← Джавами‘

Джавами‘ · id 37742

القطوف الدانية

صالح المغامسي

Полный текст (327 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الحكمة من إتيان مسجد قباء راكباً وماشياً المقدم: الرسول ﷺ كان يأتي راكباً وماشياً، فهل هناك حكمة من ذلك؟ الشيخ: التنوع في أداء العبادة أمر مطلوب، يبعد السأم، ولو أدام ﷺ القدوم مشياً لظن الناس واجباً، ولو أدام الإتيان راكباً لظن الناس أنه واجب، فتنويع النبي ﷺ فيه طرد للسآمة والملل، وفيه كذلك الرفق بالناس، لأنه ليس كل الناس يستطيعون أن يأتوا راكبين، وليس كل الناس يستطيعون أن يأتوا ماشين، فكل أحد يأتي بما يقدر عليه، وهذه سنة النبي ﷺ .

стр. 282

تناسب أجزاء آية تأسيس مسجد قباء المقدم: قال تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة:١٠٨] وفي نهايتها: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨] هل هناك مناسبة بين أول الآية وآخرها؟ الشيخ: هذا نزل في وصف أهل قباء من الأنصار رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، لأن بني عمرو بن عوف من الأنصار، وكان ثمة منافقون صنعوا مسجداً آخر غير بعيد عن هذا، وهو مسجد الضرار، فأظهروا شيئاً وأردوا شيئاً آخر، لكن ما أضمروه لا يخفى على علام الغيوب، إذ قال الله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة:١٠٧ - ١٠٨] أي: مسجد الضرار، ثم قال: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ [التوبة:١٠٨] والأشهر هذا، ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة:١٠٨]، ثم ذكر قرينة على أن الإنسان يتوخى المساجد المعمورة بالعباد الصالحين، المعمورة بالركع السجود، خاصة إذا كانت قديمة، وهذا ذكره الحافظ ابن كثير رحمة الله عليه في تفسيره. قالوا: والقرينة قول الله جل وعلا: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨]، كان حب الطهارة فيهم جبلة، فكانوا يقضون حوائجهم ثم يغسلون بالماء ويستجمرون بالحجارة، فكان الأمر فيهم جبلة، والطهور شطر الإيمان كما قال صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 283

الحكمة من ابتداء النبي بتأسيس المسجد في المدينة دون غيره المقدم: نريد أن نختم الكلام على المسجد بذكر فائدة أن النبي ﷺ حينما قدم المدينة بدأ بتأسيس المسجد، ولم يبدأ بتأسيس شيء آخر في الدولة الإسلامية، فهل هناك حكمة من ذلك؟ الشيخ: لا حياة للناس إلا بصلتهم بربهم، والرمز الأعظم لأن يصل الناس حالهم بربهم الصلاة، والرمز الأكبر الذي تؤدى فيه الصلاة المساجد، ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧].

стр. 284

تدبر القرآن

стр. 285

الوسائل المعينة على فهم القرآن المقدم: الجميع يرغب أن يتدبر معاني القرآن، وقد انتشرت في الفضائيات العربية ظاهرة تفسير القرآن والتدبر، وأن الناس في ذلك ما بين مجتهد مصيب ومخطئ إلى آخره، لكن كيف نستطيع أن نمتلك آليات وأدوات فهم القرآن والتدبر، وتطبيقه في حياتنا، نأخذ منك تأصيلاً علمياً في فهم وتدبر الآيات! الشيخ: فهم القرآن العظيم وتدبر آياته، والاستضاءة بنوره مقصد شرعي عظيم، تطمح إليه كل نفس مؤمنة، وفضل الله واسع، لكن لما كان القرآن بهذه العظمة كان لابد أن يكون هناك مرحلة كبرى جداً للوصول إلى تدبر القرآن، وتدبر القرآن مقصود: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء:٨٢]. وأعظم تلك المفاتيح يمكن إجمالها في أربع طرائق تعين على تدبر القرآن، أذكرها إجمالاً ثم أفصل: الأول: الابتعاد عن حطام الدنيا. الثاني: العلم بلغة العرب. الثالث: التتبع والسير على منهج سلف الأمة. الرابع: فهم مقاصد القرآن. هذا من حيث الإجمال. أما من حيث التفصيل فنقول: الأول: قال سفيان الثوري رحمة الله عليه: لا يجتمع فهم القرآن في قلب اشتغل بحطام الدنيا أبداً. فلا يمكن أن يجتمع حطام الدنيا مع فهم القرآن، هذا محال، فالاشتغال بحطام الدنيا أمر مهما قال الإنسان فيه إلا أنه ينجم عنه بعد عن تدبر نور القرآن. نحن لا نقول: إن كل من اشتغل بحطام الدنيا يحرم من فهم القرآن بالكلية، لأن هذا كلام عائم يؤخذ منه ويرد، لكن من تدبر حال الناس وجد أنه كلما كان الإنسان مشتغلاً بحطام الدنيا أكثر كان أشد انصرافاً عن فهم كلام الله جل وعلا. والله جل وعلا قال لنبيه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [الحجر:٨٧ - ٨٨] فبين الله جل وعلا أن حظك من القرآن أيها النبي الكريم يغنيك عن النظر إلى متاع الدنيا. وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه، فعلى هذا فإن تدبر القرآن يوفق له عبد أحجم بنفسه عن جمع حطام الدنيا، ونحن نرى هذا في أنفسنا، كلما شغلنا بشيء من حطام الدنيا نجمعه قل تدبرنا وفهمنا للآيات. أما الجمع على سبيل جمع المعيشة ولأجل أن يعف نفسه فلا يقال له حطام الدنيا، لأن هذا من المطالب الرئيسة التي لابد منها لإطعام النفس والولد ومن يعول، وهذا لابد منه، لكن المقصود الانغماس فيها والانشغال القلبي، بحيث إن الإنسان يبيت ويصبح ويمسي وهو يحسبها بالدينار والدرهم، والله جل وعلا قال لنبيه في سورة طه: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢] بعد أن أمره بالصلاة، قال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢]. والله جل وعلا تكفل لعباده بالرزق، وأمرهم بالعبادة له، فمن الخطأ العظيم أن ينشغل الإنسان بالرزق ويترك العبادة، فينشغل عما أمر به بشيء تكفل الله به، والله يقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]، وقال جل وعلا: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت:٦٠]، فهذا يراه الإنسان في نفسه، وليس هناك أحد معصوم، لكن الانشغال بها يحجبك عن الفهم. لكن لا يفهم منه أن هذا الشرط يؤخذ بمعزل، فيأتي إنسان بكل أحد زاهد ويقول: هذا متدبر للقرآن، فهذا من جملة شروط لا تتوافر فيها جميعاً. الأمر الثاني: العلم بلغة العرب. قال مجاهد بن جبر المكي: لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في كلام الله حرفاً إلا أن يكون عالماً بلغة العرب. وقال مالك ﵀: لا أوتى بأحد يقول في القرآن وهو غير عالم بلغة العرب إلا جعلته نكالاً. وهذا أصل دل عليه القرآن؛ لأن الله قال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]، فمن لم يفقه لغة العرب لا يحل له أن يقدم على أن يقول في القرآن، لأنه يفقد آلة عظيمة في فهم القرآن، وهي العلم بلغة العرب. من الأمثلة الواقعية على هذا ما ذكره الأئمة الكبار من قبل أن الله قال لنبيه نوح في القرآن: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود:٤٠]، فاختلفوا في معنى (التنور)، فمن العلماء من قال: إن التنور من تنور الصبح إذا أضاء، ومنهم من قال: إن التنور إذا انبجس الماء، ومنهم من قال: إن التنور أشرف الأرض وأعلاها، ومنهم من قال: إن التنور المخبز المعروف، ومعلوم في لغة العرب أنه إذا قيل (التنور) إنما ينصرف إلى الموقد الذي يتخبز فيه. فعلى هذا قال الطبري ﵀ وهو إمام المفسرين المشهور: فيجب هنا صرف كلام الله إلى المشهور من لغة العرب، ولا يوجه الكلام إلا للأشهر والمتعارف عليه من لغة العرب؛ لأن الله قال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]. إذاً: هذا ثاني الشرائط، وهو العلم بلغة العرب. وقبل أن ندخل في الشرط الثالث نتساءل: ما هي حدود امتلاك الإنسان لفهم اللغة العربية، هل هناك خطوط عامة بحيث إذا استطاع أن يسيطر عليها فهم الكلام العربي؟ يفهم من النحو قواعده الإجمالية، صحيح أن هناك مسائل اختلف فيها الأئمة الكبار كنحاة البصرة ونحاة الكوفة، لكنها ليست مطلوبة، لكن الإجمال والإحاطة العامة ومعرفة مظان الاختلاف أمر مطلوب. العلم بلغة العرب وبأساليب العرب في كلامهم، لا يتأتى إلا إذا كان الإنسان قد اطلع على شعر العرب، قال عمر ﵁: الشعر ديوان العرب، فالاطلاع على المعلقات والشعر في صدر الإسلام وفي زمن الاحتجاج خاصة أمر مطلوب، حتى يعرف الإنسان طرائق العرب في كلامها، فعلى ذلك يفسر القرآن، ولذلك كان ابن عباس إذا قال في المسألة قولاً يسأله الناس: أوتعرف العرب هذا؟ فيقول: نعم، ثم يأتي بشاهد يدل على أن العرب تعرف هذا المقصد في كلامها. وزمن الاحتجاج استمر إلى عام (١٢٠هـ) تقريباً، قبل نهاية الدولة الأموية بعشر سنين تقريباً. الأمر الثالث: الاهتداء بمذهب السلف الصالح، والسؤال الأول: من هم السلف الصالح؟ السلف الصالح صحابة النبي ﷺ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وأعيان التابعين لهم بإحسان، والأئمة العدول ممن ساروا على منهجهم إلى يومنا هذا وإلى أن تقوم الساعة، وبالنسبة لكل أحد فإن من مضى قبله من الأئمة العدول سلف له، لكن ينطبق على أهل القرون المفضلة في المقام الأول، فمنهج الصحابة وأعيان التابعين لهم بإحسان هو الذي ينصرف إليه قولنا وقول الأئمة: السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان. هؤلاء الأئمة رضوان الله تعالى عليهم لابد للإنسان أن يسير على منهجهم حتى يتدبر القرآن. ومن سمات منهج السلف الصالح: الأول منها: أنهم يقدمون النقل على العقل في تفسير القرآن عامة، وفي نصوص الأسماء والصفات خاصة. الأمر الثاني من سمات منهجهم رحمة الله تعالى عليهم: أنهم يجمعون بين القرآن والسنة. الثالث: من سمات منهج السلف الصالح: رفض ما دونه الفلاسفة والمتكلمون في الأسماء والصفات خاصة. الرابع: أنهم ينبذون التقليد الأعمى، ولا يتعصبون لمذهب بعينه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه وهو يصف بعض سماتهم: وليس لهم متبوع إلا رسول الله ﷺ ، وهم -أي الصحابة- أعلم الناس بأحواله وأقواله وأعرف الناس بأحاديثه صحيحها وسقيمها رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. فالسير على منهجهم وفق هذه الخطوط وغيرها من طرائق معرفة النصوص تعين على فهم القرآن.

стр. 286

التعامل مع الإسرائيليات في التفسير المقدم: ما يتعلق بالإسرائيليات والقصص وبعض الروايات المأثورة إذا كانت غير صحيحة أو يشك في صحتها، كيف نتعامل معها؟ الشيخ: ما ينقل عن بني إسرائيل أو ما يعرف بالإسرائيليات ثلاثة أضرب: الضرب الأول: أن يشهد له القرآن أو السنة فنقبله. الضرب الثاني: أن يشهد القرآن والسنة بمخالفته وبأنه غير صحيح، فنرده. الضرب الثالث: أن لا يشهد له القرآن ولا السنة بصحة ولا بخطأ، لا بصدق ولا بكذب، فيؤخذ منه ما يغلب على الظن أنه راجح أو أنه مكذوب، أو يستأنس به، لكن لا يجعل أصلاً يعتمد عليه أبداً. بعد ذلك هناك أمور تحفها قرائن يقال: من باب الاستئناس وأمثال ذلك، هذا كله لا بأس به، لكن القضية التي حاد الناس فيها مسألة الخوض في الأسماء والصفات، يعني: الخطأ جاء من المتأخرين في أنهم لم يطبقوا منهج السلف الصالح في الأسماء والصفات، مع أن منهج السلف الصالح في الأسماء والصفات ظاهر بين له أسس يقوم عليها.

стр. 287

معنى مقاصد القرآن المقدم: الأمر الرابع في فهم القرآن: إدراك مقاصد القرآن، ونحن نقول: ما معنى مقاصد القرآن؟ ثم بعد ذلك ندرك هذه المقاصد. الشيخ: مقاصد القرآن، القرآن له مقاصد أرادها دل عليها القرآن ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم:١] إذاً: دلت الآية صراحة على أن إخراج الناس من الظلمات إلى النور أعظم مقاصد الشرع، وأعظم المطالب إيجاد مجتمع مسلم له قيمه العظيمة التي يقوم بها ويؤمن بها ويعتمد عليها، ويشيعها في الناس، قال الله ﵎: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:١٢٩]، فتزكية الناس وتعليمهم مقصد شرعي عظيم للقرآن. نبذ الشرك ورد المظالم والبعد عن تعظيم أحد تعظيماً يخرجه عن الحد الشرعي، كل ذلك جاء الشرع به، في المساجد يقول الله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]، وفي آية أجمع يقول الله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥٦]. وفي قضايا العقائد يقول: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف:٥]. ومن عظيم مقاصد القرآن كذلك تأسيس مجتمع يكون له ولي أمر مسلم له بيعة في الأعناق، وله طاعة وله سمع، ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣].

стр. 288

مصادر الخلل في فهم مقاصد القرآن فهذه أمور حفظها القرآن وجاء بها. جاء الخلل في الناس على أمرين: الأمر الأول: خلل في قضية المنهج في باب الأسماء والصفات، ولابد أن يعرف أن هناك أسساً ثلاثة قام عليها منهج السلف الصالح في فهم نصوص الأسماء والصفات، وهذه أجملها الأمين الشنقيطي رحمة الله تعالى عليه في أضواء البيان فقال: الأساس الأول: أن يعلم أنه يجب أن تنزه صفات الله جل وعلا على أن تشابه شيئاً من صفات المخلوقين، ودليل هذا من القرآن: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وقول الله جل وعلا: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]. الأساس الثاني الذي قام عليه منهج السلف في فهم الأسماء والصفات: أن نؤمن بما وصف الله به نفسه بأنه لا أحد أعلم بالله من الله، قال الله جل وعلا: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٠]. ويندرج في الثاني: الإيمان بما وصف به النبي ﷺ ربه جل وعلا، بأنه لا أحد من الخلق أعلم بصفات الله وأسمائه من رسول الله ﷺ ، ودليله من القرآن: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]. الأساس الثالث: قطع الطمع عن إدراك الكيفية، فلا يبقى في النفس أي طمع في أن يصل إلى كيفية صفة الله. هذا محال، وقطع الطمع مبني على قول الله جل وعلا في حق ذاته العلية: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، فالإنسان إذا قطع الطمع عن إدراك الكيفية وآمن بما وصف الله به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ ، ونزه صفات ربه جل وعلا أن تشابه صفة أحد من الخلق، إذا تحققت هذه الثلاث التي دل عليها القرآن العظيم عرف كيف ينجو في باب الأسماء والصفات. الأمر الثاني الذي جاء منه الخلل: النظرة السطحية للقرآن: فالنظرة السطحية ينجم عنها أن الإنسان يأتي للألفاظ وحرفيتها ويعتقد أنها هي المراد والمقصد، وهو لا يفقه مقصد القرآن، لأنه لا يملك آلة يراد بها فهم القرآن. هذان المنزعان للخلل المنزع الأول وقع فيه فرق مثل المعتزلة وغيرها، وهو أنهم لم يأخذوا منهج السلف الصالح في الأسماء والصفات. وأما عدم فهم مقاصد القرآن فقد وقع فيه الخوارج، فالخوارج يأخذون ظاهر القرآن ويقفون عنده، ولا يدركون ما وراءه، ويستدلون بما هو بمعزل تام عن القضية، فالخوارج الأولون كفروا علياً لأنه قبل التحكيم، وأين فهم الخوارج من فهم علي؟ ومع ذلك احتجوا عليه بآية لا علاقة لها بالقضية، وهي قول الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٤٠]. فقالوا: أنت حكمت الرجال في دين الله، وفي إمارة المؤمنين، فتحكيمك الرجال في دين الله مناف لقول الله جل وعلا: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٤٠]، فقال لهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن الله جل وعلا قال في الأرنب: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥]، فقال: إذا حكم الله جل وعلا الرجال في الصيد، فكيف بأمارة المؤمنين؟! إنه أوجب وأفضل، لكنهم وقفوا عند الحرفية. والخوارج المعاصرون ليس منزعهم واحداً، فبعضهم دفعه الحقد، وبعضهم دفعه الحسد، وبعضهم دفعه التغرير، وبعضهم دفعه الهوى، لكن بعضهم أفعاله الإجرامية التي تحصل والتي يخططون لها إنما تنجم عن الفهم القاصر في كلام الله ﵎، وإتيانهم بنصوص يريدون تطبيقها وهي بعيدة جداً عن مرادها، لكنهم لقلة العلم والبصيرة مع الحقد أو الحسد أو صغر السن وقلة التجربة، أو التغرير أو استخدام من يستخدمهم لأغراضهم؛ نجم عنه ذلك الأمر. أما اجتزاء جزء من الآية وإخراجها عن السياق العام، فهو مصنف ضمن عدم فهم مقاصد القرآن، وليس الطبيب الحاذق من يهدم مصراً كاملاً ليبني قصراً، هذا ليس من دين الله في شيء، ودفع أعظم الشرين وتقديم خير الخيرين من أعظم مقاصد الشرع. قد يقال: هذه الأربعة شروط هل يمكن لأي إنسان لم يؤت نصيباً من العلم والفقه أن يتحصل عليها، أم أنها خاصة بالعلماء والراسخين في العلم؟ فنقول: إنها إذا وجدت يوصف صاحبها بأنه راسخ، فمن أدرك لغة العرب وتفرغ للعلم، وأدمن النظر في القرآن، وعرف مقاصده، وقرأ ما دونه الأكابر على منهج السلف ونظر فيما سطره الصالحون الأولون أصبح عالماً حقاً. وقبل ذلك لابد -أنا أتكلم عن المفاتيح الإجمالية العامة- من أشياء شخصية، كأن يكون الإنسان ذكياً فطناً ذا بداهة، جعل الله جل وعلا فيه أصل القدرة، ثم أخذ ينمي نفسه وقدراته بطلب العلم. يعني: هناك أصول حررها ابن عبد البر عندما تكلم في هذه المسألة، فهناك أصول عظيمة للدين يقرؤها الإنسان ويطلع عليها، ثم ينظر في كل فن ما دونه أهله، ما قاله كباره، ما سطره أئمته، فيستأنس بتلك الأفهام في فهم كلام الله جل وعلا.

стр. 289

كيف يبدع الإنسان في فهم القرآن المقدم: شيخنا الفاضل توقفنا عند فهم مقاصد القرآن، وذكرتم الشروط الأربعة لفهم مقاصد القرآن، البعض يقول: حينما يستمع إلى تفسير معين يجد أنه ليس هناك شيئاً جديداً، فكيف يكون الوصول إلى استنباطات معينة في التفسير تنفع الناس في واقعهم؟ الشيخ: أصل المسألة أن فضل الله يؤتيه من يشاء، وقضية الدربة واعتماد الصناعة أمر بيد الله، ولكل ميدان فرسانه. وأحياناً يأتي لهذا الميدان شخص ليس من أهله، فلا يصل إلى المرتقى الصعب فيه، لكن على العموم لا نستطيع أن نقول: فلان من أهله وفلان ليس من أهله، هذا ليس لنا وغير لائق، لكن نقول: على المؤمن أن يتقي الله، وأن يعلم أن فهم كلام الله جل وعلا مطلب عظيم، لكن لا يجوز التقدم بين يدي الله ورسوله، والبحث بطرائق يتفق الناس على أنها غير موصلة إليه، فإكمال علم الآلة، وإدراك الإنسان هذا من نفسه وأن له الحق في أن يبحث في علم التفسير، يجعل له ذلك، أما أن يأتيه تطفلاً أو منازعة أو تشبهاً فهذا قد ينجم عنه -عياذاً بالله- ضرر كبير على النفس في الآخرة قبل الأولى.

стр. 290

تطبيق معايير فهم القرآن على آية: (وإذ قال إبراهيم رب أرني) المقدم: قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]، كيف نستطيع أن نطبق المعايير التي ذكرتموها في فهم وتدبر القرآن على هذه الآية؟ الشيخ: إبراهيم ﵇ خليل الله وأعظم الأنبياء قدراً بعد نبينا ﷺ ، فيستصحب المفسر هذا الأصل قبل أن يقدم على الآية. فالآية لا تتحدث عن رجل يشك في إسلامه، ولا عن رجل ضعيف إيمان، بل تتحدث عن إمام الحنفاء الذي نسب الله الملة إليه، فإذا قال الله عن خليله ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠] انقطع إثبات الشك لإبراهيم، فمحال أن ينسب الشك إلى خليل الله ﵇. سلف الأمة الصالح أدركوا هذا، فلم يقل أحد إن إبراهيم شك في مسألة إحياء الموتى، فنفي الشك عن إبراهيم أول مقصود؛ لأنه إذا نسبنا الشك لإبراهيم فماذا سنقول في آحاد الناس اليوم! لكن إبراهيم ﵇ أعظم الناس قدراً عند ربه بعد نبينا. أما معنى الآية فإن إحياء الموتى من أعظم ما تمدح الله به، ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:٧٧ - ٨١]. وقال جل وعلا: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت:٢٠ - ٢١]. وقال جل وعلا: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم:٥٠]، ثم قال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [الروم:٥٠]. فمن أعظم ما تمدح الله به هذا الوصف العظيم، فأراد إبراهيم أن يصل إلى عين اليقين في هذه المسألة، وهو شيء يراه بعد أن وصل إلى مرحلة حق اليقين، فهي استزادة إيمانية، ليست نابعة من شك، ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] أي: لأرتقي إلى مرحلة عين القين. فأجابه الله؛ والله لا يجيب شاكاً، إنما إجابة الله لإبراهيم قرينة على أن الله علم من إبراهيم صدق يقينه، وعظيم إيمانه، فرفع منزلته، بأن أطلعه على آية من آياته: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة:٢٦٠]، (صرهن إليك) تتضمن جمعهن وذبحهن وتمزيقهن، ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة:٢٦٠]، وهذا شيء محسوس يراه الناس. ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٠]. هنا نأتي إلى مقاصد القرآن، فالقرآن أن يقول: إن إدراك المحسوسات أعظم تأثيراً في النفس من إدراك المعقولات، فالبراهين غير المحسوسة لا تؤثر في النفس كما يؤثر الشيء المحسوس، بدليل أن هذا المثل ضرب وقدم بخليل الله إبراهيم، فإذا كان قد أثر في إبراهيم فكيف بغير إبراهيم، يعني: إبراهيم وصل إلى منزلة عظيمة هي حق اليقين، فرفعه الله بأن أراه آية من آيات الله حتى وصل إلى منزلة عين اليقين. بعض أهل العلم -هنا يأتي الاستنباط- فهموا من الآية أن هذا من دلائل علو درجة نبينا ﷺ ، وهم متفقون على علو درجة النبي ﷺ ، لكن كيف يفهم هذا من الآية؟ قالوا: إن إبراهيم طلب أن يرى الآيات، ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠]، أما محمد ﷺ فإن الله أراه الآيات من غير طلب، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١]، فتوقيراً وتعظيماً له صلوات لله وسلامه عليه لم يطلب منه أن يسأل رؤية الآيات، وإنما أعطيت له هذه الآيات ليراها فيصل إلى درجة عين اليقين. لكن يستدرك على هذا الرأي أن الله قال في سورة الأنعام: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام:٧٥]. والذي يتحرر عندي -والعلم عند الله- أن إبراهيم أعطي أشياء من غير طلب، وعليها تحمل آية الأنعام، وأمور طلبها وعليها تحمل آية البقرة، أما النبي ﷺ فلم يطلب شيئاً، بل أعطيها كلها، وهذا حتى لا يصبح هناك فرق عظيم بين خليل الله إبراهيم وخليله محمد ﷺ ، ومحمد ﵊ ابن لإبراهيم، فكان يوقر أباه، ولما دخل الكعبة قال: (قاتلهم الله ما لشيخنا وللأزلام)، فسمى النبي ﷺ سمى خليل الله إبراهيم شيخه، ولا أعلم في السنة أن النبي ﷺ قال عن أحد من الأنبياء إنه شيخه إلا خليل الله إبراهيم ﵇. المقدم: هل نستفيد من هذا الاستنباط أنه يستخدم الاستدلال بالمحسوسات فيما يتعلق بالعلم التجريبي الآن في الدعوة إلى الله، وفيما يتعلق بالإعجاز العلمي، وأن هذا يعتبر أحد الأسس التي يقوم الإنسان بإيصال الفكرة والرأي إلى الآخرين عن طريق طريقها؟ الشيخ: الأشياء المحسوسة أمرها محمود، تؤثر في النفوس كثيراً ولا خلاف في هذا ولا نزاع، لكن لا يسند إلى الله شيء إلا على بينة من الأمر، وعلى علم بلغة العرب، لكنكم ذكرتم قضية التجريب. التجريب في القرآن يأتي في قضايا الطب، فالطب علم تجريبي، ففرق ما بين التعبد المحض وما بين الطب، فمثلاً ذلك الصحابي الذي قرأ الفاتحة سبع مرات على سيد أولئك القوم فبرئ، لا يوجد آية تقول: من قرأ الفاتحة سبع مرات على ملدوغ فإنه يبرأ من السم، فهذا شيء تجريبي، وأقرته السنة، فقال ﷺ له: (وما يدريك أنها رقية؟) تعجباً، فثمة آيات جربها العلماء إذا قرئت على مرض معين تبرئ، لكن لا نقول: إن الله قال إن قراءتها تبرئ، ولا نقول: إن النبي ﷺ قال: إن من قرأها برئ، ولا يشترط الإيمان بها، لأن هذه التجربة قد تصح عند تركي ولا تصح عند صالح، وقد تقتنع أنت بها ولا أقتنع أنا بها، فهي تجربة، ثم قد تكون في شخص ولا تكون في شخصين، وقد تكون في ثلاثة ولا تكون في أربعة. ولو قرنت التجربة بعدد فلا مانع، لأنه إذا دلت التجربة على أن العدد مقرون فلا يمنع من قبولها، لكن لا تنسب إلى أنها دين، مثلاً الذين يبتلون بالعقم من الرجال، يقولون له: اقرأ قول الله: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩] فمن قالها أربعين مرة بقصد الدعاء في إحدى سجداته رزق الولد. فإن قال قائل: من أين أتيتم بالأربعين؟ قلنا: الأربعون مذكورة في القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة:٥١]، هذا واحد. ثم إن التجربة دلت عليها، فهناك من جرب هذا وقالها أربعين مرة فرزق بإذن الله، وأنا شخصياً ذكرت هذا لاثنين ممن أعرف بطريقة خاصة، ثم اتصل بي كل منهما وبشرني أنه رزق. فالمقصود هنا التجربة، ومع ذلك قد يقولها آخر ولا يرزق، يعني: أنا لم أنسبها إلى الله ولم أنسبها إلى رسوله، ولا يأتي أحد يقول: هذه بدعة، لأن البدعة في العبادات، وأنا لا أتكلم عن عبادة، ولا أتكلم أن هذه قربة إلا بمجملها وكونها دعاء، لكن ما هو الطب؟ الأطباء يأتون بأمصال ويجربونها المرة بعد المرة على حيوان فيحصلون على نتائج مختلفة حتى ينجحون، ثم إذا ثبت النجاح عندهم أثبتوها، قالوا: هذا ينفع في كذا وكذا، من خلال اجتماع قرائن معينة. وقد دلت السنة على علم التجريبي، وهذا استنبطه العلماء من قبل، كما في حديث الإسراء والمعراج، فإن موسى ﵇ قال لنبينا ﷺ : (ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإني بلوت الناس قبلك) وهذا يعني أن موسى جرب خبر الناس، فعرف أنهم لا يمكن أن يطيقوا خمسين صلاة في اليوم والليلة، فرجع النبي ﷺ مستفيداً من علم موسى التجريبي الذي نصحه به. فقضية التعبد شيء والعبادات شيء، لو جاء إنسان وقال: من سجد وقال في سجوده كذا فله كذا نقول: هذا باطل وليس لك أن تقوله، ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، فلابد أن يفرق ما بين الأمر التعبدي والأمر التجريبي. مثلاً: قال بعض العلماء: إن قراءة: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام:١٣] على ألم الضرس خاصة يخففه، وهذا قد ينفع مع هذا ولا ينفع مع هذا، قد يكون اعتقاد هذا أقوى من اعتقاد هذا، وقد يخفف عن إنسان بدعاء من غير الآية، فالقضية تكمن في كيفية التعامل مع كلام الله جل وعلا، والعلم عند الله.

стр. 291

تطبيق معايير فهم القرآن على آية: (اليوم أحل لكم الطيبات)

стр. 292

المعنى العام للآية المقدم: ننتقل الآن إلى الآية الثانية، قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة:٥] ونحن سنأخذ الآية على شكل أقسام، بدايةً نريد المعنى العام للآية؟ الشيخ: أكمل الله للمسلمين الدين، فقال قبلها بآيات: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]. كانوا قد سألوا عن الطيبات: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤] إلخ الآيات، ثم بين هنا أن هذا اليوم يوم اكتمال الدين، ويوم لن يكون في غالب الظن بعده نسخ وإن كان الأمر لله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [المائدة:٥]. يبين الله جل وعلا إكرامه لأهل طاعته، وما أفاءه الله على عباده، فالله يقول والقرآن يؤخذ هكذا جملة: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف:٣١]، وقال عن أنبيائه ورسله: ﴿إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان:٢٠]. فلا يأتي أحد ويقول: إن الجوع مقصود شرعي، وعدم الأكل مقصود شرعي، وعدم النكاح مقصود شرعي: (النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني).

стр. 293

هدي النبي في الذكر بعد أكل الدباء واللحم واللبن المقدم: الطيبات أحلت لأشرف الخلق ﷺ ، فكيف كان تعامل النبي ﷺ مع الطيبات، فنحن نقرأ في السيرة أنه ﵊ أكل من الدباء، وأيضاً هناك دعاء خاص فيما يتعلق باللبن، وأيضاً هناك دعاء خاص فيما يتعلق باللحم، فما هو هديه ﷺ في التعامل مع هذه الطيبات؟ الشيخ: الأصل أنه ﵊ لا يتكلف مفقوداً، ولا يرد موجوداً، ولا يعيب طعاماً قط، فإذا لم يعجبه لم يأكله، لكنه لا يعيبه، هذا الأصل. أما الدباء فقد ذكر الإمام البخاري رحمة الله عليه في صحيحه من حديث أنس ﵁ أن خياطاً صاحب حرفة دعا النبي ﷺ إلى طعام، قال أنس: فذهبت معه -بوصفه خادم النبي ﷺ فقال ﵁ وأرضاه: (فرأيت النبي ﷺ يتتبع الدباء في القصعة، فما زلت أحب الدباء من يومه)، بل جاءت روايات أنه كان يأمر أهله كلما صنعوا له طعاماً أن يجعلوا فيه دباء اقتداء. والدباء هو القرع المعروف عند الناس ويطبخ طبخاً، حتى يكون هناك شيء يفيد الإنسان. أما اللبن فقد جاء في حديث ابن عباس في سنن أبي داود أنه ﷺ سقي لبناً، فكان يقول ﷺ : (إذا أتي أحدكم بطعام فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وأعطنا خيراً منه، وإذا سقي أحدكم لبناً فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه). هذا يحدث سؤالاً: لماذا اللبن دون غيره؟ فقال ﷺ في الحديث نفسه: (فإنه ليس شيء يغني عن الطعام والشراب إلا اللبن). والله يقول: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل:٦٦]، قال بعض العلماء: إنه ما غص أحد باللبن قط؛ لأن الله قال: ﴿سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل:٦٦]. وأما اللحم فقد ثبت عنه ﷺ أنه أكل لحم الدجاج، كما في حديث أبي موسى عند البخاري في الصحيح، قال: (رأيت النبي ﷺ يأكل دجاجاً). وثبت عنه ﷺ أنه أكل لحم الأرنب. وثبت عنه ﷺ أنه أكل لحم الإبل. وضحى ﷺ عن نسائه بالبقرة، أي: في الحج. وثبت عنه ﷺ أنه أكل لحم الشاة، وكان الذراع والكتف أحب إليه مما سواه من اللحم، ولهذا فاليهود لما أهدوا له شاة تعمدوا أن يجعلوا السم في الكتف والذراع، فأخبرته الذراع أنها مسمومة صلوات الله وسلامه عليه، والله يقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]. فهذا مجمل ما جاء في سيرة نبينا ﷺ . وقد يقول قائل الآن: إنني أعتب على تركي وصالح أنهم أدرجوا السنة ونحن نتكلم عن القرآن؟ و الجواب نحن قلنا في القواعد -كما مر معنا- أن السلف لم يكونوا يفرقون بين القرآن والسنة، ولا يمكن فهم القرآن من غير السنة، فمن لم يفقه السيرة، ولم يطلع على هديه وأيامه ﷺ فمحال أن يفقه القرآن، ومما نقل عن الخوارج أنهم يريدون أن يفهموا القرآن بمعزل عن السنة، ولا يمكن أن يفهم القرآن بمعزل عن السنة.

стр. 294

الوقوع في أكل المحرمات مجانبة للفطرة المقدم: قول الله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة:٥]، فإن الله أباح للإنسان الطيبات، فدائرة الطيبات دائرة واسعة، فلماذا يتعمد كثير من الناس الدخول في دائرة المحرمات والخبائث من الأطعمة ومن غيرها، مع أن الله أباح لهم هذه الطيبات؟ الشيخ: هذه حيدة عن الفطرة موجودة في النفس بسبب تراكم الذنوب، والبعد عن الله، وغلبة الهوى، وإلا فالمحرمات معدودة، يقول الله: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام:١١٩]، أما الطيبات فلم يعددها الله، لأنها لا تعد من قبل البشر، أعلم بها، واستقصاؤها صعب.

стр. 295

حكم الزواج إذا أسلم أحد الزوجين الكافرين المقدم: يقول الله في بقية الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة:٥]، بانتشار الإسلام والدعوة في الأمصار والأقطار دخل كثير من الناس في دين الله أفواجاً، يحصل هناك إشكالية فيما يتعلق بزوجة الذي أسلم، أو بالعكس، أي: إذا هي أسلمت بزوجها، فكيف يكون التعامل فيما بينهم في الأسرة، وإذا كان بينهما أبناء كيف يكون التعاون في مثل هذه القضايا؟ الشيخ: قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة:٥]، المحصنات هنا بمعنى العفيفات، فلا يجوز الزواج من البغي الزانية لا مسلمة ولا كتابية، إلا المسلمة إذا تابت. نأتي للمحصنات من الذين أوتوا الكتاب، وهم اليهود والنصارى، ونبين حكمهم وحكم غيرهم. نأتي إلى أقرب مثال في مستشفى الحرس الوطني وهو قضية فصل التوأمين، كان الرجل كامروني الأصل نصرانياً، ثم أسلم لما رأى حسن المعاملة، فلما أسلم ذهب إلى قومه، وكانت زوجته معه، فرأى ما من الله على ابنيه المتصلين كيف فصلا في دولة مسلمة، وكيف أن ولي أمر المسلمين خادم الحرمين وفقه الله تبنى الأمر، ووجد رعاية أثرت فيه فأسلم. زوجته لم تسلم في الأول، لكن بلغني أنها أسلمت بعد ذلك، يأتي إشكال الآن ولابد لطالب العلم أن يفقه المسألة: الحالة الأولى: إذا أسلم كافران في لحظة واحدة، يبقى زواجهما على حاله، هذه الحالة الأولى. الحالة الثانية: إذا أسلم كافر كتابي أو غير كتابي، لكن التي تحته كتابية، مثل حالة هذا الكامروني، فهو أسلم وزوجته لم تسلم، فماذا نقول؟ نقول: يبقى الأمر على حاله، لأن المسلم الأصلي يجوز له أن يتزوج كتابية، فمن باب أولى أن يبقى من تزوج كتابية على حاله. يعني: لو أن صالحاً أو تركياً أي أحد منا أراد أن يتزوج كتابية فله ذلك بنص القرآن، فإذا جاز هذا للمسلم الأصلي فاستمرار زواج دخل في الإسلام وتحته كتابية من باب أولى، فلا حرج أن يستمر الزواج لأنه يجوز له أن يتزوج كتابية أصلاً، هذه الحالة الثانية. الحالة الثالثة: لو حصل العكس: فكانت الزوجة كتابية أو كافرة، والزوج كتابي أو كافر، لكن الإسلام جاء من قبل الزوجة، هنا يجب أن تنفصل عنه، وإذا انفصلت عنه تبقى في العدة، فإذا أسلم وهي في العدة فهل يستمر الزواج أو يحتاج إلى عقد جديد، أو تكون مخيرة فيحق لها ألا تقبله حتى لو أسلم؟ بكل قال العلماء، والأرجح عندي أنه إذا أسلم في العدة يبقى الزواج كما كان، لكن ينفسخ الزواج لقول الله تعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠]. الحالة الرابعة: رجل كتابي أو كافر متزوج كافرة من غير أهل الكتاب، فأسلم هو ولم تسلم زوجته، فينفسخ العقد لقول الله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:١٠].

стр. 296

حكم نكاح الكتابيات بعد تحريف دينهم المقدم: ما يتعلق بالنكاح من أهل الكتاب (النصارى واليهود)، بعضهم يقول: إنه قد حرفت ديانتهم فلا يجوز الزواج منهم، فهل يؤخذ بالحكم في وقتنا الحاضر؟ الشيخ: نزلت الآية وقد كان اليهود والنصارى محرفين لديانتهم، ولم يكونوا على الحق، يعني: اليهود والنصارى المعاصرون للنبي ﷺ كانوا محرفين، لأن الدين الذي جاء به موسى حق، والدين الذي جاء به عيسى حق، لكنهم انحرفوا عن دين الله الذي جاء به موسى، وانحرفوا به عن دين النصارى الذي جاء به عيسى ﵇.

стр. 297

اشتراط العفة في نكاح الكتابية المقدم: ذكرتم أن أحد الشروط في الزواج من الكتابية أن تكون عفيفة، وهذا ربما يتعلق بزماننا هذا، مع كثرة حصول العلاقات الغير الشرعية؟ الشيخ: إن علم أنها تشتغل بالبغي لا يجوز له أن يتزوجها؛ لأن هذه ستصبح أم ولده، قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة:٥]. بعض العلماء يقول: لما نزلت هذه الآية قال بعض نساء أهل الكتاب: لو لم نكن على حق لما أذن الله لأهل الإسلام أن يتزوجوا منا، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٥] أي أن هذه القضية قضية متاع دنيوي، ولا علاقة له بالآخرة والعلم عند الله.

стр. 298

الكلام على آية: (لا خير في كثير من نجواهم) وأثرها في المجتمع المقدم: نأتي الآن إلى الآية الثالثة والنموذج الثالث، ولعلنا نأخذ آية قرآنية فيها قصة اجتماعية لها ارتباط بمسجد قباء؟ الشيخ: إذا قرناها بالسنة، فالسنة جاء فيها في البخاري أن النبي ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف -الذين تكلمنا عنهم في الأول- ليصلح بينهم، وهي القصة التي حدث فيها أن أبا بكر ﵁ صلى بالناس، لما جاء النبي ﷺ وأبو بكر يصلي بالناس فصلى بهم، وتأخر أبو بكر. أما الآية فالله يقول: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] (نجواهم) تعود إلى عموم الناس، أي: أن الأحاديث أكثرها أغاليط وخوض بمحرم لا ينبغي لأهل الإسلام أن يتلبسوا به، ثم استثنى ربنا، قال: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ [النساء:١١٤] والصدقة أول ما تنصرف إلى إعطاء المال لذوي الحاجات، وقال بعض العلماء: ربما يندرج فيها التسبيح والتهليل لقوله ﷺ : (كل تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة). لكن الأولى صرفها إلى المعنى اللغوي والشرعي في الأظهر، وهو أنها تنصرف إلى الصدقة المعروفة بالمال على المساكين، وقد جاء في فضلها: (الصدقة تطفئ غضب الرب). ونحن مقبلون على فصل الشتاء في شدته، وذوو الحاجات من الفقراء والمساكين والأسر يحتاجون إلى أشياء كثر، فلو أن الأثرياء وأصحاب الأموال تصدقوا بدلاً من أن تنفق الأموال فيما لا يرضي الله جل وعلا، أو حتى في مباحات لا يجوز الإكثار منها. ويجب أن يكون رب الأسرة صاحب المال عاقلاً، فمال يذهب به إلى الفقراء بنفسه سراً، ومال يعطيه لأبنائه أو لبناته ينفقونه ويجعلهم واسطة بينه وبين الأسر الفقيرة، حتى يربي في أبنائه وبناته فضيلة الصدقة وحبها، فهذا مما ينبغي أن ينشأ عليه أبناء الأثرياء وأبناء الأغنياء. والله جل وعلا يبتلي بالفقر ويبتلي بالغنى، وسيسأل الله جل وعلا من ملكه الأموال ثم لم ينفقها، وسيسأل من أنفقها في معصية الله، أو فاخر بها فيما لا يرضي الله. البطانيات والسخانات من مطالب الشتاء في الغالب، والأسر لا يمكن أن تعطى هذا في مسجد، أو يعني السائل في مسجد، لكن هناك جمعيات تقوم بهذا، وليس الغرض الآن تزكيتها ولا غير ذلك، لكن أنا أرى أن يقوم الإنسان بالبحث عن هذه الأمور بنفسه ويسأل عنها. صحيح أن هناك في بلادنا ولله الحمد جمعيات ومؤسسات كثيرة ومؤتمنة، والتواصل معها تواصل محمود، وهم أهل ثقة لا نزكيهم على الله، وجزاهم الله عنا خير الجزاء، وقد حملوا عنا تبعة عظيمة، لكن أحب إلي أن يصنع الإنسان هذا بنفسه. والتطبيق العملي أن يتوخى ذوي قرابته في المقام الأول، هذا قول الله: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ [النساء:١١٤]. قوله: ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ [النساء:١١٤] كلمة عامة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كلمتان تجتمعان أحياناً، فإذا اقترن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يصبح الأمر بالمعروف الأمر بالخير، والنهي عن المنكر ترك الشر، أما إذا لم تقترنا وقيل (الأمر بالمعروف) كما في الآية هنا لوحده أصبح المعنى يحتمل الأمرين، فكل أمر بالمعروف هو ترك للمنكر. بقينا بالإصلاح، قلنا: إن النبي ﷺ مضى لبني عمرو بن عوف، فالإصلاح بين الناس من أفضل الأعمال، كما أن السعي في الإفساد من أبغض الأعمال إلى الله، قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١]، وقال عن أهل معصيته: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥]. وقد ذكر العلماء بناء على أحاديث ثابتة عن النبي ﷺ أن السعي في الإصلاح بين الناس من أعظم القربات إلى الله، سواء كان ذلك في الأعراض أو في الأموال أو في الدماء، فهذا كله ينبغي للإنسان أن يسعى فيه ويجاهد فيه، فهذا من أقرب ما يتقرب به إلى الله، وقد دل إذنه ﷺ لمن يسعى بين الناس بالإصلاح أن يكذب على فضيلة هذا العمل. أما تعلقها بمسجد قباء فهو أن رسول الله خرج إلى بني عمرو بن عوف وكان بينهم شيء من النزاع، فأصلح ﷺ بينهم، ووجه الدلالة هو أن إمام المسلمين ﵊ يترك فريضة العصر في مسجده ويأتي بني عمرو بن عوف ليباشر هذا العمل بنفسه، وهذا فيه دلالة ظاهرة على أنه عمل عظيم، وإلا كان بإمكانه ﵊ وهو المسموع المطاع أن يبعث أحداً يقوم بهذا الصلح، لكنه قام به بنفسه وأتى بني عمرو بن عوف وأصلح بينهم، ولم يعد إلا وصلاة العصر قد أقيمت. ونحن نقطع أن الصحابة ﵃ أخروها ينتظرون النبي ﷺ ، فلما غلب على ظنهم تأخره قال بلال لـ أبي بكر: أقيم وتصلي؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر إماماً، فأتى النبي ﷺ الصلاة وهم في الركعة الأولى، فلما نبه الناس أبا بكر أن النبي ﷺ قد قدم تأخر أبو بكر وتقدم رسول الله ﷺ .

стр. 299

كيف نستفيد من قراءة القرآن المقدم: شيخنا الفاضل! لقد أكلمنا الحديث عن فهم وتدبر معاني القرآن، وما يتعلق بالشروط الأربعة التي ذكرتموها في فهم مقاصد القرآن الكريم، وأخذنا ثلاثة نماذج تطبيقية في هذا السياق. يبقى القضية الأهم وهي: ماذا يكون بعد ذلك، أي: ماذا يفعل المشاهد حينما يقرأ القرآن ويتدبر، هل الفائدة الآن أن يختم القرآن، أم يجعل له وقتاً للقراءة التدبرية، هل هناك أفكار معينة في هذا السياق؟ الشيخ: الأمر الأول: أن يكون هناك انصراف من القلب إلى محبة كلام الله، هذه البذرة الأولى، فإذا وجدت أخذ الإنسان بهذه القواعد، فنظر في لغة العرب، وسأل الله بإلحاح أن يرزقه تدبر القرآن، وقرأ في كتب التفسير التي تسير على منهج سلف الأمة الصالح، مثل: تفسير ابن كثير، تفسير ابن سعدى، معالم التنزيل للبغوي، وفي كل خير، حتى بعض الأخطاء تكون يسيرة عند بعض الأئمة كـ القرطبي رحمة الله عليه وغيره. يأخذ الإنسان كتب تفسير يضعها عنده، ويكثر من القراءة فيها حتى يفقه، ويحاول قدر الإمكان أن يخرج منها بنتيجة يقولها لمن حوله، يقرؤها الأب على أبنائه، الوالدة على بناتها، معلمة على طالباتها. لا يحاول أن يجعل من القرآن طريق خصومة، لأنك لم تبلغ من المنزلة أن ترد على غيرك، لكن قل ما تراه صواباً، قل ما يغلب على الظن أنه مقصود. العناية بالمسائل الإيمانية، وانتقاء الآيات التي تؤثر في النفوس، وتجعل القلوب مفضية إلى ربها، مقبلة على الله منيبة، هذا المقصود الأسمى من القرآن، هذا أمر يجب الانصراف إليه.

стр. 300

سلسلة القطوف الدانية _ أحاديث نبوية في هذه المادة تجد الكلام على فضله ﷺ على سائر الأنبياء، فهو سيد ولد آدم ولا فخر، وهو الشافع والمشفع. وهناك شفاعات خاصة به ﷺ لا يشاركه فيها غيره من الأنبياء والصالحين، كالشفاعة العظمى في الموقف، وشفاعته لعمه أبي طالب وغيرها. وإثبات الشفاعة هو مذهب أهل السنة والجماعة، وقد أنكر بعض أهل البدع كالخوارج والمعتزلة، وتعلقوا بما هو أوهى من بيوت العنكبوت.

стр. 301

التعليق على حديث: (أنا سيد ولد آدم) المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد تناولنا بعض الآيات القرآنية، وبينا ما فيها من الأحكام والآداب والمعاني السامية التي يكون فيها الصلاح في الدارين، وفي هذه المادة سنعرض شيئاً من أحاديث المصطفى ﷺ ، فكلامه جامع للخير فما من خير إلا وبين مناره وسبله، وما من شر إلا وأوصد أبوابه وسبله، وقد كان ﷺ فصيح المنطق، سلسل الأسلوب، رائع الحكمة، قوي الحجة، بليغ التأثير في النفوس، يحس المرء لكلامه حلاوة، ويستشعر اللذة الفنية التي تهز النفوس، وتثير الأحاسيس، وتأخذ بمجامع القلوب. فإذا تكلم خشعت القلوب من جلال العظة، وإذا خطب انقطعت الشبه لبلاغة الحجة، وامتلأت النفوس اقتناعاً بحقيقة كلامه، ورضاً برأيه، وامتثالاً لأمره، ويكفينا في هذا قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]. صلى عليك الله يا علم الهدى واستبشرت بقدومك الأيام هتفت لك الأرواح من أشواقها وازينت بحديثك الأقلام وسنختار جملة من الأحاديث ويعلق عليها ضيفنا بأسلوبه الماتع، نسأل الله أن يسدده. الشيخ: الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وأحكم كل شيء صنعه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا إله غيره، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ عن الله رسالاته، ونصح له في برياته، فجزاه الله بأفضل ما جزى به نبياً عن أمته، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ذكر فيما مضى أن هارون الرشيد صحب معه في إحدى رحلاته إلى بلاد فارس محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة، وصحب معه الكسائي رحمة الله تعالى عليهما، وقدر لهما أن يموتا في يوم واحد في رنبويه، فدفنهما الرشيد، ولما دفنهما قال: دفنت اليوم في رنبويه، ثم سكت ولم أكمل، وقلت: إنني سأقول ما بعد هذه العبارة في آخر المقام، ولا أدري هل قلت: إن شاء الله أم لم أقل، فإن كنت لم أتمكن من الإجابة وانشغلت بغيرها فأقول: قال هارون -رحمة الله تعالى عليه-: دفنت اليوم الفقه والنحو في رنبويه. يقصد: أن الفقه كله كتبه إمامه آنذاك محمد بن الحسن، ويقصد أن الكسائي -رحمة الله تعالى عليه- كان إمام النحاة في عصره. المقدم: نعود إلى موضوعنا الأصلي مبتدئين بقوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع)، وهو في صحيح مسلم، وهذا الحديث معدود في مناقبه ﷺ . نبدأ يا شيخ صالح مع أول عبارة وهي قوله ﷺ : (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة)، فنبين المراد في لغة العرب بكلمة السيد، وأيضاً الحكمة من إضافتها إلى يوم القيامة. الشيخ: لقد أعطي النبي ﷺ من الله جل وعلا عطايا ومزايا في الدنيا والآخرة، فتارة يذكر ما من الله به عليه في الدنيا، وتارة ما من الله عليه به في الآخرة، وتارة يذكرهما سوياً، فهنا يتكلم ﷺ عما أكرمه الله به في الآخرة، فقال ﵊: (أنا سيد ولد آدم). والسيد في اللغة: هو الذي يفزع إليه في الشدائد، وهو أمر تعرفه العرب، ذلك أن الناس لابد لهم من رءوس، فإذا اضطربت كلمتهم، واقتحمتهم لجج، وفجأتهم كوارث، وحلت بهم الدواهي لجأوا إلى سادتهم، وعرف عند العرب في الجاهلية وفي الإسلام وفي كل الأمم سادة، فمثلاً: في الإسلام كان الأحنف بن قيس سيد بني تميم، وعرف أن النبي ﷺ قال للأنصار: (قوموا لسيدكم) أي: لـ سعد بن معاذ، وسأل الأنصار يوماً: (من سيدكم؟ قالوا: جد بن قيس، على بخل فيه). وكلمة السيد تحكمها الأعراف والتقاليد، وحاجة الناس في كل عصر ومصر، فالسيد هو الذي يفزع إليه في الشدائد. وأما لماذا أضافها النبي ﷺ وقيدها بقوله: يوم القيامة؛ لأن السيادة في الدنيا هناك من نازعه عليها ﷺ ولو ادعاءً، كرؤساء أهل الإشراك وأئمة الكفر، وأهل الثراء في زمانه، فكلهم كان ينظر إليه أنه سيد، لكن يوم القيامة فهو ﵊ أول من يؤذن له، وهو أول من يتكلم، ولواء الحمد في يده، فلهذا قال ﷺ : (أنا سيد ولد آدم). وقوله ﵊: (أنا سيد ولد آدم) هذا تعميم؛ لأن الناس كلهم أولاد آدم، وكلمة: أولاد يدخل فيها الذكور ذكور والإناث، ويدخل فيها كل أحد، حتى آدم نفسه، ودخول آدم ﵇ جاء في أحاديث أخر، وكذا دخول إبراهيم ﵇ جاء في أحاديث أخر مفصلة، فهو ﷺ سيد الناس في الدنيا والآخرة، لكنه قيد أنه سيد ولد آدم يوم القيامة، فيوم القيامة أفادت أن ذلك اليوم لا أحد ينازعه في السيادة صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 302

معنى: (ولا فخر) في حديث: (أنا سيد ولد آدم) وسبب وروده المقدم: في بعض الروايات: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، والبعض قد يتساءل عن معنى العبارة الأخيرة: (ولا فخر). الشيخ: كلمة: (ولا فخر) من حيث المعنى معناها: ولا أقول ذلك مباهاة، ولا ادعاء؛ لأن الفخر يكون بالجاه، أو المال، أو بالأشياء المنفكة عن الإنسان، وهي من حيث الصناعة النحوية حال مؤكدة. وقوله ﵊: (ولا فخر) قد يظهر فيه عند البعض إشكال، وهو أن الناس يقولون: لا يحسن بالمرء أن يتحدث عن نفسه، فكيف يتحدث النبي ﷺ عن نفسه؟ وأجاب العلماء ﵏ عن ذلك فقالوا: إنه حق له أن يقول: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) ويتحدث عن نفسه لسببين: السبب الأول: أن الله أمره أن يتحدث بنعمة الله عليه، فقوله ﵊: (ولا فخر) أي: أن هذه المزية والكرامة خصني الله بها، فأنا أحدثكم بها لأن الله أمرني -وأنا ممتثل لربي- أن أتحدث بنعم الله علي، فقال له ربه سبحانه: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١]، وهو ﵊ يمتثل أمر الله، ويخبر عن نعمة عظيمة أخبره الله بها، وفضله بها على غيره، وهو أنه سيد ولد آدم يوم القيامة. وأما السبب الثاني: فإن النبي ﷺ يخبر أمته بهذا حتى تتعبد الأمة ربه بتوقيره ﷺ ، وتعرف مقامه عند ربه، فتعلم هذا وتؤمن به، وتحفظ له مقامه ومكانته صلوات الله وسلامه عليه. فهذان السببان هما اللذان قال العلماء: إنه من أجلهما أخبر النبي ﷺ بأنه سيد ولد آدم. وأما ما بعدها فهو تبيين له.

стр. 303

الأسئلة

стр. 304

أهمية التواضع لأهل العلم والفضل خصوصاً السؤال حبذا لو أشرتم -حفظكم الله ورعاكم- إلى ما كان عليه رسول الله ﷺ من تواضع رغم ما آتاه الله ﷻ من المكانة العليا التي لا ينالها أحد من خلق الله، ثم هو مع ذلك كان على قدر عال جداً من التواضع، وعدم الترفع على الناس، وخفض الجناح لعامة المسلمين، ولضعفائهم وأيتامهم وأطفالهم، مع أنه أعلى الناس ذكراً، وأجلهم قدراً صلوات الله وسلامه عليه، سيما ونحن نعاني في أزمنتنا هذه من أقوام -وهم قلة بحمد الله- ما إن يتبوأ أحدهم مكاناً شرعياً بين الناس حتى يحيط به الحجاب ويصعب على الناس لقاؤه، وكأن الله قد وكل به صلاح الناس وهدايتهم. الجواب نريد أن نوجه رسالة إلى الناس سيما لمن تصدر في المقام الأول بعلم أو جاه أو مال، أو أنه أعطي من عند الله قبولاً: أن الله جل وعلا يبتلي عباده الذين يعطيهم عطاياه كيف يتعاملون معها، فإذا كانوا ينظرون إلى أن النعمة بسببهم وبجهدهم؛ فترفعوا عن عباد الله، فهؤلاء يضعهم الله، وقد يسلبهم النعمة، وأما إذا تيقنوا أن النعمة من عند الله، فلم يرتفعوا على عباده خوفاً من أن يسلبهم الله النعمة، فهؤلاء يرفعهم الله، ويديم عليهم نعمه. وكان النبي ﷺ في الذروة من الكمال البشري، ومن كمال بشريته ﵊ أنه يسهل الوصول إليه، وأنه ﵊ قريب من الناس، متواضع لكل أحد، فيقول: (إنما عبد فقولوا: عبد الله ورسوله)، وكان متواضعاً حتى في جلسته ﵊ في الطعام، فلما رآه الأعرابي تغير حاله من جلسة رسول الله ﷺ ، وكأنه ﵊ يريد أن يشير أن هذا هو ما يقتضيه مقام العبودية لله جل وعلا. والإنسان إذا كانت تنبعث عظمته من نفسه فلا حاجة له في أن يترفع عن الناس؛ لأنه لا يحتاج إلى أن تلقى عليه الأضواء، ويجعل بينه وبين الناس حجاباً، إلا ما كان يخاف عليه أمنياً كما يحدث للأمراء والسلاطين والمسئولين، فهذه قضية حماية أمنية لا علاقة لها بالموضوع، لكن الذي يعنينا هم العلماء في المقام الأول، فيجب عليهم أن يخرجوا للعامة، وأن يقابلوا الناس ما استطاعوا. فبادره وخذ بالجد فيه فإن أعطاكه الله انتفعتا فإن أوتيت فيه طويل باع وقال الناس إنك قد رؤستا فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخ علمت فهل عملتا؟ فالنبي ﷺ كان قدوة حسنة لأمته في كل خير، ومن أعظم ذلك قربه ﷺ من سائر الناس، ولاشك أنه يفترض على الناس شيء معين، لكن ينبغي لمن تصدر أن يتحمل، وأن يسعى قدر الإمكان إلى التواصل، وكلنا يقع منا التقصير، لكن هناك أمور التقصير فيها مقبول، وثمة أمور التقصير فيها من العالم غير مقبول.

стр. 305

معنى حديث: (خذوا القرآن عن أربعة) السؤال ماذا يفهم من قول النبي ﷺ : (خذوا القرآن عن أربعة)؟ وكذلك قوله ﵊: (من كان قارئاً فليقرأ على قراءة ابن أم عبد)؟ الجواب هذا لا يعني الحصر، لكن هؤلاء أئمة القراء، وهم سالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود الذي هو ابن أم عبد وأبي بن كعب، ﵃. فهؤلاء هم الذين حث النبي ﷺ على الأخذ عنهم، فـ ابن مسعود وسالم مهاجران، وأبي ومعاذ أنصاريان، لكن لا يفهم منه الحصر. لكن من أعظمهم قراءة عبد الله بن مسعود؛ لأنه كان يأخذ القرآن رطباً من فيّ رسول الله ﷺ ، وقد قال: (أخذت ثلاثين سورة من في رسول الله ﷺ ، وهو من السابقين الأولين من المهاجرين ﵁ وأرضاه، وقد كان مع النبي ﷺ في أول دعوته، ومنها أنه كان معه في غار في منى، فأخذ عنه في ذلك الغار سورة المرسلات، فقد نزلت هناك؛ لذلك قال رسول الله ﷺ : (من كان قارئاً فليقرأ على ابن أم عبد)؛ لأنه لابد للناس من قدوة، لكن ليس ذلك محصوراً فيهم، وأبي بن كعب ﵁ وأرضاه من أعلى الصحابة في مسألة القراءة.

стр. 306

حكم حكاية التأثر بوفاة الوالدة أكثر من الوالد ونحوه السؤال هل من العقوق أن يقول الإنسان: تأثرت بوفاة أمي أكثر من أبي؟ أو يقول: تأثرت بوفاة شيخي الأول أكثر من شيخي الثاني؟ وهل هذا من العقوق أم هو من التأثر الذي من الصعوبة أن يكتمه الإنسان؟ الجواب أن هذا ليس فيه عقوق؛ لأنه إخبار بما وقع، لكن يتجنب أن يقولها عند قوم تجرحهم هذه الكلمة، فلا يقولها مثلاً عند أبناء شيخه الذي تأثر به أقل من الآخر، وأما الكلمة في عمومها فلا حرج فيها.

стр. 307

حكم الحديث عن النفس عند التقدم للتوظيف ونحوه السؤال في المقابلات الشخصية قد يتكلم الإنسان عن نفسه، فهل يعاب هذا أم لا؟ الجواب ليس عليك حرج في ذلك؛ لأنه داخل في قول الله تعالى على لسان نبيه يوسف: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥]، ويؤيده من الآثار -إضافة إلى القرآن- أن عثمان ﵁ لما أكثر عليه الخوارج قال: أشهدكم الله ألم تعلموا أنني حفرت بئر رومة، وأنني جهزت جيش العسرة؟ وأخذ يعدد مناقبه ﵁ وأرضاه للحاجة، فالمقابلات الشخصية هي مجرد كشف اللثام وإماطته عن شخصيتك، فمن حقك أن تبين حالك؛ للمصلحة.

стр. 308

الاختلاف في السابعة من السور المئين السؤال سمعت في محاضرة لك أن سورة يونس اختلف المفسرون في إلحاقها بالسبع المثاني أو الطوال، وبينت السبب أن الأنفال والتوبة إذا جمعت فيونس لها موضع، وإذا فصلت فلها موضع، مع أن المائدة والتوبة أكثر من مائة، فكيف نوفق بهذا القول؟ الجواب اتفق العلماء على أن هناك سوراً مئين، وهي السبع المئين، أو السبع الطوال، فاتفقوا على البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف، فهذه الست متفق عليها، واختلفوا في السابعة: فذهب فريق إلى أنها التوبة والأنفال مجتمعه، والسائل ذكر المائدة وهذا وهم منه؛ لأن المائدة متفق عليها، وأما السابعة فقال فريق: إنها التوبة مع الأنفال مجتمعة، وقال آخرون: إنها سورة يونس، وكل له أدلته للترجيح.

стр. 309

كيفية التشبع من علم التفسير السؤال كيف أشبع رغبتي من تفسير القرآن الكريم من حيث الكتب المراجع أو المصادر، علماً أني أحاول التشبع قدر المستطاع بالإنترنت وغيره، ولكن أحس أنه لا يشفي الغليل؟ الجواب اقرأ في كتب التفسير نفسها كثيراً، فخذ أمهات كتب التفسير واقرأ فيها، فهذه طريقة، فاقرأ مثلاً: تفسير الحافظ ابن كثير، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، وتفسير الكريم المنان للسعدي، وهذه الثلاثة كمثال، ثم إذا كنت بلغت شأواً فارتق إلى تفسير التحرير والتنوير، وإن كان فيه شيء من الصعوبة، وهو لـ ابن عاشور ﵀، ويصاحب ذلك الاطلاع على طرائق المفسرين، يعني: يقرأ شيئاً في علوم القرآن، فينظر في كتاب التفسير والمفسرون للذهبي المعاصر رحمة الله عليه الذي قتله الخوارج في مصر مؤخراً، وكان وزير الأوقاف المصري، فكتاب التفسير والمفسرون كتاب فيه جلاء واضح، وفيه سيرة علم التفسير في تاريخ الأمة. ويقرأ الإنسان هذا الكتاب بعد أن يقرأ كثيراً من كتب التفسير التي تمارس التفسير العملي.

стр. 310

معنى حديث: (تموتون كما تنامون) السؤال ما صحة قول الرسول ﷺ : (تموتون كما تنامون، وتبعثون كما تستيقظون)؟ وهل هذا يتناقض مع كلام بعض الكتاب والمؤلفين أن الموت فيه صعوبة وشدة ونزع وضرب بالسيوف وما شابه ذلك؟ الجواب لا أعلم الآن درجته، لكن المقصود به من جانب الله، يعني: أن الأمور بالنسبة لله جل وعلا أمرها يسير.

стр. 311

سبب عدم بدء سورة التوبة بالبسملة السؤال لماذا لم تبدأ سورة التوبة بالبسملة؟ الجواب اختلف العلماء فيها: فمنهم من قال: إنه كان ينظر إلى أن سورة التوبة وسورة الأنفال كالسورة الواحدة، وهذا قول طائفة من العلماء. ومنهم من قال: إنها بدأت بالسيف، وذكر السيف هنا لا يتناسب مع بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأن صدرها: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:١]، وهذا أرجح الأقوال، وقد عدد الأقوال الشنقيطي رحمة الله عليه في تفسيره فليراجع، وهي أربعة أقوال، وكأنه مال إلى هذا الرأي، وهي أن سورة براءة مصدرة بالسيف؛ لذلك لم تصدر ببسم الله الرحمن الرحيم، والسيف رمز للشدة، بخلاف البسملة المتضمنة للرحمة، فلا يناسب الجمع بينهما.

стр. 312

بيان ما بعثت له الرسل السؤال كيف الجمع بين حديث النبي ﷺ : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) وبين قول الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وغيرها من الآيات التي تبين أن الأنبياء والرسل إنما أرسلوا للدعوة للتوحيد وليعبد الله وحده؟ الجواب ليس هناك تعارض؛ لأن من أعظم مكارم الأخلاق توحيد الله، فما بعث به النبيون عليهم الصلاة والسلام إنما هو عبادة الله واجتناب الطاغوت، وهذا من أعظم ما يجعل الإنسان ذا خلق كريم؛ لأن المشرك لا يقال له: ذا خلق كريم إلا مخصوص، فيقال: كريم، ويقال: سخي، ونحو ذلك، لكن ما يقال: إنه ذو خلق كريم، لذلك قال الله جل وعلا في وصف نبيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، وأعظم خلق تحلى به النبي ﷺ هو توحيده لربه. لكن عندما نقول: إن الله ذكر أنه بعث الأنبياء لاجتناب الطاغوت عبادته وحده، فهذا خاص، لكن حديث: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) عام، وأول ما يندرج فيه عبادة الله جل وعلا وحده.

стр. 313

معنى قوله ﷺ : (وأول ما ينشق عنه القبر) أما قول الرسول ﷺ : (وأول من ينشق عنه القبر) فسنقف معه لنبين وجه الأفضلية فيه، وحكم الأبنية التي على القبور في بعض البلدان؛ لذكر القبر في هذه العبارة، ولخطر هذه القضية. فنقول: بعث الناس من القبور أصلاً هو لذاته شيء عظيم، قال تعالى: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٤ - ٦]، وقد قال الله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥١ - ٥٢]. وقال سعيد بن جبير رحمة الله عليه معلقاً: حتى أهل الكفر إذا بعثوا يقولون: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ولك الحمد. فيسبحون الله ويحمدونه في وقت لا ينفعهم ذلك، فهذا شأن عظيم، فيكون خصيصة ومنقبة لمن يكون أول من ينشق عنه القبر، فالنبي ﷺ يكرمه الله بأن يكون أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة. وأما قضية البناء على القبور الذي هو مشاهد في كثير من الدول عفا الله عن الجميع، فنقول: إن النبي ﷺ -كما رواه مسلم في الصحيح من حديث جابر -: (نهى أن يبنى على القبر وأن يجصص، وأن يقعد عليه)، فهذا نهي منه ﷺ ، والأصل في القبور أنها مساكن الآخرة، والقاسم بن محمد بن أبي بكر -وعائشة خالته- قال لها يوماً يناديها -ليس بالخالة وإنما بالأم؛ لأنها أم المؤمنين-: يا أماه! أريني قبر النبي ﷺ وصاحبيه. وقبر النبي ﷺ وصاحبيه عندها في الحجرة. قال: فكشفت عائشة عن ثلاثة قبور ليست بمشرفة ولا لاطئة، ما معنى: لا مشرفة ولا لاطئة؟ معنى: (لا مشرفة) أي: غير مرتفعة، أو غير ظاهرة، ومعنى: (لا لا طئة) أي: غير مستوية بالأرض، فالقبر إما أن يسنم وإما أن يسطح، فكلاهما وارد، لكن يكون الارتفاع قيد شبر أو قريباً منه؛ ليعرف أنه قبر، وغير ذلك نهى الشرع عنه؛ لأن أهل القبور بحاجة إلى أن يدعا لهم. وأما إذا عظم القبر فقد خرج عن كونه مسكناً من مساكن الآخرة، فالإنسان إذا أتاه يذكر قول النبي ﷺ : (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة)، ويتأمل كيف يأتي التذكير بالآخرة في مكان يأتي الإنسان فيه وعليه المصابيح، وهو مرتفع، وعليه أيضاً الأقمشة والستائر، والكتابات، وبعضها لها حجاب وهكذا، فيتنافي هذا تماماً مع كونه قبراً، بل تصيبك هيبة ورعب عند زيارته وكأنك داخل على رجل حي، أو كأنك داخل على مكتب رجل عظيم، فهذا ينتفي معه الوضع الشرعي. ولذلك ينبغي للإنسان أن يعلم أن أهل القبور يتفاوتون تفاوتاً عظيماً وهم في بطن الأرض، ويتفقون في ظاهرها، أي: أن ظاهر القبور واحد لكن داخلها الله أعلم به، والذين يريدون أن يكرموا أمراءهم أو رؤساءهم أو حكامهم أو علماءهم أو من يحبونهم إنما يكرمونهم حقاً إذا دفنوهم وفق مقتضى الشرع والسنة. فهذا بقيع الغرقد على عهد النبي ﷺ دفن فيه خيار الناس، فكل قبورهم على هيئة واحدة، وقد حدث في أزمنة فشا فيها الجهل أن وضعت عليها قباب ومساجد ما أنزل الله بها من سلطان، ثم أزيلت -ولله الحمد- في عهد هذه الدولة المباركة. ونحن مثلاً نجد -وليس هذا تزكية لبلادنا- في مقبرة العود قبر الملك عبد العزيز ﵀، وقبر الملك فيصل، وقبر الملك سعود، وقبر الملك خالد، وقبر الملك فهد، وهي قبور مثلها مثل أي قبر آخر، وفي مقبرة العدل في مكة قبر الشيخين الجليلين ابن باز رحمة الله تعالى عليه، وابن عثيمين رحمة الله تعالى عليه، وقد كانا مالئي الدنيا علماً في زمانهما، وقبراهما اليوم كقبور سائر من دفن في مقبرة العدل، وهذا هو العدل والحق الذي جاء به الشرع. يقول الشيخ محمد عبد القادر الشنقيطي رحمة الله تعالى عليه، وهو نزيل المدينة المنورة، وقد توفي عام (١٤١٨هـ)، يقول: دخلت المقبرة -مقبرة العود- مع الشيخ ابن باز وهم يدفنون ميتاً الظاهر أنه من معاريف الشيخ أو من قرابته، يقول: ونحن عائدون مر الشيخ على قبر فوقف فأخذ يدعو ويستغفر كثيراً لصاحب القبر، يقول الشيخ محمد عبد القادر الشنقيطي ﵀: فسألت الشيخ ابن باز: قبر من هذا؟ قال: هذا قبر الملك سعود رحمة الله تعالى عليه، ومعلوم أن حكام هذه البلاد -ولله الحمد- من أعظم من يجل العلماء، لكن أنا أدركت كثيراً من المشايخ كانوا يثنون ثناءً عاطراً على الملك سعود ﵀، فقد كانت من أظهر مناقبه حبه للعلماء والعلم. فالشيخ عبد العزيز ما يبصر لكنه ذو بصيرة عظيمة، فهو يعرف القبر من باب أنه يسأل عنه، أو أن القائد الذي يسوقه يعرف رغبة الشيخ في أنه يعرف قبر الملك سعود، أو أنه في طريقه وقف عنده، لكن الشيخ محمد عبد القادر ﵀ لم يعرف أن هذا قبر الملك سعود فليس عليه علامة ظاهرة، وليس عليه شيء يميزه عن قبر غيره، فلذلك سأل: قبر من هذا؟ وهذا هو الأصل في قبور المسلمين.

стр. 314

الجواب عن مسألة وجود قبر الرسول في المسجد النبوي المقدم: ما دام قد ورد ذكر المدينة فالبعض لا سيما من يأتي من خارج البلاد قد يشكل عليه وجود قبر الرسول ﷺ في المسجد، فكيف نجيب على هذا؟ الجواب أن النبي ﷺ دفن في قبره ولم يدفن في المسجد، فالحجرة موجودة قبل أن يموت ﷺ ، فالصحابة امتثلوا أمره في قوله: (إن الأنبياء يقبرون حيث يموتون)، فقبر ﷺ في بيته، فالجدار والحجرة مبنية قبل موته ﷺ . فالقبر كان خارج المسجد، فـ الوليد بن عبد الملك عندما وسع التوسعة الشرقية أدخل الحجرة التي فيها قبر النبي ﷺ في المسجد، والآن -ولله الحمد- التوسعة الجديدة لم تتجاوز الحجرة إلى ما بعدها، أي: أن التوسعة جاءت من جهة الشرق من شال الحجرة فما فوق، ولم تأت من جهة الحجرة من جهة الشرق؛ لأنه لو توسعنا لوجدنا أن القبر سيصبح داخل المسجد، وقد احتاط ولاة أمر هذه البلاد في هذا الأمر ولله الحمد.

стр. 315

ذكر الشفاعات الخاصة به ﷺ المقدم: قوله ﷺ في الحديث: (وأنا أول شافع وأول مشفع) فالشفاعة تكون له ﷺ وتكون لغيره من الأنبياء والصالحين، فما هي الشفاعات الخاصة بالنبي ﷺ ؟ الجواب الشفاعات الخاصة بالنبي ﷺ ثلاث: شفاعته ﷺ في أهل الموقف في أن يفرج عنهم الكرب، وأن يقضى بينهم، وهذه الشفاعة هي التي يفر منها الأنبياء من قبل، فيأتون آدم ويأتون نوحاً ويأتون إبراهيم ويأتون موسى ويأتون عيسى حتى تصل إليه ﷺ . والثانية: شفاعته ﷺ في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهو استفتاح باب الجنة، فعندما يقولون لآدم: استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم، اذهبوا، إلى أن يأتوا إليه ﷺ فيقول: أنا لها. الثالثة: شفاعته ﷺ في عمه أبي طالب أن يخفف عنه العذاب. وهذه الشفاعات الثلاث خاصة به ﵊.

стр. 316

ذكر بعض أخبار أبي طالب عم النبي المقدم: شيخ صالح في اللقاء الماضي كنا قد تحدثنا عن بعض الشخصيات الأدبية، والإخوة على الموقع كان لهم رأي أيضاً أن تكون هذه الحلقة تشتمل على بعض الشخصيات، وبما أنك ذكرت أبا طالب فلنذكر شيئاً من شخصيته من النواحي التاريخية. الشيخ: أبو طالب أحد أعمام النبي ﷺ ، وقد ذكرنا مراراً أن النبي ﷺ له عشرة أعمام، ستة منهم لم يدركوا بعثته، وأربعة أدركوا بعثته ﵊، فآمن منهم اثنان: العباس وحمزة، وكفر اثنان ولم يؤمنا: أبو لهب وأبو طالب. وأبو طالب ينفرد عن أبي لهب بأنه ناصر النبي ﷺ نصرة عظيمة، وهو من حيث الشعر أول من مدح النبي ﵊، فقد مدحه قبل الصحابة فقال: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل والنبي ﵊ بعد أن هاجر إلى المدينة جاءها في عام جدب، فاستسقى فنزل المطر، فلما ذهب الناس إلى دورهم قال ﵊: (لو رأى أبو طالب هذا المنظر لأسره)، ففقه أحد الصحابة مراده فقال: يا رسول الله! كأنك تشير إلى قوله: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل قال ﷺ : نعم. وأبو طالب له أربعة أبناء: طالب وبه يكنى، وهذا مات كافراً، وله عقيل وجعفر وعلي، وكلهم آمنوا، وعقيل كان على خلاف يسير مع علي فلم يقاتل معه، وعلي معروف أنه أمير المؤمنين، وجعفر بن أبي طالب هو الذي قال فيه النبي ﷺ : (أشبهت خلقي وخلقي)، وهو أحد خمسة يشبهون النبي ﷺ ، وهم: جعفر وقثم والفضل وأبو سفيان بن الحارث والحسن بن علي رضي الله تعالى عنهم أجمعين. فـ أبو طالب كان عظيم النصرة للنبي ﷺ ، لكنه مع ذلك أبى إلا أن يموت على دين قومه، فكان يقول: لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا ويذهب الشيعة الإمامية وبعض المعتزلة إلى أنه مات على الإسلام، لكن الشواهد التي عندنا تدل على أنه مات كافراً، وهو أهون أهل النار عذاباً. فإن قال قائل: ما وجه خصوصية أن النبي ﷺ يشفع له، فالأصل في الكفار ألا يشفع لهم، قال الله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]؟ فنقول: إنه لمقامه ونصرته للنبي ﷺ استأذن النبي ﵊ ربه أن يشفع له فشفعه، فهو أهون أهل النار عذاباً؛ لشفاعة النبي ﷺ له. يقول المتصل الشيخ حسين الثقفي: أقول للشيخ صالح: مرض الحبيب فزرته فمرضت من خوفي عليه وأتى الحبيب يزورني فشفيت من نظري إليه أيها الأحبة! الحديث وشرحكم للحديث الذي يتلألأ، فهو بدر ينير، وسراج يزهو، وهو عبق يفوح، وعلم يتفجر، وكنوز تنتثر، وصفحات تنتشر، السنة أيها الأحبة هي مرآة النبي، وروعة الرسالة، وهي جمال المنهج، وصفاء المبدأ. وسأعرض عرضاً سريعاً ولن أطيل عليكم، ولعل الشيخ أن يتوسع فيه. أيها الأحبة! لضيق الوقت ومراعاة المقام أقول: إن الذي يتمعن في الحديث يجد فيه أساليب كثيرة، ومنها التشبيه، وكذلك التمثيل، والاستفهام للمسائل، وكذلك أيها الأحبة إجابة السائل على عكس سؤاله، ومن أساليبه كذلك اغتنام الفرصة، ومن أساليبه الوسيلة التعليمية، وهذا خاصة ونحن في بداية العام الدراسي الذي سوف يأتي بمشيئة الله نقول لأصحاب التربية وأرباب التعليم الذين يؤمنون بأهمية الوسيلة التعليمية لتثبيت الدرس وتأكيد المعلومة: صحيح أنه ﷺ لم يكن يمتلك الفلين، ولا الألوان السحرية ولا المائية ولا الخشبية، ولكنه كان يمتلك إصبعاً سحرية يخط به على الثرى، فيرسم بها لوحة ترتسم في القلوب، فلا يخرج منها أبداً ﵊. ومن أساليبه التعليم بالقصة ﵊، ولعل الشيخ يعلق على هذه الأساليب، وأشكركم جميعاً، وأسأل الله أن يثيبكم على هذا البرنامج، وأسأل الله بمنه وكرمه أن يجمعنا بالشيخ إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 317

حكم صيام ما بعد النصف من شعبان وحكم إحياء ليلة النصف من شعبان بالعبادة أخت سألت عن حديث: (إذا انتصف شعبان) بالنسبة للصيام، وهذا أمر مهم جداً، فالبعض يعتقد في هذه الليلة أن لها أفضلية، وأيضاً: مسألة الصيام بعد انتصاف شعبان، لعلك تحرر هذه المسألة؟ نحن الليلة في ليلة النصف من شعبان، فأما عن فضل قيامها فلا أعلم فيه شيئاً يثبت، وأما ما جاء من أن الله يطلع على أهل الدنيا فيغفر، فهذا ثابت عنه ﷺ ، وقد صححه الألباني كما في الجامع الصحيح، قال النبي ﷺ : (إذا كانت ليلة النصف من شعبان اطلع الله على أهل الأرض، فيغفر لكل أحد إلا مشرك أو مشاحن)، وفي هذا دلالة على تهذيب النفوس، وأن الإنسان يبتعد عن الغل والحقد والحسد، فهي مظنة لغفران الذنوب. فهذه الليلة لا تحيا بأي نوع من أنواع العبادة، فالإنسان يقومها كما جرت عادته في الليل، والنبي ﷺ لم يتكلم عن قيامها، ولم يقل مثلاً كما قال في ليلة القدر: (من قام ليلة القدر) أو قال: أحيوها، وإنما انتهى كلامه ﷺ إلى أنها ليلة يطلع الله فيها على عباده فيغفر لهم، فهي مظنة قبول توبة ومظنة غفران، هذا الذي يمكن أن نستنبطه من الحديث. وأما الصيام فإن النبي ﷺ قال فيما رواه أصحاب السنن: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)، واختلف العلماء أولاً في تصحيح الحديث، ثم في فقه الحديث، فالحديث صححه ابن حبان رحمة الله عليه، واستنكره الإمام أحمد، وقد قال بعض الشراح: إن الإمام أحمد استنكره لأن فيه العلاء بن عبد الرحمن، والعلاء بن عبد الرحمن من رجال مسلم، لكن قال فيه بعض العلماء: إنه صدوق يهم أحياناً. والذي يعنينا أن من رأى صحة الحديث يرى كراهة صيام ما بعد النصف من شعبان، وهذا مذهب الشافعي ﵀. وهذا إذا لم يكن له عادة قبله، فإذا قرب رمضان بيوم أو يومين يرى الشافعي ﵀ حرمة الصيام، وهذا عندي أقرب الأقوال للجمع بين الأدلة والأحاديث الواردة في الباب. وبعض العلماء -كما ذكرنا عن الإمام أحمد - استنكر هذا الحديث؛ عملاً بعموم ما ورد أن النبي ﷺ ما رؤي في شهر أكثر منه صياماً من شعبان. لكن النبي ﷺ هديه صيام الإثنين والخميس، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، فقول الشافعي فيما يبدو لي أقرب الأقوال إلى الجمع بين الأحاديث؛ لأن شهر رمضان الأصل فيه التعبد بالصيام، فالذي يظهر من مجموع الأحاديث أنه لا يستقبل بصيام؛ حتى يصبح للشهر خصيصته، وينتهي الصيام إلى النصف منه، عملاً بالحديث الذي صححه ابن حبان: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)، لكن هذا الرأي كما قلت ليس أوحد، وقد قال بعض العلماء بخلافه ولهم أدلتهم، والإنسان من عامة المسلمين المستفتي على دين مفتيه، فلا ينكر على من صام أكثر من النصف، لأن الذي قال بهذا هم علماء أجلاء، ومن احتاط ورأى أنه لا يصوم عملاً بأنه حديث صحيح فهذا فعل خيراً. والبعض يعلل الكثرة من صيام شعبان أنه استقبال لهذه العبادة، فصلاة الظهر مثلاً تستقبل بنافلة، ونقول: العبرة بفعل النبي ﷺ ، وحديث عائشة أن النبي ﷺ كان يكثر من صيام شعبان ويقول: (إنه شهر يغفل الناس عنه) فهذا حق، لكن يمكن الجواب عنه بأن هذا في الخمسة عشر يوماً الأولى منه؛ عملاً بحديث: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)، لكن قلت: إن الشافعية حملوا هذا الحديث على الكراهة، وإنما جعلوا التحريم قبل صوم رمضان، لكن قال بعض العلماء: من كان له صيام اعتاده كصيام الإثنين والخميس فلا يدخل في هذا النهي، والأمر واسع إن شاء الله.

стр. 318

أساليب النبي في التعليم والتربية المقدم: الشيخ حسين الثقفي جزاه الله خيراً قد تكلم عن أساليب النبي ﷺ في الحديث، وقال: إنها تشتمل على كثير من الأساليب اللغوية والبلاغية ونحوها. الشيخ: النبي ﷺ أوتي جوامع الكلم: يا أفصح الناطقين الضاد قاطبة حديثك الشهد عند الذائق الفهم فهو ﵊ يقرب المعنى بالإشارة أحياناً، وبالحركة أحياناً، قال: (أنا وكافل اليتيم كهاتين)، وقال: (التقوى هاهنا وأشار إلى صدره)، وقال ﵊: (اللهم فاشهد ونكتها إلى الأرض)، فهذه كلها وسائل، وقال: (الشهر هكذا وأشار بيديه)، فهذا كله دلالة على حرصه ﵊ وشفقته على أمته أن يصل الأمر إليها. ونشكر الشيخ حسين الثقفي جزاه الله خيراً على مشاركاته، وعلى طرحه الجيد عبر الحلقات.

стр. 319

المراد بالبرهان في قوله تعالى: (لولا أن رأى برهان ربه) المقدم: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤] ما المقصود بالبرهان هنا؟ الشيخ: من قواعد التفسير أن الأمور الغيبية لا يتكلم فيها؛ لأن الغيب لا يعرف لا بتجربة ولا بعقل ولا بجهد، فالله جل وعلا يقول: ﴿لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤]، ثم لم يخبرنا الله ما هو البرهان، فعلى هذا اتفق أئمة التفسير الذين لا يتكلفون على أنه لا يدرى ما هو البرهان الذي أظهره الله ليوسف، وأما من جاء من أهل التفسير الذين يتكلفون فقالوا: رأى أباه يعقوب عاضاً على إصبعه، وقالوا كلام لا يعقل ولا ينسب إلى أنبياء الله، وكلها إسرائليات لا تقوم عليها حجة، والأصل في الغيب أن يبقى غيباً لا يعرف إلا بنص وخبر صحيحين عن الله أو عن رسوله ﷺ .

стр. 320

الكلام عن الأولية المقدم: قوله ﷺ : (أنا أول من ينشق عنه القبر) كلمة: أول، الملاحظ لمن يطلع في كتب التاريخ والسيرة أنها تتكرر كثيراً: أول من فعل كذا، وأول من عمل كذا، فما تعليقكم على ذلك؟ الشيخ: الأولية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: منها ما ثبت شرعاً بخبر صحيح، فالله جل وعلا يقول مثلاً في قضية يحيى ﵊: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٧]، فلو جاء إنسان وقال: إن يحيى هو أول من سمي بهذا الاسم لقلنا: صواب؛ لأن الله قال هذا في كتابه، ولو جاء إنسان وقال: إن هاجر أم إسماعيل هي أول من اتخذ المنطق الذي يضعه النساء في الوسط، فهذا ثابت في حديث عند البخاري. فهناك أمور ليست قابلة للرد شاعت وذاعت ولا يمكن ردها، فنقبلها في الأولية. وهناك أمور لا زالت محل خلاف بين الناس، مثلاً: من أول من يأخذ كتابه بيمينه؟ وأول من يأخذ كتابه بشماله؟ فهذه فيه خلاف طويل، فمما هو شائع عند أهل السير أن أول من يأخذ كتابه من هذه الأمة بيمينه هو أبو سلمة بن عبد الأسد ﵁ وأرضاه، وهو أول من هاجر واستوطن قباء، فهذا قيل: إنه أول من يأخذ كتابه بيمينه، وعلى النقيض منه أخوه الأسود بن عبد الأسد فقيل: إنه أول من يأخذ كتابه بشماله، والأسود هذا يمر مع طالب العلم في السيرة، فلما يقرأ غزوة بدر يرى أن الأسود هذا أقسم على أن يصل إلى الآبار التي على المسلمين ويشرب منها، فقطعت رجله دون أن يصل إلى البئر، قطعها حمزة أو أحد المسلمين، مع أنهما أخوان، واحد أول من يأخذ بيمينه، والآخر أول من يأخذ بشماله، ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:٤].
следующие страницы →