا؛ فإن الله وعدني إحدى الطائفتين)، وقلنا: إن إحدى الطائفتين العير أو النصر، فلما فر أبو سفيان بالعير ونجا ذهبت الأولى، وبقيت الثانية وهي النصر، فهو ﵊ أتى بدراً وهو يعلم أنه منصور لا محالة؛ لأن الله وعده، وأخبر الناس بذلك، ومع ذلك وقف ﷺ ليلة بدر في العريش رافعاً يديه يدعو ويتضرع إلى الله ويسأله جل وعلا ويحمد الله بحامد عظيمة حتى قرب الصبح، وهو يعلم أنه منصور، ولكنه فعل ذلك ليحقق التوحيد على أكمل وجه، والتوحيد لا يتحقق في مظهر أكبر من دعاء الله ﵎، فوقف ﷺ يدعو ويلح على ربه حتى أشفق عليه أبو بكر، فجاءه من الخلف والتزمه وقد سقط رداءه ﷺ عن كتفيه، وهو واقف يتضرع إلى ربه ويدعوه في أمر قد أخبره الله جل وعلا بأنه كائن، فما وقف ﷺ يدعو إلا ليبين التوحيد للناس، وليعلم كل أحد أنه لا يمكن لمخلوق أن يستغني عن الله ﵎ طرفة عين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]، والعبد لو ترك لحوله وفصاحته أو ماله أو بلاغته أو أولاده أو عشيرته أو ملكه أو سلطانه لهلك، فلا ينجي من كل مكروه إلا الله، ولا يهب النعم ويعطيها ويمنحها إلا الله، فمن استعان بالله جل وعلا وفق، وقد تجد الرجل من الفصاحة والبلاغة والدعوة بمكان، وتجد من يدعوه لا يتأثر؛ لأن الله لم يكتب لذلك المتلقي التأثر، قال الله جل وعلا حكاية عن نوح بعد أن أخلص لقومه ودعاهم وبين لهم معالم الهدى: ﴿وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤]، فمهما بذلت معكم من جهد فلا ينفع إن كان الله جل وعلا لم يرد لكم الهداية. فاسأل الله ﵎ من فضله، وأر الله جل وعلا من التضرع والمسكنة ما يحب يعطك الله جل وعلا ما تحب من خيري الدنيا والآخرة.

стр. 71

ذكر غزوة بدر الكبرى وبدر هي أول معركة في الإسلام، وهذه المعركة بعدها كان الصحابة على ثلاثة أقسام: قسم حمى النبي ﷺ ، وقسم تتبع فلول قريش، وقسم جمع الغنائم. ولم يكن يوم ذاك غنائم من قبل ليمضي بهذه الغنائم على السنة الأولى، فاختصموا في الغنائم، فذهبوا إلى النبي ﷺ يسألونه، فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١]، ولم يأت جواب، فقال الله تأديباً لهم: ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١]، أي: احرصوا على جمع الكلمة، وليس الصحيح أن تختصموا من أجل غنائم، فالمهم أن تتآلف قلوبكم، وأن يتوحد رأيكم، وأن تجتمع كلمتكم، ثم بعد أربعين آية في نفس السورة قال الله جل وعلا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال:٤١] إلى آخر الآية فبين جل وعلا كيفية تقسيم الغنائم. ثم اختلفوا في الأسرى، فاستشار النبي ﷺ الصديق والفاروق، فـ الصديق أشار عليه بقبول الفدية، والفاروق أشار عليه بالقتل، فشبه ﷺ الصديق بإبراهيم عندما قال ﵊: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم:٣٦] أي: الأصنام: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي﴾ [إبراهيم:٣٦] فلم يدع عليهم، بل قال: ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦]. وشبه الفاروق بنوح حين قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧]، ثم أخذ النبي ﷺ برأي الصديق وقبل فداء الأسرى، فنزل القرآن يعاتبه.

стр. 72

ذكر غزوة أحد وأما غزوة أحد فإن الرماة ﵃ خالف منهم طائفة أمر قائدهم، ونزلوا إلى أرض المعركة يجمعون الغنائم، وكانت فرصة لـ خالد، ولا يهلك الناس مثل المعاصي، ولا ينجي مثل الطاعة، وهذا أكبر دليل على ذلك كله. فلما عصى الرماة النبي ﷺ معصية واحدة كانت سبباً في هزيمة جيش بأكمله فيه رسول الله ﷺ ، فليس بين الله وبين أحد من خلقه نسب، فمقاليد التوفيق مقرونة بالطاعات، ومقاليد الخيبة والخسران مقرونة بالمعاصي، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٥٢]. فهذا الأسلوب القرآني جاء رقيقاً لأنهم انهزموا، فما جمع الله لهم الهزيمة أمام أهل الكفر وتأديب القرآن القاسي، بل جاء تأديب القرآن ليناً لأنهم انهزموا، قال الله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٥٢]. وأما في بدر التي أرجأت الكلام فإنهم لما اختلفوا في الأسرى ولم يأخذوا بالأمر الأصوب -وهو قتل الأسارى- قال الله ﵎ عنهم: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال:٦٧] إلى أن قال الله جل وعلا في الآية التي بعدها: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨]، فالعتاب في بدر كان أقسى من العتاب في أحد؛ لأنهم كانوا في بدر منتصرين يتقبلون العتاب القاسي، أما في أحد فكانوا منكسرين، فما أراد الله جل وعلا أن يجمع عليهم عتاباً قاسياً مع هزيمة وفي غزوة أحد أشيع أن النبي ﷺ قتل، زعم ذلك عمرو بن قمئة أخزاه الله، فلما أشيع ذلك أصاب المسلمون نوع من الإحباط، فقال الله جل وعلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]، فما ربط الله جل وعلا عبادته قط بحياته ﷺ فأوامر الله تنفذ، سواء مات النبي أو بقي، وجد الإمام أو لم يوجد، وجد القائد المسلم أو لم يوجد، فأوامر الله وعبادته وطاعته وشكره والإذعان له ﵎ دأب المؤمن في كل زمان ومكان، وهذا الدين الذي هو من عند الله أجل وأعظم من أن يعلق بحياة أحد، ولو أريد لهذا الدين أن يعلق بحياة أحد لعلق بحياة النبي ﷺ ، لكن الله يقول للصحابة الذين هم خير جيل وأمثل رعيل: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤]، أي: أن الرسل من قبله ماتوا ولم يتغير شيء، فهو ﷺ له عند الله ربه المنزلة العالية والمقام الرفيع ولكن أوامر الله ليس تنزيلها معلقاً بحياة أحد كائناً من كان. ثم إن هؤلاء الرسل تركوا مبادئ وتركوا قيماً، ومن أعظم أخطائنا في الصحوة أن نعلق الناس بالدعاة أو بالعلماء أو بالقادة أو بالمجاهدين، هذا من أعظم أخطائنا في التربية، فالإنسان يعلق بالمبادئ ويعلق بالقيم؛ لأن هذا الذي تفتن به اليوم لا يؤمن عليه الفتنة، فهو نفسه قد يترك الدين ويرجع وينتكس أو يموت ويتغير، فلا تتعلق بمخلوق كائناً من كان، فخذ من الناس ومن العلماء من الدعاة وممن تحب القيم والمبادئ التي عاشوا من أجلها، أما هم فلا تتعلق بهم، وما يحصل عند موت زعيم أو ما أشبه ذلك من هلاك الناس وضياعهم وبكائهم غير صحيح، فأن يبكي الإنسان على شخص يحبه لا بأس به، فالنبي ﷺ بكى على موت إبراهيم، ولكن لا يعتقد أحد أن الدين سيتبدل أو يتغير؛ لأن فلاناً مات أو لأن عالماً ربانياً هلك، فالدين أعظم من أن يعلقه الله بحياة أحد كائناً من كان.

стр. 73

ذكر غزوة الخندق وفي يوم الخندق أراد الله أن يبين أن مع العسر يسراً، وأن آخر الليل فجر، ففي عز ما كان فيه المشركون مسيطرين محيطين بالمدينة، أخذ النبي ﵊ بالرأي، والإنسان مهما بلغ عقله ورأيه وفضله يحتاج إلى أن يستشير الناس، وما استكبر ﷺ عن أن يستشير أصحابه، وأخذ برأي سلمان، حيث قال له: إننا كنا في بلاد فارس نصنع كذا وكذا. فلا يأتي إنسان ويقول: هذا تشبه بالكفار؛ فالتشبه بالكفار إنما يكون في المسائل التي تكون رمزاً لهم، وتكون عنواناً على كفرهم، فهذا لا يجوز، أما حضارات الأمم فلا يجوز لأحد أن يقيدها، فقد كان الفرس يصنعون هذا في حروبهم، فما امتنع ﷺ عن أن يصنعه في حروبه إذا كان يقيه غائلة الأعداء، وقد قال ﵊ في حديث آخر هو عند مسلم: (كنت أريد أن أنهى أمتي عن الغيلة، حتى علمت أن فارس والروم تصنعانها فلا يضرانها شيئاً)، والغيلة أن تضرع المرأة ابنها وهي حامل على إحدى التفسيرين لها، وهو المشهور، ومع ذلك لما علم ﵊ أن فارس والروم -وهم مجوس ونصارى- يصنعون هذا الصنيع قبله ﷺ ؛ لأن هذه حضارة مشتركة يأخذ الناس بها كلهم، فليس وقفاً على أمة دون أمة، وإنما المحظور ما كان شعاراً ليهود أو كان شعاراً لمجوس أو كان شعاراً لنصارى يتعلق بدينهم وشعائرهم، فهذا هو الذي فيه الموالاة والبراء، ولا يجوز لأحد أن يحاكيهم فيه أبداً حفاظاً على شعيرة الدين. وفي ذروة هذا كله ينزل ﷺ فيضرب صخرة فيقول: (الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إنني لأرى قصر المدائن الأبيض من مكانها)، ثم يضرب ضربة ثانية ويقول: (الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إنني لأرى قصور هرقل -أو كلمة نحوها- من مكانها)، ثم ضرب الثالثة وقال: (الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إنني لأرى قصر صنعاء الأبيض في مكانه)، ففي شدة ما هو فيه كان يبشر الصحابة ليبين لهم ألا يدب اليأس إليهم. وقال النبي ﷺ هذا كله وهو لم يدرك واحدة منها، فلم تفتح فارس ولا بلاد الروم ولا اليمن في حياته ﷺ ؛ إذ ليس شرطاً أن تفتح في حياته، كما قال تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ [يونس:٤٦] والمقصود أن الآيات تقع في حياته وتقع بعد وفاته، فالدين ليس معلقاً بأحد، والقائد الموفق من يبذر الفأل الحسن والعزيمة في نفوس المسلمين. فهذه المعركة كانت اختباراً للناس وتصفية لهم، فالمنافقون قالوا: محمد يعدنا بكذا وكذا وأحدنا لا يقدر أن يقضي حاجته، فقال الله عنهم: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢]، وقال عن أهل الإيمان: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]، فهذا ما يتعلق بمعركة الأحزاب.

стр. 74

ذكر صلح الحديبية وأما في الحديبية فإنه ﷺ خرج حتى وصل إلى مكة، وقبيل مكة بركت الناقة، فقال من معه: خلأت القصواء، فقال: (والله ما خلأت وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل)، ثم فهم أنه لن يصل إلى البيت، وقال: (إن قريشاً لا تسألني اليوم خطة يعظمون فيها البيت إلا أعطيتهم إياها). فهذا النص، -وهو قوله ﵊: (حبسها حابس الفيل) - قرأه كثير من العلماء، ولكن الفهم يتفاوت من عالم إلى عالم في استنباط الفوائد، قال الحافظ ابن حجر ﵀ -وهذا من دلائل قدرته العلمية-: إنه لا يلزم من التشبيه بين أمرين التشبه من كل وجه، فإن النبي ﵊ شبه حبس ناقته بحبس الفيل، مع أن أصحاب الفيل كانوا على باطل محض، وصاحب الناقة ﷺ كان على حق محض، ولكن المقصود هنا بالتشبيه شيء واحد، وهو حفظ الله جل وعلا لبيته، وليس المقصود تشبيه صاحب الناقة ﷺ بصاحب الفيل أبرهة، فبينهما من البون والفرق ما لا يخفى على أحد. هذا معنى كلامه رحمه الله تعالى وغفر له.

стр. 75

ذكر غزوة خيبر والمقصود من هذا أن النبي ﵊ رجع بعد أمور وأحداث علق عليها المصنف، فخرج في نفس العام إلى خيبر، وقد كان يقطنها اليهود، فأقبل على خيبر فجراً، فخرج الناس ومعهم المساحي، فلما رأى المساحي بأيديهم تفاءل وقال: (الله أكبر، خربت خيبر، إننا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)، وهنا حصلت أمور، فبعض الحصون عزت على الصحابة، فقال ﵊: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله)، فاستشرف الناس ليلتهم كلهم يريد أن يكون هو، فلما أصبح أعطاها علياً رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهذا من مناقب علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وتم فتح خيبر بعد ذلك، واصطفى النبي ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب، فوجد في خدها أثر ضربة، فسألها عنها، وكانت قبله تحت رجل آخر، فقالت له: إنني قصصت رؤيا على زوجي فصفعني، ثم سألها بعد ذلك فأخبرته، فقالت: رأيت الهلال ينزل فيقع في حجري، فقصصتها على زوجي فضرني وقال: تتزوجين هذا الملك الذي في المدينة. يقصد النبي ﷺ ، فبقي أثر الضربة فيها حتى تزوجها نبينا ﷺ . فهذا ما كان من غزوة خيبر، وقد حاول اليهود سمه ﵊، فنجاه الله ﵎، وأخبرته ذراع الشاه بأنها مسمومة، فلفظ ما أكل صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من معجزاته ﵊.
следующие страницы →