Полный текст (149 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وصف فمه ﷺ
أما فمه ﵊ فقد كان كبيراً، وجاء في الروايات أنه كان ضليع الفم، وهو أمر تحمده العرب للرجل؛ لأنه يدل عندهم على البلاغة والفصاحة، وكانوا لا يرون صغر الفم أمراً محموداً لمن أراد البلاغة والفصاحة، كما كان ﷺ .
وجاء في وصفه أنه أشنب، والأشنب ليس له علاقة بالشنب، وإنما الأشنب هو الذي أسنانه دقيقة منتظمة، وقد سئل رؤبة بن العجاج أحد شعراء العرب عن معنى كلمة (أشنب)؛ لأن كلمة (أشنب) ترد في الشعر العربي في الغزل كثيراً، فأخرج رمانة -والرمان حبه مصفوف- فقال: هذا هو الأشنب.
والمقصود من هذا أنه كان ﷺ حسن الفم دقيق الأسنان منتظمة أسنانه انتظاماً عظيماً؛ لأن ذلك هو خلقة الله لخير الثقلين صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 107
وصف لونه ﷺ
وكان ﷺ أزهر وكان أبيض غير أمهق، وكان مشرباً بحمرة، وبيان ذلك أن الإنسان يظهر بعض بدنه للشمس والرياح، وبعض بدنه يكون مستوراً بالثوب، فبعض بدنه -كوجهه وكفيه- يتعرض للشمس والرياح، وبعض جسده مستور، والأمهق هو الأبيض الذي بياضه غير محمود، وهو بياض أقرب إلى المرض المعروف.
فلم يكن ﷺ بياضه بياض الأمهق.
وأما المشرب بحمرة فهو البياض فيما هو ظاهر للناس، أي أن وجهه ويديه بيضاوان مشربان بحمرة، وأما أنه أزهر فمعناه أنه أبيض ذو نور، وهو ما كان داخل البدن، أي: أبيض ذو نور البدن غير الظاهر للناس، وهي الذي لا يظهر إلا في بعض الأحيان، كما جاء في الحديث أنه لما كان في غزوة تبوك خرج يصلي بالناس، يقول الراوي: فكأني أنظر إلى وبيص ساقيه ﷺ .
أي: نور ساقيه صلوات الله وسلامه عليه، فهذا ما يتعلق بلونه ﵊.
стр. 108
وصف لحيته ﷺ
وكان ﷺ كث اللحية، وكان الشيب فيه قليلاً جداً، وأكثر شيبه كان في العنفقة التي تحت الشفة السفلى.
واللحية لتطلق على الشعر الذي على اللحيين، فكان الشيب فيه ﷺ أكثره أسفل الشفة السفلى، وكان فيه كثير منه أعلى العارضين وكان عنقه كأنه إبريق فضة، أي: أبيض، فصلوات الله وسلامه عليه.
стр. 109
وصف شعره في صدره ﷺ
وكان ما بين لبته وسرته خيط من شعر ممتد على هيئة خيط دقيق، وهو ما عبر عنه العلماء والأئمة الذين وصفوه بقولهم: دقيق المسربة، فالمسربة الخيط من الشعر الممتد من الثغرة التي تسمى اللبة والوهدة إلى السرة، ولم يكن في صدره ولا بطنه صلوات الله وسلامه عليه شعر آخر غير هذا الخيط الدقيق من الوهدة أو اللبة إلى السرة.
стр. 110
وصف سعة صدره ﷺ
وكان عريض ما بين المنكبين، أي أنه ﵊ واسع الصدر، والإنسان إذا كان واسع الصدر فغالباً لا يكون له بطن، وإذا ضاق الصدر ظهر البطن، ولذلك جاء في وصفه أنه ﷺ سواء الصدر والبطن، أي: ليس الصدر بظاهر ولا البطن بظاهر، وإنما كان سواء الصدر والبطن.
стр. 111
وصف زنديه وراحتيه ﷺ
وجاء في وصفه أنه طويل الزندين، والزندان هما اللذان يلتصقان بالراحة من اليد، كما كان ﷺ رحب الراحة -أي: واسعها- مع شيء من الغلظة في الخلقة واللين في الملمس.
стр. 112
وصف قدميه ﷺ
وأما القدمان فجاء فيهما روايتان: رواية أبي هريرة أنه لم يكن أخمص، وأكثر الروايات على أنه كان أخمص ﷺ ، أي: مرتفع جزء من القدم، وهذا عليه خلق أكثر الناس، وجاء في رواية صحيحة عند مسلم أظنها من حديث أبي هريرة أنه لم يكن أخمص، ولكن الذي عليه أكثر الرواة أنه ﷺ كان أخمص القدمين.
стр. 113
وصف عظامه في جسمه ﷺ
كما كان ضخم الكراديس، والكردايس العظام الكبيرة في الجسم، فكان عظيم الركبتين، عظيم الكتفين، عظيم المرفقين.
كما كان بديناً متماسكاً، وهذه البدانة تقول عنها أم معبد: لم تعبه ثجلة، والثجلة: الضخامة المعيبة، وقالت: ولم تزر به صعلة، والصعلة: صغر الرأس، ولكن رأسه كان ﷺ متناسباً مع بدنه صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 114
وصف صوته ﷺ
ومر معنا في رواية أم معبد أنها قالت: في صوته صحل، الصحل: البحة، فالصوت إما أن يكون حاداً لا بحة فيه، وإما أن يكون مقروناً ببحة، وقد كان صوته ﷺ مقروناً ببحة، ولذلك قالت عائشة ﵂ لما ذكرت خبر الوفاة: فأخذته بحة شديدة.
فالفائدة من كلمة (شديدة) هنا لمن يجمع السيرة بعضها إلى بعض أن تفهم أنها زائدة عن المعهود لوطأة الحمى وشدة المرض.
стр. 115
جمال خلقته العامة ﷺ
كما كان ﷺ ذا نور عام، إذا رآه أحد من بعيد -كما قال علي - هابه، وإن خالطه أحد أحبه؛ لما يرى من كرم خلقه وفضله صلوات الله وسلامه عليه.
وكان الحسن بن علي سبطه أشبه الناس به من الناحية العليا، والحسين بن علي ﵁ وأرضاه أشبه الناس بالنبي ﷺ من الناحية السفلى.
وفي مجمل خلقته لم يكن طويلاً جداً ولم يكن قصيراً صلوات الله وسلامه عليه، وقلنا: إنه كان بديناً متماسكاً، أي أن لحمه مرصوص بعضه إلى بعض غير مترهل وفي حديث عائشة لما ذكرت قيامه ﵊ الليل أنها قالت: فلما بدن وحمل اللحم قلل من الوتر.
فكان يوتر بثمان يسردهن، ثم يجلس، ثم يقوم إلى التاسعة، فأصبح يسرد ستاً ويقوم إلى السابعة، تقول عائشة: فلما بدن وحمل اللحم وثقل أصبح يفعلهن ستاً.
وموضع الشاهد أنه عندما كبر وزاد بدنه قليلاً صلوات الله وسلامه عليه لم يصل إلى الحد الذي يمكن أن يقال عنه: إنه مترهل ﵊، وإنما كان بدنه متماسكاً متناسقاً بعضه إلى بعض، وسيماً قسيماً صلوات الله وسلامه عليه.
فهذا مجمل ما دل على هيئته الخلقية صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 116
سلسلة الأيام النضرة في السيرة العطرة [بعثته، هجرته، وفاته، أولاده]
لقد كان النبي ﷺ قبل البعث ينكر كثيراً من الأمور التي كان يصنعها قومه، ثم حبب إليه الخلوة، فكان يذهب إلى غار حراء فيتحنث ويتعبد الليالي ذوات العدد، وكان يرى الرؤيا فتقع كفلق الصبح، ثم أتاه جبريل وأمره أن يقرأ وضمه إليه ضمة شديدة، فنبئ باقرأ، وأرسل بالمدثر.
وعندما توفي النبي ﷺ كان ذلك كارثة ومصيبة عظيمة على الصحابة وعلى الأمة كلها، فقد أظلمت المدينة في وجوه الصحابة بعد أن كانت مضيئة.
стр. 117
صور الوحي
ذكره المصنف هنا بعثته صلوات الله وسلامه عليه.
فالوحي أعظم خصائص الأنبياء والرسل، وقد مر معنا في دروس عدة أن للأنبياء والرسل خصائص من أعظمها بلا شك وحي الله جل وعلا إليهم، والوحي له صور ثلاث: إما أن ينفث في روع النبي فيشعر أنه من الوحي دون أن يراه، وإما أن يأتي هذا الملك لهذا النبي فيخبره الخبر، وإما أن يكلم الله العبد من وراء حجاب، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١].
فأما نفث الروع: فإن النبي ﵊ قال: (إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب).
وأما بعث الرسول: فإن الرسول هو جبريل، ويأتي على حالتين: إما يأتي على صورة شخص غير معروف، أو صورة شخص معروف، هذه حالة.
والحالة الثانية: أن يأتي على صورته التي خلقه الله جل وعلا عليها، وقد جاء النبي ﵊ -أي جبريل- في صورته التي خلقه الله تعالى عليها مرتين: مرة في أيام الوحي الأولى، ومرة في رحلة المعراج، قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير:٢٣] هذه الأولى، وقال في النجم: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣].
والحالة الوسطى التي قلت: إنه يأتي فيها الملك في صورة شخص إما معروف أو مجهول، فصورة المجهول كما في حديث عمر: (كنا جلوساً عند النبي ﷺ فجاءه رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر) لما انتهى الخبر قال: (هذا جبريل).
стр. 118
إرهاصات وبدايات الوحي
وإما أن يأتي في صورة رجل معروف كما كان يأتي في صورة دحية الكلبي، ودحية الكلبي صحابي جليل كان وسيماً جداً، فكان جبريل أحياناً يأتي في صورته للنبي ﷺ .
وجبريل أول مرة جاء للنبي ﵊ قطعاً في رمضان، وإنما اختلف العلماء في أي رمضان جاءه، وبعض العلماء قال: في ربيع، وبعضهم قال: في رجب، وبعضهم قال: ليلة النصف من شعبان، وبعضهم -وهم الأكثر- قال: في رمضان، وبعض العلماء يجزم أنه جاءه في ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان، والذي يعنينا أن جبريل جاء إلى النبي ﷺ ، وقبلها كانت هناك إرهاصات، ومن هذه الإرهاصات أن النبي ﵇ وهو صبي كان يحب أن يأتي ما كان يأتيه قومه، ثم عصمه الله، ثم بدأت الفجوة بين حياته ومنشئه ﷺ وبين منشأ القرشيين، فكلما كبر أخذ ينكر ما يصنعه قومه، فاحتاج إلى أن يخلو عن قومه، فحبب إليه الخلاء، فكان يأخذ السويق والماء ويذهب إلى غار حراء يتحنث -كما تقول عائشة - الليالي ذوات العدد، فإذا تحنث أخذ يتفكر، وقبلها كان يرى الرؤيا فتقع كفلق الصبح، إذاً: فأول الوحي كانت الرؤيا الصادقة، ثم كان ﷺ يمشي في طرقات مكة فيسلم عليه الحجر والشجر، يقول: السلام عليك يا نبي الله، فيلتفت يميناً وشمالاً فلا يجد شخصاً ولا خيالاً، فيمضي لا يدري ما الله يصنع به، حتى جاءه جبريل في يوم البعثة الأول وقد أتم الله له أربعين سنة، وقد قال العلماء -ولا يوجد دليل صريح-: هي السن التي يبعث الله عليها الأنبياء والرسل، جاءه جبريل بالخمس الآيات الأول من سورة العلق: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] في القصة المعروفة، (فنزل ﷺ تتسابق قدماه حتى وصل إلى بيت خديجة وهو يقول: دثروني دثروني، زملوني زملوني، فأخذته خديجة إلى ابن عمها يقال له ورقة بن نوفل أعطي علماً من علم الكتاب، فلما قص ﵊ الخبر على ورقة، قال: هذا الناموس الأكبر الذي أتى موسى -أي: يقصد جبريل-، ثم قال: يا ليتني أكون جذعاً -يعني: شاباً قوياً- عندما يخرجك قومك، قال: أومخرجي هم؟ قال: إنه ما أتى أحد بمثل ما أوتيت به إلا وأخرجه قومه)، هذه هي الساعة التي تغير فيها الكون كله، لما أراد الله خيراً ببني آدم بعث الله جل وعلا نبيه ﷺ ، فمكث أربعين عاماً بشراً غير نبي ولا رسول، ثم نبئ وأرسل، والعلماء يقولون: إنه نبئ بإقرأ وأرسل بالمدثر؛ على اعتبار أنه لما قال الله له: اقرأ، هذا تربية له هو نفسه ﷺ ، ولم يكلفه الله أن يدعو أحداً أبداً، وإنما قال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥].
وإعطاء الخبر وتربية الناس لابد أن يكون تدريجاً وإلا يفسد الأمر وينهدم البناء، لكن البناء إذا كان تدريجياً فإنه يسمو بصاحبه ويبقى ويثبت، وهذا الذي أراده الله من بعثة نبينا ﷺ ، فمكث أربعين عاماً لا ينبأ ولا يرسل ولا يبعث حتى استوى على سوقه، وعرف الناس وخبرهم، ورعى الغنم، واحتك بالخلق، وأصبح يعرف بالصادق الأمين، فلما أتم الله له ذلك كله بعثه الله جل وعلا نبياً ورسولاً صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 119
مدة مكث النبي في مكة
وذكر المؤلف إجمالاً خلاف العلماء كم مكث في مكة، فقيل: ثلاثة عشرة سنة، وقيل: خمس عشرة سنة، وقيل: عشراً، والصحيح الأول أنه ﷺ أقام بمكة ثلاث عشر سنة، ثم ذكر نتفاً من ذلك المقام فقال: وكان يصلي إلى بيت المقدس مدة إقامته بمكة ولا يستدبر الكعبة، ويجعلها بين يديه، وصلى إلى بيت المقدس أيضاً بعد قدومه المدينة سبعة عشر شهراً أو ستة عشر شهراً.
стр. 120
بداية فرض الصلاة
فالصلاة أعظم فرائض الدين، وكان ﷺ يصلي قبل أن تفرض عليه الصلوات الخمس -على الأظهر- ركعتين قبل الغروب، وركعتين قبل طلوع الشمس، وكان يصلي بين الركنين اليمانيين، والإنسان إذا وقف بين الركنين اليمانيين واستقبل القبلة يصبح بيت المقدس أمامه، فيكون ﷺ في آن واحد قد جمع بين استقبال بيت المقدس؛ لأنه شمال مكة، وبين استقبال الكعبة، يعني: لم يجعل الكعبة وراء ظهره، فكان يصلي على هذه الحالة.
ثم فرضت عليه الصلوات الخمس في رحلة الإسراء والمعراج، ثم هاجر إلى المدينة فمكث فيها ستة عشر شهراً، ثم أنزل الله جل وعلا قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤]، فولى النبي ﷺ وجهه شطر المسجد الحرام، وعلى هذا يفهم أن ما ينقل من أن النبي ﷺ لما أراد أن يبني المسجد جاءه جبريل فمحا ما بينه وبين مكة حتى رأى الكعبة، فجعل القبلة عليها هذا غير صحيح؛ لأن النبي ﷺ لما بنى المسجد كانت قبلته جهة الشمال، ولم تكن جهة مكة جهة الجنوب، وإنما بدل هذا بعد ستة عشر شهراً، لكن إن قيل: إن هذا حصل بعد التبديل فربما يكون له وجه من النظر.
стр. 121
هجرة رسول الله إلى المدينة
ثم هاجر إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق ﵁ ومولى أبي بكر: عامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله بن الأريقط الليثي، وهو كافر ولم يعرف له إسلام، وأقام بالمدينة عشر سنين.
هذا الذي ذكره المصنف ﵀ إجمالاً عن هجرة نبينا ﷺ ، فالهجرة من حيث كونها ركب كانوا أربعة: النبي ﵊، وأبو بكر الصديق، وعامر بن فهيرة، وهؤلاء الثلاثة كلهم مسلمون، ودليلهم والخريت الذي قادهم في الطريق هو عبد الله بن أريقط الليثي، ويروى أن اسمه عبد الله بن أريقد يروى بالطاء ويروى بالدال، وهو كافر ولا يعرف له إسلام، أي: لم ينقل بعد ذلك أنه أسلم والله أعلم.
وقد سلما له الراحلتين قبل أن يدخلا الغار، ثم واعداه بعد ثلاث في مكان ما، فقدم عليهما بالراحلتين فاستأمناه ووثقا به وهما في الغار، ووثقا به وهو في الطريق، كل ذلك وهو كافر لا يؤمن بالله ولا يسجد له، وهذا نظيره في القرآن قول الرب ﵎: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران:٧٥]، فقد ذكر الله جل وعلا أن من اليهود من لو ائتمنته على قنطار -وهو أضعاف الدينار- يؤده إليك؛ لشخصيته ذاته لا لدينه، وذكر أن من أهل الكتاب من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً، مع أن الدينار أقل من القنطار.
والمقصود من هذا كله: أن صبغة الإنسان الشخصية أحياناً تفرض عليه الكثير من الأعراف والتقاليد أن يتمسك بها، فقد يوجد إنسان منسوب إلى هذه الملة يصلي ويصوم لكنه قد يخون، وقد يوجد طبيب لم يسجد لله قط نصراني أو غيره ومع ذلك يكون مؤتمناً على تمريضك وعلى عيادتك.
فالذي يعنينا أن النبي ﵊ اتخذ خريتاً كافراً في طريق هجرته إلى المدينة، هذا من حيث الإجمال، وأما من حيث التفصيل فإننا نقول: إن من سنن الله جل وعلا في خلقه التدرج وتربية الناس، فكما أن المسلمين في المدينة لم ينزل عليهم تحريم الخمر جملة واحدة فإن الهجرة كذلك بيتها الله جل وعلا تدريجياً للصحابة فما زال الله يربي بالقرآن ذلك الجيل والرعيل الأمثل حتى تهيئوا للهجرة، فأنزل الله جل وعلا في مكة سورة الكهف؛ وفي هذه السورة خبر أولئك الفتية الذين تركوا ما عليه قومهم ولجئوا إلى الكهف؛ فراراً بعقيدتهم، فالله أمنهم وأكرمهم وأعطاهم، هذا كله تدرج في تربية المسلمين، ثم كانت سورة العنكبوت، وهي آخر السور التي نزلت في مكة؛ نزلت هذه السورة تمهد للهجرة، وفيها قول الله جل وعلا: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:٥٦]، فهذه إشارة إلى أنه سيطلب منهم أن يتركوا الأرض التي هم عليها، ولا ريب أن ترك الإنسان لوطنه ليس بالأمر الهين، قال الله جل وعلا عن بني إسرائيل: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٦٦]، فجعل الله قتل النفس قريناً للخروج من الديار، أي: أن كليهما أمر عظيم شاق على النفس.
ثم مهد الله جل وعلا بذلك أن الإنسان إذا ترك وطنه فإن أعظم ما يمكن أن يخسره الرزق؛ لأن الإنسان أقدر على طلب الرزق في بيئة يعرفه الناس فيها أكثر من قدرته على طلب الرزق في بيئة لا يعرفه الناس فيها؛ خاصة إذا كان قد كون لنفسه مقاماً وموطناً وموئلاً في طلب الرزق، فقال الله جل وعلا في سورة العنكبوت: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت:٦٠]، فهذا تربية للصحابة أن الرزق لن ينقطع بتغيير الدار وتغيير الأرض وتغيير الوطن، وأن الله جل وعلا هو المتكفل وحده ﵎ بالرزق، فقال سبحانه: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت:٦٠]، هذا كله تدرج في قضية الهجرة.
ثم جاء الإذن بالهجرة إلى الحبشة، ولم يكن هذا من السماء، وإنما كان اجتهاداً منه ﷺ ، وأخبر أن ذلك الملك الذي يوجد في الحبشة وهو النجاشي ملك لا يظلم الناس عنده، رغم أن النجاشي لم يكن مسلماً، ولا يؤمن بالله ولا باليوم الآخرة، ولا يعرف عند دين الإسلام، لكن المؤمنين مستأمنون عنده، فأذن النبي ﷺ لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة، وهذا هو التعريف الحقيقي لما يسمى باللجوء السياسي اليوم.
والذي يعنينا أن هذا كله تمهيد للهجرة إلى المدينة.
ثم إنه ﷺ رأى فيما يرى النائم أن دار هجرته أرض ذات نخل بين حرتين، فبشر الصحابة كما في البخاري وغيره، فأخذ الصحابة ﵃ بعد أن بين لهم النبي ﷺ دار هجرتهم أخذوا يهاجرون، فكان أول مهاجر أبو سلمة بن عبد الأسد ﵁ وأرضاه، وأول امرأة هاجرت ليلى بنت أبي خيثمة امرأة عامر بن أبي ربيعة، كانت أول ضعينة هاجرت إلى مدينة رسول ﷺ ، وكانت تسمى يوم ذاك -كما هو معلوم- يثرب، فتتابع الناس حتى تم الأمر أكثر من سبعين صحابياً، فأراد أبو بكر رضي الله تعالى عنه أن يهاجر، فأخبر النبي ﵊ استعداده للهجرة، فقال له ﵊: (على رسلك يا أبا بكر! إني لأرجو الله أن يؤذن لي، ففرح أبو بكر رضي الله تعالى عنه وسأل النبي ﷺ الصحبة)، ثم اتخذ راحلتين كانتا عنده ومازال يطعمهما ورق السمر أربعة أشهر ينتظر الإذن من الله بالهجرة.
وهنا أعدت قريش ما أعدت من أمور لا تخفى على أمثالكم، والذي يعنينا هنا هي الفوائد من الهجرة وليس السرد التاريخي، وأما السرد التاريخي فلا أظن أن أحداً يجهله.
أعدت قريش الكثير من الموانع تمنع الناس من الهجرة، ثم تآمرت على نبينا ﷺ كما أخبر الله جل وعلا في كتابه، فأمر النبي ﵊ علياً أن ينام في داره، وخرج ﵊ يوم الخميس ليلة الجمعة خرج من داره إلى الغار مباشرة، وكان قد واعد أبا بكر عنده، ثم دخل غار حراء بالجبل، وهذا الجبل يقع في جنوب مكة جهة اليمن، والمدينة بالنسبة لمكة هي في الشمال، فهذا نوع من التوهيم على العدو، لكن قريشاً لم يفتها هذا، فأرسلت الطلب في كل مكان حتى وصلوا إلى الغار، فحفظ الله جل وعلا نبيه، كما قال الله جل وعلا: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة:٤٠] أي: على نبيه ﷺ ، فمكث ﷺ في الغار حتى خف الطلب، فلما كان ليلة الإثنين خرج ﷺ من الغار، وجاءهم من واعدوه وهو عبد الله بن أريقط الليثي ومعه الراحلتان، ثم توجه الركب إلى المدينة، لكن عبد الله كان خريتاً كما قلنا فأخذ بهم أولاً جهة اليمن، ثم اتجه غرباً إلى الساحل، ثم أتى بهم من الساحل على المدينة حتى وصل إلى ما يسمى قديد الآن والتي كانت آنذاك بجوار رابغ وكانت ديار بني مدلج، وخرج سراقة بن مالك يتبع النبي ﷺ حتى غاصت قائمتا فرسه، فلما غاصت وعرف أن النبي ﷺ محفوظ دعا له النبي ﵊ فعاد الفرس كما كان، فبشره النبي ﵊ بسواري كسرى بن هرمز، قال: (كيف أنت إذا لبست سواري كسرى، ولم يقل ﵊: كسرى بن هرمز، فقال سراقة: كسرى بن هرمز؟ قال ﵊: نعم)، أي: أن كسرى هذا سيهلك في عصر النبوة أو ما بعده، فهلك في عهد عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
стр. 122
تواضعه ﷺ وعلو نفسه
والمقصود: أنه لن ينتظر حتى يأتي كسرى آخر، فهذا كله حصل في طريق الهجرة، ومر ﷺ على خيمتين يقال لهما خيمتي أم معبد، وهي امرأة خزاعية كانت برزة جلدة، وسيأتي ذكرها في السيرة النبوية إن شاء الله، وكان لها خيمتان تطعم الأضياف الذين يمرون عليها، فمر عليها النبي ﷺ ومعه الركب الذي ذكرناه، وسألها اللبن، فلم يجد عندها شيئاً، فكان أن ظهرت إحدى معجزاته ﷺ إذ مسح على الشاه ودر لبنها، وشرب ﷺ بعد أن سقى القوم جميعاً، وكما بين الله في حالة الخيمتين ما للنبي ﵊ من كرامة ومنزلة عند ربه أن درت الشاة وهي أصلاً ليست ذات لبن، بين ﷺ خلقه القويم الرفيع صلوات الله وسلامه عليه.
وإن من دلائل أخلاق الرجال أنهم إذا صحبوا أناساً في سفر لا يترفعون عليهم، ولا يظهرون للغريب أو لمن يقدمون عليه أنهم أفضل الركب وأفضل الموجودين، فيبز الإنسان أقرانه، ويرتفع على أصدقائه، وإنما بين ﷺ أنه أقلهم شأناً وهو ليس كذلك، فسقى أبا بكر وسقى عامر بن فهيرة، ثم سقى عبد الله بن أريقط وهو كافر، ثم سقى المرأة صاحبة الدار، فلما شربوا جميعاً قال ﵊: (ساقي القوم آخرهم شرباً)، ثم شرب صلوات الله وسلامه عليه، وهذا كله يدل على كريم معدنه، وطيب أصله صلوات الله وسلامه عليه، ومثل هذا لا يحتاج إلى دليل، وإنما يحتاج إلى أن يلفت الإنسان النظر إليه حتى يعرف أي ميزان خلقي كان عليه نبينا صلوات الله وسلامه عليه، وقد قلنا مراراً: إن الإنسان لا يستطيع أن يقيم الحق بالناس حتى يقيمه في نفسه، وإنه لن ينال الإمامة في الدين والنصرة وأن يكون شخصاً متبوعاً يكتب له القبول حتى يقيم هذا الأمر في نفسه أولاً، والله جل وعلا أجلّ من أن يخدع وأكبر ﵎ من أن يوارى معه.
فسار ﷺ حتى وصل إلى المدينة، وقد خرج ﵊ من مكة يوم الإثنين ومكث في سفر هجرته أسبوعين، فدخل المدينة يوم الإثنين الثامن من شهر ربيع الأول، وعلى القول الذي مضى معنا أنه إذا قلنا إنه ﵊ ولد في التاسع من شهر ربيع الأول كما حررنا هذا في اللقاء الأول؛ يكون ﷺ عندما دخل المدينة قد أتم خمسين عاماً بالتمام والكمال.
دخل ﵊ من جهة قباء وكانت يوم ذاك دياراً لبني عمرو بن عوف، فنزل على دار كلثوم بن الهدم ﵁ وأرضاه، وكانت مستقبلة مسجد قباء اليوم، فأسس مسجد قباء، وهو أول من مسجد أسس في الإسلام، قال الله جل وعلا: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة:١٠٨] أي: مسجد الضرار، ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة:١٠٨] أي: من أول يوم في هجرتك، ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨]، فمكث ﷺ في دار كلثوم بن الهدم وأسس مسجد قباء، ومكث في قباء الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، ويوم الجمعة مضى ﷺ ومعه جمع ممن استقبلوه أكثر من مائة رجل حتى أتى بطن الوادي ما يسمى اليوم بمسجد الجمعة، فصلى ﷺ الجمعة بأصحابه في ذلك الموطن، وهي أول جمعة أقيمت بعد هجرته صلوات الله وسلامه عليه، ثم ركب القصواء، وأرسل إلى إخوانه من بني النجار، وقد قلنا: إن هاشماً جد النبي ﷺ كان متزوجاً من امرأة من بني النجار يقال لها سلمى، وأنجب منها ابنه شيبة الذي عرف بعد ذلك بـ عبد المطلب، فأرسل ﷺ إلى أخواله من بني النجار فجاءوا متقلدين السيوف، فدخل النبي ﷺ المدينة، فسمع فيها التكبير: الله أكبر جاء رسول الله، فلا يمكن أن يغبط أحد أكثر من أن يغبط أهل المدينة آنذاك عندما خصهم الله بأن جعل بلادهم وجعلهم هم أهل رسول الله ﷺ ، فخرج الحيان الأوس والخزرج وكانوا كما قال ابن خلدون وغيره: كانوا ذوي قوة وأنفة وشكيمة وإباء، فلم يقدموا إلى أحد من الملوك أتاوة ولا غيرها ولا جباية.
فدخل ﷺ المدينة، فلما دخلها رسول الله ﷺ أنار منها كل شيء صلوات الله وسلامه عليه، كما قال أنس، وهو ﵊ على ناقته القصواء، والناس ذات اليمين وذات الشمال، ولم يكن الأنصار قوماً ذا ثراء، لكنهم كانوا محبين لرسولهم ﷺ ، فيتسابقون إلى زمام ناقته: هلم إلى العز والمنعة هلم إلى العدد والأنفة، وهو ﷺ يقول: (خلوا سبيلها -أي: الناقة-؛ فإنها مأمورة)، حتى أتت إلى موضع المسجد اليوم فبركت فيه، وكانت الأرض ليتيمين من أخواله من بني النجار، وكان ﷺ يحب أن ينزل في ديار أخواله، حتى يكرمهم بأنه نزل عندهم على غيرهم، فبركت الناقلة ولم ينزل منها ﵊ ثم قامت، فجالت جولة كأنها تتأكد من الموضع، ثم رجعت إلى مبركها الأول فبركت، فنزل ﷺ بعد أن عمد أبو أيوب الأنصاري إلى متاعه ورحله وأدخله داره، فقال ﵊: (المرء مع رحله)، فسكن ﵊ في دار أبي أيوب الأنصاري مدة بناء الحجرات والمسجد الشريف.
стр. 123
العظات والعبر والفوائد المأخوذة من الهجرة النبوية
هذه هي الهجرة على وجه الإجمال، وفيها من العضات والعبر الشيء الكثير، من أهمها أن النبي ﵊ من صفاته ما يكرمه الله به فيكون به قدوة، فهذا يلزم به الاتباع، ومنه ما يكرمه الله به لذاته صلوات الله وسلامه عليه فهذا لا يلزم فيه الاتباع، فهما رحلتان: رحلة إلى السماء السابعة وهي رحلة المعراج، فهذه كل نواميس الكون انتهت بين يديه ﷺ ، فتجاوز السبع السماوات في برهة من الليل ومعه جبريل، ورأى إخوانه من النبيين، وصلى بهم، وجاوز سدرة المنتهى، ودخل الجنة، واطلع على النار، كل هذا أنا وأنت وسائر الأمة غير مكلفين به؛ لأنه لا يمكن أن تخرق لنا نواميس الكون.
وأما الهجرة فلأنها مما يقتدى به ﷺ فيه، فجرى عليه فيها ﷺ ما يجري على سائر البشر فعندما خاف دخل الغار، وكان معه صديقه يؤنسه، وكان معه دليل يدل على الطريق، وكان معه مولى يعينه خلال الطريق، ومر على خيمتي أم معبد على أنه ضيف، وشرب وارتوى ومضى كل ذلك تجري عليه أحكام البشرية العادية صلوات الله وسلامه عليه؛ حتى يتخذه الناس قدوة، وإذا أمر أحد بالهجرة من دار كفر إلى دار إسلام فلا يعتذر بأن هجرة النبي ﷺ كانت خاصة به، ثم إنه ﵊ وهو يأخذ بهذه الأسباب الدنيوية كان يعلم يقيناً أنه منصور من الله، وأن الله سيبلغ رسالته، قال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤]، فبشر النبي ﷺ سراقة بن مالك بسواري كسرى رغم أنه ﷺ وقتها كان شريداً طريداً ينتظر أن يأتي المدينة.
стр. 124
من فضائل المدينة
وفي دخوله ﷺ المدينة بيان لفضل هذه البلدة التي اختارها الله مثوى ومهاجر لرسوله ﷺ ، وقد تواترت وتكاثرت الأحاديث الدالة على فضيلتها ولا يمكن أن يجهلها مسلم، فلما دخلوا المدينة -وكانت موبوءة بالحمى- أصابت الحمى أبا بكر وبلالاً رضي الله تعالى عنهما، فكان أبو بكر يقول إذا غلبته الحمى: كل امرئ مصبح في أهلهِ والموت أدنى من شراك نعله وبلال رضي الله تعالى عنه يقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليلُ وهل أردنْ يوماً مياه مجنة وهل يبدونْ لي شامة وطفيلُ فهو يتذكر مكة ويحن إليها، فلما أخبرت عائشة النبي ﷺ بهذا قال صلوات الله وسلامه عليه: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد)، وسأل الله للمدينة البركة ضعفي ما سأل إبراهيم لمكة، ولما كان ﷺ يغزو أو يرحل عنها، ثم يعود إذا كان على راحلته أوضع لها -جعلها تسرع- إذا رأى جدران المدينة، ويقول: (هذه أرواح طيبة)، كما أنه أثنى على أهلها ﵃ وأرضاهم، وقال: (إن من علامة الإيمان حب الأنصار، ومن علامة النفاق بغض الأنصار)، وقال ﷺ : (لا يريد أحد أهل المدينة بكيد إلا أذابه الله كما يذاب الملح في الماء)، وقال ﷺ : (إن على كل باب من أبواب المدينة ملكين يحرسانها لا يدخلها الدجال ولا الطاعون)، ولما ذكر تميم بن أوس الداري قصة الدجال ضرب ﷺ رمانة منبره، وقال: (هذه طابة هذه طابة هذه طابة -ثلاثاً-، لا يدخلها الدجال ولا الطاعون).
هذا بعض مما جاء في فضل المدينة، ومن أشد ذلك أنه قال ﵊: (من استطاع منكم أن يموت في المدينة فليفعل؛ فإني أشفع لمن مات بها).
هذا كله مما ورد شرعاً وثبت في فضل هذه المدينة المباركة التي اتخذها الله مهاجراً لرسوله ﷺ ، فهذا هو الحديث عن الهجرة على وجه الإجمال.
وقال المؤلف ﵀: وأقام بالمدينة عشر سنين.
وهذا هو الصحيح المحفوظ أنه أقام ﷺ بالمدينة عشر سنين.
стр. 125
مدة مرضه ﷺ
قال المؤلف ﵀: وكانت مدة علته اثني عشر يوماً، وقيل: أربعة عشر يوماً، وغسله علي بن أبي طالب وعمه العباس والفضل بن عباس وقثم بن العباس وأسامة بن زيد، وشقران مولاه، وحضره أوس بن خولي الأنصاري، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية من ثياب سحول -بلدة باليمن-، ليس فيها قميص ولا عمامة، وصلى عليه المسلمون أفذاذاً لم يؤمهم عليه أحد، وفرش تحته قطيفة حمراء كان يتغطى بها، ودخل قبره العباس وعلي والفضل وقثم وشقران وأطبق عليه تسع لبنات، ودفن في الموضع الذي توفاه الله فيه حول فراشه، وحفر له وألحد في بيته الذي كان بيت عائشة، ثم دفن معه أبو بكر وعمر ﵄.
هذا ما ذكره المصنف، وتفصيل ذلك: إن العلماء اختلفوا في مدة مرضه ﷺ ، والصحيح إن شاء الله أنه كان عشرة أيام، ذكره البيهقي في (دلائل النبوة) بسند صحيح، لكن ليست مدة المرض هي إرهاصات الوفاة، فإنه ﷺ كان يعلم قبل ذلك بدنو الأجل، ومما دل على دنو أجله أحداث منها: حجة الوداع، فإنه ﷺ كان يخطب ثم يودع الناس ويقول: (لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)، ولما أنزل الله جل وعلا عليه قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، علم ﷺ أن الدين مادام قد تم فإنه لا حاجة لبقائه، وأنه سيقبض في ذلك العام.
الأمر الثاني: أن جبريل كان يعارضه القرآن -وهذا مقدم على الأمر الأول- في كل عام في رمضان مرة، فلما كان العام الذي توفي -أي: آخر رمضان صامه ﷺ عارضه جبريل القرآن مرتين، ففهم ﷺ أن هذا إشعار بدنو الأجل.
الحالة الثالثة: أن عمه العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه وأرضاه رأى رؤيا، فقد رأى أن الأرض تشد إلى السماء بأشطان، أي: بحبال غلاظ شداد فعرضها على النبي ﷺ فقال له ﵊: (هذه وفاة ابن أخيك) يقصد نفسه ﷺ رواه البزار ثم إنه خطب الناس وقال: (إن عبداً خيره الله بين الدنيا وبين لقاء الله ثم الجنة، فاختار لقاء الله ثم الجنة، ففقها أبو بكر وعرف أن النبي ﷺ قد دنا أجله).
الخامسة: أنه ﷺ كان مشفقاً على معاذ، ومعاذ رضي الله تعالى عنه وأرضاه كان كريماً، والدين أضاع ماله حتى حُجر عليه، فأراد النبي ﵊ أن يكرمه فبعثه إلى اليمن معلماً وجابياً للزكاة، ومعلوم أن من يجبو الزكاة له منها، فالله يقول: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة:٦٠]، فللعاملين حظ من الزكاة، فأراد النبي ﵊ أن يكرم معاذاً كذلك، فلما ودع ﵊ معاذاً قال له: (لعلك أن تأتي قبري ومسجدي)، مما يشير إلى قرب أجله، وأن معاذاً سيعود من اليمن والنبي ﷺ قد مات، وهذا قد وقع فعلاً عند مجيء معاذ رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
هذه بعض إرهاصات وفاته ﷺ .
стр. 126
يوم وفاته ﷺ
وأما يوم الوفاة فقد خرج إلى البقيع يتبع جنازة، وبعدها عاد ﷺ وقد داهمه المرض، فمكث مريضاً كما بينت عشرة أيام، وفي خلال العشرة الأيام هذه كانت الحمى تغلبه، فكان يشتد عليه المرض، فخرج إلى أُحد فودعهم، ثم خرج إلى أهل البقيع ومعه غلام له يقال له أبو مويهبة، وقال: (ليهن لكم ما أنتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها)، ثم رجع إلى بيته، فلما اشتدت عليه الحمى آخر الأمر لم يقدر أن يذهب إلى الصلاة، فأمر أبا بكر أن يصلي بالناس وأوصى عائشة بهذا، فخافت عائشة لو أن أباها صلى بالناس سيتشاءم الناس من أبيها، فقالت: (يا رسول الله! إن أبا بكر رجل أسيف لا يملك دمعه، فمر عمر، وأمرت عمر، فلما سمع النبي ﷺ صوت عمر، قال: يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر، مروا أبا بكر فليصل بالناس، وعاتب عائشة قائلاً: إنكن صواحب يوسف)، والمقصود بقوله ﵊: (إنكن صواحب يوسف) صواحب يوسف هن امرأة العزيز ومن معها، فقد أطعمت امرأة العزيز النساء وأدخلتهن دارها وأكرمتهن ولم تكن تقصد إكرامهن، وإنما كانت تقصد أن يرين يوسف فيعذرونها في افتتانها بجماله، فأظهرت شيئاً وأبطنت شيئاً، فـ عائشة ﵂ اعتذرت ظاهراً بأن أباها رجل أسيف وهي لا تقصد هذا، وإنما تقصد أنها لا تريد أن يتشاءم الناس بأبيها فيموت النبي ﷺ وأبو بكر قد صلى بالناس، هذا ما رأته عائشة، وهي صحابية مهما بلغت محدودة التفكير؛ لأنها بشر، لكن ما أراده الله شيء أعظم، فقد كانت صلاة أبي بكر بالناس هي من أكبر التمهيد لأن يكون خليفة بعد النبي ﷺ في الأمة، وأنت تريد وهذا يريد والله يفعل ما يريد، ولله حكم بالغة يدركها من يشاء من عباده، ويخفيها الله جل وعلا عمن يشاء من عباده.
فصلى أبو بكر بالناس آخر أيام نبينا ﷺ ، وتوفي ﷺ يوم الإثنين، ونظر في صبيحته من الحجرة فرأى الصحابة قد اجتمعوا خلف أبي بكر ﵁ وأرضاه يصلي بالناس.
وقد فصلنا هذا في أكثر من موضع.
نرجع إلى ما ذكره المؤلف.
стр. 127
تغسيل النبي بعد وفاته
قال: وغسله علي بن أبي طالب وعمه العباس والفضل بن عباس.
الذين تولوا غسله ﷺ ستة: علي والعباس عم النبي ﷺ وابنا العباس: الفضل وقثم، وأسامة بن زيد ابن مولاه، وشقران واسمه صالح، وهو مولى النبي ﷺ ، من هذا تفهم أن أولى الناس بالميت عصبته، ولا يمكن لأحد أن يقدم على عصبة الميت في القيام بشأن الميت وإلا لقدم أبو بكر وعمر في غسل النبي ﷺ ، لكن أي ميت فأهل بيته وعصبته هم أولى به، وعلي ﵁ يظهر أن العباس تنازل له عن شيء في الوصية القائمة على القيام بشأن رسول الله ﷺ ، وإنما قلنا هذا لأن أوس بن خولي وهو أنصاري ﵁ أحب أن يرى النبي ﷺ وهو يغسل، فأخذ ينادي من وراء الدار ويقول: يا علي أسألك بالله وبقرابتنا من رسول الله ﷺ وبحقنا عليه أن تدخلني معه، فوافق علي على شرط أن يدخل أوس بن خولي دون أن يشارك، فكان أوس في ناحية الدار ينظر إليهم وهم يغسلون رسول الله ﷺ ، ولا ريب أن هذا الموقف من أوس بن خولي ﵁ يتمناه كل مسلم، لكن الناس يختلفون في الجرأة عن التعبير للمقاصد التي يريدونها، فهذا أوس لم يطق أن يغسل النبي ﷺ وهو غير حاضر، فأصر على علي وأخذ يسأله بالله والرحم أن يدخله معهم؛ حتى يشهد غسل النبي ﷺ ، فوافق علي ﵁ وأدخله، واشترط عليه ألا يشارك في الغسل، والذي باشر الغسل فعلاً هو علي بن أبي طالب وحده، وهذا من أعظم خصائصه ومناقبه ﵁ وأرضاه، وأما البقية فكان منهم من يسند النبي، ومنهم من يهرق الماء على رسول الله ﷺ ، وغسل من غير أن يجرد من ملابسه صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 128
تكفين النبي ﷺ
ثم كفن في ثلاثة أثواب قيل: سَحولية، وقيل: سُحولية بالضم والفتح، والفرق: أننا إذا قلنا إنها بالضم فتكون نسبة إلى قرية في اليمن، وإذا قلنا إنها بالفتح فتكون نسبة إلى الثياب القطن الشديدة البياض، ولا يمنع أن تكون بيضاء قطنية شديدة البياض وهي قادمة من اليمن، ولا يتعلق بهذا أي أمر شرعي.
стр. 129
صلاة الصحابة على النبي أفراداً والعلة في ذلك
ثم صلي عليه، وقد صلوا عليه أفذاذاً كما قال المؤلف، وأفذاذاً يعني أفراداً، فكل إنسان يدخل ويصلي وحده، والمشهور أن أول من صلى عليه هو عمه العباس، ثم بنو هاشم، ثم المهاجرون، ثم الأنصار، ثم سائر الناس.
وقد اختلف العلماء في العلة التي من أجلها صلي على النبي ﷺ بهذه الطريقة على أقوال عدة، ومن أشهرها: أن هذا من باب التعبد، وقيل: حتى تصل صلاة كل فرد ممن صلى عليه مباشرة له ﷺ من دون إمام، وقيل: حتى تكثر الصلاة عليه صلوات الله وسلامه عليه، وقيل غير ذلك، ويمكن الجمع بين هذه الأقوال كلها.
وقلنا: إن الأمر المتفق عليه أنهم لم يصلوا عليه خلف إمام واحد.
стр. 130
حكم فرش شيء تحت الميت في قبره
والأصل أن الميت لا يفرش له شيء في قبره، فقد دفن النبي ﷺ كثيراً من أصحابه ماتوا في حياته ولمن ينقل أنه أدخل معهم في قبرهم شيئاً، وهذه القطيفة كان ﵊ يفرشها ويجلس عليها، ويلبسها أحياناً، فأنزلها شقران وهو صالح مولاه معه في القبر، ثم فرشها على النبي ﵊، وأصل هذا الكلام الذي ذكره المصنف أصله في صحيح مسلم من حديث ابن عباس.
وعلى هذا تأتي هنا مسألة: هل يجوز أن يفرش تحت الميت قطيفة أو لا؟ قال بعض العلماء في الإجابة عن هذا -وحكاه النووي عن الجمهور-: إنه يكره فعله، وإن شقران فعلها دون علم الصحابة؛ لأنه كره -أي شقران - كره أن يلبسها أحد بعد نبينا ﷺ ، وهذا التعليل الذي ذكره النووي ﵀ غير صحيح، أو بتعبير أصح ضعيف؛ لأننا نقول: إن الله جل وعلا لا يختار لنبيه إلا الأفضل، فما كان الله ليسمح قدراً لـ شقران أن يضع هذه القطيفة تحت النبي ﷺ والله يكره ذلك؛ لأن النبي ﵊ يكفله ربه ويرعاه ويحفظه ويحيطه بعنايته حياً وميتاً، فينجم عن هذا تخريج المسألة فنقول: إنه يكره بل قد يصل أحياناً إلى حد المنع أن يوضع تحت أي ميت قطيفة حمراء أو قطيفة من أي نوع، وما فعله شقران هو خاص بالنبي ﷺ ، فإن قال قائل: ما وجه الخصوصية هنا؟ قلنا: إن النبي ﷺ أخبر أن الأرض حرم الله عليها أن تأكل أجساد الأنبياء، فلأن الأرض لا تأكل جسده أذن الله قدراً لـ شقران أن يضع هذه القطيفة تحت نبينا ﷺ ، وبهذا يمكن تخريج المسألة في أن الله لا يختار لنبيه إلا الأفضل، وأن هذا من خصائصه، وممن نص من العلماء على أن هذه خصيصة للنبي ﷺ وكيع بن الجراح ﵀ المحدث المشهور شيخ كثير من السلف، الإمام أحمد وغيره، ووكيع نص على أنها خصيصة للنبي ﷺ ، وبهذا يظهر لنا أنه ينجلي الإشكال في المسألة، والله أعلم.
стр. 131
دفن النبي ﷺ
وأما ذكر من نزل معه القبر، فقد ذكر المصنف ﵀ أنه نزل معه القبر خمسة: العباس وقثم والفضل وعلي وصالح مولاه وهو شقران، وهذه رواية ضعيفة، والصحيح أن الذين نزلوا القبر أربعة فقط ليس منهم العباس، وذكر المقدسي ﵀ أن العباس منهم كما ذكره النووي، لكن الصحيح أن الذي نزل القبر أربعة وهم: قثم والفضل ابنا العباس بن عبد المطلب وعلي ومولاه شقران، فهؤلاء الأربعة هم الذين تولوا نزول قبره وإجنانه أي: ستره ﷺ دون الناس، ثم وضعت عليه تسع لبنات، وقبلها كانوا قد اختلفوا هل يلحدون له لحداً كما هو صنيع أهل المدينة، أو يجعلون القبر شقاً كما هو صنيع أهل مكة، فبعثوا إلى الاثنين، وقالوا: اللهم خر لنبيك، أي: اختر لنبيك، فالذي ذهب ليأتي بالحفار الذي يشق لم يأت ولم يجده، والذي ذهب إلى أبي طلحة -وكان يلحد لأهل المدينة أي: يضع لحداً في القبر- وجده، فجاء وحفر القبر للنبي ﵊، وقبل أن يحفروا القبر اختلوا أين يدفن، وهذا أحد أسباب تأخير دفن النبي ﷺ .
стр. 132
خصائص الأنبياء ﵈
وعندما أقول: أحد الأسباب فهذا يدل على أن هناك أسباباً أخر، فهذا أحد الأسباب التي دعت الصحابة إلى أن يتأخروا في دفن النبي ﷺ ، حتى قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: سمعت النبي ﷺ يقول: (ما مات نبي إلا دفن حيث يقبض)، وهذا أحد خصائص الأنبياء، وهذا يقودنا -من باب الاستطراد العلمي- لمعرفة بعض خصائص الأنبياء من باب الفائدة، فالله جل وعلا جعل للأنبياء خصائص أذكرها إجمالاً: منها: الوحي، وهو أعظم خصائص الأنبياء.
الأمر الثاني: أنهم يخيرون عند الموت.
الأمر الثالث: أنهم يدفنون حيث يموتون.
الأمر الرابع: أن الأرض لا تأكل أجسادهم.
الأمر الخامس: أنهم جميعاً رعوا الغنم.
الأمر السادس: أنهم تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم.
فهذه ست من خصائص أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم.
هذه بعض خصائص الأنبياء ذكرناها استطراداً، وجاء معنا منها أن النبي ﷺ دفن في الموقع الذي مات فيه، أي: في حجرة عائشة، وهذا مما نقل تواتراً بين المسلمين.
стр. 133
دفن أبي بكر وعمر مع رسول الله في نفس الحجرة
ثم قال المصنف: ثم دفن معه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما.
أبو بكر وعمر دفنا معه في نفس حجرة عائشة، وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها -وهذا من فوائد وفرائد العلم- قد رأت في منامها أن ثلاثة أهلة أو أقمار سقطت في حجرها، فذهبت إلى أبيها أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه وقصت عليه الرؤيا، وكان أبو بكر ممن يعبرون، فسكت عنها ولم يجبها أدباً مع رسول الله ﷺ ، فلما مات ﵊ ودفن في حجرة عائشة جاء أبو بكر إلى عائشة وقال لها: هذا أول أقمارك يا عائشة! ثم دفن أبو بكر رضي الله تعالى عنه بجوار النبي ﷺ ، وكانت عائشة تريد أن تدخر ما بقي من الحجرة لها، فلما قرب أجل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أرسل ابنه عبد الله يستأذن عائشة في أن يدفن مع صاحبيه، وقال: قل لها: عمر بن الخطاب ولا تقل أمير المؤمنين يستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فدخل عليها عبد الله وقال لها: عمر بن الخطاب يستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: لأؤثرنه اليوم على نفسي، ولقد كنت أدخره -أي: هذا الموضع- لنفسي، فوافقت، فلما رجع عبد الله إلى أبيه كان عمر ما زال حياً طريح الفراش من طعنة أبي لؤلؤة المجوسي، فلما دخل قال: ما وراءك؟ -يعني: يسأل ما الجواب- قال عبد الله ابنه: أبشر بالذي يسرك يا أمير المؤمنين! فإنها قد وافقت، فقال عمر ﵁: والله ما من شيء كان أهم علي من هذا الأمر، أي: أن يدفن مع صاحبيه.
ثم ظهرت عدالة عمر بجلاء، فقال: فإذا أنا مت فغسلوني وكفنوني ثم استأذنوا لي من عائشة مرة أخرى؛ فإنني أخاف أنها وافقت في الأول استحياء مني أنني حي، فلما مات عمر وغسل وكفن وصلي عليه وحمل قيل لها وهو محمول على أعناق الرجال عمر بن الخطاب يستأذن أن يدفن مع صاحبيه مرة أخرى، فوافقت ﵂، فدفن عمر مع النبي ﵊ وصاحبه.
وقال بعض المؤرخين: بقي موضع، وجملة من الروايات تدل على أنه سيدفن فيه عيسى ابن مريم، والله تعالى أعز وأعلى وأعلم.
стр. 134
الكلام إجمالاً عن وفاة رسول الله، والفوائد المأخوذة من ذلك
وقبل أن أكمل فهذا ما تقيدت به في شرح النص الذي ارتبط بالمتن.
وأما الكلام عن وفاته ﵊ جملة فأنا سأسردها إجمالاً مبيناً بعض ما فيها من فوائد بعد أن انتهينا مما يتعلق بذمتنا الشرعية حول النص.
لم يفقد الناس أحداً أعظم من رسولهم ﷺ ، وقد شعر ﷺ بدنو أجله في حجة الوداع لما أنزل جل وعلا عليه قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، فعرف ﷺ أن الأمر الذي بعث من أجله قد تم، فأخذ يودع الناس ويقول: (لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)، فيخطب ثم يقطع ويقول: (لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، وإنكم ستسألون عني فما أنتم قائلون؟ فيجيبون: نشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمة، ونصحت الأمة، فيرفع أصبعه الطاهرة إلى السماء ثم ينكتها إلى الأرض ويقول: اللهم فاشهد اللهم فاشهد)، ثم رجع إلى المدينة تشرف به الوهاد والنجاد حتى دخلها في آخر صفر أول ربيع حضر جنازة، فلما رجع شعر بصداع في رأسه وحمى تصيبه، فدخل على عائشة فقال بعد أن قالت له: (وارأساه، قال: بل أنا وارأساه)، فلما شعر بدنو الأجل خرج إلى شهداء أحد فاستغفر لهم ودعا لهم كالمودع، ثم خرج في ليلة مع غلام له يقال له: أبو مويهبة فأتى أهل البقيع فدعا لهم واستغفر لهم، وقال: (ليهنكم ما أنتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى، ثم قال: يا أبا مويهبة! إن الله خيرني ما بين خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة وما بين لقاء ربي ثم الجنة، فاخترت لقاء الله ثم الجنة، فقال له أبو مويهبة: يا نبي الله بأبي أنت وأمي اختر الخلد في الدنيا ثم الجنة، قال: أبا مويهبة! إنني اخترت لقاء الله ثم الجنة، ثم خرج يوماً عاصباً رأسه فخطب على المنبر وقال: إن رجلاً خيره الله ما بين الدنيا ثم الجنة وما بين لقاء الله ثم الجنة، فقال أبو بكر: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله! وجعل يبكي، فتعجب الناس من بكاء أبي بكر، ثم قال ﵊: على رسلك يا أبا بكر، ومدح وأثنى على أبي بكر رضي الله تعالى عنه كأنه يشير إليه في الخلافة من بعده)، ثم قبل وفاته بيوم تصدق بدنانير تسعة أو سبعة كانت عنده، ثم أعتق غلمانه تحرراً من قيود الدنيا، ثم لم يبق إلا بغلته وسيفه وشيئاً يتجمل به الأئمة والملوك بعده، ثم إنه ﵊ في يوم الإثنين الذي مات فيه كشف ستار حجرة عائشة وأبو بكر رضي الله تعالى عنه يصلي بالناس، فأطل ﵊ -يقول أنس - يتهلل وجهه كأنه ورقة مصحف، وقرت عينه أن الأمة اجتمعت بعده على إمام واحد في صلاتها، فاضطرب الناس وكادوا أن يفتنوا، ثم أعيد الستار كما كان، ورجع ﷺ إلى حجرته، وخرج أبو بكر فرحاً إلى بيت له بالسنح عوالي المدينة وتفرق الناس على خير، ثم دخل عليه ﷺ في ذلك اليوم ابنته فاطمة فأسرها أنه سيموت في مرضه هذا فبكت، ثم قالت: (واكرب أبتاه! قال: ليس على أبيك كرب بعد اليوم)، ثم إنه ﵊ دخل عليه أسامة وجعل يسأله الدعاء، فدعا له دون أن يرفع صوته، وهو نبي الأمة ورأس الملة، وسيد الفصحاء، وإمام البلغاء، ثم دخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر وفي يد عبد الرحمن سواك، فجعل يحدق النظر فيه دون أن يستطيع أن يطلبه من عبد الرحمن، ففهمت عائشة مراده، فأخذته من أخيها وقضمته وطيبته وأعطته نبينا ﵊ واستاك، وكان يضع يده في ركوة فيها ماء ويمسح بها وجهه الطاهر الشريف ويقول: (لا إله إلا الله اللهم إن للموت لسكرات فأعني على سكرات الموت، ثم جعل يخيره الملك وهو يقول: مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، والملك يخيره وهو يقول: بل الرفيق الأعلى بل الرفيق الأعلى بل الرفيق الأعلى قالها ثلاثاً، ثم مالت يده، وفاضت روحه) إلى أعلى عليين في الملكوت الأعلى والمحل الأسنى صلوات الله وسلامه عليه.
قال حسان: بطيبة رسم للرسول ومعهد منير وقد تعفو الرسوم وتهمد بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستضاء ويوقد معارف لم تطمس على العهد آيها أتاها البلى فالآي منها تجدد عرفت بها رسم الرسول وصحبه وقبراً به واراه في الترب ملحد وهل عدلت يوماً الرزية هالك رزية يوم مات فيه محمد فما فقد الماضون مثل محمد ولا مثله حتى القيامة يفقد صلى الإله ومن يحف بعرشه والطيبون على المبارك أحمد اللهم أحينا في الدنيا على سنته ومحبته، وأمتنا على ملته، واحشرنا يوم القيامة تحت لوائه وفي زمرته.
اللهم أوردنا حوضه، وارزقنا جواره عندك في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
стр. 135
ذكر أولاد النبي ﷺ
بعد أن ذكر المصنف ﵀ مولد النبي ﷺ وحياته ووفاته ذكر جملة مما يتعلق بأولاده ﵊.
والأولاد في اللغة إذا أطلقوا فإنه يراد بهم الذكر والأنثى سوياً، قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، فتعبير العامة أن فلاناً رزق ولداً على أنه ابن غير صحيح من حيث اللغة، لكنهم يقولون: خطأ شائع ولا صحيح مهجور.
وعلى العموم فإنه ﵊ رزق من الأولاد ذكوراً وإناثاً.
وبدأ المصنف ﵀ بذكر الأولاد، فالأولاد الذين رزقهم ﵊: القاسم وهو أكبر أبنائه، وأول من رزق على الأظهر، لكنه رزقه قبل أن يبعث، ومات وهو صغير عمر قيل: سنتين، وقيل غير ذلك، وأياً كان فإنه لم يدرك النبي ﵊ وقد نبئ، وكان يكنى ﵊ كما مر معنا بأبي القاسم، ورزق عبد الله بعد النبوة، ولذلك اقترن اسم عبد الله بـ الطيب والطاهر كلقب، لكن عبد الله مات كذلك وهو صغير، ثم رزق إبراهيم من سريته مارية القبطية التي أهداها إليه المقوقس حاكم مصر، فقد أهدى إليه جارية يقال لها مارية، فتسراها ﵊ فأنجب منها إبراهيم، وإبراهيم عاش ثمانية عشر شهراً، ومات في شوال من السنة العاشرة قبل حجة الوداع، وهو الذي قال النبي ﵊ فيه: (وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزنون)، وكانت له مرضعة -ضئر- اسمها فاطمة ترضعه في عوالي المدينة، قال أنس رضي الله تعالى عنه: (ما رأيت أحداً أرحم بالعيال من رسولنا ﷺ ، وكان ﵊ يأتي إلى عوالي المدينة فيحمل ابنه إبراهيم ويشمه ويضمه ويقبله، ثم فجع ﵊ بوفاة ابنه إبراهيم، فحزن قلبه، ودمعت عيناه، وقال: (إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون)، وهذا من الدلائل على أن الإنسان مهما علا شرفه وعظم قدره فإنه عرضة للبلاء، والصالحون أعظم عرضة، ونبينا ﵊ إمام الصالحين، بل إمام الخلق أجمعين، فلم يكتب له أن يعيش له ولد كبير يعضده، وهذا من حكمة الله ﵎، وإبراهيم لما رزقه ﵊ بعد كبر سن مات وعمره ثمانية عشر شهراً، والله يقول في كتابه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤]، وكذلك الناس يعطون ويمنعون ويحرمون ويأخذون، والداعية وطالب العلم والموفق المسدد في سبيل الله يعلم أن الدنيا أخذ وعطاء، وصبر وابتلاء، فهذا ما جبل الله جل وعلا عليه الدنيا، فقد جعلها سجناً للمؤمن، وجنة للكافر، والمؤمن يأخذ من وفاته ﵊ ومن وفاة ابنه العبر، وأنه لا راحة للمؤمن دون لقاء الله، ولو لم يظفر طالب العلم بكلمة أعظم من هذه لكفى: لا راحة للمؤمن دون لقاء الله، فأي عناء وأي مشقة تعتريك في طريقك إلى الله فتذكر جيداً أنه لا راحة للمؤمن دون لقاء الله، ولن ترتاح حتى تلقى الله ﵎ على الإيمان، وأما دون ذلك فلا يمكن أن يصفو لك أمر لا في القبر ولا في القيام بين يدي رب العالمين.
فالنبي ﵊ دفن سعد بن معاذ، وسعد نزل سبعون ألف ملك من السماء يشيعونه، ثم قال: (لقد ضم عليه القبر ضمة لو نجا منها أحد لنجا منها هذا العبد الصالح)، فالمؤمن لا راحة له حتى يلقى الرب ﵎.
نسأل الله أن يجعل خير أيامنا يوم نلقاه.
стр. 136
ذكر بنات رسول الله
ذكر البنات، وذكر هنا بعضاً منهن.
стр. 137
ذكر زينب بنت رسول الله
بناته ﵊ أربع: رقية وأم كلثوم وزينب وفاطمة، ذكر المصنف أولهن زينب، والأظهر أنها الكبرى، وزينب ﵂ وأرضاها تزوجها أبو العاص بن الربيع وكان مشركاً في أول الأمر ثم أسلم، وهي التي أهدتها أمها خديجة بنت خويلد قلادة يوم أن دخلت على زوجها، ثم لما كانت معركة بدر أسر زوجها ضمن الأسرى الذين أسرهم المسلمون، فلما شرع الفداء ليفدوا أسراهم أخرجت زينب -وهي بنت رسول الله- أخرجت هذه القلادة التي أعطتها إياها أمها خديجة لتفدي بها زوجها الكافر العاص بن الربيع، فلما أخرجتها ورأى النبي ﷺ القلادة التي أهدتها زوجته خديجة أم زينب لـ زينب يوم زوجها دمعت عيناه صلوات الله وسلامه عليه وتحرك قلبه؛ لأنه تذكر أيام خديجة، والإنسان جبلة إذا رأى شيئاً يذكره بشيء قديم يحزن إذا كان أمراً محزناً، ويفرح إذا كان أمراً مفرحاً: فقلت له إن الأسى يبعث الأسى فدعني فهذا كله قبر مالك وزينب هذه أنجبت من العاص: أمامة، وهي التي كان النبي ﷺ يحملها في الصلاة.
هذا ما يتعلق بـ زينب.
стр. 138
ذكر رقية بنت رسول الله
وأما رقية فقد تزوجها عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
стр. 139
ذكر فاطمة بنت رسول الله ﷺ
وأما فاطمة رضي الله تعالى عنه فقد تزوجها علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهي أصغر بناته على قول، وقول آخر أن الأصغر أم كلثوم.
قال في المصنف ﵀ في المتن: وولدت منه -أي: من علي - الحسن والحسين ومحسن، والنبي ﵊ لما ولدت فاطمة ابنها الأول دخل على علي وفاطمة قال: (أين ابني، ما سميتموه؟ قالوا: سميناه حرباً، قال: بل هو الحسن، فلما حملت بـ الحسين وولدت قال: أين ابني، ما سميتموه؟ قالوا: سميناه حرباً، قال: بل هو الحسين، فلما ولدت الثالث، قال: ما سميتموه؟ قالوا: حرباً)، وكأن اسم حرب كان علي وفاطمة يحبان أن يسميان به، (قالوا: سميناه حرباً، قال: لا، بل هو محسن، ثم قال: سميتهم بولد نبي الله هارون: بشار وبشير ومبشر)، ومحسن مات وهو صغير، وبقي الحسن والحسين فهما ريحانتا رسول الله ﷺ من الدنيا.
ثم قال المصنف: وأم كلثوم تزوجها عمر بن الخطاب، ليست هذه أم كلثوم بنت النبي ﷺ لا، وإنما هي أم كلثوم بنت علي أخت الحسن والحسين، وأم كلثوم هذه هي بنت علي بن أبي طالب من فاطمة، وقد ولدت في السنة السادسة من الهجرة، أي: أنه مات النبي ﷺ وعمرها أربع سنوات، وتزوجها عمر ﵁ وأصدقها أربعين ألفاً لشرفها، يريد أن يحظى بقرابة مع آل بيت رسول الله ﷺ .
стр. 140
ذكر رقية وأم كلثوم بنتي رسول الله
وذكر المصنف ما تبقى من البنات وهن رقية وأم كلثوم، وقد زوجها -أي رقية - من عثمان، فماتت عنده -أي: تحته-، ماتت في أيام غزوة بدر، ولذلك لم يشهد عثمان ﵁ غزوة بدر وإنما كان يمرض زوجته رقية، فلما عاد النبي ﷺ وجدها قد ماتت على الأظهر.
ثم زوجه النبي ﵊ أختها أم كلثوم، ثم ماتت عنده في حياة النبي ﷺ ، ولذلك لقب عثمان بذي النورين؛ لأنه تزوج ابنتي رسول الله ﷺ ، وقد قال المؤرخون: إنه لا يوجد أحد من أهل الأرض جمع الله له ابنتي نبي تحت سقف واحد إلا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
стр. 141
ذكر فضل فاطمة ﵂
ثم ذكر فاطمة، وهي أحب بنات النبي ﷺ إليه، والإمام الذهبي لما ترجم لها في الأعلام قال: هي البضعة النبوية، والجهة المصطفوية، وكانت أشبه الناس مشية برسول الله ﷺ ، وكان ﵊ يحبها ويجلها ويعظمها، وإذا دخلت قام لها ويقبلها ويضمها، فقد كانت قطعة منه، ويقول: (فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها، ويضيرني ما أضرها أو كلمة نحوها)، وأنجب منها علي: الحسن والحسين، ولذلك كان ﵊ يحب الحسن والحسين حباً جماً، وكان يضعهما على كتفيه ويقبل هذا مرة وهذا مرة، ويقول: (اللهم إني أحبهما فأحبهما)، وقال: (هما ريحانتاي من الدنيا)، (وقطع خطبته وهو على المنبر لما دخلا عليه وعليهما قميصان أحمران يمشيان فيعثران، فنزل من المنبر وقطع الخطبة وتركها ونزل وحملهما ووضعهما بين يديه، ثم التفت إلى الناس وقال: صدق الله ورسوله إنما أموالكم وأولدكم فتنة، لقد نظرت إلى ابني هذين يمشيان فيعثران فلم أصبر حتى نزلت وحملتهما)، ومع ذلك يوجد من الناس سهواً أو خطأً أو جهلاً من يتباعد عن أن يسمي بـ الحسن والحسين، ويقول: إن هذا تقر به أعين الشيعة، والحق لا يترك إذا تلبس به أهل الباطل، فتسمية الحسن والحسين هذا تسمية نبوية لا يمكن أن تترك لكون أحداً نبغضه فعل هذا، وكذلك ترك بعض الناس التسمية بأسماء بعض آل البيت كـ قثم والعباس وفضل، فقلما يوجد هذا بين الناس رغم أنه تسمية لآل بيت نبينا ﷺ ، والله يقول: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣]، وقد حث النبي ﵊ على حب آل بيته وعلى نصرتهم وعلى موالاتهم في أحاديث كثر منها أنه قال: (تركت فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي، فإنهما لن يختلفا حتى يردا علي الحوض)، لكن حب آل البيت يكون مقيداً بالضوابط الشرعية، ويكون المؤمن فيه لا مجافٍ ولا مغالٍ كما هو ديدن المسلم في سائر أمره، والله أعلم.
стр. 142
سلسلة الأيام النضرة في السيرة العطرة [صفته الخلقية، معجزاته، خلفاؤه، الخاتمة]
لقد كان رسول الله ﷺ ذا خلق جميل، وسمت حسن، وكفاه عن كل مدح مدح خالقه: (وإنك لعلى خلق عظيم)، فكانت أخلاقه تأسر القلوب، وتفتن الألباب، فما رآه أحد إلا أحبه وأعجب به.
وقد أعطاه الله تعالى من المعجزات الشيء الكثير، وأعظمها: القرآن الكريم، الذي هو خالد إلى آخر الزمان، والذي لا تخلق حكمه ولا مواعظه.
وبعد أن مات رسول الله ﷺ خلفه رجال عظماء هم خير الناس بعده في هذه الأمة، وهم الخلفاء الراشدون المهديون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ أجمعين.
стр. 143
أخلاق النبي ﷺ
وكان رسول الله ﷺ أشجع الناس، قال علي بن أبي طالب ﵁: (كنا إذا احمر البأس ولقي القوم القوم، اتقينا برسول الله ﷺ ، وكان أسخى الناس، فما سئل قط شيئاً فقال: لا، وكان أحلم الناس، إلا أن سخاءه يظهر في أوجه في رمضان إذا لقيه جبريل، وكان أحلم الناس، وكان أشد حياءً من العذراء في خدرها، فلا يثبت بصره في وجه أحد، وكان لا ينتقم لنفسه ولا يغضب لها إلا أن تنتهك حرمات الله، فينتقم لله، وإذا غضب لم يقم لغضبه أحد، والقريب والعبيد والقوي والضعيف عنده في الحق واحد.
وهذا أمر لا خلاف فيه، فالله جل وعلا زكى بصره، وزكى قلبه، وزكى لسانه، وزكى خلقه، فزكى الله لسانه فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣]، وزكى الله قلبه فقال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، وزكى الله بصره فقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧]، وزكى الله خلقه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، فهذه إجمالاً وجاءت مفصلة في آيات أخرى.
وما عاب طعاماً قط فإن اشتهاه أكله وإن لم يشتهه تركه، وكان لا يأكل متكئاً، ولا يأكل على خوان، والخوان هو المائدة التي يوضع عليها الطعام، ويعبر عنها أحياناً بالطاولة.
قال أنس ﵁ كما في الصحيح: (ما أكل النبي ﷺ على خوان قط)، ولا يمتنع من مباح فإن وجد تمراً أكله، وإن وجد خبزاً أكله، وإن وجد شواء أكله، وهذا يدل على عدم التكلف، فكان لا يرد موجوداً ولا يطلب مفقوداً، فإن وجد خبز بر أو شعير أكله، وإن وجد لبناً اكتفى.
وأكل البطيخ بالرطب، والمقصود بالبطيخ هنا الخربز، والدليل على أنه الخربز ما ثبت عنه ﷺ ، فقد جاء ذكر البطيخ من ثلاث روايات: جاءت برواية: (أكل البطيخ بالخربز)، وجاء عن عائشة: (أكل البطيخ الأحمر بالخربز)، وجاء (أكل البطيخ الأصفر بالخربز)، وجاء برواية أوضح: (أكل الخربز بالرطب)، وهذا نص حديث أنس، وقد ذكر علة أكل البطيخ بالرطب فقال ﷺ : (نكسر حر هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحر هذا)، فالآن نحاول تطبيق هذه السنة، فنحن الآن في الصيف ويوجد رطب ويوجد خربز، فحاول في أقرب وقت أن تأتي بخربز وتأتي برطب، فتأكل الرطب وتأكل الخربز، وتشعر نفسك أنك طبقت سنة نبيك ﷺ ، وبهذا يسمو المؤمن ويعلو، وهذا مما يقوي العلم عندك، ومن قبيل القدر المحمود أني قبل أن آتي هنا كان آخر درس شرحته في مسجدي في المدينة هو أكل الخربز بالرطب، وطبقته في المنزل ثم شرحته في المجيء إلى هنا في نفس اليوم.
فالمقصود: أن تطبيق هذا مما يقوي العلم في صدرك، والإمام أحمد لما كتب المسند كان كلما مر عليه حديث عمل به، حتى إنه روى في المسند: (أن النبي ﷺ احتجم وأعطى الحجام عشرة دراهم)، فذهب واحتجم وأعطى الحجام عشرة دراهم، وبهذا تحسن الخواتيم، وتذهب غوائل الصدور، ويثبت العلم، ويطلب الإنسان من هدي محمد ﷺ .
وكان يحب الحلواء والعسل.
قال أبو هريرة ﵁: (خرج رسول الله ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير، وكان يأتي على آل محمد الشهر والشهران لا يوقد في بيت من بيوته نار، وكان قوتهم التمر والماء)، ويأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، وكونه لا يأكل الصدقة هذا خاص به هو وآل بيته، ويكافئ على الهدية، فإذا أخذ هدية فإنه يكافئ عليها، وأغلب أحواله أن يرد الهدية بأكثر منها.
وفي مرة من المرات ركب شيخنا العلامة ابن باز رحمه الله تعالى الطائرة درجة أولى وكان هناك يهودي، فركب الطائرة وبجواره رجل أمريكي، والأمريكي هذا يقرأ ويعرف أن هذا ابن باز ويسمع عن علمه، وهو أمريكي كافر، فلما ركب الطائرة كان معه الدكتور سعد السعد ولا أذكر الآخرين، فهذا الأمريكي أعجب بالشيخ وأنه كفيف فأخرج ساعته وأعطاها للشيخ هدية، فقال: أعطوها للشيخ، فقيل للشيخ في الطائرة: إن هذا الرجل هو أمريكي كافر وأعطاك ساعة، قال: خذوها، فأخذوها، وصمت الشيخ، وهذا هو العلم، وقبل أن تهبط الطائرة قال الشيخ: قوموا الساعة، فقدروا ثمنها، فزاد الشيخ على التقدير ثم وضعها في ظرف مع شيء آخر؛ حتى يعرف أنها هدية، ثم أعطاها للجليس الأمريكي، فقال: بهذا تطبق السنة، (كان النبي ﷺ يقبل الهدية ويكافئ عليها بأفضل منها).
قلت: تطبيق السنة في هذا الأمر في حياتنا أعظم ما يركز العلم في النفوس، فمثلاً سيأتي معنا أنه كان يجيب الدعوة ﷺ ، وهنا أذكر هذه القصة: فأنا أسكن في المدينة، وكنا نسكن تحت سفح جبل سلع قديماً، هذا وأنا في سن العاشرة تقريباً أو الثانية عشرة فالشيخ ابن باز كان وقتها رئيساً للجامعة الإسلامية، وكان أحد الجيران عنده زواج، وقريب هذا الذي عنده الزواج له قريب يعمل في الجامعة الإسلامية موظفاً ليس بأستاذ ولا شيخ، فهذا القريب الذي يقرب لهذا الذي يقرب للعريس دعا الشيخ -وهو رئيس الجامعة- للفرح، فأنا والله أشهد إنني رأيت الشيخ بعيني جاء في سيارة بكس حتى وصل إلى الفرح، وما كان في المدينة أيامها قصور أفراح، ونحن كنا صبية فطلب منا صاحب الفرح أن ننظف الحارة، فنظفنا الحارة وفرشناها أسفل الجبل، وآخرها بيت بين البيت وبين الجبل في ساحة، فجاء الشيخ بعد صلاة العشاء ومعه ناس، وكان الشيخ إذا خرج من الحرم يركب معه طلاب العلم ولا يرد أحداً، ويطعم بعضهم الطعام، فوصل إلى حينا ونزل وجلس وجلسنا نحن في الجهة المقابلة وليس بجواره، ثم قام وألقى كلمة، والناس كما هم جالسون يقيلون آنذاك، فالحلقة كما هي ما قام أحد يحتفي به ويجلس إليه، ووقف وتحدث ونصح، ثم جلس وتعشى ومشى، فالأجر من الله ما يأتي إلا بعد ابتلاء، فتمحص وتختبر، فلا تجري بعد الشهرة ازهد فيها يأتك الله بها، وأما الذي يبحث عنها فقد ينالها ثم ينتهي، فالرجل وقف وتحدث وهو كفيف لا يدري كم عدد الحضور، ولم يجلس أحداً، ثم تعشى ومشى.
وفي مرة من المرات حججت معه وجاء إلى مجلس الشورى في هذه البلاد، فجاء الأمير عبد الله نيابة عن خادم الحرمين وفقه الله، وكان من بروتوكولات المجلس أنه يحضر ويدعى الوزراء وأعيان البلد مع أعضاء مجلس الشورى، ومن الطقوس الرسمية أن يقوم الضيوف بالسلام على راعي الحفل وهو الأمير عبد الله، فكان من الحضور الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، فكان المجلس مكتظاً فيه حوالي التسعين: أعضاء مجلس الشورى والبقية وزراء وأمراء من البيت الحاكم وغيرهم، وقبل أن يقوم أحد قال الأمير عبد الله: لا أحد يقوم اجلسوا، ونزل من المنصة حتى وصل إلى الشيخ نفسه وقبل رأس الشيخ، ثم رجع مكانه، وقام كل من في المجلس يصعد للأمير، كلهم صعدوا للأمير، وأما الشيخ عبد العزيز فالأمير هو الذي نزل له من المنصة إلى مجلسه، وهو في كرسيه ما تحرك شبراً واحداً، وقبل رأسه، ثم رجع مكانه وقام الناس يسلمون على الأمير وانتهى الحفل، فمن عظم الله في السراء في مواطن لا يراها أحد ما فيها ثمرة، يجعل الله الخلق يعظمونه في العلانية، وأنا سأعطيك قاعدة تريحك: فأي شيء تريد من الله أن يظهره فالله يخفيه، وأي شيء تريد من قلبك أن الله يخفيه فالله يظهره، فالناس أصلاً لا يملكون قلوبهم ولا جيوبهم حتى يسخروها لك، فالذي يملكها هو الله، فإذا أردت أن تتعامل مع الناس فتعامل معهم بالسنة، ولا تنشد ما في أيديهم، وإنما انشد ما عند الله، هذا الذي به يبلغ المؤمن -إذا وفقه الله- خيري الدنيا والآخرة.
وكان الشيخ ﵀ ولا نزكي على الله أحداً كذلك، هذا ما ظهر لنا منه، فكان الشيخ يمثل السنة في كثير من أحواله، هذه السنة التي نحن نشرحها اليوم نريد من أنفسنا ومنكم أن نتبعها ونقتفيها ونطبقها في حياتنا اليومية.
فالنبي ﷺ كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، ويكافئ على الهدية، ولا يتأنق في مأكل ولا ملبس، وإنما يأكل ما وجد، ويلبس ما وجد.
وكان يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخدم في مهنة أهله، ويعود المرضى، وكان أشد الناس تواضعًا، فيجيب من دعاه من غني، أو فقير، أو دنيء، أو شريف، ولا يفرق.
وكان يحب المساكين، ويشهد جنائزهم، ويعود مرضاهم، ولا يحتقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب ملكاً لملكه.
وكان يركب الفرس والبعير والحمار والبغلة، وهذا كله دليل على عدم التكلف، ويردف خلفه عبده أو غيره، ولا يدع أحداً يمشي خلفه، ويقول: (خلوا ظهري للملائكة).
ويلبس الصوف، وينتعل المخصوف، وكان أحب اللباس إليه الحبرة، والحبرة الثياب المقلمة ذات الخطوط، وهي من برود اليمن فيها حمرة وبياض.
خاتمه فضة، فصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن، وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض كلها فأبى أن يأخذها، واختار الآخرة عليها.
وكان يكثر الذكر ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، أكثر الناس تبسماً، وأحسنهم بشراً، مع أنه كان متواصل الأحزان دائم الفكر، وكان يحب الطيب، ويكره الريح الكريهة، يستألف أهل الشرف، ويكرم أهل الفضل، ولا يطوي بشره عن أحد، ولا يجفو عليه، يرى اللعب المباح ولا ينكره، يمزح ولا يقول إلا حقاً، ويقبل معذرة المعتذر إليه، له عبيد وإماء، لا يرتفع عليهم في مأكل ولا ملبس، لا يمضي له وقت في غير عمل لله، أو فيما لابد له ولأهله منه، رعى الغنم، وقال: (ما من نبي إلا وقد رعاها)، وسئلت عائشة ﵂ عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: (كان خلقه القرآن، يغضب لغضبه ويرضى لرضاه)، ص
стр. 144
معجزاته ﷺ
فصل: في معجزاته ﷺ .
فمن أعظم معجزاته، وأوضح دلالاته: القرآن العزيز الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، الذي أعجز الفصحاء، وحير البلغاء، وأعياهم أن يأتوا بعشر سور مثله، أو بسورة، أو بآية، وشهد بإعجازه المشركون، وأيقن بصدقه الجاحدون، والملحدون.
القرآن الكريم معجزة نبينا الخالدة، وهو معجز في لفظه ومعناه، قال شوقي ﵀: جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بحكيم غير منصرم وقد حاول إبراهيم النظام أحد رءوس المعتزلة في عصره أن يدعي أن القرآن تستطيع العرب أن تأتي بمثله لفصاحتهم، ولكن الله -في زعمه- صرفهم عن هذا، وسمي قول إبراهيم هذا بالصرفة، فهو يقول: إن القرآن معجز، لكن الإعجاز في أن الله صرف العرب على أن يقولوا مثله، وإلا فالعرب فصحاء يستطيعون أن يقولوا مثله في لفظه، ولم يقبل منه أحد هذا القول، بل إن غيره من رؤساء المعتزلة ردوا عليه، والحق أن الله أعجز العرب أن تأتي بمثل القرآن، بمعنى أن القرآن معجز في لفظه ومعناه.
وسأل المشركون رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر، فانشق حتى صار فلقتين، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١].
وقال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها)، وصدق الله قوله بأن ملك أمته بلغ أقصى المشرق والمغرب، ولم ينتشر في الجنوب ولا في الشمال، وهذا فيه نظر، فليس المقصود المشرق والمغرب تحديداً، وإنما المقصود انتشار الدين في كل مكان.
وكان يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر وقام عليه حن الجذع حنين العشار حتى جاء إليه والتزمه، وكان يئن كما يئن الصبي الذي يسكت، ثم سكن، ونبع الماء من بين أصابعه غير مرة، واختلف العلماء في معنى نبع الماء من بين أصابعه ﵊ على قولين: القول الأول: أن يكون الماء نبع فعلاً من بين أصابعه، أي: خرج من بين أصابعه.
القول الثاني: أن يكون المعنى أنه ببركته ﵊ لما وضع أصابعه تكاثر الماء ببركته ﵊، ولم يكن هناك نبع حقيقي من أصابعه، والقول الأول هو الأظهر؛ إذ لا مانع يمنعه، وعليه الأكثرون.
وسبح الحصى في كفه، وثم وضعه في كف أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فسبح.
وكانوا يسمعون تسبيح الطعام عنده وهو يؤكل، وسلم عليه الحجر والشجر ليالي بعث، وكلمته الذراع المسمومة، ومات الذي أكل معه من الشاة المسمومة، وعاش هو بعده أربع سنين.
الذي أكل معه من الشاه هو بشر بن البراء، وهنا لم يتكلم المصنف عن محبة بشر للنبي ﷺ ، وهذه فائدة، فالنبي ﵊ قدمت له الشاه وهي مسمومة، وفي الوقت الذي أكل منها أكل معه بشر بن البراء، فلما لاكها بشر في فمه عرف أنها مسمومة ومع ذلك لم يلفظها تأدباً مع النبي ﷺ ، فسبقت بقدر الله أن تدخل جوفه فيموت، فلما مات اقتص النبي ﷺ من المرأة اليهودية التي سمت الشاه.
وأصيبت رجل عبد الله بن عتيك الأنصاري فمسحها فبرأت من حينها، وأخبر أنه يقتل أبي بن خلف الجمحي يوم أحد، فخدشه خدشاً يسيراً فمات.
وقال سعد بن معاذ لأخيه أمية بن خلف: سمعت محمداً يزعم أنه قاتلك، فقتل يوم بدر كافراً.
وأخبر يوم بدر بمصارع المشركين فقال: (هذا مصرع فلان غداً إن شاء الله، وهذا مصرع فلان غداً إن شاء الله، فلم يعد واحد منهم مصرعه الذي سماه).
وأخبر أن طوائف من أمته يغزون البحر، وأن أم حرام بنت ملحان منهم، فكان كما قال.
وقال لـ عثمان: إنك ستصيبك بلوى، فقتل عثمان.
وقال للحسن بن علي: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المؤمنين عظيمتين)، فكان كذلك.
وأخبر بمقتل الأسود العنسي الكذاب ليلة قتل، وبمن قتله، وهو بصنعاء اليمن، وبمثل ذلك في قتل كسرى.
وأخبر عن الشيماء بنت نفيلة الأزدية أنها رفعت له في خمار أسود على بغلة شهباء، فأخذت في زمن أبي بكر الصديق في جيش خالد بن الوليد بهذه الصفة.
وقال لـ ثابت بن قيس بن شماس: (تعيش حميداً، وتقتل شهيداً)، فعاش حميداً، وقتل يوم اليمامة شهيدًا.
وقال لرجل ممن يدعي الإسلام وهو معه في القتال: (إنه من أهل النار)، فصدق الله قوله بأن نحر نفسه.
وجماع هذا علمياً أن يقال ما يلي: إن الغيب الذي أخبر عنه النبي ﷺ ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أولاً: غيب يتعلق بالأمم والقرون الغابرة، ومثاله أخبار يوسف، وأصحاب الكهف، وقوم نوح، وقوم عاد، فهذا كله إخبار عن غيب سبق.
الثاني: إخباره عن غيب وقع في حياته قبل أن يموت، مثل إخباره بالذي قتل نفسه، وإخباره بـ الأسود، ومقتل قريش يوم بدر، ومقتل الأسود العنسي، فهذا كله حصل في حياته ﷺ .
وإخباره بغيب وقع بعد وفاته ﷺ ، مثل: (إن ابني هذا سيد)، فهذا وقع بعد وفاته، وقصة سراقة بن مالك أنه سيلبس سواري كسرى، وهكذا أشراط الساعة فإنها ستقع بعد وفاته ﷺ .
هذا خلاصة ما يمكن أن يقال في الغيب الذي أخبر عنه النبي ﷺ .
ودعا لـ عمر بن الخطاب، فأصبح عمر فأسلم، ودعا لـ علي بن أبي طالب أن يذهب الله عنه الحر والبرد، فكان لا يجد حراً ولا برداً، ودعا لـ عبد الله بن عباس أن يفقهه الله في الدين، ويعلمه التأويل، فكان يسمى الحبر والبحر لكثرة علمه، ودعا لـ أنس بن مالك بطول العمر، وكثرة المال والولد، وأن يبارك الله له فيه، فولد له مائة وعشرون ذكراً من صلبه، وكانت نخله تحمل في السنة مرتين، وعاش مائة وعشرين سنة أو نحوها، وكان عتيبة بن أبي لهب قد شق قميصه وآذاه، فدعا عليه أن يسلط الله عليه كلباً من كلابه، فقتله الأسد بالزرقاء من أرض الشام، وشكي إليه قحوط المطر وهو على المنبر، فدعا الله وما في لسماء قزعة، فثار سحاب كثير أمثال الجبال، فمطروا إلى الجمعة الأخرى حتى شكي إليه كثرة المطر، فدعا الله فأقلعت وخرجوا يمشون في الشمس.
وأطعم أهل الخندق -وهم ألف- من صاع شعير أو دونه وبهيمة، فشبعوا وانصرفوا والطعام أكثر ما كان.
وأطعم أهل الخندق أيضاً من تمر يسير أتت به ابنة بشير بن سعد إلى أبيها وخالها عبد الله بن رواحة.
وأمر عمر بن الخطاب أن يزود أربعمائة راكب من تمر كالفصيل الرابض، فزود، وبقي كأنه لم ينقص تمرة واحدة، وشهد الذئب بنبوته.
شهادة الذئب بنوته رواها الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
ومر في سفر ببعير يستقى عليه، فلما رآه جرجر ووضع جرانه، فقال: (إنه شكا كثرة العمل، وقلة العلف).
ودخل حائطاً فيه بعير -الحائط: هو البستان- فلما رآه حن وذرفت عيناه، فقال لصاحبه: (إنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه).
فهذه كلها أخبار تدل على ما سخره الله جل وعلا له صلوات الله وسلامه عليه هي والتي بعدها.
إلى أن قال في آخر صفحة (١١٦): وخرج على مائة من قريش وهم ينتظرونه فوضع التراب على رءوسهم ومضى ولم يروه، وتبعه سراقة بن مالك بن جشعم يريد قتله أو أسره، فلما قرب منه دعا عليه فساخت يدا فرسه في الأرض، فناداه بالأمان، وسأله أن يدعو له فدعا له، فنجاه الله، وله ﷺ معجزات باهرة، ودلالات ظاهرة، وأخلاق طاهرة، واقتصرنا منها على هذا تحقيقاً.
стр. 145
بعض خبر العشرة المبشرين بالجنة
سأتكلم أنا إجمالاً عن العشرة المبشرين رضي الله تعالى عنهم: فهؤلاء العشرة ﵃ أفضلهم الأربعة الخلفاء على الترتيب:
следующие страницы →