Полный текст (327 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
النسخ في القرآن
المقدم: سائلة تسأل عن نسخ بعض الآيات من القرآن الكريم مع وجودها واستدلت بآية الخمر، فما تعليكم؟ الشيخ: يقول الله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦] وقد أجاب الزركشي ﵀ عن هذا التساؤل فقال: إن الذي ينسخ حكماً ويبقى تلاوةً، إنما أبقاه الله تلاوةً لأسباب، وذكر منها غفر الله له ورحمه: الأول: التعبد به؛ فإن القرآن سواءً كان منسوخاً حكماً أو غير منسوخ حكماً هو كلام الله، وكفى شرفاً بالمؤمن أن يقرأ كلام الله جل وعلا بصرف النظر عن كون هذا الحكم نسخ أو لم ينسخ، فهو يتعبد بتلاوته.
هذا الوجه الأول وهو أقواها.
والوجه الثاني: أنه يظهر المنة من الله جل وعلا على عباده؛ لأن النسخ إنما يكون في الغالب إلى الأفضل، فيظهر الفرق بين الحالين، بين كونهم يصلون وهم قريبو عهد بخمر وكونهم يصلون وهم لا يشربون الخمر أصلاً، فينظرون إلى فضل الله جل وعلا ورحمته.
стр. 72
توجيه لمن أراد قراءة تفسير (في ظلال القرآن) لسيد قطب
السؤال
ما رأيكم في ظلال القرآن لـ سيد قطب؟
الجواب
سيد قطب رحمة الله تعالى عليه رجل يملك قلماً أدبياً قبل أن يملك علماً شرعياً، ولا يعني ذلك أنه ليس عنده علم شرعي، فبحسب الناظر في الكتاب، فإن كان أراد أن ينظر في الأسلوب ورقته وتفتق الكلمات فالحق أن الرجل أوتي حظاً عظيماً في هذا.
أما قضية سيد رحمة الله تعالى عليه في كتابه جاهلية القرن العشرين، وهذه النظرية لا يوافق عليها، وتضرر الناس بسببها كثيراً، فإذا كان الإنسان طالب علم يميز هذا من ذاك فلا بأس أن يقرأ في ظلال القرآن لـ سيد غفر الله له ورحمه، ورحم أموات المسلمين جميعاً.
стр. 73
معنى تعليق الخلود بالمشيئة في سورة هود
السؤال
سائل يسأل عن قول الله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٦ - ١٠٨]؟
الجواب
العلماء لهم في هذه المسألة ثمانية أقوال وأكثرها فيها ضعف، وأرجحها عندي والعلم عند الله أن قوله: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) تعليق للأمر بالمشيئة، والمقصود منه بيان عظيم القدرة الإلهية، كما يقول الله: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٢٩] ومعلوم أن الله جل وعلا قادر على جمعهم وقد حكم بجمعهم، فـ (إذا يشاء) إنما هي لبيان القدرة، وكذلك قوله: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) لبيان أن الله جل وعلا هو المتصرف المالك العظيم، لا أن أهل النار يخرجون منها، ولا أن أهل الجنة يخرجون منها.
стр. 74
من الوصايا السياسية
المقدم: اذكر لنا شيئاً عن الوصايا السياسية والأدبية؟ الشيخ: من الوصايا السياسية قالوا: إن عبد الملك بن مروان لما أوصى ابنه الوليد قال: يا بني! من قال برأسه هكذا -يعني: قال لك: لا، في الحكم- فقل بسيفك هكذا.
وهذا لأن المرحلة الزمنية للوليد كانت تستوجب هذا.
يذكر أحد العرب أنه أتى برماح متفرقة وأعطاها بنيه قبل أن يموت وقال: فكونوا جميعاً يا بني إذا اعترى خطب ولا تتفرقوا آحادا تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً وإذا افترقن تكسرت أفرادا
стр. 75
حكم إنظار المدين الذي لا يجد ما يسدد به دينه
المقدم: لقد ذكرت أن الدين قدم على الوصية فقهياً؛ لكن المدين قد لا يجد ما يسدد به الدين، فما حكم إنظاره؟ الشيخ: أبدأ بقصة تاريخية غريبة: كان محمد بن سيرين رحمة الله تعالى عليه أحد أعلام التابعين، وكان يعبر الرؤى، وذات يوم أتاه رجل فقال: رأيت رجلاً مكشوف الساق وقد نبت الشعر في ساقه، فما تأويلها؟ قال ﵀: هذا رجل يركبه دين فيسجن فيموت في سجنه.
قال الرجل الذي يسأل: رأيتها فيك، فوقع ما عبره على نفسه، فركبه دين ﵀ وسجن ومات في السجن، وفي فترة سجنه مات أنس بن مالك ﵁ وأرضاه، فأوصى أن يغسله محمد بن سيرين، فأخرج من سجنه مؤقتاً للتغسيل والتكفين والصلاة على أنس، ثم عاد إلى سجنه، وتحقق تأويله فمات في سجنه.
قد يقول إنسان: ما علاقة ساق مكشوفة بالدين؟
و
الجواب
أن كشف الساق كناية عن الكرب في أحد أوجه التفسير في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢].
ثم أقول: القرض يكون إلى مدة معينة، فكان العرب إذا جاء الأجل ولم يجد المقترض شيئاً يسد به، قال له المقرض: إما أن تقضي وإما أن تربي، أي: أؤخر في الأجل وأزيد في المال، وهذا عين الربا الذي حرمه الله بقوله: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠]، وأبدل الله جل وعلا المجتمع المسلم بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]، فيجب إنظار المعسر.
ثم قال الله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨٠] والتصدق: أن تتنازل بالكلية، وهو مندوب.
وهذه إحدى حالتين في الشرع الندب أفضل فيها من الواجب، والحالة الثانية رد السلام، فإن الابتداء به مندوب إليه، والرد: واجب، لكن المبتدئ بالسلام أفضل من حيث الجملة.
النبي ﷺ بين فضيلة من يقرض الناس ثم يتنازل، أو بتعبير أصح: من أعفى معسراً، يقول عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، حتى أتينا أبا اليسر -وهو صحابي اسمه كعب بن عمرو - فمن جملة ما تذاكروه مسألة الدين، فقال أبو اليسر ﵁ وأرضاه وقد أسن يومئذ قال: فإني أبصرت عيناي وأشار إلى عينيه، وسمعت أذناي وأشار إلى أذنيه، ووعى قلبي وأشار إلى مناط قلبه، النبي ﷺ وهو يقول: (من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله تحت ظله).
هذا باب رحمة واسع جداً، فكثير من الناس قد لا يكون له حظ من العبادة من قيام ليل ومن صيام وحضور محاضرات، ويكون ذا مال، والإنسان الذي عنده مال يجلس الساعات حتى يحافظ عليه، فيدير تجارته ويقيم أموره، فتأتي هذه الأبواب رحمة من الله لهم في أن تقربهم من الله فيدركوا ما أدركه الذاكرون والقانتون والصائمون.
стр. 76
تقديم الإناث على الذكور في قوله الله: (يهب لمن يشاء إناثاً)
стр. 77
سبب تقديم الإناث على الذكور
المقدم: أنتقل إلى نموذج آخر في كتاب الله ، يقول عز من قائل: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى:٤٩] إلى آخر الآية، ما سبب تقديم الإناث على الذكور في هذه الآية، وقبل ذلك ما سبب تصدير الآية بقوله تعالى: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)؟ الشيخ: أما التصدير فإن الله أراد قبل أن يبين لخلقه أنه يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور: أن ملكه جل وعلا أعظم من ذلك، بل إن كل شيء تحت تصرفه وملكه ﵎، وما إيتاء الإناث أو الذكور، أو تزويج الذكران والإناث أو جعل من يشاء عقيماً إلا واحدة من عظيم ملكه وجليل قدرته ﵎، وتقديم الجار والمجرور فيه دلالة على الحصر: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الشورى:٤٩].
ثم قال: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٤٩] ووالله إن الوصول إلى نيل رحمة الله إنما ينطلق أولاً من الإيمان بعظمة الله ﵎.
قال الله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى:٤٩] هذا موضع السؤال، نحن متفقون من حيث الجملة على أن الذكر أفضل من الأنثى، وأن لكل منهما خصائص: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران:٣٦] والله يقول: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] والنبي ﷺ يقول: (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا) وعد، لكن هذا لا يعني بخسهن حقوقهن، بل يوجد نساء أفضل من الرجال، كما قال المتنبي: ولو كان النساء كمن فقدنا لفضلت النساء على الرجال فما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال الذي يعنينا: أن قدم الله الإناث للوصية بهن، وللاستئناس بهن، ولإظهار التيمن بهن، قال بعض العلماء: إن المرأة إذا كان بكرها أنثى دل ذلك على يمنها، ولا يعني ذلك أنه إذا كان أول مولود لها ذكراً أنه يكون شؤماً؛ لأن إثبات اليمن لأحد لا يعني نفيه عن الآخرين.
نأتي بمثال من الفقه: النبي ﵊ قال: (اجعلوا آخر صلاتكم وتراً) ولم يقل: لا تصلوا بعد الوتر، فلو جاء إنسان وأراد أن يقوم الليل ولكنه خاف أن ينام فصلى وأوتر ثم نام، ثم قام من الليل وأراد أن يصلي فلا نقول له: لا تصلي؛ لكن نقول له: لا توتر، فهناك فرق بين قولنا: (اجعلوا آخر صلاتكم وتراً) وقولنا: لا تصلوا بعد الوتر.
ومثله عندما نقول: إن المرأة يدل على يمنها أن يكون أول مولود لها أنثى، ولا يعني هذا أن من كان لها أول مولود ذكراً أنها شؤم؛ لكن الأول ثابت بظاهر القرآن.
والإناث حجاب من النار، يقولون: رجل حملت امرأته ست مرات في كل حمل لها تضع أنثى، فلما حملت السابع هددها وتوعدها إن كان الحمل أنثى، أشرفت المرأة على أن تضع نام فرأى فيما يرى النائم أنه يساق إلى جهنم وجهنم لها سبعة أبواب، فلما ساقته الملائكة إلى الباب الأول وجد ابنته الأولى تصد الملائكة أن يدخلوه النار، وهكذا في الباب الثاني والثالث والرابع والخامس حتى أتي به إلى السادس فوجد ابنته تصد، فأتي به إلى الباب السابع فقام فزعاً وهو يقول: اللهم اجعله أنثى، اللهم اجعله أنثى! يقول الله: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٢٣] مناط الدين إذا فهم الإنسان أن الله له غيب السماوات والأرض، وإليه يرجع الأمر كله، فأقام التوحيد والفرائض على الوجه الأكمل، وأوكل أمره إلى الله، والإنسان لا يدري أين الخير: وما أدري إذا يممت أرضاً أريد الخير أيهما يليني أألخير الذي أنا أبتغيه أم الشر الذي هو يبتغيني إنما يميز بين من يعرف الله حقاً ومن لا يعرف الله حقاً عند حصول النعمة أو الابتلاء، فالأول إذا حصلت النعمة يتلقاها بقبول وهو يعلم أن هذه النعمة ليس له فيها حول ولا طول ولا قوة، وأنها رحمة من الله له فيسأل الله الشكر، ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [النمل:١٩] وإذا حصل الابتلاء فيما تكرهه النفس فإنه يرضى ويعلم أن رحمة الله به أكبر، ويصبر ويحاول أن يرتقي إلى مسألة الرضا ويظهر لله جل وعلا ما يحب، ويعلم أن الخير كله بيد الله جل وعلا والشر ليس إليه.
стр. 78
الابتلاء بالعقم
المقدم: الابتلاء قد يكون إكراماً للإنسان، والبعض قد يكرمه الله ويبتليه بمسألة العقم وعدم الإنجاب، لعلنا نتحدث عن هذه المسألة قليلاً؟ الشيخ: نعم، هي منطوية مندرجة تحت هذا، ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [هود:١٢٣] الله أعلم بما يصلحك، والله أعلم بما ينفعك، والله أعلم بما تصل به إليه: فاستقدر الله خيراً وارضين به فبينما العسر إذ دارت مياسير هذا لا يعني أن لا يأخذ الإنسان بالأسباب، لكن هو يخطو إليها راضياً بقضاء الله وقدره مسلماً أمره إلى الله، عالماً أن ما عند الله جل وعلا من الخير أعظم مما يطلبه، وهو يجهل أين موطن الخير، وربما كان حتفه فيما تمناه، لكن الإنسان يسلم أمره إلى الله ويأخذ بالأسباب المشروعة، وكلما كان القلب راضياً عن الله كان أقرب إلى أن ينال رضوان الله.
فالله جل وعلا ذكر أخباراً من الصالحين من أنبيائه ورسله أنهم كانوا راضين كل الرضا عن الله سواء الذين أعطوا والذين منعوا، والذين نجوا والذين ماتوا، فحياة السعادة في الرضا عن الله جل وعلا وعلى أمره وقدره.
стр. 79
إكرام المرأة في الإسلام
المقدم: قبل أن أخرج من هذا النموذج إلى نموذج آخر لعلنا نقف سريعاً مع ما يتعلق بإكرام القرآن والسنة للمرأة، من أجل إسكات الأصوات النشاز التي تنادي بما هو إذلال للمرأة وليس إكراماً لها؟ الشيخ: قال النبي ﷺ : (لا يكرمهن إلا كريم، ولا يهينهن إلا لئيم) والرجل لا تظهر رجولته حقاً إلا إذا تعامل مع أنثى، فإذا تعامل مع أنثى في قضية أنها مخلوق ضعيف، فإذا كان ذئباً بشرياً يجعل من منصبه أو قدرته أو ماله سبيلاً للسيطرة عليها، أو استدراجها إلى ما حرم الله، أو حتى إذا كانت زوجة يضطهدها، أو كانت أختاً يمنعها حقها، أو أماً يعقها، فهذا يدل على نقص الرجولة كثيراً عنده؛ ولهذا قال ﵊: (إنهن عوان عندكم) ووصى ﷺ بهن فقال: (النساء وما ملكت أيمانكم)، فأوصى ﷺ بالإحسان إليهن؛ لأن هذا الأمر يظهر رجولة الرجل.
الرجل العظيم حقاً في نفسه لا يبحث عن عظمته عند الضعفاء، وإنما يحسن إليهم؛ لأن الإنسان إذا اضطهد من دونه كأنه يقول: أنا لا أجد أحداً أقدر عليه إلا هذا الضعيف، فهو يظهر نقصه وعجزه، والمرأة ضعيفة، فالإحسان إليها أمر محمود يدل على حسن المعدن وكرامة الأصل وسلامة المنبت.
والإنسان يتقي فيها إن كانت زوجة أن يؤتيها حقوقها مع إكرامها، خاصة أمام بنيها وبناتها، وأن لا يهينها أمامهم، وإن كان ثمة شيء يكون بينه وبينها، ويكرمها أعظم إكرام إن كانت أماً، ولا يكرم أحداً من الخلق أعظم من أمه، إلا النبي ﷺ ، وهو غير حي حتى يكرم إكراماً حسياً.
ثم إكرامها إن كانت خالة أو عمة، أو إحدى محارمه، بأن يتقي الله جل وعلا فيها ويبرها، ويكرمها إن كانت جارة، ويكرمها إن كانت مؤمنة فلا يرضى لها إلا ما يرضاه لنفسه الرضا الشرعي.
وهذه منازل يتفاوت الناس فيها تفاوتاً عظيماً.
стр. 80
تقديم الضحك على البكاء في سورة النجم
المقدم: قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [النجم:٤٣ - ٤٤] السؤال المتبادر: ما سبب تقديم الضحك على البكاء؟ الشيخ: الآية تدل على أن الله جل وعلا خالق الأفعال وأسبابها، وهي انتصار لمذهب أهل السنة في أن الله جل وعلا خالق الأفعال وأسبابها، وأنه لا يقع شيء إلا والله جل وعلا قد علمه وكتبه وأراده جل وعلا، فتجري عليه أحكام القدر الأربعة، هذا ما تدل عليه الآية عموماً، فهي مسوقة في الثناء والمدح للذات العلية ﵎.
وأما تقديم الضحك على البكاء، فذلك لأن الضحك سببه السرور والفرح، وهو مقدم هنا لأنه نوع من الاستئناس، والبكاء غالباً يكون موضع حزن.
والموت ربما قدمه الله لإظهار القهر على بني آدم، كما قدمه في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك:٢] هذا قول.
وقول آخر: أن الأصل هو الموت، فالناس أصلاً لم يكونوا شيئاً، قال الله في أول الإنسان: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١].
стр. 81
الفرح الشرعي بالعيد
المقدم: نحن اليوم حديثو عهد بعيد، والفرحة ما زالت مستمرة أسأل الله أن يجعل أيامك وأيام المشاهدين كلها أفراحاً وسعادة.
وفرحة العيد بعض الناس قد يتجاوز فيها، فلعلنا نبين الضوابط الشرعية في ذلك؟ الشيخ: دين الله ما بين الجافي عنه والمغالي فيه، نظر ﷺ وهو أعظم الناس تقوىً وورعاً إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم في مسجده، فقال: (دونكم يا بني أرفدة! حتى تعلم يهود أن في ديننا فسحة، إنما بعثت بحنيفية سمحة) هذه أيام عيد يغض فيها ما لا يغض في غيرها، فيترك للناس فرحتهم من حيث الإجمال، لكن لا ينبغي للناس أن يفرحوا فرحاً غير شرعي يكون فيه الاختلاط المحرم، أو جني الآثام أو مطالب غير محمودة؛ هذا كله محرم.
العيد ينبغي أن يظهر على الناس الفرحة، وأحياناً يقع من بعض الناس اجتهاد في أمور قد لا يحسن فعلها في أيام العيد، ولا حاجة للتنصيص، لكن ينبغي أن يعرف الإنسان أنه ما سمي عيداً إلا ليظهر الإنسان فيه فرحته وبهجته.
ونذكر بعض المواطن التي فرح فيها الرسول ﷺ ؛ فإنه ما فرح أحد أعظم من نبينا ﷺ ، يقول الله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس:٥٨] سجل التاريخ مواطن فرح النبي ﷺ منها: قدوم جعفر بن أبي طالب ابن عم رسول الله ﷺ ، الذي هاجر إلى الحبشة، وكان الرسول يحبه حباً جماً والتقى بالنبي ﷺ أثناء عودته من الحبشة في خيبر، عندما فتح النبي ﷺ خيبر.
ذكر أصحاب السير أنه ﷺ قال: (لا أدري بأيهما أنا أسر بقدوم جعفر أم بفتح خيبر) ثم قبله بين عينيه والتزمه صلوات الله وسلامه عليه.
ومن فرحك الله به يحزنك به إذا أمد في العمر، فالنبي ﷺ فرح بقدوم جعفر ثم لم يلبث أن حزن على وفاة جعفر، وعلى قدر فرحه بقدوم جعفر كان حزنه على وفاة جعفر، فقدوم جعفر كان فرحاً، والغائب إذا كان محبوباً تبقى له وحشة وفرحة للقاء لا تعدلها فرحة، يقول ابن زريق: أستودع الله في بغداد لي قمراً بالكرخ من فلك الأزغار مطلعه ودعته وبودي لو يودعني صفو الحياة وأني لا أودعه وكم تشبث بي يوم الوداع ضحى وأدمعي مستهلات وأدمعه المقصود: أن لقاء الغائب أمر محمود، فكان جعفر غائباً مدة طويلة عن النبي ﷺ وهو ابن عمه وقريبه، وأحد المؤمنين به من أنصاره، فلما رآه التزمه ﷺ وأظهر فرحه.
من مواطن فرح الإنسان أن الإنسان يشعر بنوع من التأييد، وهذا أمر يحتاجه كل أحد ولو كان نبياً، وقد أخبر ﵊ أصحابه بخبر الدجال، ثم لم يلبث مدة حتى جاء تميم بن أوس الداري ﵁ وأرضاه من أهل الشام وكان نصرانياً فلما قدم المدينة بايع وأسلم وقص على النبي ﷺ ما رآه من خبر الدجال، ففرح النبي ﵊ وهو في غنىً أن يشهد له أحد من الخلق.
وكان هناك صلاة، فصلى الناس فارتقى ﷺ على المنبر وقال: (ليلزمن كل أحد منكم مصلاه) ثم جلس على أعواد منبره وهو يضحك صلوات الله وسلامه عليه، ثم قال: (أيها الناس! ما جمعتكم لرهبة ولا لرغبة، ولكن تميماً كان نصرانياً فجاء وبايع وأسلم).
ثم حدثهم حديث الدجال كما قصه عليه تميم، وهذا عند أهل الحديث من رواية الفاضل عن المفضول، فإن النبي ﷺ أفضل من تميم قطعاً، وهو هنا يروي عن تميم، فأخبر عن تميم ثم قال ﷺ وهو الصادق المصدوق: (ألم أكن قد أخبرتكم بهذا؟ قالوا: بلى، قال: فأعجبني أن وافق حديثه حديثي).
فالمقصود من هذا: أن الإنسان يشعر بالفرح إذا أيد، فلا نبخل على من حولنا بكلمة تشجيع، ولا بكلمة تأييد، ولا بكلمة نصرة، فنفرق ما بين الرياء وغير الرياء، أحياناً نصلي نحن وراء أئمة حسنة أصواتهم فنحاول قدر الإمكان أن نبعث لهم رسالة: أن الله جل وعلا من علينا بالخشوع وراءكم والإعجاب بأصواتكم، فهذه تبعث فيهم نوعاً من التأييد، وهذا فضل من الله جل وعلا ورحمة.
القصة المشهورة أنه نظر إلى أصحابه وهم يصلون خلف أبي بكر فقرت عينه، واطمأنت نفسه، وتهلل وجهه، المؤمن الحق المنصف يحب اجتماع الكلمة يحب وحدة الصف ناصحاً لولاة أمره لا يريد أن يشق عصا طاعة عليهم، ويعلم أن الصلاة أعظم العبادات وأشرف الفرائض بعد التوحيد، فلما رأى النبي ﷺ الأمة قد اجتمعت خلف رجل واحد تصلي بصلاته ويأتموا به قرت عينه واطمأنت نفسه، فهذا من مواطن فرحه صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 82
سلسلة القطوف الدانية - آيات السؤال في القرآن الكريم
ورد في القرآن الكريم تعليمات عظيمة بعضها جاء على طريقة السؤال، ثم يبين الله تعالى الجواب المناسب له بصور بلاغية رائعة تجذب الوجدان وتشد الذهن
стр. 83
السؤال عن اليتامى
стр. 84
من هو اليتيم
المقدم: نبدأ بقوله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٠]، فاليتم قصة طويلة، والبعض يعيش مآسي في هذه القصة، فنريد أن نخصص لها جزءاً من الحلقة ونبدأ بتحرير معنى (اليتيم) من الناحية اللغوية ومن ناحية الاصطلاح.
الشيخ: اليتم من الناحية اللغوية معناه الانفراد.
فيقال: بيت يتيم في القصيدة، أي: بيت لا مثيل له، فالشيء إذا كان منفرداً يسمى يتيماً، ولذلك يقال للدرة: يتيمة.
وفي الاصطلاح: انفصال الشيء عمن يرعاه، يقول المعنيون باللغة: يتيم الإنسان من فقد أباه دون البلوغ، ويتيم الحيوان من فقد أمه، ويتيم الطير من فقد أبويه.
وقلنا: (انفكاكه عمن يرعاه) لأن حاجة الإنسان إلى من يرعاه حاجة ملحة، ولهذا مر معنا أن الله لما أراد أن يطمئن موسى قال: ﴿أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه:١٢]، ولذلك إذا خليت الدرة عن صدفها الذي يحويها سميت درة يتيمة، وإذا كانت في صدفها فلا تسمى درة يتيمة لعدم انفكاكها عما يرعاها.
стр. 85
التحذير من أكل أموال اليتامى ومتى تدفع إليهم
المقدم: لقد تكفل الله برعاية اليتيم، لكن أحيانا يتسلط بعض الأولياء على هذه الأموال، فما نصيحتكم لهؤلاء الأولياء على الأيتام؟ وما هو الوقت المناسب لدفع هذه الأموال إلى أصحابها؟ الشيخ: يقول الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ﴾ [البقرة:٢٢٠]، أي: جواباً لهم، ﴿إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٢٢٠]، وكلمة (إصلاح) يقصد بها ثلاثة شئون: إصلاح مالي، ونجعله في الأخير، وإصلاح اجتماعي، وإصلاح إنساني.
الإصلاح الإنساني يكون بملاطفته ومراعاة شعوره؛ لأنه قد حرم من يرعاه أصلاً وهو أبوه، أما الإصلاح الاجتماعي فيكون بإيوائه، وأما الإصلاح المالي فاتقاء الله جل وعلا في ماله، والله جل وعلا حذر الأوصياء والأولياء المعنيين بأموال اليتامى من ذلك، فقال الله في سورة مكية -أي: من أوائل ما أنزل-: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام:١٥٢]، وهذه الفقرة من الآية جاءت منصوصة في الأنعام والإسراء.
وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعَيرًا﴾ [النساء:١٠]، الدنيا تأسر صاحبها، فمن نظر إليها على أنها باقية ألهته عن الآخرة، وجعلته ينكب عليها وينسى أنه سيسأل، وقد مر معنا في اللقاء الماضي أن الإنسان إذا مات يخسر ماله كله، وفي نفس الوقت يسأل يوم القيامة عن ماله كله، وهو بمجرد مفارقة روحه لجسده يخسر المال، لكنه يوم القيامة يسأل عن ماله كله.
أما متى يعطى اليتيم ماله فإن الله قال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء:٦]، أي: اختبروهم: ﴿حتى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء:٦]، ويقصد به القوة البدنية: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء:٦]، أي: القوة العقلية، فالرشد حسن التصرف في المال، وخروج الإنسان عن أن يكون سفيهاً، فهذا مناط تحقيق إعطاء المال له.
ثم قال الله بعدها: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦]، وأمر بعد بالشهادة وتقوى الله، وحذر من أن الله جل وعلا على كل شيء حسيب.
المقصود من هذا أن كل من أوكل الله جل وعلا إليه حقاً لأحد يتيماً أو غير يتيم، فليتق الله في هذا المال، ولئن كنا نقدر أحياناً على أن نخدع من يراقبنا، أو أن نخدع القضاة، أو أن نخدع غيرهم ممن أعطي حكماً علينا، فإنه محال لنا ولغيرنا أن نخدع ربنا ﷻ ، والدنيا زهرة حائلة، ونعمة زائلة، ولا بد من الوقوف بين يدي الله جل وعلا، الذي لا تخفى عليه خافية، والسر عنده علانية.
فتقوى الله في كل شيء أمر مطلوب، وتقوى الله في مال اليتامى أمر منصوص عليه شرعاً، أخبر الله جل وعلا عنه: ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء:٦]، ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء:٢].
стр. 86
التضحية من مال اليتيم
المقدم: لقد قرب موسم الأضحية، والسؤال الذي تبادر لدى الناس: هل يضحى من مال اليتيم، أو يضحى من مال وليه؟ الشيخ: نحن نعرف أن الأضحية عبادة محضة يتقرب بها إلى الله جل وعلا، وهناك خلاف في وجوبها، ولا خلاف أنها سنة من أعظم السنن، أما أن يضحي الإنسان من مال اليتيم فإنا نفصل ونقول: إذا ضحى الإنسان من ماله عن اليتيم فلا حرج، لكن إذا كان هناك وصي أو ولي على يتيم، ولديه أموال لهذا اليتيم -وهذا سؤالكم- فهل يضحى عن اليتيم أو لا يضحى؟ هي مسألة خلاف بين الفقهاء، لكنني أقول: ما ذكره بعض أهل العلم، ونص عليه ابن قدامة في المغني، وهو الأقرب للصواب إن شاء الله، أن يقال: ينظر في هذا اليتيم، هل ينكسر قلبه إن كان له مال ولم يضح عنه أو لا؟ فإن كان ينكر ضحي عنه.
أما إذا كان دون الأربع أو الخمس فهو لا يفقه ما معنى (أضحية) فلا يضحى عنه، لأنه أصلاً لن يفرح بتلك الأضحية، ولن يراها مجدية، ولا يدري أن أحداً ضحى عنه؛ لأنه صبي صغير لا يميز.
لكن إذا كان عمر اليتيم مثلاً عشر سنوات أو ثلاث عشرة سنة، وكان له أقران، فرأى أن آباءهم يضحون، وهو يحب أن يضحي من ماله مثلهم فللوصي أن يضحي عن اليتيم من ماله حتى ينجبر قلبه، ويفرح بين أقرانه، ويجد شعوراً حسناً في النفس، وهذا أمر مقصود شرعاً، داخل في قول الله جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٢٢٠].
لكن لا نتصدق باللحم عنه؛ لأن مال اليتيم لا يتصدق به تطوعاً، وإنما يأكل منها هو ومن جرت العادة أن يأكل معه، كأقرانه أو أمه، أو جده، أو وصيه، أو ما أشبه ذلك، المهم أنه لا يتصدق منها؛ لأنه لا تجوز الصدقة من مال اليتيم، وغالب الظن أن هذا أرجح أقوال العلماء في المسألة.
стр. 87
مكافأة اليتيم لمن أحسن الولاية عليه
المقدم: هناك من يتولى على اليتامى فيحسن الولاية، فكيف يرد إليه اليتيم هذا الجميل.
الشيخ: اليتامى كفاهم شرفاً أن النبي ﷺ كان يتيماً، يقول شوقي: ذكرت باليتم في القرآن تكرمة وقيمة اللؤلؤ المكنون في اليتم وهذا أمر يحصل قدراً، وليس لأحد قدرة في دفعه أو جلبه.
هؤلاء اليتامى من نشأ يتيماً وقد أحسن إليه وليه أو وصيه أو أحد غيرهما، فإن من أعظم المكافأة الدعاء، ثم إذا كبر اليتيم بعد أن خرج من رتبة اليتم وأصبح ذا شأن فإن من حقه أن يكافئهم بالهدايا وبالإحسان إليهم، وتفقد أبنائهم، ورد البر لهم معنوياً أو مادياً.
стр. 88
السؤال عن اليتامى
стр. 89
من هو اليتيم
المقدم: نبدأ بقوله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٠]، فاليتم قصة طويلة، والبعض يعيش مآسي في هذه القصة، فنريد أن نخصص لها جزءاً من الحلقة ونبدأ بتحرير معنى (اليتيم) من الناحية اللغوية ومن ناحية الاصطلاح.
الشيخ: اليتم من الناحية اللغوية معناه الانفراد.
فيقال: بيت يتيم في القصيدة، أي: بيت لا مثيل له، فالشيء إذا كان منفرداً يسمى يتيماً، ولذلك يقال للدرة: يتيمة.
وفي الاصطلاح: انفصال الشيء عمن يرعاه، يقول المعنيون باللغة: يتيم الإنسان من فقد أباه دون البلوغ، ويتيم الحيوان من فقد أمه، ويتيم الطير من فقد أبويه.
وقلنا: (انفكاكه عمن يرعاه) لأن حاجة الإنسان إلى من يرعاه حاجة ملحة، ولهذا مر معنا أن الله لما أراد أن يطمئن موسى قال: ﴿أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه:١٢]، ولذلك إذا خليت الدرة عن صدفها الذي يحويها سميت درة يتيمة، وإذا كانت في صدفها فلا تسمى درة يتيمة لعدم انفكاكها عما يرعاها.
стр. 90
التحذير من أكل أموال اليتامى ومتى تدفع إليهم
المقدم: لقد تكفل الله برعاية اليتيم، لكن أحيانا يتسلط بعض الأولياء على هذه الأموال، فما نصيحتكم لهؤلاء الأولياء على الأيتام؟ وما هو الوقت المناسب لدفع هذه الأموال إلى أصحابها؟ الشيخ: يقول الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ﴾ [البقرة:٢٢٠]، أي: جواباً لهم، ﴿إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٢٢٠]، وكلمة (إصلاح) يقصد بها ثلاثة شئون: إصلاح مالي، ونجعله في الأخير، وإصلاح اجتماعي، وإصلاح إنساني.
الإصلاح الإنساني يكون بملاطفته ومراعاة شعوره؛ لأنه قد حرم من يرعاه أصلاً وهو أبوه، أما الإصلاح الاجتماعي فيكون بإيوائه، وأما الإصلاح المالي فاتقاء الله جل وعلا في ماله، والله جل وعلا حذر الأوصياء والأولياء المعنيين بأموال اليتامى من ذلك، فقال الله في سورة مكية -أي: من أوائل ما أنزل-: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام:١٥٢]، وهذه الفقرة من الآية جاءت منصوصة في الأنعام والإسراء.
وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعَيرًا﴾ [النساء:١٠]، الدنيا تأسر صاحبها، فمن نظر إليها على أنها باقية ألهته عن الآخرة، وجعلته ينكب عليها وينسى أنه سيسأل، وقد مر معنا في اللقاء الماضي أن الإنسان إذا مات يخسر ماله كله، وفي نفس الوقت يسأل يوم القيامة عن ماله كله، وهو بمجرد مفارقة روحه لجسده يخسر المال، لكنه يوم القيامة يسأل عن ماله كله.
أما متى يعطى اليتيم ماله فإن الله قال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء:٦]، أي: اختبروهم: ﴿حتى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء:٦]، ويقصد به القوة البدنية: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء:٦]، أي: القوة العقلية، فالرشد حسن التصرف في المال، وخروج الإنسان عن أن يكون سفيهاً، فهذا مناط تحقيق إعطاء المال له.
ثم قال الله بعدها: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦]، وأمر بعد بالشهادة وتقوى الله، وحذر من أن الله جل وعلا على كل شيء حسيب.
المقصود من هذا أن كل من أوكل الله جل وعلا إليه حقاً لأحد يتيماً أو غير يتيم، فليتق الله في هذا المال، ولئن كنا نقدر أحياناً على أن نخدع من يراقبنا، أو أن نخدع القضاة، أو أن نخدع غيرهم ممن أعطي حكماً علينا، فإنه محال لنا ولغيرنا أن نخدع ربنا ﷻ ، والدنيا زهرة حائلة، ونعمة زائلة، ولا بد من الوقوف بين يدي الله جل وعلا، الذي لا تخفى عليه خافية، والسر عنده علانية.
فتقوى الله في كل شيء أمر مطلوب، وتقوى الله في مال اليتامى أمر منصوص عليه شرعاً، أخبر الله جل وعلا عنه: ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء:٦]، ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء:٢].
стр. 91
التضحية من مال اليتيم
المقدم: لقد قرب موسم الأضحية، والسؤال الذي تبادر لدى الناس: هل يضحى من مال اليتيم، أو يضحى من مال وليه؟ الشيخ: نحن نعرف أن الأضحية عبادة محضة يتقرب بها إلى الله جل وعلا، وهناك خلاف في وجوبها، ولا خلاف أنها سنة من أعظم السنن، أما أن يضحي الإنسان من مال اليتيم فإنا نفصل ونقول: إذا ضحى الإنسان من ماله عن اليتيم فلا حرج، لكن إذا كان هناك وصي أو ولي على يتيم، ولديه أموال لهذا اليتيم -وهذا سؤالكم- فهل يضحى عن اليتيم أو لا يضحى؟ هي مسألة خلاف بين الفقهاء، لكنني أقول: ما ذكره بعض أهل العلم، ونص عليه ابن قدامة في المغني، وهو الأقرب للصواب إن شاء الله، أن يقال: ينظر في هذا اليتيم، هل ينكسر قلبه إن كان له مال ولم يضح عنه أو لا؟ فإن كان ينكر ضحي عنه.
أما إذا كان دون الأربع أو الخمس فهو لا يفقه ما معنى (أضحية) فلا يضحى عنه، لأنه أصلاً لن يفرح بتلك الأضحية، ولن يراها مجدية، ولا يدري أن أحداً ضحى عنه؛ لأنه صبي صغير لا يميز.
لكن إذا كان عمر اليتيم مثلاً عشر سنوات أو ثلاث عشرة سنة، وكان له أقران، فرأى أن آباءهم يضحون، وهو يحب أن يضحي من ماله مثلهم فللوصي أن يضحي عن اليتيم من ماله حتى ينجبر قلبه، ويفرح بين أقرانه، ويجد شعوراً حسناً في النفس، وهذا أمر مقصود شرعاً، داخل في قول الله جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٢٢٠].
لكن لا نتصدق باللحم عنه؛ لأن مال اليتيم لا يتصدق به تطوعاً، وإنما يأكل منها هو ومن جرت العادة أن يأكل معه، كأقرانه أو أمه، أو جده، أو وصيه، أو ما أشبه ذلك، المهم أنه لا يتصدق منها؛ لأنه لا تجوز الصدقة من مال اليتيم، وغالب الظن أن هذا أرجح أقوال العلماء في المسألة.
стр. 92
مكافأة اليتيم لمن أحسن الولاية عليه
المقدم: هناك من يتولى على اليتامى فيحسن الولاية، فكيف يرد إليه اليتيم هذا الجميل.
الشيخ: اليتامى كفاهم شرفاً أن النبي ﷺ كان يتيماً، يقول شوقي: ذكرت باليتم في القرآن تكرمة وقيمة اللؤلؤ المكنون في اليتم وهذا أمر يحصل قدراً، وليس لأحد قدرة في دفعه أو جلبه.
هؤلاء اليتامى من نشأ يتيماً وقد أحسن إليه وليه أو وصيه أو أحد غيرهما، فإن من أعظم المكافأة الدعاء، ثم إذا كبر اليتيم بعد أن خرج من رتبة اليتم وأصبح ذا شأن فإن من حقه أن يكافئهم بالهدايا وبالإحسان إليهم، وتفقد أبنائهم، ورد البر لهم معنوياً أو مادياً.
стр. 93
تحليل الطيبات وما صادته الجوارح المعلمة
стр. 94
معنى الجوارح المعلمة
المقدم: ننتقل إلى آية المائدة وهي قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة:٤]، ما معنى هذا المصطلح: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة:٤]؟ الشيخ: آية المائدة مدنية، فالمسلمون يسألون نبيهم: ﴿مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ [المائدة:٤]، فيخبر الله أن كل ما أباحه الله فهو طيب، ثم أخبر الله جل وعلا: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤].
الذي يعنينا أن هناك سباعاً طوعها الله لبني آدم لتصطاد لهم، وهي في ذاتها لا تؤكل، لكن ما تصيده هو الذي يؤكل؛ لأنها لو كانت غير ذات ناب أو غير ذات مخلب لأكلت، لكن هذا المعلم يصيد، وهو يصيد إما بنابه كالكلاب أو بمخلبه كالطير.
فالناب والمخلب عند الجمهور يمنعان من أن يؤكل الحيوان، لكن يؤكل صيدها.
والتعليم له ضوابطه المعروفة.
وقوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة:٤]، اختلف في معناها، لكن المعنى الصحيح أنها كواسب تكسب لصاحبها.
стр. 95
حكم أكل الضبع
المقدم: هل الضبع من السباع المحرمة؟ الشيخ: الضبع في اللغة تطلق على الأنثى، أما الذكر فيقال له ضبعان.
والمعنيون بعلم الحيوان يقولون إنه يتبدل، أي: يكون سنة ذكراً فيلقح، وسنة أنثى فيحمل ويلد.
وهو مغرم بنهش القبور فعنده شهوة للحوم بني آدم، وأكثر الحيوانات رغبة في لحوم بني آدم الضباع.
هذا الضبع اختلف فيه، ولكن الراجح والعلم عند الله جواز أكله، ففي الحديث الصحيح أن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمارة سأل جابراً رضي الله تعالى عنه عن الضبع أصيد هو؟ قال: نعم، قال: أقاله رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، وقد قال الشافعي رحمة الله تعالى عليه: وما زال الناس يأكلونه ويبيعونه بين الصفا والمروة من غير نكير.
قد يتبادر الآن
السؤال
كيف كان الناس يبيعونه في الصفا والمروة؟
و
الجواب
أن الصفا والمروة كانت خارج الحرم، وما أدخلت إلا في العهد السعودي المبارك، أما قديماً فقد كانت خارج الحرم.
стр. 96
شروط إباحة الصيد
والفقهاء يقسمون الحيوان المباح إلى حيوان مقدور عليه وحيوان غير مقدور عليه، فيقولون في الحيوان المقدور عليه: إنه لا يحل إلا بتذكيته، فيشترطون التذكية للحيوان المقدور عليه مثل الإبل والبقر والغنم، أما الصيد فهو داخل في الحيوان غير المقدور عليه، والأصل في الصيد الإباحة، إلا إذا كان الإنسان في الحرم أو متلبساً بالإحرام، لأن الرسول ﷺ قال في الحرم: (ولا ينفر صيده)، ما دام لا يجوز تنفير صيده فمن باب أولى ألا يجوز قتله، نعم، وأما إذا كان متلبساً بالإحرام، فالله يقول: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥].
وقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦])) [المائدة:٩٦]، الذي يعنينا هنا أن الاصطياد يقوم مقام الذكاة.
ثم إنه إذا تم الصيد -سواء كان بآلة أو بسبع معلم أو طير- فإن هذا الحيوان المصاد لا يخلو من أحد أمرين: إما أن ندركه حياً حياة مستقرة أو لا.
فإذا أدركناه حياً حياة مستقرة، وكان هناك وقت لأن نذكيه فإننا نذكيه جبراً، ولا خيار لنا فيه؛ لأنه لم يمت بعد، فيعامل معاملة الحيوان المقدور عليه.
أما إذا أدركناه ميتاً انتهينا.
لكن إذا أدركناه وهو حي حياة غير مستقرة أو حياة مستقرة لكن لم يبق زمن لأن نجلب السكين ونذكي فإن صيده يقوم مقام تذكيته.
واشترطوا عندما نبعث الحيوان أن يكون الصائد من أهل الصيد عقلاً وديناً.
وقصدوا بالعقل التمييز، أي ألا يكون صغيراً، ولا يكون مجنوناً، ولا سكران.
وقصدوا بالدين أن يكون مسلماً أو من أهل كتاب، لأن أهل الكتاب تجوز أضحياتهم، وما دام تجوز أضحياتهم ينبغي أن يجوز صيدهم.
وهذا هو الشرط الأول.
الشرط الثاني: أن تكون آلة الاصطياد مما يجوز الصيد بها شرعاً.
الشرط الثالث: ألا يأكل المعلم من الصيد، مثل رجل عنده كلب فبعثه، ثم إن الكلب صاد لكنه أكل من الصيد، فهنا خلاف بين العلماء والراجح أنه لا يجوز الأكل منه، لأن النبي ﷺ كما في الصحيح من حديث عدي بن حاتم أنه قال له: (إذا أرسلت كلبك المعلم فأمسك فكل، إلا أن يكون الكلب أكل منه؛ فإنك لا تدري أمسكه على نفسه أو أمسكه لك).
стр. 97
الصيد لهو الكبار
المقدم: ننتقل من هذه المباحث الفقهية إلى ما يتعلق بالأدب، والصيد لا شك أنه ورد في أكثر من موضع، فلو ذكرتم شيئاً من ذلك؟ الشيخ: يقولون إن الصيد من شأن الملوك، ونقل عن الملوك والأمراء محبة الصيد، وكان هذا شائعاً في الجاهلية وطرفة بن عبد لما ذكر قضية لهو الفتيان آنذاك ذكر أنه الصيد، كذلك كان امرؤ القيس يبدع في هذا الباب.
الذي يعنينا أنه يمكن أن يقال: إن في حديث: (من اتبع الصيد غفل)، يدل على أن الإنسان يأخذ منه بقدر، والمباحات لا ينبغي المبالغات فيها؛ لكن من الأبيات الشهيرة هنا قول المتنبئ في دالية شهيرة: لكل امرئ من دهره ما تعودا وعادة سيف الدولة الطعن في العدا هو الجد حتى تفضل العين أختها وحتى يكون اليوم لليوم سيداً إلى أن قال: ومن يجعل الضرغام بازاً لصيده تصيده الضرغام فيما تصيدا هذا فقه اجتماعي، أو فقه إداري، ومعناه أن الإنسان لا يجعل من تحته ما هو أقوى منه، المتنبئ أراد أن يقول: أن الإنسان إذا أخذ صقراً فسيصيد الصقر له، وإن أخذ كلباً فإن الكلب سيصيد له؛ لكن لو جاء جاهل وأخذ أسداً يريد أن يصيد له فإن الأسد سيصيده قبل أن يصيد له والعاقل في إدارته وفي حياته كلها يمشي خطوات متوازنة في علاقاته مع الآخرين، وهذا فقه إداري كما قلت ولا أحب الاسترسال فيه حتى لا نفهمه خطأ، لكن أعني أن البيت مليء بالحكمة، ومن القصيدة قوله: ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا فالصيد كان علماً واسعاً، وهو إلى اليوم مظنة لهو للكبار.
стр. 98
الطريقة المثلى لقراءة التفسير
المقدم: سائل يسأل عن الطريقة المثلى لقراءة كتب التفسير مثل تفسير ابن كثير؟ الشيخ: علم التفسير علم عظيم، والعلماء رحمة الله تعالى عليهم بذلوا فيه جهداً واسعاً نسأل الله مثوبتهم، والناس تختلف قدراتهم، والملكات هي من فضل الله جل وعلا، لكن حبذا أن تقرأ بطريقتين: قراءة عامة بمعنى: أن تأخذ كتاباً مثل تفسير ابن كثير أو مختصراً من مختصرات تفسير ابن كثير فتقرأ فيه قراءة سردية متسلسلاً.
وهناك طريقة أخرى: أن تختار آيات، وهذه لا تكون آيات أحكام؛ لأن الفقه يحتاج إلى نوع من الدراسة حتى يقوى الإنسان فيه.
فيأخذ هذه الآيات ويقرؤها مبدئياً، ثم يقرأ في عدة تفاسير، فما لم يتوسع زيد أفاض فيه عمرو، فيقرأ بهذه الطريقة، وإذا حصل على لب المعلومة يقولها لغيره حتى تثبت في صدره.
فهذا ينفع كثيراً في علم التفسير لكن يحتاج إلى طول زمان، ونحن نتكلم عن مائة وأربع عشرة سورة لا يمكن الإلمام بها بين عشية وضحاها، فهذه مسألة تفنى فيها أعمار، ولهذا قالوا: إن ابن جرير الطبري لما أراد أن يؤلف تفسيره هذا دعا الطلاب، فقالوا: في كم ورقة؟ قال: في ثلاثين ألف ورقة، قالوا: تفنى في هذا الأعمار، فقال رحمة الله تعالى عليه: الله المستعان! ذهبت الهمم، ثم جعله في ثلاثة آلاف ورقة، وهو الذي بين أيدينا، وهو الآن ينظر إليه أنه من المطولات، فهذه بعض الطرائق، ونسأل الله أن يوفق.
стр. 99
الطريقة المثلى لحفظ القرآن
المقدم: ما هي الطريقة المثلى لحفظ القرآن الكريم؟ الشيخ: هناك جواب يقوله الأكابر، وهو: قم به في الليل تحفظه في النهار.
والأمر الثاني: المراجعات مع الأقران ومع أمثالهم، فهذه تثبت القرآن في قلبك.
стр. 100
إدخال التلفاز إلى البيوت من أجل قناة المجد
المقدم: سائل يسأل عن إدخال قناة المجد.
الشيخ: يظهر أن السائل يسأل عن إدخال شيء في البيت، أنا أقول: هذا فيه تفصيل، فإذا كان أهل البيت لا يوجد عندهم صبية ولا صغار، ويرون اكتفاء ذاتياً في أنفسهم بحيث لا حاجة إلى تلفاز، فيقبل أنهم لا يدخلون على أنفسهم شيئاً، أما إذا كان في البيت صبية ولا بد من تفقيههم وتعليمهم فنحن لا نزكي على الله أحداً، ولكن هذه القناة قناة مباركة، وقد نفع الله بها خلقاً كثيراً، ونحن تكلمنا عن اليتيم وهي قناة يتيمة في القنوات مع إجلالنا لبعض غيرها من القنوات.
стр. 101
السؤال عن الجبال
стр. 102
الأحداث السابقة لنسف الجبال يوم القيامة
المقدم: يقول عز من قائل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه:١٠٥]، وقال بعد ذلك: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه:١٠٦]، ظاهر الآية يدل على أنها في المراحل الأخيرة هل ذكرت المراحل التي قبل هذا في القرآن الكريم؟ الشيخ: آية طه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه:١٠٥]، مر معنا الكلام على الفاء، وقلنا إن الإمام الشنقيطي رحمة الله تعالى عليه قال إنها للتعقيب؛ لأن هذا يكون يوم القيامة، واستنباطكم صحيح؛ لأن الله قال: ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه:١٠٦]، فلا بد من مراحل، والله لا يحيل إلى مجهول يقول الله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [المزمل:١٤].
فإذاًَ أول التسيير على القول بأن التسيير يكون يوم القيامة: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير:٣]، ثم الرجفة، ثم فيما يبدو -والعلم عند الله- أنها تحمل: ﴿وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [الحاقة:١٤]، ثم الدك: ﴿فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة:١٤]، ثم تكون كالعهن المنفوش، هكذا كلها مراحل، حتى تصل إلى قول الله جل وعلا: ﴿فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٥ - ١٠٧].
стр. 103
التورع في الفتوى
المقدم: سائل يسأل عن الفتوى والكلام في الدين، ما أهميته، وماذا يجب على من يتعاطى ذلك؟ الشيخ: هذه مسألة حسنة، وهي قضية أن الفتوى توقيع عن رب العالمين، والإنسان إذا خشي من كلمة: لا أدري أصيبت مقاتله كما قال العلماء، وكان الشيخ الأمين الشنقيطي رحمة الله تعالى عليه كثيراً ما يتحرز من الجواب وكان بعض السلف يتعجب ممن يجيب على كل سؤال.
وكان نبي الأمة يُسأل عن أبغض الأماكن إلى الله، فيقول: ﴿دعوني أسأل جبريل) فيسأل جبريل فيخبره أنها الأسواق، والتوقف عن الكلام فيما لا علم فيه منهج رباني نبوي.
وأي إنسان مهما بلغ علمه فعلمه قليل، وكان موسى ﵇ وهو مكلم وصفي قد ادعى العلم فذكر الله: ﴿عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف:٦٥]، فلما ركبا في السفينة جاء عصفور فنقر من البحر نقرتين، فقال الخضر لموسى: ما بلغ علمي وعلمك من علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من البحر.
فإذا كان هذا علم الصفي الكليم موسى وعلم الخضر فما علم غيرهما؟ والمقصود من هذا أن السير في العلم يكون بتؤدة، والناس لا تقتل ولا تهلك إلا إذا سارعت إلى الفتوى، وأحب الإنسان التصدر دون أن يملك آلته، فهذا -نسأل الله العافية- من مواطن الهلاك.
стр. 104
تاريخ جبل الجودي
المقدم: تحدثنا في الأشياء الفقهية الأدبية، ونريد أن نتكلم قليلاً عن الأشياء التاريخية في الجبال سواء في جزيرة العرب أو في غيرها، فنتكلم عن جبل الجودي وأهم الأحداث التي مرت به.
الشيخ: الجودي ورد ذكره في القرآن مرة واحدة في هود، قال الله جل وعلا: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود:٤٤]، والأظهر أنه جبل في العراق على الجنوب الشرقي من دجلة.
وقيل في تركيا.
لكن الأظهر أنه في العراق.
وبعض العلماء أخذ يتكلم عن أصل الكلمة، فقال: إنه مشتق من الجود كما حرره الراغب الأصفهاني في المفردات، وتبعه عليه السمين الحلبي رحمة الله تعالى عليهما في عمدة الحفاظ.
وهذا خطأ ظاهر؛ لأن الله تكلم عن جبل رست عليه سفينة نوح، وأيام نوح ﵇ لم يكن أحد يتكلم العربية، فأول من نطق العربية إنما جاء بعد إبراهيم أو قريباً من زمن إبراهيم، أي: بعد زمن إبراهيم بقليل، فلم يكن هناك عربية أصلاً حتى يقال: إن الجودي مشتق من الجود.
الآن المنطقة الكردية من العراق هي التي فيها جبل الجودي؛ لكن غير اسمه فلا يقال له جبل الجودي، وإنما يقال: جبال آراط أو آرات، وهو مطل على جزيرة اسمها جزيرة ابن عمر حالياً، والذي يعنينا أن هذا الجبل رست عليه سفينة نوح ﵊.
стр. 105
تاريخ جبل أحد
المقدم: نرجو منكم لمحة تاريخية عن جبل أحد؟ الشيخ: هو جبل يقع في شمال المدينة، وقعت عنده معركة أحد التي تبين لنا المنهج النبوي في تربية الناس.
حصل عنده معركة، نتيجتها قرح، وأسى، وشهداء، وموتى، يقول الله: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٤٠]، قتل سبعون صحابياً ﵃ وأرضاهم، فأراد أهلهم أن يحملوهم إلى المدينة لدفنهم، فنهاهم النبي ﷺ وقال: ادفنوهم في مصرعهم، ثم قال ﷺ وهو واقف عليهم: (أنا شهيد على هؤلاء).
الآن بعض الناس يأمر ويريد تنفيذ كل أمر؛ مع أن الإنسان عندما يسوس من دونه لا بد أن يراعي حوائجهم، فالنبي ﵊ أمرهم ألا ينقلوا قتلاهم، إذاً: أين سيدفنون؟ سيدفنون عند الجبل.
القتلى سبعون، والناس في أسى وحزن وقرح لا يستطيعون حفر سبعين قبراً، ولا يوجد دافع نفسي معنوي، فقد صلوا خلف نبيهم الذي صلى الظهر قاعداً وصلوا خلفه قعوداً من الأسى والحزن، هنا قال: (احفروا وأعمقوا) وذلك حتى يحتمل القبر أكثر من شخص، فيقل الجهد البدني المبذول في الحفر، وهذا كله مراعاة لهم منه ﷺ .
وتمر الأيام، وتطوى الليالي، فيمر ﷺ على أحد فيقول: (هذا أحد) وهو لا يشير إلى مجهول فكل الصحابة يعرفون أنه أحد، فماذا كان يتوقع الإنسان أن يقول النبي ﷺ بعد قوله: (هذا أحد)؟
الجواب
يتذكر الأسى، لكنه قال: (جبل يحبنا ونحبه)، وذلك لأمور: أولها: تأسيس العقيدة أو تركيز العقيدة، والمعنى: أن الأماكن لا تقدم ولا تؤخر، ولا تنفع ولا تضر، فإن أصابكم الأسى والحزن تحت سفح أحد لكن ذلك لا يعني التطير منه أو التشاؤم به، أو ما إلى ذلك.
بل هذا الجبل الذي قتلتم عنده يحبنا ونحبه.
فائدة أخرى: وهو أنه ينقلب الحال بعد ذلك، فإذا كان يحبنا ونحبه فإننا نتذكر عنده شهداءنا ﵃ وأرضاهم، وهذه دلالة عظيمة على كرامة الشهيد عند الرب ﵎.
стр. 106
تاريخ جبل طي
المقدم: ومن الجبال التي لا يمكن أن تخفى في مثل هذه الحلقة جبل طي فنتحدث عن قصته؟ الشيخ: جبل طي -أجا سلمى- يقعان في حائل، وهناك نشأ حاتم الذي تضرب به العرب المثل في الجود، والحق أن السر ليس في حاتم نفسه، بل في المنطقة كلها، فما زال أهل حائل -أدام الله فضلهم- في كرم وجود.
وورد في حديث عروة بن مضرس قال: (يا رسول الله! أتيتك من جبلي طي، فأجهدت نفسي وأكللت راحلتي، ما تركت جبلاً -يعني: من عرفات وغيره- إلا وقفت عليه)، ولما مات حاتم جاء ابنه عدي، وفي تلك المنطقة التاريخية وقعت أحداث عظام جليلة من أشهرها ما كان حاتم يصنعه: أماوي إن المال غاد ورائح ويبقى من المال الأحاديث والذكر أماوي إني لا أقول لسائل إذا جاء يوماً الحل في مالنا نزر إلى غير ذلك مما يبين الكرم الحاتمي الذي كان موجوداً عند جبلي طي، أي: جبلي حائل.
стр. 107
جبل عير
المقدم: ننتقل أيضاً إلى ما يتعلق بجبل عير، فنريد أن تتكلموا عليه؟ الشيخ: جبل عير في مدينة النبي ﷺ من جهة الجنوب، وهو حد الحرم الجنوبي.
وقيل: إنه سمي عيراً -وأنا أعرفه جيداً- لأن قمته مستوية، فشبه بظهر الحمار.
وقد ورد في الحديث: (المدينة حرم من عير إلى ثور) ووقع الخلاف في أين يقع ثور على ثلاثة أقوال، وليس هذا موضع تفصيله، لكن وردت أحاديث تذكر أنه جبل من جبال النار؛ لكن لم يثبت عندي في صحتها شيء.
стр. 108
جبل الطور
المقدم: ننتقل إلى جبل الطور قصته مع موسى ﵇.
الشيخ: جبل الطور بعض العلماء مثل صاحب التحرير والتنوير رحمة الله عليه يقول إنه اسم بالسريانية، وأظنه بعيداً.
والذي أفقهه أنا من العربية -والعلم عند الله- أن الطور يطلق على الجبل الذي فيه شجر، فكل جبل نبت فيه شجر فهو طور، لكن ينبغي تحرير المسألة.
الله جل وعلا كلم موسى مرتين: مرة عند قدومه من أرض مدين، ومرة عندما ترك قومه في أرض التيه وذهب لميعاد ربه.
ويوجد شبه جزيرة سيناء: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون:٢٠]، ويوجد واد، ويوجد جبل، فالجزيرة اسمها سيناء، والوادي اسمه طوى، والجبل اسمه الطور، فالله جل وعلا كلم موسى عند الجانب الأيمن من جبل الطور الذي في وادي طوى المبارك، الوادي الذي في شبه جزيرة سيناء.
وهذا جمع بين الآيات، كما نقول: إن مثلاً النبي ﷺ صلى ركعتين عند مسجد الشجرة، أي: في قضية الميقات في ذي الحليفة.
فنقول: إن النبي ﷺ صلى عند الشجرة في الوادي المبارك الذي هو وادي العقيق في المدينة المنورة.
стр. 109
جبل رضوى
المقدم: نختم الكلام عن الجبال بما يتعلق بجبل رضوى.
الشيخ: جبل رضوى يقع الآن تقريباً في ينبع النخل في الجهة الغربية الساحلية من بلادنا، وأنت ذاهب إلى العيص، وأنا كنت مرة مع أحد الفضلاء ممن تخصصوا في العربية وهو الأستاذ عواد السناني فكنا ماضين وأنا لم أر رضوى من قبل، وكنت ذاهباً إلى محافظة العيص المباركة، فلما مررنا قال: انظر، فنظرت، فتذكرت بيت حسان: شماريخ رضوى عزة وتكرما فكان إسناد المجد إلى شماريخ رضوى الذي صنعه حسان أمراً يصور الواقع تماماً، (وما راء كمن سمعا) فلو رأيت علمت يقيناً ما قاله حسان.
وعلى العموم فإن العرب تجعل الجبل مثالاً للعلو، وللمجد، وللكبرياء، وللأنفة، ولمعالي الأمور، يقول الفرزدق في هجائه لـ جرير: فادفع بكفك إن أردت بناءنا ثهلان ذا الهضبات هل يتحلحل يحيله إلى جبل مشهور عندهم، فبين أن مجد بني تميم الذين منهم الفرزدق -وكلهم من تميم لكن يختلفون في البيوت- لا يمكن أن يقارن ببيتك، وإنك عندما تريد أن تهدم بنياننا بقصائدك كمن يريد أن يزحزح ذلك الجبل العظيم ثهلان من مكانه.
стр. 110
السؤال عن الروح
следующие страницы →