← Тафсир

Тафсир · id 37746

آيات الحج في القران الكريم

صالح المغامسي

Полный текст (80 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المراد بالبركة في قوله: (للذي ببكة مباركاً) الملقي: أيضاً في قوله ﵎: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران:٩٦] ما المراد بالبركة؟ الشيخ: نبدأ من أصل المسألة (تبارك) فعل عند نحاة العرب لا يتصرف، لا يأتي منه مضارع ولا أمر، ويقولون: لا يخاطب أحد بالفعل: تبارك، ولا يسند إلا لله جل وعلا. ثمة ألفاظ لا ينادى بها إلا الله، يقال: تبارك الرحمن، تبارك الله، لكن لا يقال: تبارك النبي، ولا تباركت الملائكة، ولا أمثالها، كما أن لفظ (سبحان) لا يقال إلا في حق ربنا ﷻ ، ولهذا أثر عن دعاء بعض الصالحين: (سبحان من لا يقال لغيره سبحانك). والمبارك المقصود به: الزيادة والنماء والخير، وأثر ذلك في انشراح الصدر ورفع العمل وزيادة الأجر، هذا كله مندرج في قول الله جل وعلا (مبارك)، من بركته الحسية، وبركته المعنوية، البركة الحسية كأن الله جل وعلا يجبي إليه كل الثمرات. وأنت تعرف أن مكة ليست بأرض زرع، ومع ذلك قل ما يفقد شيء فيها، تأتيها الأرزاق من كل مكان بتسخير الله، من تسخير الله لها، وحب أهل الثرى والمال أن يوقفوا أموالهم في مكة، كل ذلك ناجم من بركة حسية. البركة المعنوية: في أن الإنسان هناك يجد الطواف بالبيت، وهو لا يوجد إلا في مكة؛ لأن الطواف لا يشرع إلا بالبيت، فهو عبادة لا تتم إلا في مكة، وكذلك الصفا والمروة لا يوجد إلا في مكة، فأداء هذه الأفعال من البركات التي يجعلها الله جل وعلا في ذلك المقام، ولهذا قال الله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران:٩٦]. أحياناً نجد في القرآن شيئاً اسمه (الحرم)، وآخر اسمه (مبارك)، وأحياناً (مبارك) تنوب عنها كلمة (مقدس) فمثلاً: لم يرد أن هناك حرماً إلا مكة والمدينة، فالله جل وعلا حرم مكة، وإبراهيم كذلك حرمها، وحرم النبي ﷺ المدينة. لكن كلمة (مقدس)، وكلمة (مبارك)، ليست محصورة في مكة والمدينة، فإن الله قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١]، وقال في قضية وادي طوى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه:١٢]، والنبي ﷺ قال في وادي العقيق الذي فيه مسجد الميقات في ذي الحليفة، قال: (أتاني آت من ربي، فقال: صلّ ركعتين في هذا الوادي المبارك). فلفظ (البركة) قد يطلق على الحرم، ويطلق على غير الحرم، أما الحرم فلا يطلق إلا على مكة والمدينة بحدودها المعروفة التي حددها الشرع.

стр. 37

معنى قوله: (وهدى للعالمين) الملقي: ما معنى قوله: ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٦]. الشيخ: ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٦]، لا شك أن أعظم الهداية توحيد الله، فلما جعل الله البيت مثابة للناس وأمناً وحرزاً لعباده، وحصناً في قضية التوحيد، حيث يعظم الله جل وعلا عنده؛ كان بذلك هدى للعالمين، لذلك لما دخل النبي ﷺ الكعبة عام الفتح، وجد أن القرشيين وضعوا فيها صورتين لإبراهيم وإسماعيل وهما يستقسمان بالأزلام، فقال: (قاتلهم الله، والله لقد علموا ما استقسم بها قط)، أي: الأزلام. وهذا البيت كبر النبي ﷺ في نواحيه، وأمر بإخراج ما كان في الكعبة من أصنام. والعجيب هنا أن النبي ﷺ قبل هجرته طلب من سدنة البيت أن يفتحوا له باب الكعبة فرفضوا، فقال لـ عثمان بن أبي طلحة: (ليأتين يوم يكون المفتاح بيدي أضعه حيث أشاء، فقال عثمان: إذا هانت قريش يومئذٍ وذلت، فبكى ﷺ ، فلما كان عام الفتح دخل النبي ﷺ الكعبة. والله يقول في آية أخرى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨]، فاختيار قدري أن تكون السدانة في بني شيبة. وعندما كان آخذاً بعضدتي باب الكعبة أنزل الله جل وعلا عليه قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]، فلما خرج بادره علي بقوله: يا رسول الله، اجمع لنا السدانة مع السقاية، فقال ﵊: أين عثمان؟ فجاء فأعطاه المفتاح، ثم قال: (خذوها يا بني شيبة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم)، فهي إلى اليوم فيهم. وقبل ولاية هذه الدولة المباركة على البيت كانت ولاية الأشراف ومن قبلهم في تلك الحقبة، وكان السادن يضعه في جيبه، ومفتاح الكعبة كبير، فكان الرجل يضع المفتاح في الجيب، وهو واقف عند الكعبة يدعو، فجاء أحد الحجاج، فقال للسادن: سبحان الله! ماذا تطلب من الله، فمفتاح الكعبة في جيبك، فماذا تريد تبغى أكثر من هذا! يعني: افتح باب الكعبة وادخل؟ فهذا البيت أعظم مناراته أنه هدى، إليه يحج ويعظم، ومعنى الحج: القصد مع التعظيم، ولا يكون هناك تعظيم إلا لبيت الله، أما غيره فيحترم، وهناك فرق بين الاحترام والتعظيم، والعلم عند الله.

стр. 38

سلسلة آيات الحج في القرآن الكريم [٥] إن من أعظم شعائر الله البيت الحرام، وفيه آيات بينات، منها الحجر الأسود الذي نزل من الجنة، ومنها مقام إبراهيم الذي أمر الله باتخاذه مصلى.

стр. 39

المقصود ببيت الله الحرام الملقي: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكم إلى حلقة جديدة في (آيات الحج في القرآن الكريم) مع ضيفنا الشيخ صالح بن عواد المغامسي إمام وخطيب مسجد قباء والذي نرحب به مع مطلع هذه الحلقة، فأهلاً بكم فضيلة الشيخ. الشيخ: حياكم الله أستاذ فهد وحيا الله الإخوة المستمعين والأخوات المستمعات. الملقي: الآية التي معنا في هذه الحلقة هي قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران:٩٧]. فهل المقصود هو المسجد الحرام أم ماذا؟ الشيخ: الآية التي قبلها: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ [آل عمران:٩٦ - ٩٧]. فالكعبة والمسجد الذي حولها هو المقصود ببيت الله الحرام، بدليل أن الله قال: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران:٩٧]. فمقام إبراهيم يقيناً ليس من الكعبة، فهذا دليل على أن المقصود بها المسجد.

стр. 40

من الآيات البينات في الكعبة الحجر الأسود

стр. 41

كيفية تعظيم الحجر الأسود أما أعظم الآيات فالحجر الأسود. والآية في اللغة: العلامة، ولها معاني أكثرها في القرآن الكريم، كقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [البقرة:٢٤٨] أي: لعبرة. لكن هنا (آيات بينات) أي أمور تلفت الأنظار غير ما تعارف الناس عليه، فالحجر في أصله علامة قسوة، لكن هذا الحجر من دلائل احترامه شرعاً، أن النبي ﷺ قبله، وبدأ به في الطواف من دون أركان الكعبة كلها، على هذا نحرر المسألة على النحو التالي: نستصحب قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٢]. فشعائر الله يجب أن تعظم، هذا عموم، والسؤال المطروح هنا علمياً، كيف تعظم؟ لا سبيل إلى معرفة كيفية تعظيمها إلا بمعرفة كيف تعامل النبي ﷺ معها، وإذا جاء سيل الله بطل سيل معقل، والدين يؤخذ عن أنبياء الله ورسله، ونحن مطالبون بالاقتداء بنبينا ﷺ . تأتي أخطاء من هنا وهناك حول هذه المسائل، فمثلاً النبي ﷺ كيف يكون تعظيمه؟ فننظر للصحابة كيف تعاملوا معه، فنعرف تعظيمه، وهم لم يتخذوه وسيلة بينهم وبين الله، فلا يأتي أحد ويقول إن من تعظيمه اتخاذه وسيلة بيننا وبين الله في الدعاء، لأن الصحابة الذين أنزل عليهم القرآن وكان حياً بين أظهرهم لم يصنعوا هذا. كذلك كل شعيرة من شعائر الدين لها نوع من التعظيم، مثلاً الله يقول: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٦]. وتعظيمها بأن تقلد وتهدى إلى البيت وتنحر، فنحرها هدياً بالغ الكعبة من تعظيمها. استسمان الأضاحي من تعظيم شعائر الله، لكن لا يمكن أن نقول: إن نحر الحجر أو استسمانه من تعظيمه، فننظر كيف عظم النبي ﷺ شعيرة الحجر؟ بدأ به مقبلاً بوجهه، ومن أخطائنا أن نأتي بجواره ونضعه على يسارنا، والصواب أن يأتي الإنسان أول المطاف إلى الحجر فيقابله بوجهه، فالنبي ﷺ : (استلمه وقبله) وفي رواية (سجد عليه ثم جعل الكعبة عن يساره) كما قال جابر، أي: بعد أن استلم الحجر. إذا تعظم شعيرة الحجر باستلامها أو بتقبيلها، وإذا عجزنا فبالإشارة إليها كما فعل النبي ﷺ .

стр. 42

مكانة الحجر الأسود هذا الحجر جاء في الأثر أنه نزل من السماء أشد بياضاً من اللبن فسودته خطايا بني آدم. وهذا الموروث القديم حتى الجاهليون كانوا يعلمونه، ولذلك اختصموا في وضعه، وقدر للنبي ﷺ أن يضعه لما وضعه في رداء، ثم أخذت كل قبيلة بطرف، ولو لم يكن لهذا الحجر قدر، لما من الله على نبيه بأن يكون وضع الحجر على يديه، لأن الله لا يختار لنبيه إلا الأفضل والأكمل، ولو لم يكن للحجر شأن، لما بدأ النبي ﷺ به، دون أركان الكعبة كلها، ولو لم يكن للحجر شأن لما قبله ﷺ . ولا يعني هذا أن يفهم أحد أن لازم ذلك أن يعتقد أن الحجر يضر أو ينفع، فإنا نعلم أن الحجارة لا تضر ولا تنفع، بل النبي ﷺ نفسه لا يضر ولا ينفع، يعني إنما جرت هداية البشر به، لكن لا يملك أحد لأحد ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، هذا نفاه الله عن جميع خلقه. فإذا قبلنا الحجر لا يعني أننا نعتقد أنه يضر أو ينفع، وإنما نحن نقتدي بالنبي ﷺ . الملقي: هناك قضية أثيرت قبل فترة ولعلكم اطلعتم على شيء منها في إحدى القنوات الفضائية، وهي دعوى وجود رموز وثنية عند المسلمين في الحج، وكان هناك تركيز على هذه القضية. الشيخ: هذا من الجهل، وهذا يسوق إلى مسألة عجيبة نبه عليها رجل اسمه محمد الطاهر كردي المكي، وهو أن قريشاً الوثنية كانوا يعظمون الوثن والحجارة، ويختلقون الأصنام مثل هبل واللات ومناة والعزى، ومع ذلك صرفهم الله أن يعبدوا الحجر أو يعبدوا المقام، رغم أنه موجود بين أظهرهم؛ لأنه سبق في علم الله أنه سيأتي في دين الله تعظيم الحجر، وتعظيم المقام بما يناسبهما، فلو قدر أن قريشاً كانت تعظمهما وتعبدهما لقال القرشيون: أبقى محمد على شيء من ديننا، لكن الله صرفهم تماماً عن أن يعبدوا الحجر أو يعبدوا المقام. وهذا ملحظ عظيم، وأظن أن بركة العلم لها دور كبير في استنباط هذه المسائل والتنبيه إليها، وتذكير الناس بها، حتى يكون هناك حياة الاجتهاد في الأمة منبعثة منبثقة باقية، فالدين أجل وأكبر وأعظم من أن يحويه صدر رجل واحد. وحتى محمد الطاهر كردي له كتاب نسيت اسمه، ولعلي أعرج عليه بحلقات قادمه، لكنه نبه إليه ونقله عنه ساعد في كتابه فضل الحجر الأسود ومقام إبراهيم، وهو كتاب تاريخي فقهي مطبوع موجود في الأسواق.

стр. 43

الحجر الأسود واعتداء القرامطة والحجر كما تعلم تاريخياً من أعظم ما تعرض له اعتداء القرامطة، وأن القرامطة نزعوا الحجر، فحملوه إلى هجر، وكان هذا في أوائل القرن الرابع، سنة ثلاثمائة وسبعة عشر، أو ثلاثمائة وتسعة عشر للهجرة، ومكث هناك عشرين سنة. الملقي: هذا الحدث حمل أكثر مما يحتمل، حتى يعتقد بعض الناس عند قراءة التاريخ أن الكعبة عطلت في هذا الزمان، وأن القرامطة كأنهم نفوا وجود المسلمين في فترة معينة. الشيخ: هذا الحدث شابه شيء، لكن مجمله يدل على أن قوماً أعطوا جرأة في سفك الدماء، جاءوا إلى الكعبة والناس يحجون، فأخذوا الحجر معهم، في تلك الأيام. الملقي: وهل حصل ذلك دون هدم الكعبة. الشيخ: نعم، دون هدم الكعبة، إنما نزعوا الحجر انتزاعاً ثم أخذوه، فمكث الناس عشرين عاماً -كما قال أهل التاريخ- إنما يشيرون إلى موضع الحجر في طوافهم، ثم رد بعد عشرين عاماً إلا ثلاثة أيام تقريباً، والآن الذي يتأمل في الحجر يجد أنه إناء فضي، داخله مادة لزجة تجمع قطع الحجر، وهي ثمان قطع على هيئة تمرات، منها الكبير ومنها الصغير متلاصقة بعضها ببعض، هذا هو الحجر المكسور الذي كان أصلاً للحجر الأسود. والسنة أن يقبل الحجر وإن لم يستطع فليمسح عليه، وإن لم يستطع أشار إليه؛ لكن إذا كان معه شيء استلم به الحجر، مثل ما كان عمل النبي ﷺ بالمحجن، ويجوز له أن يقبل ذلك الذي استلم به، فالنبي عليه الصلاة السلام استلمه بالمحجن ثم قبل المحجن. والركن اليماني يستلم ويقبل، لكنه لا يشير إليه، وهناك قول في مذهب الشافعي رحمة الله تعالى عليه بالإشارة إليه، والمسألة فيها خلاف، لكن الأرجح والعلم عند الله أنه إما أن يستلم وإما أن يترك، وكلاهما في الجنوب من الكعبة، وهما من الكعبة ركناها اليمانيان. النبي عليه الصلاة السلام يقول: (الإيمان يمان والحكمة يمانية) ومما يمدح به أهل اليمن أن ركني الكعبة تجاه اليمن. أما الركنان الشاميان فلم يستلمهما النبي ﷺ لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم.

стр. 44

من الآيات البينات في الكعبة مقام إبراهيم الملقي: من الآيات التي نص عليها في هذه الآية مقام إبراهيم: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران:٩٧]. الشيخ: طبعاً هذا تخليد لذكرى خليل الله جلا وعلا، وهذا من الثناء الذي وعده الله نبيه لما قال في دعائه: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء:٨٤]. إنما الخلاف بين العلماء في هذا المقام، هل مكانه الحالي هو مكانه في عهد النبي ﷺ والمسألة فيها أقوال عديدة تصل إلى أربعة: منهم من قال: إن مكانه الحالي هو المكان الذي كان في عهد النبي ﷺ وفي عهد الخلفاء الراشدين، هذا قول. وقال آخرون: إن المقام كان ملتصقاً بالكعبة، وأخر إلى هذا الموضع، بفعل النبي ﷺ ، وهذا مروي عن مجاهد. وقال آخرون: إنه كان ملتصقاً في عهد النبي ﷺ وأخره إلى هذا الموضع عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقيل غير ذلك. والذي يظهر لي أن هذا المكان مقامه منذ أن كان النبي ﷺ ، لكن قول مجاهد أنه كان ملتصقاً بالكعبة له وجه من القوة، لكن الذين نقلوا حجة النبي ﷺ لم ينقلوا لنا أن النبي أخره. لكن نقبل قول مجاهد؛ لأنه لا بد أن يكون المقام ملتصقاً بالكعبة، حتى يستفيد منه إبراهيم ويرتقي عليه، لأنه إذا كان بعيداً لن يستفيد منه، لأن المقام وضع حتى يرقى إبراهيم عليه ويبني الكعبة. وقصة المقام أنه حجر ارتقى عليه إبراهيم، حتى يكمل ما ارتفع من بناء الكعبة، والقبة الموجودة مستحدثة. قال أبو طالب: وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافياً غير ناعل الذي يهم المؤمن أن الإنسان في كل أحواله عبد لله، فلما ألان إبراهيم لله قلبه، ألان الله الصخر تحت قدميه. ومقام إبراهيم جعله الله جل وعلا مكاناً للصلاة: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥]. وقد ثبت في حديث حجة الوداع أن النبي ﷺ طاف بالبيت، ثم أتى المقام، وتلا قول الله جل وعلا: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥]. وصلى خلف المقام مستقبلاً البيت صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 45

أولى العبادات تقديماً في المطاف هي الطواف وهنا ممكن الإشارة إلى أن الأصل في صحن الكعبة أنه للطائفين لأنهم قدموا في الآية: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦]، فإذا ازدحمت، ازدحم الأمران، إما يكون للطائفين أو للمصلين، فنؤخر المصلين ونبقي الطائفين. فمن الخطأ أن يأتي أقوام ويحولوا بين الناس وبين الكعبة بالجلوس ينتظرون الصلاة. وهذا نداء أيضاً للمسئولين في رئاسة الحرم، أن يهتموا بمسألة إقامة الدروس في صحن الكعبة، الحقيقة أن إقامة هذه الدروس لا شك في نفعها وخيرها، لكن ينبغي أن يقدم مصلحة الطائفين، لأننا نلحظ أن الدروس في العشر الأواخر من رمضان بالذات تؤذي الطائفين، بل تعيق الطائفين والحق الأول لهم، فإذا قدم الطائفون على المصلين فمن باب أولى أن يقدموا على من يستمعون الدرس. الملقي: هل الأثر الموجود في الصخرة لم يمسه أي تغيير. الشيخ: لقد تغير كثيراً، وقد نبه إلى هذا بعض الحفاظ من شراح الأحاديث، وقالوا: إن كثرة استلام الناس له، وتبركهم به على مر الأزمنة أذهب كثيراً من المعالم منه. الملقي: يتوقع أن قدم إبراهيم عليه الصلاة السلام أكبر وأضخم؟ الشيخ: كان الناس ضخاماً وما زال الناس ينقصون إلى يومنا هذا. وبعض الروايات تذكر أن بعض من لهم في القيافة رأى أثر قدمي إبراهيم في الصخر، ورأى النبي ﷺ وهو صبي يلعب، فقال: إن هذه الأقدام شبيهة جداً بالتي على مقام إبراهيم، وهذا يؤيده قول النبي عليه الصلاة السلام في رحلة المعراج: (فرأيت رجلاً ما رأيت أحداً أشبه بصاحبكم منه)، يقصد عظيم شبهه عليه الصلاة السلام لأبيه خليل الله إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 46

سلسلة آيات الحج في القرآن الكريم [٦] الحج فريضة من فرائض الإسلام، وأول من أذن بالناس في الحج هو سيدنا إبراهيم ﵇، وقد جعل الله الكعبة قياماً للناس، وشرع عبادة الطواف حولها، وهي من أعظم العبادات.

стр. 47

الكلام على آية (وأذن في الناس بالحج)

стр. 48

أذان إبراهيم في الناس بالحج بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه أجمعين. أيها الأخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم إلى حلقة جديدة في برنامجكم (آيات الحج في القرآن)، والتي نسعد فيها باستضافة الشيخ صالح بن عواد المغامسي إمام وخطيب مسجد قباء، فأهلاً بكم وسهلاً! في هذه الحلقة سوف نتطرق إلى قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧] أولاً نريد أن نعرف من هو المأمور في هذه الآية؟ الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد. فالمأمور في هذه الآية هو خليل الله إبراهيم ﵊، وذلك أنه رفع القواعد من البيت كما أخبر الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة:١٢٧] وكنا قد حررنا هذا في موضعه. فقول الله جل وعلا هنا: ﴿وَأَذِّنْ﴾ [الحج:٢٧] خطاب له بعد أن فرغ من بناء البيت؛ ولهذا اختلف الناس ما الموضع الذي وقف عليه إبراهيم حتى يؤذن؟ فقيل: إنه وقف على الصفا، وقيل: إنه وقف على المقام الذي قُدِّم له ليعلو عليه حتى عندما ارتفع البناء حتى يبنيه. أما ماذا قال؟ فقد ورد أنه قال: أيها الناس إن الله قد اتخذ بيتاً فحجوا ولم يكن أمامه أحد، ولهذا جاء أنه قال لربه: كيف أناديهم ولا يبلغهم صوتي؟ فأوحى الله جل وعلا أن أذن وعليَّ البلاغ، فيقال: إن الجبال تطامنت حتى وصل صوته إلى الأرض كلها، وأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فأجابه كل من كتب الله عليه الحج: لبيك اللهم لبيك. (أذان) لا يخفى أنها وردت كثيراً، والله جل وعلا يقول: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة:٣]. كلمة (أذان) بالهمز معناها الإعلام، فإن قرنت بتهديد ووعيد أصبحت إنذاراً، وإن لم تقرن بتهديد أو وعيد لا تعد إنذاراً وهو على هذا يتحرر أن كل إنذار أذان، وليس كل أذان إنذاراً، هنا مجرد إعلام في قول الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧] لأنه لم يقترن بتهديد أو وعيد. أما (آذان) بالهمز الممدود فهذه جمع (أذن) أما الأولى فهي (أذان) أي إعلام مصدر من أذَّن؛ أما الآذان بالمد فهذا جمع لأذن، وأحياناً يجتمعان كما ورد في بيت شوقي عندما تكلم عن الاحتلال الفرنسي لسوريا، وكيف أن الفرنسيين النصارى تسلطوا على المسجد الأموي، وهو ليس له قداسة كما هو معلوم، لكنه رمز تاريخي في الأمة، فيقول: مررت بدمشق فلا أذان يؤذن إنما ناقوس نصارى ولا الذين يجتمعون العرب المسلمون، وإنما الذين يجتمعون النصارى.

стр. 49

معنى قوله (رجالاً وعلى كل ضامر) المقدم: أيضاً في قوله : ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧] بعض الناس يعتقد أن قوله: ﴿رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧] معناه نفي النساء. الشيخ: (رجال) في القرآن ليست كذلك، فهي جمع (راجل)، وهو من يمشي على قدميه، ويفهم من هذا أن الله قدم الماشي على الراكب. ولهذا اختلف العلماء في الجمع بين الآية والسنة، وذلك أن الآية دلت على أن الله قدم من يمشي، لكن النبي ﷺ حج راكباً إلى الحرم؛ ونقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: تمنيت لو أني حججت ماشياً لأن الله قدّم المشاة. ولا شك أن في الحج مشياً فضيلة لزيادة التعب، لكن تلك أقرب للسنة، وقد يكون الركوب من النبي لبعد الديار. أو قد يجاب أن النبي ﷺ ما أراد أن يشق على أمته واختار لها الأمر الوسط. وثمة عالم موجود في بريطانيا يقال إنه حج ماشياً، وهو موجود حالياً وعمره قد ناهز المائة، وكنت قد عزمت على الذهاب إليه، لكن أخبرني بعض تلاميذه أو بعض من يعرفه جيداً قال: إن الرجل طاعن في السن ولا أظنك تستفيد من الجلوس معه شيئاً. موضوع الشاهد أنه حج ماشياً من ديار شنقيط إلى مكة وأدى المناسك كلها ماشياً، ثم عاد مرة أخرى إلى بيته في بلاد شنقيط. ويقول لي هذا الأخ وهو أحد طلابه وقد قابلته في قطر قال: إنه لما عاد من الحج كان قد كسي ورعاً، وقال: كان في بلادنا من هو أعلم منه لكن التف الناس حوله لورعه وزهده، نسأل الله القبول! المقدم: لكن يقال إن التقديم في الذكر لا يعني الفضيلة، يعني: عندما قال : ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧] قدم ذكر (رجالاً) لأن الرجال في ذلك الزمان أكثر من الركبان؟ الشيخ: هذه قرينة جيدة، لكن من يقول بفضل التقديم يعتبره مثل قول النبي ﷺ : (أبدأ بما بدأ الله به ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨]).

стр. 50

نون النسوة في قوله (يأتين من كل فج) المقدم: في البداية قال في الفعل ((يَأْتُوكَ)) وفي الثاني قال: ﴿يَأْتِينَ﴾ لماذا أتى هنا نون النسوة؟ الشيخ: قوله ﴿يَأْتِينَ﴾ [الحج:٢٧] هنا نون النسوة عائدة على الدواب التي تحمل الحجاج، وهو معنى قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج:٢٧] أي ضمر جنباه من كثرة ما سيق إلى البيت، أي اشتد عليه الحمل والركوب، والسير إلى أن وصل إلى البيت العتيق فضمر جنب الدابة، فسمي ضامراً من هذا الباب. فقال الله جل وعلا: ﴿يَأْتِينَ﴾ [الحج:٢٧] فأعادها على الدواب، وهذا أسلوب قرآني، الله جل وعلا يقول: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [العاديات:١ - ٢] فأثنى على الخيل هنا وهو يريد من تحملهم الخيل من المجاهدين، فهنا أثنى الله جل وعلا على الدواب، وأراد من على الدواب من الحجاج والمعتمرين القادمين إلى الحج.

стр. 51

المنافع التي يشهدها الحجاج المقدم: في قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٨] ما هي المنافع هنا؟ الشيخ: المنافع هنا عامة فهي منافع دنيوية ومنافع أخروية، وأعظمها غفران الذنوب الذي وعد الله جل وعلا به من أتى البيت.

стр. 52

الكلام على قول الله: (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس)

стр. 53

معنى جعل الكعبة قياماً للناس المقدم: أيضاً في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة:٩٧] ما المعنى العام لقوله تعالى: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة:٩٧]؟ الشيخ: قال أهل التفسير: إن المعنى العام لـ (قياماً للناس) أي به وفيه -أي البيت- مصالح دنياهم وأخراهم، أو بتعبير أوضح: مصالح دينهم ودنياهم، هذا المعنى العام لقول الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة:٩٧]. وهذا يتجلى بالصور؛ فمثلاً: الصلاة أعظم أركان الدين وأجل العبادات وأولها، والإنسان يتوجه بوجهه إلى الكعبة ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة:١٤٤]. الإنسان الذي تلم به الضراء يفزع إلى الله ويدعوه، فيتوجه في دعائه جهة الكعبة. الإنسان الذي يحل به ضيف يريد أن يكرمه، أو يأتي عليه عيد الأضحى يريد أن يتقرب إلى الله بأضحية، أو يحج يريد أن يتقرب إلى الله بهدي، أو يُرزق بغلام يريد أن يتقرب إلى الله بعقيقة، أو يريد أن يذبح لأهله شاة لحم، ومع ذلك في كل أحواله يتوجه بذبيحته إلى الكعبة فجعلها الله قياماً، هذه بعض صورها، وهذا من باب تعظيم الكعبة. كذلك النبي ﷺ في حجته وقف على الصفا، ووقف على المروة وهو قريب من البيت، ومع ذلك كان يستقبل البيت ويدعو صلوات الله وسلامه عليه مستقبلاً البيت. المؤمن لا بد له أن يموت، وساعة الاحتضار لا بد منها، ففي ساعة الاحتضار يشرع لمن شهد مؤمناً يحتضر أن يوجهه نحو الكعبة. يموت المؤمن، فيغسل، ويكفّن، ويصلى عليه، وعندما يدفن يوجه في قبره للكعبة؛ ولهذا قال النبي ﷺ في حديث طويل آخره: (والمسجد الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً) فقوله ﵊: (قبلتكم أحياءً وأمواتاً) مفسِّر لقول الله جل وعلا: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة:٩٧]. ومعلوم أن الإنسان لا يهمه شيء أعظم من دينه، فإذا كان قوام حياته الدينية مرتبطاً بأنه يتوجه إلى الكعبة كان ذلك من تعظيمها، والكعبة لا تختص بشيء أعظم من الطواف.

стр. 54

الوثنيون الذين يعظمون الكعبة المقدم: قبل الطواف إذا علمت به وأنت تتحدث عن هذا، أن قبائل الأنتيمور وغيرهم في أفريقيا رغم أنهم وثنيون يتجهون للقبلة في ذبحهم ولا يمدون أرجلهم إليها، ويجعلون فتحات أبوابهم إليها جهة الشمال بالنسبة لهم وهي مكة، ويعتقدون أن شخص محترماً اسمه بارا محمد -أي: المعظم محمد- هو الذي أخبرهم عن هذه الجهة، وأن فيها الإله. فهم لا زالوا على ديانتهم الوثنية، لكنهم يعظمون الكعبة ويوجهون موتاهم إلى جهة الكعبة، ولا يدخلون البيوت من جهتها، يعني يجعلون أبوابهم تجاهها حتى لا يكونوا قفا الكعبة. الشيخ: يعني هؤلاء يكونون أقرب للدين لو وصلوا إلى هذه المرحلة لتعظيم الكعبة. المقدم: عندهم كعبة كاملة يحجون إليها مرة في العام، ويلبسون الإحرام ويطوفون وينحرون، ويغتسلون كما يصنع الحجاج، ويأتيها آلاف الحجاج، وقد قمت بزيارتها، وعندهم نفس ما يفعله المسلمون لكنهم لا يدرون لماذا؟ هم يقولون بأن بارا محمد هو الذي أتى بهذه الأشياء المعظم. الشيخ: هذا مناخ جيد للدعوة! وهذا معناه أن الدين قد وصلهم منه جزئية هي التي أثارت هذه الشعائر في أنفسهم. المقدم: لا شك أنهم عرب، وأنهم من أصول عربية، ولغتهم فيها شيء من هذا. الشيخ: ووقوفكم على هذه الأشياء بأنفسكم يدل على أن الدين بلغ مبلغاً عظيماً في القرون الماضية، مع أن تلك الحقبة كانت خالية من وسائل الإعلام السريع وما أشبه ذلك.

стр. 55

الربط بين بقاء الكعبة وبقاء الدين المقدم: في قوله تعالى: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة:٩٧] البعض يربط بين القيام والقوام، وأن بقاء الناس مربوط ببقاء الكعبة، فإذا زالت هذه الكعبة زال الجنس البشري، فيجعل من الفهم لقوله (قياماً) أنه يعني الاستمرار؟ الشيخ: هذا أظنه بعيداً لكن ممكن أن نربط به قيام الدين، لأن النبي ﷺ أخبر أن الكعبة ستهدم على يد ذي السويقتين من الحبشة، فلا يحج بعده البيت ولا يعتمر إليه كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه، ولا ريب أنه إذا بقي الناس على حالهم لا يحجون البيت ولا يعتمرون أن الدين قد ذهب، وهذا لا يكون إلا في آخر الزمان؛ لهذا قدمت مصالح الدين والإسلام أو الشرع أو القرآن، فإذا تكلم عن قيام الناس ينصرف أول ما ينصرف إلى أمور دينهم.

стр. 56

عبادة الطواف المقدم: بالنسبة للطواف نريد أن تتحدث عنه؟ الشيخ: الطواف ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج:٢٦] الطواف بالبيت هو العبادة التي لا يمكن أن تقع إلا في مكة، وإلا فسائر العبادات يمكن أن تقع في غير مكة إلا الحج والعمرة ومناسكها؛ لأنها مختصة بالبيت، لكن كإطلالة تاريخية: كان هناك رجل في مكة في القرن الثاني الهجري توفي (١٥٧) هـ واسمه محمد بن طارق المكي، نقل الثقات من المؤرخين وأهل التراجم وأئمة الحديث عن هذا الرجل أنه كان يطوف بالبيت في اليوم والليلة سبعين مرة، في كل طواف سبعة أشواط حتى قيلت فيه أبيات شعر تخبر عنه. ويقولون: إن شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث ذهب إلى عبد الله بن المبارك يطلبه هذين البيتين، والبيتان لـ ابن شبرمة يخاطب فيهما رجلاً يقول له: المفروض أن تكون عالماً، أن تكون طوَّافاً، أن تكون زاهداً وكان هناك رجل معاصر لـ محمد بن طارق اسمه كرز، وكرز هذا كان عابداً لكن لا أعلم عنه شيئاً، أما محمد بن طارق فقد كان مشهوراً بطوافه فقال ابن شبرمة لمن يخاطبه: لو شئت كنت ككرز في عبادته أو كابن طارق حول البيت في الحرم يعني يطوف بالبيت قد حال دون لذيذ العيش خوفهما فسارعا لطلاب الفوز والكرمِ والمقصود أن هذا أحد أفراد أمة محمد ﷺ ، وأنه عرف فضل الطواف وجعل عمره منصبّاً في هذه العبادة العظيمة والشعيرة الجليلة التي خصّها الله جل وعلا بها أهل مكة دون سواهم؛ ولهذا ذكر العلماء أنه يشرع لمن جاور في مكة أن يكثر من الطواف وأنه لا سبيل له إلى الطواف إلا في مكة. وقد كان القرشيون يطوفون حول البيت؛ ولهذا من اللطائف الخارجة عن الموضوع -إن صح التعبير- أنه لما يقول الله جل وعلا في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)، يسرع بعض الناس في الإجابة ويقول: لانتفاء الرياء في الصوم، وهذا قلب للمسألة، لأنه ليس هناك عبادة يدخلها الرياء مثل الصوم، لأن الإنسان يستطيع في مدة عشر دقائق أن يتظاهر أمام مضيفه أنه صائم ويرد كل مطعوم ومشروب، بخلاف غيرها من العبادات. لكن الصواب أن العبادات الثلاث وقعت لغير الله، بخلاف الصوم، فأنت الآن تقول إن الطواف حصل قبل الإسلام، وهذه حقيقة، وإلى الآن يُطاف على غير الكعبة من مشاهد وأضرحة الوثنيين، وما ذكرتموه في أول اللقاء عن أفريقيا، وكانت قريش تطوف حول البيت، وكل مكان معظّم يقع عنده طواف. تأتي للصلاة وهي ركوع وسجود، وكم سُجد لغير الله تعظيماً كالسجود لملوك لسلاطين الذين لا يدخل عليهم إلا بالسجود. وأما عبادة الزكاة فهي عبادة أموال، كم يوجد مما يسمى بالإتاوات التي يأخذها السلاطين من الناس، والضرائب في عصرنا الحاضر في الشرق والغرب؛ هذه كلها أخذ من أموال الناس. لكن الصوم لا يعرف أن أحداً صام لأحد، ولا يعرف أن أحداً كلّف أحداً أن يصوموا له، يعني: لا يتصور أن يأتي إنسان يتعبده إنسان يقول له: صم لي! لأنه لا يستطيع أن يضبطه، يعني: إذا قال: أعطني مالاً ولم يعطه آخذ منه مالاً بالقوة، وإذا رفض السجود هدده بالسلاح، وكذلك الطواف، لكن إذا قال: صم لي! فمعنى ذلك أنه سيرابط عنده من الصباح إلى المساء، وهذا يكلفه الكثير. فالعبادة الوحيدة التي لم تؤد لغير الله هي الصيام، وهذا معنى قوله: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)، وإن كان هذا من الخروج عن موضوع الحج! القرشيون منعهم النبي ﷺ من الطواف والحج بعد السنة الثامنة وبعث أبا بكر ليعلن: أن لا يطوف بالبيت عريان؛ لأن النبي ﷺ ما أراد أن يطوف بالبيت وحوله شيء من شعائر الجاهلية، فكان الجاهليون يطوفون بالبيت عراة، ومنه البيت المشهور لتلك المرأة: اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله إلى غير ذلك، بعد ذلك حِج النبي ﷺ وقد عرفت العرب أنه لا يطوف بالبيت عريان، وطُّهِّر البيت من الأوثان، وبعده استمر الطواف دون وجود هذه الأوثان إلى يومنا هذا، وسيبقى إلى أن يأذن الله بهدم الكعبة على يد ذي السويقتين من أرض الحبشة، قال ﷺ : (كأنني أنظر إليه يقلعها حجراً حجراً ويستخرج كنوزها).

стр. 57

عدم توقف عبادة الطواف حول الكعبة المقدم: هل توقف الطواف في تاريخ الأمة الإسلامية بعد مبعثه ﷺ ؟ الشيخ: لا أعلم أنه توقف أبداً، اللهم إلا كأني كنت أسمع حادثة سير الأربعاء، ولكن هذا توقف عارض، أما توقف تاريخي في معركة فلا؛ لكن توقف في عام ١٤٠٠هـ في حادثة الحرم. وفي حادثة ابن الزبير مع الحجاج كان الناس يطوفون، رغم أن مكة كانت تضرب بالمنجنيق.

стр. 58

سلسلة آيات الحج في القرآن الكريم [٧] أمر الله تعالى بإتمام الحج والعمرة، ومن أحرم بحج أو عمرة ثم صد عن البيت بمرض أو عدو أو غيرهما فله أن يتحلل تحلل المحصر، ويذبح ما استيسر من الهدي إن لم يكن قد اشترط.

стр. 59

معنى إتمام الحج والعمرة المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، إلى آخر الآية. نبدأ بالحديث عن معنى الإتمام. الشيخ: باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه. قال ربنا وهو أصدق القائلين: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، والإتمام قد اختلف الناس فيه، فذهب بعضهم إلى أن معنى الإتمام: الإتيان بأفعال الحج كاملة، وهذا هو الظاهر المتبادر إلى الذهن، لكن لا ريب أن الإنسان مطالب بالإتيان بجميع التكاليف الشرعية كاملة، فلا يستفاد على هذا التفسير المتبادر كبير معنى. وقد اختلف الناس في الإتمام على أقوال: فمنهم من قال إن المعنى أن يتم الإنسان أفعال الحج والعمرة، وكأنهم أرادوا بهذا التفريق بين من نوى نافلة غير الحج والعمرة، ومن نوى نافلة الحج والعمرة، ومعلوم أن من تطوع بنافلة غير الحج والعمرة لا يلزمه الإتمام. فعلى هذا المعنى يصبح المقصود أن الإنسان إذا حج تطوعاً لا يجوز له الخروج منه. المعنى الثاني وهو منقول عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وقاله ابن عباس وسعيد بن جبير وبعض السلف؛ قالوا: إن المعنى أن تأتي بها من دويرة أهلك، وهؤلاء لا يقولون إن الحج لا يقع إلا من دويرة الأهل؛ لكنهم يقولون إن الإنسان إذا كان قد أخرجه الحج من دويرة أهله، فهذا الذي أتم الحج والعمرة لله، وأما من خرج لغير الحج ثم بدا له أن يحج أو أن يعتمر فيقولون: إن الحج مجزئ وإن العمرة مجزئة، ولا خلاف في قبولها إن شاء الله إن كانت صحيحة مستوفية أركانها وواجباتها؛ لكنهم يقولون: إنه لا يدخل ضمن قول الله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، وبتعبير أوضح: ليست في صفاتها المثلى، أو ليست في صورة كمالها. وإنهم يقولون: إنه لا معنى للآية إلا هذا؛ لأن كل عمل أنت مطالب أن تتمه، ولا بد أن يكون في الآية عندهم زيادة في المعنى؛ لأن الله ما قال: وأتموا الصلاة لله، ولم يقل: وأتموا الزكاة لله، ولم يقل: وأتموا الصيام لله؛ لأنه لا بد أن يكون كل شيء لله، ولا بد أن يكون كل شيء تاماً، لكنهم قصدوا أن تمامها أن تأتي بها من دويرة أهلك. وهناك معنى ثالث ضعفه كثيراً ممن له معرفة بالصناعة الفقهية، وقد قيل: إنه منقول عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وهو أن معنى قول الله جل وعلا: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]، مع قول الله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، أنه ينبغي أن يكون الحج في أشهر الحج، وأما العمرة فلا تكون في أشهر محدودة، ولكن لا تكون في أشهر الحج، فكان بعضهم يرى أن من تمامها أن يؤتى بها في محرم، وبعضهم ييسر فيقول: الإتمام هو الانفكاك بين إحرامهما، فيحرم بالحج لوحده، ثم يهل بالعمرة من دويرة أهله لوحده، أو يسبق بالعمرة ثم يعود فيهل بالحج، المهم التفريق بينهما، وإن كان المشهور الذي ينسبونه إلى عمر أن تكون العمرة في غير أشهر الحج. وهذا يمكن أن يجاب عليه يجاب عنه بأن النبي ﷺ اعتمر في أشهر الحج، فقد ثبت أنه اعتمر أربع عمرات كلهن في ذي القعدة، وذو القعدة بالاتفاق من أشهر الحج. فهذا يرد هذا القول، وإن كان الذي يشكل فعل الشيخين أبي بكر وعمر في أنهما حجا بعد النبي ﷺ مفردين، وكذلك نقل عن عثمان أنه حج مفرداً، ولعل هذا يبين أن علماء الأمة عندما يختلفون لا بد من سبب ظاهر لاختلافهم، فلكل منهم وجهة، ولما حررنا المسألة وجدنا أن لكل منهم ذريعة في قوله وفعله، وهذا مبني على أن الاختلاف في أكثره رحمة، واحترام الرأي المقابل أمر مطلوب، قال الشاطبي في الموافقات: وواجب عند اختلاف الفهم إحسان الظن بأهل العلم. المقدم: هل يمكن أن يقال: إن الشطر الأول من هذه الآية يحمل على بقيتها: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]، فيكون الإتمام هو الأصل، فإذا لم يستطع الإنسان الإتمام فإنه في حكم المحصر؟ الشيخ: هذا قول قوي، لكن أقول: إني لا أعلم أحداً قال ذلك.

стр. 60

معنى الإحصار عن الحج المقدم: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]، ما المراد بالإحصار هنا؟ الشيخ: هذه الآية نزلت في الحديبية، ومعلوم أن النبي ﷺ أحرم في سنة ست يريد العمرة، فصدته قريش وهو في الحديبية، حتى وقع الصلح المشهور المعروف بصلح الحديبية. فهذا إحصار بعدو، وبعضهم يقول إن الإحصار إما أن يكون بعدو وإما أن يكون بمرض، والأظهر والعلم عند الله أن الإحصار ليس مقيداً بشيء، فإن الحج والعمرة ما زالا قائمين إلى أن تقوم الساعة، وأنواع الإحصار وصد الناس عن البيت يختلف، فقد يكون الصد بعدو، وقد يكون الصد بمرض، قد يكون الصد بتعطل الدابة، أو بتعطل السيارة وبأشباه ذلك كعدم ظهور الجوازات، وقد تأتي حروب إقليمية أو حروب دولية تمنع الحاج وغير ذلك. والمقصود أنا لا نستطيع أن نقيده بصورة واحدة، فنقول: كل من أهل بعمرة أو حج وأحرم بها ثم جاءه مانع من أن يصل إلى البيت فهو محصر، وهو لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون قد اشترط قبل ذلك، كما ثبت من تعليم النبي ﷺ لـ ضباعة بنت الزبير أن تقول: (لئن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني)، فهذا يخرج من الإحصار ولا شيء عليه. أما من لم يكن قد اشترط فهذا هو الذي تخاطبه الآية: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]. والهدي في الأصل كل ما تقرب به إلى الله جل وعلا من بهيمة الأنعام، وهنا قال الله جل وعلا: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾ [البقرة:١٩٦]، فينطبق على أقله وهو شاة واحدة أو سبع بدنة أو سبع بقرة، يذبح في محل الإحصار؛ فدم المحصر يذبح في مكان الإحصار، وأما دم الواجب فيذبح لفقراء الحرم.

стр. 61

العلاقة بين الجهاد والحج مداخلة: هل هناك ربط بين الجهاد والحج؟ الشيخ: هذا ظاهر في السورتين: سورة البقرة وسورة الحج، ففي سورة البقرة قال الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة:١٩٣]. وقال قبله: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٤]، وقال قبله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة:٢١٧]. ثم ذكر آيات الحج. وفي سورة الحج قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥]، ثم قال بعدها: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج:٢٦]، ثم قال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧]. ومر معنا أن النبي ﷺ قال في العشر: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلخ). فبعض العلماء يقول: إن المسألة يمكن تصورها بأن المسلم مطالب بالحفاظ على مقدساته، والبيت الحرام في المقام الأول، ثم إذا تم الحفاظ على البيت لا يكتفى به، بل يجب الحج إلى البيت، فيصبح البيت أمانة في أعناقنا بأن نحج إليه والبيت أمانة في أعناقنا بأن ندافع عنه ونحميه.

стр. 62

متى يحلق المحصر رأسه المقدم: إذا حصل الإحصار فما العلاقة بين فدية الإحصار وبين قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦]، وهل هذا لمن أحصر أم لغير من أحصر؟ الشيخ: هذا لمن أحصر، ومن الأخطاء أن بعض الحجاج لا يحلق يوم النحر حتى يذبح إن كان عليه هدي، ويأخذ هذه الجزئية من الآية ويقرؤها: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦]. فهذه الآية تنطبق على من خرج من دويرة أهله ومعه هدي يريد البيت، ولكن حيل بينه وبين البيت وكان قد أحرم، فيجب عليه أن يتحلل بهدي كما قال الله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]. فينحر هديه ويحلق رأسه، وهو الذي فعله النبي ﷺ ، وقد أمر أصحابه به ولم يفعلوا، لما كان في قلوبهم من الغيظ على بنود الصلح، فدخل على أم سلمة ﵂ وأرضاها فأخبرها، فأشارت عليه بأن يبدأ بنفسه، فإن الناس له تبع، ومحبته راسخة في قلوب الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وما امتنعوا عناداً وإنما امتنعوا لما في قلوبهم من الغيظ على أهل الإشراك. فلما رأوه ﷺ قد ذبح وحلق رأسه نحروا هديهم وكان أكثرهم شركاء؛ لأنهم لم يكونوا يستطيعون أن يحملوا عدداً كبيراً من الأغنام، فاشترك في البعير الواحد وفي البقرة الواحدة سبعة وهذا أهون في سوق الهدي وفي ذبحه.

стр. 63

سلسلة آيات الحج في القرآن الكريم [٨] إذا أحرم الإنسان بالحج فقد دخل في عبادة عظيمة، فعليه أن يمتنع عن محظورات الإحرام، ومن اضطر إلى ارتكاب محظور فعليه أن يفدي عن ذلك بصيام أو صدقة أو نسك، أما هدي التمتع فهو هدي لمن قدر عليه وإلا صام عشرة أيام.

стр. 64

حكم الفدية على من ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام

стр. 65

فدية حلق الرأس وغيره من محظورات الإحرام المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم إلى حلقة في برنامجكم (آيات الحج في القرآن) مع ضيف البرنامج الشيخ صالح بن عواد المغامسي، إمام وخطيب مسجد قباء، فأهلاً ومرحباً بكم فضيلة الشيخ. الشيخ: حياكم الله أخي الشيخ فهد، وحيا الله الإخوة المستمعين والمستمعات. السؤال لا زلنا في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، وكنا قد أنهينا الحديث عن الإحصار ومعناه المراد به، وفي هذه الحلقة نتحدث عن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، ما معنى هذه الآية؟ الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: لا يخفى أن الشارع الحكيم لما شرع الإحرام جعل له محظورات يمتنع على المؤمن أن يأتيها حالة تلبسه بالإحرام، ومنها الصيد، ومنها حلق الرأس، ومنها تغطية الرأس، ومنها لبس الثياب المخيطة. فهنا يتكلم الله جل وعلا عن أحد محظورات الإحرام، ذلك أن الإنسان قد يحتاج أحياناً إلى أن يحلق رأسه، فقال الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، فإذا وقع هذا وتعذر الصبر عليه، فإن الدين يسر، وشرع الله جل وعلا له الفدية. والفدية معناها اللغوي: أن يفتدي الإنسان نفسه، أي: أن يخرج من ذلك الذي هو فيه إلى حل مباح بطريقة شرعية، فقال الله جل وعلا: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، فحرف (أو) أفاد التخيير، فهذه الثلاث يأتيها المؤمن المضطر على التخيير. والأصل في سبب النزول هذه الآية أن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه أهلَّ بالحج، وكان له شعر كثير، فكثرت هوام رأسه ودب القمل إليه بشدة، فلما رآه النبي ﷺ قال له: (ما كنت أظن أن الأمر بلغ بك إلى هذا الحد)، فأذن له أن يحلق رأسه. فالإذن بحلق الرأس من محظورات الإحرام، وشرعت له الفدية، فقال الله جل وعلا: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، والآية قد أجملت لكن السنة فصلت، فالله جل وعلا قال: ﴿مِنْ صِيَامٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، وهذا ينطبق على اليوم وينطبق على الشهر وينطبق على أشهر، فجاءت السنة بأنه صيام ثلاثة أيام. ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة:١٩٦] والصدقة تنطبق على الكثير، وتنطبق على القليل، وعلى إعطاء الواحد، وعلى إعطاء المائة، وجاءت السنة على أنه يطعم ستة مساكين. ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]: أي: ذبح ذبيحة. فأصبح الإنسان إذا ارتكب محذوراً من محذورات الإحرام كفر بفدية وهو مخير بواحد من ثلاث: إما أن يصوم ثلاثة أيام، وإما أن يطعم ستة مساكين، أو أن يذبح شاة؛ على التخيير. المقدم: طيب يعني: معنى ذلك أن هذا مفصول تماماً لهذه القضية. والآية عامة في محذور من محذورات الإحرام اضطر الإنسان له، فما دام الإنسان قد اضطر إلى أن يلبس ثوباً مخيطاً فحجه صحيح، وعليه الفدية: صيام أو صدقة أو نسك، وما أشبه ذلك في كل محذورات الإحرام، باستثناء الجماع فإنه من محظورات الإحرام ولكنه يفسد الحج.

стр. 66

حكم الفدية على المعاقين وأمثالهم المقدم: يرد إلينا كثيراً مسألة من يسمون بالمعاقين نسأل الله أن يعظم أجرهم، فبعضهم كتلة لحم بعضهم، وليس عنده إمكانية للإحرام، كأن يكون النصف الثاني غير موجود، وهؤلاء يحجون، وإذا لم يلبسوا تكشفوا، فما رأيكم؟ الشيخ: يلبس قطعة إذا كان يريد فقط أن يستر عورته؛ لأنه ثبت عن عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها أن كان لها عبيد يحملون هودجها في الحج، فكانوا إذا رفعوا لها الهودج وقاموا وقعدوا وحملوا تنكشف عوراتهم؛ فكانت توصيهم بأن يلبسوا شيئاً يستر عورتهم غير مخيط، وهو قريب مما يلبسه النساء في عصرنا، وله اسم معروف، فكانوا يضعونه يسترون به سوءاتهم، تحت الإحرام؛ لأن لبس إحرامهم ينكشف كثيراً عندما يشتغلون، وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه إذا كانت الأمر مثل هذا فلا يطالب بالفدية. والمعاق ليس عند قدره على إمساك الثوب ولا على ربطه، وهو إنما يحرك في أجهزة، فهذا لا يطالب بفدية.

стр. 67

قياس هدي الإحصار على هدي التمتع في البدل السؤال ما معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦] الجواب المتمتع يذبح هدياً، لكن قد لا يجد، وعدم وجود الهدي له صورتان: الصورة الأولى: أن لا يكون معه مال يشتري به هدياً. والصورة الثانية: أن يكون معه مال ثم فقد المال الذي يشتري به الهدي. وأياً كان فالمقصود أنه لم يستطع أن يقدم هدياً، فينتقل إلى الحالة الأخرى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦]. فأذن الله جل وعلا له عوضاً عن ذلك الهدي أن يصوم عشرة أيام كما في الآية. وهل يقاس عليه هدي من هذا حاله، من به أذى في الفدية؟ الجواب: العشرة أيام هذه جاءت في التمتع، لا في الفدية، فالفدية جاءت مخيرة، كما تقدم في الآية، أما هنا فقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦]. ومن لم يجد هدي التمتع هل يقاس عليه من لم يجد هدي الإحصار، ذهب بعض العلماء إلى هذا، وقد حججت عاماً مع الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله تعالى عليه فأفتى به. وبعض العلماء يرى أن هذا القياس لا يصح القياس، ولهم حجتان: الحجة الأولى: أن الله جل وعلا ذكر هدي الإحصار ولم يذكر بديله، وذكر هدي التمتع وذكر البديل، فقالوا: لو كان واجباً لذكره الله كما ذكر الذي بعده. الحجة الثانية: قالوا: إن المتمتع فعله -أي حله من الإحرام-باختياره، أما المحصر ففعله -أي حله من الإجرام- إجبار. وهذا القول قاله العلامة ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه، وطبعاً نحن حررنا في مسائل كثيرة، قضية أن المستفتي على دين مفتيه، ولكل دليل، فقد قال كثير من العلماء بأنه يقاس عليه، ومنهم من قال: إنه لا يقاس عليه. وبعضهم يقيس عليها كل واجب، مثلاً: من لم يبت في مزدلفة، على القول أن المبيت بها واجب، فهذا ترك واجباً فعليه دم، لكنه لو لم يجد دماً، هل نقول له: يبقى في الذمة أو يسقط، أو نقيسه على هدي التمتع؟ بعضهم يقول: يقاس على هدي التمتع فدية ترك الواجب، لكن لا نقيس فدية هدي الإحصار، وذلك لأن هدي الإحصار نص عليه في القرآن، أما هدي ترك الواجب فلم ينص عليه في القرآن، وإنما جاء عن ابن عباس: من ترك شيئاً من النسك أهرق دماً. وبعضهم يقيس الجميع، فيقيس هدي الإحصار أيضاً، والذي يظهر والعلم عند الله أنه يقاس عليه دم ترك الواجب ولا يقاس عليه دم ترك هدي الإحصار.

стр. 68

حكم حج التمتع وهديه على أهل مكة السؤال في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٦]، علام يعود اسم الإشارة (ذلك)؟ الجواب صدر الآية ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ﴾ [البقرة:١٩٦]، الإشكال في (ذلك) هل هي عائدة إلى الأقرب وهو الهدي الواجب على من تمتع، أو هي عائدة على التمتع نفسه؟ فإن قلنا: عائدة على التمتع نفسه لزم أن نقول: ليس على أهل مكة تمتع، أو ليس لهم أن يتمتعوا، فالمعنى: (ذلك) أي التمتع ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٦]. وإن قلنا: إن (ذلك) عائدة للأقرب وهو الهدي ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] يصبح لهم أن يتمتعوا وليس عليهم هدي. ويتصور من أهل مكة أن يتمتعوا، حيث يعتمر من الحل، فيكون قد خرج إلى الحل، ثم يرجع إلى بيته ويتحلل، ثم يحرم بالحج، وهنا تأتي للطيفة، فالذين قالوا: إن (ذلك) عائدة على الهدي قالوا: فلنأخذ المسألة بعقلية أكبر قليلاً فنقول: إنما فرض هدي التمتع على المتمتع لأنه وجد فسحة بالتحلل والرجوع إلى بيته بين الحج والعمرة، فأحرم وطاف وأهل بالعمرة، ثم تحلل من عمرته وعاد إلى أهله، ثم عاد في اليوم الثامن إلى مكة وأهل بالحج. فهذه المدة الزمنية التي تمتع بها هي التي أوجبت في حقه الهدي، ويصبح الهدي دم جبران لهذا الأمر الذي حصل، لكن أهل مكة يختلفون عن هؤلاء في أنهم لم يستفيدوا شيئاً؛ لأنهم أصلاً في مكة، إلى أين سيعود حتى تقول هو استفاد؟ فالراجح أن (ذلك) يعود على الهدي، وأن أهل مكة يتمتعون دون هدي.

стр. 69

حاضرو المسجد الحرام المقدم: من هم حاضرو المسجد الحرام، وما هي حدوده؟ الشيخ: حاضرو المسجد الحرام هم أهله، والذي يبدو والعلم عند الله أن المسجد الحرام في القرآن والسنة جاء على أربعة أضرب: الضرب الأول: الكعبة نفسها. والضرب الثاني: المسجد المحيط بالكعبة. والضرب الثالث: حدود الحرم. والضرب الرابع: ما يسمى في النطاق العمراني والإداري مكة. وهذا الضرب، ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٦] المقصود به أهل مكة، وتحرير المسألة، أننا لو قلنا: إن المقصود به حدود الحرم لكان الهدي واجباً على من بيته في عرفة أو منى، فيصير بعض أهل مكة يجب عليهم الهدي وبعضهم لا يجب عليهم، وهذا لا يرد في الشريعة.

стр. 70

يوم التروية وما يعمل فيه الحاج المقدم: اليوم الثامن هو يوم التروية، نريد أن نتعرف على معنى كونه يوم التروية؟ وماذا يفعل الحاج فيه؟ الشيخ: هذا هو أول أيام الحج الذي فعلها النبي ﷺ ، فإن الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم من أحل منهم من العمرة أهل بالحج في هذا اليوم، أما النبي ﷺ فكان قد بقي على إحرامه لأنه قد ساق الهدي معه، فأتى منىً قبل الظهر وصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، يقصر في الرباعية صلوات الله وسلامه عليه. واختلف في سبب تسميته بيوم التروية، والأظهر أنهم كانوا يكثرون فيه من التروي من الماء وحمله حتى يأخذونه معه إلى عرفه، هذا اليوم لم يقل أحد، قد يكون في أقوال شاذة، لكن الذي عليه العلماء كافة أنه لم يقل أحد بوجوبه، لكنه سنة من أعظم السنن. والإنسان إذا أراد عظيم الأجر وجزيل المثوبة والحج المبرور فليتأس ما أمكن بنبينا ﷺ ، فيصلي في منى الظهر ركعتين في وقتها، والعصر ركعتين في وقتها، والمغرب ثلاث ركعات في وقتها، والعشاء ركعتين في وقتها، وكذلك فجر اليوم التاسع ركعتين في وقتها، ولم ينقل أن النبي ﷺ صلى نوافل كثيرة في هذا اليوم. لو قدر أن الإنسان تأخر كأن أبطأت به السيارة أو نام، فله أن يجمع؛ لأنه في سفر، لكن الأفضل أن يصلي الصلاة في وقتها ويقصر الرباعية منها، لكنه لو اضطر إلى أن يجمع جمع تقديم أو جمع تأخير فلا حرج إجماعاً؛ لأن هذا سفر ونسك في نفس الوقت، فلا حرج عليه، لكن كما قلت: يتقيد بالسنة ما أمكن. يتوجه إلى عرفة بعد طلوع الشمس من اليوم التاسع. والنبي ﷺ بقي في مسجد الخيف من متى، وهو وسط منى، وقد قال النبي ﷺ : (صلى في مسجد الخيف سبعون نبياً). ونحن نوصي الحجاج بأن يسعوا قدر الإمكان أن يصلوا في مسجد الخيف، فإن النبي ﷺ صلى جميع فروضه في منى في مسجد الخيف، وليس هذا واجباً ولا ملزماً ولم يقل أحد فيما أعلم بلزومه، لكن لا شك أن التأسي بسنته ﷺ خير عظيم.

стр. 71

سلسلة آيات الحج في القرآن الكريم [١٠] يوم العاشر من ذي الحجة هو يوم العيد، وهو يوم الحج الأكبر الذي يقوم فيه الحاج بأكثر أعمال الحج، من الرمي والحلق والطواف والذبح وغير ذلك.

стр. 72

أعمال النبي ﷺ يوم العيد في حجة الوداع المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات! السلام وعليكم ورحمة الله وبركاته، كل عام وأنتم بخير، تقبل الله منا ومنكم وعيدكم مبارك، أهلاً بكم إلى حلقة جديدة في برنامجكم آيات الحج في القرآن مع ضيفنا فضيلة الشيخ صالح بن عواد المغامسي إمام وخطيب مسجد قباء والذي نرحب فيه في هذه الحلقة، كل عام وأنتم بخير، تقبل الله منا ومنكم. الشيخ: تقبل الله من الجميع، وحياكم الله شيخ سعد، وأتقدم بالتهنئة لإخواني المسلمين والمسلمات في جميع أقطار الأرض، ونسأل الله أن يتقبل مني ومنكم. المقدم: نحن اليوم في يوم الحج الأكبر كما هو معروف في قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة:٣] فلماذا سمي يوم الحج الأكبر؟ الشيخ: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه، وبعد: الأظهر من أقوال العلماء أن يوم الحج الأكبر هو يوم النحر، أي: يوم العيد الأول، أي: يوم عيد الأضحى، أي يوم العاشر من شهر ذي الحجة، وقد مر معنا أن الأظهر أنه اليوم الذي كلم الله جل وعلا فيه موسى إذ قال الله ﵎: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف:١٤٢]، فعلى هذا يكون الله جل وعلا قد كلم كليمه ونبيه وصفيه موسى بن عمران ﵇ في يوم الحج الأكبر أي: العاشر من ذي الحجة. وأهل العلم يقولون: إن فيه من أفعال الحج ما ليس في غيره، ولنبدأ في أن نستقصيها من باب ماذا فعل النبي ﷺ في يوم الحج الأكبر؟ مر معنا -في لقاء الأمس- أنه ﵊ خرج من مزدلفة وأفاض منها قبل شروق الشمس، وأنه في مسيره من عرفة إلى مزدلفة أردف أسامة بن زيد، وفي مسيره ﵊ من مزدلفة إلى منى أردف ابن عمه الفضل بن عباس رضوان الله تعالى عليه وعلى أبيه، وما زال يلبي حتى أتى جمرة العقبة، فلما أتى جمرة العقبة قطع تلبيته ورماها ﷺ بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. عندما يقول الراوي: (رماها) فالرمي غير الوضع، فلو إن إنساناً وضعها في المرمى أو على الجسر ثم حركها بيده فهذا كله لا يسمى رمياً، فالرمي له طريقة معروفة، ترفع الذراع كاملة أو شبه كاملة ثم ترمى، والمقصود المرمى وهو الحوض، فلو لم تضرب في الشاخص فلا حرج، المهم أن تسقط في المرمى. هذا أول أفعال الحج في يوم الحج الأكبر. إذاً يبدأ الحاج برمي جمرة العقبة ولا يقف عندها. ثم إنه ﷺ أتى المنحر -وهو مكان في منى آنذاك كان مخصصاً للنحر- فنحر هديه، وكان معه ﵊ مائة ناقة، وعلي ﵁ خرج من اليمن حاجاً يقول في تلبيته: أهللت بما أهل به رسول الله ﷺ فأشركه فيها. وقد نحر منها ﷺ ثلاثاً وستين بيده، وروى أحمد في المسند بسند صحيح (أنها تأتي على هيئات خمس أو ست، وكانت تتسابق أيهن يبدأ بها) وهذا من عظيم كرامته ﷺ عند ربه. فنحر ثلاثاً وستين بيده وترك لـ علي ﵁ الباقي. فلما نحر ﷺ أتى بعد ذلك الحلاق فحلق رأسه، وقيل: إن الحلاق اسمه معمر جاء في بعض الروايات أنه معمر بن عبد الله، وقد أمر أن يبدأ بالشق الأيمن، ثم قسم ﷺ شعره بين الناس للتبرك؛ لأنه يجوز التبرك بشعر النبي ﵊، لكن لم يبق منه شيء. ثم إنه أتى بيته ﷺ فطيبته عائشة لحله قبل أن يطوف بالبيت، أي تحلل من إحرامه وطيبته عائشة لحله كما طيبته لإحرامه، والتطييب في الإحرام يكون في البدن لا في الثوب على الأظهر. ثم إنه ﷺ أتى مكة فطاف بالبيت طواف الإفاضة المقصود بقول الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] وقد أجمع العلماء على أنه ركناً من أركان الحج لا يتم الحج إلا به. وقد جاءت روايتان: رواية تقول: إنه صلى الظهر في مكة، ورواية تقول: إنه صلى الظهر في منى، وبعض العلماء يجمع بينهما فيقول: صلى الظهر في مكة ثم أعاد الصلاة في منى حتى يأتم به من لم يصل. بهذا يكون ﷺ قد أدى أعمالاً أربعة، هذه الأعمال الأربعة هي التي يظن أنها سبب في تسمية يوم العيد بيوم الحج الأكبر. ولم يسع ﷺ مما يدل على أنه كان قارناً، وليس على القارن إلا سعي واحد، وكان ﵊ قد سعى أول ما قدم؛ أي سعى بعد طواف القدوم. والسعي يكون على المتمتع.

стр. 73

قوله تعالى: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) السؤال أيضاً في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩]؟ الجواب بعض العلماء يقولون: إن الآية فيها تقديم وتأخير. والناس قيل: إن المقصود إبراهيم ﵊ وقيل: المقصود غلبة الناس، وذلك أن قريشاً كانت تأنف أن تخرج إلى الحل في يوم عرفة، ولما ذهب النبي ﷺ إلى عرفة ما كانت قريش تشك أنه لن يتجاوز مزدلفة؛ لأن النبي ﷺ من قريش؛ لكنه تجاوزها -أي مزدلفة- حتى أتى عرفة. لكن الإشكال أن الله رتب فقال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٨ - ١٩٩]، فقالوا: إن الترتيب هنا فيه تقديم وتأخير وهذا قاله الطبري، وبعض العلماء يقولون: (ثم) هنا ليست للترتيب وإنما بمعنى الواو ويحتجون على أن (ثم) تأتي بمعنى الواو بأن الله جل وعلا قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد:١٢ - ١٧]، ولا يستقيم أن تكون (ثم) هنا للترتيب لأنه مؤمن من قبل أن يفك الرقبة لكن قالوا: (ثم) هنا بمعنى الواو أي: وكان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة. فجعلوا (ثم) في آية البلد بمعنى الواو، وكذلك هنا في سورة البقرة، وهذا أحد الأقوال في المسألة، ولولا الإجماع المنقول وإن كان لم يثبت بكسرة لقلنا إن الترتيب: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩] أي: الإفاضة من مزدلفة إلى منى وهذا يجعل الآية على سياقها وعلى ترتيبها ولا يكون في ذلك حاجة.

стр. 74

الاستغفار بعد العبادة المقدم: في مثل هذه الآيات يأتي ربط الاستغفار والذكر بنهاية الأعمال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨]، ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:١٩٩ - ٢٠٠]، والاستغفار بعد الصلاة أيضاً؟ الجواب الاستغفار بعد الصلاة يشعر العبد أن عمله كان فيه تقصير، والله يقول: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥] حتى يعلم حاجتهم إلى ربهم، فعلى هذا كان النبي ﷺ يستغفر بعد صلاته، وهذه أجل الأماكن وأشرفها وأعظمها وهي مشاعر عظيمة، والعبد فيها متلبس بالإحرام وهو في أوبة وتوبة وعبادة للملك الديان ومع ذلك يؤمر بالاستغفار لأن الاستغفار في ذاته عبادة، كما حكى الله عن نبيه صالح ﵇ قال: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل:٤٦].

стр. 75

الربط بين آيتين في الحج السؤال نرجو أن تربط بين قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة:٢٠٠] وفي آيات الحج لما ذكر الانتهاء قال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] هنا لا يشعر بأنه نهاية مناسك، وهناك يشعر بنهاية مناسك؟ الجواب قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة:٢٠٠] يقول جمهور العلماء: إنها محمولة على المبيت في منى أيام التشريق، وأما قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] فالتفث أشبه بما يتعلق بالبدن من طول الأظافر والشوارب ونحو ذلك، وهم يقضون تفثهم إذا أحلوا من إحرامهم ويكون هذا في يوم النحر، فيقضون تفثهم ويحلقون رءوسهم ويقلمون أظافرهم ويطيبون. كما جاء في قوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] هو الهدي والقرابين التي جاءوا بها. وأما قول الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة:٢٠٠] فإنه وإن أطلق إلا أن جمهور المفسرين يرون أن المراد به الخاص وهو المبيت في منى أيام التشريق؛ لأن أيام التشريق يشرع فيها ذكر الله لقوله ﷺ : (أيام منى أيام أكل وشرب وذكر لله وهنا يقول الله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة:٢٠٠] وكانت تلك المحافل في الجاهلية مواطن للتعظيم والمدح وإنشاد الأشعار.
следующие страницы →