← Джавами‘

Джавами‘ · id 37742

القطوف الدانية

صالح المغامسي

Полный текст (327 стр.). Показаны 316–327 · переход к 321.

стр. 316

ذكر بعض أخبار أبي طالب عم النبي المقدم: شيخ صالح في اللقاء الماضي كنا قد تحدثنا عن بعض الشخصيات الأدبية، والإخوة على الموقع كان لهم رأي أيضاً أن تكون هذه الحلقة تشتمل على بعض الشخصيات، وبما أنك ذكرت أبا طالب فلنذكر شيئاً من شخصيته من النواحي التاريخية. الشيخ: أبو طالب أحد أعمام النبي ﷺ ، وقد ذكرنا مراراً أن النبي ﷺ له عشرة أعمام، ستة منهم لم يدركوا بعثته، وأربعة أدركوا بعثته ﵊، فآمن منهم اثنان: العباس وحمزة، وكفر اثنان ولم يؤمنا: أبو لهب وأبو طالب. وأبو طالب ينفرد عن أبي لهب بأنه ناصر النبي ﷺ نصرة عظيمة، وهو من حيث الشعر أول من مدح النبي ﵊، فقد مدحه قبل الصحابة فقال: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل والنبي ﵊ بعد أن هاجر إلى المدينة جاءها في عام جدب، فاستسقى فنزل المطر، فلما ذهب الناس إلى دورهم قال ﵊: (لو رأى أبو طالب هذا المنظر لأسره)، ففقه أحد الصحابة مراده فقال: يا رسول الله! كأنك تشير إلى قوله: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل قال ﷺ : نعم. وأبو طالب له أربعة أبناء: طالب وبه يكنى، وهذا مات كافراً، وله عقيل وجعفر وعلي، وكلهم آمنوا، وعقيل كان على خلاف يسير مع علي فلم يقاتل معه، وعلي معروف أنه أمير المؤمنين، وجعفر بن أبي طالب هو الذي قال فيه النبي ﷺ : (أشبهت خلقي وخلقي)، وهو أحد خمسة يشبهون النبي ﷺ ، وهم: جعفر وقثم والفضل وأبو سفيان بن الحارث والحسن بن علي رضي الله تعالى عنهم أجمعين. فـ أبو طالب كان عظيم النصرة للنبي ﷺ ، لكنه مع ذلك أبى إلا أن يموت على دين قومه، فكان يقول: لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا ويذهب الشيعة الإمامية وبعض المعتزلة إلى أنه مات على الإسلام، لكن الشواهد التي عندنا تدل على أنه مات كافراً، وهو أهون أهل النار عذاباً. فإن قال قائل: ما وجه خصوصية أن النبي ﷺ يشفع له، فالأصل في الكفار ألا يشفع لهم، قال الله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]؟ فنقول: إنه لمقامه ونصرته للنبي ﷺ استأذن النبي ﵊ ربه أن يشفع له فشفعه، فهو أهون أهل النار عذاباً؛ لشفاعة النبي ﷺ له. يقول المتصل الشيخ حسين الثقفي: أقول للشيخ صالح: مرض الحبيب فزرته فمرضت من خوفي عليه وأتى الحبيب يزورني فشفيت من نظري إليه أيها الأحبة! الحديث وشرحكم للحديث الذي يتلألأ، فهو بدر ينير، وسراج يزهو، وهو عبق يفوح، وعلم يتفجر، وكنوز تنتثر، وصفحات تنتشر، السنة أيها الأحبة هي مرآة النبي، وروعة الرسالة، وهي جمال المنهج، وصفاء المبدأ. وسأعرض عرضاً سريعاً ولن أطيل عليكم، ولعل الشيخ أن يتوسع فيه. أيها الأحبة! لضيق الوقت ومراعاة المقام أقول: إن الذي يتمعن في الحديث يجد فيه أساليب كثيرة، ومنها التشبيه، وكذلك التمثيل، والاستفهام للمسائل، وكذلك أيها الأحبة إجابة السائل على عكس سؤاله، ومن أساليبه كذلك اغتنام الفرصة، ومن أساليبه الوسيلة التعليمية، وهذا خاصة ونحن في بداية العام الدراسي الذي سوف يأتي بمشيئة الله نقول لأصحاب التربية وأرباب التعليم الذين يؤمنون بأهمية الوسيلة التعليمية لتثبيت الدرس وتأكيد المعلومة: صحيح أنه ﷺ لم يكن يمتلك الفلين، ولا الألوان السحرية ولا المائية ولا الخشبية، ولكنه كان يمتلك إصبعاً سحرية يخط به على الثرى، فيرسم بها لوحة ترتسم في القلوب، فلا يخرج منها أبداً ﵊. ومن أساليبه التعليم بالقصة ﵊، ولعل الشيخ يعلق على هذه الأساليب، وأشكركم جميعاً، وأسأل الله أن يثيبكم على هذا البرنامج، وأسأل الله بمنه وكرمه أن يجمعنا بالشيخ إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 317

حكم صيام ما بعد النصف من شعبان وحكم إحياء ليلة النصف من شعبان بالعبادة أخت سألت عن حديث: (إذا انتصف شعبان) بالنسبة للصيام، وهذا أمر مهم جداً، فالبعض يعتقد في هذه الليلة أن لها أفضلية، وأيضاً: مسألة الصيام بعد انتصاف شعبان، لعلك تحرر هذه المسألة؟ نحن الليلة في ليلة النصف من شعبان، فأما عن فضل قيامها فلا أعلم فيه شيئاً يثبت، وأما ما جاء من أن الله يطلع على أهل الدنيا فيغفر، فهذا ثابت عنه ﷺ ، وقد صححه الألباني كما في الجامع الصحيح، قال النبي ﷺ : (إذا كانت ليلة النصف من شعبان اطلع الله على أهل الأرض، فيغفر لكل أحد إلا مشرك أو مشاحن)، وفي هذا دلالة على تهذيب النفوس، وأن الإنسان يبتعد عن الغل والحقد والحسد، فهي مظنة لغفران الذنوب. فهذه الليلة لا تحيا بأي نوع من أنواع العبادة، فالإنسان يقومها كما جرت عادته في الليل، والنبي ﷺ لم يتكلم عن قيامها، ولم يقل مثلاً كما قال في ليلة القدر: (من قام ليلة القدر) أو قال: أحيوها، وإنما انتهى كلامه ﷺ إلى أنها ليلة يطلع الله فيها على عباده فيغفر لهم، فهي مظنة قبول توبة ومظنة غفران، هذا الذي يمكن أن نستنبطه من الحديث. وأما الصيام فإن النبي ﷺ قال فيما رواه أصحاب السنن: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)، واختلف العلماء أولاً في تصحيح الحديث، ثم في فقه الحديث، فالحديث صححه ابن حبان رحمة الله عليه، واستنكره الإمام أحمد، وقد قال بعض الشراح: إن الإمام أحمد استنكره لأن فيه العلاء بن عبد الرحمن، والعلاء بن عبد الرحمن من رجال مسلم، لكن قال فيه بعض العلماء: إنه صدوق يهم أحياناً. والذي يعنينا أن من رأى صحة الحديث يرى كراهة صيام ما بعد النصف من شعبان، وهذا مذهب الشافعي ﵀. وهذا إذا لم يكن له عادة قبله، فإذا قرب رمضان بيوم أو يومين يرى الشافعي ﵀ حرمة الصيام، وهذا عندي أقرب الأقوال للجمع بين الأدلة والأحاديث الواردة في الباب. وبعض العلماء -كما ذكرنا عن الإمام أحمد - استنكر هذا الحديث؛ عملاً بعموم ما ورد أن النبي ﷺ ما رؤي في شهر أكثر منه صياماً من شعبان. لكن النبي ﷺ هديه صيام الإثنين والخميس، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، فقول الشافعي فيما يبدو لي أقرب الأقوال إلى الجمع بين الأحاديث؛ لأن شهر رمضان الأصل فيه التعبد بالصيام، فالذي يظهر من مجموع الأحاديث أنه لا يستقبل بصيام؛ حتى يصبح للشهر خصيصته، وينتهي الصيام إلى النصف منه، عملاً بالحديث الذي صححه ابن حبان: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)، لكن هذا الرأي كما قلت ليس أوحد، وقد قال بعض العلماء بخلافه ولهم أدلتهم، والإنسان من عامة المسلمين المستفتي على دين مفتيه، فلا ينكر على من صام أكثر من النصف، لأن الذي قال بهذا هم علماء أجلاء، ومن احتاط ورأى أنه لا يصوم عملاً بأنه حديث صحيح فهذا فعل خيراً. والبعض يعلل الكثرة من صيام شعبان أنه استقبال لهذه العبادة، فصلاة الظهر مثلاً تستقبل بنافلة، ونقول: العبرة بفعل النبي ﷺ ، وحديث عائشة أن النبي ﷺ كان يكثر من صيام شعبان ويقول: (إنه شهر يغفل الناس عنه) فهذا حق، لكن يمكن الجواب عنه بأن هذا في الخمسة عشر يوماً الأولى منه؛ عملاً بحديث: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)، لكن قلت: إن الشافعية حملوا هذا الحديث على الكراهة، وإنما جعلوا التحريم قبل صوم رمضان، لكن قال بعض العلماء: من كان له صيام اعتاده كصيام الإثنين والخميس فلا يدخل في هذا النهي، والأمر واسع إن شاء الله.

стр. 318

أساليب النبي في التعليم والتربية المقدم: الشيخ حسين الثقفي جزاه الله خيراً قد تكلم عن أساليب النبي ﷺ في الحديث، وقال: إنها تشتمل على كثير من الأساليب اللغوية والبلاغية ونحوها. الشيخ: النبي ﷺ أوتي جوامع الكلم: يا أفصح الناطقين الضاد قاطبة حديثك الشهد عند الذائق الفهم فهو ﵊ يقرب المعنى بالإشارة أحياناً، وبالحركة أحياناً، قال: (أنا وكافل اليتيم كهاتين)، وقال: (التقوى هاهنا وأشار إلى صدره)، وقال ﵊: (اللهم فاشهد ونكتها إلى الأرض)، فهذه كلها وسائل، وقال: (الشهر هكذا وأشار بيديه)، فهذا كله دلالة على حرصه ﵊ وشفقته على أمته أن يصل الأمر إليها. ونشكر الشيخ حسين الثقفي جزاه الله خيراً على مشاركاته، وعلى طرحه الجيد عبر الحلقات.

стр. 319

المراد بالبرهان في قوله تعالى: (لولا أن رأى برهان ربه) المقدم: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤] ما المقصود بالبرهان هنا؟ الشيخ: من قواعد التفسير أن الأمور الغيبية لا يتكلم فيها؛ لأن الغيب لا يعرف لا بتجربة ولا بعقل ولا بجهد، فالله جل وعلا يقول: ﴿لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤]، ثم لم يخبرنا الله ما هو البرهان، فعلى هذا اتفق أئمة التفسير الذين لا يتكلفون على أنه لا يدرى ما هو البرهان الذي أظهره الله ليوسف، وأما من جاء من أهل التفسير الذين يتكلفون فقالوا: رأى أباه يعقوب عاضاً على إصبعه، وقالوا كلام لا يعقل ولا ينسب إلى أنبياء الله، وكلها إسرائليات لا تقوم عليها حجة، والأصل في الغيب أن يبقى غيباً لا يعرف إلا بنص وخبر صحيحين عن الله أو عن رسوله ﷺ .

стр. 320

الكلام عن الأولية المقدم: قوله ﷺ : (أنا أول من ينشق عنه القبر) كلمة: أول، الملاحظ لمن يطلع في كتب التاريخ والسيرة أنها تتكرر كثيراً: أول من فعل كذا، وأول من عمل كذا، فما تعليقكم على ذلك؟ الشيخ: الأولية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: منها ما ثبت شرعاً بخبر صحيح، فالله جل وعلا يقول مثلاً في قضية يحيى ﵊: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٧]، فلو جاء إنسان وقال: إن يحيى هو أول من سمي بهذا الاسم لقلنا: صواب؛ لأن الله قال هذا في كتابه، ولو جاء إنسان وقال: إن هاجر أم إسماعيل هي أول من اتخذ المنطق الذي يضعه النساء في الوسط، فهذا ثابت في حديث عند البخاري. فهناك أمور ليست قابلة للرد شاعت وذاعت ولا يمكن ردها، فنقبلها في الأولية. وهناك أمور لا زالت محل خلاف بين الناس، مثلاً: من أول من يأخذ كتابه بيمينه؟ وأول من يأخذ كتابه بشماله؟ فهذه فيه خلاف طويل، فمما هو شائع عند أهل السير أن أول من يأخذ كتابه من هذه الأمة بيمينه هو أبو سلمة بن عبد الأسد ﵁ وأرضاه، وهو أول من هاجر واستوطن قباء، فهذا قيل: إنه أول من يأخذ كتابه بيمينه، وعلى النقيض منه أخوه الأسود بن عبد الأسد فقيل: إنه أول من يأخذ كتابه بشماله، والأسود هذا يمر مع طالب العلم في السيرة، فلما يقرأ غزوة بدر يرى أن الأسود هذا أقسم على أن يصل إلى الآبار التي على المسلمين ويشرب منها، فقطعت رجله دون أن يصل إلى البئر، قطعها حمزة أو أحد المسلمين، مع أنهما أخوان، واحد أول من يأخذ بيمينه، والآخر أول من يأخذ بشماله، ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:٤].

стр. 321

التعليق على حديث علي في قصة الشارفين المقدم: شيخ صالح أنتقل إلى الحديث الثاني وأستأذنك وأستأذن المشاهد الكريم فالحديث طويل، والمتأمل أنه لا يحسن أن يتشقق في محاور، ولذلك سأقرؤه كاملاً ثم أترك لك التعليق عليه يا شيخ. عن علي بن الحسين أن حسين بن علي أخبره أن علياً قال: (كانت لي شارف من نصيب من المغنم يوم بدر، وكان النبي ﷺ أعطاني مما أفاء الله عليه من الخمس يومئذٍ، فلما أردت أن أبتني بـ فاطمة بنت النبي ﷺ واعدت رجلاً صواغاً في بني قينقاع أن يرتحل معي فنأتي بإذخر، فأردت أن أبيعه من الصواغين فنستعين به في وليمة عرسي، فبينا أنا أجمع لشارفي من الأقتاب والغرائر والحبال، وشارفاي مناخان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، حتى جمعت ما جمعت فإذا أنا بشارفاي قد أجبت أسنمتهما، وبقرت خواصرهما، وأخذ من أكبادهما، فلم أملك عيني حين رأيت المنظر، قلت: من فعل هذا؟ قالوا: فعله حمزة بن عبد المطلب، وهو في هذا البيت في شرب من الأنصار، وعنده قينة تغنيه وأصحابه، فقالت: في غنائها: ألا يا حمز للشرف النواء فوثبت حمزة إلى السيف فأجب أسنمتهما، وبقر خواصرهما، وأخذ من أكبادهما، قال علي: فانطلقت إلى النبي ﷺ وعنده زيد بن حارثة وعرف النبي ﷺ الذي لقيت، فقال: ما لك؟ قلت: يا رسول الله! ما رأيت كاليوم قط؛ عدا حمزة على ناقتي فأجب أسنمتهما، وبقر خواصرهما، وها هو ذا في بيت معه شرب. فدعا النبي ﷺ بردائه فارتدى، ثم انطلق يمشي واتبعته أنا وزيد بن حارثة حتى جاء البيت الذي فيه حمزة، فاستأذن عليه فأذن له، فطفق النبي ﵇ يلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة ثمل محمرة عيناه، فنظر حمزة إلى النبي ﷺ ، ثم صعد النظر فنظر إلى ركبته، ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه، ثم قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي! فعرف النبي ﷺ أنه ثمل، فنكص رسول الله ﷺ على عقبيه القهقرى فخرج وخرجنا معه)، متفق عليه]. الحديث كما هو واضح متفق عليه ووارد في الصحيحين، وقد يكون بعض المشاهدين لم يسمع به إلا هذه المرة.

стр. 322

الفوائد المستفادة من الحديث السابق الشيخ: الحديث فيه وقفات كثيرة، وفيه أشياء تحتاج إلى بيان معانيها، فنبين للمشاهد الكريم المعنى الإجمالي لهذا الحديث فنقول: إن علياً رضي الله تعالى عنه وحمزة كليهما شهد بدراً، وكليهما من آل البيت، وعلي ﵁ خطب فاطمة وأراد أن يعقد عليها وأن يدخل عليها بعد بدر، وكان في بدر قد أصاب هو نفسه من المغنم شارفاً، والشارف هي الناقة المسنة، والنبي ﷺ لكون علي من آل البيت منحه شارفاً أخرى -يعني: أعطاه من الخمس- فأصبح لدى علي شارفان. فهاتان الشارفان -أي: الناقتان المسنتان والمتقدمتان في العمر- كانتا في ذلك الوقت تعتبران غنيمة كبيرة جداً، خاصة لفتى كـ علي لم يكن تاجراً، فعمد إلى أن يذهب بالشارفين إلى ديار فيها إذخر -وهو النبات المعروف-؛ حتى يأتي به إلى المدينة ويبيعه على الصاغة، والصاغة كانوا آنذاك يحتاجون الإذخر، فاتفق مع يهودي من بني قينقاع أن يذهبا سوياً؛ لأن هذا اليهودي له علم بما يحتاجه الصاغة من الإذخر. وفي تلك الفترة الناقة هذه تحتاج إلى أقتاب وغرائر وأشياء توضع عليها حتى يذهب في رحلته، فأناخ الناقتين بجوار دار لرجل أنصاري وعقلهما، ثم ذهب يبحث، فلما اكتملت فرحته ووجد ما أراد ويحتاجه من الأقتاب والغرائر والحبال وواعد الرجل اليهودي صاحبه ليذهبا سوياً، وجد الناقتين قد جب من سنامهما، يعني: الذي نحرهما لم ينحرهما ليأكلهما ذكاة شرعية، وإنما جب أسنمتهما من أعلى على عادة العرب في الجاهلية، ثم بقر الخواصر حتى يأخذ الأكباد، وترك باقي اللحم. فرجل فرح بالشارفين: أحدهما غنمه، والآخر جاءه من النبي ﷺ ، وهما يعتبران ثروة في ذلك الزمان، فيراهما لا ينتفع منهما بشيء، يقول: فدمعت عيناي، وسأل قبل ذلك وقال: من فعل هذا؟ قالوا: حمزة، وهو في شرب، والشرب مجموعة القوم إذا جلسوا على شراب، قال الأعشى: فقلت للشرب في درني وقد ثملوا شيموا وكيف يشيم الشارب الثمل قلت للشرب يعني: مجموعة أصحاب من الذين يشربون معاً. فذهب إلى النبي ﷺ فأخبره الخبر، فالنبي ﵊ أخذ رداءه وذهب ومعه علي وزيد، فاستأذن -وهو سيد الخلق- قبل أن يدخل، فدخل فعلم من مجمل القضية أن حمزة ﵁ كان قد شرب، فإحدى القين التي تغني ذهبت إلى أبيات شعر قالها عبد الله بن أبي السائب كما حررها المرزباني في معدن الشعراء: ألا يا حمز للشرف النواء وهن معقلات بالفناء والنواء بمعنى السمينة، وقلنا: إن الشارف هي المسنة، وفرق بين المسنة والسمينة، لكنها مسنة وسمينة في وقت واحد، فلما أثير حمزة بقر الخواصر وفعل فيهن ما فعل، فالنبي ﷺ أخذ يلوم حمزة، فـ حمزة ﵁ وأرضاه كان قد بلغ به السكر مبلغه، فنظر في قدمي النبي ﷺ في الأول، ثم صعد النظر إلى الركبتين، ثم صعد بنظره كأنه يريد أن يتعرف لكن السكر غلبه، حتى وصل إلى وجه النبي ﷺ ، ثم قال حمزة يخاطب النبي وعلياً وزيداً: وهل أنتم إلا عبيد لأبي! ففهم النبي ﷺ أنه ثمل فرجع القهقرى، ومن هذا نأخذ أن الخمر كانت تضيع عقول أكمل الرجال، فـ حمزة ﵁ من أكمل سادة أهل البيت، وقد شهد بدراً وأحداً، لكنها في ذلك الزمن كانت مباحة فلا تثريب شرعي عليه؛ لأن الله جل وعلا لم يكن بعد قد أنزل تحريمها، فلا يأتي إنسان ويقول: هذا من أصحاب الرسول ﷺ ثم يسكر، فيقال: إن ذلك قبل أن تكون حراماً، وإلا فـ حمزة سيد الناس، قال ﵊: (سيد الشهداء حمزة). وهو أخو النبي ﷺ من الرضاعة، والنبي ﵊ أصابه كمد وحزن شديد على موت حمزة ﵁ وأرضاه، وقد جاء في بعض الروايات أن النبي ﷺ صلى عليه، وإن كان المشهور أنه لم يصل عليه، لكن ورد أنه صلى عليه سبعين صلاة، فمقام حمزة مقام رفيع. وعلي رضي الله تعالى عنه -كما في هذا الأثر- يدل على أنه يعرف شيئاً اسمه المعايشة، فقد يكون الإنسان على غير ملتك وعلى غير دينك لكنك ابتليت به كجار أو كصاحب أو كمعرفة أو زملاء في العمل، فلا يعني هذا ظلمه واضطهاده، ولا عدم الاستفادة منه، فـ علي ﵁ في ذلك الزمن في الجيل الأمثل والرعيل الأول يختار رجلاً يهودياً من قبيلة قينقاع ليذهب معه، ويتفقان، ومن هنا قال الله جل وعلا: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران:٧٥]، فالناس يختلفون، فإذا أمنت الرجل فمن الممكن أن تتعايش معه، وهذا لا يتنافى مع عقيدة الولاء والبراء. وهذا التعايش يكون في حدود محددة جاء الشرع بضوابطها، فلا يصح غلق الباب تماماً ولا يقبل؛ لأنه لابد للناس أن يتعايشوا.

стр. 323

قد يغلب الإنسان وإن كان شجاعاً الأمر الثاني: أنه قد يغلب الرجل الكامل الذي يقارع الأبطال مثل علي، ومن قرأ التاريخ يعرف شجاعة علي، ومع ذلك فالإنسان أحياناً يغلب، فهذا علي رابع الخلفاء، وحاتم الحنفاء ﵁ وأرضاه يرى ناقتيه قد بقرتا، وجبت خواصرهما، ويقول لابنه راوي الحديث، والابن يقول لابنه -يعني: لحفيد علي - يقول: فلم أملك أن دمعت عيناي، فالإنسان الذي يريد أن يربي من تحته لا يأتي يمنع الناس من أشياء جبلية، فالآن بعض الرجال لو رأى ابنه بكى عيره وشتمه، ويقول: اغسل يدك منه، وهذا كله كلام متكلف، فلا يمكن لأحد أن يخرج عن بشريته، فـ علي ﵁ تعالى وأرضاه فعل الأفاعيل في أهل الكفر، ومع ذلك لما رأى شيئاً عزيزاً عليه قد بقر غلبته عيناه، وقد قال بعض الشراح: إن الذي أضر به أن عمه هو الذي بقر الشارفين، لكن هذا غير صحيح؛ لأن علياً ذكر في الحديث أنه بكى ودمعت عيناه قبل أن يعرف، قال: فسألت: من فعل هذا؟ قالوا: حمزة، وهذا بعد أن ذكر أن عينيه قد دمعتا. ثم ذهب إلى النبي ﷺ ، فالإنسان إذا عجز عن الشيء فإنه يذهب إلى من يقدر عليه، فـ علي ﵁ لما علم أن الذي صنع هذا هو عمه حمزة -فـ حمزة أخو أبي طالب - توقف، لكنه سأل: أين هو؟ قالوا: في شرب له في دور الأنصار، فحرر المكان ثم ذهب إلى النبي ﷺ وأخبره. والنبي ﵊ سيدخل على قوم سكارى، ومع ذلك أخذ رداءه، فالإنسان المنظور إليه يتجمل في اللباس، والمسجد هو أعظم مكان يمكن أن يدخله، قال الله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] أي: عند كل صلاة، فالإنسان لا يحسن به أن يذهب إلى الصلاة بلباس النوم، وإذا جئت تنصح بعض الناس قال: يا أخي احمد الله أني أصلي! الحمد لله على كل حال ونعوذ بالله من أهل النار، لكن هذا ليس حقاً، فينبغي للإنسان أن يأتي للصلاة في أجمل شيء، فإذا كان النبي ﵊ أخذ رداءً وهو نبي الأمة وليس مظنة للتهمة، وذهب إلى قوم سكارى؛ ليلومهم وليثرب عليهم، ومع ذلك يتجمل ﵊، فلكل حال لبوس. يقول علي ﵁ وأرضاه: فخرج فتبعته أنا وزيد، وزيد هو ابن حارثة، وهذا الكلام كله في أول الدعوة، أي: قبل أحد وبعد بدر مباشرة، أي: في أول السنة الثانية في شوال، فذهب ﷺ فاستأذن فأذن له، فلما دخل على حمزة أخذ يعاتب حمزة ويلومه، وحمزة ثمل، أي: أن الخمر قد بلغت منه مبلغاً عظيماً، فأخذ ينظر في الأول في الأسفل، ثم صعد النظر حتى وصل إلى رؤية وجه النبي ﷺ ، فقال -وهذا مما يدلل على أن الخمر قد بلغت مبلغاً-: وهل أنتم -يخاطبهم الثلاثة- إلا عبيد لأبي! وهذه العبارة فهم منها النبي ﷺ أن حمزة قد ثمل، فلما قالها أراد النبي أن يعلم الأمة هنا بالفعل لا بالقول، فرجع القهقرى، أي: رجع يمشي إلى وراءه وبصره باق في حمزة؛ لأنه يخشى لو أنه أعطى ظهره لـ حمزة أن يطمع فيه حمزة وهو ثمل فيضربه أو يطعنه أو يقع منه شيء، فالعاقل لا يمكن خصمه من نفسه، وهذا مع اختلاف الوضع؛ لأن حمزة ليس عدواً، لكنه وقتها لا يكاد يدري ما يفعل، فمسألة المغامرات هذه عندما تكون فرداً وأنت تحسبها حساباً دقيقاً، وأما أن يأتي إنسان يوكل إليه أمر جماعة أو أمر مدرسة أو أمر طلاب أو أمر دولة أو أمر إمرة ثم يأتي يمكن عدوة من نفسه، فهذا ليس من الحكمة، فالنبي ﷺ محفوظ بحفظ الله له: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، ومع ذلك رجع القهقرى؛ حتى لا يجعل لـ حمزة طريقاً إليه، ولو وقع من حمزة شيء وهو ثمل فإنه يستطيع ﷺ أن يرده. وأحياناً لا يكون هناك نفع من الخطاب، فلما رأى النبي ﵊ أن حمزة ثمل، فلا وقت للمعالجة، خرج هو وزيد وعلي رضي الله تعالى عليهما، والمقصود أن الإنسان كذلك يتوخى متى يعالج، وليس شرطاً أن تعالج المشكلة في وقتها، فالمهم أن تعالج المشكلة في وقت يغلب على الظن أنه ينفع، فكم من أمور إذا أرجئت يكون الحل في إرجائها.

стр. 324

مراعاة حق القرابة عند الخصام المقدم: يا شيخ صالح إذا أذنت لي أن أقف وقفتين ثم أنتقل إلى الحديث الثالث: تصرف الإمام علي بن أبي طالب ﵁ -وقد أشرت إلى شجاعته-، فعندما علم أن الخصم إنما هو أحد أعمامه تصرف بحكمة، ألا يفهم من هذا يا شيخ مراعاة الإنسان لصلة الأرحام أحياناً، فقد تكون هناك مشاكل بين الأسرة: بين الشخص وأعمامه وأخواله؟ الشيخ: لا شك أن القرابة لهم حق، والإنسان الذي يضيرك قدحه لا تقدح فيه، فأحياناً الإنسان قد يكون له حق عند أبيه أو أخيه أو ابنه فعلى الإنسان أن يغض الطرف عن هذا، لكن إذا بلغ الأمر مبلغاً وأصبح الظلم فيه ظاهراً، وسلب الحق فيه كاملاً، وأنك لو سكت ازداد في ظلمه لك فالحق أن تطالب بحقك ولو كان ذا قرابة، وقد نقل هذا عن صالح الأسلاف.

стр. 325

أفضلية فاطمة ﵂ على النساء المقدم: ورد ذكر السيدة فاطمة ﵂ في الحديث فلعلنا نبين يا شيخ أفضليتها بين النساء. الشيخ: فاطمة هي ابنة النبي ﷺ ، وقد اختلف العلماء ﵏ في من هي سيدة نساء العالمين على عدة أقوال أشهرها أربعة، فقيل: إنها فاطمة، وقيل: إنها خديجة، وقيل: إنها عائشة، وقيل: بالتوقف في المسألة، فهذه أظهر الأقوال، والذي يترجح عندي والعلم عند الله أن فاطمة أفضل نساء العالمين قاطبة، والأدلة على هذا ثلاثة: الدليل الأول: أن النبي ﷺ قال لها: (أنت سيدة نساء أهل الجنة)، قال لها ذلك في مرض موته. والدليل الثاني: أن النبي ﷺ توفي أبناؤه وبناته جميعاً وهو حي، والقاعدة تقول: إن الإنسان إذا فقد عزيزاً فهذا العزيز إذا صبرت على فقده فهو في ميزانك، وإذا صبر هو على فقدك فأنت في ميزانه، مثلاً هناك أب صالح وابن صالح، فإذا مات الأب قبل فالأب في ميزان الابن إذا صبر، والابن إذا مات قبل أبيه فالابن الصالح يكون في ميزان أبيه إذا صبر. فجميع أبناء وبنات النبي ﷺ في ميزانه صلوات الله وسلامه عليه، وهو ميزانه ثقيل بهم وبغيرهم، لكن فاطمة هي الوحيدة من أبناء وبنات النبي ﷺ التي النبي ﵊ في ميزانها؛ لأن هؤلاء مات النبي ﷺ بعدهم، وأما هي فقد رأت وفاته ﷺ فصبرت، ولا ريب أن مجرد فقد أي فتاة لأبيها مثقل، فكيف لفقدها لأبيها وأبوها سيد الخلق ﷺ ! فالنبي ﵊ في ميزان ابنته ﵂، ولا يحتاج هذا إلى تعليق بأنه ميزان ثقيل جداً. الدليل الثالث: أن النبي ﷺ قال في حقها: (إنها بضعة مني)، ولهذا قال الذهبي رحمة الله عليه في الأعلام في ترجمتها: هي البضعة النبوية، والجهة المصطفوية. فهذه الثلاثة الأدلة تجعلني أرجح القول بأنها سيدة نساء العالمين، ﵂ وعن أمها، وصلى الله على أبيها. ولا يفهم من كلامي هذا أن من أراد أن يبر بوالدته أو بوالده أنه يتمنى موته قبله، أو أن هذا أيضاً قد يسبب لهما بعض الحزن، فهذا أمر قدري لا يدخل فيه ولا يتمناه لا لنفسه ولا لأحد، وإنما يرضى بقضاء الله وقدره.

стр. 326

السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة المقدم: [الحديث الثالث قوله ﷺ : (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله). لعلكم يا شيخ تبينون هذه الأصناف السبعة بحديث إيماني نبين فيه أفضلية كل صنف من هذه الأصناف]. الشيخ: قال ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: (سبعة يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها؛ حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه). فكلما عظم الموئل والمنزل والدرجة والمكانة والعطية عظم الطريق إليها، والناس يخرجون يوم القيامة تدنو منهم الشمس، فهم أحوج ما يكونون إلى الظل، والظل هنا نسب إلى الله وأضيف إلى الله تشريفاً، وإلا فهو ظل العرش، كما يقال: بيت الله، فهو إضافة تشريف. (يوم لا ظل إلا ظله) يعني: يوم لا ظل هناك إلا ظل العرش، وقد ذكر النبي ﷺ سبعة، ولما كان الإمام العادل عظيم النفع، جليل الأثر على الناس قدم على غيره، باعتبار أن نفعه متعد، فقدم النبي ﷺ الإمام العادل وهو نادر قليل في الأمم، وألحق به العلماء كل من ولي ولاية خاصة كالقضاة والأمراء. ثم قال ﷺ : (وشاب نشأ في طاعة الله)، وفي الحديث الآخر (يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة)، فإذا وجد شاب في زمن غلبت فيه الفتن، وظهرت فيه المحن، وكثر فيه الطاعنون في الدين أو النازحون إلى الشهوات، ومع ذلك بقي معتصماً بالله متمسكاً بهدي كتابه وسنة نبيه ﷺ ، فهذا إن خلصت نيته وصلحت سريرته من الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه. إن المساجد بيوت الله، وقد أمر الله جل وعلا أن ترفع ويذكر فيها اسمه، فمن تعود وأحب الصلاة فيها، وسابق إليها بالصف الأول غدواً ورواحاً، وكان أول من يقدم وآخر من يخرج في الغالب، ويفرح لمقامه فيها فهذا من السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه. والناس تجمعهم المصالح، فيختلفون عليها ويفترقون عليها، لكن لله جل وعلا عباداً يجتمعون على محبته، ويفترقون إذا افترقوا وقد أحب كل منهم الآخر في ربه، فهؤلاء من السبعة. والرجل إذا دعته امرأة ذات منصب وجمال، فهي بمنصبها تحميه، وبجمالها تغريه، لكن خوفه من الله منعه من أن يقع في هذه الفاحشة التي هي مما زين للناس. والسادس: رجل تصدق بصدقة فأخفاها، فلو قدر أن شماله إنسان حي يرى ويبصر لخفي عليه صنيعه ذلك؛ لأنه يتعامل مع ربه، ويعلم أن صنيعه يدونه الملكان، ويحصيه الرقيبان. ورجل خلا بنفسه فذكر عظمة الله ﷻ ، وما لله جل وعلا من صفات الجبروت، وما لله جل وعلا من عظمة الملكوت، وما لله جل وعلا من نعوت الجلال، وصفات الكمال، ففاضت عيناه شوقاً إلى الله على حال، أو فرقاً من الله على حال أخرى، أو بهما معاً. فهؤلاء السبعة حق لهم أن ينالوا المنصب العالي والعطاء الأعظم، قال ﷺ : (سبعة يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله)، جعلني الله وإياك منهم.

стр. 327

الحديث عن رمضان المقدم: كثير من الإخوة على الموقع طالبوا بالحديث عن رمضان، وأنا أحيلهم وأحيل المشاهد الكريم إلى حلقة كاملة على الموقع بعنوان: رمضان بين الفقه والإيمان، وقد كانت من حلقات هذا البرنامج. الشيخ: ولنا شريط سيخرج اسمه: دنت بشائره، وهو أول خطبتين خطبتهما في قباء العام الماضي عن رمضان. وسنختم الكلام بالحديث عن رمضان: فأقول: إن رمضان شهر ومطية لبلوغ مرضاة الله، ولن تستطيع أن تصوم رمضان على الوجه الأكمل والنحو الأتم إذا كنت تعتمد على قراءتك الفقهية، لكن ينبغي أن تعلم أن الله جل وعلا وحده هو الموفق، وأن تعظم الله ﵎ في قلبك، وأن تعلم أن الله -رحمة بك- أفاء عليك ببلوغ شهر كريم، فإذا بلغته فاقتصد في أوله، وزد في وسطه، ثم اجتهد كل الاجتهاد في آخره، فهذه سنة نبيك ﷺ ، فلا تبدأ بالاجتهاد الكامل في أوله ثم يصبك الفتور، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى. تقول عائشة: (إن النبي ﷺ كان يجتهد في العشر الوسطى ما لا يجتهد في العشر الأول، ويجتهد في العشر الأواخر مالا يجتهد في الشهر كله). والإنسان قبل رمضان إذا أظهر لله نية ورغبة وسريرة ترغب فيما عند الله، وهو على يقين أن الموفق والمسدد هو الله، والمعين والميسر هو الله، واستدر رحمة ربه في أن يوفقه، بلغ مقصوده، وأما من أوكل نفسه لنفسه، وظن أنه إذا قرأ المتون أو ما إلى ذلك بلغ مقصوده، فلن يبلغ أحد مقصوده إلا بعطاء الله، كما قال العز بن عبد السلام: والله لن يصلوا إلى غير الله إلا بالله، فكيف يصلون إلى الله إلا بالله!! المقدم: أحسن الله إليكم شيخ صالح، نختم بهذه العبارة الجميلة، جزاك الله خيراً، وكتب أجرك، حقيقة أفدتنا بهذه الحلقة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.