Полный текст (327 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
أبرز الصفات التي يتحلى بها المنصف
الملقي: بارك الله فيك، هناك خصائص وصفات لابد لمن يريد الإنصاف أن يتحلى بها، فما هي أبرز هذه الصفات؟ الشيخ: أبرزها المعرفة، والتجرد من الهوى، والنظرة الشمولية والتماس الأعذار، هذه الأربع إذا وجدت في أحد أصبح قادراً على أن يكون منصفاً.
وتحقيق هذه الخصائص ليست من الصعوبة بمكان، وهي مسألة بشرية فبالإمكان تحقيقها، ما دام في الناس منصفون.
стр. 37
عدم الإجحاف في مقابل الغلو
الملقي: كنا نتحدث عن الخصائص الرئيسية للإنصاف، وهي أربع خصائص: المعرفة، التجرد من الهوى، النظرة الشمولية، التماس الأعذار.
هذه أسس وقواعد لابد لها من حواش أو أشياء تساند هذه الأشياء الأربعة وتكملها، فما هي؟ الشيخ: مما تجب مراعاته مع تلك الخصائص أن نعلم أنه ليس من الإنصاف أن نجحف في حق من له حق؛ لأن غيرنا بالغ فيه، وهذا مثال من القرآن: عيسى ابن مريم ﵇ زعمت النصارى أنه ابن الله، وفي بعض أقوالهم أنه الله، وفي بعض أقوالهم أنه ثالث ثلاثة، وهذا غلو مذموم شرعاً، لكن ذلك لا يعني ألا ننصفه ولا نعرف له المقام الذي أعطاه الله جل وعلا، فمن أجل ذلك أثنى الله ﵎ عليه، قال ربنا: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب:٧]، فعده خامس أولي العزم من الرسل، وقال جل وعلا: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]، فغلو النصارى في عيسى بن مريم لم يمنع القرآن أن يأتي بالإنصاف في حقه، هذا التأصيل الأول.
هذا التأصيل يدفعنا إلى الواقع، فثمة أشياء في حياتنا نشعر بانقباض نحوها خوفاً أن نتهم بأننا مبالغون فيها، فأردنا أن نفر من الباطل، فلم نصب الحق.
فمثلاً: الحسن والحسين سبطا رسول الله ﷺ ، بالغت الرافضة فيهما وغلوا فيهما غلواً شنيعاً وفي علي أيضاً، ولذلك فجمهرة الناس وطلاب العلم لا يتحدثون عن الحسن والحسين، وجمهرة الناس لا يسمون باسم الحسن والحسين، ويتحاشا المتصدر في مجلس أن يتكلم بـ الحسن والحسين خوفاً من أن يتهم، وهذا إجحاف في حق السبطين وهما ريحانتا رسول الله ﷺ .
والعذر عند الناس في هذا أن طائفة من الناس غلت فيهما، والأصل أنه لا يمنعنا ذلك الغلو أن ننصفهما، فمن الخطأ جداً أن يدفع ذلك إلى الإجحاف، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله تعالى عليه، وهو الإمام المجدد كان من أسماء أبنائه الحسن والحسين وفاطمة، وذلك لأنه عالم، والعلم نور.
فليس من الصواب أن نجحف في حق الناس لأن زيداً أو عمراً غلا فيهم، مثلاً: ذكر الله ﵎ في القنوت، فلا يأتينا إنسان فنخشى أن نذكر الله عنده خوفاً من أن يتهمنا بأننا من غلاة الصوفية؛ لأن غلاة الصوفية لهم طريقة معينة في الذكر تنكر وتشنع وتبدع، إذا كانت على غير منهج سلف الأمة، وعلى غير منهج النبي ﷺ ، لكن لا يعني ذلك أبداً أن نسعى في أن نحرم أنفسنا من الخير بدعوى أنه تلبس به أهل الباطل، ويوجد منا من يقدم للناس الخير في قالبه الصحيح، هذه أولى.
стр. 38
معرفة ما هو الإنصاف
الملقي: سنبدأ بالمعرفة، ولعلي أبدأ بالقاعدة المشهورة، أعني الحكم على الشيء فرع عن تصوره؟ الشيخ: نعم، الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وينبغي أن نعرف أول الطرائق إلى الإنصاف؛ لأن الإنسان عدو ما يجهل، فإذا جهل شيئاً أصبح غير مقبول في الحكم عليه، ولذلك كثير من الأشياء نجهل تعليلها ولا نفقه لماذا وقعت؛ لأننا لا نعرف كل شيء عنها، فنبدأ بمثال بسيط من السنة.
حكى عبد الله بن مسعود ﵁ أنه كان مع النبي ﷺ في غار، فينزل عليه ﷺ القرآن ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات:١] قال: فبينا نحن نأخذها رغبة من فيه صلوات الله وسلامه عليه إذ خرجت حية، فقال ﷺ : (ابتدروها فاقتلوها، قال ابن مسعود: فابتدرناها فدخلت، فقال ﵊: وقاكم الله شرها كما وقاها شركم)، وفي رواية أخرى حسنها الألباني نسبة إلى هذا الشاهد: (أنه أمر بإدخال نار حتى تخرج).
موضع الشاهد هنا: من كان يجهل قضية الحية يتعجب من هذا الفعل، فيأتي إنسان ذو بضاعة مزجاة فيقول: هذا نبي الأمة والصحابة حوله يقرءون القرآن فتخرج حية فقاموا إليها وكان المفروض أنهم منشغلون بالذكر وبالخشوع؛ لأن عنده الجهل بالحية.
فلأن النبي ﷺ عرف أن الحية عدو لم يترك لها مجالاً، ولهذا قال في حديث آخر: (الحية أخت العقرب)، وقال: (لعن الله العقرب ما تدع نبياً ولا غيره)، وفي حديث: (لا تدع مصلياً ولا غيره).
هذا المثال البسيط يبين لنا أن المعرفة بالشيء تجعل الإنسان متصوراً لأشياء كثيرة، فلهذا يحتاج إلى المعرفة كل من يريد أن ينصف أحداً أو يحكم على أحد؛ لأن الإنصاف فرع عن الحكم لما يريد أن يحكم عليه، والحكم فرع عن المعرفة.
وبعبارة أخرى: الإنصاف نوع من الحكم، والحكم فرع عن المعرفة، لكن من كان جاهلاً لا يمكن أن ينصف، والإنسان الذي جهل نفسه جهل قدره، فإذا جهل من حوله لم يحسن التعامل عليها، كالباعة مثلاً أو السوقة لا يعرفون قدر العلم، ولا يعرفون قدر العلماء.
وهكذا كل أحد يجهل أحداً يكون تعامله معه بإجحاف لا بإنصاف، بخلاف من كان يعرف فهذا أقرب إلى الإنصاف من غيره، ولهذا جعلنا المعرفة باب كل شيء وجعلناها المعيار الأول، فلن يعبد الله إلا من يعرف الله، فالمعرفة مدخل عظيم لكل شيء.
стр. 39
التجرد عن الهوى
الملقي: ذكرتم هذه الخصائص قبل قليل، وثاني هذه الخصائص: هو التجرد من الهوى؟ الشيخ: إن الهوى في طبعه غلاب.
والتجرد من الهوى مرحلة أو نقطة أساسية في حصول الإنسان على الإنصاف، وبالأمثلة تتضح الأمور كثيراً، هناك كتاب: (المائة الأوائل) ألفه دكتور ماركل هارت، أراد أن يجمع فيه بعد أن استقصى التاريخ استقصاء معرفية، ولذلك قدمنا المعرفة، بعد أن نظر في الأشخاص الذين أثروا في التاريخ، وكانت لهم أقدام راسخة: يقول شوقي: ليس الخلد مرتبة تلقى وتؤخذ من شفاه الجاهلينا ولكن منتهى همم كبار إذا ذهبت مصادرها بقينا وسر العبقرية حين يسري فينتظم الصنائع والفنونا وأخذك من فم الدنيا ثناءً وتركك في مسامعها طنينا هذا الرجل تجرد أولاً من هواه، وهو مسيحي، لكنه جعل المسيحية وهو يحكم وراء ظهره، وبحسب معايير وضعها متجرداً من الهوى، نظرت الأشخاص المؤثرين في تاريخ البشرية كلهم من آدم إلى أن تقوم الساعة.
والمهم أنه كان متجرداً من الهوى، ثم من غير حساب وجد أن النبي ﷺ هو الأول، وهو يقدم الكتاب للعالم المسيحي يقرءونه فجعل النبي ﵊ في الأول وجعل إسحاق في الثاني، والثالث: عيسى بن مريم، وجعل السادس عشر موسى، والسابع والعشرين: جورج واشنطن، والواحد والخمسين: عمر بن الخطاب، وهكذا، وكان يحتاج إلى دعم بياني في سبب اختار النبي ﷺ ؟ فقال: وجدت أن هذا الرجل أكثر الرجال في تاريخ البشرية تأثيراً دينياً ودنيوياً.
ونحن نعلم ذلك يقيناً معشر المسلمين.
فالشرف للكتاب لا له هو ﵊ فقد زكاه ربه، زكى الله جل وعلا صدره، زكى الله جل وعلا بصره ومر معنا هذا كثيراً، يكفيه قول الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣]، فالله جعل هذا النبي الكريم أمنة من العذاب، لكن الذي يعنينا هنا هو التجرد من الهوى، فلهذا نحكم على هذا المؤلف: ماركل هارت أنه كان رجلاً منصفاً.
وقد بدأت به؛ لأنه رجل أنصف النبي ﷺ ، لكن في تاريخنا الإسلامي مثلاً، كلنا يعرف قضية حادثة الإفك، فـ عائشة ﵂ رميت بـ صفوان بن المعطل، ثم برأها الله، فمن اتهمها بعد تبرئة الله جل وعلا فقد رد على الله جل وعلا كلامه.
الذي يعنينا من القضية هذه أن النبي ﷺ بمقتضى البشرية لما تأخر الوحي عنه استشار من حوله، وممن كان حول عائشة زينب بنت جحش ﵂ وأرضاها التي زوجها الله لنبيه، وهي المنافسة لـ عائشة في قلب النبي ﷺ ، فلما سأل النبي ﷺ زينب ﵂ وأرضاها، قالت: (يا رسول الله: أحمي سمعي وبصري ولا أقول إلا خيراً)، تقول أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها: (فعصمها الله بالتقوى، رغم أنها هي التي كانت تساميني من زوجات النبي ﷺ .
وهذه مرحلة عليا في الإنصاف، مع أن أختها حمنة بنت جحش ﵂ وأرضاها وقعت في حديث الإفك، تريد أن تنصر أختها وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦].
هناك مثال آخر: من المعلوم أن الأندلس دخلت الإسلام في عهد بني مروان، ثم ظهرت دولة بني العباس على يد أبي العباس السفاح، ثم آلت الخلافة إلى أبي جعفر المنصور المؤسس الثاني لدولة بني العباس.
في تلك الفترة ظهر عبد الرحمن بن معاوية بن عبد الملك بن مروان المعروف بـ الداخل، ودخل الأندلس بمفرده وأسس فيها الدولة الأموية وأقام ملكاً استمر قرابة ثلاثة وثلاثين عاماً، كان يكنى بـ أبي المطرف وهو يعرف بـ الداخل، من الذي لقبه صقر قريش؟ الذي لقبه بـ صقر قريش غريمه وخصمه أبو جعفر المنصور.
فمعنى ذلك: أن أبا جعفر المنصور ارتقى إلى مرتقى عال جداً في قضية الإنصاف، حتى يقال: من بطش عبد الرحمن الداخل أن أبا جعفر المنصور بعث له أناساً يقتلونه، لكن ظفر بهم عبد الرحمن الداخل فقطع رقابهم وكتب أسماءهم ثم علق الورقة المكتوب فيها اسم كل واحد منهم في إذنه.
فأصبحت الرأس معلقة في الورقة في أذنه، ثم وضعها في جوالق أشبه بالبراميل الكبار، ثم أعطاها تاجراً ثقة لديه، وقال: اذهب بها إلى مكة، فأدخلها التاجر الحجاز فوافق تلك السنة موسم الحج وكان المنصور قد حج بالناس، ووضع له عند باب إقامته، فلما خرج أبو جعفر رأى تلك الرءوس، وفيها رأس سيدهم الذي بعثهم، فلما رأى رأس سيدهم الذي بعثهم قال: الحمد لله الذي جعل بيننا وبينه البحر! موضوع الشاهد: أن أبا جعفر كان منصفاً عندما نعت عبد الرحمن الداخل بأنه صقر قريش.
هذه الأمثلة ليس المقصود منها الإشباع المعرفي، وإنما المقصود أن نتحلى به في تعاملنا مع الناس، وهذا هو المهم جداً من البرنامج، والغرض من إيراد هذا الموضوع أن نكون منصفين عندما نتحدث عن غيرنا، مثل زميل في العمل، أنت إمام وهو إمام، أنت مؤذن وهو مؤذن، أنت مدير وهو مدير، أنت أمير وهو أمير، وهكذا في الحديث عن الأنداد أو عن المدراء أو عن الجيران, ينبغي أن يكون حكمنا على الناس بإنصاف متجرداً من الهوى، لكن مغالبة الهوى كما تعلم أمر صعب جداً لا يستطيعه إلا القليل، وما ذم الله شيئاً في كتابه مثلما ذم الهوى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٣ - ٤٤].
стр. 40
النظرة الشمولية
الملقي: ما هي النظرة الشمولية من أجل حصول الإنصاف؟ الشيخ: النظرة الشمولية مهمة في سائر الأشياء التي نريد أن نصل إليها ونبتغيها، ومن أهمها الإنصاف، الإنسان إذا كان نظرته نظرة متكاملة كان حكمه على الأشياء منصفاً؛ لأنه لا ينظر إلى جزئية فقط، لأن من يريد عيباً سيجد، ومن يريد حسناً سيجد، فإذا أراد أن يمدح أغمض عينيه عن المعايب، وإذا أراد أن يذم أغمض عينيه عن المحاسن.
لكن الصواب أن يلتفت إلى الأشياء وينظر إليها نظرة كاملة، قال ابن رجب ﵀: يأبى الله العصمة إلا لكتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه.
ومالك يقول: ما منا إلا راد ومردود عليه.
فمثلاً: تعامل الرجل مع زوجته، فهي ليست حاملة لكل المواصفات التي يبتغيها الرجل، والرسول ﷺ قال: تنكح المرأة لكذا ولكذا ولكذا، ثم قال: (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، يعني: التي تجمع الصفات الأربع من النساء قليل، لكن المقصود قال ﵊: في حديث آخر حتى يوازن الكفة: (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن سخط منها خلقاً رضي منها آخر)، فقد تكون المرأة ليست على حظ من الجمال، لكنه لا يمنع أن يكون هناك حظ من دين، هناك حظ من رأفة بزوجها، هناك حظ من حنان، هناك حظ من قدرة على رعاية أبنائها، وقد تكون فيها حظ من جمال، في حظ من منظر آخر، النظرة الشمولية هي التي تخفف ما يجده الرجل أحياناً من عناء، فتكون هذه النظرة الشمولية دافعة للإنصاف.
بالطبع كما تحتاج المرأة إلى أن ينصفها زوجها، يحتاج الزوج إلى تنصفه زوجه، فإذا وجدت في زوجها خلقاً معيباً، ينبغي أن تنظر إليه نظرة شاملة ثم تقيس المحاسن على المساوئ، وإيجابياته على سلبياته، ثم تستطيع بعد ذلك أن تنصفه وتحكم عليه حكماً مميزاً.
فالنظرة الشمولية للأشياء هي التي جعلت الكثير من الناس يسير في طريقه، لكن أصحاب النظرات الجزئية الذين يقفون عند كل فقرة، ولا يقبلون أن يقيلوا أي عثرة، هؤلاء لا يمكن أن ينصفوا، حتى العرب لما ذكرت الأصحاب وذكرت الخلطاء بينت أن الصديق لا يمكن أن يصفو على كل حال، ولا الأخ ولا الوالد ولا الولد ولا الزوجة، لابد من التفاوت، لابد من التباين، لا بد من الاختلاف.
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه فعش واحداً أوصل أخاك فإنه مقارف ذنب مرة ومجانبه فتارة مصيب وتارة مخطئ، لكن يجب أن تكون لدينا نظرة شمولية في الأشياء من حولنا.
стр. 41
التماس الأعذار
الملقي: ذكرتم أن التماس الأعذار حاجة ملحة في أهل الإنصاف، كيف يكون ذلك والإنسان يعاني مثلاً من ضغطة الموقف، يعني أحياناً ليس للإنسان متسع حتى ينظر هذه النظرة الشمولية ويلتمس هذا العذر؟ الشيخ: التماس الأعذار ينبئ عن علم الإنسان بواقعه، فالإنسان المنصف يعلم، كما أن في حياته الصعود الصوارف منزلة عند غيره، كثير ممن حولها، نحبهم ونجلهم ونودهم، لكن أن نواصلهم، لكن الصوارف حولنا تمنعنا من أن نضرهم، فلأجل ذلك ينبغي على غيرنا كما ينبغي علينا أن يلتمس بعضنا لبعض العذر في حال الإخلال بذلك البر والصلة المطلوبة، فمن الإنصاف أن يكون الإنسان ذا عذر للناس، يعني أن الإنسان إذا كان يعتذر فهو دليل على سلامة قلب، ورحابة صدره، وسمو خلقه وحلمه، ومعناه أن لديه قدرة على أن يعيش مع الخلق.
لكن الذي يعاتب على كل صغيرة وكبيرة ويؤنب عليها ويجعل منها مشكلة كبرى لن يستمر معه أحد، لكن العاقل حتى يكون منصفاً يعلم أنك إذا وثقت بأحد ينبغي أن تسلم بأن له عذراً، ينبغي أن تسلم أنه ليس من المعقول أن نصل بخلطائنا وأصحابنا وأصدقائنا ومشايخنا إلى الذروة ثم عند أدنى خطأ ننزلهم، فكيف رفعناهم في الأصل إذاً؟ لكن يمر معنا كثيراً في قضايا الحديث فلان تجاوز القنطرة، وهذه درجات واختبارات مرة وأمور مضت وانتهت، فإذا حدث زلل أو خلل أو عثرة عذر الشخص، لأننا لو ملكنا الوصول إلى القلب لعلمنا أن له عذراً، وإن كنا لا نعرف ذلك العذر، قال مالك ﵀: ما كل الناس يستطيع أن يبيح بعذر.
وأحياناً إنسان يعطي مواعيد لا يستطيع أن ينجزها؛ لأن الإنسان يعطي موعداً قبلها بفترات طويلة، والغيب غيب لا يعلمه إلا الله، ثم تأتي صوارف قادحة لا يستطيع معها الوفاء، وهي كما تأتي على الرجل تأتي على المرأة، فالإنسان العاقل يقبل العذر.
وأنا أسجل هنا كلمة شكر للإخوان في جامع النور في الرياض، فأنا أعطيتهم موعداً إلى الإثنين القادم، لكن وجدت أني لا أستطيع، فلما اعتذرت لهم الليلة قبل البرنامج قبلوا العذر على أن يؤجلوا إن شاء الله تعالى إلى شعبان، فنشكر لهم ذلك، وهذا من دلائل تحليهم بالإنصاف.
стр. 42
حكم المحاباة بالدرجات بين الطلاب
الملقي: سائلة تقول: إذا أعطى المعلم الطالب درجات زائدة عل درجاته لسبب ما، هل هذا من الإنصاف؟ الشيخ: أنا كنت يوماً معلماً، وهناك أشياء لا يمكن الفرار منها، لكن هذه الزيادة التي طلبتها السائلة لا تعطى جزافاً؛ لأن ذلك يخالف الأنظمة، فإذا أردنا أن نحسن إلى طالب فالمعمول به في الواقع ثلاث طرائق: الطريقة الأولى: أن يكلف الطالب بشيء خارجي -يسمونها وسيلة- يشتريها عند دخوله ويأخذها المعلم أو المعلمة فيرميها، لكن هو يريد أن يجعلها حجة، فهذا أظن أن الوزارة تمنعه وأنا أمنعه بتاتاً؛ لأنها مبنية على الدينار والدرهم، والدينار والدرهم يختلف الناس فيهما، وليسا معياراً.
الطريقة الثانية: إعطاء لطالبات دون طالبات من غير معيار، يعني: فلان ضعيف أعطوه خمس درجات، وفلان طيب أعطوه ثلاث درجات.
الحالة الثالثة: وهي التي ينبغي العمل بها: إذا قررنا أن ننفع أحداً ننفعه بطريقة علمية، فنكلفه بواجب، أو بتمرين، حتى لو كان صح وخطأ أو أكمل الفراغ.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل:٩٠]، قالوا: والعدل معروف، والإحسان زيادة، كما في بعض التفاسير، لكن بهذه الطريقة يمكن أن تحل المشكلة، أما الإعطاء المجرد فليس بصواب.
стр. 43
حكم تقصير الزوجة في حق الزوج حتى يرتدع
الملقي: تقول السائلة: زوجي مقصر معي، فهل يجوز أن أبادل التقصير بالتقصير في حقه حتى يرتدع؟ الشيخ: نعم، إذا بادلت التقصير بالتقصير جاز من حيث الأصل: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، لكن حق الزوج على زوجته عظيم: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها)، فلا يعدل حق الزوج على زوجته شيء، لأن حقه على زوجته أعظم من حق والديها عليها، فالمرأة ينبغي عليها أن تراعي هذا جيداً، وهذا أمر مهم، لكنها إذا أرادت بتقتيرها لفت نظره وردعه وبيان الأمر له فهذا محتمل ولا تأثم إن شاء الله.
стр. 44
الصبر على أذى الجار
الملقي: الأخت تقول: ماذا تفعل حينما يكون الجار مؤذياً، وهو قريب لكنها تلقى منه هذه الأذى؟ الشيخ: الناس في القدرة على تحقيق هذه الأمور يختلفون، فإن كانت عاجزة عن الصبر فأنا أنصحها بالانتقال، والقرابات ينبغي أن يتزاوروا ولا يتجاوروا، هذا يؤثر عن عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، لكنها إذا ابتليت فعليها بالصبر، النبي ﷺ قال: (إن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المال)، يعني: الرماد الحار، وإذا ردت الأذية أحياناً تأديباً لهم فلا حرج، لكن الأفضل أن تصبر، والأفضل من حيث التطبيق العملي أن تنتقل، ولذلك استعاذ النبي ﷺ من الجار السيئ في دار المقامة.
стр. 45
العدل والإنصاف بين الأولاد والزوجات
الملقي: حينما يكون الإنسان لديه مجموعة من الأبناء والزوجات ويتفاوتون في تعاملهم معه وطاعته وبره، فكيف يعمل في الإنصاف؟ الشيخ: اجتمع في هذا السؤال العدل والإنصاف، فهو مأمور أن يعدل بينهم، وهو مأمور أن ينصف، لكن ليس العدل كالإنصاف كما تقدم، فنفرض أن هذا السائل حفظه الله له أربعة أولاد ذكور، فلا يجوز له أن يهب أحداً منهم شيئاً لم يهبه للآخر، ولو كان أشد ضراً، فهذا هو العدل.
لكن لو سأله إنسان: أي أبنائك أضر بك؟ فقال مثلاً: أحمد، أو خالد، أو زيد، فهذا جائز، إذاً: هذا إنصاف لأنه إخبار بالواقع.
فالأول من باب العدل وهو مأمور به شرعاً، وهو أيضاً مأمور بالإنصاف، لكن الإنصاف غير العدل، فمن الإنصاف أن تقول إن هذا أبر، لكن العدل له قانونه وله ضوابطه التي لا يستطيع أن يتجاوزها، وقد قلنا في الأول: إن العدل قانون خارجي، وأما الإنصاف فشيء داخلي.
стр. 46
حال الشيخ محمد المختار الشنقيطي
الملقي: الأخ الكريم يسأل عن الشيخ محمد المختار الشنقيطي.
الشيخ: الشيخ محمد المختار الشنقيطي حفظه الله تعالى ورعاه هو شيخنا وأستاذنا وحبيبنا وأخونا، وهو بخير وعافية، وله درس في الحرم النبوي الشريف ما زال مستمراً كل خميس؛ لكن الذي أعرفه أن الشيخ لديه ارتباطات علمية كتابية في إخراج بعض كتب والده وأشباه ذلك منعته حالياً من كثرة المحاضرات، ولذا أنا أطمئن محب الشيخ أن الشيخ ولله الحمد والفضل والمنة بخير وعافية، نسأل الله أن يزيد في فضله آمين.
стр. 47
الإنصاف مع العدو
الملقي: سائل يقول: لدي اضطراب حينما أتعامل مع قضايا العدو بحزن أو فرح، لأنه قد يصيب الشر عدواً مسلماً فنطلب كيف يكون الإنصاف والعدل مع العدو؟ الشيخ: قال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]، والعدو يختلف، بعض الناس لا يصلح أن تحسن إليه، لأن بعض الناس يحتاجون إلى تأديب والرحمة لا تنفع معهم، وبعض الناس ممكن أن تجره بالإحسان إليه؛ يقول معن بن أوس: أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسان إحسان
стр. 48
القضاء والقدر سر الله في الأرض
الملقي: سائل يسأل عن القضاء والقدر.
الشيخ: أيها الأخ الصالح! القضاء والقدر سر الله جل وعلا في الأرض، والنبي ﷺ خرج على الصحابة وهم يتحدثون عن القدر، فقال: (أقسمت عليكم أن تمسكوا)، فنهاهم أن يتكلموا ويخوضوا في القضاء والقدر.
وأنا أعطيك قاعدة عامة: ثق أن الله جل وعلا أجل وأكرم وأعظم من أن يظلم، فمن عُذب عُذب بعدل الله، ومن رُحم رحم بفضل الله، ولا يهلك على الله جل وعلا إلا هالك، ولا تخض في هذا الباب ولا تلج فيه أبداً.
стр. 49
قبول الحق من أهل الباطل
الملقي: ذكرت في محور سابق أنه ليس من الإنصاف أن يجحف في حق من له حق، أود أن أسأل فضيلتكم عمن ظاهره الباطل ويعمل عملاً باطلاً، ولكن يحصل أحياناً أنه يقوم بعمل حق، فكيف نتعامل مع مثل هذا الأمر؟ الشيخ: من كان ظاهره الباطل فالحق لابد أن يقبل منه، فالحق لا يرد لأنه مصدره الباطل، استدل العلماء على هذا بأن بلقيس كانت كافرة تعبد الشمس، ومع ذلك قبل الله جل وعلا منها بعض قولها: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل:٣٤]، هذا كلام الله حكاية عنها، ثم قال ربنا خاتماً الآية: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل:٣٤].
قال شيخنا الشنقيطي رحمة الله عليه: فهذا قبول من الله جل وعلا لقولها، رغم أنها عابدة وثن، وفي هذا دليل على أن الحق يقبل أياً كان مصدره، فمن الإنصاف أن يخبر عن هذا الشيء الحسن الذي قاله، كما أثنى الله جل وعلا على بعض أهل الكتاب للأمانة: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران:٧٥].
والمقصود من هذا: أن الإنسان مهما كان سيئاً يقبل منه الحق إذا وجد، ولا يمنع من قبولنا الحق كونه على باطل في أكثر أحواله.
لكن هناك أمثلة على الواقع المرير للتعامل مع مثل هذه الأمور، فكثير من الناس يصادر جهود كثيرة، وهذا للأسف سلوك مشين، حتى إننا لو أردنا أن نطبق هذه القاعدة عليهم أنفسهم لما قبل بعضهم من بعض، لكنها قاعدة مشوبة بالهوى، تطبق على أقوام دون أقوام؛ فالعلماء لما تكلموا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قالوا: إن الأمر بالمعروف وفعل المنكر أمران لا يسقط أحدهما بالآخر، نبه على هذا القرطبي وغيره.
ومعنى (لا يسقط أحدهما بالآخر)، أن كونه أمراً بالمعروف لا يجعله معصوماً من فعل المنكر، وكونه يفعل المنكر لا يمنع من أن يأمر بالمعروف وينكر المنكر بل كل مجراه.
ثاني الأمور: العاقل لا يصادم الواقع، وهذه مهمة جداً في قضية الإنصاف، فالشمس لا ترد بالغربال، هناك أناس تجاوزوا القنطرة فأصبح خيرهم شائعاً وفضلهم ذائعاً، ومن السفه أن يأتي إنسان ويسلبهم ذلك كله، كمن يسفه الآراء كلها.
فمثلاً: هناك أحداث ووقائع وأشخاص وأعلام ومؤسسات وهيئات، تجاوزت هذه الأمور، ليس هناك عاقل يطعن فيها ويتكلم فيها بغير إنصاف، نعم قد يقع منها خطأ، فالعصمة لرسول الله ﷺ فقط والأنبياء من قبله، لكن ينبغي أن على الإنسان ألا يصادم الواقع ويريد أن يرد الشمس بغربال, من اللطائف في هذا أن الشاعر كثيراً كان يحب عزة، وقد اشتهر حبه لها وشاع ذكره لها بين الناس، حتى سمي كثير عزة، وكان يقول فيها الشعر، ومما قال: أباحت حمى لم يرعه الناس قبلها وحلت تلاعاً لم تكن قبل حلت وإني وتهيامي بعزة بعدما تخليت مما بيننا وتخلت لكالمرتجي ظل الغمامة كلما تبوأ منها للمقيل اضمحلت ثم بعد هذا كله جاء نسوة إلى كثير ينفرنه منها ويذكرن له أنها شوهاء وغير ذلك من العيوب، فقال مجيباً لهن: وجاءني بعيوب عزة نسوة جعل الإله خدودهن نعالها ولو أن عزة حاكمت شمس الضحى في الليل عند موفق لقضى لها يعني: أنتم بعد هذا كله تأتون تريدون أن تبغضوا إليَّ عزة وأنا أحبها على علم واختيار، هذا غير مقبول.
فالعاقل إذا انتقد شخصية في أمور عامة أذعن الناس له، أما أن يسلبها حقها بالكلية بعد أن رست على الجودي واعترف أهل الفضل لها، وتجاوزت القنطرة وقبل الناس منذ دهر أمرها، هذا أمر غير محمود ولا مقبول، ولا يدل على كمال العقل، والمنصفون من أول صفاتهم كمال العقل ورجحانه.
стр. 50
شروط الخلع ونصيحة لمن يضرب زوجته
الملقي: ما هي شروط الخلع، ونرجو نصيحة لمن يضربون زوجاتهم؟ الشيخ: الخلع باب فتحه الله وجعله طريقاً للمرأة للتخلص من الزوج بطريقة شرعية مقررة شرعاً إذا تعذر لها أن تعيش معه، فهي تفدي نفسها إما بمقدار المهر أو دونه أو أكثر منه، بحسب ما يتفقان عليه، هذا الشرط الأساسي في الخلع، وهذا مجاله أو بابه القضاء.
أما نصيحة من يضربون زوجاتهم فنقول: حسب الرجال الذين يضربون أزواجهن أن النبي ﷺ قال عنهم: (ليس أولئك بخياركم)، فليسوا من الأخيار في شيء، قال ﵊: (وقد طاف بآل محمد نسوة يشتكون ضرب أزواجهم، فغضب وخرج على الناس، وقال: ليس أولئك بخياركم).
المقصود: الرجل الشهم الحر الذي يعقل حتى إذا أراد أن يؤدب يؤدب وفق منطوق الشرع، وفق مفردات الشرع، وأحياناً يهجر في الفراش حتى ينتقل أخيراً إلى الضرب غير المبرح، أما أن يكون هناك ضرباً مبرحاً أو تعنيفاً، أو ما أشبه ذلك فلا.
هذا كله والعياذ بالله ليس من الصواب في شيء، وهو يهدم الأسر المسلمة، والنبي ﵊: (أخبر أن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج ما في الضلع أعلاه)، وأخبر أنه لا يمكن أن يستمتع بامرأة إلا على ميل، وأنك إذا أردت أن تقيمه كسرته، وكسرها طلاقها.
فالمقصود: ينبغي أن يكون الرجل عاقلاً: (لا يفرك مؤمن مؤمنة)، لا يوجد امرأة كاملة، وبعض الناس يبقى الساعات الطوال عاكفاً على القنوات ثم يخرج يريد أن يرى ذلك في زوجته، ينظر جزئية واحدة ولا يعلم حال اللواتي يراهن، هذا من الباطل كله، ولا ينبغي لعاقل أن يتلبس به.
стр. 51
فائدة الإنصاف
الملقي: ماذا يستفيد هذا المنصف من هذا الإنصاف؟ الشيخ: يستفيد إشباعاً نفسياً، عز نظيره وقل مثيله، المنصفون رجال كبار ونساء عظيمات قليلون في المجتمع، والقمة قلما تقبل القسمة على اثنين، والذي يريد أن يكون في الذروة في كل شيء ينبغي أن يجاهد نفسه، العظماء لا يستطيعون أن يعيشوا في الدنيا، ولا يقبلون أن يتلبسوا بكل لباس، ولعل هذا يأتي في مفردات عديدة، لكن الذي أقصده أنه يستفيد الإنسان المنصف البراءة أمام الله، شعوره بأنه قد أدى ما عليه، فراره من الظلم والإجحاف بالغير، هذه كلها مكاسب لا تقدر بثمن عند الشرفاء من الرجال.
стр. 52
إنصاف العلماء وعدم الهجوم عليهم
الملقي: من المفترض أن يتوجه الجميع نحو العلماء باحترام بالغ، لكن للأسف الشديد هناك خاصة في الآونة الأخيرة هجوم يندى له الجبين على من هم ورثة الأنبياء.
الشيخ: العلماء ورثة الأنبياء، لكنهم ليسوا بمعصومين، وهذا أمر مقرر شرعاً كما تقدم قول مالك ﵀: ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر النبي ﷺ ، وكان بجواره.
العلماء رحمة الله تعالى عليهم، الأصل أنهم أفنوا أعمارهم وقضوا أيامهم في الوصول إلى المقصود الشرعي وإلى معرفة مراد الله، ومراد رسول الله ﷺ ليظهروه للناس حتى يتعبد الناس به ربهم، وهم في طريقهم هذا لم يخلوا من زلل.
فالمنصف من الناس من يغفر لهم تلك الزلة ويستر عنهم تلك الخلة، المقصود من هذا كله أن العاقل لا يجعل من أعراض العلماء طريقاً في الوصول إلى غضب الله جل وعلا وسخطه، وإنما إذا أمرنا بحسن الثناء على الناس عموماً فحق العلماء أوكد، قال الشاطبي ﵀: والواجب عند اختلاف الفهم إحساننا الظن بأهل العلم والمشكلة الكبرى: أن أكثر من يتجرأ على القدح في العلماء ليس من العلم في شيء، وأنا والله قبل فترة اتصل بي رجل فاضل إن شاء الله، يذكر أنه كان مجتمعاً مع بعض قرابته، وخلانه، وأصحابه، فتذاكروا شيخاً له فتوى معينة فكل أسهم بقوله، فكأنهم شعروا بالذنب، فربما قال قائلهم: فلنتصل، وهنا اتصلوا في الغالب ليجدوا مبرراً لهم في هذا الصنيع، أو يجدوا أحداً يبارك تلك الكلمات، فلما كلموني تحاشوا أن يذكروا اسم الشيخ، لكن أنا قلت لهم: أنتم تقصدون فلاناً؟ قالوا: نعم، قلت: دعك الآن من فلان، أنا أسألك بالله، كم جزءاً من القرآن تحفظ؟ فسكت.
قلت: تحفظ أربعة، ثلاثة، فلم يجب، قلت: ولا هؤلاء الذين معك، فقال فيما معناه: ولا هؤلاء.
فقلت: سبحان الله! يعني: أكثركم لا يكاد يحفظ ثلاثة أجزاء سوغ لنفسه أن يتكلم في عالم، نحن لا نقول: إن هذا العالم أصاب، لكن الذين يملكون الحق في الرد على العالم من كان مثله.
أما أنتم فينبغي أن يحفظ المرء منكم لسانه ويسكت، ولست ملزماً بفتوى زيد ولا عمرو، فإن كنت تراها خطأ فاسأل غيره ممن تثق به، ولا يكلفك الله جل وعلا بأكثر من هذا، لكن هذه مشكلة كبرى نعانيها في أن كثيراً من الناس يتصدرون للحكم على العلماء.
والمفترض أن من يحكم على غيره يكون إما موازياً له أو أحسن منه، لكن الذي يحدث أن الصغار يحكمون على الكبار، وقد نبه الأخيار إلى هذا من قبل: متى ترد العطاش إلى ارتواء إذا استقت البحار من الركايا وإن ترفع الوضعاء يوماً على الرفعاء من إحدى البلايا إذا استوت الأسافل والأعالي فقد طابت منادمة المنايا فإذا كان هذا قيل قديماً فما عسى أن يقال في عصرنا؟! لكن ينبغي على طلبة العلم أن يتقوا الله في إخوانهم من العلماء، وأن يراعوا أن لا يغرسوا في الطلاب ولا في العامة جرأة الحديث والتكلم على العلماء.
كما أنه ينبغي على العلماء الذين لهم بعض الفتاوى التي غالب الظن أنها بعيدة النزعة عن الصواب أن يحتفظوا بها قدر الإمكان، أو أن تقال في مجالس يمكن معها مناقشة القضية.
стр. 53
كيف يتعامل الإنسان مع نفسه بإنصاف
الملقي: نفس الإنسان كيف يتعامل معها بإنصاف.
الشيخ: نفس الإنسان أعظم ما يعنى به الإنسان: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:٦]، ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح:٢٨] هذه أمور مقررة.
ولكن كيف ينصف الإنسان نفسه؟! أن لا يحرمها من فضل، وأن لا يرضى لها بالدون، وأن ينظر إلى قمم المعالي فينافس فيها: إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم لكن كذلك من ذل النفس، أن تكلفها ما لا تطيق، وأن تقتحم بها لججاً لم تخلق لها، وأن تركب سنناً لست من ركبانها، وإن قيمة كل إنسان فيما يحسنه من العمل، فإذا جاء إنسان ليس النحو من صنعته، وأراد أن يتشدق بكلمات عربية فهذا يظهر عيبه، إنسان ليس من بضاعته العلم الشرعي، فأراد أن يجادل فيه فيكشف سوءة أخرى فيه وهكذا.
العاقل يعرف أين قدراته، أين مكمن القوة من نفسه، ثم يسير على مكمن القوة من نفسه فينميه ويطوره ويسأل الله التوفيق والسداد، هذا من أعظم إنصاف النفس.
كذلك من هضم النفس والإجحاف في حقها بأن تعرف أن لديك قدرات، لديك مواهب ثم تقنع بما فيه أقرانك حباً في القرب منهم، والركون إليهم وتحرم نفسك من أشياء عظيمة يمكن أن تحققها، وآمال جليلة يمكن أن تدركها؛ كل ذلك مراعاة لمن حولك، لا تريد أن تفارقهم، ولا تريد أن تهجرهم، أمثال هؤلاء لا يصلون إلى المعارف؛ لأن أول قضية الرحيل التنقل عمن هو سبب في تثبيطنا، والطغرائي يقول: إن العلى حدثتني وهي صادقة في ما تحدث أن العز في النقل لو أن في شرف المأوى بلوغ منى لم تبرح الشمس يوماً دارة الحمل وإنما رجل الدنيا وواحدها من لا يعول في الدنيا على رجل فالمقصود: هذا باب إنصاف النفس، وأعظم الإنصاف إلى النفس أن يجعلها الإنسان على صراط الله المستقيم، لا تريد إلا وجه ربها، ولا تخشى إلا ذنبها، ولا تريد شيئاً أعظم من الجنة، ولا ترهب شيئاً أذل من النار.
стр. 54
إنصاف هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الملقي: الهيئات الشرعية والمؤسسات الخيرية تعاني هجوماً وإجحافاً وسأضرب لك مثلاً بـ (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)؟ الشيخ: هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بلادنا مثلاً برهان عظيم على أن هذه دولة الإسلام، من كان منصفاً ينظر إليها نظرة شمولية وعنده تجرد من الهوى وتلمس للأعذار فيجد أن الله جل وعلا سد بهم ما الله به عليم من الثغرات، وحفظ الله جل وعلا بهم العديد من الحرمات، ونصر الله جل وعلا بهم الكثير من أهل الصلاح، وقطع الله جل وعلا بهم كثيراً من حبال أهل الفساد.
وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفضالها على الناس قائمة، لكن هناك -عياذاً بالله- من يبحثون عن النقص؛ والكمال عزيز وهؤلاء مجموعة أفراد، هؤلاء الأفراد بشر، لابد أن يقع من بعضهم خطأ حتى ولو عمداً، لكن هذا الخطأ الواحد إذا وجد فهو مغمور في خيرات إخوانه، فهي هيئة شرعية مباركة نفع الله جل وعلا بها.
وينبغي على من تطاول عليها أن يتقي الله جل وعلا، ولو أراد أن يكون منصفاً، نقول له: هل تقبل أن يتعرض أحد لحرماتك بأذى؟ والله إنه لولا الله ثم ما كتب الله جل وعلا لولاة هذا الأمر من وجود هذه الهيئة لحدثت أمور وأمور يندى لها الجبين، وتأباها قلوب الأحرار، وهي في أول الأمر وآخره تصادم شرع رب العالمين، ونسأل الله أن يبارك في جهودهم ويعينهم ويوفقهم ويسددهم.
стр. 55
الكلام بإنصاف عن الحجاج بن يوسف وأحمد شوقي
الملقي: فضيلة الشيخ، أود أن أنتقل معك في هذه الحلقة إلى شخصيتين تاريخيتين ثار حولهما جدل كبير وتدور حولهما علامة استفهام، والناس ينظرون إليهما نظرات مختلفة، وهما: شخصية الحجاج بن يوسف الثقفي وشخصية الشاعر أحمد شوقي، فماذا تقول فيها يا فضيلة الشيخ؟ الشيخ: الإنصاف أن ننظر نظرة شمولية، فـ الحجاج مما حقق الله على يديه جمع كلمة الناس، جنحت الأمة على خلافة عبد الملك بن مروان إلا قليلاً بسيف الحجاج، من هذه الزاوية نفع الله به الناس، وجمع الناس أمر محمود، ولو كان له ضريبة كبيرة بسفك الدماء، لكن الرجل في تجرئه على دماء المسلمين أخطأ خطأ عظيماً، ولهذا كرهه الأخيار من السلف، وتكلموا فيه كلاماً في بعضه عندي قسوة، لكن من حيث الجملة أصابوا، وهذا لا يمنع من أن يستفيد الإنسان من حزمه، ومن بيانه، ومن كرمه، فقد كان كريماً، كان يقول للناس: إذا طلعت الشمس فاحضروا للغداء، وإذا غربت فاحضروا للعشاء.
وكان حافظاً للقرآن، وكان لغوياً وهو أحد أربعة لم يلحنوا قط، إن صحت الرواية وكان ذكياً جداً، وكان له أمر محمود في الناس.
والذين يريدون أن يسوسوا الناس لا بد أن يكونوا أقوياء: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]، ومن القوة أن يكون الإنسان نبيهاً ذكياً فاهماً محيطاً، هذه شخصية الحجاج؛ لكن من حيث الجملة هو إلى الفسق أقرب منه إلى الإيمان.
أما أمير الشعراء أحمد شوقي فقد أخذ حقه من اللقب، لكن المشكلة أنه عندما أخذ حقه ظلم، حتى قال بعض المعاصرين: هذا شاعر الأمراء وليس أمير الشعراء، لقربه من السلطان.
وكل من يقرب من السلطان فإن الناس تذمه هذه سنة الله في خلقه، وإلا فكل الناس يتمنى أن يتقرب في الأصل من السلطان، لكن الحق في شوقي رحمة الله تعالى عليه أنه شاعر بمعنى الكلمة.
ولو قدرنا أن نختار خمسة أو عشرة أو أقل على مدار الدهور، ممن أقام الشعر العربي حقاً وقطعاً فإن شوقي سيكون أحدهم إن لم يكن أولهم، لكن لأنه كان قريباً من حكام مصر آنذاك ذمه الناس ولم يقبلوا منه.
وبعض الناس عندما يجادلوننا في شوقي ينسون دوره، ويقولون: الناس تحفظ شعر المتنبي وكذا وكذا، ونحن نقول: كل له دور، والأشياء إذا عتقت وقدمت صارت عيوبها نوعاً من القذاة، والنفس تنبهر أمام القديم ولا تستطيع أن تقربه، وهذا من قديم أصلاً، حتى أبو تمام لما ظهر تجنب بعض الناس أن يمدحه لأنه محدث، لكن الآن تمدحه الناس من غير روية، وكذلك شوقي لما ظهر.
ثم إن شوقي ظهر في فترة ظهرت فيها غالب علوم الأدب، وكان الناس غير منشغلين عن الشعر، والآن انصرف الناس عن الشعر وظهرت قنوات وقنوات وأمور أخريات، لكن المقصود أن شوقي رحمة الله تعالى والشعراء غيره ظلموا حين أعرض الناس عن الشعر وعن الرواية وعن الأدب وعن القصة، فضاع سوقهم، ومع ذلك يعتبر شوقي شاعراً حقاً.
стр. 56
علماء منصفون
الملقي: من خلال تعاملك مع الناس لاشك أنك قابلت شخصيات منصفة، فلو تكرمت بذكر من يتسم بهذه الصفة البارزة إذا رأيت ذلك؟ الشيخ: الحق أنهم كثيرون، لكن منهم الشيخ عبد العزيز بن صالح رحمة الله تعالى عليه، إمام الحرم سابقاً، هذا كان رجلاً منصفاً بمعنى الكلمة، لكن أنا قلت في إحدى اللقاءات هنا في هذا البرنامج إن الشيخ إبراهيم الأخضر حفظه الله كان يقول: إن كل جسد مركب من حسد، ولو أن جسداً خلا من الحسد لكان جسد الشيخ ابن صالح.
من دلائل إنصافه أنه قرب كثيراً من العلماء للتدريس في الحرم النبوي بصرف النظر عن أشياء أخر لم يعتبرها ربما ذمها الناس ولا داعي لنشرها، لكنه كان يتجنبها.
فمن أجل ذلك منّ الله عليه بمحبة الناس له، إلا أن هؤلاء الذين قدر لهم أن يدرسوا في الحرم الشريف شاع ذكرهم وعم فضلهم وانتشر علمهم وانتفع الناس بهم، وهذا كله عائد بعد رحمة الله وفضله إلى إنصاف الشيخ رحمة الله تعالى عليه.
زرت سماحة الشيخ الوالد عبد العزيز آل الشيخ مفتي المملكة حالياً مرتين أو ثلاثاً في مجلسه، وذكرنا عدة قضايا، وذكرنا عدة أشخاص، والحق -ونحن شهود الله في أرضه- أن الرجل كان منصفاً في الحديث عن أشخاص لو ذكروا عند غيره لهجم عليهم بالذم، لكن الرجل كان منصفاً جداً في الحديث عنهم، وكان ورعاً في ذلك، كان يتكلم كلاماً علمياً معرفياً، كلام رجل يريد النصح، يريد الخير، حتى ما فيهم من نقص يريد أن يواريه فيستره أو يسعى في حله، وأنا منذ خرجت من عنده آنذاك أكبرته وازداد إجلالي له، حتى أنني حدثت بعض طلبة العلم بما كان بيننا.
стр. 57
سلسلة القطوف الدانية - التقديم والتأخير في كلام العلي الكبير
القرآن العظيم كتاب الله الذي لا تنقضي عجائبه ولا تنفد، ومما في القرآن من البلاغة مسائل التقديم والتأخير بين الأشياء المذكورة في القرآن.
стр. 58
تمهيد يبين أغراض التقديم والتأخير في القرآن
المقدم: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا ونبينا محمد وعلى آله.
أيها الأحبة: القرآن الكريم هو حجة الرسول وآيته الكبرى، يقوم في فم الدنيا شاهداً برسالته وناطقاً بنبوته، ودليلاً على صدقه وأمانته، وهو ملاذ الدين الأعلى، وعماد لغة العرب الأسمى، تدين له اللغة في بقائها وسلامتها، وتستمد علومها منه على تنوعها وكثرتها.
هو القوة التي غيرت صورة العالم، وحولت مجرى التاريخ، وأنقذت الإنسانية العاثرة؛ لذلك كله كان القرآن الكريم موضع العناية الكبرى من الرسول ﷺ وصحابته ومن سلف الأمة وخلفها جميعاً.
وقد اتخذت هذه العناية أشكالاً مختلفة فتارة: ترجع إلى لفظه وأدائه، وأخرى: إلى أسلوبه وإعجازه، وثالثةً: إلى كتابته ورسمه، ورابعةً: إلى تفسيره وشرحه إلى غير ذلك.
في هذه الحلقة سيكون لنا بإذن الله مزيد عناية بأمر له في القلوب أحسن موقع وأعذب مذاق، سأتحدث مع ضيفنا الكريم عن (التقديم والتأخير في كلام العلي الكبير).
وأستهل لقاءنا بهذا المحور، وهو إطلالة سريعة عن موضوع التقديم والتأخير في كلام الله .
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقائد الغر المحجلين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أولاً: أهنئ من يسمعنا ويشاهدنا بعيد الفطر المبارك، سائلين الله جل وعلا أن يجعله علينا أهل الإسلام عيد خير وبركة.
ثم إننا نقول: إنه كلما كان الإنسان قريباً دانياً من كلام الله جل وعلا فهذا شرف عظيم، وموئل كريم لا يعطى لكل أحد.
ولعل من الفأل الحسن أن البرنامج غير موعده إلى ثاني اثنين من كل شهر، فيكون قريباً من قول الله جل وعلا: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة:٤٠] وإن كان هناك في الذوات وهنا في الأيام، لكن أي قرب من القرآن أمر محمود.
ثم أقول: هذا القرآن هو معجزة نبينا الخالدة صلوات الله وسلامه عليه: جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بحكيم غير منصرم آياته كلما طال المدى جدد يزينهن جلال العتق والقدم والتقديم والتأخير يأخذ طرائق متعددة في كلام الله جل وعلا، لكنني سأشرع في بيان مجملها: أحياناً يكون التقديم فيه نوع من التسلية للنبي ﷺ ، وهذا يكون في تقديم الخطاب.
الله جل وعلا وحده يعلم الغيب، فأذن لنبيه أن يتوجه إلى بيت المقدس عندما كان في مكة، فلما هاجر إلى المدينة مكث فيها ستة عشر شهراً يصلي إلى بيت المقدس، ثم نسخ ذلك وقد نزل قبل آية النسخ قول الله جل وعلا: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:١٤٢].
فهذا تقديم، بمعنى: أنه توطئة لأمر وردة فعل ستقع من الناس، ففي هذا تسلية للنبي ﷺ .
ثم قال الله بعدها بآية: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤].
فقول الله: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) ناسخ لتولية المسلمين وجوههم نحو بيت المقدس، فالتقديم هنا للتسلية.
ومثال التأخير: كانت بدر أول معركة خاضها المسلمون، ولم يكن لهم عهد بتقسيم الغنائم فلما حازوا الغنائم حصل شيء من النزاع فأخذوا يتساءلون، فذهبوا للنبي ﷺ وسألوه، قال الله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١] لكن الجواب عن سؤالهم تأخر، وقدم ما لم يعن المسلمون به آنذاك وهي قضية إصلاح ذات البين، فأنزل الله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١].
ثم بعد ذلك قال الله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال:٤١] فبين كيفية تصريف الأنفال، فهذا نوع من التقديم والتأخير.
أحياناً يكون التقديم والتأخير في العامل والمعمول، ذكر الله جل وعلا على لسان آسية بنت مزاحم امرأة فرعون أنها قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم:١١] فقدم الجار والمجرور على المفعول به على خلاف الترتيب لغرض، وهو أنها اختارت جوار الله قبل أن تختار الدار، وقد بين في أكثر من موضع أن هذا من دلالة شوقها إلى ربها جل وعلا وأدبها في مخاطبة الرب ﵎.
أحياناً يأتي الترتيب ظاهراً بيناً، يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء:١٣] فتقديم الله على رسوله أمر واضح.
وأحياناً يكون لأجل التشريع، يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨] فالنبي ﵊ رقا الصفا وقال: (أبدأ بما بدأ الله به وتلا: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ)).
من هنا نفهم أن التقديم في كلام الله جل وعلا لا بد له من حكمة قد نفقهها وقد لا نفقهها وهذا مضمار تجري فيه أقدام العلماء ما بين مكثر من الصواب ومقل، وهذا هو العلم الحق.
هذا نوع من التمهيد والتوطئة لحلقة هذا اليوم: (التقديم والتأخير في كلام العلي الكبير ﷻ .
стр. 59
التقديم والتأخير بين الجن والإنس
стр. 60
أبيات شعرية تدل على فصاحة العرب
المقدم: عندما رجحت تقديم الإنس على الجن في بعض الآيات أشرت إلى أن الإنس ولا سيما العرب هم أهل الفصاحة وأهل البيان، فلعلنا نلطف اللقاء بشيء من الأبيات الشعرية أو بشيء من المقطوعات الأدبية؟ الشيخ: العرب أمة ذات بيان، ومن قرأ تاريخهم وأدبهم وشعرهم الذي وصل إلينا عرف ذلك وتبين له علو كعبهم في الفصاحة والبلاغة.
ولذلك تعجب ممن يطلب علماً ولا يكون له حظ من الاطلاع على ما ذكره العرب السابقون من شعر ونثر؛ لأن ذلك معين على الوصول إلى الحقائق، وبما أن القرآن والسنة عربيان والنبي ﵊ أفصح من نطق بالضاد، والقرآن أنزل بلسان عربي مبين؛ فإن الإنسان إذا كان له حظ من المعرفة بلغة العرب كانت له قدرة على الوصول إليها، مثلاً يقول لبيد في معلقته التي مطلعها: عفت الديار محلها فمقامها بمنى تأبد غولها فرجامها وهي من أمتع المعلقات وأعظمها صعوبةً، فهي تتميز بصعوبة الألفاظ وغرابتها؛ لكن فيها متعة في سلاسة الجرس الشعري: شاقتك ظعن الحي حين تحملوا فتكنسوا قطنا تصر خيامها زجلاً كأن نعاج توضح فوقها وظباء وجرة عطفاً آرامها حفزت وزاولها السراب كأنها أجزاع بيشة أثلها ورضامها بل ما تذكر من نوار وقد نأت وتقطعت أسبابها ورمامها مرية حلت بفيد وجاورت أهل الحجاز فأين منك مرامها كم معشر سنت لهم أقوامهم ولكل قوم سنة وإمامها وهم العشيرة أن يبطئ حاسد أو أن يميل مع العدو لئامها وقال عنترة: هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم تكلم فيها عن مناقبه وعن فروسيته محاولاً نيل قلب من يعشقها: ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي ووددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم (يدعون عنتر) عنتر بالفتح وتأتي بالضم.
يدعون عنتر والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها قيل الفوارس ويك عنتر أقدم إلى أن قال يصور الذباب الذي له ذراعان يحك بعضهما ببعض، والعرب تقول: لم يصف أحد الذباب كما وصفه عنترة قال: هزجاً يحك ذارعه بذراعه قدح المكب على الزناد الأجذم غرداً: أي فرحاً بالجيف.
وهذا البيت فرت منه العرب أن تقاربه، وهذا قول النقاد، وهذا كله يدل على أن العرب كانوا أهل فصاحة، فإذا كانوا أهل فصاحة وبلغوا فيها منزلاً عظيماً، ومع ذلك تحداهم الله أن يأتوا بآية من مثل كتابه فعجزوا، فهذه قرينة لا تقبل المزايدة على أن القرآن من عند الله وليس من عند محمد ﷺ كما كانوا يزعمون: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٥ - ٦].
стр. 61
فائدة في الترخيم
المقدم: لقد أشرت في البيت: (يدعون عنتر) إلى أنه يجوز الرفع والنصب في كلمة (عنتر) فنريد أن نحررها نحوياً! الشيخ: تحريرها نحوياً: (يدعون عنتر) أصلها: يدعون يا عنتر، واسمه الحقيقي (عنترة) والعرب قد تلحق بالاسم المذكر تاء التأنيث مثل: طلحة معاوية حمزة عنترة.
وهناك عند العرب أسلوب يسمى: الترخيم، وحذف آخر الاسم عند النداء: يا فاطم يا عائش.
والمنادى العلم المفرد يبنى على الضم في محل نصب، فأصل العبارة: (يدعون يا عنترة) لكن حذفت التاء للترخيم، فإن قلنا: (يدعون عنترَ) فهو على اعتبار أن الضمة مقدرة على التاء المحذوفة، وهذه يسمونها: (لغة من ينتظر) يعني: هؤلاء على أمل أن تعود التاء بضمتها.
اللغة الثانية يسمونها اصطلاحاً: (لغة من لا ينتظر) أي: من لا ينتظر عودة التاء، فمن لا ينتظر عودة التاء أخذ الضمة التي هي علامة البناء ووضعها على الراء، فأصبحت (يدعون عنترُ والرماح كأنها).
стр. 62
الحكمة من تقديم الجن على الإنس في بعض الآيات والعكس في بعضها
المقدم: إدراك هذه الحكم التي ذكرتها قد لا تتسنى لكل أحد وإنما يختص بها العلماء، ولعلنا نؤخر السؤال عن هذا المحور لنبدأ ببعض الأمثلة الواردة في كتاب الله ، وإن كانت كثيرة جداً لكن نكتفي ببعضها.
فأبدأ بمسألة الإنس والجن فأقول: إنها كثيراً ما تقترن في القرآن الكريم، والمتتبع لهذه الآيات يجد أن الباري أحياناً يقدم الجن، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وفي آيات أخرى يقدم الإنس، ولا شك أن هذا التقديم والتأخير لم يكن عبثاً من الله وإنما هو لحكمة معينة، لعلنا نستعرض هذه المواضع ونبين سبب التقديم والتأخير في كل آية؟ الشيخ: جعل الله جل وعلا الجن والإنس أمتين: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن:٣١] هاتان الأمتان ذكرتا في القرآن كثيراً، فقدمت إحداهما أحياناً والأخرى في الخطاب أحياناً، فلماذا قدم الجن حيناً وأخر الإنس، ولماذا قدم الإنس وأخر الجن؟ هذا ما سنعرض له.
بداية نقول: إن الله خلق الجن قبل الإنس، قال الله: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر:٢٧].
وعندما قال الله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فتقديم الجن هنا ظاهر، لأن الله جل وعلا خلقهم قبل أن يخلق الإنس، فخاطبهم باعتبار ترتيب إيجادهم وخلقهم.
وقال الله جل وعلا في سورة الرحمن: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الرحمن:٣٣] وقال في سورة النمل: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ [النمل:١٧].
والمتتبع للقرآن والسنة يفقه أن الجن أكثر قوة من الإنس: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦].
حتى ما تكتنفه الضمائر: أن الإنس يرون أن الجن أقوى منهم، فلذلك وجد في الإنس من يلجأ إلى الجن ولا يوجد العكس، فهنا قدم الله جل وعلا الجن؛ لأن القضية قضية مخاطبة بالقوة، فلما أراد الله أن يخاطب في قضية النفوذ من أقطار السماوات والأرض خاطب الجن ابتداءً؛ لأنهم أقوى فقال: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الرحمن:٣٣].
ولما أراد الله أن يتكلم عن جند سليمان فهو يتكلم عن جيش، والجيش مداره الأول على القوة فقدم الجن وقال: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل:١٧].
لكن الله لما تكلم عن البيان الذي تحدى به العرب الفصحاء وهم من الإنس، قال الله جل وعلا في الإسراء: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨] فقدم الله الإنس هنا؛ لأن الخطاب أحوج ما يكون إليهم؛ لأنهم مخاطبون به أصلاً فالإنس أكثر فصاحةً وبياناً فيما يظهر لنا من الجن، والمخاطب الأول في القرآن بالتحدي في هذه الآيات هم الإنس، فإن سورة الإسراء مكية وأهل مكة هم الذين كان لهم مجال واسع في الفصاحة والبلاغة كما هو معلوم.
فنلاحظ أنه لم يقدم أحد، ولم يؤخر أحد إلا لحكمة ظاهرة بينة.
أما آية في الإنعام: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠] فهذه لم أجد فيها تعليلاً يروي الظمأ، وما دمت لم أجد فيها شيئاً يروي الظمأ فإني أتوقف عن الحديث فيها حتى يكتب الله جل وعلا أن نقف على كلام أحد قبلنا من العلماء الأفاضل، أو أن يفتح الله علينا بما شاء.
стр. 63
دخول مؤمني الجن الجنة
المقدم: قبل أن نخرج من الكلام على الجن والحديث عنهم نذكر أن من المسائل التي تثار ما يتعلق بجزاء مؤمني الجن، وهل يدخلون الجنة أو لا؟ فنريد أن تؤصل لهذه المسألة ثم تبين القول الراجح فيها.
الشيخ: الله تعالى خاطب الجن والإنس بالإيمان والتكليف والعبادة، وهذا أظهرته هذه الآية: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] لكن العلماء عندما يناقشون آية الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣١].
الذين قالوا: إن مؤمني الجن ليس لهم مكافأة على إيمانهم إلا غفران الذنوب والإجارة من النار ولا يتجاوزونه إلى دخول الجنة، حجتهم هذه الآية، فلو سألناهم: أين الحجة في الآية؟ قالوا: إن الله ذكرهم وذكر عملهم وهو الإيمان، وذكر ما يترتب على إيمانهم: ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأحقاف:٣١]، فقوله: (يَغْفِرْ لَكُمْ) جواب الأمر، فعلق على الإيمان مغفرة الذنوب والإجارة من النار دون دخول الجنة، فقالوا: لو كان الله قد كتب لمؤمني الجن أن يدخلوا الجنة لأوشك أن يذكروه، هذه عبارتهم.
هذا قول وهو رأي مرجوح.
هناك أقوال يقول عنها العلماء: إنها غريبة، لكن في منهجنا العلمي أننا نذكر كل شيء ولا يعني ذكرنا لقول أننا نرتضيه أو نقطع به أو نجزم بصحته، لكن من باب الأدب مع من يستقبل كلامنا أن يعرف كل شيء، وكذلك الأدب مع قائله.
بعض العلماء يقول -وينسب هذا إلى عمر بن عبد العزيز - إنهم لا يدخلون بحبوحة الجنة، وإنما يكونون في أرجائها وأطرافها.
وقال آخرون: يدخلون الجنة لكنهم لا يمكنون من النظر إلى بني آدم، فبنو آدم يرونهم وهم لا يروا بني آدم، على عكس ما كانوا عليه في الدنيا وقطع آخرون بعدم الدخول بحجة أن الجن من ذرية إبليس؛ قالوا: إن إبليس كان سبباً في خروج أبينا وأمنا من الجنة فلا تدخل ذرية إبليس الجنة.
وقال بعضهم: يدخلونها لكنهم لا يطعمون منها، إنما يلهمون التسبيح.
وقد قلت قبل أن أسرد هذه الأقوال: إنها أقوال غريبة لا يوجد ما يعضدها.
والراجح: أن مؤمني الجن يدخلون الجنة، والأدلة على ذلك ساقها الحافظ ابن كثير رحمة الله تعالى عليه في تفسيره عند تفسير سورة الأحقاف، وقد أظهر قوله أموراً أهمها: سعة اطلاعه ﵀، وعلو كعبه في التفسير، وتجرده من الهوى، وهذه مطالب عالية تطلب في طالب العلم، فالإنسان إذا تصدر وكان يملك آلة وقدرة على البحث مع تجرد من الهوى قل أن يخذل، بل يكون إلى التوفيق أقرب، وإذا وفق نفع العباد.
ونحن سنرد جملة من الأدلة التي ذكرها الحافظ ابن كثير بإيجاز، فمنها: عموم قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف:١٠٧] وأنت لبيب تعلم أن كلمة (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) يندرج فيها مؤمنو الإنس ومؤمنو الجن.
وأظهر منها أن الله قال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٤٦ - ٤٧] والآية تخاطب مؤمني الجن ومؤمني الإنس، والله قد وعد فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] فوجه الدلالة: أنه لا يعقل أو لا يتصور أن يمن الله عليهم بفضل لن يحصلوا عليه، فإذا كان الله قد كتب أن مؤمني الجن لن يدخلوا الجنة، فأين المنة في الآية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]؟ هذا محرر.
ومن ذلك: أن النبي ﷺ أخبر أن الجنة يبقى فيها سعة فينشئ الله لها خلقاً، فمن باب أولى أن يدخلها مؤمنو الجن، لأنهم أولى ممن ينشئهم الله جل وعلا لها، وهذا لا يعني أن الله لم ينشئ لها أحداً.
وكذلك: إذا ثبت لدينا قطعاً أن الله يعاقب كافري الجن بالنار وهو مقام عدل، فمن باب أولى أن يكافئ ويثيب مؤمني الجن بالجنة وهو مقام فضل.
ثم إن قول الله جل وعلا: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣١] ليس فيه دلالة على أنهم يمنعون من دخول الجنة؛ لأن الله ذكر مثل هذا عن قوم نوح: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح:٤] ولم يذكر فيه الجنة، ومعلوم قطعاً أن المؤمنين من قوم نوح مآلهم إلى الجنة.
هذا مجمل ما ذكره العلماء في قضية
стр. 64
الحقوق المتعلقة بتركة الميت
المقدم: ننتقل إلى موضوع آخر، وهو ما يتعلق بمسألة الوصية والدين: من المعروف فقهياً أن الدين يقدم على الوصية، والمتتبع لآيات المواريث يجد أن الباري ينص على تقديم الوصية: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢].
قبل أن ندخل في بيان سبب هذا التقديم لعلكم تشيرون إشارة سريعة إلى أهم الحقوق المتعلقة بتركة الميت.
الشيخ: أولاً: نسأل الله لنا ولمن يشاهد حسن الختام.
ثانياً: المال أعطاه الله جل وعلا لابن آدم وموله إياه، أي: ملكه الله جل وعلا إياه، فعند موته يسلب ماله كله، ويوم القيامة يسأل العبد عن ماله كله، إلا أنه يمكن تقسيم ما يتعلق بماله حال الموت إلى أربعة أقسام: الأول: الإنسان في الدنيا يلبس شيئاً يستر عورته ويخفي سوءته فلا سبيل لأحد بأي سبب إلى الوصول إلى ما يرتديه المرء، ولو كان لنا عليه مئات الآلاف من الأموال فلا سبيل لنا إلى أن نبيع ثيابه، لحاجته إليها.
هذه يوازيها كفن الميت وجهازه إلى قبره، فأول ما يصرف فيه مال الميت وتركته كفنه وجهازه، ولا يحق لأحد أن يطالب بشيء لا يكفي إلا للكفن وجهازه إلى قبره، فهذا يصبح مرادفاً أو موازناً للثياب في الحياة.
الأمر الثاني: إذا كان عليه دين فإن الذمة لا تبرأ إلا بقضائه، فإن كان قد أوصى بعطايا أو بقربات، فلا شك أن هذه الوصايا والقربات يريد بها زيادة أجر، ولا ريب أن تبرئة الذمة مقدمة على زيادة الأجر فلذلك لا بد أن يقدم الدين بالاتفاق، حتى تبرأ ذمته، قال ﵊: (نفس المؤمن معلقة بدينه).
والناس اليوم يتساهلون في كل شيء، ففي أقسام المرور هناك قسائم، وكذلك قروض البنك العقاري، أو فواتير الهاتف أو الكهرباء؛ هذه كلها ديون باقية في الذمة يجب سدادها من مال الميت قبل أن توزع تركته، أو قبل أن يقتسم الناس ماله، أو قبل أن يمضى في وصيته، هذه نقطة أساسية.
الثالث: الوصية، لأنه إذا انتهينا من تبرئة الذمة ننتقل إلى درجة أعلى وهي القربات، فله ثلث المال، قال ﵊ لـ سعد ﵁ وأرضاه: (الثلث والثلث كثير) وأبو بكر ﵁ اختار الخمس، قال: رضيت ما ارتضاه لنفسه ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال:٤١] فأوصى بالخمس؛ لكن الثلث كحد أقصى.
وهنا جعله الله جل وعلا له رحمة به حتى يكون سبباً في نجاته يوم القيامة، ويكون له بسببه لسان صدق، فإن الله جل وعلا ذكر أنبيائه وذكر أنهم يبحثون عن لسان صدق في الآخرين.
ومن أسباب حصول الثناء الحسن والذكر العاطر بعد الوفاة أن يكون هناك مال ينفق على من بعدنا ينفق على قربات على الفقراء على المساكين وغيرها من مجالات الخير، وقد ظهرت في بلادنا ولله الحمد جمعيات تعنى بهذا الأمر، وكلها مجال خير يسهم فيه المرء.
الرابع: وهي ما كتبه الله للوارثين، وقد قسمه الله جل وعلا في كتابه وتولى تقسيمه بنفسه.
стр. 65
التقديم بين الابن والأخ في المعارج وعبس
السؤال
سائلة تسأل عن اختلاف الترتيب بين الأخ والابن في آية المعارج وفي آية عبس؟
الجواب
ينبغي التفريق بين الحالين، أن الله يتكلم عن يوم القيامة كزمن، أما كحدث فالأمر يختلف، فإن الله قال: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ [عبس:٣٤] وقال: ﴿يَفْتَدِي﴾ [المعارج:١١] والافتداء غير الفرار.
فأما الافتداء فإن الإنسان يرجو النجاة لنفسه، فبدأ بتقديم الابن لأنه جرت عادة الناس أن الإنسان يجد عوضاً عن ابنه ولا يجد عوضاً عن أخيه، وقد قيل لرجل غاب كثيراً عن ديار أهله: قد فقدت أباك، قال: ملكت أمري، قيل له: قد فقدت زوجتك، قال: تغير فراشي، قيل له: فد فقدت ابنك، قال: يعوضني الله خيراً منه، قيل له: قد فقدت أخاك، قال: انقصم ظهري.
هذا الأول، أما الثاني: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦] فيجب أن يتصور الإنسان أن يوم القيامة يوم أخذ وعطاء، فكل إنسان ينتصف من الآخر، والمقام مقام حسنات وسيئات وليس مقام درهم ودينار، وقد حرر كثيراً في دروسي أن الناس تشكو من الإنسان الذي تتعامل معه كثيراً، لأنك عرضة لأن تظلمه أكثر من غيره، أما الذي هو بعيد عنك فلا وجه لك لأن تظلمه لعدم الاتصال بينكما، فالإنسان عندما يظلم في الدنيا فإن ظلمه لأخيه أكثر من ظلمه لأمه وأبيه، وظلمه لأمه وأبيه أكثر من ظلمه لزوجته وأبنائه، وأن الإنسان يقدم في حياته الدنيا زوجته وأولاده، ثم إذا فاض شيء أعطاه لأمه وأبيه، ثم إذا فاض لأخيه، فإذا أراد التقصير قصر مع أخيه، فيحصل هذا التقصير الكائن منه مع أخيه وأبيه وأمه وزوجته وبنيه، فإذا جاء يوم القيامة وقد حصل منه تقصير فإنه لا يريد أن يراهم؛ لأنهم سيطالبونه عوض هذا التقصير حسنات، وهو يومئذ ظنين بحسناته لا يريد أن يعطيها أحداً، فقال الله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦].
стр. 66
السجع لا يكون سبباً للتقديم والتأخير
السؤال
هذا سؤال يقول: لا بد لنا أن ننتبه جميعاً إلى أمر غاية في الأهمية: وهو أن بعض أهل البلاغة يذكرون في بعض مواضع القرآن الكريم المتعلقة بالتقديم والتأخير سبباً لذلك ويسمونه: مراعاة اللفظ ومراعاة النظم أو السجع.
يقول: والحق كما هو ظاهر أن مراعاة النظم والسجع لوحدها فقط يسوغ فيها التقديم والتأخير إذا كان في كلام البشر من الشعراء والخطباء، أما في كلام فاطر الأرض والسماء فلا ينفك البعد والجمال المعنوي عن الجمال اللفظي بحال من الأحوال، فما تعليقكم؟
الجواب
هذا كلام صحيح، وهذا الكلام حرره العلماء من قبل فهي مسألة شهيرة، ونأتي لها بمثال: من أدلتهم على هذا: أن الله قال: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف:١٢٠ - ١٢٢] فالله قدم موسى، وقال في طه: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه:٧٠] فقدم هارون.
والسائل يقصد من قوله هذا العتب على بعض العلماء الذين قالوا: إن الله قدم هارون في آية طه للسجع وأخره في الشعراء للسجع، فهذا غير صحيح.
стр. 67
سبب تقديم الوصية على الدين في القرآن
المقدم: ما سبب تقديم القرآن الوصية على الدين؟ الشيخ: من المعلوم أن الوصية تكتب وقد لا يدري بها أحد إلا اثنان أو ثلاثة، أما الدين فله أصحاب، فعندما يسمع من أقرض مالاً بموت صاحبه أتى يطالب بحقه، فقدم الله الوصية؛ لأن الغالب أنه لا يوجد لها مطالب وأخر الله الدين رغم أنه أولى؛ لأن له مطالبين، فما دام له مطالبون أخره الله وقدم الله ما حقه الرعاية والاهتمام وهو الوصية.
هذا السبب الذي ذكره العلماء ﵏ في تقديم الوصية على الدين في كلام الله، مع اتفاقهم على أنه حال الإنجاز يقدم سداد الدين على إنفاذ الوصية.
стр. 68
تثنية المشرق والمغرب في القرآن
السؤال
ما وجه التثنية في قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن:١٧].
الجواب
الله جل وعلا رب كل شيء ومليكه، وقد ذكر الله جل وعلا في القرآن المشرق والمغرب على ثلاثة أوجه: مفردةً ومثناة وجمعاً، قال في الرحمن: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن:١٧]، وقال جل وعلا في المعارج: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ [المعارج:٤٠] وقال جل وعلا: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة:١٤٢] وقال كذلك: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل:٩].
فأفردها جل وعلا حال ذكر التوحيد، وثناها لما خاطب الثقلين، وجمعها لما تكلم عن الناس مجتمعين: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ * عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ * أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ * فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج:٣٦ - ٤٠].
﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن:١٧] أظهر الأقوال أن لها مشرقاً -من حيث الجملة- في الصيف ومشرقاً في الشتاء، ومغرباً في الصيف ومغرباً في الشتاء، فذكر الله حال إشراقها وغروبها في فصلي الصيف والشتاء، والعلم عند الله.
стр. 69
معنى النظر إلى السماء كيف رفعت
السؤال
يقول الله: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية:١٧] كيف ننظر في السماء ونحن لا نراها؛ لأن السماء سوداء وليست زرقاء؟
الجواب
هنا قضية مهمة، وأنا لا أريد أن أصطدم مع من يقولون بالإعجاز العلمي، فهم علماء أفذاذ لكن هناك نقطة أساسية: الله جل وعلا لا يحيل على مجهول في الغالب يعني: في الغالب لا بد أن تفهم الآية، مثلاً: الله يقول: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] أتى بعض الفضلاء وأخذ يتكلم عن بدن الإنسان، من عدد المفاصل عدد الأعضاء عدد كريات الدم، وهذا حق موجود لكن لا ينبغي توجيه الآية في أول الأمر إلى ذلك، بسبب أن العرب المخاطبين بهذا القرآن أولاً لم يكن لهم علم بهذا كله، بل إن الأمم كلها مكثت قروناً لا تدري بذلك.
قد يأتي إنسان فيقول: القرآن مخاطب به كل شيء، فأقول: نعم، مخاطب به كل شيء، لكن المخاطب الأول هم الجيل الأول على حسب فهمهم وإلا لم تقم عليهم الحجة بقوله: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١].
لكن قوله: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] المعنى الحقيقي للآية: أنه يعتري الإنسان نفسه كثير من التقلبات في الآراء والفرح والحزن والمسرة والصحة والمرض، مما يجعله يتفكر أن هناك رباً يدبر هذا كله.
وقوله: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية:١٧] العرب ليس لها إلا هذا الجرم الواقف أمامها، ولا تدري ما بداخل الإبل؛ لكن التفكر في أنها كيف خلقت؟ هنا الخلق التسخير، فيأتي الصبي الصغير يقود هذا المخلوق العظيم في هيئته حيث شاء.
قوله: ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية:١٨] ذكر السائل ما يقوله العلماء؛ لكن لاشك أنه حتى الذين يقولون إنها سوداء فإن كل الناس تعلم أن هناك جرماً فوقنا، وأن هذا الجرم مغلق، يقول الله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء:٣٢] ولو لم يكن هناك جرم ثابت ينظر إليه لكان لا بد من النظر إلى ما بعده مثل العرش، وهذا لا سبيل له؛ لأن السماء لها أبواب ولها سقف.
والقضية الأساسية في النظر إلى السماء ليست قضية ألوانها ولا غيرها، وإنما النظر إلى فعها من غير عمد.
стр. 70
أعظم الوصايا
المقدم: المتأمل للتاريخ يجد كثيراً من الوصايا سواء كانت دينية أو أدبية فاذكر لنا بعضها؟ الشيخ: أعظم الوصايا تقوى الله، فوالله ما أوصى أحد أحداً ولا محب محباً بأعظم من تقوى الله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] أعظم الوصايا التقوى والثبات على الملة.
﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢ - ١٣٣].
فما أوصى أحد أحداً بأعظم من الثبات على الدين وعلى تقوى الله جل وعلا.
فإذا انتقلنا إلى وصاياه ﷺ فإن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه أخبر أن النبي ﷺ أوصاه بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وبركعتي الضحى، وأن يوتر قبل أن ينام.
وركعتا الضحى اختلف العلماء فيها ما بين قائل بالمداومة عليها، وقائل بأن تفعل غباً.
وأظهر الأقوال عندي ما اختاره ابن سعدي رحمة الله تعالى عليه ورجحه في بهجة قلوب الأبرار قال: إن الإنسان إذا كان له حظ كثير من صلاة الليل يفعل صلاة الضحى غباً، وإن لم يكن له حظ من قيام الليل كثير فليداوم عليها، وأقلها ركعتان، وأكثرها على ما رجحه الشيخ ﵀ ثمان ركعات.
أما الوتر فهو من السنة المؤكدة التي حافظ عليها النبي ﷺ حضراً وسفراً، هذه وصايا دينية.
стр. 71
النسخ في القرآن
المقدم: سائلة تسأل عن نسخ بعض الآيات من القرآن الكريم مع وجودها واستدلت بآية الخمر، فما تعليكم؟ الشيخ: يقول الله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦] وقد أجاب الزركشي ﵀ عن هذا التساؤل فقال: إن الذي ينسخ حكماً ويبقى تلاوةً، إنما أبقاه الله تلاوةً لأسباب، وذكر منها غفر الله له ورحمه: الأول: التعبد به؛ فإن القرآن سواءً كان منسوخاً حكماً أو غير منسوخ حكماً هو كلام الله، وكفى شرفاً بالمؤمن أن يقرأ كلام الله جل وعلا بصرف النظر عن كون هذا الحكم نسخ أو لم ينسخ، فهو يتعبد بتلاوته.
هذا الوجه الأول وهو أقواها.
والوجه الثاني: أنه يظهر المنة من الله جل وعلا على عباده؛ لأن النسخ إنما يكون في الغالب إلى الأفضل، فيظهر الفرق بين الحالين، بين كونهم يصلون وهم قريبو عهد بخمر وكونهم يصلون وهم لا يشربون الخمر أصلاً، فينظرون إلى فضل الله جل وعلا ورحمته.
стр. 72
توجيه لمن أراد قراءة تفسير (في ظلال القرآن) لسيد قطب
السؤال
ما رأيكم في ظلال القرآن لـ سيد قطب؟
الجواب
سيد قطب رحمة الله تعالى عليه رجل يملك قلماً أدبياً قبل أن يملك علماً شرعياً، ولا يعني ذلك أنه ليس عنده علم شرعي، فبحسب الناظر في الكتاب، فإن كان أراد أن ينظر في الأسلوب ورقته وتفتق الكلمات فالحق أن الرجل أوتي حظاً عظيماً في هذا.
أما قضية سيد رحمة الله تعالى عليه في كتابه جاهلية القرن العشرين، وهذه النظرية لا يوافق عليها، وتضرر الناس بسببها كثيراً، فإذا كان الإنسان طالب علم يميز هذا من ذاك فلا بأس أن يقرأ في ظلال القرآن لـ سيد غفر الله له ورحمه، ورحم أموات المسلمين جميعاً.
стр. 73
معنى تعليق الخلود بالمشيئة في سورة هود
السؤال
سائل يسأل عن قول الله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٦ - ١٠٨]؟
الجواب
العلماء لهم في هذه المسألة ثمانية أقوال وأكثرها فيها ضعف، وأرجحها عندي والعلم عند الله أن قوله: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) تعليق للأمر بالمشيئة، والمقصود منه بيان عظيم القدرة الإلهية، كما يقول الله: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٢٩] ومعلوم أن الله جل وعلا قادر على جمعهم وقد حكم بجمعهم، فـ (إذا يشاء) إنما هي لبيان القدرة، وكذلك قوله: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) لبيان أن الله جل وعلا هو المتصرف المالك العظيم، لا أن أهل النار يخرجون منها، ولا أن أهل الجنة يخرجون منها.
стр. 74
من الوصايا السياسية
المقدم: اذكر لنا شيئاً عن الوصايا السياسية والأدبية؟ الشيخ: من الوصايا السياسية قالوا: إن عبد الملك بن مروان لما أوصى ابنه الوليد قال: يا بني! من قال برأسه هكذا -يعني: قال لك: لا، في الحكم- فقل بسيفك هكذا.
وهذا لأن المرحلة الزمنية للوليد كانت تستوجب هذا.
يذكر أحد العرب أنه أتى برماح متفرقة وأعطاها بنيه قبل أن يموت وقال: فكونوا جميعاً يا بني إذا اعترى خطب ولا تتفرقوا آحادا تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً وإذا افترقن تكسرت أفرادا
стр. 75
حكم إنظار المدين الذي لا يجد ما يسدد به دينه
المقدم: لقد ذكرت أن الدين قدم على الوصية فقهياً؛ لكن المدين قد لا يجد ما يسدد به الدين، فما حكم إنظاره؟ الشيخ: أبدأ بقصة تاريخية غريبة: كان محمد بن سيرين رحمة الله تعالى عليه أحد أعلام التابعين، وكان يعبر الرؤى، وذات يوم أتاه رجل فقال: رأيت رجلاً مكشوف الساق وقد نبت الشعر في ساقه، فما تأويلها؟ قال ﵀: هذا رجل يركبه دين فيسجن فيموت في سجنه.
قال الرجل الذي يسأل: رأيتها فيك، فوقع ما عبره على نفسه، فركبه دين ﵀ وسجن ومات في السجن، وفي فترة سجنه مات أنس بن مالك ﵁ وأرضاه، فأوصى أن يغسله محمد بن سيرين، فأخرج من سجنه مؤقتاً للتغسيل والتكفين والصلاة على أنس، ثم عاد إلى سجنه، وتحقق تأويله فمات في سجنه.
قد يقول إنسان: ما علاقة ساق مكشوفة بالدين؟
و
الجواب
أن كشف الساق كناية عن الكرب في أحد أوجه التفسير في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢].
ثم أقول: القرض يكون إلى مدة معينة، فكان العرب إذا جاء الأجل ولم يجد المقترض شيئاً يسد به، قال له المقرض: إما أن تقضي وإما أن تربي، أي: أؤخر في الأجل وأزيد في المال، وهذا عين الربا الذي حرمه الله بقوله: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠]، وأبدل الله جل وعلا المجتمع المسلم بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]، فيجب إنظار المعسر.
ثم قال الله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨٠] والتصدق: أن تتنازل بالكلية، وهو مندوب.
وهذه إحدى حالتين في الشرع الندب أفضل فيها من الواجب، والحالة الثانية رد السلام، فإن الابتداء به مندوب إليه، والرد: واجب، لكن المبتدئ بالسلام أفضل من حيث الجملة.
النبي ﷺ بين فضيلة من يقرض الناس ثم يتنازل، أو بتعبير أصح: من أعفى معسراً، يقول عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، حتى أتينا أبا اليسر -وهو صحابي اسمه كعب بن عمرو - فمن جملة ما تذاكروه مسألة الدين، فقال أبو اليسر ﵁ وأرضاه وقد أسن يومئذ قال: فإني أبصرت عيناي وأشار إلى عينيه، وسمعت أذناي وأشار إلى أذنيه، ووعى قلبي وأشار إلى مناط قلبه، النبي ﷺ وهو يقول: (من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله تحت ظله).
هذا باب رحمة واسع جداً، فكثير من الناس قد لا يكون له حظ من العبادة من قيام ليل ومن صيام وحضور محاضرات، ويكون ذا مال، والإنسان الذي عنده مال يجلس الساعات حتى يحافظ عليه، فيدير تجارته ويقيم أموره، فتأتي هذه الأبواب رحمة من الله لهم في أن تقربهم من الله فيدركوا ما أدركه الذاكرون والقانتون والصائمون.
следующие страницы →