← Джавами‘

Джавами‘ · id 37742

القطوف الدانية

صالح المغامسي

Полный текст (327 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

سلسلة القطوف الدانية - الجنة الجنة هي دار الكرامة وثواب المؤمنين، وقد كثرت النصوص من القرآن والسنة في الترغيب بالجنة والدعوة إليها والحث على الإيمان والعمل الصالح للوصول إليها، حتى صارت غاية عظمى يبتغيها المؤمنون.

стр. 2

معنى الجنة وفضلها

стр. 3

ثقافات غير المسلمين عن الجنة المقدم: نريد أن نخرج من الكلام عن الثقافة الإسلامية إلى ثقافة غير المسلمين واعتقادهم في خروج آدم من الجنة، ونجعل اليهود والنصارى نموذجاً. الشيخ: اليهود والنصارى يؤمنون بالجنة والنار، وقد نص القرآن على هذا: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة:١١١]، واليهود يزعمون أنهم يدخلون الجنة إلا أنهم يعذبون في النار أربعين يوماً بحجة أنهم عبدوا العجل في تلك الفترة، قال الله جل وعلا عنهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٨٠]، وهم يقولون: إن هذه الأيام المعدودة أربعون وهي مدة عبادتهم للعجل، أما غير ذلك فهم في الجنة. أما قضية آدم في الثقافات الأخرى فالناس تؤمن بالأحداث التاريخية المتفق على أصلها كخروج آدم من الجنة، ولا أحد يعارض فيها من أهل الملل إلا الذين لا يؤمنون بالجنة أصلاً من الملاحدة، وهؤلاء قليل في التاريخ البشري. نعود إلى هذه الثقافات: مثلاً: هناك قصيدة لشاعر إنجليزي، وهذه القصيدة اسمها: الفردوس المفقود، يقصد: الجنة، ومعنى (مفقود) أنه فقد، فقد، وذلك أن النصارى يرون أن الله جل وعلا حكم عدل -وهذا حق- قالوا: ومن عدله جل وعلا أنه لن يترك الناس من دون عقوبة بسبب أن آدم أخطأ قالوا: فبعث ابنه عيسى حتى يحرر الناس من خطيئتهم، فمن آمن بعيسى على أنه ابن لله شمله عفو الله عن تلك الخطيئة، ومن لم يؤمن بعيسى على أنه ابن لله لا يشمله ذلك العفو. هذا دين النصارى في الأصل وهو محض كذب، قال الله جل وعلا: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم:٨٩ - ٩٠]. يصور الشاعر في الفردوس المفقود أن هناك صراعاً بين الشيطان وعصبته من الجن وما بين الملائكة على الجنة، وأنه تدخل عيسى في القضية. والشعر الملحمي في العرف الأدبي وجميع الثقافات يعتمد على تخيل صراعات تقوم بين الملائكة وبين الشيطان، ويصور الشيطان في قوة شديدة حتى يجعل للحرب نوعاً من التوازن. هذه الثقافات في قضية الجنة والخروج منها تتسع للمسلمين وغير المسلمين، مثلاً: الفرزدق الشاعر الأموي المعروف، تزوج من امرأة ثم طلقها فندم على طلاقه إياها فقال: ندمت ندامة الكسعى لما غدت مني مطلقة نوار وكانت جنتي فخرجت منها كآدم حين أخرجه الضرار فهو يقول: إن فراقه لهذه الزوجة كفراق آدم للجنة باعتبار أن هذه جنته، طبعاً هذه المقاربة التي قالها الفرزدق يعني لا يصلح شرعاً. والآن يعرض فيلم في صالات السينما العالمية اسمه: جنة لان، حسب المنظور المسيحي لكنه من وجهه محدودة والذي أعلمه أن الكنيسة رافضة للفكرة أصلاً، وترى أنه صورها بصورة غير صحيحة. هناك رواية إلى الآن لم أقف على قراءتها لكنني وقفت على عنوانها لأحد المعاصرين السعوديين اسمها: رائحة الجنة، طبعاً نحن نرى أن الرواية في مجملها في فكرتها وفي ثنايها وقبل أن نذكر هذا قد يقول قائل: كيف حكمت عليها وأنت لم تقرأها؟ فأقول: لكني علمت الفكرة العامة لها وسمعت بعض مفردات من أبوابها. إذا وجد من أخطأ في فهم السبيل إلى الجنة، فالذين هم قادرون على دحر ذلك الفهم الخاطئ هم العلماء الربانيون العالمون بالجنة، لكن إذا تدخلت ثقافات أخرى تجعل من الأخطاء التي تقع حولنا عقائد يكثر انحرافها وبعدها عن الصواب، ولا ينبغي أن تتخذ الجنة والغيبيات التي عظمها الشرع وشرائع الله عناوين لروايات أو لقصائد شعرية أو يراد بها مجاملة أحد أو رد على طائفة أو الانتقام من فئة، فإن دين الله أعظم من هذا. وشوقي يقول: وطني لو شغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي نحن قلنا مراراً من هذا المنبر وغيره: إن حب الوطن لا يتنافى مع الإيمان، بل إن الله قدم الوطن على الأهل والأبناء، لكن قول شوقي هذا باطل، ولذلك فالاستشهاد به من مدرسي الأدب أو الثقافة أو حتى الذين يكتبون عن الأوطان خطأ جداً، فالجنة لا يمكن أن تقارن بأي وطن، ومن يدخل الجنة لا يحن إلى شيء من الدنيا، هذه بعض المقاربات الثقافية في الجنة.

стр. 4

ماهية الجنة المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. مشاهدي الأعزاء: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً ومرحباً بكم. حديثنا في هذه الليلة سيكون عن أمر عظيم من أجله أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وبعث الأنبياء، ووعظ الواعظون، ونصح الناصحون. حديثنا عن أمر نفيس لا يحيد عنه إلا كل تعيس، عن نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد ونهر مطرد، وفاكهة نضيدة، وزوجة حسناء جملية، وحلل كثيرة في مقام عنه في خضرة ونعمة في دور عالية بهية تتراءى لأهلها كما يتراءى الكوكب الدري الغائر في الأفق. قصورها عالية وأنهارها جارية وقطوفها دانية، أودعها الخالق ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وجلاها لعباده الصالحين حتى عاينوها بعين البصيرة التي هي أنفذ من عين البصر، وبشرهم بما أعد لهم فيها على لسان رسوله ﷺ فهي خير البُشر على لسان خير البشر، شمر لها المشمرون، وتنافس لأجلها المتنافسون، وتسابق إليها المتسابقون. الجنة هي موضوع حلقتنا هذه من برنامجكم (القطوف الدانية). أسعد كثيراً باستضافة ضيفنا الدائم في هذه الحلقة فضيلة الشيخ: صالح بن عواد المغامسي عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين بالمدينة النبوية، نرحب بكم شيخ صالح وحياكم الله. وكما تعلمون حفظكم الله أن هذا الموضوع طويل وقد لا يحصره وقت حلقتنا، ونريد أن نركز حديثنا عن الأشياء التي يستفيد الناس كثيراً من طرحها، لكن قبل أن أدخل في هذه المحاور أترك لكم المجال لافتتاح الحلقة ولإعطاء تصور واف وشاف بإذن الله عن الجنة. الشيخ: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه. أما بعد: الجنة والنار في مذهب أهل السنة مخلوقتان الآن، لا تفنيان أبداً، هذا ظاهر كلام ربنا وسنة نبينا ﷺ ، وهو الحق الذي ندين به. والجنة: دار أعدها الله جل وعلا ثواباً لأهل طاعته وكرامة لأوليائه وخاصته، من يدخلها ينعم فلا يبأس، ويخلد فلا يموت، أهلها لا يفنى شبابهم، ولا تبلى ثيابهم، جعلها الله جل وعلا مستقراً لرحمته كما جعل النار مستقراً لغضبه، جعل لها ﵎ ثمانية أبواب ورد بذلك أحاديث صحاح، كما جعل للنار سبعة أبواب ونص على هذا القرآن: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر:٤٤]. والجنة دار هي بغية كل مؤمن، من أجلها ترك الصالحون مضاجعهم وصاموا هواجرهم، ومن أجلها يغدو المؤمن إلى الجمع والجماعات، من أجلها تطيع المرأة ربها، وتحصن فرجها، وتبر زوجها، من أجلها يبر الرجل والديه، ويقوم بالسعي مع جيرانه وأهله في الخير، كل ذلك لا يبتغى بعده إلا أن يدخلهم الله جل وعلا الجنة، والرب ﵎ لا تصفو الدنيا إلا بذكره، ولا تطيب الآخرة إلا بعفوه، ولا تطيب الجنة إلا برؤيته. هي الدار التي جعلها الله جل وعلا وعداً على ألسنة رسله، قال ﵎ على لسان عباده المؤمنين: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران:١٩٤]، وقال جل وعلا: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ [الفرقان:١٦]. وهي أعظم دار، وأجل مبتغى، لم يجعل الله جل وعلا فيها من نقص أي مكان ولا مقام فهي الخير المحض، كما أن النار عياذاً بالله هي الشر المحض، أما في الدنيا فما غلب خيره على شره فهو خير، وما غلب شره على خيره فهو شر، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها إنه ربي سميع مجيب.

стр. 5

الجنة التي أخرج منها أبونا آدم المقدم: جاء في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: (يجمع الله ﵎ الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا افتتح لنا الجنة، فيقول: هل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم، لست بصاحب ذلك). نريد الكلام عن دخول أبينا آدم ﵇ وخروجه من الجنة. الشيخ: آدم ﵇ هو أبو البشر، وهذا الحديث يكون يوم القيامة، (وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم)، فيردنا إلى الأول، وهو أن الله جل وعلا خلق آدم بيده في أحسن صورة، ولهذا فأهل الجنة يدخلون الجنة على هيئة أبيهم آدم، وخلق من آدم زوجه حواء على خلاف بين العلماء هل خلق حواء من آدم قبل دخوله الجنة أو بعد دخوله الجنة، فالذين قالوا: إن الله خلق حواء قبل أن يدخل آدم الجنة، أخذوها من قول الله ﵎: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥]. والذين قالوا: خلقت في الجنة قالوا: إن آدم أدخل الجنة لوحده فاستوحش فخلق الله منه زوجه حواء، وأخذوا ذلك من عموم آيات الأعراف: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف:١٨٩]، فقالوا: إن السكن لا يكون إلا بعد الوحشة. أباح الله جل وعلا لآدم ما في الجنة كلها: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ [طه:١١٨ - ١١٩]، فوسوس إليه الشيطان، فيبقى السؤال كيف دخل الشيطان إلى الجنة؟ وهذا لا نعلم فيه نصاً صريحاً نجزم به، والغيب لا يتوصل له بعقل ولا بتجربة، لكن النقول التي بين أيدينا مما أخذ عن أهل الكتاب أو غيرهم: أن إبليس دخل الجنة في أنف الحية، وقيل في غير ذلك. فلما دخل إبليس الجنة وسوس إبليس إلى آدم وهو في الجنة ونتج عن تلك الوسوسة أن أقنعه أن يأكل من الشجرة التي حرمها الله جل وعلا على آدم، أخذ إبليس يلاطف أبانا: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٢١]. قال الله: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [طه:١٢١]، أي: فانكشفت عورتاهما، قال الله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٢٢]، يحاولان ستر العورة، هنا أخرج آدم من الجنة في يوم الجمعة كما خلق ﵇ في يوم الجمعة، وهذا هو الذي جعل آدم يقول: (وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم)؟ لكن الذي عليه جمهور أهل السنة أن الجنة التي دخلها آدم هي جنة عدن التي وعد الله جل وعلا عباده إياها، والحديث الذي في مسلم: (وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم)، فلو كانت الجنة التي خرج منها آدم غير جنة عدن لما استقام هذا القول، لكن من الناس من يقول: إن الجنة التي أدخلها آدم ليست جنة عدن التي وعد الله جل وعلا عباده. قالوا: بدليل أن الله جل وعلا قال: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة:٣٥] والجنة ليس فيها تكليف، وقالوا: من يدخلها يخلد وهذا مخرج من الجنة. فقيل لهم: إن الله قال: ﴿اهْبِطُوا﴾ [البقرة:٣٦]، قالوا: هذا ليس دليلاً؛ لأن الله قال: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة:٦١]، وهم لم ينزلوا من السماء، لكنهم قالوا: إن هذه الجنة إما في السماء الدنيا وإما على الأرض. المقصود أن أبانا آدم يقول يوم القيامة: (وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم)، حتى يأتي الأمر إلى نبينا ﷺ فيقول: (أنا لها)، ويقرع باب الجنة، فيقول له الخازن: من أنت؟ فيقول: (أنا محمد)، فيقول: أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك، هذا ما تيسر من الكلام حول خلق أبينا آدم وجنة عدن التي أدخلها.

стр. 6

العمل الصالح سبب لدخول الجنة لا ثمن لها المقدم: ورد في سورة الأعراف قوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣]، بينما ورد في الحديث: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته)، فكيف نجمع بين الآية والحديث؟ الشيخ: هذا الآن نحن أمام نفي وإثبات، فالآية مثبته ﴿أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣] أي: بالعمل، والحديث نفي: (لن يدخل أحد الجنة بعمله). ونحن متفقون على أن هناك نفياً وهناك إثباتاً لكننا نقول: إن المنفي غير المثبت، فالباء المثبتة باء السببية، والباء المنفية باء العوض، ومعنى العوض أنك عندما تسأل من اشترى ثوباً: بكم اشتريته؟ يقول مثلاً: بريالين. فالريالان عوض وثمن لهذا الثوب. فالبائع أخذ الريالين وأنت أخذت الثوب عوضاً، لكن الجنة ليست عوضاً عن أعمالنا، وهنا هو معنى الحديث، فأعمال بني آدم وعمل النبي ﷺ ليست عوضاً عن الجنة، لأن الجنة أكبر من أعمالهم هذا المنفي. والمثبت هو السبب: ﴿أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣]، أي: بسبب أعمالكم لا على أن الجنة عوض عن أعمالكم، لكنها سبب، ولا شك أن الأعمال الصالحة سبب في دخول الجنة، وإلا لدخلها كل الخلق، لكن كيف التمييز؟ بالسبب، والمنفي أن تكون الجنة عوضاً عن العمل أو العمل مقابل الجنة، فالآية أثبتت شيئاً والحديث نفى شيئاً آخر. وقد قال بعض الصالحين: إن المؤمن يحرم على النار بعفو الله ويدخل الجنة برحمة الله، ويرث غيره في الجنة بعمله.

стр. 7

معنى حديث (أعددت لعبادي الصالحين) المقدم: ورد في الحديث القدسي: (قال الله : أعددت للمؤمنين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، فكيف يمكن أن نقرب المعنى الوارد في هذا الحديث؟ الشيخ: لقد ورد في القرآن قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧]، وورد في الحديث ما ذكر في السؤال. ونحن نقول: الأعمال التي يصنعها العبد ثلاثة: الأول: عمل قلبي: فأنت أيها المؤمن تحب الله، هذا شيء في قلبك لا يعلمه الناس. الثاني: عمل يسمع: كما لو كنت عند شخص وأسمعه يقول: سبحان الله، الحمد لله، ولا إله إلا الله، أو يقرأ القرآن. الثالث: عمل مرئي: أي شيء تراه، فمثلاً: دخلت المسجد فوجدت أحد إخوانك المسلمين يصلي أو صائم رأيته يفطر أمامك، فهذا عبادة مرئية. فانظر إلى عظمة الرب ﷻ ، فأعمال القلوب يثيب عليها ما لا خطر على قلب بشر، والأعمال التي تسمع يثيب عليها ما لم تسمع أذن، والأعمال المرئية يثيب عليها ما لم تر عين. ولا يمكن أن تخرج الأعمال عن هذه الثلاث، وعلى هذا قال الله جل وعلا: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت)، مقابل أعمالهم المرئية، (ولا أذن سمعت)، مقابل أعمالهم المسموعة، (ولا خطر على قلب بشر)، مقابل أعمالهم القلبية. إذاً نحن معشر المسلمين ينبغي أن نعلم أننا أمام رب عظيم جليل كريم، فلا يقصر أحدنا في عمل خوفاً من بخل المعطي، هذا محال، فنحن نتعامل مع أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، من لا تنفذ خزائنه، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

стр. 8

معنى حديث (عينان لا تمسهما النار) السؤال ذكر الرسول ﷺ : (عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)، فهل يطلق على كل من بكى من خشية الله أنه لا يدخل النار، وجزاك الله خيراً؟ الجواب هذا الحديث صحيح: (عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)، والأصل إمرار الحديث على ظاهره، فمن وفقه الله جل وعلا فبكى من خشية الله وأراد بذلك وجه الله ﵎ فإن الله جل وعلا قد حرمه على النار.

стр. 9

مرافقة الرسول ﷺ في الجنة المقدم: سائل يسأل عن مرافقة النبي ﷺ في الجنة؟ الشيخ: مرافقة النبي ﷺ من أسمى المطالب، ولهذا وعد النبي ﵊ على بعض الأعمال الصالحة بجواره كما في قوله ﵊: (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة)، وقوله ﵊: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا). وربيعة بن كعب الأسلمي كما في الحديث الصحيح قال: (يا ربيعة سلني حاجتك؟ قال: يا رسول الله، أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك يا ربيعة؟ قال: هو ذاك يا رسول الله، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود). ونحن لم تكتحل أعيننا برؤيته صلوات الله وسلامه عليه؛ لكننا نرجو الله جل وعلا جواره ﵊، ولهذا ينبغي أن يكون هناك محبة له في أول الأمر، ثم يتبع ذلك اتباع لسنته، والتماس لهديه، واقتفاء لأثره ﵊. وهذا لا يزهد فيه مسلم، ولا يوجد عاقل يزهد في مرافقة النبي ﷺ . ويوجد حديث في المسند تكلم بعض أهل العلم في سنده، ومعنى الحديث: أن النبي ﵊ يأتي الجنة فيجد امرأة على بابها تزاحمه في دخولها فيقول لها: من أنت؟ فتقول: أنا امرأة مات زوجي عن أطفال لي فرعيتهم، فالحديث من جملة فضائل الأعمال فيستأنس به ويؤخذ به، نسأل الله جل وعلا العون لكل أرملة.

стр. 10

حديث إيقاد النار ألف عام ثم ألف عام ثم ألف عام المقدم: هل يصح حديث إيقاد النار ألف سنة ثم ألف سنة ثم ألف سنة؟ الشيخ: حديث إيقاد النار حديث صحيح، وهو أنه: (أوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، ثم ألف حتى احمرت، ثم ألف عام حتى اسودت فهي سواد كالجحيم)، والمقصود أن الله أرادها بهذه الكيفية حتى تكون عظيمة الأمر، وهذا لحكمة أرادها الله وهي تخويف العباد، والنبي ﷺ نقل ما وقع، والله جل وعلا يقول: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر:١٦]، وقد خلق الله جل وعلا السموات والأرض في ستة أيام مع أنه ﵎ قادر على أن يخلقها في أقل من ذلك؛ لكن قال العلماء: المراد تعليم عباده. ونحن نقول: سواء علمنا الحكمة أو جهلناها فليس لها علاقة بقدرة الله هنا، فالله جل وعلا لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهذه من اليقينيات التي لا يختلف عليها اثنان من المسلمين.

стр. 11

دخول الجنة والنار والخروج منهما

стр. 12

معنى الاستثناء في آية هود المقدم: معلوم على القول الراجح أن الجنة باقية وأنها لا تفنى، لكن قد يشكل على البعض الآية التي يقول فيها عز من قائل: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨]؟ الشيخ: هذه الآية في سورة هود، قال الله جل وعلا: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٥ - ١٠٨]. اختلف العلماء في هذه الآية إلى ثمانية أقوال: فمنهم من قال: إن الاستثناء هنا للمدة التي كانت قبل أن يدخلوا الجنة. ومنهم من قال: إنها محمولة على عصاة المؤمنين الذين دخلوا الجنة متأخرين، يعني: كانوا قد لبثوا في النار فترة. لكن الحق الذي نعتقده أن المعنى المراد إظهار قدرة الله ومشيئته وأنه ليس هناك استثناء، ونظيره في القرآن: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ [يونس:١٦]، فعلقها بالمشيئة لبيان القدرة، ونظيره في القرآن أيضاً قول الله جل وعلا في الإسراء: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٨٦]، وهذا أمر لم يقع وعلقه الله جل وعلا بالمشيئة حتى يظهر ﵎ قدرته وأنه جل وعلا رحمهم بالجنة لا عن ضعف، بل له القدرة الكاملة سبحانه هذا أفضل تخريج فيما أعلم لهذا النص.

стр. 13

توجيه أحاديث الوعيد المقدم: معلوم أن من مات على الإسلام تكون نهايته في الجنة إن شاء الله؛ لكن وردت بعض الأحاديث أجزم أنها تحتاج إلى توجيه، منها حديث: (لا يدخل الجنة من كان في مثقال ذرة كبر)، (لا يدخل الجنة مدمن خمر)، (لا يدخل الجنة عاق)، فكيف نوجهها مع الأدلة الدالة على خروج المسلم العاصي من النار؟ الشيخ: قوله ﷺ : (لا يدخل الجنة عاق)، وقوله: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، كما في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهما من الأحاديث توجه بأنه يفهم منها أنهم لا يدخلون الجنة ابتداءً، فمن كان متلبساً بهذه المعاصي ومات متلبساً بها دون توبة ولم يعف الله جل وعلا عنه من غير توبة وحكم الله جل وعلا عليه بالنار؛ فإنه يدخل النار ثم يكون مآله إلى الجنة. فيحمل قوله صلوات الله وسلامه عليه: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، أن المقصود به: لا يدخل الجنة ابتداءً، و: (لا يدخل الجنة عاق)، أي: لا يدخلها ابتداءً لأول مرة، (لا يدخل الجنة مدمن خمر)، ولو مات على التوحيد فالمعنى: لا يدخلها ابتداءً. هذا أفضل ما قيل في تخريج هذه الأحاديث.

стр. 14

معنى آية (هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابهاً) المقدم: من الآيات التي نحتاج إلى بيانكم لها قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة:٢٥]. السؤال عن آخر الآية، وهو قوله: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة:٢٥]، ما المراد به؟ ومعنى قوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة:٢٥]؟ الشيخ: الآية يأمر الله فيها نبيه أن يبشر المؤمنين بأن لهم جنات، ومن ضمن ما في الجنات فاكهة وأنعام وخيرات. قال الله جل وعلا عنهم: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا﴾ [البقرة:٢٥]، أي: أهل الجنة، ﴿مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا﴾ [البقرة:٢٥]، أي: أهل الجنة: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة:٢٥]، فبنيت اللام على الضم لانقطاع الإضافة، فأصبحت هذه الإضافة تحتاج إلى أن تقدر: من قبل ماذا؟ فمنهم من قدرها بمعنى: من قبل أن يدخلوا الجنة، أي: في الدنيا، فيصبح المعنى: أنهم يرون ثماراً تشبه ثمار الدنيا، قال ابن عباس: ليس بينهما تشابه إلا في الأسماء. لكنني أقول: هذا بعيد، والذي نراه والعلم عند الله أن ظاهر الآية أنهم يرزقون ثمرة ثم بعد ذلك إذا رزقوا منها خلا مكانها فإذا خلا مكان هذه الثمرة جاء غيرها، فإذا لجئوا إلى غيرها بعد ذلك ليأكلوه فإنهم عندما يرونه أول مرة يحسبونه كالأول فيقولون: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة:٢٥]، أي: ما تغير شيء، لكنهم إذا طعموا وجدوه يختلف، ولهذا قال الله بعد: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة:٢٥]. الآن التشابه في الدنيا يعطيك خيارات لكن الخيارات في الدنيا لا بد أن يكون الترجيح بناءً على مقصد المرجح، يعني: إذا خيرت بين شيئين فاخترت أحدهما لم يدفعك إلى اختيار أحدهما إلا علو من وجه ما في الراجح، لكن الخيار الذي في الآخرة قال قتادة: خيار لا رذل فيه، يعني: لا يمكن أن يكون في أي منها نقص أو عيب. ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة:٢٥]، أي: في ظاهرها واحد لكنها مختلفة الطعم، وهذا مستمر؛ لأن الله يعبر بـ (كلا) وهي تدل على الاستمرار.

стр. 15

أزواج النساء في الجنة وعدم وعدهن بالغلمان المقدم: إن الله قال: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان:٥٤]، والخطاب هنا كان للرجال، وبالنسبة للنساء لم يرد الخطاب لهن بمثل هذا. أيضاً: المرأة قد تكون تزوجت أكثر من رجل، وقد تكون ماتت قبل أن تتزوج، وقد يكون زوجها في النار، فما هو حال النساء بالنسبة للجنة إن شاء الله؟ الشيخ: نقول: يجب أن يفهم أن الجنة دار كرامة فمن دخلها من رجل أو امرأة، جني أو إنسي، نبي أو غير نبي، فليعرف أنه سيكرم، فالمكرم في الجنة هو الله، والخوف بعد دخولها أمر منتف، والحزن كذلك: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف:٤٩]. عندما تقدم على مكان أو تشتري قصراً أو تبني فلة ومعك رهطك وأهلك تقول: أنا سأجلس في المجلس لكن أهلي أين سيجلسون؛ أين سيجلس الأبناء؟ من حقك أن تخشى وتخاف وتحقق؛ لأن الذي سيستضيفك مخلوق مثلك، لكن الجنة دار ضيافة رب العالمين ﷻ ، فعلى الرجال والنساء على السواء ألا يقع في قلوبهم خوف من نقص سيصيرون إليه، هذا محال، لأن الجنة هي الخير المحض، وهي دار كرامة ليس فيها من النقص شيء، وهذا مهم جداً في فهم القضية. ثم نقول بعد ذلك: الله جل وعلا وعد الرجال بالحور العين ولا نعلم أن الله جل وعلا وعد النساء بغلمان، قد يقول قائل: ما الفرق؟ فنقول: لأنه إذا دخل النساء الجنة فلن ترى المرأة حاجة أبداً إلى مثل هذا. أما بالنسبة إلى الأزواج فالجنة ليس فيها أعزب، هذا كلام النبي ﷺ ، أما الزوجات فهناك آثار ثلاثة فيهن انقطاع، بعضها رواها أبو علي الحراني في تاريخه، وبعضها رواها ابن عساكر في تاريخ دمشق، يقول الشيخ ناصر الدين الألباني رحمة الله تعالى عليه: إن الأحاديث بمجموعها يرتقي الحكم عليها بأنها حسنة، هذه الأحاديث تدل على أن المرأة إذا كان لها زوج صالح كتب الله له الجنة ومات قبلها ولم تتزوج بعده فإنها تكون زوجته في الجنة. ومن هذا قالوا: إن أسماء بنت أبي بكر كانت تحت الزبير بن العوام، وقد كان شديداً عليها مع صلاحه وكونه أحد العشرة المبشرين، فذهبت إلى أبيها أبي بكر تشتكيه فقال: يا بنيتي اصبري فإن المرأة إذا كان لها زوج صالح ومات عنها كانت زوجته في الجنة. وقالوا: إن معاوية رضي الله تعالى عنه وأرضاه خطب أم الدرداء ﵂ وأرضاها فامتنعت وقالت: إنها سمعت النبي ﷺ يقول نفس المعنى، أي: أنها إذا مات عنه ولم تتزوج بعده تكون زوجه في الجنة. ونقل عن حذيفة رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه قال ذلك لزوجته. لكن -كما قلت- هذه الأحاديث الثلاثة يوجد انقطاع في اثنين منها، أما حديث معاوية فليس فيه انقطاع، لكن فيه رجل غير معروف وهو العباس بن صالح، لكنها بمجموعها ترتقي إلى درجة الحسن؛ وهي هنا أولى من الرأي وأولى من القياس؛ لكن أعود وأكرر: أن المرأة أو الرجل لا يمكن أن يهان في الجنة مثقال ذرة أو طرفة عين.

стр. 16

كيف دعا النبي ﷺ إلى الجنة المقدم: بعد هذا التحليل لكثير من القضايا وكثير من هذه النصوص دعني أنتقل إلى محور مهم جداً، وهو أن النبي ﷺ كان أفضل الدعاة الذين دعوا إلى الجنة وقد دعا إليها بأمور مختلفة في قضايا متنوعة، أتمنى لو تشير إلى هذه القضايا! الشيخ: ما دعا إلى الجنة أحد أكرم من الأنبياء، وأكرم الأنبياء نبينا ﷺ ، بل إن الله بعث الرسل مبشرين بالجنة ومنذرين من النار، والجنة جعلها النبي ﵊ حجر الزاوية في دعوته، فلنأخذ عدة أمور: الأمر الأول: الأعمال الصالحة: دعا النبي ﵊ إلى الأعمال الصالحة ثم ربط هذه الأعمال بالجنة قال ﵊ مثلاً: (من بنى لله بيتاً ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة) وقال: (من صلى لله اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتاً في الجنة). وقال: (من قرأ قل هو الله أحد عشر مرات في اليوم والليلة بنى الله له بيتاً في الجنة). فهذه أعمال ربطها النبي ﷺ بالجنة. إذاً أول معيار طرقه النبي ﵊ في قضية الجنة أن جعلها مرداًً للأعمال الصالحة حتى يرغب الناس في العمل لدخول الجنة. الأمر الثاني: تعظيم الجنة وتحقير الدنيا: النبي ﷺ يزهد الناس في الدنيا، وإذا زهدهم في الدنيا فلا بد أن يضع بديلاً فوضع البديل الجنة، وهذا أسلوب القرآن: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤ - ١٥]، أي: الذي مضى كله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ﴾ [آل عمران:١٥]، فجعلها الله جل وعلا بدلاً عن الشهوات الدنيوية. أهدي له ﷺ قطعة من حرير فجعل الصحابة يلمسونها ويتعجبون منها، فقال ﵊: (أوتعجبون من هذه، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها)، إذاً: هنا ربط تحقير الدنيا بالمعيار الثاني وهو تعظيم الجنة. دخل عليه عمر وقد أثر الحصير في جنبه فكأنه رق لحاله ﷺ وقال ما قال، فقال ﵊: (أوفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك أقوام عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا). يراهم يحملون الحجر فيقول ﵊: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة)، يذكرهم بالجنة وهذه هي الطريقة الصحيحة. الأمر الثالث: جعل النبي ﷺ الجنة جزاء للصابرين، فإذا رأى أحداً ممن ابتلي بصرف النظر عن نوع الابتلاء علق أمله بالجنة حتى يكون الطمع في دخولها عوناً له على البلاء الذي هو فيه، فمر ﵊ على آل ياسر وهم يعذبون في أوائل العهد المكي فقال ﵊: (صبراً آل ياسر)، كلمة صبر وحدها لا تكفي، فقال بعدها: (فإن موعدكم الجنة)، فنزلت هذه الكلمة عليهم ﵃ وأرضاهم كالماء البارد، وفعلاً قتل ياسر وزوجته سمية والموعد الجنة كما أخبر ﷺ . يقول ﷺ : (إن الله يقول: ما لعبدي إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم صبر واحتسب جزاء إلا الجنة)، فقبض الأصفياء -نسأل الله لنا ولكم العافية- أمر يحز في القلب ويورث الحسرة لكن النبي ﷺ يعلق الأمر بالجنة حتى يكون هناك صبر ويكون هناك نوع من القدرة على تحمل ذلك الابتلاء، وهذا هو الأمر الرابع. الأمر الخامس: الأخلاق الحميدة ونشرها في المجتمع: وله طرائق عدة، مثلاً الجدال والمراء يقول ﵊: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً)، فلما أراد من الناس أن يتركوا كثرة القيل والقال ويبعدوا عن الجدال الذي لا نفع فيه ذكر صلوات الله وسلامه عليه أنه زعيم أو كفيل ببيت في الجنة لمن تركه. وقال: (أيها الناس! أطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)، فجعل ﵊ من الجنة رمزاً وطريقاً ومحوراً للدعوة، وكل دعوته تصب في هذا الباب؛ لأنها أعظم العطايا وأجل السخايا كما بينا في أول اللقاء.

стр. 17

خلق الجنة والنار المقدم: من المسائل التي كثر فيها كلام أهل العلم من أهل السنة والجماعة ومن غيرهم مسألة: هل الجنة مخلوقة الآن أو أنها لم تخلق إلى الآن، فما هو الحق في ذلك؟ الشيخ: قلنا في السابق: الجنة مخلوقة موجودة الآن، هذا ظاهر كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وهو الحق الذي لا محيد عنه، ومن زاغ عنه من أهل الفرق إنما كان ذلك بسبب تحكيمه للعقل والقياس وتركه للنصوص. ذكر ﵊ في حديث المعراج: (أنه دخل الجنة فرأى أكثر أهلها المساكين)، واطلع ﷺ على النار، وأخبر ﵎ في كتابه الكريم أن الجنة مفتحة الأبواب. وقال ﵊: (إذا أقبل رمضان فتحت أبواب الجنة). والحجر الذي سمعه ﵊ وقال: (هذا ألقي في النار واستقر في قعرها). فهذه الآثار وغيرها مما لا يحصى جعلت أهل السنة يقولون: إن الجنة مخلوقة موجودة الآن. يقول ﵊ لـ بلال: (بم سبقتني إلى الجنة؟ فما دخلت الجنة إلا سمعت خشخشتك -أو دف نعليك- أمامي).

стр. 18

حال المؤمن في القبر ومنزلة الشهيد المؤمن في القبر يرى مقعده من الجنة، فرؤية المرء مقعده فضل من الله لا يمكن أن يتصوره عقل، فإن الإنسان يكون في مرقده في قبره والناس على الأرض يتشاجرون على أموالها وهو يرى مقعده من الجنة وفيه عطايا لا توصف لكنها لا تكون إلا لمن أخلص لله النية وسيأتي هذا. أما الشهيد فقد ثبت في الحديث أنه يلبس تاج الوقار، وأنه يغفر له مع أول قطرة من دمه، وأنه يشفع في سبعين من أهل بيته، والحديث لم يأت مقيداً بأنه يشفع للأقرب أو أنه يختار من أهل بيته من يريد، فما أبقاه الله أو رسوله ﵌ مطلقاً لا نستطيع نحن أن نقيده، وظاهر الأمر أنه مخير من باب إكرامه، والشهداء من أرفع الناس درجة. أما تزاور الأرواح في القبر فقد قال به بعض العلماء، وأكثر ابن القيم رحمة الله عليه في كتابه الروح وفي غيره من الأدلة على إثباته، ولا أستطيع أن أجزم به؛ لكن هذه حياة برزخ الله أعلم بكنهها، وقلت: هناك آثار لكنها ليست بتلك القوية لكنها في مجملها قابلة للأخذ بها.

стр. 19

الجمع بين أحاديث الوعد والوعيد في حق من عمل الطاعات والمعاصي السؤال جاء في حديث نفي دخول الجنة لمن في قلبه مثقال ذرة من كبر، وفي حديث أن من حافظ على ثنتي عشرة ركعة بني له بيت في الجنة، فإذا كان الإنسان متكبراً وحافظ على الركعات، فما حاله؟ الشيخ: تتضح الصورة كالتالي: لو فرضنا أن رجلاً يحافظ على اثنتي عشرة ركعة. وفي قلبه مثقال ذرة من كبر، فهذا لا يدخل الجنة ابتداء تطبيقاً لحديث: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، وفي نفس الوقت إذا أخرج من النار وأدخل الجنة يجد له بيتاً مبنياً في الجنة بسبب صلواته التي كان يصليها جمعاً بين الحديثين. ونحن لا نتكلم عن أحد بعينه، بل نتكلم عن نصوص كيف نجريها، أما فضل الله فواسع، والله جل وعلا منجز وعده لا محالة، أما وعيده فيقول: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].

стр. 20

حالة قلب المؤمن السؤال نرجو توجيهاً للمغرقين في التفاؤل وحسن الظن بالله ، كما يقال: التقوى في القلوب وإن الله غفور رحيم؟ الشيخ: المؤمن يكون قلبه بين الخوف والرجاء، فهما له مثل جناحي طائر ورأسه محبة الله. أحياناً يغلب جانب الرجاء وأحياناً جانب الخوف، فنحن نحسن الظن بالله ونرجو عفوه، وفي نفس الوقت لا نأمن مكر الله، فلا يوجد مؤمن تقي يعرف الله حقاً يأمن مكر الله: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون:٩٣ - ٩٤]، وهذه من أعظم آيات التخويف في القرآن؛ لأنه إذا كان النبي ﷺ يقول لربه: إذا جاء أمرك وحكمت عليهم بالعذاب والسخط فنجني من العذاب ولا تجعلني مع القوم الظالمين، فما يقول من دونه. وفي نفس الوقت نحن نؤمل كثيراً برحمة ربنا جل وعلا ونرجو عفوه؛ لأنه جل وعلا الذي قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، وقال: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦].

стр. 21

إفراد الجنة وجمعها في النصوص المقدم: ورد التعبير عن الجنة بصيغ مختلفة، فوردت بصيغة الإفراد وبصيغة التثنية وبصيغة الجمع، فقد يشكل على البعض هل هي جنة واحدة أو أنها جنان متعددة؟ الشيخ: هي في الأصل جنة واحدة، الجنة في اللغة من (جنَّ) أي: خفي واستتر، فيقال للجن جن لأنهم لا يرون، ويقال للمخلوق في بطنه أمه جنين لأنه لا يرى، وقال الله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ [الأنعام:٧٦]، يعني: أظلم واستحالت الرؤية. فالجنة من حيث هي كيان عام واحدة، ثم في داخل الجنة جنان فمن الناس من له جنتان ومنهم من له أكثر من ذلك كما قال ﵊: (بل هي جنان)، وقد قال الله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، ثم قال بعدها بآيات: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٢]، قال في الأولى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ [الرحمن:٤٨]، وقال في الثانية: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٤]، وقال: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن:٥٢]، وهناك حدد فقال: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن:٦٨]، في الأوليين قال: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ [الرحمن:٥٠]، وقال فيما بعد: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن:٦٦].

стр. 22

العمل من أجل الجنة أو من أجل إرضاء الله المقدم: هل هناك فرق بين أن تعمل لدخول الجنة والخوف من النار وبين أن تعمل حباً وشوقاً وتحصيلاً لرضا الله ؟ الشيخ: هذه متلازمة لا انفكاك بينها: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦]، فنحن نعمل برضوان الله الذي بسببه ندخل الجنة ونجار من النار، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥].

стр. 23

تزاور أهل الجنة المقدم: سائل يقول: من هم الذين يدخلون الجنة بغير حساب؟ ويتساءل يقول: هل يرى المرء أهله في الجنة، وكيف يكون ذلك إذا اختلفت منازلهم؟ الشيخ: أما دخول الجنة بغير حساب فإن النبي ﷺ ذكر أن هؤلاء السبعين ألفاً يدخلونها على أعمال القلوب. أهل الجنة يتزاورون كما ثبت في ذلك الآثار، والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد:٢٣]، إلى غير ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الثابتة. والذي نريد أن نقوله: إن أهون أهل النار عذاباً يرى أنه أشد أهل النار، مع أن أقل أهل الجنة -وليس فيها قليل- يرى أنه أكثرهم عطاءً، والتزاور أثبته الله جل وعلا قال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٥ - ٢٨]. وقد ثبتت فيه آثار أخر، وحتى الأنبياء والمرسلون يزورهم من آمن بهم وأحبهم في الدنيا.

стр. 24

رفع الوالدين إلى منزلة الابن في الجنة المقدم: إن من نعم الله على أهل الجنة أن تلحق بهم ذريتهم الذين اتبعوهم بإيمان، فإذا كان الابن صالحاً وكانت درجته أعلى من درجة والديه في الجنة فهل يرفعان إليه؟ الشيخ: نعم يرفعان إليه ويزورانه فيها.

стр. 25

أمة محمد ﷺ أكثر أهل الجنة المقدم: ورد أن أكثر أهل الجنة من أمة محمد ﷺ ، فنرجو منكم توضيح ذلك؟ الشيخ: هذه الأمة من حيث الجملة أمة مرحومة، وفي الحديث: (وإني لأرجو الله أن تكونوا ربع أهل الجنة)، ثم قال ﵊: (إني لأرجو الله أن تكونوا ثلث أهل الجنة)، ثم قال: (إني لأرجو الله أن تكونوا شطر أهل الجنة) فكبروا. نقول: هذه الأمة أمة مرحومة، فأمة محمد ﷺ لهم باب خاص يدخلون منه وهم شركاء الناس فيما دون ذلك من الأبواب، وقد أخبر النبي ﷺ أن الصديق ﵁ يدخل من هذه الأبواب كلها هذا ما يتعلق بالأمة. وأنا أقول: لا نحب في هذا اللقاء عن الجنة أن نعرج على المفردات، وإنما نتكلم عن الطرائق العامة، وستأتي الغاية من الدرس وهي معرفة السبيل إلى دخول الجنة.

стр. 26

الاسترقاء ومنعه من دخول الجنة بغير حساب المقدم: هنا السائل يقول: ورد في الحديث: (لا يسترقون)، هل هم الذين لا يطلبون أن يقرأ عليهم أحد أم أنه غير ذلك، أوضح لنا هذا الأمر الذي أشكل علينا كثيراً، فإني أتحاشى هذا الأمر رغبة فيما عند الله؟ الشيخ: أقول: هذا مشكل؛ لأنه ورد في الرواية الصحيحة أن النبي ﷺ رقته عائشة ورقى نفسه وطلب لبعض أهل بيته الرقية، ورقاه جبريل، وقال: (استرقوا لها فإن بها النظرة)، واسترقى لأبناء جعفر بن أبي طالب. هذه تحصل في البيت النبوي وهي التي جعلت بعض العلماء يتحفظون على الزيادة الموجود فيها: (ولا يسترقون) وأنا أتوقف في المسألة ولا أستطيع أن أجزم بشيء.

стр. 27

منزلة قارئ القرآن في الجنة المقدم: جاء في الحديث أن قارئ القرآن يرقى في الجنة حسب ما لديه من القرآن، فما معنى ذلك؟ الشيخ: الأعمال الصالحة لها دور كبير في قضية العلو في الجنة، وقارئ القرآن من أعظم أهل الجنة مكانة، بل أهل القرآن هم أهل الله جل وعلا وخاصته. والجنة درجات متفاوتة، ويقال كذلك: إن النار درجات ولكنها يقال لها (دركات). والجنة درجات متفاوتة، أكثر من مائة درجة، وبين الدرجتين مثل ما بين السماء والأرض، وهذه مبنية على العمل، ولقد قلنا مراراً: إن الناس يدخلون الجنة بفضل الله لكن منازلهم في الجنة مختلفة، فمنازل الأنبياء والمرسلين غير منازل غيرهم، وكل بحسب ما قدمه من عمل صالح.

стр. 28

أسباب دخول الجنة المقدم: ما هي أعظم الأسباب التي ممكن أن يدخل الإنسان بها الجنة؟ الشيخ: الجنة جعلنا الله وإياكم من أهلها من أعظم الغايات وأجل العطايا وأصفى الهبات، الجنة دار وعدها الله جل وعلا عباده، قال ربنا ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف:١٠٧ - ١٠٨]. وقال عن أوليائه المتقين: ﴿الجَنَّة عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد:٦]. وأعظم سبيل إلى الجنة توحيد الرب ﵎، وحظ الإنسان من ربه جل وعلا بقدر ما لله ﵎ من قدر في قلبه، قال الله جل وعلا ينعي على أهل الإشراك عدم معرفتهم بربهم: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام:٩١]. وقال جل ذكره: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]. الطريق إلى الجنة لا يمكن أن يمر بلا توحيد لله ﵎، التوحيد أمر الله به الملائكة -وهم غير مكلفين- لكنهم جبلوا عليه. أمر الله به الجن والإنس: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. أمر الله به الأنبياء والرسل: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]. وقال الله جل وعلا في أكثر من آية يبين لخلقه وعباده أنه ما أرسل الرسل ولا أنزل الكتب ولا أقام الآيات والشواهد والبراهين إلا ليوحد ﵎ دون سواه ويدعى من دون غيره: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف:٥]. فكلما حقق الإنسان توحيد الرب ﵎ على الوجه الأتم والنحو الأكمل كان حقاً على الله جل وعلا أن يدخله الجنة، قال معاذ: (قلت: يا رسول الله! ما حق الله على العباد؟ قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً)، فلما أخبرهما ما حق العباد على الله إن وحدوه قال: (أن يدخلهم الجنة). فالسبيل الأعظم من حيث الجملة توحيد الرب ﵎، والإنسان لن يصل إلى طاعة ولن يفر من معصية إلا إذا كان عالماً بالرب ﷻ . والعلم بأسماء الله وصفاته أسمائه الحسنى وقدرة الله ﵎ من أعظم ما يقرب العبد من ربه الله جل وعلا، فقد نثر الآيات وأقام البراهين وأبان الحجج حتى تدل على كماله جل وعلا وعلى وحدانيته وعلى أنه الخالق وحده دون سواه، وجعل للناس أبصاراً يرون بها هذه الآيات، يرى ذلك البر والفاجر، والمؤمن والكافر؛ لكن المؤمنين الصالحين القانتين الراغبين بما عند الله يرون هذه الآيات ببصيرتهم، فإذا رأوها ببصيرتهم دلتهم على الله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]. فإذا حشر العباد على أرض بيضاء نقيه لم يعص الله جل وعلا فيها طرفة عين وليس فيها ملك لأحد، جاء أولئك الذين رأوا تلك الآيات فدلتهم على ربهم ﵎ فأدخلوا الجنة، ثم يكرمهم الله برؤية وجهه الأكرم الذي هو أعظم الغايات، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، والزيادة: رؤية وجه الرب ﵎. وفي حديث صهيب عند مسلم في الصحيح: (إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو ألم يثقل موازيننا، ألم يبيض وجوهنا، ألم يجرنا من النار، ألم يدخلنا الجنة؟ فيكشف الحجاب فيرون وجه ربهم ﵎ فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم هو أعظم ولا أجل من رؤية وجه الله ﵎. والله جل وعلا حتى يربط العباد بهذه النعمة أظهر لهم ضعف المخلوقين أجمعين، فشج رأس نبينا ﷺ حتى لا يتعلق به الأصحاب، وتكسف الشمس، ويخسف القمر، وتمور الأرض، وتكور الشمس، وتنسف الجبال، وتنشق السماء وتصبح كالمهل، كل ذلك حتى لا يبقى للناس تعلق بأحد إلا الله. ألا يرى المؤمن أن الله جل وعلا رزق إبراهيم ابنه إسماعيل على الكبر فتعلق قلب إبراهيم بإسماعيل، فلما أراد الله جل وعلا أن يخرج حب إسماعيل من قلب أبيه إبراهيم حتى لا يكون في قلب إبراهيم أحد إلا الله أمره الله جل وعلا بذبحه، فساق الأب ابنه إلى الموت فوضعه على الجبين حتى لا تلتقي العينان فيتغير العزم الذي فيهما، يقول الله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات:١٠٣]، أي: إسماعيل وإبراهيم من قبل قلبهما لله ولم يبق في قلبهما أحد غير الله، قال الحق ﵎: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٥ - ١٧]. يقول ربنا على لسان الخليل نفسه: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٧ - ٨٩]. يدخل الجنة ويفوز برؤية الله من سلم قلبه من الشرك وملئ بالتوحيد، من سلم قلبه من البدعة وملئ بالسنة، من سلم قلبه من الغل والحقد والحسد وملئ بالإيمان وحب الخير للناس؛ فهذا أعظم ما يدخل الناس الجنة، قال ﵊: (إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة ينشر له تسعة وتسعين سجلاً كل سجل مد البصر، فيقول الله له: يا عبدي أظلمك كتبتي الحافظون؟ أتنكر مما ترى شيئاً؟، يقول: لا يا رب، فيقول الله جل وعلا له: إن لك عندنا بطاقة، فيقول: يا ربي! وما تغني هذه البطاقة أمام هذه السجلات)، وفي البطاقة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، قال ﵊: (ووضعت البطاقة فرجحت فطاشت السجلات)، ولا يثقل مع اسم الله شيء. هو دين رب العالمين وشرعه وهو القديم وسيد الأديان هو دين آدم والملائك قبله هو دين نوح صاحب الطوفان هو دين إبراهيم وابنيه معاً وبه نجا من لفحة النيران وبه فدى الله الذبيح من البلى لما فداه بأعظم القربان هو دين يحيى مع أبيه وأمه نعم الصبي وحبذا الشيخان وكمال دين الله شرع محمد صلى عليه منزل القرآن. المقصود: أن السبب الأعظم في دخول الجنة توحيد الله ومحبته وإجلاله وتعظيمه، والله جل وعلا ذم أهل الكفر بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥]، فاستكبارهم عن هذه الكلمة: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، كل ذلك رده الله ﵎.

стр. 29

حدود الجد الذي تتبعه ذريته في الجنة السؤال بالنسبة للآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١]، فإذا كان أحد من الصحابة ﵃ داخل الجنة وتوجد ذريته الآن في هذا الزمان، فهل الذرية تتبع هذا الصحابي؟ الجواب الأصل الشرعي في الذرية الجد الخامس، هذا الذي يعلق به الذرية عموماً ولا يجزم به في هذه القضية، لكن مثلاً نقول: إن النبي ﷺ من بني هاشم، فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، إذا أخذنا بالذرية على إطلاقها فأبناء الصحابة اليوم يحلقون بهم، لكن الذي يتبادر من كلام الله وكلام رسوله أنهم لا يدخلون إلا إذا كانوا قريبين، أي: الجد الثالث أو الجد الخامس، والأفضل عندي أن نعتبر بالنبي ﷺ ، فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهو الجد الثالث. وحصره في الجد الخامس عليه أعمال الناس؛ لكن الشرع يدل على ربطه بالجد الثالث.

стр. 30

الحور العين لسن من نساء الدنيا المقدم: سائلة تسأل عن نساء الدنيا هل يصبحن حوراً أم ماذا؟ الشيخ: هذا فيه خلط، فالحور العين لسن من نساء الدنيا، بل خلق ينشئه الله جل وعلا في الجنة، أما النساء المؤمنات في الدنيا اللاتي يدخلهن الله الجنة فلسن من الحور، بل الحور ينشئهن الله على سن آدم على هيئة حواء، يعني: بطول آدم. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً﴾ [الواقعة:٣٥]. ومعنى (حور عين) (عين): جمع عيناء أي: واسعة العين، و (حور) جمع حوراء، وهي شديدة بياض العين شديدة سواد العين في نفس الوقت. والعرب: المتحببة المتغنجة لزوجها ونظيره قول جرير: فؤادك غير. تقول فؤادي من هواه على رماحي عراباً لم مع النصاري ولم يأكلن فعراب: أي: متقربة إلى صاحبها على القول بأن هذا، قال آخرون: بمعنى أنه

стр. 31

معنى: (لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين) المقدم: سائل يسأل عن حديث: (لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن أمن في الدنيا خاف في الآخرة)؟ الشيخ: هذا أثر لا أعلمه عن النبي ﷺ . لكن المعنى صحيح، فإن الله لا يجمع أمنين لكن الأمن نسبي والمعنى: أنه إذا وجد إنسان أمن الله تماماً فهذا كافر أي: إذا قال: إن الله جل وعلا لن يدخلني النار فهذا كفر، وهذا هو ما زعمته اليهود من قبل، قال تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ [البقرة:٨٠]، لكن المتلبسين بالمعاصي ليسوا كذلك.

стр. 32

كثرة النساء في الجنة والنار المقدم: هناك قضية قد تشكل على بعض الأخوات، وهو ما ورد أن النساء أكثر أهل الجنة وأهل النار، وورد أيضاً أنهن أكثر أهل الجنة، فكيف يجمع بين الحديثين؟ الشيخ: لقد جمع بينهما بعض العلماء كـ القرطبي وغيره، والذي يظهر والله أعلم أن خلق الله للنساء أكثر من خلقه للرجال، ينعكس عليه أنه قبل أن يخرج عصاة المؤمنين من النار يكون النساء في الجنة قليل، فإذا خرج عصاة المؤمنين بما فيهم النساء من النار صرن أكثر من الرجال، فهذا باعتبار أن خلق النساء أكثر من خلق الرجال، هذا تخريج! التخريج الآخر قالوا: هذا بالنظر إلى الحور العين؛ لأن المؤمن يعطى حوريتين في الجنة إضافة إلى أهلها من نساء الدنيا، فتكون النساء أكثر إذا نظرنا إليهن بمجموع النساء الحور وغير الحور، وتكون النساء أقل إذا أخرجنا الحور.

стр. 33

توجيه للمرأة المسلمة حول التغريب المقدم: نرجو أن تختم بإشارة يسيرة فيها توجيه للأخوات حول ما يثار الآن من تغريبهن؟ الشيخ: جعل الله البيت جنة للمؤمنات في الدنيا، والمؤمن يتحسر عندما يرى بعض أبناء جلدتنا ممن يدينون بالإسلام يسعون إلى إخراجها من ما كتب الله جل وعلا أن تستقر فيه. أخاطب المرأة نفسها، فإنه لا يحبب المرأة إلى الرجل أكثر من حيائها، هذا من حيث الحظ الدنيوي، ومن حيث الحظ الأخروي فإن الله جل وعلا جعل من النساء كـ خديجة وآسية ومريم عاكفات في بيوتهن فيما يظهر من سيرتهن العطرة رضوان الله تعالى عليهن أجمعين. كل ما أريد أن أقوله: إنها بالانحلال توضع في شراك ينبغي عليها أن تتحرز منه، وأن تتقي الله في الدنيا حتى يكرمها الله جل وعلا بها برؤيته في الآخرة.

стр. 34

سلسلة القطوف الدانية - الإنصاف الإنصاف أمر عظيم يطلبه الشرع ويحث عليه؛ لكنه عزيز بين الناس، فلا يتحلى به من الناس إلا القليل، وله قواعد يجب أن يعمل بها من يريد أن يكون منصفاً، وأن يجاهد نفسه على ذلك.

стр. 35

الفرق بين الإنصاف والعدل الملقي: صاحب الفضيلة! موضوع هذه الحلقة (الإنصاف) يدعي الكثير من الناس أنه يتصف بهذه الصفة، ولكن في محك التعاملات يتبين هل هذا الإنسان في هذه الحالة أو في هذه الدرجة الرائعة أو لا؟ الإنصاف مفردة كبيرة جداً، قد تكون مرادفة أو مقاربة لمفردة العدل، أحياناً يخلط الكثير من الناس بينهما فنريد فضيلة الشيخ بيان المقصود من الإنصاف. الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام رسول الله، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. نقول مستعينين بالله جل وعلا: الإنصاف مفردة يتغنى بها الأكثرون، كل يريد أن يكون رجلاً منصفاً. الفرق بين الإنصاف والعدل: أنه إذا كان الحكم على الأشياء بناءً على معايير وقوانين خارجية فهذا عدل، وإذا كان الحكم يخرج من النفس دون أن يكون بين أكثر من شخص، فهذا يسمى إنصافاً. مثلاً: الرجل المتزوج أكثر من امرأة لديه ضوابط شرعية في التعامل معهن، وقد رخص الله له في قضية الفراش، ورخص الله له في قضية المحبة القلبية التي لا يملكها، وما سوى ذلك فهو مطالب بالعدل، فالعدل: أن يساوي بينهن في النفقة وفي المبيت وفي غير ذلك. هذه المسألة تسمى عدلاً، ولا يسمى ذلك إنصافاً، لكن من يتعامل مع شخص لوحده ولا توجد معايير خارجية وقوانين خارجية تحكم التعامل إلا مقدار ما يتحلى به من أخلاق وصفات وخصائص -كما سيأتي بيانها- فإذا أجحف إما أن يجحف وإما أن يغلو، فإذا أصاب الكبد الحقيقة سمي هذا إنصافاً. المعلم الذي لديه في فصله طلاب وعنده معايير في درجات أعمال السنة فالعدل: أن يطبق تلك المعايير على كل أحد دون تفرقة، فهذا لا يسمى إنصافاً ويسمى عدلاً، لكنه تعامله البيتي الذي فيه روح الحماس مع الطالب الجيد يعاتبه إن كان دون ذلك، هذا حكمه على الطالب حكماً عاماً من غير تقييم عندما يسأله والده ومديره أو شخص آخر، هنا يحتاج المرء إلى مفردات الإنصاف ويحتاج إلى خصائص عامة. يقولون في قضايا الإنصاف: الإنسان يحتاج إلى من ينصف، وأكثر الناس حاجة إلى أن ينصف من كان في رفعة ثم ابتلي فأصبح في أقل منها، تقول: بنت أحد المناذرة الذين كانوا يحكمون الشام قبل الإسلام: فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا أصبحنا فيهم سوقة نتنصف نتنصف: نطلب من الناس أن ينصفونا، فنحن انتقلنا من درجة الملوك إلى درجة السوقة والفرزدق يقول مفتخراً: ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا وإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا إلى أن قال: فلا عز إلا عزنا قاهر له ويسألنا النصف الذليل فينصف الذليل: فاعل (يسأل)، وما قبلها مفعولين قدما ونصبا، والمعنى: أن الذليل من الناس يطلب منا أن ننصفه بقدرتنا على الإنصاف ورد اعتباره فننصفه، هذا تحرير الخطاب فيما يغلب على الظن بين الإنصاف والعدل. الملقي: أليس بينهما عموم وخصوص؟ الشيخ: ممكن أن يكون الإنصاف نوعاً من العدل فالعدل أعم لكن الإنصاف كما قلت يكون في شيء واحد بخلاف العدل.

стр. 36

أبرز الصفات التي يتحلى بها المنصف الملقي: بارك الله فيك، هناك خصائص وصفات لابد لمن يريد الإنصاف أن يتحلى بها، فما هي أبرز هذه الصفات؟ الشيخ: أبرزها المعرفة، والتجرد من الهوى، والنظرة الشمولية والتماس الأعذار، هذه الأربع إذا وجدت في أحد أصبح قادراً على أن يكون منصفاً. وتحقيق هذه الخصائص ليست من الصعوبة بمكان، وهي مسألة بشرية فبالإمكان تحقيقها، ما دام في الناس منصفون.

стр. 37

عدم الإجحاف في مقابل الغلو الملقي: كنا نتحدث عن الخصائص الرئيسية للإنصاف، وهي أربع خصائص: المعرفة، التجرد من الهوى، النظرة الشمولية، التماس الأعذار. هذه أسس وقواعد لابد لها من حواش أو أشياء تساند هذه الأشياء الأربعة وتكملها، فما هي؟ الشيخ: مما تجب مراعاته مع تلك الخصائص أن نعلم أنه ليس من الإنصاف أن نجحف في حق من له حق؛ لأن غيرنا بالغ فيه، وهذا مثال من القرآن: عيسى ابن مريم ﵇ زعمت النصارى أنه ابن الله، وفي بعض أقوالهم أنه الله، وفي بعض أقوالهم أنه ثالث ثلاثة، وهذا غلو مذموم شرعاً، لكن ذلك لا يعني ألا ننصفه ولا نعرف له المقام الذي أعطاه الله جل وعلا، فمن أجل ذلك أثنى الله ﵎ عليه، قال ربنا: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب:٧]، فعده خامس أولي العزم من الرسل، وقال جل وعلا: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]، فغلو النصارى في عيسى بن مريم لم يمنع القرآن أن يأتي بالإنصاف في حقه، هذا التأصيل الأول. هذا التأصيل يدفعنا إلى الواقع، فثمة أشياء في حياتنا نشعر بانقباض نحوها خوفاً أن نتهم بأننا مبالغون فيها، فأردنا أن نفر من الباطل، فلم نصب الحق. فمثلاً: الحسن والحسين سبطا رسول الله ﷺ ، بالغت الرافضة فيهما وغلوا فيهما غلواً شنيعاً وفي علي أيضاً، ولذلك فجمهرة الناس وطلاب العلم لا يتحدثون عن الحسن والحسين، وجمهرة الناس لا يسمون باسم الحسن والحسين، ويتحاشا المتصدر في مجلس أن يتكلم بـ الحسن والحسين خوفاً من أن يتهم، وهذا إجحاف في حق السبطين وهما ريحانتا رسول الله ﷺ . والعذر عند الناس في هذا أن طائفة من الناس غلت فيهما، والأصل أنه لا يمنعنا ذلك الغلو أن ننصفهما، فمن الخطأ جداً أن يدفع ذلك إلى الإجحاف، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله تعالى عليه، وهو الإمام المجدد كان من أسماء أبنائه الحسن والحسين وفاطمة، وذلك لأنه عالم، والعلم نور. فليس من الصواب أن نجحف في حق الناس لأن زيداً أو عمراً غلا فيهم، مثلاً: ذكر الله ﵎ في القنوت، فلا يأتينا إنسان فنخشى أن نذكر الله عنده خوفاً من أن يتهمنا بأننا من غلاة الصوفية؛ لأن غلاة الصوفية لهم طريقة معينة في الذكر تنكر وتشنع وتبدع، إذا كانت على غير منهج سلف الأمة، وعلى غير منهج النبي ﷺ ، لكن لا يعني ذلك أبداً أن نسعى في أن نحرم أنفسنا من الخير بدعوى أنه تلبس به أهل الباطل، ويوجد منا من يقدم للناس الخير في قالبه الصحيح، هذه أولى.

стр. 38

معرفة ما هو الإنصاف الملقي: سنبدأ بالمعرفة، ولعلي أبدأ بالقاعدة المشهورة، أعني الحكم على الشيء فرع عن تصوره؟ الشيخ: نعم، الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وينبغي أن نعرف أول الطرائق إلى الإنصاف؛ لأن الإنسان عدو ما يجهل، فإذا جهل شيئاً أصبح غير مقبول في الحكم عليه، ولذلك كثير من الأشياء نجهل تعليلها ولا نفقه لماذا وقعت؛ لأننا لا نعرف كل شيء عنها، فنبدأ بمثال بسيط من السنة. حكى عبد الله بن مسعود ﵁ أنه كان مع النبي ﷺ في غار، فينزل عليه ﷺ القرآن ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات:١] قال: فبينا نحن نأخذها رغبة من فيه صلوات الله وسلامه عليه إذ خرجت حية، فقال ﷺ : (ابتدروها فاقتلوها، قال ابن مسعود: فابتدرناها فدخلت، فقال ﵊: وقاكم الله شرها كما وقاها شركم)، وفي رواية أخرى حسنها الألباني نسبة إلى هذا الشاهد: (أنه أمر بإدخال نار حتى تخرج). موضع الشاهد هنا: من كان يجهل قضية الحية يتعجب من هذا الفعل، فيأتي إنسان ذو بضاعة مزجاة فيقول: هذا نبي الأمة والصحابة حوله يقرءون القرآن فتخرج حية فقاموا إليها وكان المفروض أنهم منشغلون بالذكر وبالخشوع؛ لأن عنده الجهل بالحية. فلأن النبي ﷺ عرف أن الحية عدو لم يترك لها مجالاً، ولهذا قال في حديث آخر: (الحية أخت العقرب)، وقال: (لعن الله العقرب ما تدع نبياً ولا غيره)، وفي حديث: (لا تدع مصلياً ولا غيره). هذا المثال البسيط يبين لنا أن المعرفة بالشيء تجعل الإنسان متصوراً لأشياء كثيرة، فلهذا يحتاج إلى المعرفة كل من يريد أن ينصف أحداً أو يحكم على أحد؛ لأن الإنصاف فرع عن الحكم لما يريد أن يحكم عليه، والحكم فرع عن المعرفة. وبعبارة أخرى: الإنصاف نوع من الحكم، والحكم فرع عن المعرفة، لكن من كان جاهلاً لا يمكن أن ينصف، والإنسان الذي جهل نفسه جهل قدره، فإذا جهل من حوله لم يحسن التعامل عليها، كالباعة مثلاً أو السوقة لا يعرفون قدر العلم، ولا يعرفون قدر العلماء. وهكذا كل أحد يجهل أحداً يكون تعامله معه بإجحاف لا بإنصاف، بخلاف من كان يعرف فهذا أقرب إلى الإنصاف من غيره، ولهذا جعلنا المعرفة باب كل شيء وجعلناها المعيار الأول، فلن يعبد الله إلا من يعرف الله، فالمعرفة مدخل عظيم لكل شيء.

стр. 39

التجرد عن الهوى الملقي: ذكرتم هذه الخصائص قبل قليل، وثاني هذه الخصائص: هو التجرد من الهوى؟ الشيخ: إن الهوى في طبعه غلاب. والتجرد من الهوى مرحلة أو نقطة أساسية في حصول الإنسان على الإنصاف، وبالأمثلة تتضح الأمور كثيراً، هناك كتاب: (المائة الأوائل) ألفه دكتور ماركل هارت، أراد أن يجمع فيه بعد أن استقصى التاريخ استقصاء معرفية، ولذلك قدمنا المعرفة، بعد أن نظر في الأشخاص الذين أثروا في التاريخ، وكانت لهم أقدام راسخة: يقول شوقي: ليس الخلد مرتبة تلقى وتؤخذ من شفاه الجاهلينا ولكن منتهى همم كبار إذا ذهبت مصادرها بقينا وسر العبقرية حين يسري فينتظم الصنائع والفنونا وأخذك من فم الدنيا ثناءً وتركك في مسامعها طنينا هذا الرجل تجرد أولاً من هواه، وهو مسيحي، لكنه جعل المسيحية وهو يحكم وراء ظهره، وبحسب معايير وضعها متجرداً من الهوى، نظرت الأشخاص المؤثرين في تاريخ البشرية كلهم من آدم إلى أن تقوم الساعة. والمهم أنه كان متجرداً من الهوى، ثم من غير حساب وجد أن النبي ﷺ هو الأول، وهو يقدم الكتاب للعالم المسيحي يقرءونه فجعل النبي ﵊ في الأول وجعل إسحاق في الثاني، والثالث: عيسى بن مريم، وجعل السادس عشر موسى، والسابع والعشرين: جورج واشنطن، والواحد والخمسين: عمر بن الخطاب، وهكذا، وكان يحتاج إلى دعم بياني في سبب اختار النبي ﷺ ؟ فقال: وجدت أن هذا الرجل أكثر الرجال في تاريخ البشرية تأثيراً دينياً ودنيوياً. ونحن نعلم ذلك يقيناً معشر المسلمين. فالشرف للكتاب لا له هو ﵊ فقد زكاه ربه، زكى الله جل وعلا صدره، زكى الله جل وعلا بصره ومر معنا هذا كثيراً، يكفيه قول الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣]، فالله جعل هذا النبي الكريم أمنة من العذاب، لكن الذي يعنينا هنا هو التجرد من الهوى، فلهذا نحكم على هذا المؤلف: ماركل هارت أنه كان رجلاً منصفاً. وقد بدأت به؛ لأنه رجل أنصف النبي ﷺ ، لكن في تاريخنا الإسلامي مثلاً، كلنا يعرف قضية حادثة الإفك، فـ عائشة ﵂ رميت بـ صفوان بن المعطل، ثم برأها الله، فمن اتهمها بعد تبرئة الله جل وعلا فقد رد على الله جل وعلا كلامه. الذي يعنينا من القضية هذه أن النبي ﷺ بمقتضى البشرية لما تأخر الوحي عنه استشار من حوله، وممن كان حول عائشة زينب بنت جحش ﵂ وأرضاها التي زوجها الله لنبيه، وهي المنافسة لـ عائشة في قلب النبي ﷺ ، فلما سأل النبي ﷺ زينب ﵂ وأرضاها، قالت: (يا رسول الله: أحمي سمعي وبصري ولا أقول إلا خيراً)، تقول أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها: (فعصمها الله بالتقوى، رغم أنها هي التي كانت تساميني من زوجات النبي ﷺ . وهذه مرحلة عليا في الإنصاف، مع أن أختها حمنة بنت جحش ﵂ وأرضاها وقعت في حديث الإفك، تريد أن تنصر أختها وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦]. هناك مثال آخر: من المعلوم أن الأندلس دخلت الإسلام في عهد بني مروان، ثم ظهرت دولة بني العباس على يد أبي العباس السفاح، ثم آلت الخلافة إلى أبي جعفر المنصور المؤسس الثاني لدولة بني العباس. في تلك الفترة ظهر عبد الرحمن بن معاوية بن عبد الملك بن مروان المعروف بـ الداخل، ودخل الأندلس بمفرده وأسس فيها الدولة الأموية وأقام ملكاً استمر قرابة ثلاثة وثلاثين عاماً، كان يكنى بـ أبي المطرف وهو يعرف بـ الداخل، من الذي لقبه صقر قريش؟ الذي لقبه بـ صقر قريش غريمه وخصمه أبو جعفر المنصور. فمعنى ذلك: أن أبا جعفر المنصور ارتقى إلى مرتقى عال جداً في قضية الإنصاف، حتى يقال: من بطش عبد الرحمن الداخل أن أبا جعفر المنصور بعث له أناساً يقتلونه، لكن ظفر بهم عبد الرحمن الداخل فقطع رقابهم وكتب أسماءهم ثم علق الورقة المكتوب فيها اسم كل واحد منهم في إذنه. فأصبحت الرأس معلقة في الورقة في أذنه، ثم وضعها في جوالق أشبه بالبراميل الكبار، ثم أعطاها تاجراً ثقة لديه، وقال: اذهب بها إلى مكة، فأدخلها التاجر الحجاز فوافق تلك السنة موسم الحج وكان المنصور قد حج بالناس، ووضع له عند باب إقامته، فلما خرج أبو جعفر رأى تلك الرءوس، وفيها رأس سيدهم الذي بعثهم، فلما رأى رأس سيدهم الذي بعثهم قال: الحمد لله الذي جعل بيننا وبينه البحر! موضوع الشاهد: أن أبا جعفر كان منصفاً عندما نعت عبد الرحمن الداخل بأنه صقر قريش. هذه الأمثلة ليس المقصود منها الإشباع المعرفي، وإنما المقصود أن نتحلى به في تعاملنا مع الناس، وهذا هو المهم جداً من البرنامج، والغرض من إيراد هذا الموضوع أن نكون منصفين عندما نتحدث عن غيرنا، مثل زميل في العمل، أنت إمام وهو إمام، أنت مؤذن وهو مؤذن، أنت مدير وهو مدير، أنت أمير وهو أمير، وهكذا في الحديث عن الأنداد أو عن المدراء أو عن الجيران, ينبغي أن يكون حكمنا على الناس بإنصاف متجرداً من الهوى، لكن مغالبة الهوى كما تعلم أمر صعب جداً لا يستطيعه إلا القليل، وما ذم الله شيئاً في كتابه مثلما ذم الهوى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٣ - ٤٤].

стр. 40

النظرة الشمولية الملقي: ما هي النظرة الشمولية من أجل حصول الإنصاف؟ الشيخ: النظرة الشمولية مهمة في سائر الأشياء التي نريد أن نصل إليها ونبتغيها، ومن أهمها الإنصاف، الإنسان إذا كان نظرته نظرة متكاملة كان حكمه على الأشياء منصفاً؛ لأنه لا ينظر إلى جزئية فقط، لأن من يريد عيباً سيجد، ومن يريد حسناً سيجد، فإذا أراد أن يمدح أغمض عينيه عن المعايب، وإذا أراد أن يذم أغمض عينيه عن المحاسن. لكن الصواب أن يلتفت إلى الأشياء وينظر إليها نظرة كاملة، قال ابن رجب ﵀: يأبى الله العصمة إلا لكتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه. ومالك يقول: ما منا إلا راد ومردود عليه. فمثلاً: تعامل الرجل مع زوجته، فهي ليست حاملة لكل المواصفات التي يبتغيها الرجل، والرسول ﷺ قال: تنكح المرأة لكذا ولكذا ولكذا، ثم قال: (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، يعني: التي تجمع الصفات الأربع من النساء قليل، لكن المقصود قال ﵊: في حديث آخر حتى يوازن الكفة: (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن سخط منها خلقاً رضي منها آخر)، فقد تكون المرأة ليست على حظ من الجمال، لكنه لا يمنع أن يكون هناك حظ من دين، هناك حظ من رأفة بزوجها، هناك حظ من حنان، هناك حظ من قدرة على رعاية أبنائها، وقد تكون فيها حظ من جمال، في حظ من منظر آخر، النظرة الشمولية هي التي تخفف ما يجده الرجل أحياناً من عناء، فتكون هذه النظرة الشمولية دافعة للإنصاف. بالطبع كما تحتاج المرأة إلى أن ينصفها زوجها، يحتاج الزوج إلى تنصفه زوجه، فإذا وجدت في زوجها خلقاً معيباً، ينبغي أن تنظر إليه نظرة شاملة ثم تقيس المحاسن على المساوئ، وإيجابياته على سلبياته، ثم تستطيع بعد ذلك أن تنصفه وتحكم عليه حكماً مميزاً. فالنظرة الشمولية للأشياء هي التي جعلت الكثير من الناس يسير في طريقه، لكن أصحاب النظرات الجزئية الذين يقفون عند كل فقرة، ولا يقبلون أن يقيلوا أي عثرة، هؤلاء لا يمكن أن ينصفوا، حتى العرب لما ذكرت الأصحاب وذكرت الخلطاء بينت أن الصديق لا يمكن أن يصفو على كل حال، ولا الأخ ولا الوالد ولا الولد ولا الزوجة، لابد من التفاوت، لابد من التباين، لا بد من الاختلاف. إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه فعش واحداً أوصل أخاك فإنه مقارف ذنب مرة ومجانبه فتارة مصيب وتارة مخطئ، لكن يجب أن تكون لدينا نظرة شمولية في الأشياء من حولنا.
следующие страницы →