Полный текст (149 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ذكر غزوة بدر الكبرى
وبدر هي أول معركة في الإسلام، وهذه المعركة بعدها كان الصحابة على ثلاثة أقسام: قسم حمى النبي ﷺ ، وقسم تتبع فلول قريش، وقسم جمع الغنائم.
ولم يكن يوم ذاك غنائم من قبل ليمضي بهذه الغنائم على السنة الأولى، فاختصموا في الغنائم، فذهبوا إلى النبي ﷺ يسألونه، فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١]، ولم يأت جواب، فقال الله تأديباً لهم: ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١]، أي: احرصوا على جمع الكلمة، وليس الصحيح أن تختصموا من أجل غنائم، فالمهم أن تتآلف قلوبكم، وأن يتوحد رأيكم، وأن تجتمع كلمتكم، ثم بعد أربعين آية في نفس السورة قال الله جل وعلا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال:٤١] إلى آخر الآية فبين جل وعلا كيفية تقسيم الغنائم.
ثم اختلفوا في الأسرى، فاستشار النبي ﷺ الصديق والفاروق، فـ الصديق أشار عليه بقبول الفدية، والفاروق أشار عليه بالقتل، فشبه ﷺ الصديق بإبراهيم عندما قال ﵊: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم:٣٦] أي: الأصنام: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي﴾ [إبراهيم:٣٦] فلم يدع عليهم، بل قال: ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦].
وشبه الفاروق بنوح حين قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧]، ثم أخذ النبي ﷺ برأي الصديق وقبل فداء الأسرى، فنزل القرآن يعاتبه.
стр. 72
ذكر غزوة أحد
وأما غزوة أحد فإن الرماة ﵃ خالف منهم طائفة أمر قائدهم، ونزلوا إلى أرض المعركة يجمعون الغنائم، وكانت فرصة لـ خالد، ولا يهلك الناس مثل المعاصي، ولا ينجي مثل الطاعة، وهذا أكبر دليل على ذلك كله.
فلما عصى الرماة النبي ﷺ معصية واحدة كانت سبباً في هزيمة جيش بأكمله فيه رسول الله ﷺ ، فليس بين الله وبين أحد من خلقه نسب، فمقاليد التوفيق مقرونة بالطاعات، ومقاليد الخيبة والخسران مقرونة بالمعاصي، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٥٢].
فهذا الأسلوب القرآني جاء رقيقاً لأنهم انهزموا، فما جمع الله لهم الهزيمة أمام أهل الكفر وتأديب القرآن القاسي، بل جاء تأديب القرآن ليناً لأنهم انهزموا، قال الله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٥٢].
وأما في بدر التي أرجأت الكلام فإنهم لما اختلفوا في الأسرى ولم يأخذوا بالأمر الأصوب -وهو قتل الأسارى- قال الله ﵎ عنهم: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال:٦٧] إلى أن قال الله جل وعلا في الآية التي بعدها: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨]، فالعتاب في بدر كان أقسى من العتاب في أحد؛ لأنهم كانوا في بدر منتصرين يتقبلون العتاب القاسي، أما في أحد فكانوا منكسرين، فما أراد الله جل وعلا أن يجمع عليهم عتاباً قاسياً مع هزيمة وفي غزوة أحد أشيع أن النبي ﷺ قتل، زعم ذلك عمرو بن قمئة أخزاه الله، فلما أشيع ذلك أصاب المسلمون نوع من الإحباط، فقال الله جل وعلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]، فما ربط الله جل وعلا عبادته قط بحياته ﷺ فأوامر الله تنفذ، سواء مات النبي أو بقي، وجد الإمام أو لم يوجد، وجد القائد المسلم أو لم يوجد، فأوامر الله وعبادته وطاعته وشكره والإذعان له ﵎ دأب المؤمن في كل زمان ومكان، وهذا الدين الذي هو من عند الله أجل وأعظم من أن يعلق بحياة أحد، ولو أريد لهذا الدين أن يعلق بحياة أحد لعلق بحياة النبي ﷺ ، لكن الله يقول للصحابة الذين هم خير جيل وأمثل رعيل: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤]، أي: أن الرسل من قبله ماتوا ولم يتغير شيء، فهو ﷺ له عند الله ربه المنزلة العالية والمقام الرفيع ولكن أوامر الله ليس تنزيلها معلقاً بحياة أحد كائناً من كان.
ثم إن هؤلاء الرسل تركوا مبادئ وتركوا قيماً، ومن أعظم أخطائنا في الصحوة أن نعلق الناس بالدعاة أو بالعلماء أو بالقادة أو بالمجاهدين، هذا من أعظم أخطائنا في التربية، فالإنسان يعلق بالمبادئ ويعلق بالقيم؛ لأن هذا الذي تفتن به اليوم لا يؤمن عليه الفتنة، فهو نفسه قد يترك الدين ويرجع وينتكس أو يموت ويتغير، فلا تتعلق بمخلوق كائناً من كان، فخذ من الناس ومن العلماء من الدعاة وممن تحب القيم والمبادئ التي عاشوا من أجلها، أما هم فلا تتعلق بهم، وما يحصل عند موت زعيم أو ما أشبه ذلك من هلاك الناس وضياعهم وبكائهم غير صحيح، فأن يبكي الإنسان على شخص يحبه لا بأس به، فالنبي ﷺ بكى على موت إبراهيم، ولكن لا يعتقد أحد أن الدين سيتبدل أو يتغير؛ لأن فلاناً مات أو لأن عالماً ربانياً هلك، فالدين أعظم من أن يعلقه الله بحياة أحد كائناً من كان.
стр. 73
ذكر غزوة الخندق
وفي يوم الخندق أراد الله أن يبين أن مع العسر يسراً، وأن آخر الليل فجر، ففي عز ما كان فيه المشركون مسيطرين محيطين بالمدينة، أخذ النبي ﵊ بالرأي، والإنسان مهما بلغ عقله ورأيه وفضله يحتاج إلى أن يستشير الناس، وما استكبر ﷺ عن أن يستشير أصحابه، وأخذ برأي سلمان، حيث قال له: إننا كنا في بلاد فارس نصنع كذا وكذا.
فلا يأتي إنسان ويقول: هذا تشبه بالكفار؛ فالتشبه بالكفار إنما يكون في المسائل التي تكون رمزاً لهم، وتكون عنواناً على كفرهم، فهذا لا يجوز، أما حضارات الأمم فلا يجوز لأحد أن يقيدها، فقد كان الفرس يصنعون هذا في حروبهم، فما امتنع ﷺ عن أن يصنعه في حروبه إذا كان يقيه غائلة الأعداء، وقد قال ﵊ في حديث آخر هو عند مسلم: (كنت أريد أن أنهى أمتي عن الغيلة، حتى علمت أن فارس والروم تصنعانها فلا يضرانها شيئاً)، والغيلة أن تضرع المرأة ابنها وهي حامل على إحدى التفسيرين لها، وهو المشهور، ومع ذلك لما علم ﵊ أن فارس والروم -وهم مجوس ونصارى- يصنعون هذا الصنيع قبله ﷺ ؛ لأن هذه حضارة مشتركة يأخذ الناس بها كلهم، فليس وقفاً على أمة دون أمة، وإنما المحظور ما كان شعاراً ليهود أو كان شعاراً لمجوس أو كان شعاراً لنصارى يتعلق بدينهم وشعائرهم، فهذا هو الذي فيه الموالاة والبراء، ولا يجوز لأحد أن يحاكيهم فيه أبداً حفاظاً على شعيرة الدين.
وفي ذروة هذا كله ينزل ﷺ فيضرب صخرة فيقول: (الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إنني لأرى قصر المدائن الأبيض من مكانها)، ثم يضرب ضربة ثانية ويقول: (الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إنني لأرى قصور هرقل -أو كلمة نحوها- من مكانها)، ثم ضرب الثالثة وقال: (الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إنني لأرى قصر صنعاء الأبيض في مكانه)، ففي شدة ما هو فيه كان يبشر الصحابة ليبين لهم ألا يدب اليأس إليهم.
وقال النبي ﷺ هذا كله وهو لم يدرك واحدة منها، فلم تفتح فارس ولا بلاد الروم ولا اليمن في حياته ﷺ ؛ إذ ليس شرطاً أن تفتح في حياته، كما قال تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ [يونس:٤٦] والمقصود أن الآيات تقع في حياته وتقع بعد وفاته، فالدين ليس معلقاً بأحد، والقائد الموفق من يبذر الفأل الحسن والعزيمة في نفوس المسلمين.
فهذه المعركة كانت اختباراً للناس وتصفية لهم، فالمنافقون قالوا: محمد يعدنا بكذا وكذا وأحدنا لا يقدر أن يقضي حاجته، فقال الله عنهم: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢]، وقال عن أهل الإيمان: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]، فهذا ما يتعلق بمعركة الأحزاب.
стр. 74
ذكر صلح الحديبية
وأما في الحديبية فإنه ﷺ خرج حتى وصل إلى مكة، وقبيل مكة بركت الناقة، فقال من معه: خلأت القصواء، فقال: (والله ما خلأت وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل)، ثم فهم أنه لن يصل إلى البيت، وقال: (إن قريشاً لا تسألني اليوم خطة يعظمون فيها البيت إلا أعطيتهم إياها).
فهذا النص، -وهو قوله ﵊: (حبسها حابس الفيل) - قرأه كثير من العلماء، ولكن الفهم يتفاوت من عالم إلى عالم في استنباط الفوائد، قال الحافظ ابن حجر ﵀ -وهذا من دلائل قدرته العلمية-: إنه لا يلزم من التشبيه بين أمرين التشبه من كل وجه، فإن النبي ﵊ شبه حبس ناقته بحبس الفيل، مع أن أصحاب الفيل كانوا على باطل محض، وصاحب الناقة ﷺ كان على حق محض، ولكن المقصود هنا بالتشبيه شيء واحد، وهو حفظ الله جل وعلا لبيته، وليس المقصود تشبيه صاحب الناقة ﷺ بصاحب الفيل أبرهة، فبينهما من البون والفرق ما لا يخفى على أحد.
هذا معنى كلامه رحمه الله تعالى وغفر له.
стр. 75
ذكر غزوة خيبر
والمقصود من هذا أن النبي ﵊ رجع بعد أمور وأحداث علق عليها المصنف، فخرج في نفس العام إلى خيبر، وقد كان يقطنها اليهود، فأقبل على خيبر فجراً، فخرج الناس ومعهم المساحي، فلما رأى المساحي بأيديهم تفاءل وقال: (الله أكبر، خربت خيبر، إننا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)، وهنا حصلت أمور، فبعض الحصون عزت على الصحابة، فقال ﵊: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله)، فاستشرف الناس ليلتهم كلهم يريد أن يكون هو، فلما أصبح أعطاها علياً رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهذا من مناقب علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وتم فتح خيبر بعد ذلك، واصطفى النبي ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب، فوجد في خدها أثر ضربة، فسألها عنها، وكانت قبله تحت رجل آخر، فقالت له: إنني قصصت رؤيا على زوجي فصفعني، ثم سألها بعد ذلك فأخبرته، فقالت: رأيت الهلال ينزل فيقع في حجري، فقصصتها على زوجي فضرني وقال: تتزوجين هذا الملك الذي في المدينة.
يقصد النبي ﷺ ، فبقي أثر الضربة فيها حتى تزوجها نبينا ﷺ .
فهذا ما كان من غزوة خيبر، وقد حاول اليهود سمه ﵊، فنجاه الله ﵎، وأخبرته ذراع الشاه بأنها مسمومة، فلفظ ما أكل صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من معجزاته ﵊.
стр. 76
ذكر فتح مكة
ثم بعد خيبر كان فتح مكة في العام الثامن من الهجرة، فخرج ﵊ -لأنه استنصر به عمرو بن سالم - حتى أتى مكة وأناخ بجوارها، وفي تلك الفترة أسلم بعض القرشيين وعلى رأسهم أبو سفيان بن حرب، وكان أبو سفيان رجلاً يحب الفخر، والعباس كان الوسيط بين النبي ﵊ وبين أبي سفيان، وكان العباس عم النبي ﵊ يدل على رسول الله، فقال: يا نبي الله! إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فقال ﵊: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن)، فدخل ﷺ مكة وقد أخرج منها قبل ثمان سنوات والمغفر على رأسه، ثم قيل له وهو ينزع المغفر: إن فلاناً -أحد خصومه- متعلق بأستار الكعبة.
فقال ﵊: (اقتلوه)، وهذا قد كان منه كثير الأذى لرسولنا ﷺ ، ثم طاف ﷺ بالبيت ومعه المحجن وهو يشير إلى الأصنام ويقرأ: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، والذي يعنينا هنا أنه ﵊ كان مطأطئاً رأسه، معظماً لربه، يعرف فضل الله جل وعلا عليه، ولم يكن يخرج منه ﵊ مثقال ذرة من أمارات الكبر ولا علاماته؛ لأنه يعرف أن الله هو الذي مكنه وأظهره على عدوه، ولذلك كان يقول دائماً: (لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)، وطاف بالبيت، ثم أمر بالأصنام أن تخرج من البيت، فكان من الأصنام التي أخرجت صورة لإبراهيم ﵇، وهي رسم لإبراهيم وإسماعيل وهما يستقسمان بالأزلام، والأزلام أعواد كان القرشيون يستقسمون بها، في أحدها (نعم) وفي الآخر (لا) والثالث لا شي فيه، فإذا خرجوا أو سافروا أو أرادوا أمراً أتوا بهذه الأزلام يستقسمون بها، فالقرشيون لكي يثبتوا مذهبهم رسموا صورة إبراهيم وإسماعيل وهما يستقسمان بالأزلام، فلما نظر فيها ﷺ قال: (قاتلهم الله، لقد علموا أن شيخنا ما استقسم بها قط)، ولم يحفظ أن النبي ﷺ نعت أحداً من الأنبياء بأنه شيخه إلا إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، وقد كان أباً لنبينا ﵊.
ثم دخل ﷺ الكعبة وكبر في نواحيها وصلى ركعتين، وهو خارج آخذ بعتبتي الباب أنزل الله جل وعلا عليه قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]، فأعطى مفاتيح الكعبة لبني شيبة وقال: (خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم).
стр. 77
ذكر غزوة حنين
ثم خرج ﷺ بعد ذلك إلى حنين جهة الطائف، فلما خرج إلى حنين مر على شجرة كان القرشيون وأهل الجاهلية يعبدونها، فكانوا يعلقون بها بعض أمورهم معتقدين فيها، فقال من معهم ممن هو حديث عهد بالإسلام: يا نبي الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط.
فقال ﵊: (الله أكبر؛ إنها السنن، لقد قلتم كما قال أصحاب موسى لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨])، ثم أتى حنين ﷺ ، وغلب المسلمون أولاً، ثم أخذها أبو سفيان بن الحارث، والقلوب بين يدي الله يقلبها كيف يشاء، فـ أبو سفيان بن الحارث كان طوال دهره يهجو النبي ﷺ ، وهو ابن عمه، فـ الحارث أحد أعمام النبي ﷺ من أبناء عبد المطلب، وسيأتي الحديث عن أعمام الرسول.
فالمهم أن أبا سفيان هذا هو الذي قال له حسان رضي الله تعالى عنه: أتهجوه ولست له بكفءٍ فشركما لخيركما الفداء فأخذ أبو سفيان بزمام ناقة النبي ﵊، والرسول واقف على ناقته ويقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب)، ثم نادى: يا أصحاب السمرة يا أصحاب الشجرة.
حتى اجتمعوا ﵃ وأرضاهم، ونصر الله جل وعلا جنده المؤمنين.
ثم حاصر النبي ﵊ الطائف، فاستعصت عليه فقفل راجعاً بعد أن استشار بعض الناس، ثم قال: (اللهم اهد ثقيفاً وائت بهم)، ورجع ﷺ إلى المدينة.
стр. 78
ذكر غزوة تبوك
وفي العام التاسع في شهر رجب خرج ﷺ إلى تبوك، وكان الأصل في غزواته أنه إذا أراد أن يخرج لا يبين الوجه الذي يريد، إلا تبوك لبعد المشقة وشدة الحر وحاجة الناس، فأظهر ﷺ وجهته ودعا الناس واستنفرهم إلى المعونة فيها، فكان لـ عثمان رضي الله تعالى عنه اليد الطولى وقصب السبق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فجهز أكثر جيش العسرة ﵁ وأرضاه، ثم خرج النبي ﷺ .
وتخلف ثلاثة: مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وكعب بن مالك، وتخلف المنافقون، ثم لم يجد ﷺ قتالاً ولا حرباً، فأقام في تبوك ما شاء الله له أن يقيم، ثم رجع إلى المدينة جاءت قصة توبة الله على الثلاثة الذين خلفوا.
стр. 79
ذكر كتبة رسول الله ودلالة ذلك
وبعد أن ذكر المصنف ﵀ بعضاً مما يشير إلى غزواته صلوات الله وسلامه عليه أشار إلى من كان يكتب له ﵊، وهذا يسوقنا إلى مسألة مهمة، وهي أن الله جل وعلا بعث نبيه أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وقد عاش ﵊ لا يقرأ ولا يكتب أربعين عاماً قبل النبوة، وهذا لحكمة أرادها الله، حتى لا يأتي أحد ويقول: إن هذا النبي حصل على ما حصل عليه مما يقوله من قرآن لمعرفة بأخبار الأمم السابقة، وهذا أمر أكد القرآن عليه كثيراً، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨]، وقال جل وعلا: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص:٨٦]، فالنبي ﵊ حفظه الله من أن يقرأ ويكتب قبل النبوة حتى لا يتسلط أحد عليه ويكون ذلك عذراً لأحد ممن يعترض على دينه، كما أخبر الله عن الكفار أنهم قالوا: ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان:٥]، أي: طلب من غيره أن يكتبها له.
فرد الله جل وعلا عليهم ذلك كله، كما هو ظاهر في القرآن، فلما كان الله قد حفظ الله نبيه من هذا جعل له كتبة، والشيء الذي لا يحسنه الإنسان يكله إلى غيره، وليس هذا بنقص فيه، بل هذا من مقومات كمال المرء، والنبي ﵊ -وهو رأس الملة وإمام الأمة يقود الناس- شرع الله جل وعلا له أن يتخذ كتبة يعينونه على أمره ﵊، فيكتبون الوحي الذي ينزل من السماء، ويكتبون كتبه التي يبعثها إلى غيره، ويكتبون بعض الأحكام التي وجدت عندهم، كما في كتاب عمرو بن حزم، فهذا كله قام به ثلة من الصحابة؛ لأن العرب كانت -في الغالب- أمة أمية لا تكتب ولا تحسب، فالذين كانوا يكتبون كانوا قليلين، ومنهم الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وكلهم كانوا كتبة، وكان هناك بعض الصحابة قد جمع المزيتين، فكان خطيباً للنبي ﵊ وكان كاتباً، كما هو شأن ثابت بن قيس، وكان من هؤلاء الكتبة من هو متميز، كما يوجد في الطلاب أو في الوزراء أو في المساندين لأي حاكم قوم مميزون، فكان زيد بن ثابت ﵁ أحسن الصحابة في الكتابة، وتعلم لغة يهود، وهو الذي طلب منه الصديق رضي الله تعالى عنه -والفاروق بعد ذلك- أن يجمع القرآن.
فهؤلاء ﵃ وأرضاهم ثلة من الصحابة كانوا مع النبي ﷺ ، وهذا دليل على أن العاقل يتخذ من أسباب العصر الذي يعيش فيه ما ينفعه في أموره، خاصة تلك التي تتعلق بشئون الدعوة.
стр. 80
الطور الجديد في الدعوة إلى الله
وذكر المصنف هنا من بعثهم النبي ﷺ إلى الملوك، وبدأ بـ النجاشي.
وقبل أن نشرع في هذا نقول: هذا الطور يسمى الطور الجديد في الدعوة إلى الله، وهذا الطور وقع بعد صلح الحديبية، فقد كان القرشيون يمثلون الوثنية في جزيرة العرب، وكان اليهود يمثلون اليهودية، وكانت القوى الثلاثة التي تحارب الإسلام ثلاث: اليهود وقريش وغطفان، فلما صالح النبي ﷺ قريشاً في صلح الحديبية انكسرت شوكت الوثنيين، فتفرغ ﷺ للدعوة عموماً، والله يقول عنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ:٢٨]، وفي الحديث: (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة)، فكان هذا كله يتطلب طوراً جديداً ومرحلة دعوية، والنبي ﵊ لم يبدأ بهذا الطور أولاً، مع الحاجة إليه، ولكن المسلم العاقل لا يقيم الإسلام في غيره حتى يقيمه في نفسه، فلما أقام ﷺ دولة الإسلام وتخلص من خصومه القريبين، تفرغ للدعوة إلى الله جل وعلا، والعاقل لا يستعدي الناس عليه في يوم واحد، ولا يجعل جبهات متعددة تحاربه؛ لأن هذا أدعى لأن يخسر ويفشل، فالعاقل يؤمن بالمرحلية في حياته، ويؤمن بالواقع الذي يعيشه، فهو ﵊ لم يخاطب كسرى ولا قيصر ولا أقيال اليمن ولا غيرهم حتى كسر شوكة قريش بصلح الحديبية على أن يمكث الناس عشر سنين ليس بينهم حرب، فلما توقفت الحرب كان هذا هو الفتح العظيم الذي بشر الله به نبيه يوم منصرفه من الحديبية فقال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١]، فكان ذلك سبباً في أن يتهيأ ﷺ ليخاطب الآخرين غير جماعته وعشيرته الأقربين الذين أمر بأن يبدأ بهم أولاً، وهم قريش الذي هو منهم صلوات الله وسلامه عليه.
وقد دعا ﵊ بالسنان ودعا باللسان، واتخذ الأسباب المشروعة في الدعوة التي توافق عصره آنذاك.
стр. 81
بيان أدب رسول الله مع ربه
ولما أخبره الصحابة بأن العرب أو الملوك والسلاطين والأمراء لا يقبلون إلا كتاباً مختوماً لم يعاند، وإنما اتخذ خاتماً من فضة فكتب فيه: (محمد رسول الله)، فجعل كملة (محمد) أسفل، وكلمة (رسول) في الوسط، وكلمة (الله) لفظ الجلالة في الأعلى، فأصبح الخاتم يقرأ من الأدنى: محمد رسول الله، ففي نفس خاتمه ﵊ تأدب مع ربه جل وعلا، ولا يوجد أحد تأدب مع ربه ﵎ كما كان نبينا ﵊ متأدباً مع ربه يعرف لله قدره، وهذا واحد من أسباب كثيرة أفاءها الله عليه جعلته أعظم النبيين وأكمل الخلق صلوات الله وسلامه عليه.
ومن ذلك أنه لما عرج به إلى سدة المنتهى لم يلتفت يميناً ولا شمالاً، ولم ينظر في أي شيء إلا وفق ما يريه الله، فما أراه الله رآه، وما لم يره الله لم يتحرك إليه منه جارحة، ولذلك زكى الله بصره في القرآن، فقال الله في سورة النجم: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧]، أي: لم يتجاوز حدوده، وكان ﵊ في كل حاله متأدباً مع ربه جل وعلا، فإذا كنت تريد الرفعة فالرفعة لها أسباب، ومن أعظمها الأدب مع الله جل وعلا، وما أورث أنبياء الله ورسله الناس شيئاً أعظم من أدبهم مع الله، فقد قال الله عن خليله إبراهيم: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء:٧٥ - ٧٩] فلما ذكر المرض نسبه إلى نفسه، فقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠]، ولم يقل: وإذا أمرضني.
تأدباً مع ربه ﵎، ثم قال: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء:٨١]، فكل ذلك من كمال أدبهم مع ربهم جل وعلا.
ونبينا ﷺ كان يخطب في صلاة الجمعة، فدخل رجل يشتكي جدب الديار وقلة الأمطار، فرفع ﷺ يديه يقول: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، فتكون السحاب بأمر الله وأمطر الناس أسبوعاً، ثم في يوم الجمعة الثانية دخل رجل من نفس الباب، فخاطب رسول الله يشكو كثرة السيول، حيث قطعت السبل وفرقت الناس وأضرت بالطرق، فلم يقل ﷺ لربه: أمسك عنا رحمتك؛ لأنه يعلم أنها رحمة، بل قال: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر) وجعل يشير بيديه، قال أنس: فوالله ما أشار إلى ناحية إلا اتجه السحاب إليها صلوات الله وسلامه عليه.
وهذا الأدب يغفل عنه كثير مع الناس، وكما حظي به النبيون حظي به الأتقياء عبر التاريخ كله، فقد قال الله عن الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠]، فلما ذكروا الرشد نسبوه إلى الله فقالوا: ((أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا))، ولما ذكروا الشر نسبوه إلى ما لم يسم فاعله، كما يقول النحويون، فقالوا: ((وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ))، ولم ينسبوه إلى الله مع أن الله خالق الخير وخالق الشر.
وكذلك الخضر ﵇ لما ذكر السفينة وعيبها قال -كما أخبر الله عنه-: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩]، وأسند العيب إلى نفسه.
ولما ذكر قصة الجدار قال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا﴾ [الكهف:٨٢]، ولم يقل: فأردت، ولما ذكر العيب نسبه إلى نفسه فقال: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩] وهذا كله مندرج ضمن أدب رسولنا ﷺ مع ربه، وهو أعظم ما ينقل عنه ويتأسى به صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 82
بيان كمال عقل ﷺ في مكاتبة الملوك
ونعود إلى فقه الواقع الذي كان عليه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فقد كتب الكتب وبعث بها إلى الملوك والزعماء يدعو إلى الله ويبلغ رسالة ربه، وهو في كل رسالة يبعثها يختار من يحملها، والعاقل تدل على عقله ثلاثة أشياء: هديته وكتابه ورسوله، ولذلك كان ﷺ يختار قوماً معينين من أصحابه وهو يبعثهم إلى الملوك والرؤساء لما يوافق حالهم، أي: حال هؤلاء الملوك؛ لأنه ليس المقصود التجبر والتكبر، وإنما المقصود أن يدخل الناس في دين الله أفواجاً، فبعث إلى النجاشي، و (النجاشي) لقلب يطلق على من ملك الحبشة، واختلف في النجاشي الذي بعث النبي ﷺ عمرو بن أمية إليه، هل هو النجاشي الذي هاجر إليه المهاجرون الأوائل، أم هو غيره، والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أنه غير النجاشي الأول، كما يدل عليه حديث أنس.
والله تعالى أعلم.
стр. 83
سلسلة الأيام النضرة في السيرة العطرة [مواليه، أفراسه، سلاحه، صفته الخلقية]
لقد اعتنى السلف ومن بعدهم بحياة نبينا ﷺ خير عناية وأعظمها، فذكروا كل ما اتصل به ﷺ ، حيث ذكروا مواليه، ودوابه، وأفراسه، وسلاحه، وأعظم من ذلك كله ذكرهم لما خصه الله تعالى به من جمال الخلق وحسن المنظر، فعرفوه ﷺ بأعظم الأوصاف وأجملها في أحسن بيان وأكمله.
стр. 84
ذكر موالي النبي ﷺ
стр. 85
بيان معنى المولى
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإن المؤلف ﵀ ذكر موالي النبي ﷺ ، والمولى في اللغة يطلق على أربعة معان: ويطلق على السيد الذي أعتق، فيقال للجارية: أين مولاك؟ أي: أين سيدك.
ويطلق على العبد إذا أعتق، أو على الجارية إذا أعتقت، فيقال له: مولى.
وهو في هذين المعنيين من الأضداد، فيقال: فلان مولى بني فلان، أي: هم الذين أعتقوه وأخرجوه من عالم الرق إلى عالم الحرية بفضل من الله، والثاني منهما -أي: كونه معتقاً- هو الذي أراده المؤلف بقوله: موالي رسول الله ﷺ .
وتطلق على النصير والظهير، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١].
وتطلق على الرب ﷻ ، قال الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام:٦٢] أي: إلى الله ربهم.
فهذه المعاني الأربعة في كلمة (موالي) والمؤلف ﵀ قصد هنا المعتق، أي: الذين أعتقوا ثم خدموا النبي ﷺ من مواليه.
стр. 86
ذكر بعض خبر مولاه زيد بن حارثة
وأشهرهم اثنان: زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وابنه أسامة، ثم يأتي بعد ذلك شقران الذي اسمه صالح، وسفينة، وسيأتي الحديث إجمالاً عنهم أجمعين.
أما زيد بن حارثة فهو مولى النبي ﷺ الأول، وحبه، وكان خديجة ﵂، فوهبته للنبي ﷺ فأعتقه فأصبح مولى له، فلما جاء أهله يطلبونه اختار النبي ﵊ على أهله، فأشهد ﵊ الناس على أن زيداً ابنه يرثه، فلما أبطل الله ما كان عليه القرشيون من التبني أصبح مولى للنبي ﵊، وكان حبيباً للنبي ﵊، واستشهد ﵁ وأضاه في غزوة مؤتة هو وعبد الله بن رواحة وجعفر بن أبي طالب ﵃ وأرضاهم أجمعين، وقد جعله النبي ﵊ أميراً على الجيش الذي توجه إلى مؤتة.
وكان زيد هذا أبيض، وابنه أسامة كان أسمر اللون، فكان الناس أحياناً يشكو فيهما في النسل، فيقع هذا موقعاً غير حميد في قلب وصدر نبينا ﷺ ، حتى مر عليهما رجل من بني مدلج -وهم قوم أعطوا في القيافة حظاً- وهما نائمان، وقد غطيت رءوسهما وبقيت أقدامهما ظاهرة، وكانت قدما زيد بيضاء وقدما أسامة سوداء، ومجزز المدلجي لا يدري أن هذا زيد ولا يدري أن هذا أسامة، ولا يرى رءوسهما، وإنما رأى الأقدام وهي في اللون، فقال والنبي ﷺ جالس يسمع: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، ففرح ﷺ ؛ لأن هذا زاده يقيناً فيما يشكك الناس فيه، فدخل ﷺ على عائشة ﵂ تبرق أسارير وجهه، فقال: (أما علمت أن مجززاً المدلجي نظر إلى قدمي أسامة وأبيه فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض؟!).
والإنسان إذا أحب شيئاً أحب ما يتعلق به، فلما أحب النبي ﷺ زيداً وأسامة أحب كل ما يفرحهما ويبعد عنهما السوء والشرور، كما أن الصحابة ﵃ وأرضاهم كانوا يحبون النبي ﵊ ويحبون كل ما يتعلق به صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 87
ذكر بعض خبر أسامة بن زيد
وكان أسامة ﵁ أثيراً عند رسول الله ﷺ ، وكان أكبر من الحسن بن علي بقرابة عشر سنين، ومع ذلك كان ﵊ يضع أسامة على فخذ ويضع الحسن على الأخرى، ويقول: (اللهم إني أحبهما فأحبهما)، وقد جاء عن عائشة ﵂: (أنه ﷺ قام ليمسح المخاط من أسامة ﵁، فأرادت عائشة أن تمسحه هي بنفسها، فقال لها: يا عائشة! إني أحبه فأحبيه)، وهذا فضل من الله جل وعلا يضعه الله ﵎ في القلوب، والنبي ﷺ يقول: (الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف).
ولما كان في حجة الوداع صلوات الله وسلامه عليه ركب القصواء يريد أن ينفر النفرة الأولى من عرفة إلى مزدلفة، فكأنه تأخر قليلاً ينتظر أسامة، فكان في الحجاج من هو حديث عهد بالإسلام من حجاج العرب وحجاج اليمن ممن لا يعرفون منزلة أسامة عند النبي ﷺ ، فلما رأوا النبي ﵊ يستبطئ كأنه ينتظر أحداً أخذوا يحدقون بأبصارهم ينتظرون رجلاً عظيماً سيأتي، فجاء أسامة يجري وهو غلام أسود، ثم حمله النبي ﷺ على ظهر الدابة، وذهب به متوجهاً إلى مزدلفة وهم ينظرون ويقول بعضهم لبعض: أأخرنا من أجل هذا؟ ولا يعلمون ما يكنه ﷺ من محبة عظيمة لهذا العبد الصالح حبيب رسول الله ﷺ .
ولما سرقت المرأة المخزومية وأراد القرشيون ألا يقام عليها الحد لجئوا إلى أسامة ليشفع لهم عند رسول الله ﷺ ، فقالوا: ومن يقدر على هذا -أي: يخاطب النبي ﷺ أعظم من أسامة ﵁ وأرضاه؟! فكلمه فقال له ﷺ : (أتشفع في حد من حدود الله) في الحديث المشهور.
ومع هذا فإن المحبة القلبية شيء والحكم على الشيء بالصواب أو الخطأ شيء آخر؛ فإنك لن تقيم الدين إذا كنت تحابي في قضايا يتعلق بها صواب وخطأ، فهو ﵊ يحمل في قلبه من الحب لـ أسامة ما بينا بعض أماراته، ومع ذلك لم يدفعه ذلك إلى ترك الحق، ومن ذلك أنه خرج أسامة في سرية، ثم إن أسامة حارب رجلاً من المشركين، فلما تمكن أسامة ﵁ من هذا المشرك وسقط السيف من المشرك وعلم بأنه هالك لا محالة قال: لا إله إلا الله، ففهم أسامة أن هذا الرجل قالها ليتقي بها حر سيف أسامة، فقتله، ثم ذهب إلى النبي ﷺ فأخبره، فأشاح ﷺ بوجهه عنه، وقال: (يا أسامة! أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟!) فقال: يا رسول الله! إنه لم يقلها إلا خوفاً من السيف.
وقال: (أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟!) ومازال يعاتبه، ثم قال له: (كيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة)، قال أسامة: فتمنيت أنني لم أسلم إلا ذلك اليوم، وهذا يدل على أن من حمل في قلبه (لا إله إلا الله) يوكل أمره إلى الله، إلا بحق شرعي ظاهر كما هو معمول به عند علماء المسلمين، كما قال ﷺ : (زنا بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، والتارك لدينه المفارق للجماعة، وقتل النفس)، فهذا الأمور التي يحق بها قتل المرء بطريقة الشرع، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان:٦٨] أي: بطريق شرعي ظاهر عبر القضاء، لا عبر أمور أخر يصنعها الإنسان كيفما يشاء.
ثم إن أسامة ﵁ استفاد عظيماً من هذه الحادثة، فلما جاءت حروب علي ﵁ مع خصومه كان أسامة يحب علياً جداً، وعلي يحب أسامة، فتعجب علي من أن أسامة لم يدخل معه في حروب، فقال له معاتباً: ما كنا نظنك إلا واحداً منا آل البيت! فقال أسامة ﵁ وأرضاه: يا أبا الحسن! والله لو أخذت بمشفر الأسد لأخذت بمشفره الآخر حتى نموت جميعاً أو نحيا جميعاً حباً فيك، أما هذا الأمر الذي أنت فيه فلا أدخل فيه أبداً.
أي: اطلب مني ما تشاء إلا أنني لن أدخل معك في حرب ضد مسلمين، فأخذها من قسوة عتاب النبي ﷺ له، لما قال له: (كيف تصنع بلا إله يوم القيامة) فما أحب أن يكرر الخطأ مرة أخرى ﵁ وأرضاه.
فكون امرئ يتساهل في دماء المسلمين تحت أي تأويل -كما يحدث في العراق وغيرها- هو من الجهل، فمن قال لا إله إلا الله يكف السيف عنه إلا بحق وطريقة شرعية عبر قضاء، أما أن يتولى الإنسان قتل الناس بحجج واهية في ذهنه فهذا لم يفقه ما أنزل الله على رسوله ولا ما أوحى الله به إلى نبينا ﷺ .
ولو كان النبي ملتمساً عذراً في هذه القضية لأحد لشخصه لالتمسه لـ أسامة في قتل ذلك المشرك الذي كان إلى قبل لحظات لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، وإنما عندما رأى السيف مشهوراً على رأسه رمى السيف وقال: لا إله إلا الله ليعصم بها دمه، ومع ذلك لما قتله أسامة عنفه النبي ﵊.
ثم إن أسامة أسند إليه النبي ﵊ إمرة جيش أراد أن يذهب مرة أخرى إلى مؤتة بعد أن قتل أولئك الثلاثة، ولكنه ﷺ قبض وانتقل إلى الرفيق الأعلى والمحل الأسنى قبل أن ينفذ جيش أسامة، فكان أول ما صنعه أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه أنفذ جيش أسامة بعد وفاة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكان عمر ﵁ وأرضاه إذا لقي أسامة يقول: أهلاً بالأمير، مات النبي ﷺ وأنت علي أمير؛ لأن عمر كان في الجيش الذي جهزه النبي ﷺ وجعل أسامة قائداً له، فكبار الصحابة كانوا في ذلك الجيش، فلما اعترض البعض وأخذوا يتحدثون الأقاويل قائلين: كيف يصبح أسامة قائداً للجيش؟ قال ﷺ : (لئن اعترضتم عليه فلقد اعترضتم على أبيه من قبل، وايم الله إنه لخليق بالأمارة) ﵁.
فهذا بعض من سيرة حبيب رسول ﷺ ، وإن من حبنا لنبينا ﷺ أن نحب هذا العبد المؤمن التقي الغلام الذي كبر بعد ذلك وشاخ حتى مات في خلافة معاوية.
كما أن من مواليه ثوبان وغيره من الصحابة، ولكن لا يوجد حديث مستفيض ولا سيرة مستفيضة عنهم ﵃ وأرضاهم كما هو موجود عن أسامة وعن أبيه.
стр. 88
ذكر مؤذنيه ﷺ
стр. 89
من أخبار بلال بن رباح
ومما يتعلق به ﵊ -وهذا ما لم يذكره المصنف- أنه كان له خطباء، وكان له شعراء، وكان له مؤذنون.
فأما المؤذنون فإن أشهرهم بلال رضي الله تعالى عنه العبد الحبشي الذي أعتقه أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وكان ندي الصوت يؤذن لرسول الله ﷺ ، فلما مات ﵊ ذهب بلال مع جملة من ذهب من الصحابة في معارك الفتوح، ثم رجع بلال فاستأذن ممن كان يؤذن في الحرم آنذاك، فأذن بلال، فلما سمع الناس صوت بلال وهو يقول: أشهد أن محمداً رسول الله؛ ارتجت المدينة بالبكاء؛ لأن آخر العهد هو أن بلالاً كان يقول: أشهد أن محمداً رسول الله والنبي ﷺ حي بين أظهرهم.
стр. 90
من أخبار أبي محذورة
كما كان له ﷺ مؤذن يقال له: أبو محذورة، وهذا الرجل اتخذه رسول الله ﷺ مؤذناً عندما دخل الصحابة مكة، فقد كان صغار المشركين يحاكون أذان المؤمنين، فمر النبي ﷺ بطريق فسمع صوتاً أعجبه، فاستدعى الأطفال، وطلب منهم كلهم أن يؤذنوا حتى وصل إلى أبي محذورة، فأعجبه صوته وجعله مؤذناً وعلمه كيف يؤذن.
стр. 91
من أخبار عبد الله بن أم مكتوم
ومنهم عبد الله بن أم مكتوم الذي جاء ذكره في حديث (إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)، أي: عبد الله بن أم مكتوم ﵁، وكان رجلاً أعمى.
стр. 92
ذكر خطابته ﷺ
أما خطباؤه فقد كان أشهر من خطب له ﷺ في البلاغة والفصاحة ثابت بن قيس، وكان جوهري الصوت، ولما أتى وفد ينازع النبي ﵊ بالشعر والخطابة أمر النبي ﵊ ثابتاً أن يخطب، وأمر حسان أن يقول الشعر، فقال ثابت خطبته فعجب الناس من خطبته، وكان جوهري الصوت، فخاف من الآية التي نزلت وفيها: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢] أنها نزلت فيه، فطمأنه ﵊ وقال له: (إنك تعيش حميداً وتموت شهيداً)، فأدرك ثابت بن قيس ﵁ معركة اليمامة ومات فيها شهيداً ﵁ وأرضاه كما أخبر نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 93
ذكر شعرائه ﷺ
وأما حسان فقد كان أحد شعراء النبي ﵊ وهم كثر، فمنهم كعب بن مالك، ومنهم عبد الله بن رواحة، ومنهم حسان ﵁، وقد أدرك ستين عاماً في الجاهلية وستين عاماً في الإسلام، فهو أكبر من النبي ﷺ بسبع سنين؛ لأن النبي ﵊ دخل المدينة وقد تم له ثلاث وخمسون سنة صلوات الله وسلامه عليه.
والمقصود أن حسان كان أكبر من النبي ﷺ بسبع سنين، فلما دخل النبي ﵊ المدينة كان عمره ستين عاماً، فعاش مائة وعشرين عاماً، وكان له شعراً يقع موقع النبل على القرشيين، وقد قال له النبي ﷺ له: (اهجهم وروح القدس معك)، وفي أول الأمر استأذن النبي ﵊ في أن يهجو قريشاً، فقال: (كيف تهجوهم وأنا منهم)، أي: إنني قرشي.
فقال للنبي ﵊: يا رسول الله! لأستلنك منهم كما تستل الشعرة من العجين، ثم أخذ حسان يهجو المشركين بعد أن جلس إلى أبي بكر؛ لأنه يعلم بالأنساب، فكان أبو بكر يعلمه نسب النبي ﷺ في قريش، فيتوخى حسان نسب النبي ﵊ ويضع شعره على ما لا يصيب النبي ﵊، فكان مما قاله في شعره: وعبد الدار سادتها الإماء والنبي ﵊ من بني عبد مناف وليس من بني عبد الدار.
ومن شعره في الجاهلية: لله در عصابة نادمتهم يوماً بجلق في الزمان الأول أولاد جفنة حول قبر أبيهم قبر ابن مارية الكريم المفضل يغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل بيض الوجوه كريمة أحسابهم شم الأنوف من الطراز الأول فهذا من شعره في الجاهلية، فلما جاء الإسلام قال قصيدته النبوية المشهورة التي تمثل بها بعض الصحابة، وقيل: تمثل بها النبي ﵊ في عام الفتح: أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء إلى آخر القصيدة، فلما مات النبي ﵊ رثاه حسان بقوله: بطيبة رسم للرسول ومعهد منير وقد تعفو الرسوم وتهمد بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستضاء ويوقد معارف لم تطمس على العهد آيها أتاها البلى فالآي منها تجدد عرفت بها رسم الرسول وصحبه وقبراً به واراه في الترب ملحد فما فقد الماضون مثل محمد ولا مثله حتى القيامة يفقد صلى الإله ومن يحف بعرشه والطيبون على المبارك أحمد صلوات الله وسلامه عليه.
فهذا -معشر المؤمنين- بعض خواص حياة نبينا ﷺ ، وقد ذكرنا خدمه ومواليه صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 94
عظم حب الصحابة للنبي ﷺ وتصديقهم له
ولقد حرص سلف الأمة ﵃ ورحمهم الله على كل ما يتعلق بنبينا ﷺ ، حتى إنهم دونوا ما كان يركبه ﷺ وما كان يملكه من الدواب، وهذا أمر محمود لهم، وقد كان السلف كذلك من عنايتهم بكل ما يتعلق به صلوات الله وسلامه عليه، وهذا يؤكد ما قلناه من أن من أحب شيئاً أحب ما يتعلق به.
أما ما ذكره المصنف فإنه بالنسبة لطالب العلم لا يلزم حفظه كله، والمقصود عندما تتذكر الأحاديث أن تربط الأحاديث الفقهية أو غير الفقهية بما قرأت في السيرة.
مثال ذلك: حديث خزيمة بن ثابت أن النبي ﷺ اشترى فرساً من رجل من بني مرة ولم يكن هناك شاهد، فكأنهما اختلفا في أمر، فطلب الأعرابي شاهداً يشهد أن النبي ﷺ اشترى منه هذا الفرس؛ لأن النبي ﵊ اتفق معه على سعر، ثم إن الأعرابي كأنه طمع، فقال: ما بعتك، فقال النبي ﵊: إنك بعتني إياه، وقد انتهينا من الأمر، فلم يجد شاهداً، فجاء خزيمة بن ثابت رضي الله تعالى عنه وأرضاه وقال: أنا أشهد أن النبي ﷺ اشتراه منك بكذا وكذا.
فلما شهد قال له ﵊: كيف تشهد -وهو يعلم أنه لم يحضر-؟! فقال: يا رسول الله! إنني أصدقك بخبر السماء -أو كلمة نحوها- أفلا أصدقك في أنك اشتريت فرساً من أعرابي بكذا وكذا.
فجعل النبي ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين.
فالإنسان أحياناً يرزقه الله موهبة في انتهاز الفرص الحسنة، ومن أمثلة هذا من السيرة ما فعله أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، فالنبي ﵊ لما دخل المدينة كان فيها حيان عظيمان: الأوس والخزرج، فكان راكباً على الناقة، فيقول له الخزرج: هلم إلى هاهنا يا رسول الله، فيقول: (خلو سبيلها فإنها مأمورة)، ويقول الأوس نفس الكلام، فيقول: (خلو سبيلها فإنها مأمورة)، وكان بين الأوس والخزرج من النزاعات ما الله به عليم، فلم يكن يحب ﵊ أن ينزاح ويميل إلى أحدهما من أول الأمر، فلما بركت الناقة تركها النبي ﷺ ، ولم ينزل، ثم قامت وجالت جولة ثم رجعت وبركت في موطنها الأول، ولم ينزل ﵊؛ إذ لو نزل عند الأوس لقال الخزرج: مالأ علينا من أول يوم، ولو نزل عند الخزرج لقالت الأوس مثل ذلك، فبقي على الناقة.
فجاء أبو أيوب الأنصاري، فعمد إلى متاع النبي ﵊ وأدخله بيته، فلما أدخله بيته حسم الأمر، فلما جاء الناس المجاورون للأرض التي أصبحت بعد ذلك مسجداً يقولون: يا رسول الله! هاهنا هاهنا.
قال ﵊: (المرء مع رحله)، فظفر أبو أيوب ﵁ وأرضاه بسكنى النبي ﵊ عنده من دون غيره من الأنصار بتفكيره وانتهازه للفرصة الحسنة.
وكذلك خزيمة بن ثابت، فإن كل الصحابة يصدقون النبي ﵊ بخبر السماء، ولكن خزيمة انتهز الفرصة أكثر من غيره، وقال: أنا أشهد، ومعلوم أنه حين يقول بهذا الأمر فإن النبي ﵊ لن يرد شهادته، فظفر بأن تجعل شهادته بشهادة رجلين ﵁ وأرضاه، وهذه من المناقب المحمودة في الرجال.
إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة سكونا وإن درت نياقك فاحتلبها فلا تدري الفصيل لمن يكون وهذه أسباب يضعها الله ﵎ في الناس، فهذا يصيب بها وهذا يخطئ، وإذا أراد الله شيئاً هيأ أسبابه.
стр. 95
ذكر خبر ناقة القصواء
ونقف عند العضباء، وهي القصواء نفسها، وهي الناقة -إذا صح التعبير- الرئيسة التي كانت تحمل النبي ﵊، وهي التي حملته في الهجرة، وحملته في يوم عرفة، وحملته في الحج، وهذه الناقة كانت لا تكاد تسبق، فجاء أعرابي بقعود فسابق هذه الناقة وسبقها، فلما سبقها شق ذلك على الصحابة؛ لأن من أحب شيئاً أحب ما يتعلق به، فالصحابة لا يعنيهم أن قعوداً يسبق ناقة، ولكن شق عليهم وتغير حالهم لأن هذه الناقة ناقة رسول الله ﷺ ، فهنا جاء التأديب النبوي للأمة، وهذا من أعظم وسائل تربية الناس على التوحيد، أي: أن يربوا عملياً، فإن متون التوحيد مما دونه العلماء على جلالة قدرها أمر عظيم لا خلاف فيه، ولكنه لا يدرس التوحيد بشيء أحسن من بيان كيفية تعليم النبي ﷺ الأمة التوحيد، فلما سبقت الناقة وتغيرت وجوه الصحابة قال ﷺ للصحابة: (حق على الله أنه ما ارتفع شيء في الدنيا إلا وضعه).
فهذا هو التوحيد، فالشمس والقمر فتنة للناس، ولذلك كتب الله على الشمس والقمر الكسوف والخسوف حتى يعلم أنهما مهما بلغتا قابلان للنقصان، ووجهه ﷺ لم يكن هناك وجه أشد نوراً منه، ومع ذلك يشج وتكسر الرباعية وينزل الدم؛ لأنه مهما بلغ فهو وجه مخلوق، فكل من حولك من العظماء يريك الله جل وعلا فيهم آية تدل على أنهم بشر تجري عليهم أحكام البشر.
وانظر إلى جمع من الممثلين والممثلات ممن يوسمون بالجمال، فغالبهم يموت بمرض يشوه جماله، كان فتنة في زمانه لكثير من الصبايا والنساء، فلما قربت وفاته أتته أمراض حتى تغير وجهه، حتى إن أهله كانوا يخفون وجهه عن الناس، حتى مات ووري بجنازة مستورة حتى لا يرى الناس وجهه، بعد أن كان فتنة في السابق، فسنة الله في خلقه أن كل شيء مهما عظم يعتريه النقص، قال الله جل وعلا: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]، وقال سبحانه: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
فكل عظيم مهما ارتقى سينزل، ونبينا ﷺ لما ساد الجزيرة ودخل مكة فاتحاً، وخطب الناس في خطبة الوداع وبلغ الأمر منتهاه مرض وأصابته الحمى وأصبح -وهو سيد الخلق الذي جاهد في أرجاء الجزيرة كلها- يعجز عن أن يصل إلى المسجد، وكان عليه الصلاة -وهو والسلام أفصح من نطق الضاد وأفصح الفصحاء وسيد البلغاء- يعجز عن أن يتكلم ويدعو لـ أسامة بصوت مرتفع، بل وصل إلى أنه يرى السواك ولا يستطيع أن يقول: أعطوني السواك، فسبحان ربنا الذي لا شيء مثله، ولا نظير له ولا ند، وهو الذي يرينا عظمته وجلاله وكماله وقدرته، وأنه ﵎ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، يرينا هذه الآية في كل غدوة ورواح، لكن المتعظين بتلك الآيات قليل، جعلني الله وإياكم من أولئك القليل.
стр. 96
بشرية الرسول ﷺ
ومما يتعلق بذكر أفراسه ودوابه ﵊ أنه كان ﵊ بشر من الناس، يعيش كما يعيش الناس، فيركب كما يركبون، ويمشي كما يمشون، ويفرح كما يفرحون، فلما سبق فرسه فرح، ولما رأى فرساً أعجبه اشتراه، وقلما نقل عنه البيع في حياته ﷺ ، أما الشراء فهو كثير، فكان يشتري ما كان يعجبه، وكان يأخذ ويعطي ويفاوض ويبيع ويساوم، سمحاً إذا باع سمحاً إذا اشترى.
فهذا كله يدل على أنه بشر، وقد كان القرشيون يتعجبون في أول الأمر كيف يكون هذا نبياً ويقولون: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:٧]، فأخبره الله جل وعلا في آيات عديدة أن الدنيا ليست مكافأة لأحد، ولو كانت مكافأة في ذاتها لمنعها الله جل وعلا أهل الكفر، فعاش نبيه ﷺ بشراً كما يعيش الناس، ونعم بعض أهل الكفر، وبعضهم لم ينعم، تجري على الجميع أحكام الله جل وعلا القدرية، ولا علاقة لها بالإيمان ولا بغيره، لكن الآخرة هي دار الجزاء، فالله يقول في الزخرف: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥]، فجعل الله جل وعلا الآخرة هي دار التقوى.
стр. 97
لا عيش إلا عيش الآخرة
ولما كان يحمل اللبن ويحمل أصحابه اللبن كان عمار يحمل لبنتين لبنتين، فأعجب النبي ﷺ أنه يحمل لبنتين فقال: (ويح ابن سمية؛ تقتله الفئة الباغية) ثم قال: (اهتدوا بهدي عمار)، ولما أراد أن يبث فيهم روح العمل قال لهم ﵊ يدعو: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة).
فالمؤمن وطالب العلم في المقام الأول لا يجعل من العلم حظاً للكسب الدنيوي، وإنما يجعل العلم الذي علم به سنة النبي ﷺ وهديه وفقهه وما إلى ذلك يجعله طريقاً إلى الآخرة، وكلما كان للإنسان حظ من الدنيا بعلمه قل حظه في الآخرة وقل قبول علمه عند الناس في الغالب.
فالعلامة الألباني رحمه الله تعالى وغفر له لما بشر بأنه فاز بجائزة الملك فيصل العالمية حاول الصحفيون أن يجعلوا من فوزه مادة ثرية في الصحافة، فاتصل به أحد الصحفيين ليهنئه ويسأله عن مشاعره، فقال الشيخ ﵀: ﴿وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٥]، ثم أقفل الهاتف وأنهى المكالمة فالعالم الرباني بحق هو من ينشد ما عند الله وأجر الآخرة، وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه العلماء وطلبة العلم في المقام الأول.
فبادره وخذ بالجد فيه فإن آتاكه الله انتفعتا فإن أوتيت فيه طويل باع وقال الناس إنك قد رؤستا فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخ علمت فهل عملتا وإنما العلم العمل، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، فهذا هو أهم ما يمكن أن يكتسبه الإنسان في هذه المقطوعة من السيرة.
стр. 98
ذكر سلاحه ﷺ
قال المصنف ﵀: [وكانت له ثلاثة رماح أصابها من سلاح بني قينقاع، وثلاثة قسي: قوس اسمها الروحاء، وقوس شوحط، وقوس: صفراء وكان له ترس فيه تمثال رأس كبش، فكره مكانه، فأصبح وقد أذهبه الله ، وكان سيفه ذو الفقار، تنفله يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد، وكان لـ منبه بن الحجاج السهمي، وأصاب من سلاح بني قينقاع ثلاثة أسياف: سيف قلعي، وسيف يدعى بتاراً، وسيف يدعى الحتف، وكان عنده بعد ذلك المخذم ورسوب، أصابها من الفلس، وهو صنم لطيء.
قال أنس بن مالك: كان نعل سيف رسول الله ﷺ فضة، وقبيعته فضة، وما بين ذلك حلق فضة، وأصاب من سلاح بني قينقاع درعين: درع يقال لها: السعدية، ودرع يقال لها: فضة، وروي عن محمد بن سلمة قال: رأيت على رسول الله ﷺ درعين: درعه ذات الفضول، ودرعه فضة، ورأيت عليه يوم خيبر درعين: ذات الفضول والسعدية].
هذا ما ذكره المصنف، فالنبي ﷺ كان إمام المجاهدين، ولا يمكن إن يكون إمام المجاهدين حتى يكون لديه سلاح، وهذه الأسلحة التي ذكرت ونقلت عنه ﷺ نقلت بأسانيد تختلف، فمنها ما هو صحيح، ما هو دون ذلك، ولكنها جملة قبلت عند العلماء وتناقلوها.
стр. 99
ذكر خبر سيفه ذي الفقار
وسيفه ذو الفقار هو السيف الذي كان لا يكاد يفارقه ﷺ ، بمعنى أنه كان يحمله كثيراً، ولذلك قال المصنف: وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد، أي: أن النبي ﷺ رأى قبل معركة أحد في هذا السيف ثلمة، أي: شبه كسر، وسيف الإنسان هو الذي يدفع به عن نفسه، فأول في المنام بأنه أحد عصبته، وكان مقتل حمزة بن عبد المطلب ﵁ وأرضاه وموته شهيداً، ورأى بقراً تنحر، وهذا موت بعض أصحابه.
فعلى هذا قلنا: إن سيفه ذا الفقار هو السيف الذي لا يكاد يفارقه.
ولم يذكر المصنف أنه كان له ﷺ سيف يقال له: مأثور، ورثه عن أبيه، بمعني أن النبي ﷺ ورث هذا عن أبيه عبد الله، فمأثور في الأصل كان لـ عبد الله والد النبي ﷺ .
стр. 100
إنفاق رسول الله ما كان يملكه قبل موته
وقد مر معنا هنا ذكر السلاح، ومر معنا قبله ذكر الدواب، ومر معنا قبل الدواب ذكر الإماء والموالى والعبيد، فأين ذهب الإماء والعبيد والسلاح والدواب؟! قال الحافظ ابن كثير ﵀: إن النبي ﷺ قد صح عنه أنه مات ولم يترك ديناراً ولا درهماً، وأن درعه كانت مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير، وأن جميع ما ذكر من قبل من العبيد والإماء والدواب والسلاح قد أنجز التصدق به ﷺ قبل موته؛ لعموم قوله ﷺ : (إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقه).
стр. 101
ذكر أوصاف رسول الله الخلقية
وقد جعل المؤلف هذا القسم من الكتاب عن صفته صلوات الله وسلامه عليه الخلقية، ثم ذكر معجزاته وما خصه الله به من كرائم الأخلاق، ومنها ما هو مشتهر، فقد يكون التعريج عليه ليس به شأن بالنسبة لتكراره، وأما بالنسبة لصلته بالدين فكل ما يتعلق بنبينا ﷺ هو أمر ذو بال وشأن.
وقد شرع المؤلف في ذكر من وصفه ﷺ ، والمنهج هنا أننا سنقرأ إجمالاً صفته ﷺ كما ذكرها بعض من رآها، ثم بعد ذلك نشرح شرحاً علمياً الصفة الخلقية لرسولنا ﷺ ؛ لأن ذلك الوصف المنقول عن أولئك الأخيار فيه من غرائب الألفاظ ما ليس بدارج عند الناس، فربما يغفل الكثير عن معناه.
قال المؤلف ﵀: [وروي عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو بكر الصديق ﵁ إذا رأى النبي ﷺ مقبلاً يقول: أمين مصطفى بالخير يدعو كضوء البدر زايله الظلام.
وروي عن أبي هريرة ﵁ قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ ينشد قول زهير بن أبي سلمى في هرم بن سنان حيث يقول: لو كنت من شيء سوى بشر كنت المضيء ليلة البدر ثم يقول عمر وجلساؤه: كذلك كان رسول الله ﷺ ، ولم يكن كذلك غيره.
وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ أبيض اللون مشرباً حمرة أدعج العينين، سبط الشعر، كث اللحية، ذا وفرة، دقيق المسربة، كأن عنقه إبريق فضة، من لبته إلى سرته شعر يجري كالقضيب، ليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، ششن الكفين والقدمين، إذا مضى كأنما ينحط من صبب، وإذا مشى كأنما ينقلع من صخر، إذا التفت التفت جميعاً، كأن عرقه اللؤلؤ، ولريح عرقه أطيب من ريح المسك الأذفر، ليس بالطويل ولا بالقصير ولا الفاجر ولا اللئيم، لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ -وفي لفظ: بين كتفيه خاتم النبوة وهو خاتم النبيين- أجود الناس كفاً وأوسع الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة وأوفى الناس ذمة وألينهم عريكة وأكرمهم عشيرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ .
وقال البراء بن عازب: (كان رسول الله ﷺ مربوعاً بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء لم أر شيئاً قط أحسن منه ﷺ .
وقالت أم معبد الخزاعية في صفته ﷺ : (رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزر به صعلة، وسيماً قسيماً في عينيه دعج وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثافة، أزج أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم تحدرت، لا بائن من طول ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، وهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً، له رفقاء يحفون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا لأمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند).
وعن أنس بن مالك الأنصاري ﵁ أنه وصف رسول الله ﷺ فقال: (كان ربعة من القوم ليس بالطويل البائن ولا بالقصير المتردد، أزهر اللون ليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم، ليس بجعد ولا قطط ولا سبط، رجل الشعر).
وقال هند بن أبي هالة ﵁: (كان رسول الله ﷺ فخماً مفخماً يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع وأقصر من المشذب، عظيم الهامة رجل الشعر، إن انفرقت عقيقته فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره، أزهر اللون واسع الجبين، أزج الحواجب سوابغ في غير قران، بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم، كث اللحية أدعج العينين سهل الخدين ضليع الفم، أشنب مفلج الأسنان دقيق المسربة، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلقة بادناً متماسكاً سواء البطن والصدر، مسيح الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس أنور المتجرد، موصول ما بين اللبدة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين، عريض الصدر طويل الزندين، رحب الراحة شذر الكفين والقدمين، سائر الأطراف، خمصان الأخمصين، مسيح القدمين، ينبؤ عنهما الماء، إذا زال زال قلعاً ويخطو تكفؤاً ويمشي هوناً، ذريع المشية، إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعاً، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه ويبدأ من لقيه بالسلام صلوات الله وسلامه عليه).
стр. 102
بيان أشهر من وصف الرسول من الصحابة
نقول من باب الدرس العلمي: إن أشهر من وصف النبي ﷺ اثنان: علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه وهند بن أبي هالة.
أما علي فمعروف، فهو ابن عم رسول ﷺ ، وكان ﵊ قد رباه عندما أخذه من أبيه أبي طالب، فهو دائم الحال مع النبي ﵊، فكان يسيراً عليه أن يصفه، على أنه ينبغي أن يعرف أن الوصف لا يوفق له كل أحد، فإن الوصف يحتاج إلى نوع من البلاغة وإلى دقة الملاحظة وإلى حسن الإلقاء وإلى أمور عدة عندما يصف إنسان إنساناً رآه.
كما أن من وصف النبي ﷺ من الرجال هند بن أبي هالة، والأصل أن العرب تسمي بـ (هند) للمرأة، ولكن وقع عند العرب من سمي بهند رغم أنه رجل، وقد مر أن خديجة بنت خويلد زوج النبي ﷺ كانت قبله قد تزوجت رجلين: أحدهما أبو هالة، فأنجب من خديجة هنداً الذي أصبح أخاً غير شقيق لبنات وأبناء النبي ﷺ ؛ لأنه ﵁ من خديجة أم المؤمنين، ومن خديجة أيضاً أبناء النبي ﷺ وبناته سوى إبراهيم، كما مر معنا.
فـ هند أخ لـ رقية وأخ لـ أم كلثوم وأخ لـ فاطمة وأخ لـ زينب وأخ للقاسم وأخ لـ عبد الله، وقلنا: إن النسب النبوي انحصر في نسل فاطمة ﵂ وأرضاها، ومن نسل فاطمة الحسن والحسين أبناء علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فأصبح هند من حيث النسب خالاً للحسن والحسين، والحسن ﵁ وأرضاه أدرك النبي ﷺ ، ولكنه أدركه وهو صغير، وقد قلت: إن الإنسان قد يراه فلا يحسن الوصف، فـ الحسن ﵁ سأل خاله هنداً أن يصف له النبي ﷺ ، فما مر معنا من ذكر المصنف لوصف هند بن أبي هالة للنبي ﵊ إنما جاء جواباً للحسن بن علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وكما وصفه من الرجال هند وعلي وصفته أم معبد، وأم معبد امرأة من خزاعة كان لها خيمتان في الطريق بين مكة والمدينة، فلما مر ﵊ في هجرته عليها سألها السويق والتمر والماء، فلم يجد عندها شيئاً يشتريه، كما في القصة المعروفة، فأشارت إلى شاة في كسر البيت، فمسح عليها ﷺ وسمى الله جل وعلا، فدرت الشاه كما هو معروف.
وفي ذلك قيل: جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمي أم معبد هما نزلا بالبر وارتحلا به وأفلح من أمسى رفيق محمد فرأته أم معبد مرة واحدة عندما كان مع صاحبيه أبي بكر وعامر بن فهيرة والدليل الكافر عبد الله بن أريقط، ولكن فحوى القصة يدل على أن الدليل لم يكن معهم وقت شرب اللبن.
والذي يعنينا أن أم معبد رأته، ثم وصفته ﷺ ، فالذي بين يدي العلماء من نعت هيئته ﷺ مرده في الأكثر إلى هؤلاء الثلاثة.
كما وصفه أنس بن مالك وعبد الله بن بسر والبراء بن عازب، وبعض الصحابة في الصحيحين وغيرهما، ولكن ذلك لا يصل مجموعاً إلى هذه الأوصاف المطولة في وصفه صلوات الله وسلامه عليه ونحن نعلم أن الله جل وعلا زكى في القرآن نبينا جملة فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، وزكى لسانه فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣]، وزكى بصره فقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧]، وزكى الله قلبه فقال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١].
стр. 103
وصف شعره ﷺ
ثم إن الناس بطبيعة الحال إذا أحبوا أحداً لم يروه تتشوف قلوبهم ونفوسهم إلى معرفة صفاته، خاصة من لم يرزق رؤيته مناماً، وهذا حال أكثر الناس.
فنقول: إن وصفه ﷺ علمياً على النحو الآتي: كان ﵊ يجعل شعره أول الأمر على الناصية، وهذا ما يسمى عند العلماء بالسدل، وكان يفعل هذا لأن اليهود كانت تفعله، وكان مخيراً بين أمرين، إما أن يفعل مثل عباد الأوثان سكان الجزيرة، وإما مثل فعل أهل الكتاب، فكان أحب إليه أن يشابه أهل الكتاب من أن يشابه عباد الأوثان؛ لأن أهل الكتاب -وإن كانوا على خطأ في الجملة- لهم كتاب يرجعون إليه، فكان يضع شعر رأسه مسدلاً على ناصيته، ثم جاءه جبريل بالتفريق، ففرق ﷺ ، فأخذ يضع شعره ذات اليمين وذات الشمال صلوات الله وسلامه عليه.
وهذا الشعر وصف بأنه رجل وبأنه سبط، والشعر إما أن يكون مسترسلاً ناعم جداً، وإما أن يكون غير ذلك، وهو ﷺ كان شعره وسطاً بين هذين، فلم يكن ناعماً جداً ولم يكن شعراً جعداً صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 104
وصف جبينه وحاجبيه ﷺ
وكان ﷺ واسع الجبين، وكان أزج الحواجب أقرن، وفي رواية أم معبد قالت: أزج أقرن، وفي رواية هند بن أبي هالة: أزج من غير قرن.
وورد كذلك في وصف أكثر من وصفوه أنهم قالوا: إنه أزج من غير قرن، ولا ريب في أن أخذ عدد من الروايات خير من الأخذ برواية واحدة، وهذا هو الأمر الوحيد الذي اختلفت فيه الروايات.
والأزج: الدقيق شعر الحواجب مع طولهما، وجاء في بعض الألفاظ أنها سوابغ، أي: كاملة على العين كلها.
أما قول أم معبد ﵂ بأنه أزج أقرن فمعناه أن الحاجبين اتصلا في الوسط.
ولكن قلنا: إن وصف هند بن أبي هالة فيه أنه أزج في غير قرن، وإذا كان كذلك سمي أبلج، وهذا هو الصحيح في وصفه ﷺ .
وكان بين الحاجبين عرق، فهذا العرق جاء في الرواية أنه يدره الغضب، أي: إذا غضب ﷺ ينتفخ، كما أن الضرع ينتفخ إذا ملئ حليباً، فكان هذا العرق ﷺ منه يراه أصحابه ظاهراً يمتلئ دماً إذا غضب صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 105
وصف أشفار عينيه ﷺ
وفي وصفه أنه كان عطف الأشفار، وفي رواية: غطف الأشفار، قيلت بالغين وقيلت بالعين، فإذا قلنا: (العطف) فمعناه أنها منحنية، وإذا قلنا بالغين فالمعنى أنها طويلة، والروايتان كلتاهما محتملة؛ لأن الشيء لا ينحني إلا إذا كان طويلاً، فتخرج رواية الغطف على الطول وتخرج رواية العطف على الانثناء في الطول.
والمقصود منهما طول أهداب عينيه صلوات الله وسلامه عليه، كما كان شديد سواد العينين.
стр. 106
وصف فمه ﷺ
أما فمه ﵊ فقد كان كبيراً، وجاء في الروايات أنه كان ضليع الفم، وهو أمر تحمده العرب للرجل؛ لأنه يدل عندهم على البلاغة والفصاحة، وكانوا لا يرون صغر الفم أمراً محموداً لمن أراد البلاغة والفصاحة، كما كان ﷺ .
وجاء في وصفه أنه أشنب، والأشنب ليس له علاقة بالشنب، وإنما الأشنب هو الذي أسنانه دقيقة منتظمة، وقد سئل رؤبة بن العجاج أحد شعراء العرب عن معنى كلمة (أشنب)؛ لأن كلمة (أشنب) ترد في الشعر العربي في الغزل كثيراً، فأخرج رمانة -والرمان حبه مصفوف- فقال: هذا هو الأشنب.
والمقصود من هذا أنه كان ﷺ حسن الفم دقيق الأسنان منتظمة أسنانه انتظاماً عظيماً؛ لأن ذلك هو خلقة الله لخير الثقلين صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 107
وصف لونه ﷺ
وكان ﷺ أزهر وكان أبيض غير أمهق، وكان مشرباً بحمرة، وبيان ذلك أن الإنسان يظهر بعض بدنه للشمس والرياح، وبعض بدنه يكون مستوراً بالثوب، فبعض بدنه -كوجهه وكفيه- يتعرض للشمس والرياح، وبعض جسده مستور، والأمهق هو الأبيض الذي بياضه غير محمود، وهو بياض أقرب إلى المرض المعروف.
فلم يكن ﷺ بياضه بياض الأمهق.
وأما المشرب بحمرة فهو البياض فيما هو ظاهر للناس، أي أن وجهه ويديه بيضاوان مشربان بحمرة، وأما أنه أزهر فمعناه أنه أبيض ذو نور، وهو ما كان داخل البدن، أي: أبيض ذو نور البدن غير الظاهر للناس، وهي الذي لا يظهر إلا في بعض الأحيان، كما جاء في الحديث أنه لما كان في غزوة تبوك خرج يصلي بالناس، يقول الراوي: فكأني أنظر إلى وبيص ساقيه ﷺ .
أي: نور ساقيه صلوات الله وسلامه عليه، فهذا ما يتعلق بلونه ﵊.
стр. 108
وصف لحيته ﷺ
وكان ﷺ كث اللحية، وكان الشيب فيه قليلاً جداً، وأكثر شيبه كان في العنفقة التي تحت الشفة السفلى.
واللحية لتطلق على الشعر الذي على اللحيين، فكان الشيب فيه ﷺ أكثره أسفل الشفة السفلى، وكان فيه كثير منه أعلى العارضين وكان عنقه كأنه إبريق فضة، أي: أبيض، فصلوات الله وسلامه عليه.
стр. 109
وصف شعره في صدره ﷺ
وكان ما بين لبته وسرته خيط من شعر ممتد على هيئة خيط دقيق، وهو ما عبر عنه العلماء والأئمة الذين وصفوه بقولهم: دقيق المسربة، فالمسربة الخيط من الشعر الممتد من الثغرة التي تسمى اللبة والوهدة إلى السرة، ولم يكن في صدره ولا بطنه صلوات الله وسلامه عليه شعر آخر غير هذا الخيط الدقيق من الوهدة أو اللبة إلى السرة.
стр. 110
وصف سعة صدره ﷺ
وكان عريض ما بين المنكبين، أي أنه ﵊ واسع الصدر، والإنسان إذا كان واسع الصدر فغالباً لا يكون له بطن، وإذا ضاق الصدر ظهر البطن، ولذلك جاء في وصفه أنه ﷺ سواء الصدر والبطن، أي: ليس الصدر بظاهر ولا البطن بظاهر، وإنما كان سواء الصدر والبطن.
следующие страницы →