Полный текст (68 стр.). Показаны 36–68 · переход к 41.
стр. 36
أنبياء الله نجوم تتلألأ في ظلمات الليل
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه حلقة جديدة مباركة من برنامجكم: معالم بيانية في آيات قرآنية، ونحن بصدد الحديث عن قول الله جل وعلا في سورة الأنعام: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٨٣ - ٨٦].
والذي نريد أن نميط اللثام عنه هنا: هو علام يعود الضمير في قوله سبحانه: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ) هل يعود على نوح ﵇ أم يعود على خليل الله إبراهيم ﵇؟ نقول بداية: الأنبياء شامة في جبين الأيام، وتاج في مفرق الأعوام، الله جل وعلا يقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، والأنبياء المذكورون في القرآن خمسة وعشرون نبياً، ذكر الله منهم في الآيات التي تلوناها ثمانية عشر وسبعة جاءوا متفرقين، قال الناظم: في تلك حجتنا منهم ثمانية من بعد عشر ويبقى سبعة وهم إدريس هود شعيب صالح وكذا ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
هذه الآيات أثنى الله جل وعلا فيها على خليل الله إبراهيم، والمناسبة بأن الله قال في أولها: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ) العلماء ﵏ ذهبوا إلى قولين في عود هاء الضمير في قوله سبحانه: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ): فقال قائلون: بأن الضمير يعود على نوح، وقال آخرون: إن الضمير يعود على إبراهيم ﵊، فما حجة كل فريق؟ إذا قلنا: إنه يعود على نوح يؤيده أمران: الأمر الأول: قواعد اللغة تقول: إن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، والأقرب مذكوراً هنا هو نوح ﵊.
الأمر الثاني: أن المؤرخين متفقون على أن لوطاً ليس من ذرية إبراهيم فهو ابن أخيه هاران، فـ هاران أخو إبراهيم من حيث النسب، فإذاً: لوط ليس من ذرية إبراهيم لأنه ابن أخيه.
أما من قال: إن الضمير يعود على إبراهيم ﵊ فقد قالوا: إن الآيات أصلاً في مقام الثناء على خليل الله إبراهيم، وهذا واضح، وأجابوا عن قول الله جل وعلا: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام:٨٤] بأنها جملة اعتراضية، وأجابوا عن كون إبراهيم ﵊ عماً للوط وليس أباً له، لأن الله سمى في القرآن العم أباً في سورة البقرة، قال الله جل وعلا: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة:١٣٣]، فالقائلون بهذا القول: هم أولاد يعقوب، ويعقوب أبوه إسحاق، وليس إسماعيل، وإنما إسماعيل أخ لإسحاق، فعلى هذا قالوا: إن الله جل وعلا سمى العم والداً، فأجابوا عن الإشكال الحاصل من كون لوط ليس من ذرية إبراهيم؛ لأن الله سمى العم: والداً.
وعلى هذا يتبين: أن من العلماء من قال: إن الضمير يعود على نوح، ومنهم من قال: إنه يعود على إبراهيم.
وأياً كان الأمر فإن في هذه الآيات ثناء عاطراً من الله جل وعلا على هؤلاء الصفوة المباركة من رسله الكرام، صلوات الله وسلامه عليهم.
واعلم -أيها الأخ المبارك- أن العلماء يسمون نوحاً: شيخ الأنبياء، لأنه أطولهم عمراً، ويسمون إبراهيم: أبا الأنبياء؛ لأن الله جل وعلا حصر النبوة والكتاب بعده في ذريته، قال الله جل وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:٢٧]، وظاهر السنة يدل: على أن إبراهيم ﵇ أفضل من نوح؛ لأن النبي ﵊ قال في دعوات ادخرها: (وادخرت الثالثة ليوم يرغب إلي فيه الخلق حتى إبراهيم)، فقوله ﵊: (حتى إبراهيم) يدل على أن إبراهيم ﵇ أفضل الخلق بعد نبينا صلوات الله وسلامه عليه، ولا يعني ذلك: الغضاضة من مكانة نوح ﵇، فإنه أول رسل الله إلى الأرض، وقد سماه الله جل وعلا ونعته بأنه كان عبداً شكوراً.
هؤلاء الصفوة المباركة متفق على نبوتهم، وإذا استطردنا في الحديث فإننا نقول: إن ثمة رجال صالحون ذكرهم الله جل وعلا في كتابه واختلف في نبوتهم منهم: ذو القرنين، والخضر، ولقمان، وتبع، وآخرون، أما مريم ﵍، فإنه متفق على أنها ليست بنبية؛ لأن النبوة لا تكون في الإناث، قال الناظم: وما كانت نبياً قط أنثى ولا عبداً قبيحاً في الفعال ومن هنا نفهم: أن الله جل وعلا أعطى أولئك الأخيار منازل عالية، ودرجات رفيعة، يحسن بنا التأسي بهم؛ ولهذا ختم الله هذا السياق العظيم في سورة الأنعام بقوله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨]، ثم قال جل وعلا بعدها بآية: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٩٠].
جعلني وإياكم ممن يقتفي هدي الأنبياء، ويسير على نهجهم، ويتقرب إلى الله جل وعلا بصالح الأعمال التي تقربوا بها، وختم الله بهم نبينا ﷺ ، فهو آخرهم عصراً، وأرفعهم وأجلهم يوم القيامة شأناً وذكراً.
هذا ما تيسر إيراده، وأعان الله جل وعلا على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 37
سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [١٤]
قصة أصحاب الكهف من القصص التي ورد ذكرها في القرآن العظيم، وفيها من الفوائد العظيمة، والأخبار الشائقة ما الله به عليهم، فهم فتية آمنوا بربهم حق الإيمان فزادهم إيماناً، وأعلى ذكرهم، وجعلهم قرآناً يتلى إلى يومنا هذا.
стр. 38
لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه حلقة جديدة مباركة من برنامجكم: (معالم بيانية في آيات قرآنية).
والآية التي نحن بشأن الحديث عنها في هذا اللقاء المبارك: هي قول الله جل وعلا عن أهل الكهف: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف:١٨].
والجزء الذي سنتحدث عنه في هذه الآية هو: قوله جل شأنه: (لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً)، فأسند الله جل وعلا التقليب هنا إلى ذاته العلية، قال العلماء: فيه فائدتان: الأولى: تشريف لهم.
الثانية: بيان لطف الله جل وعلا بهم.
وأهل الكهف هم فتية ضاعوا في أول الدهر، هكذا سألت قريش النبي ﷺ عنهم، والأصل أنهم فتية آمنوا بربهم، وأظهروا التوحيد ضد من كان يحكمهم آنذاك، فاجتمع أمرهم على أن يلجئوا إلى ربهم ﵎، فآواهم العلي الخبير إلى كهف، وفي طريقهم أخذوا كلباً معهم سواء قلنا: إنه كلب راع أو كلب غيره، المهم أنه استقر بهم الأمر في كهف فضرب الله جل وعلا على آذانهم، ولم يضرب الله جل وعلا على أعينهم؛ لأن الضرب على الآذان يعطي فرصة أكبر، ومدة أطول في كونهم نائمين، قال الله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ [الكهف:١١]، وأنت ترى النائم اليوم، إذا أردت أن توقظه إنما تحدث صوتاً عند أذنه، هذه أنجح الطرق في إيقاظ النائمين، لكن أن تمر بجواره هذا لا يدفعه للاستيقاظ من نومه؛ لأنه مغمض العينين، فنقول: هؤلاء المباركون أهل الكهف -فيما يظهر- ناموا وأعينهم مفتوحة، وهذا معنى قول الله جل وعلا: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف:١٨]، وهذا لا يتأتى إلا إذا نظر الإنسان إلى أعينهم؛ لأن إغلاق العين أو فتحها هو الفارق بين من ينام ومن لا ينام، وبهذا العرب تزعم في كلامها أو في أخبارها وأشعارها وقصصها: أن الذئب ينام بإحدى عينيه، ويبقي الأخرى مفتوحة، فيقولون فيه: ينام بإحدى مقلتيه ويتقي بأخرى المنايا فهو يقظان نائم الذي يعنينا هنا: أن الرب جل وعلا أراد لهؤلاء الفتية أن يكونوا آية فحفظهم جل وعلا أيما حفظ، فضرب على آذانهم فمكثوا في الكهف سنين عدداً، وانظر إلى عظيم لطف الرب ﵎، فأعداؤهم وخصومهم خارج الكهف يبحثون عنهم، وربما أنفقوا الأموال في الوصول إليهم، وهم لا يحملون أي هم يذكر، بل هم نائمون في راحة تامة متواصلة، ضرب الله على آذانهم لا يعلمون شيئاً مما يقع خارج الكهف، ولا ما يقع داخل الكهف لطفاً من الله جل وعلا بهم، وهنا تعلم أن من أراد الله جل وعلا حفظه ورعايته فلا سبيل لأحد أن يؤذيه، كما حفظ الله أنبيائه وسائر الصالحين غيرهم.
قال الله جل وعلا: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف:١٨]، فهم البعض بادي الرأي: أن هذا يدل على طول أظفارهم وأشعارهم، وأن ظهورهم قد احدودبت مع طول السنين ومرور الأيام، وأن الشيب قد خطهم، إلى غير ذلك، قالوا: هذا السبب في قول الله جل وعلا: (لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا) ونحن نذهب -والعلم عند الله- إلى أن هذا بعيد؛ لأن هذا المعنى لو قلنا به لا يستقيم مع الآية التي بعدها؛ لأن الآية التي بعدها يقول الله جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:١٩].
(وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ) أي: أيقظناهم من رقودهم.
(قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ) أي: من هؤلاء الفتية.
(كَمْ لَبِثْتُمْ) هم قطعاً ظنوا أنهم لبثوا، لكنهم كانوا يتساءلون.
(قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ) الآن فلننخ المطايا: هل يعقل من فتية يصفهم الله جل وعلا بأنهم زادهم هدى، ينظر بعضهم إلى بعض وقد طالت أشعارهم على هذا القول، وطالت أظفارهم، واحدودبت ظهورهم، وخطهم الشيب، ونالهم ما نالهم من تغير السنين ومرور الأيام، ثم يقول بعضهم لبعض: (لبثنا يوماً أو بعض يوم) هذا محال، لكنهم لم يجدوا في أنفسهم تغيراً، وجدوا أنفسهم كالحال التي ناموا عليها، ولهذا كان بديهياً أن يقولوا: (لبثنا يوماً أو بعض يوم) وفي هذا: إذهاب وتفنيد لذلك التوهم الذي قد يأتي للنفس من قول الله جل وعلا: (لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا)، وهذه يمكن أن نجيب عنها: بأن ذلك الفرار وذلك الرعب إنما يقع لما ألقاه الله عليهم من الهيبة، ولأن أعينهم كانت مفتوحة عندما ينظر إليهم الرائي وذلك حال نومهم، وهذا من لطف الرب ﵎ بهم، وقد بينا أن الرب جل وعلا أسند التقليب إلى ذاته العلية تشريفاً لهم وبياناً للطفه ﵎ بهم.
من هذه القصة على وجه الإجمال -وأنا سردتها باختصار؛ لأنني معني بآية واحدة- يتبين لنا: أن الله جل وعلا خير حافظ، وأنه الرب الذي لا رب غيره، ولا إله سواه، وأن من استعصم بالله آواه، ومن لجأ إلى الله جل وعلا كفاه، ومن استغنى بالله جل وعلا أغناه، فالله جل وعلا لم يقص علينا خبر أصحاب الكهف حتى نحدث به الغير كالأقاصيص والأحاديث والأغاليط معاذ الله، فهذا كلام رب العزة، ويجب أن ينزل على أفضل تنزيل وأعظمه، فالله جل وعلا ذكر لنا خبرهم ليقيم الحجة على من سأل نبينا ﷺ ، فيكون في جوابه ﵊ إشعار بأنه يتلقى الوحي والغيب من الرب ﵎، وفي نفس الوقت نتعظ بخبر أولئك القوم، ونعلم أن الرب ﵎ أراد بهم خيراً، وحفظهم فلم تصل إليهم يد الأعداء، ولا مكر الماكرين، وهذا لا يقع إلا إذا كان بحفظ رب العالمين ﷻ .
جعلني الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وجعلني الله وإياكم ممن يتعظ بهذا القرآن العظيم، هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله، وصلى الله على محمد وآله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 39
سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [١٦]
لابد أن يعلم طالب العلم ومبتغيه: أن الله لا يقدم شيئاً في القرآن حقه التأخير إلا لغاية عظمى، وأهمية كبرى، ومن ذلك تقديمه الوصية على الدين في آية المواريث، وذلك لأن الوصية يقل الباحثون عنها، والمبتغون لها، فقدمها للأهمية لكي لا يغفل جانبها، ومن ذلك تقديمه للنبي ﷺ في مقام التفضيل، وتأخيره في مقام الرسالة والنبوة باعتبار الترتيب وغيرها.
стр. 40
تقديم ما حقه التأخير في القرآن الكريم وبيان الحكمة من ذلك
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن الله وحده لا شريك له، شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه حلقة جديدة مباركة بإذن الله من برنامجكم: (معالم بيانية في آيات قرآنية).
وما سنشرع في إيضاحه اليوم يتعلق بتقديم ما حقه التأخير في كلام ربنا جل وعلا، ولماذا قدم الله ﵎ بعض ما حقه التأخير؟ هذا ما سنشرع فيه، والآيات التي نحن بصدد ذكرها عديدة.
سنبدأ بذكر قول الله جل وعلا: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١].
نقف عند قول الله جل وعلا: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) وهذا اللفظ ورد في ثلاثة مواضع في آيات المواريث، ورد هاهنا، وورد في قوله ﵎: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢].
وورد في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢].
وورد في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢] ومن المتفق عليه عند الفقهاء رحمهم الله تعالى: أن الدين مقدم على الوصية، والسؤال هنا: لماذا قدم الله جل وعلا الوصية في هذه الآيات وهي آيات المواريث؟! والجواب عن هذا: قال العلماء ﵏ في أمثل الأجوبة: إن الوصية قد لا يوجد من يبحث عنها، ولا يدري أن هناك وصية، بخلاف الدَّين، والمعنى: لو أن رجلاً ترك ديناً عليه وترك وصية مكتوبة، فربما أكثر من يرثه لا يدري أن هناك وصية فلا يطالب بها، أما الدَّين فمهما كانت رقة أولئك أصحاب الدين على الذي توفي -كثرتهم أو قلتهم- تبقي فيهم أحياناً من يعلم أن هناك ديناً له على المتوفى، فيأتي فيطالب به.
إذاً: جماع الأمر أن نقول: إن الدَّين غالباً ما يكون وراءه مطالب، بخلاف الوصية فقد لا يدرى عنها فلا يكون وراءها مطالب، وعلى هذا قدم الله جل وعلا الوصية على الدَّين؛ لأن الدَّين قد يوجد من يكفي الغير أمره، بخلاف الوصية فربما لا يوجد من يعلم عنها شيئاً، فلا يطالب بها، وإلا من حيث إمرار التركة، والتصرف في أموال المتوفى، يقدم النظر في الدَّين على النظر في الوصية لإجماع الفقهاء.
نظير هذا المعنى في كلام ربنا جل وعلا وهو تقديم ما حقه التأخير: نذكر الآن آيتين في سورتي الأحزاب والشورى، ذكر الله جل وعلا فيهن رسله العظام أولي العزم من الرسل، قال الله تعالى وهو أصدق القائلين في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب:٧].
نلحظ هنا: أن الله جل وعلا ذكر النبيين إجمالاً، ثم لما فصل قدم نبينا ﷺ على نوح والأنبياء الذين بعده، بخلاف ما ورد في سورة الشورى، فإن الرب جل وعلا يقول: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى:١٣].
السؤال المطروح هنا: لماذا قدم الله ذكر نبينا ﷺ في الأحزاب، وأخر ذكره بعد نوح في الشورى؟
الجواب
في الأحزاب كان الله جل وعلا يتكلم عن الأنبياء، ولهذا قال: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ) فلما كان الكلام عن الأنبياء قدم الله نبينا ﷺ وإن كان آخرهم عصراً، إلا أنه كان ﷺ أفضلهم وأرفعهم ذكراً فقدمه، أما في سورة الشورى فلم يكن الحديث كما كان في الأحزاب عن الأنبياء من حيث كونهم أنبياء، ولكنه كان كلاماً عن الدين، ولا ريب أن نوحاً ﵊: أول رسل الله إلى الأرض، فلهذا قدمه الله جل وعلا؛ لأن الكلام هنا عن الدين لا عن الأنبياء الذين يحملون الدين، قال الله جل وعلا: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]، فانظر إلى عظمة القرآن إلى أنه لا يقدم شيئاً أو يؤخر إلا لحكمة ظاهرة بينة يطلع الله جل وعلا عليها بعض خلقه من أصفياء عباده من ركب العلماء، وتغيب عن البعض، وأياً كان الأمر فإن شواهد عظمة القرآن قائمة، علمنا منها ما علمنا، وجهلنا منها ما جهلنا.
ومن نظائر هذا في كلام ربنا ﵎: قول الله جل وعلا في آية امتنان عظيمة على عباده، قال: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل:٥ - ٦] هذه الآية في سياق الامتنان، والناظر إلى أنعامه وهي تغدو إلى المراح وإلى رعيها، ليس كنظره إليها وهي في حال أوبتها وعودتها، فإنها إذا عادت تعود عظاماً ضروعها طوالاً أسنمتها، فمنظرها في العين أجل وأمتع وهي عائدة وإن كان منظرها يبقى حسناً وهي ذاهبة إلى المرعى، لكن لما كانت الأنعام في حال أوبتها تملأ العين أكثر، والآية مسوقة في سياق الامتنان، قدم الله جل وعلا ما حقه التأخير زمناً على الذكر؛ حتى يكون الوضع متناسباً مع كون الإنسان يراعي منظر ما يشاهده ويراه من نعم الرب ﵎ عليه، فالأنعام أملأ في العين حال أوبتها من حال ذهابها إلى المرعى، ولذلك قدم الله جل وعلا ما حقه التأخير زمناً.
في خضم هذا النظر في هذه الآيات التي ذكرناها في النحل وفي الشورى وفي الأحزاب وفي النساء، تتبين لنا عظمة القرآن، وأنه منزل من عند الله ﵎، وهذه بعض الشواهد على ما في القرآن من عظيم المكانة، وجليل البلاغة، وروعة البيان التي أسرت العرب قبل ذلك، فكانت سبباً في إسلام كثير ممن من الله عليهم بالهداية، ممن لحقوا بركب رسول الله ﷺ .
جعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.
هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان العلي الكبير على قوله، وصلى الله على محمد، والحمد لله رب العالمين.
стр. 41
سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [١٧]
لقد حرم الله ﵎ الخمر تحريماً نهائياً بعد أن تدرج مع المؤمنين في تحريمه أكثر من أربعة مراحل، وذلك ليبتليهم، وليعلم الصادق في إيمانه من الكاذب، ولكي يوطن في أنفسهم كراهيتهم للخمر أم الخبائث.
стр. 42
سنة التدرج الرباني في تحريم الخمر على المؤمنين
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله الله وحده لا شريك له، أراد ما العباد فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، آخر الأنبياء في الدنيا عصراً، وأرفعهم وأجلهم يوم القيامة شأناً وذكراً.
أما بعد: فهذه حلقة جديدة مباركة من برنامجكم: معالم بيانية في آيات قرآنية.
نسأل الله جل وعلا فيها التوفيق والسداد.
والآية التي نحن بصدد الحديث عنها في هذا اللقاء المبارك: هي قول الله جل وعلا في سورة النحل: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل:٦٧].
أيها الأحبة! ندرك جميعاً أن الخمر حرمها الله وحرمها رسوله ﷺ ، وهي مما اتفقت كلمة أهل الإسلام على تحريمه، لكننا نلحظ في هذه الآية المباركة التي تلوناها لتونا أن الله جل وعلا ذكر قسمين: الرزق والسكر، فذكر السكر أولاً دون أن ينعته أو يصفه بأي شيء آخر.
ثم ذكر ﵎ الرزق وأردف قائلا: ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل:٦٧]، فكلمة (حسناً) كما هو معلوم صفة لرزق، فوصف الله جل وعلا الرزق بأنه حسن، وهو ذلك الرزق المتخذ من ثمرات النخيل والأعناب، لكن السكوت عن وصف كلمة سكر بأنها حسن كان الإشارة الأولى كما يقول الفقهاء إلى بداية تناول الخمر بالتشريع، وهذا كله من دلالة ما صنعته بلاغة القرآن في نفوس الناس، ذلك أن الرب ﵎ تدرج عباده كثيراً في قضية تحريم الخمر، ومر تحريمها بأمور عدة أو بدرجات متعددة فكانت هذه الآية -كما يقول الشيخ عطية محمد سالم ﵀ المؤشر الأول في موضوع الخمر والإشارة الأولى إلى بداية تناولها بالتشريع، ولذلك انتبه بعض الأشخاص إليها فتركها لتجرد السكر من الوصف الذي وصف به الرزق بكونه حسناً، وكان مؤثراً فيه ومثيراً للسؤال عنها.
ثم جاءت الآية الثانية وهي قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩] قال الشيخ عطية ﵀: ولعل النص الأول هو الذي جعلهم ينتبهون ويفكرون ثم يسألون فيأتيهم الجواب المفصل، قال الله جل وعلا في المرحلة الثالثة مخاطباً المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣]، فكانت أدخل في الموضوع بالتصريح بنهيهم عن اقتراب الصلاة وهم سكارى -أي: تحريمها عليهم- لأن السكر من لوازم الشرب، وإذا حرم اللازم حرم الملزوم ولكن لزمن مؤقت، حتى نزل قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١].
من هنا يتبين بوضوح: منهج التدرج والتصعيد لتناول الموضوع، أما التدرج فهو بداية أخذهم بما يلفت النظر فقط، وهو أن الله جل وعلا جعل الأمر قسيمين كما بينا، فجعله سكراً وجعله رزقاً، فنعت رزقاً بكلمة (حسناً) ولم يعقب جل وعلا على كلمة سكر بأي نوع من الصفات، وهذا مما أدرجناه في بيان لفت النظر.
من حيث الاستحسان والتقبيح في النص الأول في وصفه الرزق من الثمرات الباقية على أصل خلقتها بأنه حسن، والسكوت عن قسيمه الذي هو السكر والذي هو من ضمن اتخاذهم بأيديهم، وبالتالي فإن مفهوم المخالفة للحكم هو القبيح بلا شك.
قال بعض العلماء: وهم -أي: العرب- أهل ذوق بلاغي وفطنة وسليقة، وهذا الذي حداهم للتساؤل عن الخمر والميسر، فالنص الأول كان بمثابة المؤشر لبداية تناول هذا الموضوع، فأسلمهم وقادهم تفكيرهم إلى تقديم السؤال طواعية من أنفسهم فجاء قول الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة:٢١٩]، إذ قد أصبحت الخمر والميسر موضوع تساؤل أخذت شكلاً موضوعياً يتطلب جواب الشرع ورأيه فيه، فجاء الجواب نافذاً إلى صميمه: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢١٩]، وهذا لا يحتاج إلى إعمال فكر لاستنكاف مدلول مفهوم المخالفة السابق، بل يدركه كل من سمعه ويفهمه بداهة.
الذي يعنينا هنا: أن القضية ليست كنحو فقهي، وإنما القضية ذلك النهج البلاغي الذي رسمه الله جل وعلا للتدرج في تحريم الخمر، وذكره ﵎ ووصفه للرزق بأنه حسن وسكوته عن القسيم الآخر وهو السكر؛ لأنه جل وعلا كما بينا لم يصفه بأي وصف.
إن القرآن في بلاغته هذه ليسمو بالنفوس ويمهد لها الأحكام الشرعية ويعينها على تقبل كلام الرب ﵎، ويرسم منهجاً واضحاً مقتبساً من لغة العرب نفسها التي تعتمد كل الاعتماد على البلاغة، ذلك أن العرب يؤثر فيها البيان، ويجعلها تقبل الأمر أكثر مما تقبله لو كان خالياً ومجرداً من ذلك البيان.
هذا ما أردنا التنبيه عليه، وليس المقصود: التنبيه على مسائل فقهية وأحكام تشريعية، فليس هذا من موضوع الحلقة ولا تنشده أبداً، فهذا له مجاله وفرسانه، لكنا نتكلم عن ذلك البيان الوافي في وصف لغة القرآن، جعلنا الله وإياكم ممن يتعظ به، ويسمع القول ويتبع أحسنه.
هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان العلي الكبير على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله.
والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 43
سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [١٨]
قضية الإفك من القضايا التي أرقت أعين النبي ﷺ ، كيف لا وهي تخص أحب نسائه إليه، الصديقة بنت الصديق عائشة أم المؤمنين ﵂، وقد برأها الله تعالى باثني عشرة آية من سورة النور، وفيها علم الله المؤمنين أن يقولوا بدون تردد أو تفكير: سبحانك هذا بهتان عظيم.
стр. 44
سبحانك هذا بهتان عظيم
إن الحمد، لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه حلقة جديدة مباركة بإذن الله من برنامجكم: معالم بيانية في آيات قرآنية، والآية التي نحن بشأن الحديث عنها في هذا اللقاء المبارك: هي قول الرب ﵎: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦].
بداية: هذه الآية جاءت في معرض عتاب الرب ﵎ لأصحاب محمد ﷺ أو قل لبعضهم ممن خاضوا في حديث الإفك.
وحديث الإفك الذي هو مقرر في السيرة وفي غيرها، الإفك في اللغة: هو القلب، ولأن هذا الحدث فيه قلب للحقائق فقد سماه الله جل وعلا: إفكاً، قال ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١]، وذلك أن بعضاً ممن يدعي الإيمان في أصله كـ عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين رمى الصديقة بنت الصديق الطاهرة المطهرة زوجة نبينا ﷺ في الدنيا والآخرة بـ صفوان بن المعطل، ثم إنه قدر لذلك الرجل لأمر أراده الله أن ينشر ذلك الحديث في المجتمع النبوي آنذاك رغم أن الذين خاضوا فيه عدد ونزر يسير جداً، لكن الرب ﵎ بعد شهر من انقطاع الوحي حسم الأمر بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١].
وليست القضية هنا في معرض حديثنا: هي التعريج على ذكر ذلك الخبر تاريخياً، لكننا نقف بيانياً أمام قول الله جل وعلا: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦]، لماذا أمر الله جل وعلا عباده أن يقولوا: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦]؟ بداية نقول: أصل (سبحانك) للتعجب من عظيم الأمر، ومعنى التعجب في كلمة التسبيح: أن الأصل أن يسبح الله عند رؤية العجب من صنائعه، ثم قد تستعمل في كل متعجب منه، أو لتنزيه الله من أن تكون زوجة نبيه فاجرة، وإنما جاز أن تكون امرأة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط ولم يجز أن تكون فاجرة؛ لأن النبي ﷺ مبعوث إلى الكفار ليدعوهم فيجب ألا يكون معه ما ينفرهم عنه، والكفر غير منفر عندهم، وأما الفحشاء فمن أعظم المنفرات.
والذي أراد الله جل وعلا قوله كما قال المفسرون: هلا حين سمعتموه ممن بدأ به وانتحله أو ممن تابعه في القول قلتم تكذيباً له وتهويلاً لشأن ما ارتكبه من الجرم: لا يحل لنا أن نتكلم بهذا، ولا ينبغي لنا أن نتفوه به، سبحان ربي هذا كذب صراح! سبحانك ربنا هذا كذب صراح! يحير السامعين أمره لما فيه من جرأة على بيت كريم شهير بالعفاف والطهر، ولما فيه من مس عرض ذلك البيت المقدس، بيت النبوة الذي هو بالعليا من الإجلال والاحترام وعظيم المكانة، وإذا جاز الخوض فيه على هذه الشاكلة فماذا يبقى للمؤمنين بعد إذاً؟! أفليس هؤلاء هم الأسوة الحسنة وينبوع الطهر، ومنهم يقتبس المؤمنون فضائل الدين وشريف الأخلاق؟ وإنا لنبرأ إليك ربنا من أن تلوكه ألسنتنا، وأن يحمل الهواء تلك النبرات الصوتية لتصل إلى أسماعنا، كما نبرأ إليك ربنا من كل أفاك أثيم سولت له نفسه أن يكون الوسيلة في انتشار هذا القول الكاذب بين المؤمنين.
قال بعض أهل العلم: خلاصة هذا: أنه ننزه ربنا من أن ترضى بظلم هؤلاء، وألا تعاقبهم على عظيم ما ارتكبوا وكبير ما اجترحوا من الإثم والفسوق، وأن توسم زوج نبيه بالفجور، والعقل والدين يمنعان الخوض في مثل هذا؛ لأن فيه إيذاء للنبي ﷺ ، والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [الأحزاب:٥٧]، ولأن فيه إشاعة الفاحشة التي أمر الله بسترها؛ ولأن في إظهار محاسن الناس وترك معايبهم تخلق بأخلاق الله ونحو ذلك.
المقصود من هذا -أيها المباركون- هو: أن نبين أن القرآن باستخدامه للفظ: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦] فيه ارتقاء بدرجة النبي ﷺ إلى منزلة عالية من الكمال البشري، وهو كذلك صلوات الله وسلامه عليه.
وحديث الإفك -كما هو معلوم- خاض فيه عبد الله بن أبي بن سلول، وكان قد أعطي قدرة كبيرة على المدارة، فكان يشيع في الناس دون أن ينسب ذلك إليه، ولذلك سلم من الجلد -أي: من عقوبة القاذفين- وممن ابتلي بذلك الأمر صفوان بن المعطل ﵁ الذي رميت به زوجته، ويقال: إن إحدى أمهات المؤمنين سألت عائشة ﵂ وأرضاها: ماذا قلت عندما هممت بركوب دابة صفوان بن المعطل ﵁؟ ومعلوم أن صفوان أناخ بعيره لأم المؤمنين ﵂ وأرضاها، ولم يزد أن استرجع وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فلما حملها سئلت بعد ذلك بعد أن وضعت الأمور نصابها، وجاء الحق من رب العالمين، وفصل الحق ﵎ في القضية، وبرأ عائشة وصفوان، سئلت أم المؤمنين ماذا قالت؟ فقالت: قلت: حسبنا الله ونعم الوكيل.
فانظر يا أخي! إلى عظيم أثر هذه الكلمة؛ فإن الله جل وعلا حفظ زوجة نبيه بقدره، ومما حفظه الله جل وعلا بها أن ألهمها أن تقول حسبنا الله ونعم الوكيل وهي تركب الدابة، كما ألهم الله جل وعلا صفوان أن يقول عندما رأى أم المؤمنين ﵂ وأرضاها وعلم أنه قد ابتلي بها لكونهما في الخلاء لوحدهما قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فأنزل الله جل وعلا في حقهما رضي الله تعالى عنهما كتاباً يتلى إلى يوم القيامة يظهر الله جل وعلا فيه براءتهما، قال الرب ﵎: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور:٢٦] جعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.
وهدانا الله وإياكم لهدي الأنبياء وسننهم.
هذا ما تيسر إيراده، وأعان العلي الكبير على قوله.
وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 45
سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [١٩]
في بعض الأحايين يأتي القرآن بتصوير مختلف لقضية واحدة، فيظن الغر الناشئ أن في هذه القضية نوعاً من التعارض، وذلك لقصر فهمه، وضيق أفقه، وقلة نظمه، وما درى أن هذا الاختلاف نوع من الإعجاز البلاغي، والبداعة الأدبية في كتاب الله ﵎، ومن هذا الإعجاز: تصوير الله لمشهد البعث للناس بصورتين مختلفتين: فتارة ينعتهم بالجراد، وتارة بالفراش ولهذا حكمة يعلمها جل في علاه.
стр. 46
اختلاف التصوير القرآني لبعث الناس ما بين الجراد المنتشر والفراش المبثوث والسر في ذلك
الحمد لله الذي خلق خلقه أطواراً، وصرفهم كيفما شاء عزة واقتداراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه مهاجرين وأنصاراً.
أما بعد: فهذه حلقة مباركة من برنامجكم: معالم بيانية في آيات قرآنية.
وسنعرج في هذا اللقاء المبارك على آيتين من كلام ربنا ﵎: الأولى في سورة القمر، والثانية في سورة القارعة.
أما التي في سورة القمر: فهي قول الله جل وعلا يذكر بعث الناس: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ﴾ [القمر:٧]، والآية الثانية في سورة القارعة: هي قول الله ﵎: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة:٤].
ومعلوم قطعاً: أن يوم القيامة يوم مهول يفزع فيه الخلائق، ويخرجون من قبورهم، قال الله جل وعلا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥١ - ٥٢].
هاتان الآيتان تصوران خروج الناس من القبور وذهابهم إلى أرض المحشر، والسؤال هنا: كيف يخرجون؟ قال الله جل وعلا في القارعة: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة:٤]، وعاد وقال ﵎ في سورة القمر: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ﴾ [القمر:٧].
ومعلوم: أن حركة الفراش غير حركة الجراد، فحركة الفراش يسومها الاضطراب، وعدم التوافق، وعدم الانتظام، بخلاف حركة الجراد فإنها تصبغ بالانتظام والانضباط مع الكثرة، فالكثرة موجودة في الطرفين في الفراش والجراد، لكن الاضطراب سمة للفراش، والانتظام سمة لحركة الجراد.
ومعلوم: أن المبعوثين أنفسهم لا يتغيرون في حال وصفهم بالفراش، وهم أنفسهم في حال وصفهم بالجراد، فهل يوجد بين الآيتين تعارض؟ التخريج أن يقال: إن الناس أول ما يخرجون من قبورهم يخرجون مضطربين، قال الله جل وعلا: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف:٩٩].
فالبعث يكون بالنسبة للناس أول مرة وآخر مرة، فالناس لم يعرفوا البعث من قبل، ولم يعرفوا النشور من قبل، فلا يدرون أين يذهبون؛ ولذلك تضطرب حركتهم ولا تنتظم، ففي هذه الأثناء صورهم ﵎ بأنهم فراش، ثم لا يلبث أولئك الناس أهل المحشر أن يتقدمهم ملك كريم هو إسرافيل، قال الله جل وعلا: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ﴾ [طه:١٠٨]، لاحظ حركة الانتقال، انتقلوا من كون حالة الفراش التي تصبغ وتوسم بأنها حركة اضطراب إلى حركة الجراد التي توسم بأنها حركة منتظمة، قال ربنا وهو أصدق القائلين: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ﴾ [القمر:٧] فيصبحون منتظمين خلف ملك كريم يقال له: إسرافيل، بعد أن يكون إسرافيل قد دعاهم إلى أرض المحشر.
وقد أخبر الله بتلك الدعوة، وأنبأ عنها في خاتمة سورة ص، وقال في طه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه:١٠٨].
إذاً: نفهم من هذا أن الرب ﵎ صور حال المبعوثين من القبور صورتين: صورة أولية شبهها بالفراش لعدم الانتظام ولوجود الاضطراب.
وصورة ثانية: شبههم بالجراد لحال انتظامهم واتباعهم لقائدهم إلى أرض المحشر وهو إسرافيل ﵇.
ندخل استطراداً هنا من باب تعميم الفائدة وزيادتها على سورة القمر: فسورة القمر سورة مكية تعنى بما تعنى به السور المكية عادة: وهو الكلام عن أصول العقيدة الثلاثة: إثبات الألوهية لله تعالى، إثبات الرسالة للنبي ﷺ ، وذكر البعث والنشور، وقوله جل وعلا: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ﴾ [القمر:٧]، يندرج تحت الأمر الثالث وهو ذكر البعث والنشور، وسميت بهذا الاسم لذكر القمر فيها، والقمر آية من آيات الله، ويقال له مع الشمس: القمران من باب التغليب.
وهذه السورة: هي إحدى السور التي يقرن النبي ﷺ بها مع أخرى في بعض المناسبات، ومما يقرن النبي ﵊ به، واشتهر في الصحيح والسنن ثلاث قرائن: فقد قرن ﵊ بين سبح والغاشية، وكان يقرأ بهما في الجمع والأعياد، وغالباً ما يقرن في يوم الجمعة فجراً بين آلم تنزيل السجدة وبين سورة الإنسان، كما كان ﷺ يقرن في الجمع والأعياد ما بين سورة قاف وسورة القمر.
هذا ما تيسر حول التعريف بالسورة، فإذا عدنا إلى ما حررناه آنفاً من قول الرب ﵎: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة:٤]، وقول الرب ﵎: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ﴾ [القمر:٧] ساقنا هذا وقادنا مع أخذنا ذلك البيان الرباني ومعرفتنا ببلاغة القرآن: أن نجعل منه واعظاً لقلوبنا، والقرآن واعظ وأعظم واعظ، وهي سمة لا ينبغي أن تنفك عن كل من يقرأ القرآن.
ولابد أن يلحظ أن القرآن أراد الله جل وعلا به في المقام الأول: وعظ القلوب، قال الله جل وعلا عن ثلة من عباده الصالحين: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٨٣]، فمعرفة القرآن الحق: أن الإنسان يفيض دمعه، ويوجل قلبه، ويقشعر بدنه إذا سمع آيات الرب ﵎، فليست القضية فقط ذكر أحوال الناس على صورتين: كالفراش والجراد، والوقوف عند هذا والاكتفاء به، هذا محال، لكن الإنسان يصيبه الهول، ويصيبه الخوف، فإذا خاف وفزع عمل لما يدفع ذلك الفزع والخوف عن نفسه، وهذا لا يكون إلا بالإيمان بالله، والعمل الصالح، والتقرب إلى الرب ﵎ بما يحبه ويرضاه حتى يأمن الإنسان من أهوال يوم الوعيد.
فالمؤمن إذا تذكر الموت وسكرته، وتذكر القبر ووحشته، وتذكر النفخ في الصور وفزعته، وتذكر الصراط وزلته، خاف وارتعب وعمل صالحاً، فإذا خاف في الدنيا فلا يجمع الله على عبد خوفين فيؤمنه الرب ﵎، والله لا يعطي عبداً أمنين، فمن أمن الرب ﵎ في الدنيا أخافه الله جل وعلا يوم القيامة.
رزقني الله وإياكم الأمن يوم الوعيد، وألحقنا الله وإياكم بكل بر سعيد.
هذا ما تيسر إيراده، وأعان العلي الكبير على قوله، حول التعليق على آيتين مباركتين في سورة القارعة وسورة القمر، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.
وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 47
سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [٢٠]
أقسم الله بالنجم على عدم ضلال النبي ﷺ أو غوايته في ما جاء به، وفي المناسبة بين ذكر النجم هنا وعدم الضلالة للنبي ﷺ لطيفة بيانية، ومعجزة قرآنية، لا يفقهها إلا أولوا الألباب.
стр. 48
المناسبة بين قول الله تعالى في أول سورة النجم: (والنجم إذا هدى) وبين قوله: (ما ضل صاحبكم وما غوى)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ عن الله رسالاته، ونصح له في برياته، فجزاه الله أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه حلقة جديدة مباركة من برنامجكم: معالم بيانية في آيات قرآنية.
والآيات التي نحن بشأن الحديث عنها في هذا اللقاء المبارك: هي فاتحة سورة النجم، قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:١ - ٢].
وما نريد أن نميط اللثام عنه تحديداً في هذا اللقاء المبارك هي: المناسبة ما بين القسم بالنجم وما بين جواب القسم وهو قول الله جل وعلا: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢].
بداية -أيها المباركون- نقول: إن سورة النجم سورة مكية عند أكثر أهل التفسير، جرت على نسق السور المكية في العناية بأمر العقيدة وإثبات الرسالة، كما كان فيها بيان وإشارة إلى رحلة المعراج.
واختلف العلماء أولاً في المقصود بكلمة النجم في هذه السورة، وهذا المدخل ضروري حتى نحرر ما نراه صواباً ثم نبني عليه.
فذهب فريق من العلماء إلى أن النجم هنا: نزول القرآن منجماً على قلب محمد ﷺ ، فتعني كلمة النجم عندهم الجملة من القرآن وقت نزولها؛ لأن القرآن نزل منجماً، وهذا في ظني وإن قال به بعض الأفاضل والأكابر إلا أنه رأي مرجوح.
وقال بعض العلماء: إن النجم هو: النجم المعروف الذي في السماء، وهو النجم في الأرض وهو: نوع من الشجر لا ساق له، ثم اختلفوا في تحديد ماهية النجم على القول بأن النجم هو النجم الذي في السماء، وهو أول ما يتبادر إلى الذهن عند إطلاقه، وهذا هو الذي ينبغي اعتماده في ظني؛ لأن لغة القرآن يجب أن تنصرف أولاً إلى ما هو شائع ظاهر من كلام العرب، لكن القائلين بأن النجم في الآية في قول الرب ﵎: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١] هو النجم الذي في السماء اختلفوا في أي نجم هو؟ فذهبت طائفة إلى أن المراد بالنجم: كوكب الزهرة، وذهب بعضهم وهم الأكثر: إلى أنه الثريا، وقال آخرون بغير ذلك.
والقول الثالث الذي نعتمده ونبني عليه: أن المقصود بالنجم هو جنس النجم في السماء فلا يحدد نجم بعينه، وأن الله يقسم بالنجوم جملة في السماء، وهذا القول اختاره العلامة ابن سعدي رحمة الله تعالى عليه، وهو الذي تميل إليه النفس أكثر.
هذا ما تحرر من بيان معنى قول الله ﵎: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم:١] الآن نميط اللثام عن قول الله جل وعلا: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢] أي: المناسبة ما بين القسم بالنجم وذكر صدق نبوة محمد ﷺ ؟ والجواب عن هذا أن يقال: المناسبة أن النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، والوحي في الأرض، بل إن حاجة الناس للوحي أعظم من حاجتهم إلى النجوم.
والمعنى: أن الوحي في الأرض منزل على قلب محمد ﷺ ، فكما أن الناس يهتدون بالنجوم في ظلمات البر والبحر فإن ما بين أيديهم من الوحي الذي أعطاه الله جل وعلا لنبيه ﷺ هم أحوج إليه من حاجتهم إلى النجم، وكما أن النجوم زينة في السماء فإن كلام الله زينة في القلوب وزينة في الأرض.
وزاد عليه بعض العلماء أن قالوا: إن الله جل وعلا علم من العرب أنها تستخدم النجم في الهداية وتطمئن إليه في زرعها وفي أسفارها، فأقسم الله بالنجم لصدق نبوة محمد ﷺ .
أي: كما أنكم تطمئنون للنجوم، وتعرفون أن النجم لا يخرج عن مساره، وما أضل النجم أبداً ولا تغيرت هدايته، فإن الله الذي سخر لكم النجم هو الذي بعث لكم النبي ﵊.
وهذا تفسير وتبرير وتحرير أكثر من حسن؛ لأن فيه ربطاً بين ما يراه المؤمن من نور النبوة، من نور الوحي الذي أعطاه الله جل وعلا سيد الأنبياء ﷺ فيسوقه ذلك الهدى إلى مرضاة الله جل وعلا، وبين ما يراه التائهون في ظلمات البر والبحر من اهتدائهم بالنجوم كما قال الله جل وعلا: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦].
بقي أن نبين -أيها المباركون- أن هذه السورة كذلك كما ذكرت صدق نبوة محمد ﷺ فإن الله قال في حقه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢].
والضلالة: عدم العلم بالشيء، أما الغواية: فهي ترك العمل بالعلم، فالله تعالى ينفي وينزه نبيه ﵊ عن الجهل، فأثبت بذلك له العلم بالحق، ثم أثبت له الهداية.
ومعنى ذلك: أن النبي ﷺ علم الحق وعمل به، ولا ريب أنه ﵊ ما من صفة كمال إلا وأعطاه الرب ﵎ إياها، قال شوقي وما أجمل ما قال: فإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هما الرحماء وإذا خطبت فللمنابر هزة تعرو الندي وللقلوب بكاء صلوات الله وسلامه عليه بكرة وأصيلاً.
هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ تحريره، حول قول الرب جل وعلا: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:١ - ٢].
أسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما قلناه وبما سمعناه.
وصلى الله على محمد وعلى آله.
والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 49
سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [٢١]
لو قدر أن بلغاء الأرض اجتمعوا، وأن سادة الأدب والفصاحة وبيانه التقوا في نادٍ واحد لما اسطاعوا أن يأتوا بمثل ما جاء به القرآن من فصيح عبارته وجميل نظمه، كيف لا وقد جمعت آية واحدة فقط بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين، لا تتعجب فأنت أمام كلام الحي القيوم!
стр. 50
أمران ونهيان وخبران وبشاراتان في آية واحدة كيف ذلك ؟!
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه حلقة جديدة مباركة من برنامجكم: (معالم بيانية في آيات قرآنية)، وعلى غير العادة فسنبدأ حلقتنا هذه بخبر أدبي نزدلف بعده إلى الآية التي نحن بشأن الحديث عنها: حكى الأصمعي: أنه سمع جارية أعرابية تنشد وتقول: أستغفر الله لذنبي كله قبلت إنساناً بغير حله مثل الغزال ناعماً في دله فانتصف الليل ولم أصله قال: فقلت لها: قاتلك الله ما أفصحك! قالت: أو يعد هذا فصاحة مع قول الله جل وعلا: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧]، فقد جمع الله جل وعلا في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين.
وهذه هي الآية التي نحن بشأن الحديث عنها، فالحديث هنا عن كليم الله موسى بن عمران أيام طفولته، ونتذكر أمه ﵂ وأرضاها لما وضعته وأصابها الخوف عليه، وذلك أن فرعون كان يقتل من يولد من غلمان بني إسرائيل، ثم بدا له أن يقتل عاماً ويترك عاماً، فولد هارون في العام الذي لا قتل فيه، وولد موسى بقدر الله في العام الذي فيه قتل، قال الله جل وعلا يذكر الخبر قال: ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ [القصص:٧] وهذا فيما يظهر: وحي إلهام ﴿إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص:٧]، وهذا هو الأمر الأول في الآية، وأرضعته؛ لأنه لابد له من الرضاعة.
﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص:٧]، وقول الله جل وعلا: ((فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ)) هو الأمر الثاني في الآية، وما زلنا في آية واحدة وإلى الآن تضمنت أمرين: فأول الأمر: أن ترضعه ولا تخشى من فطنة الدايات له، فإن أصابها الخوف ولم يطمئن القلب، فعليها أن تلقيه في اليم، ومعلوم أن البحر الذي هو اليم مظنة خوف، مظنة هلاك، مظنة موت، لكن كل شيء جند لله تعالى إذا أراد، فكان البحر جنداً لله، فحفظ الله بأمواج البحر كليمه موسى حتى أوصله اليم إلى قصر فرعون.
ثم بعد أن ذكر الأمرين ذكر ﵎ النهيين: ﴿وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي﴾ [القصص:٧]، لا تخافي أن يصيبه أذى، أن يصيبه ضرر، أن يهلك أن تفقديه، ولا تحزني لفراقه، لماذا لا تحزني لفراقه؛ قال: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧] (رادوه إليك) للرضاعة مرة أخرى، (وجاعلوه من المرسلين) في مستقبل أيامه، وفي مقدم عمره إذا جاوز الأربعين، وبلغ أشده واستوى فسيكون نبياً رسولاً، فهذا وعد من العلي الكبير لأم موسى: أن الله جل وعلا سيرد إليها ابنها، وأن ابنها هذا سيكون له شأن عظيم إذا كبر، وأي شأن أعظم من مقام النبوة والرسالة التي أعطاها الله جل وعلا لأولئك الصفوة من الخلق، والله يقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، فهذه آية واحدة من كلام الرب ﵎: تضمنت خبرين، وتضمنت أمرين: (أن أرضعيه) و (فألقيه)، وتضمنت نهيين: (ولا تخافي ولا تحزني) وتضمنت بشارتين: (إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين).
وما يلفت النظر هنا -إذا خرجنا من سياق البلاغة قليلاً- نجد أن أم موسى ﵇ رغم الوعد الرباني لها بأن الله جل وعلا سيرد لها ابنها إلا أنها بعثت أخته لتحسس خبره: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص:١١]، وقد فهم العلماء من هذا: أن الإنسان لا ينبغي عليه أن يعجز عن طلب مقصوده، لكنه يطلبه بجوارحه، وأما ما في القلب فإنه يطلبه بقلبه مع الرب ﵎، يطلبه بجوارحه مع الناس، ويطلبه بقلبه في تعامله مع ربه ﵎، فالتوكل: عبادة قلبية يُتعبد بها الرب ﵎ بين العبد وبين ربه.
نعود في هذه الآية المباركة التي قال الله جل وعلا فيها: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ [القصص:٧]، وقد صدقها الله عده، ورد ابنها إليها، بل جعل الله جل وعلا من شفتي موسى جنداً من جنوده فلا يقبل أثداء المرضعات، فكلما عرضت عليه مرضعة أعرض عنها ﵇، وهو يوم ذاك صغير أحوج ما يكون إلى الرضاعة، لكن الله جل وعلا يقول: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص:١٢]، وهذا يا أخي! تحريم منع، لا تحريم شرع.
فلما امتنعت شفتا موسى أن تقبل أثداء النساء رده الله جل وعلا إلى أمه على أنها مرضعة وليست أماً في نظر فرعون، فكان فرعون يعطيها أجراً على رضاعتها لموسى، فتأمل يا أخي! رحمة الله جل وعلا بموسى وبأمه، ترضعه أمه وهي أمه يجب عليها إرضاعه، ومع ذلك تأخذ أجراً ونفقة من فرعون دون أن يدري فرعون أنه يعطي الأجر والنفقة لأم موسى.
تلك كلها تدل على أن هناك عناية إلهية وحفظاً، إذا أعطاه الله جل وعلا فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين.
نعود فنقول: هذه بلاغة القرآن: يؤتى بالخبر الموجز والسياق المختصر ويتضمن معاني ثرية، يجول الخاطر فيها والبيان أي ما جولة، من عظمة ما ذكره الله جل وعلا في آيات موجزة كما قالت تلك الأعرابية: وأي فصاحة تعد هذه مع قول الله جل وعلا: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧].
هذا ما تيسر إيراده، وأعان العلي الكبير على قوله، حول قول الله جل وعلا في الآية السابعة من سورة القصص، راجين أن نكون قد أمطنا اللثام عما أردنا بيانه، والله المستعان وعليه البلاغ، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 51
سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [٢٢]
آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، قصة فريدة لامرأة صالحة اختارت جوار الله ﵎ في الجنة، ورفضت نعيم فرعون الزائل، وفي قصتها مع فرعون عظات وعبر، حري بالمسلم أن يعلمها ويفقهها.
стр. 52
رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه حلقة مباركة جديدة من برنامجكم: (معالم بيانية في آيات قرآنية) وشرف الحديث اليوم حول قول الله ﵎ في سورة التحريم: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١].
بداية نقول: قال العلماء في تفسير هذه الآية: هذا مثل ضربه الله جل وعلا في عدم تبرر المؤمن بقرابة الكافر، ولو كانت تلك القرابة قرابة زوجية وما أقواها، وهذا المثل لامرأة فرعون الكافر الظالم، وهي آسية بنت مزاحم، وكانت قد آمنت بموسى مع من آمن، فلما عرف فرعون إيمانها، أمر بقتلها، فلما علمت بعزم الطاغية على قتلها، قالت في مناجاتها لربها: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١]، والذي نريد أن نميط اللثام عنه: أن هناك تقديماً وتأخيراً في الآية.
يقول الله جل وعلا: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ﴾ [التحريم:١١]، يحكي الله جل وعلا هنا مناجاتها: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم:١١] تلحظ -أيها المبارك- أنها اختارت جوار الواحد القهار قبل أن تختار الدار، فقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم:١١]، ولم تقل: (رب ابن لي بيتاً في الجنة عندك)، ولكنها قالت كما حكى الله: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم:١١]، فتقديم الظرف هنا له دلالاته الكبيرة، وأعظمها: أن هذه المرأة الصالحة التقية، كانت في شوق عظيم إلى لقاء الرب ﵎، وقد مر معنا في حلقات مضت وسلفت: أن الشوق إلى الله ﵎ خصيصة من أعظم ما خص الله جل وعلا بها الأنبياء والصالحين، كما سمعت أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها نبينا ﷺ عندما خُير ما بين لقاء الله ثم الجنة، فسمعته يقول: (مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً).
الذي يعنينا: أن تقديم الظرف هنا له دلالاته الكبيرة، فهذه المرأة امرأة مباركة حتى في منطقها، وهذا المنطق تفردت به بعض النساء اللاتي جاء الشرع بتزكيتهن، مثل آسية بنت مزاحم، كما هو ظاهر في هذه الآية، وكما جاء في تزكية خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فإن خديجة ﵂ وأرضاها لما أقرأها النبي ﵌ من الله ومن جبريل السلام قالت ﵂ وأرضاها: وعليك وعلى جبريل السلام.
ففقهت في منطقها وهي يومئذ حديثة عهد بالدين كله، قالت: فإن الله هو السلام، ففقهت: أن الله هو السلام، ولا يرد السلام عليه ﵎.
وهذا التقديم: جرت سنن العرب أنها تلحظه وتجعله فارقاً في أمور كثيرة في لغتها وتخاطبها، ومن أمثلة ذلك: أن جابر بن سليم ﵁ قدم على النبي ﷺ ، فقال: عليك سلام الله يا رسول الله! الآن تلحظ أنه قدم الجار والمجرور، فقال: عليك سلام الله، ولم يقل: السلام عليك، فأجابه نبينا ﷺ بقوله: (لا تقل: عليك السلام، عليك السلام تحية الموتى، قل: السلام عليكم).
والموتى يحيون بإحدى طريقتين: إذا وقفنا على قبورهم وأردنا زيارتهم واقتربنا ودنونا من قبورهم نقول: السلام عليكم، كما علمنا نبينا ﷺ : (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين)، وإذا شرفنا بالسلام عليه صلوات الله وسلامه عليه في قبره والسلام على صاحبيه فإننا نقول: السلام عليك يا رسول الله! السلام عليك يا أبا بكر! السلام عليك يا عمر بن الخطاب! هذه حالة.
الحالة الأخرى: أن يذكر الميت في الحديث، فتعدد مناقبه وتذكر فضائله، في هذه الحالة إذا أردنا أن نسلم عليه، فلا نقل: السلام عليك، وإنما نقدم الجار والمجرور، فنقول: عليك سلام الله، وهذا هو الذي قصده النبي ﷺ في قوله لـ جابر بن سليم: (لا تقل: عليك سلام الله، فعليك سلام الله تحية الموتى).
ونجد في شعر العرب ولو عند المتأخرين كما نجده عند أبي تمام، عندما رثى الأمير العربي محمد بن حميد الطوسي قال أبو تمام في رثائه له: كأن بني نبهان يوم وفاته من دون سماء خر من بينها البدر إلى أن قال: عليك سلام الله وقفاً فإنني رأيت الكريم الحر ليس له عمر فقوله: (عليك سلام الله) هذه تحية الموتى التي عنيناها بحديثنا، نعود أيها المباركون للآية: هذه المرأة المباركة تقول: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١]، نقول بعد هذا مؤكدين: إن الدنيا لا تطيب إلا بذكر الله، وإن الآخرة لا تطيب إلا بعفو الله، وإن الجنة لا تطيب إلا برؤية الله، فمن عَمر الدنيا بذكر الله وما والاه، غلب على الظن برحمة الله أن يرزق عفو الله في الآخرة، فإذا رزق عفو الله في الآخرة أدخل الجنة، فإذا أدخل الجنة رزق بعد ذلك لذة النظر إلى وجه العلي الأعلى ﵎، وهو أعلى نعيم، وأجل عطية، قال الرب ﵎: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] وقال ﵎ يبين حال أهل الكفر: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥].
إذاً: أراد الله جل وعلا بضرب هذا المثال عن هذه المرأة الصالحة: أن يبين رفيع مكانتها، وعلو منزلتها، وأنها رغم أنها تضاجع فرعون على فراشه، وتأكل من طعامه وشرابه، إلا أن ما في قلبها من إيمان ويقين بلقاء الله جل وعلا لم يجعلها تتأثر بطغيان أو كفر أو ظلم فرعون مثقال ذرة، فبقيت مسلمة طائعة لربها، قانتة له مؤمنة بلقائه، بل وتشتاق كل الشوق إلى لقائه، فلذلك قدمت الجار قبل الدار، فقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم:١١]، ولم تقل: (رب ابنِ لي بيتاً في الجنة عندك).
هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ قوله، وأعاننا الله جل وعلا على ذكره، وصلى الله على محمد وآله، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 53
سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [٢٣]
لقد خلق الله هذا الإنسان من ضعف فقواه، ثم من قوة فأضعفه، ثم بعد ذلك يشيب الإنسان، فإما أن يرد إلى أرذل العمر أو يموت، وكلاهما مُر إذا فطن المرء لهما، أما السر في تكرار القوة والضعف والشيبة فهذا ما سيماط عنه اللثام في هذا الدرس المبارك.
стр. 54
المقصود بتكرار الضعف والقوة في أواخر سورة الروم وبيان أطوار خلق الإنسان
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا فوز إلا في طاعته، ولا عز إلا في التذلل لعظمته، ولا غنى إلا في الافتقار لرحمته.
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أشار إلى الغمام فتفرق بإذن الله إكراماً لإشارته، وأشار إلى القمر فانفلق ليكون شاهداً على نبوته، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه حلقة جديدة مباركة من برنامجكم: (معالم بيانية في آيات قرآنية) والآية التي نحن بشأن الحديث عنها في هذا اللقاء المبارك: هي قول الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤]، وتحرير معنى الضعف ومعنى القوة والشيبة في هذه الآية الكريمة هو ما نحن بصدد الحديث عنه: وابتداءً نقول: إن الله ﵎ خلق خلقه أطواراً، وصرفهم جل وعلا كيفما شاء عزة واقتداراً، أما معنى الآيات فيجب التنبه إلى ما يلي: يقول الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [الروم:٥٤] أي: أن الله الذي يستحق منكم العبادة أوجدكم معشر الإنسان من ضعف، (ضعف) هنا بمعنى: من أصل ضعيف، وهو النطفة أو التراب إذا قلنا على تأويل المصدر باسم الفاعل، والضعف عقلاً ونقلاً: هو خلاف القوة، (ثم) وهي للتراخي في الزمان (جعل) أي: خلق، لأنه عُدي لمفعول واحد.
(من بعد ضعف) هذا موضع ما نريد إماطة اللثام عنه في هذه الحلقة، وهو: أن الضعف هنا غير الضعف الأول الموجود في قوله جل وعلا: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ [الروم:٥٤] فليست المسألة مسألة تكرير، هذا الضعف الآخر ليس الضعف الذي قلنا في الأول عنه: بأنه من النطفة والتراب، لكنه الضعف الموجود في الجنين والطفل، يقول الله جل وعلا: ﴿مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ [الروم:٥٤]، القوة: هي القوة التي تجعل للطفل من التحرك ودفعه الأذى عن نفسه بالبكاء وأمثاله ونحوه.
ثم قال ربنا: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ [الروم:٥٤] وقوة هنا: تختلف عن القوة المذكورة قبل قليل، وقد قدمنا أن (ثم) للتراخي في الزمان، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ [الروم:٥٤] أي: من بعد قوة أخرى، هي: التي بعد البلوغ، وهي قوة الشباب (ضعفاً) وهذا الضعف -أيها المبارك- ضعف آخر، وهو: ضعف الشيخوخة والكبر.
ثم قال الله جل وعلا: (وشيبة) أي: شيبة الهرم، والشيب والمشيب: بياض الشعر، وفي قوله: (ضعف) وقوله (قوة) إشارة إلى حالة غير الحالة الأولى، فقد ذكره منكراً، والمنكر -أيها المباركون- متى أعيد ذكره معرفاً أريد به ما تقدم، فقولك: رأيت رجلاً فقال لي الرجل كذا، ومتى أعيد منكراً فسياق القرآن في هذه الآية أن يراد به غير الأول.
ولذلك قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله جل شأنه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥]، قال ﵄: لن يغلب عسر يسيرين، هكذا حققه الإمام الراغب، وتبعه عليه أجلاء المفسرين، وهو الموافق للقاعدة المشهورة عند العلماء التي نظمها السيوطي ﵀ في عقود الجمان بقوله: ثم من القواعد المشتهرة إذا أتت نكرة مكررة تغايرا وإن يعرف ثاني توافقا كذا المعرفان فهذه القاعدة إجمال لما بيناه من قبل ولما حررناه آنفاً: من أن الضعف المكرر في الآيات مع الإبقاء على التنكير يدل على أن الضعف الأول: هو ضعف التراب والنطفة، والضعف الثاني: هو ضعف الإنسان وهو جنين في بطن أمه، والضعف الثالث الذي بعد ذلك الذي يعقب القوة هو: ضعف الشيبة والكبر، كما أن القوة في الأول: هي قوة الطفل وقدرته في المراحل الأولى من حياته على دفع الأذى عن نفسه، أما في الثانية: فإنها قوة الشباب والبلوغ.
وعلى هذا يتضح: أن تنقل الإنسان في أطوار الخلق حالاً بعد حال من ضعف إلى قوة، ثم من قوة إلى ضعف دليل على قدرة الخالق الفعال لما يشاء، الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يعجزه أن يعيدكم مرة أخرى، ولهذا ناسب جل وعلا أن يقول بعد ذلك: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الروم:٥٤] أي: يخلق ما يشاء ﵎ ولا ملزم عليه -من ضعف وقوة وشباب- أن يخلق الأشياء كلها التي من جملتها الضعف والقوة والشباب، فليس هذا كله طبعاً، بل بمشيئة الله سبحانه ﵎.
قال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤] أي: العليم بتدبير خلقه، القدير على ما يشاء، لا يمتنع عليه شيء أراده، وهو كما يفعل هذا قادر على أن يميت خلقه ويحييهم إذا شاء.
من هنا يتضح -أيها المباركون- أن الرب ﵎ كما بينا خلق خلقه أطواراً، وفي علم الإنسان بقدرة الله جل وعلا، وفي رؤيته لنفسه أي: أن الإنسان إذا رأى نفسه وتقلب أحواله، وتغير أيامه، وما يعتريه من ضعف وقوة، وقوة وضعف، علم بعد ذلك كله عظيم قدرة الله جل وعلا، ولعل هذا يندرج تحت قول الله تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١].
والمقصود من هذا كله بعد تحرير المعاني والألفاظ وإماطة اللثام مما يغلب على الظن: أنه غير مشهور ومعروف لدى العامة على الأقل، فإننا نقول: إن هذا كله يدل على قدرة الرب ﵎، وهذه أعظم غايات القرآن أن يعرف بالرب جل وعلا، وهل قضى أنبياء الله ورسوله أيامهم وأعمار حياتهم إلا في التعريف بربهم ﵎ والإرشاد إليه، وبيان عظيم قدرته وجليل رحمته، وسعة حكمته، والمؤمنون متى عظم علمهم بالله سهلت عليهم الطاعات وأحجموا عن المعاصي، وقد قال السلف: إن العبد كلما كان بالله أعرف كان من الله أخوف.
هذا ما تحرر إيراده، وتيسر إعداده، وأعان الله جل وعلا على قوله، سائلين الله ﵎ أن يجعلنا وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 55
سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [٢٤]
كثر التساؤل عن ماهية هذه الروح وحقيقتها، وعن أحوالها وكنهها، والجواب الشافي لهذه المسألة قول ربنا: (قل الروح من أمر ربي)، أما عن ارتباط الروح بالجسد والنفس وغيره فهو محور الحديث في هذا الدرس المبارك.
стр. 56
ويسألونك عن الروح
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه أيها المباركون حلقة جديدة مباركة بإذن الله من برنامجكم: (معالم بيانية في آيات قرآنية) والآية التي نحن بصدد الحديث عنها في هذا اللقاء: هي قول الله جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، إلا أننا نبين في مستهل هذه الحلقة: أن ثمة ألفاظ سنعرج في الحديث عنها، وكيفية استعمال القرآن لها وهي: الروح، والجسم، والجسد، والنفس، فحول هذه الأربعة الألفاظ سنعرج على معاني عديدة بإيجاز.
أما قول الله جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء:٨٥]، فإن أهل العلم من المفسرين: يذكرون في سبب نزولها: ما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: أنه كان مع النبي ﷺ فمر صلوات الله وسلامه عليه على ملأ من يهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه، وقال آخرون: لا تسألوه، ثم إن اليهود سألوه فقالوا: يا أبا القاسم ما الروح؟ فاتكأ ﷺ على عسيب نحل، قال عبد الله: فعلمت أنه يوحى إليه، ثم تلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥].
واختلف العلماء ﵏ في بيان المقصود من الروح هنا، والأكثرون ولعل هذا هو الأظهر: أنها الروح المعروفة التي تمتزج بالبدن وتكون منها النفس الإنسانية المكلفة.
والروح إذا خرجت من الجسد تسمى: روحاً، أما إذا بقيت في الجسد فتسمى: نفساً، ولهذا قال النبي ﷺ لما قبض عثمان بن مظعون قال: (إن الروح إذا صعد تبعه البصر)، أما ما دامت الروح ممتزجة بالجسد أي: أن صاحبها حي، فهذه تسمى: نفساً، وهي التي خاطبها الله جل وعلا بقوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس:٧]، وأسند الله جل وعلا إليها الكثير من الأفعال، ومنها قوله جل وعلا: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران:٣٠]، فهذا إسناد من الله جل وعلا للوجود إلى النفس.
والجسد إذا كان خالياً من الروح فإن التعبير القرآني يطلق عليه: لفظ جسد، ومنه قول الرب ﵎: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الأنبياء:٨]، وقول الله جل وعلا عن ذلك العجل الذي اتخذه قوم موسى -عياذاً بالله- إلهاً لما أضلهم السامري، قال الله جل وعلا: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [طه:٨٨]، ومعلوم قطعاً: أن ذلك العجل الذي أخرجه السامري لقومه لم يكن فيه روح ألبتة، فلا قدرة للسامري ولا لغيره على الخلق.
ويعبر القرآن بالجسم إذا كان ذلك الجسد ممتزجاً بالروح، أي بمعنىً أوضح: تدب فيه الحياة، ومنه قول الله جل وعلا عن المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون:٤]، فقول الرب تباك وتعالى: (أجسامهم) إنما يتكلم عن قوم أحياء وهم المنافقون الذين كانوا آنذاك معاصرين للنبي ﷺ ، والذي يعنينا من الخطاب القرآني هنا: أن الله جل وعلا لما كانوا أحياء تمتزج أرواحهم بأجسادهم فإنها تسمى: أجساماً وهي حية، وقد عبر الله جل وعلا عنها بقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون:٤]، ونظيره كذلك في القرآن: قول الرب ﵎ عن طالوت لما حكى ذلك النبي من الأنبياء الذي أخبر الله قومه: أن الله جل وعلا قد بعث لهم طالوت ملكاً، قال عنه: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧]، فعبر بكلمة (الجسم) دون كلمة (الجسد)؛ لأنه يتكلم عن شخص امتزجت روحه بجسده، فأصبح الجسد جسماً، وأصبحت الروح نفساً، ولا ريب أن الروح والنفس بمعنى واحد، نعود فنقول: إن الله جل وعلا خلق الأرواح قبل الأجساد؛ لأن الله جل وعلا خلق أبانا آدم لما كنا في عالم الأرواح كما تدل عليه آيات القرآن في الأعراف وغيرها من حيث العموم، ثم إن الرب ﵎ خلق أجسادنا بعد ذلك أجنة في بطون أمهاتنا.
ثم يأتي ذلك الملك الذي أوكل الله جل وعلا إليه أن ينفخ فينا الروح فينفخ فتدب الحياة فينا، فإذا امتزجت الروح مع الجسد ونحن أجنة في بطون أمهاتنا يحدث نوع من الاتصال، ثم يكون هناك اتصال أكبر في الحياة الدنيا، ثم ينقطع ذلك الاتصال بين الروح والجسد وهو المقصود بالموت، ثم بعد ذلك تعود الأرواح إلى الأجساد بعد البعث والنشور وهذا الاتصال هو: اتصال كامل تام، وهو الذي عبر القرآن عنه: بالخلود، وجاء في الحديث: (يؤتى بالموت على صورة كبش فيذبح ما بين الجنة والنار، بعد أن يسأل أهل الجنة: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، ويسأل أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، ثم إنه يذبح وينادي منادٍ: أن يا أهل الجنة! خلود بلا موت، وأن يا أهل النار! خلود بلا موت)، وهو المعبر عنه في القرآن بيوم الحسرة، قال الله جل وعلا: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٣٩ - ٤٠].
وقد تعلق بعض الفلاسفة بمسألة النفس والروح، ومنها قول ابن سيناء لما تلكم عن أن الإنسان لم يختر روحه فقال: هبطت إليك من المحل الأرفع ورقاء ذات تعزز وتمنع هبطت على كره إليك وربما كرهت فراقك وهي ذات توجع والحديث هنا عن النفس الإنسانية، وعن ممازجتها ومخالطتها للجسد وما يكون منها من طلب للعلو، وهذه القصيدة التي قالها ابن سيناء عارضها شوقي رحمة الله تعالى عليه تعالى بقوله: ضمي قناعك يا سعاد أو ارفعي هذي المحاسن ما خلقن لبرقع ويجب التنبيه هنا: إلى أن شوقي يقصد بسعاد كناية عن النفس البشرية، كناية عن الروح، ولا يقصد امرأة بعينها أو فتاة بنفسها، فليس القضية لها علاقة بالحجاب سلباً ولا إيجاباً ولا يدعُ إلى ذلك في أبياته هذه وإنما المقصود منها: أن النفس البشرية يجب أن تنطلق في عالم المعالي وتبحث عما ينفعها، ولا ريب أنه لا ينفعها شيء مثل الإيمان بالرب ﵎ والعمل الصالح، والسعي في فكاكها وزحزحتها عن النار، جعلنا الله وإياكم ممن زحزح عن النار وأدخل الجنة.
هذا ما تيسر إيراده حول هذه الألفاظ الأربعة وهي: الروح، والجسم، والجسد، والنفس، تكلمنا عنها وفق السياق القرآني، وأمطنا اللثام عن الطرائق التي يتخذها القرآن سبيلاً في الحديث عن روح الإنسان ونفسه، أو عن جسده وجسمه، هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الرب العزيز الكريم على قوله، سائلين الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 57
سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [٢٥]
والذي رفع كلا من النصف الأعلى! جملة قسم قالتها امرأة طاهرة أمام الطاغية الحجاج، وكانت نتيجة لصدور العفو عن ابنها الموثق عندهم، عن حقيقة (كلا) ومعانيها، واختلاف الناس فيها، يتكلم الشيخ في هذا الدرس المبارك.
стр. 58
أسرار لفظ: (كلا) في القرآن الكريم
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا تطيب الدنيا إلا بذكره، ولا تطيب الآخرة إلا بعفوه، ولا تطيب الجنة إلا برؤيته، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها المباركون! فهذه حلقة جديدة مباركة بإذن الله من برنامجكم: معالم بيانية في آيات قرآنية، وقبل أن نشرع كالعادة في بيان ما نحن فيه نقول: إن اللفظ الذي سنشرع في إماطة اللثام البياني عنه في هذا اللقاء هو لفظ (كلا).
ونستفتح بخبر أدبي قبل أن نشرع في بيان مراد الله جل وعلا من هذه الكلمة أو من هذا اللفظ: يقولون: إن الحجاج بن يوسف الثقفي القائد الأموي المعروف أسر شاباً، فجاءته امرأة هي أم ذلك الشاب تحاول أن تقدم نوعاً من الشفاعة لابنها، وهي تخاطب الحجاج أقسمت له أن ابنها بريء، لكن الذي يستوقفنا هنا: هو ذلك القسم الذي استخدمته تلك المرأة، فقد قالت وهي تخاطب الحجاج: والذي حذف كلا من النصف الأعلى.
نحن نعلم أن القرآن ثلاثين جزءاً، وأن أوسطه سورة الكهف في خبر موسى والخضر، وإذا اعتبرنا النسبية يمكن أن نقول: إن هناك نصفاً أعلى ونصفاً آخر من الصعب أن نطلق على الخمسة عشر جزءاً الأخيرة من القرآن: بأنها نصف أدنى، لكن نقول: هناك نصف أعلى، والنصف الآخر هذه المرأة تقول في خطابها للحجاج: والذي حذف كلا من النصف الأعلى أي: أن حرف كلا ليس موجوداً في أول القرآن من الفاتحة إلى الكهف، ثم ورد بعد ذلك في سورة مريم: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا * كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم:٧٧ - ٧٩].
فيقولون: إن الحجاج استعرض القرآن وهو يريد أن يركب فرسه، لما قالت له المرأة هذا الخطاب ثم تبين له صحة قولها، فعفا عنها وعفا عن ابنها، وقبل شفاعتها.
والشاهد: أن (كلا) وردت في القرآن في ٣٣ موضعاً كلها كما قدمنا في النصف الآخر من القرآن أي: ليس في النصف الأعلى منه، وجعل بعض العلماء لفظ كلا من الأدلة والقرائن على أن السورة التي يرد فيها لفظ كلا هي سورة مكية، فلم ترد غالباً ويمكن أن نقطع في القرآن المدني، لكن القطع قد يكون نوعاً من الجزم؛ لأن تحرير المدني والمكي فيه نوع خلاف، نعود فنقول: ما هو الحرف كلا؟ كلا كما قال ابن هشام في مغنيه: مركبة عند ثعلب من كاف التشبيه ولا النافية قال: وإنما شددت لامها لتقوية المعنى، ولدفع توهم بقاء معنى الكلمتين، وهي عند سيبويه والخليل والمبرد والزجاج وأكثر البصريين حرف معناه: الردع والزجر، لا معنى لها عندهم إلا ذلك، حتى إنهم يجيزون أبداً الوقف عليها والابتداء بما بعدها، وحتى قال جماعة منهم: متى سمعت كلا في سورة فاحكم بأنها مكية وهذا حررناه آنفاً؛ لأن فيها معنى التهديد والوعيد وهذه صبغة من صبغ القرآن المكي، ورأى الكسائي وأبو حاتم ومن وافقهما أن معنى الردع والزجر ليس مستمراً فيها فزادوا فيها معنى ثانياً يصح عليه أن يوقف دونها ويبتدأ بها، ثم إن هؤلاء اختلفوا في تعيين ذلك المعنى على ثلاثة أقوال: أحدها للكسائي ومتابعيه قالوا: تكون بمعنى حقاً.
والثاني لـ أبي حاتم ومتابعيه قالوا: تكون بمعنى (ألا) الاستفتاحية.
والثالث لـ ابن شميل والفراء ومن وافقهما قالوا: تكون حرف جواب بمنزلته، وحملوا عليه قول الله جل وعلا: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ [المدثر:٣٢] قالوا: معناه: إي والقمر.
قال ابن هشام في مغنيه: وقول أبي حاتم عندي أولى من قولهما؛ لأنه أكثر اطراداً، فإن قول النضر لا يتأتى في آيتي المؤمنين والشعراء، وقول الكسائي لا يتأتي في نحو: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ﴾ [المطففين:١٨]، ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ﴾ [المطففين:٧]، ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، ووجه العلة في عدم ذلك التأتي عنده: أن حرف (إن) يكسر بعد ألا الاستفتاحية، ولا تكسر بعد حقاً، ولا بعد ما كان بمعناها، ولأن تفسير حرف بحرف أولى من تفسير حرف باسم، وهذا كلام من حيث الصناعة النحوية بليغ جداً، وفيه رد ظاهر عليه.
وعلى هذا نختار قول سيبويه والخليل والمبرد والزجاج وأكثر البصريين على أن معناها: الردع والزجر، وعلى أنه ليس لها معنى غيره.
ونعود لما رد به ابن هشام على أولئك الذين ذهبوا بها إلى معنى آخر فقال: وقد يمتنع كونها للزجر نحو ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٣١]، ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ [المدثر:٣٢]، إذ ليس قبلها ما يصح رده، وهذا القول الذي قاله ابن هشام فيه تضعيف للقول الذي اخترناه، لكن يمكن أن يجاب عنه بأن الأمر في سياق الحال لا في سياق المقال.
وقال بعض العلماء: إن لها معان غير ذلك، فقد قال الطبري وجماعة: إنه لما نزل عدد خزنة جهنم ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٣٠]، قال بعضهم: اكفوني اثنين، وأنا أكفيكم سبعة عشر، فنزلت: (كلا) زجراً لهم، هذا القول من الطبري يوافق ما اخترناه، لكن قال ابن هشام عنه: إنه قول متعسف؛ لأن الآية لم تتضمن ذلك، ونحن نقول: إن رد ابن هشام هنا فيه هو شيء من التعسف، وإنما كما قلنا: العبارة أحياناً ترد على لسان الحال لا على لسان المقال، والذي نريد أن نصل إليه بعد هذا التطواف -أيها المباركون- فيما ذكرناه حول لفظ كلا: أن القرآن عظيم في أسلوبه، جليل في عباراته، وأن هذا الحرف استخدمه القرآن استخداماً بليغاً في الردع والزجر، ولما كان المجتمع المكي يحتاج إلى نوع من الردع والزجر؛ لأنهم كانت لهم ألفاظهم القاسية في مخاطبة النبي ﷺ ، ومخاطبة القرآن، والرد على الرب ﵎ قوله، كانت لفظة: (كلا) مناسبة في رد ما زعموه من إفك، وما افتروه من قول.
أما الحياة المدنية في المجتمع المدني فكان أكثرهم مسلمين، وكان القرآن يخاطب قلوبهم، ويخاطب أحوالهم في التشريع، ولم تكن فيه ردود بالقدر الذي كان موجوداً في القرآن المكي.
وعلى هذا نفهم: أن القرآن المكي له أسلوبه، كما أن القرآن المدني له أسلوبه، وقد يشتركان في نوع من الأسلوب خاصة في باب العقائد.
نسأل الله جل وعلا لنا ولكم التوفيق.
هذا ما تيسر إعداده، وتهيأ إيراده، وأعان الله العلي الكبير على قوله، سائلين الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.
وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 59
سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [٢٦]
عندما خاض المسلمون أول وقعة تاريخية مع المشركين في بدر غنموا أموالاً طائلة وأسارى كثيرين، ثم وقع بينهم اختلاف في توزيعها، وكيفية قسمتها، فجاءهم البيان الكافي والدواء الشافي، من الله العليم الحكيم، فقال: (قل الأنفال لله والرسول) أما مناسبة ذكر إصلاح ذات البين والتقوى بعدها، فهو ما سيماط عنه اللثام في هذا الدرس المبارك.
стр. 60
يسألونك عن الأنفال
الحمد لله الذي تقدست عن الأشباه ذاته، ودلت على وجوده آياته ومخلوقاته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أراد ما العباد فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه حلقة جديدة مباركة بإذن الله من برنامجكم: معالم بيانية في آيات قرآنية، والآية التي نحن نتوج بشرف الحديث عنها في هذا اللقاء المبارك: هي قول الله جل وعلا: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:١].
بداية أيها المباركون نقول: النفل في لغة العرب: هو الزيادة، فيقال لولد الولد وهو الحفيد: نافلة، ومنه قول الله جل وعلا بعد أن ذكر منته على خليله إبراهيم بإسحاق: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء:٧٢]، فذكر أن يعقوب ﵇ كان نافلة لإبراهيم؛ لأنه ابن ابنه، كما أن النفل في الصلوات المكتوبة: ما زاد على الفريضة.
أما النفل في الحروب: فهي تلك الغنائم التي يكتسبها الجيش ويحصل عليها إذا انتصر؛ لأن المقصود بالحرب أولاً هو النصر، ثم إذا كانت هناك غنائم فتلك الغنائم يطلق عليها أنفال، وسورة الأنفال سورة مدنية، وقد نزلت في أعقاب معركة بدر، وقد وقع بعد معركة بدر: أن المسلمين غنموا أموالاً وأسرى، وكانت أول غنيمة يغنمها المسلمون، فلم يكن لهم عهد في كيفية توزيعها بينهم، فحصل بينهم شيء في قضية: لمن تكون الغنائم؟ ففزعوا إلى النبي ﷺ يسألونه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول: إن هذه الأمة هي أقل الأمة سؤالاً أي: من سائر الأمم، وقد ورد في القرآن ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ [البقرة:١٨٩]، ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٢١٥]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:٢١٧]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة:٢١٩]، ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ [المائدة:٤]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأعراف:١٨٧]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء:٨٥]، وههنا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١].
فكيف جاء الجواب القرآني؟ هذا ما نريد أن نميط اللثام عنه بيانياً في هذه الحلقة: يقول الله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١]، أي: أن الصحابة الذين شهدوا معك بدراً يسألونك عن الأنفال فبماذا تجيبهم أيها النبي الكريم: ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال:١]، أي: أن الأنفال لله والرسول يحكمان فيها بما شاءا ويضعانها حيث أرادا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١]، فاجتماع كلمتكم وبقاء ألفتكم وتوحد صفوفكم هو الغاية العظمى، وهو الأمر المطلوب، وليست القضية قضية أنفال وغنائم، فإذا وجدت التقوى وجد التسليم، وإذا وجد التسليم رضي المرء بما آتاه الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه.
وهذا في الحديث عن ذلك المجتمع المدني، أما الآن فلا نقول: آتاه الله ورسوله؛ لأن النبي ﷺ ميت، لكن نقول هنا: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:١]، فانظر أيها المبارك! لهذا التأديب القرآني الإلهي لهذه الفئة المباركة التي شهدت بدراً، وهذه الآية المبينة لكيفية توزيع الغنائم جاءت بعد أربعين آية من قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١]، فهي الآية الأولى من صدر سورة الأنفال، أما قول الله جل وعلا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال:٤١]، فهذه الآية تبين الكيفية التي توزع بها الغنائم، والطريقة المثلى التي توزع بها الغنائم، وأنت تلحظ إذا تدبرت القرآن أن مسألة الأموال كالمواريث، والصدقات كالغنائم، تكفل الله جل وعلا وحده بها ولم يتركها لأحد من خلقه، فالله جل وعلا هو الذي وزع المواريث وهو الذي قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] وحدد أهلها، وهو الذي قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال:٤١]، فهذا يدل على أن مسألة الأموال لها شأن عظيم، والناس تختصم في ثلاثة أمور: في أموالها، ودمائها، وأعراضها، أي: في فروجها، أما غير ذلك فلا يوجد تخاصم، وعلى هذا تكفل الله جل وعلا ببيانها في المواريث والصدقة والأنفال، والذي يعنينا: أن ننظر لذلك الأدب القرآني، ولتلك الفئة المباركة، فإن الرب ﵎ يقول: يا أيها الأصحاب! الذين امتن الله جل وعلا عليهم بأن شهدوا بدراً، وهو أعظم لواء في التاريخ الإنساني كله، راية تحتها محمد بن عبد الله ﷺ ، وخير الملائكة جبريل، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وسادة المهاجرين، وسادة الأنصار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فئة من الأوس وفئة من الخزرج، فلا توجد راية في التاريخ أعظم من تلك الراية، فالله يقول لهؤلاء المباركين من أصحاب بدر: لا ينبغي أن تنشغلوا بالغنائم كيف توزع، وأن تكون جل همكم، لكن ينبغي أن تعتنوا كثيراً بقضية إصلاح ذات البين، والأخذ بزمام التقوى، ثم بعد أن بين الله لهم ذلك وقبلوه ﵃ وأرضاهم، واطمأنت نفوسهم، جاء البيان الشافي الكافي الوافي في بيان كيفية توزيع الغنائم، قال الله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين﴾ [الأنفال:٤١].
والقرابة هنا -هذا من باب الاستطراد- هم قرابة رسول الله ﷺ من بني هاشم وبني المطلب، أما قرابته من بني هاشم فظاهره أنهم من أهل الغنائم، أما بنو المطلب فإن المطلب هذا أخ لـ هاشم، فلا يعد أنه من بني هاشم لكن يعد من آل البيت؛ لأنهم قدر لهم برحمة الله لهم أنه كان مؤمنهم وكافرهم مع النبي ﷺ في شعب أبي طالب عندما حاصرتهم قريش في الشعب، فقال ﷺ بعد ذلك في إحدى غزواته -لما سئل عن إعطائه لبني المطلب دون غيرهم ممن يوافقهم في النسب ويماثلهم في القرابة- قال ﵊: (إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، وشبك بين أصابعه)، وبهذا أخذ جمهور العلماء في أن لهم حظاً من الغنائم، وأنه لا تجوز عليهم الصدقة أسوة بآل البيت، إذ عدو من آل البيت لهذا الخبر النبوي عن رسول الله ﷺ .
والذي يعنينا بعد ذلك كله: أنه تبين لك -أيها المبارك- في إماطة اللثام: أن الله جل وعلا خاطب المؤمنين أولاً بما يصلح حالهم، ويقيم شأنهم، ثم بعد أن دعاهم إلى الألفة بين لهم الطريقة المثلى في توزيع الغنائم.
هذا -أيها المباركون- ما تيسر إيراده، وأعان الله جل وعلا على قوله، حول قول الله الرب ﵎ في فاتحة سورة الأنفال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:١].
جعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وهدانا الله وإياكم إلى السبيل الأقوم، والطريق الأمثل، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 61
سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [٢٧]
مما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحداً من خلقه: علم الغيب، ومن علم الغيب علمه جل وعلا بأجل الإنسان، ووقت نهايته، وعلمه كذلك بما سيكسبه غداً، والتعبير بالكسب هنا له مزية ولطيفة لا يعرفها إلا متأمل متدبر.
стр. 62
وما تدري نفس ماذا تكسب غداً
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأرض والسموات، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله ختم الله به الرسالات، صلى الله وسلم وبارك وأنعم عليه وعلى آله وأصحابه أهل الفضل والمروءات.
وبعد: فهذه حلقة جديدة مباركة بإذن الله من برنامجكم: معالم بيانية في آيات قرآنية، وسنتكلم عن قول الله جل وعلا في خاتمة سورة لقمان: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤].
معلوم -أيها المباركون- أن العلم من أعظم صفات الرب ﵎، وقد قال أهل السنة -سلك الله بي وبكم سبيلهم- في تعريف علم الله جل وعلا: إن علم الله علم لا يسبقه جهل، ولا يلحقه نسيان، قال الله جل وعلا حكاية عن عبده موسى لما سأله فرعون: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه:٥١] قال موسى مجيباً: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢]، فذكر الله جل وعلا أن الغيب علمه كله عنده، وقال جل وعلا في آية مجملة في سورة الأنعام: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩]، وفي هذه الآية المباركة من سورة لقمان تفصيل لما أجمله الله جل وعلا في سورة الأنعام، فآية الأنعام لم تحدد تلك المفاتح، لكنها في سورة لقمان جاءت ظاهرة بينة محصورة في خمس.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤].
نقول ابتداء: الذي نريد أن نميط اللثام عنه في هذه الآية المباركة: هو قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان:٣٤]، ف
السؤال
لماذا اختير اللفظ (تكسب) دون غيره من الألفاظ؟ نقول: الله جل وعلا هنا يبين في أسلوب حصر أن مفاتيح الغيب عنده، فعنده علم الساعة، لا يعلمه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وقد سأل خير الملائكة جبريل خير الرسل محمداً ﷺ فقال: (أخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، أي: أن علمي وعلمك فيها سواء، ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان:٣٤] والغيث: المطر، ويراد به هنا: موضع الرحمة، ولا ريب أن الناس قد يقولون في زماننا: إننا إذا رأينا السحاب غلب على ظننا أن هناك مطراً، وهذا لا يعد غيباً؛ لأن السحابة قد أظلتك وأزف اقتراب نزولها، لكن مع ذلك قد ترحل عنك دون أن يكون لك منها نصيب.
وهذا ظاهر بين، لكن الذي يعنينا: أن الغيث وليس في السماء قزعة من سحاب لا يمكن أن يجزم أحد أو يقول أحد ذو عقل: أن هناك غيثاً آتياً، هذا أمر لا يعلمه إلا الله.
قال الله جل وعلا: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لقمان:٣٤]، والأرحام: هي ذاك المستقر والوعاء الذي جعله الله جل وعلا مستقراً للجنين بعد مروره بمرحلة النطفة، قال الله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون:١٣]، (ويعلم ما في الأرحام) كلمة ما هنا: موصولة يدخل تحتها الكثير مما يعلمه الرب ﵎ ذكراً كان أو أنثى، شقياً كان أو سعيداً، فقيراً كان أو غنياً، طويلاً في عمره أو قصيراً، يولد ناقصاً أم كاملاً، أمور عدة لا يمكن إحصاؤها تدخل في قول الله جل وعلا: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لقمان:٣٤].
فإن قال لك قائل واحتج عليك محتج: بأن الأشعة الحديثة دلت على كون الطفل أو الجنين وهو في بطن أمه يمكن أن يعلم أذكر هو أم أنثى، ف
الجواب
أن هذا ظاهر، فبتلك الأشعة انتقلت المسألة من علم غيب إلى علم شهادة، فإن الإنسان عندما يقول: هذا الجنين ذكر، أو يقول: هذا الجنين أنثى إنما يرى شيئاً عياناً، فهو إن رأى آلة الذكورة حكم به على أنه ذكر، وإن لم يرها حكم على أنه أنثى، فليس في المسألة ضرب في الغيب، ثم قال الله جل وعلا وهذا هو موضع الشاهد: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان:٣٤]، أنت ترى وربما تعمل -أيها المبارك- فيما يسمى: بجدول أعمالك، يكون لك جدول أعمال من خلاله تنظم أوقاتك، تضرب موعداً فتقول: الساعة كذا عندي موعد، الساعة الفلانية عندي لقاء، لدي البرنامج الفلاني، سأستقبل زيداً بعد ثلاثة أيام، هذا كله لا يدخل في مسألة علم الغيب، لكن تحصيل ذلك ووقوعه والإتيان به هو الذي لا يعلمه إلا الرب ﵎، فكم بيت المرء أعمالاً يريد أن ينجزها فحال دون ذلك الأجل، أو حال دون ذلك المرض، أو حال دون ذلك السهو، أو حال دون ذلك النوم، أو حال دون ذلك شيء آخر، والله يحول بين المرء وقلبه.
فانظر يا أخي! إلى عظمة تعبير القرآن، فإن الله يقول: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان:٣٤] ولم يقل الله ولا نلزم على الله: وما تدري نفس ماذا تريد أن تعمل غداً، فإن الإنسان قد يقول: أريد أن أعمل غداً كذا وكذا وكذا، وقد يتحقق هذا بإذن الله ومراده، ثم ختم الله جل وعلا خامسة المفاتيح بقوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤]، ومن جهل بما كان من باب أولى أن يجهل ما يكون، والله جل وعلا أخفى حقيقة الموت ووقته عن كل نفس، وربما كان قبل ذلك إشارات كرؤيا، أو كان قبل ذلك مرض يظهر من أعراضه أنه مرض مخيف، أو مرض موت، وقد يكون بعده نجاة، وقد يكون غير ذلك، لكن من حيث الجزم والقطع هذه مسألة لا يعلمها إلا الرب ﵎، فكم من رجل أشرف على الهلاك فنجا، وكم من رجل في نجاة هلك، والله وحده بيده مقاليد كل شيء، ولا يمكن لنفس أن تموت إلا كما قال الله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران:١٤٥]، ولهذا ختم الله جل وعلا هذه الخمس المباركات بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤].
وعلم الله -كما قلت في أول الأمر وبه أنهي- لا يسبقه جهل، ولا يلحقه نسيان، فإذا علم العبد هذا -وهذا بيت القصيد- خاف من ربه، وازدلف إليه، وفجع إليه، خاصة إذا علم وتيقن أن الله عالم الغيب فيتوكل على الله؛ لأن الله جل وعلا عالم بالغيب يختار لك الخير إذا أنت لجأت إليه، واستعنت به، وسألته جل وعلا من فضله.
وما أدري إذا يممت أرضاً أريد الخير أيهما يليني؟ أللخير الذي أنا أبتغيه أم الشر الذي هو يبتغيني؟ نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يدفع عنا وعنكم من السوء أكثر مما نخاف ونحذر، وأن يكتب لنا من الخير أكثر مما نرجو ونأمل.
هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله، سائلين الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وصلى الله على محمد وعلى آله.
والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 63
سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [٢٨]
لقد تكفل الله تعالى بنصرة نبيه ﷺ من فوق سبع سماوات، وأنبأه تعالى بأنه حسيبه وحسيب المؤمنين، وكافيه وكافيهم من كل سوء ومكروه، وهذا المعنى يظهر جلياً في غزوات النبي ﷺ وفتوحاته.
стр. 64
حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له اعترافاً بفضله، وإذعاناً لأمره، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أبها الإخوة المؤمنون المباركون! هذه حلقة جديدة من برنامجكم: معالم بيانية في آيات قرآنية، والآية التي نحن نتوج بشرف الحديث عنها في هذا اللقاء المبارك: هي قول الرب ﵎ في سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤].
هذه الآية قبل أن نشرع في بيان ما نريد أن نميط اللثام عنه بياناً نقول: خاطب الله جل وعلا بها ونادى خير خلقه وصفوة رسله صلوات الله وسلامه عليه نداء كرامة وهو قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال:٦٤]، فناداه الله جل وعلا بوصف هو له ﷺ آتاه الرب إياه، والنبي ﵊ كما مر معنا في دروس قد خلت، وأيام قد سلفت، لم يناد في القرآن باسمه الصريح يا محمد! وهذا من دلالة احتفاء الله بهذا النبي الكريم، وبيان علو منزلته ومقامه عند ربه جل وعلا.
في هذه الآية يناديه ربه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]، والذي نريد أن نبينه: أنه توجد واو هنا هي واو عاطفة بالاتفاق بين قوله جل وعلا ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٦٤]، وقوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]، فالواو عاطفة ما بعدها على ما قبلها، وإنما
السؤال
هل معطوف عبارة ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]، أو جملة آية: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] على لفظ الجلالة؟ فيصبح المعنى: أيها النبي حسبك الله وحسبك أتباعك من المؤمنين، أو أن قوله جل وعلا: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] معطوف على الكاف في قوله: حسبك، فيصبح المعنى بهذا: حسبك الله وحسب أتباعك من المؤمنين، أي: أن الله ﷻ حسب لك -أيها النبي- وكاف، وحسب كذلك لأتباعك من المؤمنين أي: أن الله ناصر لك وناصر لهم، مؤيد لك ومؤيد لهم.
قبل أن نرجح نقول: إن من طرائق الترجيح: أن ننظر في المفردة كيف استعملها القرآن، فمن خلال هذه الطريقة نصل إلى قضية ترجيح مقنع، فإذا تأملنا كلمة: (حسبك) وهي بمعنى: كافيك وجدنا أنها في القرآن لم تسند أو لم تضف إلى غير الله جل وعلا وحده، فلا تضاف إلا لله ﵎ بخلاف غيرها من بعض الألفاظ التي تحتمل معنى النصرة والتأييد والإذعان والإيتاء، وقد وجدنا أن الرب ﵎ يضيفها إليه ويضيفها إلى غيره، فقد يضيفها إلى الرسول وقد يضيفها إلى المؤمنين، نتأمل بعض الآيات الدالة على صحة ما ذكرناه: قال الله جل وعلا في سورة التوبة: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩]، فنلاحظ أن الله جل وعلا أضاف كلمة رسول إلى لفظ الجلالة فمعنى هذا: ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله وما آتاهم رسوله، فالإيتاء أضيف إلى الله وأضيف إلى الرسول، لكنه قال في نفس الآية بعدها وقالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩].
فتلحظ -أيها المبارك- أن الله لم يقل: إنهم قالوا: حسبنا الله ورسوله، لكنه قال: إنه كان ينبغي لهم أن يقولوا: ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩].
إذاً: لا غضاضة ولا حرج أن يضاف الإيتاء من الفضل إلى الله وإلى الرسول، لكن هناك غضاضة وحرج بل نقول: لا يجوز أن تضاف كلمة (حسب) إلى غير الله وهذا باستقرائنا للقرآن.
أيضاً: قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة:٧٤]، فكما قلنا في لفظ الإيتاء نقول في لفظ الإغناء: فيصبح معنى الآية: إلا أن أغناهم الله وأغناهم رسوله، ونظيره كذلك ما مر معنا في قصة زيد بن حارثة ﵁ أن الله جل وعلا قال: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٣٧]، والإسناد هنا ظاهر أكثر منه فيما سبق؛ لأنه تكرر اللفظ نفسه -أي: لفظ الفعل- وهذا كله يؤيد أن القرآن استخدم ألفاظاً لا يمكن إضافتها إلى غير الله، واستخدم ألفاظاً أضيفت لله وأضيفت إلى غير الله مثل رسول الله ﷺ والمؤمنين.
لكن ينبغي التنبه جيداً: إلى أنه وإن أسندنا الإيتاء لله حيناً وللرسول حيناً، وأضفنا الإنعام إلى الله حيناً وإلى الرسول حيناً، وأضفنا الإيتاء والإغناء وأمثاله مما سلف؛ أنه ينبغي أن يعلم أن إنعام الله غير إنعام عبده، وإيتاء الله غير إيتاء عبده، وإغناء الله غير إغناء عبده، وهذا مهم جداً، ولنأخذ أنموذجاً: قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٣٧]، أنعم الله عليه بالإيمان بالخلق بالإيجاد بالهداية بالإرشاد، وأما أنت -أيها النبي- عندما أسندنا الإنعام إليك فقلنا: ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٣٧] لا يمكن أن يكون هذا مظاه للأول، لأن النبي ﷺ ليس بيده خلق، وليست بيده هداية خاصة، وإنما هو بشير ونذير صلوات الله وسلامه عليه، فيصبح قوله جل وعلا: ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٣٧]، أي: أنعمت عليه -أيها النبي- على هذا الذي هو زيد أنعمت عليه ﵁ وأرضاه بالعتق.
يتحرر من هذا: أن قول من قال من العلماء: أن قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] معطوف على لفظ الجلالة هو رأي مرجوح بعيد عن الصواب لا توافقه سياقات القرآن، لكنها تسير بنا طوعاً ظاهرة بينة إلى القول أن قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]، معطوف على الكاف في قوله جل وعلا: ﴿حَسْبُكَ﴾ [الأنفال:٦٤]، ويصبح المعنى: أن الله ﵎ -يا أيها النبي- كاف لك وكاف للمؤمنين الذين اتبعوك ونصروك، على أنه ينبغي أن يعلم إن استطردنا كما هو الحال في كثير من هذه الحلقات المباركة: أن نصرة الله جل وعلا لأنبيائه ورسله أمر ظاهر بين لا يحتاج إلى مزيد دليل، فإن الله جل وعلا أيد رسله أجمعين بنصره، وأيدهم جل وعلا كذلك بالمؤمنين، لكننا نلحظ أن القرآن إذا ذكر تأييد المؤمنين لنبيه ﷺ يأتي بها مفردة، ومن أدلة ذلك الظاهرة: قوله جل وعلا في الآية التي قبلها: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٦٢] ولاحظ هنا الوقوف، ثم قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٢].
ولا ريب أن المهاجرين الأولين والأنصار ﵃ وأرضاهم أجمعين كانوا أعظم من نصر الله جل وعلا بهم نبيه، فصلى الله وسلم على النبي المختار، ورضي الله عن المهاجرين والأنصار، وألحقنا بهم بإحسان إن ربي عزيز غفار.
هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده -أيها المباركون- حول قول الله جل وعلا في سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤].
وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 65
سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [٢٩]
لقد كان الأنبياء على خلق جم وأدب عظيم كيف لا ومربيهم هو رب الأرض والسماوات، وفي هذا الملف نموذج من أدب الأنبياء مع غيرهم، ومن ذلك أدب يوسف ﵇ مع إخوته، ومحاولته الحفاظ على مشاعرهم وعدم استثارة الماضي في قلوبهم، وذلك بعبارة جميلة لطيفة هي: (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي).
стр. 66
من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه أيها المباركون! حلقة جديدة من برنامجكم: معالم بيانية في آيات قرآنية: والآية التي نتوج بشرف الحديث عنها في هذا اللقاء المبارك: هي قول الله جل وعلا في سورة يوسف: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف:١٠٠].
تمهيداً نقول أيها المباركون: إن يوسف ﵊ نبي ورسول ثابتة نبوته ورسالته بالقرآن: قال الله جل وعلا في غافر: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر:٣٤]، وما دام رسولاً فهو قطعاً نبي، والذي نريد أن نميط اللثام عنه في هذه الآية: أن نبين كيف أن الله جل وعلا هنا عندما حكى خبر يوسف ﵊ بعد أن من الله جل وعلا عليه بنجاته من تلك الكربات العظام التي مر بها في حياته عندما كان بين إخوته عند أبيه، ثم ما كان من شأنه مع امرأة العزيز، ثم قبل ذلك بيعه بدراهم معدودة، وزهد من باعه فيه، ثم ما كان من سجنه صلوات الله وسلامه عليه، ثم ما أفاءه الله جل وعلا عليه بعد ذلك من ظهور براءته وعلو شأنه، وتوليه بعض مقاليد الأمور، ثم ما من الله جل وعلا عليه بتحقق رؤياه من سجود أبيه وأمه وإخوته له سجود تحية، وليس سجود عبادة.
في هذه الأجواء التي نصر الله جل وعلا فيها هذا النبي الكريم وأبوه ينظر إليه وإخوته يتقربون منه يقول ﵇ -بعد أن ذكر الله جل وعلا أنه قد عفا عنهم- أخذ يذكر تلك الأيام الخوالي، لكنه نبي وأي نبي، فقد كان مؤدباً جداً في كلامه وملاطفته لإخوته، فهو يريد أن يقول: إن الله جل وعلا امتن علي وأنعم علي وأظهرني وأفاء علي بفضله ورزقني الصبر أيام البلاء ثم رزقني النعمة، ثم رزقني الشكر على النعماء، فأراد أن يقول ذلك لكنه اختار عبارات لا تجرح إخوته؛ لأنه قد عفا عنهم، فلو عاد وجرحهم وحرك مشاعرهم بما لا يناسبهم فكأنه لم يعفو عنهم.
فلهذا أراد يوسف أن يختار عبارات تصور الأحداث التي سلفت وتجمل ما وقع من أمور دون أن يكون في ذلك أي غضاضة على إخوته، ودون أن يحاول من ذلك أن يستثير غضبهم أو على الأقل أن يبين لهم نقصهم بالنسبة إليه، قال: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف:١٠٠]، ومعلوم: أن إخوة يوسف هم الذين اعتدوا عليه وكادوا له، وهم الذين تآمروا عليه.
أما هو صلوات الله وسلامه عليه فلم يقع منه شيء ألبتة نحوهم، فلا توجد مسألة نزاع بين طرفين كل منهم تحمل كبر الموضوع، وإنما هم إخوة رأوا الحظوة والمكانة والمنزلة التي كانت ليوسف عند أبيه وعند أبيهم فحسدوه، وأرادوا أن يكيدوا له فكان منهم ما كان من الوقائع التي ذكرها الله جل وعلا في كلامه، لكن يوسف يريد أن يقول هذا دون أن يجرح تلك المشاعر فقال ﵇: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف:١٠٠].
إن هدى الله جعله الله جل وعلا نبراساً لأنبيائه فأضحى هدي الأنبياء بالنسبة لنا معلماً يجب أن نتأسى به ونتحلى به، وعلى هذا فالله يقول: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، كل من حولنا ممن عظم حقه كالوالدين، أو من كان بعدهم كذوي القربى، أو من كان أبعد قليلاً وله حق وهم المسلمون الذين يحيطون بنا ونتعامل معهم يجب علينا أن نختار أكمل العبارات وأجمل المفردات ونحن نخاطبهم مراعاة لمشاعرهم، وهذا هو هدي قويم، وطريق مستقيم، علمه الله أنبياءه ورسله، ورزق نبينا ﷺ الذي هو خاتمهم وسيدهم الدرجة العالية فيه صلوات الله وسلامه عليه، يثني عليه ربه بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
أنت أيها الأخ المبارك! تزداد رفعة وأجراً وتكبر في أعين الناس إذا كنت تحرص جيداً على مشاعرهم؛ ألا ترى إلى رسول الله ﷺ وهو يحدث عن السبعين ألفاً، ثم يقوم له عكاشة بن محصن ﵁ وأرضاه فيقول: (يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم؟ قال: أنت منهم، فقام رجل آخر وقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم؟ قال: سبقك بها عكاشة).
والمسألة حرفياً ليست كذلك وإنما المقصود: أن يبين النبي ﷺ له أن الله لم يكتب له أجلاً أن يكون من أولئك السبعين، لكن النبي اختار عبارة ذات لطف ومراعاة لمشاعر وخاطر ذلك الرجل الصحابي الجليل، فقال له: (سبقك بها عكاشة)، فأوصل له المعنى في مفردة مقبولة جميلة يظهر من خلالها الأدب الجم والخلق الرفيع لنبينا صلوات الله وسلامه عليه.
وعلى هذا نحن كما قلنا سلفاً: نختلط كثيراً بالناس وتخرج منا عبارات، من المعلم لطالبه، من الوالد لولده، ومن الولد لوالده، ومن الجار لجاره، فكلما انتقى الإنسان مفرداته، واختار عباراته، وتأدب في الخطاب مع الغير، حتى وهو يطالب بحقه، كان أكمل هدياً، وأقوم طريقة، ووصل إلى غايته دون أن يحصل من ذلك إثماً، وقد قيل: أؤخي إن البر شيء هين وجه طليق أو لسان لين هذا ما تيسر إعداده، وأعان الله جل وعلا على قوله، حول الآية المائة من سورة يوسف: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف:١٠٠].
وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
стр. 67
سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [٣٠]
استدل جمهور أهل العلم بعمومات القرآن المبشرة للمؤمنين بدخولهم الجنة: على أن صالحي الجن يدخلون الجنة كذلك؛ إذ لا يوجد يوم القيامة سوى جنة أو نار، وهذا من أظهر الأدلة على ذلك، وقد خالف بعض العلماء في ذلك، والراجح: ما تقدم ذكره والله أعلم.
стр. 68
هل الجن ممن يدخلون الجنة ؟
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه حلقة جديدة من برنامجكم: معالم بيانية في آيات قرآنية: والآية التي نحن بصدد إماطة اللثام عن معناها البياني ونتوج بشرف الحديث عنها: هي قول الله جل وعلا في آيتين متتابعين في سورة الرحمن: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٤٦ - ٤٧].
ظاهر عندك: أن الله جل وعلا امتن على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة، وقد قابلت الجن هذه الآية بالشكر والقول أبلغ من الإنس فقالوا: ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
كما ورد في ذلك الأثر، فما الذي يدفعنا إلى الحديث عن هذه الآية؟ نقول: إن بعض أهل العلم رحمة الله تعالى عليهم يذهبون إلى أن الجن إنما ينحصر جزاؤهم في أن الله جل وعلا يجيرهم من عذاب النار وأنهم لا يدخلون الجنة، وحججهم في هذا: هي قول الله جل وعلا في الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ [الأحقاف:٢٩]، إلى قوله سبحانه وهو موضع الشاهد: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣١].
لكن بيانياً: هل الآية التي احتجوا بها تصلح للسياق الذي ذهبوا إليه أم أن هناك ما يعارض هذا المفهوم الذي تبين لهم من كلام الله جل وعلا؟ نقول: أجاب عن هذا ابن كثير رحمة الله تعالى عليه -وحسبك به قامة علمية في علم القرآن خاصة- قال ﵀: والحق أن مؤمنهم كمؤمن الإنس يدخلون الجنة كما هو مذهب جماعة من السلف، وقد استدل بعضهم لهذا لقوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦]، ثم قال: وفي هذا الاستدلال نظر وذكر المعنى الذي ذكرناه من قول الله جل وعلا: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦].
ثم إنه قال رحمة الله تعالى عليه في كلام علمي رزين: فلم يكن تعالى ليمتن عليهم بجزاء لا يحصل لهم، وأيضاً: فإنه كان يجازي كافرهم بالنار وهو مقام عدل، فلأن يجازي مؤمنهم بالجنة وهو مقام فضل بطريق الأولى والأحرى، وهذا القول الذي حرره الحافظ ابن كثير أنت ترى علامة الظهور والعلو العلمي عليه، فأنت تجد نفسك تميل إليه لقوة دليله، وهذا الذي ينبغي أن يساق المرء إليه في اختيار الأدلة.
ثم قال: ومما يدل أيضاً على ذلك: عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف:١٠٧]، والذي قصده الحافظ ابن كثير بهذا العموم: أن قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الكهف:١٠٧]، فالذين: اسم موصول وهو من ألفاظ العموم، فيدخل فيه مؤمن الجن ومؤمن الإنس على السواء، ولا دليل على تخصيص أحدهما دون الآخر، ثم قال جل وعلا بعد ذلك يبين صحة ما ذهبنا إليه: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦]، وقد بينا رأي الحافظ ابن كثير في ذلك.
نعود إلى قوله: وما ذكره ها هنا من الجزاء على الإيمان -أي: العلماء الذين لا يرون أنهم يدخلون الجنة ويكتفون بالقول: بأنهم يجارون من العذاب- قال ﵀ يجيب عليهم: وما ذكره ها هنا من الجزاء على الإيمان من تكفير الذنوب والإجارة من العذاب الأليم يستلزم دخول الجنة؛ لأنه ليس في الآخرة إلا الجنة أو النار فمن أجير من النار أدخل الجنة لا محالة، ولم يرد نص صريح ولا ظاهر عن الشارع أن مؤمني الجن لا يدخلون الجنة وإن أجيروا من النار، ثم قال: ولو صح لقلنا به والله أعلم وهذا نوح ﵇ يقول لقومه: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح:٤]، ولا خلاف أن مؤمن قومه في الجنة فكذلك هؤلاء، أقول بعد ما سقت كلام الحافظ ابن كثير رحمة الله تعالى عليه: إن الإنسان أحياناً يغلب عليه الاقتصار على جزئية واحدة، وهذا بلا شك يحدث خللاً في التصور العلمي.
فينبغي للناظر في القرآن وفي غيره من أمور الشرع: أن تكون نظرته نظرة شمولية عامة شاملة يستحضر جميع الأدلة التي تعنى بالقضية؛ لأن النظر بطريقة جزئية دون استصحاب مقاصد الشرع مع ضرب الذكر صفحاً على الأدلة الكلية والأشباه والنظائر يجعل من المقولة بعد ذلك لا تستوي علمياً، ولا ترتقي إلى أن يعتقدها الإنسان شرعاً ويدين الرب بها ﵎.
فعلى هذا كنا نرى في كلام الحافظ ابن كثير قرباً من الصواب أو فلنقول ونجزم: إنه هو الصواب؛ لأن الطريقة التي سلكها الحافظ ابن كثير في طرح دليله هي الطريقة العلمية التي ينجم عنها الوصول بفضل الله جل وعلا ورحمته إلى القول السديد في القضية، وقد قلت: إن الأولين الذين ذهبوا إلى الرأي الأول هم علماء فضلاء اقتصروا على آية واحدة، وليست هذه طريقة صحيحة ولا منهجية في الدليل العلمي.
ولهذا أمثلة ونظائر وأشباه في كلام الرب جل وعلا، فأنت ترى أن العلماء الذين وفق غالبهم إلى الصواب وترى في قولهم مكانة العلم وقوة الحكم إنما وصلوا إليه بقدرتهم على النظرة الشمولية، وعلى هذا نقول: إن عدم التعجل في الحكم الشرعي هو الذي -بعد فضل الله جل وعلا ورحمته- يهدي إلى الطريق الأقوم، على أنه ينبغي أن يعلم أن من قال بذلك القول الأول الذي رأيناه مرجوحاً من العلماء لا يعني ذلك الغضاضة منهم أو التقليل من شأنهم، قال الشاطبي ﵀ في بيت شعر جامع مانع كامل يظهر فيه الأدب مع العلماء: وواجب عند اختلاف الفهم إحسان الظن بأهل العلم وقد قال ابن رجب ﵀ في القواعد: يأبى الله العصمة إلا لكتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه أرجو الله جل وعلا أن نكون قد وفقنا فيما حررناه وبيناه وقلناه، والله وحده هو المستعان، وعليه البلاغ، هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، حول قول الله جل وعلا: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٤٧].
وقبل أن أطوي هذه الحلقة أقول: إننا وإن بيناها من جهة دليلها العلمي وما أشارت إليه، لكنها من ناحية الوعظ تبين أن الخوف من مقام الله منزلة وأي منزلة من أعطيها فقد أعطي حظاً عظيماً جليلاً من القرب من الرب ﵎، يسر الله لي ولكم هذه المنزلة، والله أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.