← Тафсир

Тафсир · id 37743

معالم بيانية في آيات قرآنية

صالح المغامسي

Полный текст (68 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [١] من المعالم البيانية في الآيات القرآنية: تقديم الله ﵎ للعلم على الخلق، وهذا موجود في بداية سورة الرحمن، ولهذا التقديم مغزى عظيم يجدر بالإنسان وطالب العلم على وجه التحديد أن يعلمه، ليزداد إيماناً ببلاغة هذا القرآن العظيم.

стр. 2

السر القرآني في تقديم لفظ تعلم القرآن على الخلق والإيجاد في أوائل سورة الرحمن الحمد لله خالق الكون بما فيه، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فهذه حلقة من حلقات برنامجكم: معالم بيانية في آيات قرآنية، وهذا البرنامج المبارك يعنى بآيات الكتاب المبين من حيث دلالاتها البيانية والبلاغية تمهيداً لبيان مراد الله جل وعلا منها، وأول الآيات التي سنشرع في بيان معالمها بيانياً وبلاغياً: قول الله جل وعلا: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:١ - ٤]. أيها الأخ الكريم! نعلم جميعاً أن الرب ﵎ له أسماء حسنى وصفات على، ومن أسمائه الحسنى الرحمن، وهذا الاسم المبارك يستفتح الله جل وعلا به هذه السورة المباركة، ثم أتبع ذلك جل ذكره بذكر نعمتين عظيمتين أنعم بهما على خلقه: نعمة الخلق والإيجاد، ونعمة الهداية والإرشاد، ومعلوم قطعاً: أن نعمة الخلق والإيجاد مقدمة زمناً على نعمة الهداية والإرشاد، كما أن نعمة الخلق والإيجاد يشترك فيها جميع المخلوقين وجميع الموجودين، فالذي خلقهم وأوجدهم من العدم، ورباهم بالنعم، هو الرب ﵎، لكن الله جل وعلا هنا قال: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن:١ - ٢]. فذكر تعليم القرآن مقدماً على الخلق والإيجاد، وهذا هو السر البياني الذي سنقف عنده في هذه الحلقة المباركة، فنقول: لما كانت نعمة الهداية والإرشاد أعظم من نعمة الخلق والإيجاد قدمها الله وإن كانت متأخرة زمناً، إلا أن الله قدمها لعظيم نفعها وجلالة أثرها، ولأن نعمة الهداية والإرشاد لا ينالها إلا المؤمنون، لا ينالها إلا المطيعون المخلصون المتقون، لكن نعمة الخلق والإيجاد مشتركة بين الخلق ينالها كل مخلوق، من بر أو فاجر، من مؤمن أو كافر، من بني آدم، من الجن، من الملائكة، من البهائم، من الطير، كلهم يجتمعون ويتساوون في أنهم مخلوقون للرب ﵎. فهذا السر البياني الذي من أجله قدم الله جل وعلا نعمة الهداية والإرشاد؛ لأنها نعمة خاصة أعطاها الله جل وعلا لبعض خلقه، فمنح ﵎ لبعض عباده -جعلنا الله وإياكم ممن أفاء الله جل وعلا عليه- هذه النعمة، ثم إننا نقول معرجين على ما في هذه الآية: إن الرحمن اسم من أسماء الله الحسنى، وكذلك الرحيم اسم من أسماء الله الحسنى، وبينهما عموم وخصوص، وجملة ما يمكن أن نفيد به في هذا اللقاء أن نقول: إن اسم الرحيم يطلق على الرب ﵎ ويوصف به غيره، قال الله جل وعلا في نعت نبيه ﷺ : ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]. وتقول في كلامك: إن فلاناً رجل رحيم، وإن زيداً رجل ذو شفقة ورحمة ورحيم بمن حوله، لكن اسم الرحمن لا يطلق إلا على الرب ﵎، ولا يصح شرعاً ولا يجوز أبداً إطلاقه على غير الرب جل وعلا، نعود إلى قوله سبحانه: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ﴾ [الرحمن:٢ - ٣]، من المتفق عليه عند النحاة: أن (علم) تنصب مفعولين، فما المفعولان اللذان نصبهما الفعل (علم)؟ أما الأول فظاهر وهو القرآن، لكن هل نقول: إن لفظ القرآن هنا هو المفعول الأول أو هو المفعول الثاني؟ الذي يترجح: أن القرآن هنا هو المفعول الثاني، فيبقى علينا تقدير المفعول الأول، وتقديره اختلف أهل التفسير والتأويل فيه رحمة الله تعالى عليهم أحياء وأمواتاً: لكن الأرجح أن يقال: إن التقدير هو: علم نبيه القرآن، وفي اعتمادنا لاختيار المفعول الأول أن يكون لفظ (نبيه) هو أن في ذلك رداً على زعم قريش وافترائها: أن محمداً ﷺ جاء بالقرآن من عنده وليس القرآن من عند الله وهذا باطل، وهذه إحدى الردود التي رد الله جل وعلا بها على زعم أولئك الكفار، ومعلوم أن قريشاً قالت: قال الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان:٥]، وهناك طرائق عدة تبعها القرآن في الرد على قريش في زعمهم، وهذا واحد منها في أن الله جل وعلا بنص صريح واضح جلي بين أنه ﵎ الذي علم نبيه هذا القرآن وأنزله عليه، وأرسله به صلوات الله وسلامه عليه، قال شوقي: جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بحكيم غير منصرم آياته كلما طال المدى جدد يزينهن جلال العتق والقدم وقال ﷺ : (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي)، من هنا يتضح -أيها الأخ المبارك والأخت المباركة- أن التقديم والتأخير هنا كان لغرض بلاغي: وهو إظهار شأن القرآن، وبيان نعمة رحمة الله جل وعلا بعباده المؤمنين أن هداهم للإيمان والتقوى، وأن هذا مقدم حساً ومعنى، ولفظاً ومبنى، على نعمة الخلق والإيجاد التي يشترك فيها الخلائق أجمعين، فليس لخلق أحد خصيصة على خلق أحد غيره. هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله جل وعلا على قوله في هذه الحلقة التي عنينا بها ببيان التقديم والتأخير في كلام العلي الكبير حول قول ربنا جل وعلا: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:١ - ٤]. وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 3

سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [٢] من اللطائف البيانية في القرآن ما يسمى بواو الثمانية، وقد اجتهد العلماء في استنباطها، وفرقوا بينها وبين حرف العطف، فإليك حاصل ما استنبطوه وفقهوه.

стр. 4

اللطيفة القرآنية في الفرق بين حرف العطف وواو الثمانية الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جامع الناس ليوم لا ريب فيه، وأشهد أن الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الأخ المبارك! والأخت المباركة! الآية التي نحن بصدد الحديث عنها، وبيان ما فيها من معالم بيانية في هذا البرنامج المسمى: معالم بيانية في آيات قرآنية، هي قول الله جل وعلا: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم:٥]، فنقول: أيها المؤمن! أيتها المؤمنة المباركة! إن الرب ﵎ هنا يخبر عما وقع في بيت نبينا ﷺ ، ومعلوم أن النبي ﵊ كان يأوي إلى حجرات قريبات من مسجده صلوات الله وسلامه عليه، وفي تلك الحجرات كان يقضي حياته الزوجية كأحسن ما يكون ﵊، يمثل في ذلك النموذج الأكمل والطريق الأتم في قضية تعامل الإنسان مع زوجاته ﵊، وقد كان يقع في بيته ما يقع في بيوت سائر الناس؛ لأنه ﵇ بشر من سائر من خلق الله، إلا أن الله جل وعلا أكرمه بأن ختم به النبوات وأتم به الرسالات، فمما وقع عليه ﵊: أن بعض نسائه تظاهرا عليه -وإن اختلف العلماء في سبب ذلك التظاهر- فبعضهم رده إلى ما وقع من أنه ﵇ وقع على مملوكته مارية القبطية في بيت حفصة، وقال آخرون بغير هذا، والذي يعنينا أن الله جل وعلا خاطب الصالحات من زوجات النبي ﷺ وكلهن صالحات بقوله: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ [التحريم:٤]، أي: على نبينا: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم:٤].

стр. 5

السر القرآني في مجيء حرف الواو العاطفة بين (ثيبات وأبكاراً) دون ما قبلها من الصفات ثم أردف وأتبع جل وعلا الآية هذه بقوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم:٥]، هذه الحلقة تبحث في أن الله جل وعلا ذكر ثمانية صفات هاهنا، وهي قوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم:٥]. ونلاحظ أن حرف الواو لم يأت إلا بين قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم:٥]، أما ما سلف من صفات وما ذكر من وعود سابقة فلم يفصل ربنا جل وعلا بينهن في كتابه بفاصل، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الواو تسمى: واو الثمانية، ومن حججهم على إثباتها: أن الصفات الأول سبع، وصفة أبكار ثامنة، وقالوا: إن هذه الواو كثيراً ما تقترن في الأدب الشامل، ومن أدلتهم على ذلك: قول الله جل وعلا في سورة الزمر: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر:٧٣]، قالوا: هذه الواو التي في قوله سبحانه: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر:٧٣]، هي الواو التي في قوله جل ذكره: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم:٥]، ومن أدلتهم كذلك: أن الله جل وعلا ذكر عدد أصحاب الكهف، فقال سبحانه: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف:٢٢]، فقالوا: إن الله ذكر الواو هنا؛ لأنها دلت على الثمانية، والحق أننا لا نجد في ذلك قوة من حيث الدليل، أما آية الكهف فإن الله ﵎ لم يغير صيغة الإسناد، فعلى هذا لا يمكن أن يحتج بأن هذه الواو واو الثمانية، وأما في آية الزمر فإن الراجح أنها واو الحال، وأن ثمة شأناً سيحدث وهو أن النبي ﷺ يكون شفيعاً لأهل الموقف من المؤمنين في أن يدخلوا الجنة، أما النار فإن أهلها يدخلونها ابتداء كما قال الله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر:٧١]، أما الجنة فقد دل الحديث الشريف على أن النبي ﷺ يستفتح باب الجنة بعد أن يكون الناس قد نهضوا إلى آدم فيقول: (وهل أخرجتكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم)، بقي توضيح الآية التي نحن بصدد ذكرها في هذا المقام، فنقول: هذه الواو واو عطف، والعطف يقتضي المغايرة في الأصل، وإنما جيء بواو هنا لبيان أن المرأة قد تكون مؤمنة ومسلمة من قبل، وقانتة وتائبة وعابدة وسائحة في وقت واحد، فلا تعارض أن تجمع المرأة بين هذه الصفات ولهذا لن تقع واو العطف بينهن، أما الثيبات والأبكار فإنه محال عقلاً أن تكون المرأة ثيباً وبكراً في وقت واحد؛ ولهذا فصل بينهما بالواو، فهذه الواو واو عطف ولا علاقة لها بواو الثمانية، فلو فرضنا جدلاً: أن الله جل وعلا ذكر خمس صفات لهؤلاء المؤمنات، فإن قوله جل وعلا: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم:٥]، كان لا بد معه أن يفرق بين هاتين الصفتين بواو بصرف النظر عن عدد الصفات التي قبلها؛ لأن المرأة كما قلنا لا يجتمع فيها أن تكون ثيباً وبكراً في آن واحد، هذا البيان الحقيقي للمسألة. بقي كذلك أن يقال: لماذا قدم الله جل وعلا الثيب على البكر؟ نقول هنا والعلم عند الله: إن النبي ﷺ خوطب بهذه الآية وقد جاوز الخمسين، وهو ﵊ لديه من النساء الكثير مما أباحه الله جل وعلا له: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأحزاب:٦٢]، والنبي ﷺ تعلقه بالنساء كما في قوله ﷺ : (حبب إلي من دنياكم النساء والطيب)، ليس تعلق الشهواني المحض الذي يوجد عند بعض الرجال، لكنه ﵊ كانت هناك مصالح جمة نجم عنها تعدد أزواجه بينها العلماء في موضعها، لكنه هنا قدم الثيب لبيان أن القضية ليست مسألة شهوة محضة، فهو ﵊ راجح العقل، تزدحم حياته بالكثير من المسئوليات، فهو أحوج إلى امرأة مجربة رزينة عاقلة أكثر من البكر، وإن كانت عائشة رضي الله تعالى عنها بكراً، لكن ليس كثير من النساء في مثل درجة عائشة ﵂ وأرضاها من الفضل والكرامة والعقل الذي أعطاها الله جل وعلا إياها؛ فقد كانت ﵂ وعن أبويها نعم السند لنبينا صلوات الله وسلامه عليه. بهذا الأمر ينجلي الحديث عن قول الله جل وعلا: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم:٥]، ويتضح أن الواو هنا هي واو العطف، جيء بها للمغايرة، وليس كما ذهب إليه بعض أهل الفضل من أهل العلم في أنها واو الثمانية، وهذه الآية الكريمة كما هو معلوم هي الآية الخامسة في سورة التحريم التي صدرها الله جل وعلا بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:١ - ٢]. والذي يعنينا هنا كما بينا: إظهار ضعف قول من قال: إن الواو هنا واو الثمانية، وأوضحنا جلياً أن المقصود منها ذكر المغايرة، وأن ثمة أسباباً معنوية وعلمية تدفعنا إلى القول بأنه لا بد من التفريق ما بين الثيب والبكر لعدم اجتماعهما بخلاف ما سلف من صفات، وما ذكر من خلال، فإنه يمكن الجمع بينهن كما بيناه في حينه. وفي الآية كذلك التي قبلها: دليل على منزلة النبي ﷺ عند ربه، إذ أن قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم:٤]، إظهار جلي، وبيان واضح، لمنزلة رسول الله ﷺ عند ربه، هذا -أيها الأخ المبارك، والأخت المباركة- ما تيسر إيراده، وتهيأ قوله، سائلين الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لكل خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 6

سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية] ٣ [ ماذا قدم الله في سورة التكوير سؤال الموءودة على سؤال وائدها، مع أن المفترض أن يكون الوائد هو المسئول لا الموءودة؟ الحقيقة: أن هذا من لطائف القرآن البيانية، ومن معجزاته البلاغية، ولمعرفة الجواب ما عليك إلا أن تقرأ هذا الملف.

стр. 7

المعالم البيانية في قوله تعالى: (وإذا الموءدة سئلت * بأي ذنب قتلت) إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه حلقة من حلقات برنامجكم المبارك: معالم بيانية في آيات قرآنية. والآيات التي سنشرع في بيان بعض معالمها البيانية في هذا اللقاء المبارك: هي قول الله جل وعلا في الآيتين الثامنة والتاسعة من سورة التكوير: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩]. بداية نبين أن الموءودة: هي الفتاة التي دفنت حية، وهذا الفعل كانت تفعله العرب في جاهليتها، وأهل التاريخ يقولون: إن سبب ذلك: أن رجلاً منهم في أول الأمر غزاه أعداء له، فأسروا أهله، وكان من ضمن الأسر ابنة له، هذه الفتاة بعد أن استطاع أبوها أن يصطلح مع أعدائه خيرت ما بين أبيها وما بين آسرها، الذي قيل: إنه تزوجها. فلما تزوجها هذا الرجل وخيرت ما بينه وهو آسر لها في الأصل وما بين أبيها، اختارت زوجها الآسر، فأعقب ذلك حنقاً في قلب أبيها، فأقسم ألا تلد له ابنة إلا ذبحها وهي حية. هذا فيما يزعمون أنه أصل الوأد في العرب، فتبعته العرب على ذلك، وله سبب آخر: هو الفقر والإملاق وهذا سيأتي بيانه إن شاء الله في حلقة أخرى. لكن سنقف هنا عند السبب الذي يتعلق بخوفهم من العار والشنار، قال الله جل وعلا عنهم: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل:٥٨ - ٥٩]. هذا التعميم والذكر الكامل للقضية عندهم في جاهليتهم وذكر أخبارهم أردفه الله جل وعلا وأعقبه في سورة التكوير بقوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩]. ما السبب الذي نحاول كشف اللثام عنه في هذا اللقاء؟ السبب: هو لماذا وجه السؤال للموءودة، ونحن نعلم أنه لا ذنب لها؟ ولم لم يوجه السؤال لمن قام بالوأد؟ هذا الذي يتبادر أول الأمر وبادي الرأي لمن يقرأ الآية، ومعلوم أن القرآن عظيم منزل من رب كريم، فما عجزنا عن فهمه فإنا نتهم أفهامنا، وإلا فالقرآن هو الأسبق في أخباره، والأسمى في بيانه، والأشد وعظاً في عبارته. فنقول: من أجمل الأجوبة في هذا أن يقال: إن أولئك الذين يقومون بالوأد لا يقيم الله جل وعلا لهم يوم القيامة وزناً، ولا يحفل الله جل وعلا بهم، وليس لهم عند الله أدنى كرامة في يوم العرض الأكبر، ومن دلائل هوانهم على الله وأنهم ليس لهم وزن في ذلك المقام العظيم: أن الأسئلة لا توجه لهم، ولا يحفل بهم، ولا يعتبر وجودهم، فهم أقل من أن يخاطبوا، وأدنى من أن يوجه السؤال لهم، ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩]. فيكون جوابها: أن لا ذنب لي، فيكون في جوابها إهانة لذلك الذي قام بالوأد، وهذا هو المقصود الأسمى من الآية: أن نبين ما أعده الله جل وعلا من ذليل المكانة لأولئك القوم الذين تنكبوا هذا الطريق، وقاموا بهذا العمل؛ لأن الله جل وعلا وصفهم في سورة النحل بقوله: ﴿أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل:٥٩]. فقول ربنا جل وعلا: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩]. ظهر لنا الآن المقصد والمراد منه: من أنه توبيخ وإقامة سخرية واستهزاء وبيان لمهانة أولئك القوم الذين لم يحفلوا بنعمة الله جل وعلا، أن أنعم عليهم بالبنات، فعمدوا إلى قتلهن أحياء خوفاً من العار، وبهذا بيان ظاهر إلى أن الإنسان لابد أن يكون عاقلاً. قد ينجم عن الفتاة عار إذا كبرت، فلا يختلف على هذا اثنان أنه من الممكن أن يقع، وإن كان قليلاً، لكن العاقل لا يدفع مصلحة حالة من أجل مفسدة لم تقع بعد، فلا يقدم درء مفسدة يتوهم وقوعها على مصلحة راجحة بينة، فنعمة الفتاة والبنت نعمة عظيمة من الله، وقد عني الإسلام بها أعظم عناية، قال ﷺ : (من عال جاريتين حتى تبلغا دخلت أنا وهو الجنة كهاتين، وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى)، وقد تظافرت الأحاديث عن رسولنا ﷺ تدعوا الرجل وولي الأمر والأب إلى العناية بالبنات، وأنهن طريق إلى الجنة إلى غير ذلك مما هو مذكور مشهور في موقعه في السنة. نعود فنقول: إن الله جل وعلا هنا يخبر إجمالاً عما سيقع يوم القيامة، من أهوال، ومن نقم، تقع على أهل الكفر، وإذلال في ذلك الموقف من الله جل وعلا لهم، ومن ذلك: أن بعضهم لا يقيم الله له وزناً، ومن هنا يمكن جمع هذه الآية مع بعض ما ذكره الله جل وعلا من أخبار العصاة الذين لا يكلمهم الله، ولا يزكيهم يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، وأخبر جل وعلا أن لهم عذاباً أليما. فهنا تبين الموقف من أن الله جل وعلا يقول: وهو أصدق القائلين: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩]. وقال بعض العلماء في الجواب عن هذا: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩]، أي: قتلت بلا ذنب، وهذا معلوم، لكن يبقى قول الله جل وعلا: ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٩] على أنه استفهام يجري على مجراه الحقيقي، ويكون جوابه منها في عرصات يوم القيامة؛ لأن السؤال متوجه إليها، فيكون في جوابها بيان وتوبيخ لذلك الذي قام بوأدها، نسأل الله جل وعلا العافية. ويستنبط المسلم من هذا: أن الإنسان إذا اتبع أحداً فإنه يكون على بينة من أمره، وعلى رشد من قوله وفعله، فلم يكن أولئك الجاهليون صائبين ومتتبعين لطريق الحق، لاتباعهم لذلك الذي سن لهم وأد البنات قبل ذلك؛ لأن الله جل وعلا نعتهم بقوله: ﴿أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل:٥٩]. هذا ما يتسر إيراده، وتهيأ قوله، وأعان الله جلا وعلا على ذكره، حول قول ربنا ﵎: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩]. وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 8

سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [٤] تقول العرب دائماً: إن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. وهذا المعنى يتضح جلياً في آيات الله تعالى في القرآن، ومن هذه الآيات: الفرق بين اسطاعوا واستطاعوا في سورة الكهف، وما فيه من جميل المغزى، وعظيم الفائدة القرآنية.

стр. 9

بيان اللطيفة القرآنية في قوله تعالى: (فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً) الحمد لله رب العالمين، خالق الكون بما فيه، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، وحجة على المعاندين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة والأخوات! هذه حلقة جديدة من برنامجكم: معالم بيانية في آيات قرآنية، والآية التي نحن بصدد الحديث عنها في هذا اللقاء: هي قول الله جل وعلا في الآية السابعة والتسعين من سورة الكهف: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف:٩٧]. والمخبر عنه هنا هو ذلكم الردم الذي بناه ذو القرنين، وقبل بيان ما نحن عازمين على بيانه نبين أن الله جل وعلا جعل لهذا الملك ذي القرنين سلطاناً عظيماً، وحججاً باهرة، قال الله عنها: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف:٨٤]. طاف ذو القرنين الآفاق، وجال المشارق والمغارب حتى وصل كما قال الله جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الكهف:٩٣]. طرحوا عليه قضيتهم: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ [الكهف:٩٤]، وهما قبيلتان من نسل يافث بن نوح ﵇: ﴿مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف:٩٤]. فأجابهم هذا الملك الصالح: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف:٩٥ - ٩٦]. فبنى ذو القرنين هذا الردم بين السدين ليكف شر يأجوج ومأجوج عن أولئك القوم الذين نعتهم الله جل وعلا بقوله: ﴿لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الكهف:٩٣]. ثم قال الله جل وعلا: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف:٩٧]، ما نريد أن نوضحه هاهنا: هو لماذا ذكرت (اسطاعوا) بالتخفيف، وذكرت استطاعوا بالتثقيل؟ والعرب تقول: إن زيادة المبنى تدل على زيادة في المعنى، ونجيب على ذلك كما أجاب أهل العلم رحمة الله تعالى عليهم من قبل بما يلي: هذا الردم الذي بناه ذو القرنين ليصد ويكف شر يأجوج ومأجوج، حاولت تلك القبائل يأجوج ومأجوج أن تتجاوزه إلى ما تريد، ولا سبيل إلى تجاوزهم إلا بإحدى طريقتين: الطريقة الأولى: أن يظهروا على السد بمعنى: أن يصعدوا عليه ثم يصلون إلى مرادهم. والطريقة الأخرى: أن يحدثوا فيه نقباً، فإذا أحدثوا فيه نقباً سهل عليهم بعد ذلك أن يخرجوا إلى غيرهم من خلال هذا النقب، هذا هو المتعين لهم. ومعلوم: أنهم إذا اختاروا الارتقاء والعلو والظهور كما حكاه الله، فإنه بلا شك أسهل من قضية أنهم يسعون في نقب ذلك الردم، ومعلوم لكل ذي عقل: أن ارتقاء الشيء والعلو عليه أيسر بكثير من نقبه وخرقه، ولهذا قرن الله ذلك الظهور بالفعل: اسطاع مخففاً: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف:٩٧]؛ وذلك حتى تدخر التاء لما هو أشد وهو النقب، فيصبح هناك توازن ما بين المعنيين المراد ذكرهما، وما بين الفعلين الذين سيق بهما ذلك المعنى، فقال ربنا: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف:٩٧]، وبهذا يتضح لنا بجلاء عظمة هذا القرآن وأنه منزل من لدن حكيم خبير، لا رب غيره، ولا إله سواه، والمؤمن الذي يكثر من تلاوة القرآن، ويقف عند هذه المعالم البيانية فيه، لا بد أن تؤثر على لسانه، ويصبح أكثر سليقة وأقرب إلى الفصاحة والبيان والعلم بالبلاغة واللغة من غيره؛ لأن القرآن في أصله كما قال الله: ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر:٢٨]. أما الحديث عن ذي القرنين: فقد اختلفت كلمة أهل العلم فيه: هل هو معدود في الأنبياء أم لا؟ وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (لا أدري أكان ذو القرنين نبياً أم لا)، وما أجمل تلك العبارة التي قالها بعض العلماء: فإذا كان النبي عليه الصلاة السلام يقول: لا أدري، فكيف لنا أن نجزم في ذي القرنين هل هو نبي أم لا، فنقول كما قال نبينا ﷺ : لا ندري أكان ذو القرنين نبياً أم لا، لكنه كان ملكاً صالحاً قطعاً؛ لأن الله جل وعلا أخبر عن علو شأنه وعن قوله ﵎: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف:٨٥ - ٨٦]. ووجه الدلالة على صلاحه: قول الله جل وعلا عنه: ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف:٨٧ - ٨٨]. وبهذا يتبين لنا هذا التوافق العظيم في المعنى بين الفعلين، ويظهر لنا بذلك عظمة القرآن، وسمو أسلوبه، وجمال عبارته، وما تضمنه هذا القرآن من فصاحة وبيان، ولا ريب أنه أنزل كذلك على رسول البيان والبلاغة صلوات الله وسلامه عليه، قال الله جل وعلا: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم:٩٧]. هذا ما تيسر إيراده، وأعان الله جل وعلا على قوله، حول قوله ﵎ في الآية السابعة والتسعين من سورة الكهف: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف:٩٧]. وأرجو الله أن يكون قد حل بهذا البيان الكثير من الإشكال حول هذه الآية المباركة في سورة الكهف، والله تعالى أعز وأعلى وأعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 10

سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [٥] من اللطائف القرآنية والمعالم البيانية: ذلك التناسق البديع، والتناسب الرفيع، بين آيات سورة الضحى، فإن الله عندما امتن على نبيه بما كان عليه قبل النبوة، ذكر نصائح للنبي ﷺ تتناسب تماماً مع ما امتن به عليه، مما يدل على شرف المنزلة، وعظيم المحبة من الله لنبيه ﷺ .

стр. 11

التناسق والتناسب العظيم في الآيات الأواخر من سورة الضحى الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أراد ما العباد فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه حلقة من برنامجكم: (معالم بيانية في آيات قرآنية)، والآيات التي نحن بصدد الحديث عنها في هذا اللقاء المبارك من هذا البرنامج هو ذلكم التناسق في سورة الضحى، قال الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨]، ثم قال: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:٩ - ١١]. هذه الثلاث الآيات التي ختم الله جل وعلا بهن هذه السورة الكريمة تتناسب كل واحدة منهن مع ما قبلها، وبعض الناس يزدلف إليه بادي الرأي أن قول الله جل وعلا: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:١٠] إنما هو موافق لقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨]، فيظنها أنها مناسبة لقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٨]. بداية نوضح المعاني العامة للآيات، ثم نزدلف إلى ما نريد إماطة اللثام عنه من حفظ الآية بيانياً. الله هنا يمتن على نبيه، وما أعظم منن الله على هذا النبي الكريم، الذي هو خير الخلق وأفضلهم، يقول له ربه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى:٦]، واليتيم في اللغة: هو ذلكم المنقطع عما يلتصق به، وهو في العرف الشرعي: كل من فقد أباه قبل البلوغ، فإذا بلغ خرج عن كونه يتيماً. ونبينا ﷺ ولدته أمه وقد توفي أبوه وهو حمل ﵊، فأخبر الله جل وعلا بأمر واقع ومشهود، ولذلك قريش كانت تسمي النبي ﵊: يتيم أبي طالب؛ لأنه نشأ في كنف عمه أبي طالب، قال شوقي: ذكرت باليتم في القرآن تكرمة وقيمة اللؤلؤ المكنون في اليتم هذا الأمر أعقبه الله جل وعلا بقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى:٦] ويناسبه ويتناسق معه قول الله: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى:٩]، وانظر إلى تعليم الله لنبيه، فالنبي ﵊ عرف اليتم وذاق مرارته، فلهذا كان ﵊ أحن على الأيتام من غيره؛ لأنه ﵊ بعث رحمة في الأصل، وتلك حكمة بالغة، وإن كان في ظننا أن المقصود الأسمى من وفاة أبوي النبي ﷺ في صغره: ألا يكون لأحد على النبي ﷺ منة من الخلق. أما قول الله جل وعلا: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧]، الضلالة في القرآن وردت بمعان ثلاثة: والمقصود بها هنا: التوقف، فقد كان النبي ﷺ متوقفاً في أمر قومه، ولم يكن يعلم ﵇ مكان الهداية، قال تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢]، وفي نفس الوقت كان على يقين من أن قومه على الباطل، والدليل على ذلك: أنه ﵊ لم يتبعهم فيما هم فيه، ولم يسجد لصنم قط، وإنما كان يفر عن أنديتهم ومجتمعاتهم، ويأتي الجبل ويتحنث الليالي ذوات العدد، كل ذلك فراراً مما عليه قومه، مما يدل على أنه ﵇ لم يكن مقتنعاً أبداً طرفة عين ولا أقل من ذلك بما عليه قومه من الضلالة، لكنه في نفس الوقت لم يكن يعلم مكان الهداية، فهداه الله، وهذا معنى قول الله جل وعلا: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧]. والذي يناسبها ما بعدها: قول الله جل وعلا: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:١٠]، إذاً: كلمة السائل هنا تنصرف إلى المسترشد المستخبر عن أمر دينه في المقام الأول، ولا يمنع حسب قواعد التفسير: أن تنصرف كذلك إلى السائل المسكين، لكنها في المقام الأول تنصرف إلى المسترشد؛ ولهذا كان النبي ﷺ يجيب من يسأله في أمر الدين على أي حال كانت، ونحن نعلم أنه كان يقف في موقف في عرفة وفي غير عرفة في أيام الحج، ويسأله الناس ويجيب، وقد قال العلماء: ومن أجل هذا كان النبي ﷺ إذا قدم من سفر أو غزوة أو ما شابهها يبدأ بالمسجد حتى يعرف الناس بقدومه، فإذا عرفوا بقدومه قدموا إليه ليسألوه، ويأخذوا عنه دينهم صلوات الله وسلامه عليه، فهذا هو المعنى الحقيقي الأول لقول الله جل وعلا: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:١٠]. ثم قال الله له: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٨]، أي: وجدك فقيراً ذا حاجة ومسكنة فأغناك، وليس المقصود بالغنى هنا: البطر والكبر والتعالي والخوض في غمار هذه الدنيا؛ فإن النبي ﷺ كانت تمر عليه الأهلة -كما تنبئ عائشة - ولا يوقد في بيته نار، لكن لا يعني ذلك أن النبي ﷺ عاش الفقر التام طوال حياته، لكنه كان أحياناً يجد، وأحياناً لا يجد، فلا يتكلف مفقوداً، ولا يرد موجوداً، صلوات الله وسلامه عليه، يعيش حياة العبودية الحقة. والذي يعنينا: قول الله جل وعلا: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١]، فهي متناسبة مع قوله ﵎: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٨]، والتحدث بنعمة الله يكون وفق سياقه الشرعي إذا قسنا به إظهار عظمة الله وفضله وإحسانه ولم يقصد به التعالي على الخلق، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]. ولم يكن النبي ﷺ يتعالى على أحد غيره طرفة عين، بل كان النموذج الأكمل في التمام والكمال الخلقي الذي آتاه الله جل وعلا، بل وقد ذكرنا هنا ثلاث صفات أفاءها الله جل وعلا على نبيه، وأخبر عنها؛ لأنها موئل الحديث اليوم، وإلا فإن النبي ﷺ كما هو معلوم جمع خلال الخير كلها، وصفات الفضل بأكملها، قال شوقي ﵀: فإذا خطبت فللمنابر هزة تعروا الندي وللقلوب بكاء وإذا أخذت العهد أو أعطيته فجميع عهدك ذمة ووفاء وإذا قضيت فلا ارتياب كأنما جاء الخصوم من السماء قضاء وإذا بنيت فخير زوج عشرة وإذا ابتنيت فدونك الآباء وإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هما الرحماء وإذا حميت الماء لم يورد ولو أن القياصر والملوك ظماء صلوات الله وسلامه عليه. يتحرر من هذا -أيها الأخ المبارك والأخت المباركة- أن ما ختم الله جل وعلا به سورة الضحى -تلك السورة المكية- متناسب متناسق مع ما سلف بيانه من صفات أخبر الله جل وعلا بها عن نبيه، فامتن الله جل وعلا عليه بأفضل منها، فآواه بعد أن كان يتيماً، وهداه بعد أن كان ضالاً متوقفاً، وأغناه بعد أن كان فقيراً عائلاً، صلوات الله وسلامه عليه. هذا ما تيسر إيراده، وأعان العلي الكبير على قوله، حول سورة الضحى وما ختم الله جل وعلا بها من آيات تبين جليل القدر وعظيم المكانة لسيد الخلق وأشرفهم ﷺ عند ربه، راجين الله أن تكون فيما قلناه البركة والنفع للقائل والقارئ. وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 12

سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [٦] أحياناً يقدم الله ﵎ عالم الجن على عالم الإنس في القرآن، وأحياناً يقدم الإنس على الجن، وليس ذلك عبثاً أو لعباً عياذاً بالله، ولكنها اللطائف والمعاني والأسرار البلاغية الموجودة في كلام رب البرية.

стр. 13

معالم بيانية في تقديم الجن والإنس في القرآن الكريم قال الله جل وعلا: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر:٢٧]. الجن ينسبون إلى إبليس، وأما الإنس فينسبون إلى أبيهم آدم ﵇، قال الله جل وعلا في حق الجن: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠]. وقال في حق بني آدم يخاطبهم وينسبهم إلى أبيهم: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١]، وكذلك تعددت آيات يخاطب الله جل وعلا فيها الإنس، وقد نسبهم إلى أبيهم آدم. إذاً: اتضحت بعض المعالم الآن، لما ذكر الله جل وعلا المطالبة بالعبادة التي من أجلها خلق الله الثقلين قدم جل وعلا الجن لأنهم أسبق الخلق، فقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فخلق الجن مقدم زمناً على خلق الإنس. على الوجه الآخر ذكر الرب ﵎ أولئك الجنود الذين حشرهم لسليمان، وأن سليمان أوتي ملكاً عظيماً، قال جل وعلا: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ [النمل:١٧]، فذكر الجن ثم الإنس ثم الطير باعتبار القوة، لكن آية الإسراء: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء:٨٨]، قدم الإنس؛ لأنهم أعرف بالبيان، وأفصح لساناً؛ ولهذا تحداهم جل وعلا جميعاً، والمخاطب في المقام الأول: مشركوا قريش، فد تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فقدم الله جل وعلا الإنس؛ لأن الإنس أهل بيان بخلاف الجن، وإن كان يحصل بينهما التحادث والتخاطب قطعاً، إلا أنهم مشهورون بالقوة أكثر من كونهم مشهورين بالبيان والفصاحة. وإذا عدنا إلى خلق هذين الثقلين فإننا نقول: إن الرب ﵎ لم يذكر بالتفصيل في كلامه العزيز مسألة خلق الجن، وإنما أرشد جل وعلا إلى أنهم من ذرية إبليس، وأنهم مخلوقون من نار، وأن الجان -كما قال ربنا- مخلوقون من قبل، و (قبل) هنا جاءت في القرآن منقطعة عن الإضافه، والمعنى: من قبل خلق آدم. أما آدم فقد عني القرآن عناية عظيمة بذكر خلقه صلوات الله وسلامه عليه، وأن ذلك بمراحل عديدة: منها: المرحلة الترابية، ثم مزج ذلك التراب بالماء، فكانت المرحلة الطينية، ثم أصبح ذلك الطين بعد أن ترك فخاراً، فكانت المرحلة الفخارية. هذه الثلاث هي مراحل خلق آدم ﵇، وقد أكرمه الله جل وعلا بأن خلقه بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، ثم بعد ذلك أكرمه بأن أدخله جنته، وهذا الذي جعل بعض أهل العلم يقول: إن آدم ﵇ في الصورة المثلى من الخلق، ولما ذكروا خلق يوسف ﵊، والنبي ﷺ يقول في حديث المعراج: (فرأيت رجلاً قد أعطي شطر الحسن)، وقوله ﷺ : (شطر الحسن)، الألف واللام هنا: إما أن تكون للعهد اللفظي، أو أن تكون للعهد الذهني، ولا يوجد معهود لفظي في الحديث، فوجب إمراره على المعهود الذهني، فالمستقر عند كثير من العلماء: أن شطر الحسن، أي: أن يوسف ﵇ على الشطر من جمال أبيه آدم عليهما جميعاً أفضل الصلاة والسلام؛ لأن آدم خلقه الله جل وعلا بيده، فلما خلقه الرب ﵎ بيده لم تعط هذه المزية لأحد غيره. وقد قلنا مراراً في هذه الحلقات المباركة: إنه يجب أن نستصحب أنه قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل، تقول العرب: يوجد في البئر ما لا يوجد في النهر، ويوجد في النهر ما لا يوجد في البحر، فكون آدم ﵇ أعطي هذه المزية؛ لأن الله خلقه بيده، فهذا لا يعني أبداً أن آدم أفضل الخلق، فنبينا ﷺ هو أفضل الخلق جميعاً، ومثال هذا في حياة الصحابة: عثمان ﵁، فالنبي ﷺ يقول: (أشد أمتي حياءً عثمان)، ويقول: (ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة) وهذا لا يعني أبداً: أن عثمان ﵁ أفضل من الشيخين أبي بكر وعمر، وفي كل فضل.

стр. 14

أسماء مختلفة تطلق على الجن بقي -أيها الأخ المبارك- أن نبين بعض ما يمكن أن يطلق على الجن: فإذا كان الجني خالياً من الوصف: جنياً، فإذا سكن البيوت سمي: عامراً، أي يعمر البيوت على شكل حيات أو عقارب، أو أي هيئة أخرى، ويجمع على: عمار، فإذا تعرض للصبيان سمي: روحاً، فإذا خبث وأضل سمي: شيطاناً، فإذا كان شيطاناً قوياً سمي: عفريتاً، أما المارد فهو وصف للجن وليس اسماً، هذا ما حكاه الإمام ابن عبد البر رحمة الله تعالى عليه، وهو إلى الصواب أقرب، لكن ينبغي أن ينبه: أن الجن التي تسكن البيوت، والمسماة: بالعوامر جاء في موطأ مالك بسند صحيح: (أن رجلاً من الصحابة كان حديث عهد بعرس -أي حديث عهد بزواج- خرج مع النبي ﷺ في غزوة الخندق، ثم أخذ يستأذن النبي ﷺ في العودة إلى بيته وألا يرابط في الخندق؛ لأنه حديث عهد بعرس، فاستأذن ذات مرة، وكان النبي ﷺ غالباً ما يأمره أن يأخذ سلاح خوفاً عليه من بني قريظة). والمقصود من هذا: أن الرجل لما عاد وجد زوجته خارج الدار، ثم ضربها، وأراد أن يهوي عليها بالسيف، فأشارت إلى داخل البيت، فإذا هي حية فضربها بالسيف، فماتا جميعاً. وهذا يدل على وجوب أن يكون الإنسان متمهلاً في التعامل مع ذوات البيوت؛ خوفاً من أن تكون من العمار، وقد أذن لنا في مثل هذه الأحوال أن نحرج عليهم. وفقنا الله وإياكم لكل خير، وجمعنا الله وإياكم في حلقة قادمة. وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 15

سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [٧] لقد من الله تعالى على نبينا ﷺ برفعة مقامه وإعلاء درجته على الخليقة كلها، ويشهد لذلك جملة من النصوص سواءً كان ذلك بصريح العبارة أو عن طريق الإشارة، ولذا كان على أتباعه من أمته توخي الأدب معه ﷺ بانتقاء أحسن الألفاظ في الحديث عنه ﷺ تبعاً لمنهج القرآن في بيان خطاب الله له بالأسلوب المغاير لذكر الأنبياء قبله.

стр. 16

تفسير قوله تعالى: (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر) الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خالق الكون بما فيه، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا درس جديد في معالم بيانية في آيات قرآنية، والآية التي نحن بصددها في هذا الدرس المبارك هي قول الله جل وعلا في سورة القصص: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص:٤٤]. فهذه الآية ذكر الله جل وعلا فيها نفياً، وهو أن النبي ﷺ لم يكن بجانب الغربي من جبل الطور في تلك اللحظات المباركات التي كلم الله جل وعلا فيها موسى وقربه وناجاه وأدناه وأوحى إليه بما شاء من الأمر، فهذا الأصل في الآية. وأما ما نريد أن نميط اللثام عنه فهو أن موسى ﵊ أحد أولي العزم من الرسل الكرام، وهذا النبي الكريم اصطفاه الله جل وعلا وكلمه، قال الله جل وعلا ممتناً عليه: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٤٤].

стр. 17

بيان درجة رفيع منزلة نبينا في الآية الكريمة والطور في اللغة: هو الجبل الذي ينبت فيه الشجر، وأما الطور المقصود هنا فهو ذلكم الجبل الذي نبت فيه الشجر من أرض سيناء، فالطور جبل واحد في أرض سيناء، ومعلوم أن أي شيء موجود واقع ماكث له أربعة جوانب وله أربع جهات: شمال وجنوب وشرق وغرب، ومعلوم أن هذه الجهات الأربع لا تحتمل شيئاً من المدح ولا من الذم، أي: لا يتعلق بإحدى هذه الجهات الأربع مدح في ذاته من غير ما قرينة أخرى، فالجهات لا يفضل بعضها على بعض لكونها جهة شمال أو جهة جنوب أو جهة شرق أو جهة غرب. وأما اليمين والشمال ففيهما جهة فضل، فاليمين أفضل من الشمال قطعاً، ومن دلائل ذلك أن الله جل وعلا أفردها في مقابل الجمع، وهو أسلوب قرآني في بيان الفضل، قال الله جل وعلا: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل:٤٨]. فإذا علم ذلك فإن الله جل وعلا أخبر في القرآن أنه كلم موسى ﵊ عند جانب الطور الأيمن، فقال جل وعلا: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢]، وقال ﵎: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ﴾ [طه:٨٠]. ولكن الرب ﵎ هنا يقول: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص:٤٤]، فعدل القرآن هنا عن ذكر اليمين إلى ذكر الغرب إظهاراً لكرامة النبي ﷺ عند ربه، فإن قال قائل: ما علاقة محمد ﷺ بهذا الخبر والله جل وعلا هنا يتكلم عن موسى؟! قلنا: لما ذكر الله جل وعلا الإثبات ذكر صفة اليمين مقترنة به فقال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢]، ثم إن الله جل وعلا حكى لنبيه هذا الأمر لبيان شرفه صلوات الله وسلامه عليه عند ربه، فحين ذكر الله النفي قال: ﴿وَمَا كُنتَ﴾ [القصص:٤٤]، فأزال الله جل وعلا ذكر كلمة اليمين حتى لا ينفى الفضل عنه صلوات الله وسلامه عليه، فعدل القرآن عن ذكر اليمين إلى ذكر الغرب، فقال جل وعلا: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص:٤٤]؛ لأنه لو قيل في غير القرآن وما كنت بجانب الأيمن لكان فيه نفي اليمن عن رسول الله ﷺ ، وهذا محال في حقه من جهة إكرام الله له، فعدل القرآن عن هذه اللفظة إلى لفظة لا يتعلق بها مدح ولا ذم، وهي جهة الغرب، فقال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص:٤٤]. وهذه -تالله ووالله- من فرائد العلم التي تبين عظيم المنزلة وجليل المكانة لنبينا ﷺ عند ربه.

стр. 18

دلالة تكليم الله لنبينا على عظيم مكانته وإذا استطردنا في هذا الموضوع فإنه يجب أن نتنبه إلى أن كلمة (كليم) إذا أطلقت يراد بها كليم الله موسى، ولكن لا يعني هذا أبداً أن الله جل وعلا حصر مقام التكليم في موسى، فقد سئل صلوات الله وسلامه عليه عن أبيه آدم أنبي هو فقال: (نبي مكلم) فأثبت النبي ﷺ في هذا الخبر الصحيح مقام التكليم لنبي الله آدم، كما أنه هو صلوات الله وسلامه عليه كلمه ربه في رحلة المعراج، فأضحى في الخبر الصحيح أن الذين ثبت أن الله كلمهم ثلاثة: آدم ثم موسى ثم نبينا ﷺ ، ولا يبعد أن يعطى مثل هذا المقام خليل الله جل وعلا إبراهيم. والذي عنيناه من إماطة اللثام هنا بيان رفيع الدرجة وعلو المنزلة في الخطاب القرآني لنبينا ﷺ ، وهذا الخطاب القرآني لنبينا ﵊ المبين رفيع مقامه له قرائن عديدة لا تحصى، منها أن الله خاطب أنبياءه بأسمائهم المجردة، كقوله تعالى: ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا﴾ [هود:٤٨]، ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]، ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود:٧٦]، ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥]، وليس في القرآن كله مخاطبة الله جل وعلا لنبيه ﷺ باللفظ المجرد، فليس في القرآن كله (يا محمد) وإنما (يا أيها النبي) و (يا أيها الرسول) صلوات الله وسلامه عليه، وهذا يبين رفيع المقام وجليل المكانة له ﵊ عند ربه. فيجب علينا أن نتأسى بأسلوب القرآن في حديثنا عن نبينا ﷺ ، فنتوخى جميل الألفاظ وأصدق العبارات وأحسن الكلمات التي تنبئ عما في قلوبنا لنبينا صلوات الله وسلامه عليه، فهذا الصديق ﵁ وأرضاه يأمره النبي ﵇ بأن يبقى في مكانه عندما صلى بالناس ثم قدم ﵊، فتأخر أبو بكر فأمره النبي أن يبقى مكانه فرفع يديه يدعو ثم تأخر، ثم تقدم ﵊ فصلى بالناس، فلما فرغ من صلاته سأله (ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟) فقال الصديق: ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يتقدم على رسول الله ﷺ . فتأمل قول الصديق: (ما كان لـ ابن أبي قحافة) ولم يقل: ما كان لـ أبي بكر. فهذا بعض من فيض أدب أصحاب محمد ﷺ معه. وفقني الله وإياكم للفقه في الدين والعلم النافع، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 19

سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [٨] لما صبر زيد بن حارثة على أوامر الله المتتابعة في حقه والتي كان فيها من الحزن في قلب زيد ﵁ الشيء الكثير، عوضه الله بوسام شرف عظيم، وتاج لا يملكه أحد في الدنيا، وهو أن الله ذكر اسمه صراحة في القرآن العظيم، وذلك تكرمة لهذا الصحابي الجليل ﵁ وأرضاه.

стр. 20

تاج يتلألأ على رأس زيد بن حارثة ﵁ وأرضاه الحمد لله الذي تقدست عن الأشباه ذاته، ودلت على وجوده آياته ومخلوقاته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أراد ما العباد فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه حلقة جديدة مباركة بإذن الله من برنامجكم: معالم بيانية في آيات قرآنية، والآية التي سنتحدث عنها في هذا المقام المبارك هي: قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب:٣٧]. بداية: نريد أن نميط اللثام عن ذكر الحكمة في أن الله جل وعلا اختص زيداً ﵁ وأرضاه دون الصحابة أجمعين بأن ذكر اسمه صريحاً في القرآن، فلم يذكر أحد من الصحابة في كلام ربنا جل وعلا الذي نتعبد الله بتلاوته باسمه الصريح إلا زيد ﵁ وأرضاه.

стр. 21

قصة زيد بن حارثة في بيت النبوة بداية نقول: زيد هذا هو زيد بن حارثة، وأصل الأمر فيه: أن خديجة ﵂ وأرضاها طلبت من ابن أخيها حكيم بن حزام بن خويلد أن يشتري لها في سفرة له غلاماً ظريفاً، فاشترى حكيم زيداً، وكان قد وجده أسيراً، فاستلطفه جداً وأعجبه، فلما أتى به إلى عمته خديجة رضيت به، وقد قال لها مخاطباً: إن لم يعجبك فأنا أولى به، لكن زيداً استقر عند خديجة التي رأت فيه شاباً نافعاً يخدمها، ثم لما تزوجت خديجة من رسول الله ﷺ أهدته زيداً، وعلى الجانب الآخر كان أهل زيد يبحثون عنه، وتنشد أمه الأشعار، ويطوف والده وأعمامه القفار يبحثون عنه، فقدر لهم أن يعلموا أنه بمكة فقدموا مكة وأتوا النبي ﷺ ، ولم يكن قد نبئ بعد ولم يبعث، فطلبوا منه ابنهم فقال النبي ﷺ بعد أن عرضوا عليه غالي الأثمان: أنا أدلكم على خير من ذلك: أخيره بيني وبينكم فقالوا: قد أنصفت، فأتي بـ زيد فقال له النبي ﷺ : (يا زيد! أتعرف هذا؟ قال: نعم هذا أبي، قال: أتعرف هذا؟ قال: نعم هذا عمي، قال: أتعرف هذا؟ قال: نعم هذا أخي، فخيره النبي ﷺ فاختار زيد البقاء مع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه)، فذهل الوالد والعم والإخوة لكنهم لما ذهلوا وحاولوا مع زيد أن يعود معهم ورأوا إصراراً عجيباً من زيد أن يبقى في العبودية، لكنه حظي بشرف البقاء مع محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، وهنالك أراد النبي ﵊ أن يكافئه وأن يجعل أباه وأعمامه وإخوته يغدون إلى ديارهم وهم مطمئنون على ابنهم فقال ﷺ مخاطباً أندية قريش: (أشهدكم أن زيداً ابني يرثني وأرثه)، فأضحى بعدها لا يدعى إلا بـ زيد بن محمد، وهذا تاج أصبح متلألئاً بعد بعثة النبي ﷺ ، فقد سابق زيد إلى الإسلام فأسلم وما زال يعرف بـ زيد بن محمد صلوات الله وسلامه عليه، بناء على ذلك القرار الذي اتخذه ﵊ في أندية قريش؛ ليطمئن والد زيد عليه بعد غدوه إلى أرضه وإلى أهله، فبعد النبوة كان زيد يرى في هذا اللقب تاجاً على رأسه، ومضت الأيام وخلت السنون، وتوالت الأعوام فهاجر النبي ﷺ إلى المدينة والأمر على حاله، ثم جاء القرآن بعد ذلك في زمن المدينة بشرائع لم تكن موجودة في العهد المكي؛ لأن الدولة استقرت، والإسلام اطمأن، وعلت شوكته، وكان مما أنزله الله جل وعلا على نبيه في شأن الأدعياء الذين زيد واحد منهم، أن أنزل الله جل وعلا قوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥]، وأنزل الله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، فهذه الآيات نزلت مع أن الله جل وعلا -إضافة إلى ذلك- أراد أن يبطل مسألة: أن العرب كانت تأنف من أن يتزوج الرجل زوجة دعيه، وكان قد تزوج زيد زينب بنت جحش ﵂ وأرضاها، وكانت تجد في نفسها شيئاً عليه، فكان زيد يقدم على النبي ﷺ فيشكو إليه، والله جل وعلا أخبر نبيه أن زيداً مطلق زوجته وأنه ﵇ سيتزوجها، فأخفى النبي ﷺ في قلبه ما أوحاه الله جل وعلا إليه، وكان يأمر زيداً إذا استنصحه أن يبقي مع زوجته، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٣٧]، أي: بالإسلام، ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٣٧]، أي: بالعتق، ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب:٣٧]، أي: استبقها، ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾ [الأحزاب:٣٧] يا نبينا! ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب:٣٧]، أي: مظهره من كون أنك ستتزوج زينب لا محالة، فقال الله جل وعلا: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:٣٧]، فكانت زينب تفتخر على أمهات المؤمنين أن أهاليهن زوجوهن، وأن الله جل وعلا زوجها من فوق سبع سماوات، فعلى هذا أبطل الله جل وعلا هذا الأمر، لكن الله ذكر زيداً باسمه الصريح -وهذه هي الغاية من هذه الحلقة- نقول: قال العلماء: إن الله جل وعلا لما منع زيداً من ذلك التاج الذي كان يتلألأ على رأسه ﵁ وأرضاه من كونه كان يدعى بـ زيد بن محمد، وكونه صبر على أن النبي ﷺ تزوج امرأته، وأنها طلقت منه، عوضه الله جل وعلا عن هذين بأن ذكر اسمه صراحة في القرآن، قال الله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ [الأحزاب:٣٧]، فأصبح اسمه ينادى ويتلى في المحاريب؛ لأنه من جملة القرآن إلى يوم القيامة، وهذا شرف لا يباهى، ومجد عز نظيره، وقل مثيله. وكذلك ربك إذا سلب عبداً نعمة فصبر عوضه الله جل وعلا بأحسن منها. وفقني الله وإياكم لما يحب ويرضى، وألبسني الله وإياكم لباسي العافية والتقوى. وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 22

سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [٩] يا أبتِ افعل ما تؤمر! قالها أبر ابن لأكرم أب، إسماعيل لإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، استيقظ إبراهيم من المنام وقد رأى رؤيا مفادها: أنه يذبح ابنه، فاستجاب الابن لأبيه دون تأفف أو معارضة، وفداه الله بذبح عظيم، وصارت بعد ذلك قضية الأضاحي سنة متبعة إلى يوم الدين؛ إكراماً لهذين العظيمين عليهما الصلاة والسلام، وفي كلمة: افعل ما تؤمر، لطيفة بيانية، ومعجزة قرآنية، ينبغي لقارئ القرآن أن يستوعبها ويفهم مغزاها.

стр. 23

يا أبتِ افعل ما تؤمر الحمد لله حمداً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه حلقة جديدة من برنامجكم: معالم بيانية في آيات قرآنية. والآية التي نحن بشأن الحديث عنها في هذا المقام المبارك هي: قول الله جل وعلا على لسان العبد الصالح والنبي الصالح إسماعيل: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢]، فلم لم يقل إسماعيل: افعل ما تريد، وهو يخاطب أباه خليل الله إبراهيم ﵊؟ هذا ما تحاول هذه الحلقة المباركة إماطة اللثام عنه، فنقول: خليل الله جل وعلا إبراهيم هو أفضل الأنبياء بعد نبينا ﷺ ، فقد نسب الله جل وعلا الملة إليه، قال سبحانه: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨]، وأمر الله جل وعلا نبينا ﵇ باتباع هدي ذلك النبي الكريم: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣]، كبر إبراهيم في السن فتضرع إلى الله جل وعلا أن يرزقه غلاماً صالحاً، قال الله جل وعلا عنه: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:٩٩ - ١٠١]. نشأ هذا الغلام حتى أصبح قادراً على أن يعين أباه، قال الله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات:١٠٢]، أي: القدرة على المعونة، ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢]، يقدر لإبراهيم أن يرى في المنام أنه يذبح إسماعيل، ورؤيا الأنبياء حق: ﴿فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢]، وهذا من باب أن يوطن الأب ابنه على طاعة الله، فلو امتنع إسماعيل وقدر إبراهيم على ذبحه لذبحه، لكنه أراد أن يشتركا سوياً في الأجر، قال الله جل وعلا: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]، الآن هذا موضع الحلقة الحقيقي وهو: لماذا قال الله جل وعلا: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢]، ولم يقل: افعل ما تريد؟ إن ثمة فرقاً كبيراً جداً بين اللفظتين: فلو قال إسماعيل: يا أبت افعل ما تريد! فهو في غاية الأمر ابن يطيع أباه، أو جندي يطيع قائده، أو مأمور يطيع آمره، لكن إسماعيل ﵇ عدل عنها إلى قوله: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢]؛ ليبين أنه عبد يطيع ربه، فإسماعيل هنا قبل أن يذبحه أبوه، لا لأن أباه يرغب في ذبحه محال، لكن لأن الأب بذبحه لابنه إنما ينفذ أمر الله، فإسماعيل هنا إنما يطيع أباه إبراهيم على أن ينفذ أمر الله: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢]، ولم يقل: افعل ما تريد، وقطعاً فإسماعيل ﵇ ما كان له أن يصل إلى هذه المنزلة في الأدب والتسليم والعبودية لولا فضل الله جل وعلا ورحمته عليه، وهذا الفضل من سماته: أن الله جل وعلا جعل إسماعيل يربى وينشأ في كنف خليل الله إبراهيم ﵊، ولقد اجتمع في قلبي هذين النبيين من التوحيد والاستسلام لأمر الله جل وعلا ما جعل الأب يفزع إلى ابنه ويخبره بما أوحى الله جل وعلا به إليه، وما جعل الابن يطيع أباه ويقول له معيناً له على الطاعة: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢]: هو دين رب العالمين وشرعه وهو القديم وسيد الأديان هو دين آدم والملائك قبله هو دين نوح صاحب الطوفان هو دين إبراهيم وابنيه معاً وبه نجا من لفحة النيران وبه فدى الله الذبيح من البلا لما فداه بأعظم القربان صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

стр. 24

إن هذا لهو البلاء المبين ثم نستطرد في الحديث -أيها الأخ المبارك- فنقول بعد أن ذكرنا خبر هذين النبيين الكريمين: إن إبراهيم ﵊ وابنه إسماعيل ﵊ كذلك بعملهما هذا يقدمان نموذجاً كاملاً بيناً يقيم الله به الحجة على عباده في كل أحد: أن يكون عبداً مستسلماً لأمر الله ﵎ وقضائه، وفي خبرهما إخبار بأن الله جل وعلا يبتلي، وأنه لا سبيل إلى رفع المقامات، وعلو الدرجات، إلا بعد الابتلاء والتمحيص، فلا تمكين إلا بعد اختبار وابتلاء، وكلما عظم الابتلاء وأوغل في الصدر اليقين ارتقى الإنسان إلى معالم وطرائق جديدة في معرفة الرب ﵎ ورحمته؛ ولهذا قال الله جل وعلا بعدها: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٥]، وهنا أقف معك لأقول لك: إن إبراهيم ﵇ أمره الله جل وعلا أن يذبح ابنه إسماعيل ومراتب الوحي ثلاثة: إما أن يكلم الله العبد من غير واسطة بحجاب: كما كلم الله جل وعلا موسى، وهذا أرفع مقامات الوحي، وقد بينا في حلقات: سلفت أن آدم وموسى ومحمداً ﵈ جميعاً أوتوا هذه المنزلة. الحالة الثانية: أن يبعث الله ملكاً، والغالب: أنه جبريل. الحالة الثالثة: أن ينفث في روع ذلك النبي ما يريد الله جل وعلا أن يأمره به. وكل هذه الأحوال الثلاثة انتفت في ذلك المطلب العظيم، فالمطلب غال: وهو ذبح الولد، لكن الطريق كانت ليست بتلك القوة، فلم يأمر الله جل وعلا إبراهيم بها من غير واسطة، ولم يبعث إليه ملكاً، ولم ينفث في روعه، وإنما كانت طريقة الوحي بالنسبة للطرائق الأخرى ضعيفة جداً: فقد كانت مجرد رؤيا، فكان الشيطان يأتي إلى إبراهيم ويقول له: يا إبراهيم! اتق الله، تذبح ولدك من أجل رؤيا رأيتها، فالمطلب عظيم، لكن الوسيلة أو الطريقة كانت ضعيفة، ومع ذلك قبل إبراهيم بالرؤيا؛ لأنه يعلم أن رؤيا الأنبياء حق، وهذا قمة الابتلاء، فازدلف الأب إلى ابنه قائلاً: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢]، فأجاب إسماعيل البار الصالح أباه بقوله: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]. وقد قال الله في موضع آخر: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٦ - ١١١]. وإلى يومنا هذا يتقرب إلى الله جل وعلا بذبح الأضاحي إحياء لتلك الشعيرة العظمى التي ابتدأها النبيان الكريمان إبراهيم وإسماعيل صلوات الله وسلامه عليهما. هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ قوله. والحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 25

سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [١٠] التأدب في الخطاب هو ميزة عباد الله الصالحين، خصوصاً مع الله تعالى، وهو دأب الأنبياء إبراهيم وسليمان ومحمد ﷺ ، ثم بعد الله ورسوله يأتي اللين في الخطاب مع الوالدين، وأولياء الأمور كلاً بحسبه.

стр. 26

وإذا مرضت فهو يشفين الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه حلقة جديدة مباركة من برنامجكم: معالم بيانية في آيات قرآنية، والآية التي نحن بشأن الحديث عنها اليوم إن شاء الله تعالى هي: قول الله جل وعلا على لسان خليله إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠]. نقول: أيها المباركون! هذه الآية جاءت ضمن سياق آيات في قضية إخبار إبراهيم عن ربه ﵎ مع قومه، قال الله جل وعلا عنه أنه قال: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٧٥ - ٧٧]. ثم أخذ إبراهيم يعدد صفات ربه ﵎، ويثني عليه بما هو أهله، ويبين مقام الربوبية العظيم الذي لا يشارك الله جل وعلا فيه أحد ولا ينازعه، قال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٧٧ - ٨٢]. نلحظ هنا: أن إبراهيم ﵊ في كل تلك الأمور نسبها إلى الرب جل وعلا، أما المرض فنسبه إبراهيم إلى نفسه مع يقيننا أن إبراهيم يعلم أن المرض من الله ﵎، فربنا جل وعلا الخير كله بيديه والشر ليس إليه، لكن إبراهيم ﵇ أراد بهذا التأدب مع رب العزة والجلال، وهذا هي الغاية العظمى من إسناده المرض إلى ذاته ونفسه، قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠]، وهذا الأمر -أي: الأدب مع الله جل وعلا- حلية وأي حلية تحلى بها الأنبياء والصالحون من بعدهم، وسيبقى هذا الأمر إلى يوم الدين، فالأدب مع الرب ﵎ منزلة عالية يوفق لها أهل الطاعات، ويرشد إليها أهل الفضائل، وقد كان الأنبياء ﵈ يتنافسون في هذه المنزلة، وهذا جلي في خطابهم مع ربهم جل وعلا.

стр. 27

أدب الخضر ﵇ مع الله تعالى فهذا الخضر ﵇ -وإن كان هناك خلاف في نبوته، إلا أنه عبد صالح قطعاً- فهذا العبد الصالح يقول في حق السفينة: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩]، ولما ذكر الخير نسبه إلى الرب ﵎: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف:٨٢]، وثمة أمور من الخير أسندها الخضر إلى الله، وما كان في ظاهره النقص أو العيب أسنده إلى نفسه تأدباً مع ربه ﵎، والله جل وعلا خالق الأشياء كلها.

стр. 28

أدب نبينا مع الله تعالى وهذا نبينا ﷺ يرقى المنبر فيأتيه رجل يشكو إليه جدب الديار وقلة الأمطار، ويقول: يا نبي الله! ادع الله أن يغيثنا، فيقول ﵊: (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، فتكون سحابة، ثم يكون غيث)، بفضل من الله جل وعلا، واستجابة لدعاء نبيه صلوات الله وسلامه عليه، يمكث الناس على هذا أسبوعاً فتنجم عن تلكم الأمطار سيول عديدة نجم عنها انقطاع السبل، والمشقة في وصول الناس بعضهم لبعض، فيأتي رجل من نفس الباب فيقول: ادع الله أن يمسكها عنا، ونبينا ﷺ يعلم أن الغيث رحمة، فلم يقل: اللهم أمسكها عنا، بل قال متأدباً مع ربه: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام ومنابت الشجر وبطون الأودية)، وأخذ يذكر ﷺ من من الناس ينتفع بهذا الغيث لو نزل عليهم ويشير بيده، قال أنس ﵁ وأرضاه: فما أشار إلى ناحية إلا اتجه السحاب إليها صلوات الله وسلامه عليه. الشاهد من هذا الخبر النبوي الصحيح: هو قضية تأدب نبينا ﷺ مع ربه في خطابه، فقوله ﵇: (اللهم حوالينا ولا علينا)، لا يمكن أو يقارن بقوله: اللهم أمسكها عنا؛ لأن الغيث رحمة، والنبي ﵊ أكمل أدباً من أن يطلب من ربه جل وعلا أن يمسك عنه رحمته.

стр. 29

أدب سليمان مع الله تعالى كذلك ذكر الله جل وعلا في كتابه الكريم سليمان ﵊، فسليمان عبد ملك يوحى إليه، وابن نبي، ونبي كذلك، ومع ذلك يتوسل إلى ربه قائلاً: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل:١٩]، فانظر إلى ذلك التوسل: وهو أن يشمله الله جل وعلا برحمته، وأن يدرجه في عباده الصالحين، مع أنه نبي، وابن نبي وملك، وابن ملك، صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 30

بعض الكلمات التي لا تطلق إلا في مدح الله دون غيره إن فقهنا لهذه المسألة يعطينا منزلة عالية عند ربنا إن عملنا بذلك الفقه، والمسلم كيس فطن يعرف أدب الخطاب، فهناك أدب لا يليق إلا مع الله جل وعلا، فمثلاً كلمة: سبحان! لا يمكن أن تطلق إلا على الله جل وعلا، فلا يقال لأحد من الخلق كائناً من كان: سبحانك، ولهذا نقل عن بعض الصالحين أنهم كانوا يقولون: فسبحان من لا يقال لغيره سبحانك وكلمة (تبارك) كذلك، هذا الفعل جامد لا يتصرف -أي: لا يأتي منه مضارع أو أمر- فهذه الكلمة لا تطلق على غير الرب ﵎. قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان:٦١] إلى غير ذلك من الآيات، فلا يقال لغير الله: (تبارك) أبداً، فهذا المقام ينصرف إلى الله جل وعلا وحده. وكذلك النبي ﷺ له المنزلة العالية، والخطوة الرفيعة عند ربه، وثمة خطاب لا يليق إلا به صلوات الله وسلامه عليه لرفيع مقامه، وجلال مكانته، وأصحاب محمد ﷺ كانوا شامة في جبين الأيام، وتاجاً في مفرق الأعوام، فهؤلاء ﵃ وأرضاهم ثمة خطاب يليق بهم، فنترضى عليهم، ونذكر محاسنهم، ولا تخوض فيما جرى بينهم كل ذلك تأدباً معهم، وعلماء الأمة الذين قدموا للأمة البيان الحقيقي لشرع الله، وأفنوا أيامهم وأعمارهم في سبيل إيضاح المنهج الحق، فهؤلاء لهم خطاب يليق بهم، وكذلك ولي الأمر له خطاب يليق به لمكانته، قال ﷺ : (من أهان السلطان أهانه الله). كذلك الوالدان في المقام الأول: وهم مقدمون على كل أحد بعد حق الله ورسوله، فثمة خطاب لا يليق إلا بهما، فحقهما معروف، والوصية بهما ثابتة في كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، والمؤمن الحق يعرف بأي خطاب يخاطب والديه، قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٤]. كل هذا -أيها الأخ المبارك- يبين لنا أن الخطاب المتأدب مهم جداً في تعاملنا مع الغير، دون أن يكون في ذلك انتقاص لأنفسنا أو لغيرنا. وفقنا الله جل وعلا وإياكم لما يحب ويرضى، وألبسنا الله وإياكم لباسي العافية والتقوى، ورزقنا الله وإياكم الأدب معه ومع رسوله ﷺ ، ومع المؤمنين جميعاً. وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 31

سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [١١] أعمام النبي ﷺ أحد عشر، سبعة منهم لم يدركوا بعثته ﷺ ، وأربعة منهم انقسموا بين مؤمن برسالته وكافر، فأما المؤمنين: فسيد الشهداء وأسد الله حمزة، والعباس صنو أبي النبي ﷺ ، وأما الكافرين: فأبو طالب أهون أهل النار عذاباً، وأبو لهب عدو الله تعالى، وقد أهلكه الله وبشره بالنار وزوجته في سورة كاملة في القرآن.

стр. 32

أبو لهب الهالك الخاسر الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه حلقة مباركة جديدة من برنامجكم: معالم بيانية في آيات قرآنية، والآية التي نحن بشأن الحديث عنها في هذا اللقاء المبارك: هي قول الله تعالى في فاتحة سورة المسد: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]. الذي نريد أن نوضحه في هذا المقام: أن نقول أولاً: إن النبي ﷺ كان له أحد عشر عماً، هؤلاء الأعمام لم يدركوا كلهم نبوته ﷺ ، وإنما أدركها أربعة منهم، هؤلاء الأربعة الذين أدركوا بعثة سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه انقسموا إلى فريقين: فريق آمن به وهما: حمزة والعباس، وفريق لم يؤمن به وهما: أبو لهب وأبو طالب، إلا أن أبا لهب وأبا طالب اختلفا، ليس في الكفر والإيمان فكلاهما كافر، لكن أبا طالب كان يناصر النبي ﷺ ، وقد كان معه في الشعب عندما حاصرته قريش. أما أبو لهب فكان على النقيض من ذلك، فقد كان يؤذي النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد قال العلماء: إن النبي ﷺ : (نادى قومه يا صباحاه! فاجتمعوا فأخبرهم ﵊ بأنه سيحدثهم بحديث فهل هم مصدقوه؟ فأخبروه أنه محل الصدق فيهم، فلما دعاهم إلى التوحيد قال له أبو لهب: ألهذا جمعتنا! تباً لك سائر اليوم وانفض عنه)، فكان ذلك سبباً لانفضاض الناس عنه -أي: عن نبينا صلوات الله وسلامه عليه- كما ثبت من وجه آخر: أن النبي ﷺ كان يدعو إلى التوحيد، فإذا فرغ من خطابه ودعوته قام عمه أبو لهب يتبعه ويفند ما قال، ويقول: لا تصدقوه إنه صابئ، وكان من المفترض على سنن الجاهليين أن ينصر ابن أخيه، من أجل هذا أنزل الله جل وعلا في هذا الرجل: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]، والذي نريد أن نميط اللثام عنه من معلم بياني في هذه الآية أن نقول: قوله تعالى: ((تَبَّتْ)) الأولى: فعل يراد به الدعاء، أما في آخر الآية: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] فليست توكيداً ولا عطفاً، وإنما هي إخبار بأن ذلك الدعاء قد وقع، وأبو لهب كنيته واسمه: عبد العزى، والأصل في كلام العرب غالباً: أن الكنية يراد به التشريف، لكن الله جل وعلا هنا لم يخاطب أبا لهب باسمه، وإنما خاطبه بكنيته، وثابت ومؤكد أن الله جل وعلا لم يرد تشريف أبي لهب؛ لأن مقتضى السياق مع كفره يأبى ذلك، لكن الله جل وعلا أراد أن يقول: إن المعني بهذا الكلام هو ذلكم أبو لهب الذي تعظمونه وتكنونه بـ أبي لهب، وقد كني بـ أبي لهب لاحمرار وجنتيه أشبه بالجمرتين، وهذا يدل على أنه أعطي حظاً من جمال، لكن جماله لم ينفعه، ولم يكن سبباً في إسلامه، بل قسا قلبه، وأتبع ذلك بعداوته لنبينا ﷺ ، فأنزل الرب جل وعلا فيه قوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]. وقد تضمنت السورة بوجه كلي أمراً آخراً يدل يقيناً على أن القرآن منزل من عند الله، السورة تقول: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:١ - ٢]، ثم قال الله: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣]، فهذا إخبار من الرب جل وعلا أن أبا لهب سيصلى النار لا محالة، فما السبب في أنه سيصلى النار؟ السبب: هو كفره، ألم يكن بمقدور أبي لهب ولو كذباً وادعاء أن يقول لقريش: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله؟ حتى بصنيعه هذا يفند قول النبي ﷺ ، فسيقول للناس على الملأ: أنا أشهد وأؤمن بما جاء به محمد، ومحمد يقول: إنني في النار، لكن مع سهولة النطق بهذه الكلمة فقد علم الله أجلاً وأوقع ذلك قدراً أن هذا لن يكون من أبي لهب ألبتة، وهذا مما لا يقدر عليه إلا الله، فمنع الله لسانه وقلبه من أن ينطق بالشهادة ولو زوراً وكذباً، أو ميلاً ونفاقاً وادعاء؛ حتى لا يكون ادعاؤه مبطلاً لكلام الله، وحاشا لله أن يبطل كلامه أحدٌ سبحانه. إذاً: هناك سر عظيم في هذه الآية والسورة أمطنا اللثام عنه، ثم نعود للفعل الذي تأكدنا وتبين لنا أن الله جل وعلا قاله في أوله دعاء، وقاله في آخره إخباراً بوقوع ذلك الدعاء. أما كيف حل الدعاء بـ أبي لهب؟ فهذا ما أجابت عنه الآيات: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:٢ - ٥]، فاشترك هو وزوجته -عياذاً بالله- عذاب النار. من هذا كله -أيها المبارك- تفهم أن الهداية بيد الله جل وعلا، وهؤلاء أعمام النبي ﷺ أحد عشر كما بينا في الأول، سبعة منهم لا يقدر لهم أن يدركوا حياة النبي ﷺ وبعثته، والله أعلم بما كانوا عاملين، ويبقى أربعة من حيث النسب يتفقون في شأن واحد، وهو أنهم كلهم أبناء عبد المطلب، لكن من حيث الكفر والإيمان يمن الله جل وعلا على حمزة في الأول فيسلم وينال مرتبة سيد الشهداء، ويمن الله جل وعلا على العباس بن عبد المطلب فيسلم فيكون عم النبي ﷺ المبجل، ويكون في حقه صلوات الله وسلامه عليه: (عم الرجل صنو أبيه) كما أنه ﵁ وأرضاه -أي: العباس - شارك في غسل النبي ﵊، وكان -كما قال المؤرخون- أول من صلى عليه؛ لأن الصحابة صلوا على النبي ﷺ أرسالاً أي: فرادى، ولم يكن لهم إمام، فهذان ممن أكرمهم الله بالهداية. أما أبو طالب فإنه لم يقدر له أن يؤمن مع يقينه أن محمداً ﷺ جاء بالحق من ربه، وهو القائل: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية ديناً لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا ومعلوم: أن تلك النصرة التي قدمها لنبينا ﷺ جعلت النبي ﵇ يشفع له عند ربه؛ فكان أهون أهل النار عذاباً، أما أبو لهب فهو الشقي حقاً، فلم يؤمن كما آمن العباس وحمزة، ولم ينصر كما فعل أبو طالب، لكنه آذى النبي ﷺ فصدق في حقه قول الحق ﵎: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]. هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله جل وعلا على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله. والحمد لله رب العالمين.

стр. 33

سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [١٢] زعم اليهود أنهم أبناء الله وأحباؤه، وزعموا أن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة، ثم زعموا أنهم يؤمنون بالبعث والنشور، وهنا تحداهم الله بأن يتمنوا الموت إن كانوا صادقين فيما زعموه وادعوه، ولكن الله أخبر بأنهم أحرص الناس على حياة، حتى من أهل الشرك المتشبثين بالدنيا، باعتبار أنهم لا يؤمنون إلا بحياة واحدة، ولا يؤمنون بالبعث والنشور، ولقد فضحهم الله تعالى، فأين سيهربون؟!

стр. 34

ولتجدنهم أحرص الناس على حياة الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه حلقة جديدة مباركة من برنامجكم: معالم بيانية في آيات قرآنية. والآية التي نحن بصدد الحديث عنها في هذا اللقاء المبارك: هي قول ربنا جل وعلا: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٩٦]. الآية أيها الإخوة المباركون! تتكلم عن اليهود، واليهود قوم بهت كما قال عنهم عبد الله بن سلام ﵁ وأرضاه، فقد كان لهم شأن عجيب مع نبي الله جل وعلا موسى، وقد جاء القرآن بذكر أخبارهم مع نبي الله موسى تفصيلياً، فأقام الحجة عليهم، وأظهر عوارهم، وبين أن ما يصنعونه اليوم مع نبينا ﷺ إنما هو من جنس ما صنعوه مع كليم الله وصفيه موسى بن عمران، وهذه الآية في سورة البقرة صدرها الله جل وعلا قبل ذلك بقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ [البقرة:٩٤]، إذ كان هؤلاء من أهل الكتاب -أي: اليهود- يقولون: إن الجنة محصورة فيهم، وأن الآخرة لهم دون غيرهم، فأمرهم الله جل وعلا ببرهان على ذلك، وطلب منهم إن كانوا صادقين على هذه الدعوى أن يتمنوا الموت، قال جل وعلا: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٩٤]، ثم أخبر جل وعلا أنه لم يقع منهم ذلك التمني، قال سبحانه: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٩٥]، ثم ذكر سبحانه هذه الآية التي نحن بشأن الحديث عنها وهي قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ [البقرة:٩٦]، أي: إذا دنوت من أخبارهم فستجد هؤلاء القوم أحرص الناس على حياة، وقد جاءت كلمة (حياة) منكرة هنا، وهو لب حلقة هذا اليوم؛ لبيان أنهم يتشبثون بأي حياة كانت، سواء كانت حياة محمودة، أو حياة مذمومة، حياة فقر أو حياة غنى، حياة عز أو حياة ذل، المهم أن يبقوا، وليس هذا صنيع من يرجو شيئاً في الدار الآخرة؛ ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [البقرة:٩٦]، وهذه الواو تحتمل معاني عدة، لكننا سنبقى على اختيار واحد حتى ينتظم قولنا حول هذه الآية المباركة، والمعنى: اعلم يا نبينا! أن هؤلاء القوم هم أحرص الناس على حياة، وليس فقط أحرص الناس على وجودهم، بل هم كذلك أحرص من الذين أشركوا على الحياة. ولماذا اختار الله جل وعلا أن يعبر عن أهل الإشراك هنا في المقارنة ما بين حرص اليهود وحرص أهل الإشراك؟ الذي يظهر -والعلم عند الله جل وعلا- أنك إذا تأملت التالي -أيها المبارك- وجدت الجواب بين عينيك، والتالي: أن يقال: إن اليهود بالرغم من كفرهم بالله جل وعلا وعدم تصديقهم بنبوة محمد ﷺ إلا أنهم في اعتقادهم يؤمنون بالدار الآخرة، ويؤمنون بأن هناك بعث، وأن هناك نشور، ولذلك قال الله جل وعلا عنهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة:١١١]، وقال: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة:٨٠]، وهم مؤمنون بالبعث والنشور بخلاف أهل الإشراك الذين بعث إليهم نبينا ﷺ ، فهم لا يؤمنون ببعث ولا بنشور، فمن باب أولى عقلاً ونقلاً ينبغي أن يكون حال أهل الإشراك أشد حرصاً من حال اليهود؛ لأن أهل الإشراك يؤمنون بأنهم لا يعيشون إلا حياة واحدة فقط، فيكون تشبثهم بالحياة بناء على هذا المعتقد الضال الذي يؤمنون به كبيراً، بخلاف اليهود والمؤمنين بالبعث والنشور، فلا حاجة لأن يكون هناك تشبث بالحياة إذا كانوا يؤمنون أن هناك آخرة، وأنهم سيدخلون الجنة، هذا الوضع أو الواقع الطبيعي للأمر، لكن الله هنا يبين سرائر أولئك القوم: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [البقرة:٩٦]، فخصهم بالذكر ليبين لنا أي منتهى وصل إليه حال تشبث أولئك اليهود بالدنيا، وهذا إن دل فإنما يدل على ضعف يقينهم بما يزعمون، وعلى بطلان برهانهم الذي يدعون، أن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة، وهذا أسلوب قرآني عظيم في تفنيد آرائهم بقيت بعض الأمور الإيمانية التي يحسن بنا أن نستطرد فيها في مقامنا هذا فنقول: إن الإنسان كلما كان على يقين بلقاء الله زهد في هذه الدنيا، وهذا معنى قول الله جل وعلا لنبيه: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى﴾ [الضحى:٤]، وقال الله جل وعلا لنبيه يوسف ﵊: ﴿وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [يوسف:٥٧]، كل هذا يبينه الرب ﵎ ليدفعنا جل وعلا لئلا نتشبث بالدنيا فالدنيا زهرة حائمة ونعمة زائلة. فإذا نظرنا إلى حال اليهود هذا وقسناه بحال الأنبياء الذين هم أعرف الخلق بالله وجدنا أن أنبياء الله يخيرون عند الموت بين الخلد في الدنيا ثم الجنة، وبين لقاء الله ثم الجنة، فنجدهم عليهم الصلاة والسلام يختارون لقاء الله ثم الجنة، وهذا يدل على عدم تشبثهم وتعلقهم بالدنيا، وعدم حرصهم عليها، فهذا سيد الأبرار وخاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه يخيره جبريل، والنبي ﷺ متكئ على سحر عائشة ونحرها، وهي لا تسمع تخيير جبريل، لكنها عرفت تخيير جبريل من إجابة النبي ﷺ ؛ فإنها قالت ﵂ وعن أبويها: فسمعته يقول: (مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً)، قالت ﵂ وأرضاها: فعلمت أنه يخير. أي: يخيره الملك ما بين الخلد في الدنيا ثم الجنة، وما بين لقاء الله ثم الجنة، ثم قال ﷺ : (بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، قالها ثلاثاً) ثم مالت يده، وفاضت روحه إلى أعلى عليين، في المحل الأسنى، والملكوت الأعلى صلوات الله وسلامه عليه. وموضع الشاهد منه: أن النبي ﷺ لم يكن لديه حرص على الدنيا، وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه أتباعه صلوات الله وسلامه عليه، لكن عدم الحرص على الدنيا لا يعني ترك العمل، ولا يعني عدم المسارعة في الخيرات، ولا يعني عدم عمل المعروف أبداً، فلا يمكن أن يأتي الشرع بمثل هذا، فهذا فكر ضال نشأ في الأمة مؤخراً، لكن النبي ﷺ أراد بذلك جملة أن ما لم يقع في أيدينا لا تتعلق به أعيننا. قال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١]. فالمرء كلما بعد عن التشبث بالحياة الدنيا بعد عن صفات الأشقياء، وكلما تعلق بالله واشتاق إلى لقاء الله اقترب من هدي الأنبياء، فإذا جعل من الحياة الدنيا مزرعة للآخره واستثمرها في الطاعات والمسابقة في الخيرات، وعمل المعروف، ونفع الأمة، وإرضاء المجتمع بما ينفعه، كان عبداً موفقاً، ورجلاً مسدداً. جعلني الله وإياكم من أهل ذلك. هذا ما تيسير إيراده، وتهيأ إعداده، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 35

سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [١٣] ذكر الله تعالى في كتابه خمسة وعشرين نبياً، هم مصابيح الهدى، ونجوم الدجى، بهم استنار الكون واستبشر، وأضاء من نورهم المشرق والمغرب، فيكفيهم أنهم رسل الله تعالى وأنهم مصطفوه ومجتبوه، وأفضلهم قدراً، وأعلاهم ذكراً، نبينا وحبيبنا محمد ﵌.

стр. 36

أنبياء الله نجوم تتلألأ في ظلمات الليل الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه حلقة جديدة مباركة من برنامجكم: معالم بيانية في آيات قرآنية، ونحن بصدد الحديث عن قول الله جل وعلا في سورة الأنعام: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٨٣ - ٨٦]. والذي نريد أن نميط اللثام عنه هنا: هو علام يعود الضمير في قوله سبحانه: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ) هل يعود على نوح ﵇ أم يعود على خليل الله إبراهيم ﵇؟ نقول بداية: الأنبياء شامة في جبين الأيام، وتاج في مفرق الأعوام، الله جل وعلا يقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، والأنبياء المذكورون في القرآن خمسة وعشرون نبياً، ذكر الله منهم في الآيات التي تلوناها ثمانية عشر وسبعة جاءوا متفرقين، قال الناظم: في تلك حجتنا منهم ثمانية من بعد عشر ويبقى سبعة وهم إدريس هود شعيب صالح وكذا ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. هذه الآيات أثنى الله جل وعلا فيها على خليل الله إبراهيم، والمناسبة بأن الله قال في أولها: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ) العلماء ﵏ ذهبوا إلى قولين في عود هاء الضمير في قوله سبحانه: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ): فقال قائلون: بأن الضمير يعود على نوح، وقال آخرون: إن الضمير يعود على إبراهيم ﵊، فما حجة كل فريق؟ إذا قلنا: إنه يعود على نوح يؤيده أمران: الأمر الأول: قواعد اللغة تقول: إن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، والأقرب مذكوراً هنا هو نوح ﵊. الأمر الثاني: أن المؤرخين متفقون على أن لوطاً ليس من ذرية إبراهيم فهو ابن أخيه هاران، فـ هاران أخو إبراهيم من حيث النسب، فإذاً: لوط ليس من ذرية إبراهيم لأنه ابن أخيه. أما من قال: إن الضمير يعود على إبراهيم ﵊ فقد قالوا: إن الآيات أصلاً في مقام الثناء على خليل الله إبراهيم، وهذا واضح، وأجابوا عن قول الله جل وعلا: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام:٨٤] بأنها جملة اعتراضية، وأجابوا عن كون إبراهيم ﵊ عماً للوط وليس أباً له، لأن الله سمى في القرآن العم أباً في سورة البقرة، قال الله جل وعلا: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة:١٣٣]، فالقائلون بهذا القول: هم أولاد يعقوب، ويعقوب أبوه إسحاق، وليس إسماعيل، وإنما إسماعيل أخ لإسحاق، فعلى هذا قالوا: إن الله جل وعلا سمى العم والداً، فأجابوا عن الإشكال الحاصل من كون لوط ليس من ذرية إبراهيم؛ لأن الله سمى العم: والداً. وعلى هذا يتبين: أن من العلماء من قال: إن الضمير يعود على نوح، ومنهم من قال: إنه يعود على إبراهيم. وأياً كان الأمر فإن في هذه الآيات ثناء عاطراً من الله جل وعلا على هؤلاء الصفوة المباركة من رسله الكرام، صلوات الله وسلامه عليهم. واعلم -أيها الأخ المبارك- أن العلماء يسمون نوحاً: شيخ الأنبياء، لأنه أطولهم عمراً، ويسمون إبراهيم: أبا الأنبياء؛ لأن الله جل وعلا حصر النبوة والكتاب بعده في ذريته، قال الله جل وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:٢٧]، وظاهر السنة يدل: على أن إبراهيم ﵇ أفضل من نوح؛ لأن النبي ﵊ قال في دعوات ادخرها: (وادخرت الثالثة ليوم يرغب إلي فيه الخلق حتى إبراهيم)، فقوله ﵊: (حتى إبراهيم) يدل على أن إبراهيم ﵇ أفضل الخلق بعد نبينا صلوات الله وسلامه عليه، ولا يعني ذلك: الغضاضة من مكانة نوح ﵇، فإنه أول رسل الله إلى الأرض، وقد سماه الله جل وعلا ونعته بأنه كان عبداً شكوراً. هؤلاء الصفوة المباركة متفق على نبوتهم، وإذا استطردنا في الحديث فإننا نقول: إن ثمة رجال صالحون ذكرهم الله جل وعلا في كتابه واختلف في نبوتهم منهم: ذو القرنين، والخضر، ولقمان، وتبع، وآخرون، أما مريم ﵍، فإنه متفق على أنها ليست بنبية؛ لأن النبوة لا تكون في الإناث، قال الناظم: وما كانت نبياً قط أنثى ولا عبداً قبيحاً في الفعال ومن هنا نفهم: أن الله جل وعلا أعطى أولئك الأخيار منازل عالية، ودرجات رفيعة، يحسن بنا التأسي بهم؛ ولهذا ختم الله هذا السياق العظيم في سورة الأنعام بقوله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨]، ثم قال جل وعلا بعدها بآية: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٩٠]. جعلني وإياكم ممن يقتفي هدي الأنبياء، ويسير على نهجهم، ويتقرب إلى الله جل وعلا بصالح الأعمال التي تقربوا بها، وختم الله بهم نبينا ﷺ ، فهو آخرهم عصراً، وأرفعهم وأجلهم يوم القيامة شأناً وذكراً. هذا ما تيسر إيراده، وأعان الله جل وعلا على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 37

سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [١٤] قصة أصحاب الكهف من القصص التي ورد ذكرها في القرآن العظيم، وفيها من الفوائد العظيمة، والأخبار الشائقة ما الله به عليهم، فهم فتية آمنوا بربهم حق الإيمان فزادهم إيماناً، وأعلى ذكرهم، وجعلهم قرآناً يتلى إلى يومنا هذا.

стр. 38

لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه حلقة جديدة مباركة من برنامجكم: (معالم بيانية في آيات قرآنية). والآية التي نحن بشأن الحديث عنها في هذا اللقاء المبارك: هي قول الله جل وعلا عن أهل الكهف: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف:١٨]. والجزء الذي سنتحدث عنه في هذه الآية هو: قوله جل شأنه: (لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً)، فأسند الله جل وعلا التقليب هنا إلى ذاته العلية، قال العلماء: فيه فائدتان: الأولى: تشريف لهم. الثانية: بيان لطف الله جل وعلا بهم. وأهل الكهف هم فتية ضاعوا في أول الدهر، هكذا سألت قريش النبي ﷺ عنهم، والأصل أنهم فتية آمنوا بربهم، وأظهروا التوحيد ضد من كان يحكمهم آنذاك، فاجتمع أمرهم على أن يلجئوا إلى ربهم ﵎، فآواهم العلي الخبير إلى كهف، وفي طريقهم أخذوا كلباً معهم سواء قلنا: إنه كلب راع أو كلب غيره، المهم أنه استقر بهم الأمر في كهف فضرب الله جل وعلا على آذانهم، ولم يضرب الله جل وعلا على أعينهم؛ لأن الضرب على الآذان يعطي فرصة أكبر، ومدة أطول في كونهم نائمين، قال الله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ [الكهف:١١]، وأنت ترى النائم اليوم، إذا أردت أن توقظه إنما تحدث صوتاً عند أذنه، هذه أنجح الطرق في إيقاظ النائمين، لكن أن تمر بجواره هذا لا يدفعه للاستيقاظ من نومه؛ لأنه مغمض العينين، فنقول: هؤلاء المباركون أهل الكهف -فيما يظهر- ناموا وأعينهم مفتوحة، وهذا معنى قول الله جل وعلا: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف:١٨]، وهذا لا يتأتى إلا إذا نظر الإنسان إلى أعينهم؛ لأن إغلاق العين أو فتحها هو الفارق بين من ينام ومن لا ينام، وبهذا العرب تزعم في كلامها أو في أخبارها وأشعارها وقصصها: أن الذئب ينام بإحدى عينيه، ويبقي الأخرى مفتوحة، فيقولون فيه: ينام بإحدى مقلتيه ويتقي بأخرى المنايا فهو يقظان نائم الذي يعنينا هنا: أن الرب جل وعلا أراد لهؤلاء الفتية أن يكونوا آية فحفظهم جل وعلا أيما حفظ، فضرب على آذانهم فمكثوا في الكهف سنين عدداً، وانظر إلى عظيم لطف الرب ﵎، فأعداؤهم وخصومهم خارج الكهف يبحثون عنهم، وربما أنفقوا الأموال في الوصول إليهم، وهم لا يحملون أي هم يذكر، بل هم نائمون في راحة تامة متواصلة، ضرب الله على آذانهم لا يعلمون شيئاً مما يقع خارج الكهف، ولا ما يقع داخل الكهف لطفاً من الله جل وعلا بهم، وهنا تعلم أن من أراد الله جل وعلا حفظه ورعايته فلا سبيل لأحد أن يؤذيه، كما حفظ الله أنبيائه وسائر الصالحين غيرهم. قال الله جل وعلا: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف:١٨]، فهم البعض بادي الرأي: أن هذا يدل على طول أظفارهم وأشعارهم، وأن ظهورهم قد احدودبت مع طول السنين ومرور الأيام، وأن الشيب قد خطهم، إلى غير ذلك، قالوا: هذا السبب في قول الله جل وعلا: (لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا) ونحن نذهب -والعلم عند الله- إلى أن هذا بعيد؛ لأن هذا المعنى لو قلنا به لا يستقيم مع الآية التي بعدها؛ لأن الآية التي بعدها يقول الله جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:١٩]. (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ) أي: أيقظناهم من رقودهم. (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ) أي: من هؤلاء الفتية. (كَمْ لَبِثْتُمْ) هم قطعاً ظنوا أنهم لبثوا، لكنهم كانوا يتساءلون. (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ) الآن فلننخ المطايا: هل يعقل من فتية يصفهم الله جل وعلا بأنهم زادهم هدى، ينظر بعضهم إلى بعض وقد طالت أشعارهم على هذا القول، وطالت أظفارهم، واحدودبت ظهورهم، وخطهم الشيب، ونالهم ما نالهم من تغير السنين ومرور الأيام، ثم يقول بعضهم لبعض: (لبثنا يوماً أو بعض يوم) هذا محال، لكنهم لم يجدوا في أنفسهم تغيراً، وجدوا أنفسهم كالحال التي ناموا عليها، ولهذا كان بديهياً أن يقولوا: (لبثنا يوماً أو بعض يوم) وفي هذا: إذهاب وتفنيد لذلك التوهم الذي قد يأتي للنفس من قول الله جل وعلا: (لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا)، وهذه يمكن أن نجيب عنها: بأن ذلك الفرار وذلك الرعب إنما يقع لما ألقاه الله عليهم من الهيبة، ولأن أعينهم كانت مفتوحة عندما ينظر إليهم الرائي وذلك حال نومهم، وهذا من لطف الرب ﵎ بهم، وقد بينا أن الرب جل وعلا أسند التقليب إلى ذاته العلية تشريفاً لهم وبياناً للطفه ﵎ بهم. من هذه القصة على وجه الإجمال -وأنا سردتها باختصار؛ لأنني معني بآية واحدة- يتبين لنا: أن الله جل وعلا خير حافظ، وأنه الرب الذي لا رب غيره، ولا إله سواه، وأن من استعصم بالله آواه، ومن لجأ إلى الله جل وعلا كفاه، ومن استغنى بالله جل وعلا أغناه، فالله جل وعلا لم يقص علينا خبر أصحاب الكهف حتى نحدث به الغير كالأقاصيص والأحاديث والأغاليط معاذ الله، فهذا كلام رب العزة، ويجب أن ينزل على أفضل تنزيل وأعظمه، فالله جل وعلا ذكر لنا خبرهم ليقيم الحجة على من سأل نبينا ﷺ ، فيكون في جوابه ﵊ إشعار بأنه يتلقى الوحي والغيب من الرب ﵎، وفي نفس الوقت نتعظ بخبر أولئك القوم، ونعلم أن الرب ﵎ أراد بهم خيراً، وحفظهم فلم تصل إليهم يد الأعداء، ولا مكر الماكرين، وهذا لا يقع إلا إذا كان بحفظ رب العالمين ﷻ . جعلني الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وجعلني الله وإياكم ممن يتعظ بهذا القرآن العظيم، هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله، وصلى الله على محمد وآله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 39

سلسلة معالم بيانية في آيات قرآنية [١٦] لابد أن يعلم طالب العلم ومبتغيه: أن الله لا يقدم شيئاً في القرآن حقه التأخير إلا لغاية عظمى، وأهمية كبرى، ومن ذلك تقديمه الوصية على الدين في آية المواريث، وذلك لأن الوصية يقل الباحثون عنها، والمبتغون لها، فقدمها للأهمية لكي لا يغفل جانبها، ومن ذلك تقديمه للنبي ﷺ في مقام التفضيل، وتأخيره في مقام الرسالة والنبوة باعتبار الترتيب وغيرها.

стр. 40

تقديم ما حقه التأخير في القرآن الكريم وبيان الحكمة من ذلك الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن الله وحده لا شريك له، شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه حلقة جديدة مباركة بإذن الله من برنامجكم: (معالم بيانية في آيات قرآنية). وما سنشرع في إيضاحه اليوم يتعلق بتقديم ما حقه التأخير في كلام ربنا جل وعلا، ولماذا قدم الله ﵎ بعض ما حقه التأخير؟ هذا ما سنشرع فيه، والآيات التي نحن بصدد ذكرها عديدة. سنبدأ بذكر قول الله جل وعلا: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١]. نقف عند قول الله جل وعلا: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) وهذا اللفظ ورد في ثلاثة مواضع في آيات المواريث، ورد هاهنا، وورد في قوله ﵎: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢]. وورد في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢]. وورد في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢] ومن المتفق عليه عند الفقهاء رحمهم الله تعالى: أن الدين مقدم على الوصية، والسؤال هنا: لماذا قدم الله جل وعلا الوصية في هذه الآيات وهي آيات المواريث؟! والجواب عن هذا: قال العلماء ﵏ في أمثل الأجوبة: إن الوصية قد لا يوجد من يبحث عنها، ولا يدري أن هناك وصية، بخلاف الدَّين، والمعنى: لو أن رجلاً ترك ديناً عليه وترك وصية مكتوبة، فربما أكثر من يرثه لا يدري أن هناك وصية فلا يطالب بها، أما الدَّين فمهما كانت رقة أولئك أصحاب الدين على الذي توفي -كثرتهم أو قلتهم- تبقي فيهم أحياناً من يعلم أن هناك ديناً له على المتوفى، فيأتي فيطالب به. إذاً: جماع الأمر أن نقول: إن الدَّين غالباً ما يكون وراءه مطالب، بخلاف الوصية فقد لا يدرى عنها فلا يكون وراءها مطالب، وعلى هذا قدم الله جل وعلا الوصية على الدَّين؛ لأن الدَّين قد يوجد من يكفي الغير أمره، بخلاف الوصية فربما لا يوجد من يعلم عنها شيئاً، فلا يطالب بها، وإلا من حيث إمرار التركة، والتصرف في أموال المتوفى، يقدم النظر في الدَّين على النظر في الوصية لإجماع الفقهاء. نظير هذا المعنى في كلام ربنا جل وعلا وهو تقديم ما حقه التأخير: نذكر الآن آيتين في سورتي الأحزاب والشورى، ذكر الله جل وعلا فيهن رسله العظام أولي العزم من الرسل، قال الله تعالى وهو أصدق القائلين في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب:٧]. نلحظ هنا: أن الله جل وعلا ذكر النبيين إجمالاً، ثم لما فصل قدم نبينا ﷺ على نوح والأنبياء الذين بعده، بخلاف ما ورد في سورة الشورى، فإن الرب جل وعلا يقول: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى:١٣]. السؤال المطروح هنا: لماذا قدم الله ذكر نبينا ﷺ في الأحزاب، وأخر ذكره بعد نوح في الشورى؟ الجواب في الأحزاب كان الله جل وعلا يتكلم عن الأنبياء، ولهذا قال: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ) فلما كان الكلام عن الأنبياء قدم الله نبينا ﷺ وإن كان آخرهم عصراً، إلا أنه كان ﷺ أفضلهم وأرفعهم ذكراً فقدمه، أما في سورة الشورى فلم يكن الحديث كما كان في الأحزاب عن الأنبياء من حيث كونهم أنبياء، ولكنه كان كلاماً عن الدين، ولا ريب أن نوحاً ﵊: أول رسل الله إلى الأرض، فلهذا قدمه الله جل وعلا؛ لأن الكلام هنا عن الدين لا عن الأنبياء الذين يحملون الدين، قال الله جل وعلا: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]، فانظر إلى عظمة القرآن إلى أنه لا يقدم شيئاً أو يؤخر إلا لحكمة ظاهرة بينة يطلع الله جل وعلا عليها بعض خلقه من أصفياء عباده من ركب العلماء، وتغيب عن البعض، وأياً كان الأمر فإن شواهد عظمة القرآن قائمة، علمنا منها ما علمنا، وجهلنا منها ما جهلنا. ومن نظائر هذا في كلام ربنا ﵎: قول الله جل وعلا في آية امتنان عظيمة على عباده، قال: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل:٥ - ٦] هذه الآية في سياق الامتنان، والناظر إلى أنعامه وهي تغدو إلى المراح وإلى رعيها، ليس كنظره إليها وهي في حال أوبتها وعودتها، فإنها إذا عادت تعود عظاماً ضروعها طوالاً أسنمتها، فمنظرها في العين أجل وأمتع وهي عائدة وإن كان منظرها يبقى حسناً وهي ذاهبة إلى المرعى، لكن لما كانت الأنعام في حال أوبتها تملأ العين أكثر، والآية مسوقة في سياق الامتنان، قدم الله جل وعلا ما حقه التأخير زمناً على الذكر؛ حتى يكون الوضع متناسباً مع كون الإنسان يراعي منظر ما يشاهده ويراه من نعم الرب ﵎ عليه، فالأنعام أملأ في العين حال أوبتها من حال ذهابها إلى المرعى، ولذلك قدم الله جل وعلا ما حقه التأخير زمناً. في خضم هذا النظر في هذه الآيات التي ذكرناها في النحل وفي الشورى وفي الأحزاب وفي النساء، تتبين لنا عظمة القرآن، وأنه منزل من عند الله ﵎، وهذه بعض الشواهد على ما في القرآن من عظيم المكانة، وجليل البلاغة، وروعة البيان التي أسرت العرب قبل ذلك، فكانت سبباً في إسلام كثير ممن من الله عليهم بالهداية، ممن لحقوا بركب رسول الله ﷺ . جعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان العلي الكبير على قوله، وصلى الله على محمد، والحمد لله رب العالمين.
следующие страницы →