← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37747

أعلام القرآن

صالح المغامسي

Полный текст (63 стр.). Показаны 36–63 · переход к 41.

стр. 36

الصفا والمروة منى لم يذكرها الله جل وعلا باسمها الصريح في القرآن، وإنما ذكر الصفا والمروة، وهما جبلان يبعد بينهما مسافة معروفة، وقفت عليهما من قبل أمنا هاجر قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨]، وسيأتي الحديث عنهما تفصيلاً في لقاء آخر. هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢].

стр. 37

سلسلة أعلام القرآن [لقمان، ذي القرنين، المسجد الأقصى] اشتمل القرآن على علوم متنوعة، وقد ورد فيه أعلام كثيرة يستفاد من النظر فيما ذكر الله عنهم، ومنهم لقمان الحكيم وذو القرنين القائد العليم والمسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

стр. 38

من أعلام القرآن لقمان الحكيم ﵇

стр. 39

نبذة تعريفية بلقمان الحكيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فمن أعلام القرآن لقمان ﵇. ذهب عكرمة من السلف فيما يروى عنه إلى أن لقمان كان نبياً. والذي عليه أكثر العلماء أنه عبد صالح أحب الله فأحبه الله، وأعطاه الله جل وعلا الحكمة، والمشهور أنه عاش في زمن داود ﵇. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان:١٢] وهذا قسم من الرب ﵎ أنه أعطى هذا العبد الصالح الحكمة، وهي الصواب في الأقوال والأعمال، ومعرفة حقائق الأمور هذا مجمل ما يمكن أن يقال عن الحكمة. والحكمة لها تعريفات عدة، وإنما تعرف بحسب قرائنها، فقول الله جل وعلا: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤] تفسّر الحكمة هنا بأنها السنة والوحي الذي ينزل على النبي ﷺ ، لكن هذا التفسير غير مطرد في كل معنى للحكمة، وإنما بحسب القرائن فـ لقمان أعطاه الله جل وعلا الحكمة بنص القرآن، وجاء القرآن العظيم بسورة مكية كريمة سميت باسم هذا العبد الصالح؛ لأن الله جل وعلا ذكر قصته فيها، وقلنا إن أكثر العلماء على أنه غير نبي، وقال عكرمة والشعبي من السلف فيما ينقل عنهما: إنه نبي. والتحرير العلمي للمسألة أن يقال: إن لقمان إحدى الشخصيات التي ذكرها القرآن واختلف الناس في نبوتها؛ وهذه الشخصيات هي: ذو القرنين، ولقمان، وحواء، ومريم، وتبع. فهذه أعلام ذكرها الله جل وعلا في كتابه بالخير؛ إلا أن العلماء اختلفوا في نبوتهم، وأكثر أهل العلم على التوقف، وقيل إن الراجح أنهم غير أنبياء. قال السيوطي ﵀ في منظومة له: واختلفت في خضرٍ أهل النقول قيل نبي أو ولي أو رسول لقمان ذي القرنين حوى مريم والوقف في الجميع رأي المُعظم معنى الكلام أن هذه الشخصيات اختلف الناس فيها هل هي أنبياء أو رسل أو أولياء؟ ثم قال السيوطي ﵀ في عجز البيت الثاني: والوقف في الجميع رأي المُعظمِ. أي الوقف والتوقف في الحكم هو رأي معظم العلماء، لكن هذا القول لا يسلّم للسيوطي؛ لأن التوقف حاصل في ذي القرنين؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا أدري أكان ذو القرنين نبياً أم لا!) ولا ينبغي التوقف في مريم أو حواء؛ لأن الله لم يبعث نبياً امرأة قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف:١٠٩].

стр. 40

وصايا لقمان لابنه تتضمن أصول الشريعة ذكر الله جل وعلا في سورة لقمان وصاياه لابنه، وليس المقام مقام تفسيرها، لكن جملة نقول: إن لقمان جمع في وصاياه أصول الشريعة الأربعة: الاعتقادات، وهذا في قوله: ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان:١٣]. والأعمال في قوله: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [لقمان:١٧]. وأدب المعاملة في قوله: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان:١٨]. لقمان:١٩ والأدب مع النفس في قوله: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان:١٩] وقوله: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان:١٩]، وقوله: ﴿إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩]. وحُفِظ عن لقمان أقوال في غير القرآن، فـ لقمان شخصية حكيمة شهيرة؛ ولهذا خاطب الله القرشيين به لأنهم يعلمون به ويسمعون عنه، فهو شخصية حكيمة شهيرة معروفة لدى الأمم؛ ولهذا نزل القرآن بخبره وقصته، ومما حُفِظ عنه أنه قال: ثمان حفظتها عن الأنبياء: إذا كنت في الصلاة فاحفظ قلبك، وإن كنت في الطعام فاحفظ بطنك، وإذا كنت في بيت غيرك فاحفظ عينيك، وإذا كنت في الناس فاحفظ لسانك، واذكر اثنتين وانس اثنتين: اذكر الله، واذكر الموت -أي: لا تغفل عن ذكر الله ولا عن ذكر الموت- وانس إحسانك إلى الغير، وإساءة الغير إليك. ونسيان الإساءة من الغير ونسيان الإحسان إليهم يندرج في باب المروءة والمروءة باب طويل جداً، وقل ما يؤلف أحد فيه، وقديماً ذكرت المروءة في بعض الكتب كعيون الأخبار لـ ابن قتيبة، وأشار إليها ابن عبد ربه في العقد الفريد، وقل ما أفردها أحد بكتاب، لكن أفردها في هذا العصر الشيخ مشهور بن حسن سلمان أحد تلامذة العلامة الألباني، وهو من كبار المؤلفين في العصر الحاضر، وهو رجل ذو علم كثير، له كتاب اسمه المروءة مطبوع مشهور فاقتناؤه لطلبة العلم ينفع كثيراً، وللشيخ كذلك مؤلفات أخر، لكن هذا الذي يعنينا في مقامنا هذا. هذا ما أوصى به لقمان في وصاياه التي نقلت في غير القرآن، كما أن من وصاياه التي نقلت في غير القرآن أنه أوصى ابنه فقال: أي بني! إياك والتقنع -وهو ما يسميه العامة اليوم التلثم- فإنه مخوفة بالليل مذلة بالنهار، وفي بعض الروايات: ريبة في النهار. وقد روي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه رأى رجلاً متلثماً مقنعاً فقال له: أما علمت أن لقمان يقول: إن التقنع ريبة بالنهار مخوفة بالليل، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن لقمان لم يكن عليه دين، وذلك أن ما جعله يتقنع ويتلثم خوفه من مطالبة الدائنين له، وهذا أمر ظاهر في الحياة الاجتماعية بين الناس.

стр. 41

لقمان من الشاكرين لله تعالى مما يمكن أن يقال عن لقمان أن الله جل وعلا قال عنه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان:١٢] فشكر الله ﵎ من أعظم استزادة النعم، بل إن شكر الله جل وعلا دلالة على حصول الإنسان على الحكمة؛ لأنه لا يمكن أن يوصف أحد غير شاكر بأنه حكيم، لأن رأس الحكمة مخافة الله. ومخافة الله مبناها على شكره ﵎، وشكر الله جل وعلا قائم على قواعد منها: الخضوع له، والاعتراف له بالنعمة، ومحبته جل وعلا، والثناء عليه بها، وعدم استعمالها فيما يكره ويبغض ﵎.

стр. 42

لقمان يوصي ابنه ألا يشرك بالله مما ذكره الله جل وعلا عن لقمان أنه قال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]. والظلم وضع الشيء في غير موضعه، وعبادة غير الله من أعظم الظلم؛ لأنه وضع للشيء في غير موضعه، وهذه الآية يدخلها العلماء فيما يسمى بتفسير القرآن بالقرآن؛ لأن الله قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]. والصحابة لما نزلت الآية فزعوا إلى النبي ﷺ قائلين: وأينا لم يخلط إيمانه بظلم؟ قال: (ليس الذي إليه تذهبون -أي: ظلم الناس- أما سمعتم قول العبد الصالح: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]). فسّر النبي ﷺ الظلم الذي في سورة الأنعام بالظلم الذي في سورة لقمان، وهذا من تفسير القرآن بالقرآن، وهو أرقى درجات التفسير؛ والشيخ الشنقيطي ﵀ سمى كتابه (أضاء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن)، ولهذا لم يفسِّر القرآن كاملاً؛ لأنه ليس كل آيات القرآن مفسرة بالقرآن، وهو قد التزم أن يفسر الآيات بالآيات من القرآن نفسه.

стр. 43

بر الوالدين والفرق بين البر والمصاحبة بالمعروف ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤]. ولا حاجة هنا للحديث عن بر الوالدين فهذا معروف، لكن قول لقمان: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥] هو موضع الشاهد. فهناك أربعة أمور: بِر ومودة في آن واحد، وهناك مصاحبة، وهناك مداهنة. المودة لا تجوز إلا مع المؤمن، وأرقى منها البر لمن له حق، لكن المودة مخلوطة بمحبة، ولا تجوز إلا مع مؤمن أو مؤمنة؛ فإذا كان الطرف الثاني كافراً لكن له حق كالأب أو الأم أو الأخت أو الخالة أو الجار فهذا التعامل معه يسمى مصاحبة؛ لأن الله قال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥]. وقوله: ﴿عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [لقمان:١٥] هذا قيد أغلبي لا مفهوم له؛ لأنه لا يوجد شرك فيه علم، ومثله في القرآن قول الله جل وعلا في آخر سورة المؤمنون: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون:١١٧] فلا يوجد إله غير الله معه برهان، وإنما هذا قيد أغلبي لا مفهوم له. المقصود من الآية أنه إذا كان الكافر له حق كالجار أو كالوالد أو كالوالدة، كمن أمه نصرانية أو يهودية، فهو يصاحبها في الدنيا بالمعروف، كحديث العهد بالإسلام أو من أسلم من عائلة كافرة فتعامله مع أبويه يسمى مصاحبة، ويتأكد هذا في حق الوالدين، ثم يقل تدريجياً فيمن له حق بعدهما، ولا يسمى بِرًّا ولا مودة؛ لأن البر والمودة يشترط فيهما المحبة، وإن كان البر جاء في تعبير القرآن فيما لا يشترط فيه المحبة، لكن إذا أطلق يراد به ما يشترط فيه المحبة. أما المداهنة: فهي التنازل عن أصل شرعي كالتنازل عن أمر عقدي، وهذا لا يجوز بأي حال من الأحوال، وهو الذي قال الله فيه: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم:٩] وهو الممنوع شرعاً. قال الله جل وعلا في هذه الآيات: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان:١٤] هذا للرضيع، لما ذكر الله جل وعلا قضية الولادة ذكر أن فصال المولود في عامين، وقد فهم العلماء منها أن مدة الرضاعة أربعة وعشرون شهراً، وقد قال الله في آية أخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥] فجمعوا بين الآيتين فاتضح أن أقل مدة الحمل ستة أشهر؛ لأن أعلى الرضاعة سنتان: أربعة وعشرون شهراً.

стр. 44

وصية لقمان بالصلاة وبأدب المعاملة وعدم رفع الصوت ثم ذكر الصلاة فقال: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧]. ثم بين الأشياء التي تتعلق بأدب المعاملة، فقال: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان:١٨]. ثم ذكر أموراً تخصه فقال: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩]. وهذه نقف عندها، وذلك أنه ينتشر في المجلات الإسلامية سؤال يُسأل به الطلاب في المراكز الصيفية وفي غيرها: ما الشيء الذي خلقه الله ثم أنكره؟ ثم يجعلون الجواب صوت الحمار، وهذا غير صحيح؛ لأن معنى أن الله خلقه ثم أنكره أن الله يقول إنه لم يخلقه، وهذا محال لأن كل شيء مخلوق، والصواب أن يقال: ما الشيء الذي خلقه الله ووصفه بأنه منكر؟ وكلمة (إن أنكر الأصوات) ليست من المنكر الذي هو ضد المعروف، وإنما هو ضد الشيء المألوف، يعني: أنه مستوحش، مثال ذلك أن موسى ﵇ قال للخضر: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٧٤] أي غير مقبول، وقال الله جل وعلا على لسان ذي القرنين: ﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٨٧] أي: تستوحش منه النفوس، لا أنه ضد المعروف، فالذي ضد المعروف هو الأمر الحرام غير الجائز، أما النكر فهو غير المألوف الذي تستوحشه النفوس ولا تألفه الطباع، هذا هو المراد من هذه الآية الكريمة. هذا ما يتعلق بهذا العبد الصالح، ومن هنا تفهم أن أفضال الله جل وعلا ليست مقصورة على أحد، فليست وقفاً على أنبيائه ورسله، إنما هي فضل عام يعطيه الله جل وعلا من شاء متى شاء في كل عصر أو مصر. أما النبوة فقد انتهت، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] وتبقى أفضال الله جل وعلا على العباد بعطاياه ﵎ العلمية والمالية وغير ذلك، وأفضال الله لا تعد ولا تحصى؛ لكن لا يوجد وحي يخبرنا ببعض من تفضل الله جل وعلا عليهم.

стр. 45

المسجد الأقصى من أعلام القرآن

стр. 46

نبذة في التعريف بالمسجد الأقصى المدينة فيها أودية كثيرة، ومع ذلك لما أتى النبي ﷺ العقيق قال: (أتاني آت من ربي فأمرني أن أصلي ركعتين في هذا الوادي المبارك). فالنبي ﷺ سماه وادياً مباركاً، فوادي العقيق واد مبارك بخبر رسول الله ﷺ عن ربه، والمعنى أن الله جل وعلا يقدِّم من يشاء بفضله ويؤخر من يشاء بعدله، ولا يسأله مخلوق عن علة فعله، ولا يعترض عليه ذو عقل بعقله. فالمساجد التي من الله على الناس باصطفائها ثلاثة. والمساجد تنسب لله جل وعلا تشريفاً، وتنسب لغير الله تعريفاً. فقد يسمى المسجد بمسجد السلام ليُعرَّف، ويفرَّق بالاسم يبنه وبين غيره من المساجد. لكن كل المساجد يقال لها: بيوت الله، فتضاف إلى الله جل وعلا تشريفاً، وتضاف إلى غيره تعريفاً، فقول الله في كتابه (المسجد الأقصى) هذا تعريف بالوصف؛ لأن كلمة (الأقصى) وصف لكلمة المسجد، وكلاهما معرف بأل. فالمسجد الأقصى أحد مساجد ثلاثة تشد إليها الرحال، بل بتعبير أوضح لا تشد الرحال إلا إليها: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، والمسجد النبوي. قال الله جل وعلا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١] رغم أنه عندما نزلت هذه الآيات وهي مكية لم يكن النبي ﷺ قد هاجر إلى المدينة، فهذا يشعر أن ثمة مسجداً سيكون بين مكة وبين المسجد الأقصى في بيت المقدس، وهو المسجد النبوي. وبالإسراء به إلى المسجد الأقصى أخذ المجد من أطرافه الثلاثة: فولد في مكة وبعث في مكة ليرث إبراهيم، وصلى بالمسجد الأقصى إماماً ليرث جميع الأنبياء، وقد صلوا خلفه، وجاء في بعض الروايات أنه لما سلَّم رأى إخوانه من النبيين فقال لهم: (إن الله أمرني أن أسألكم: هل أرسلكم الله لتدعوا إلى أحد غيره؟ قالوا: إنما أرسلنا الله لندعو إليه)، قال الله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥] وفي قراءة و ((يَعْبُدُون)) والمعنى واحد. والمقصود: أنه صلى بهم إماماً ليرثهم في الأرض المقدسة، ثم خصه الله جل وعلا بهذه البلدة الطاهرة (المدينة النبوية)، فورث المجد من أطرافه الثلاثة صلوات الله وسلامه عليه. إن بيت المقدس أرض تختصم فيها الأديان السماوية الثلاثة: اليهودية والنصرانية والإسلام. وأريحا: هي البلدة التي أمر الله جل وعلا بني إسرائيل أن يدخلوها كقرية ويقولوا حطة، فحرفوا الكلم، وهي عند كثير من المؤرخين أقدم مدينة سكنت في العالم. موسى ﵇ هو الذي خرج ببني إسرائيل من أرض مصر إلى بيت المقدس، لكنهم امتنعوا من محاربة الجبّارين ودخول أريحا فحكم الله عليهم بأن يبقوا في التيه أربعين عاماً، فمات هارون ومات موسى بعده وبنو إسرائيل في أرض التيه.

стр. 47

فتح بيت المقدس ودخول المسجد الأقصى والذي دخل ببني إسرائيل الأرض المقدسة هو يوشع بن نون حيث بدأ حربه يوم الأحد وانتهى مساء الجمعة، واليهود تجعل يوم عيدها يوم السبت، ففي مساء الجمعة خاف أن الشمس تغيب قبل أن ينتهي من حربه فقال لها كما في الخبر الصحيح: (إنك مأمورة وإنني مأمور، اللهم احبسها عليّ) فبقيت الشمس وتأخر غروبها حتى فتح يوشع بن نون البلدة. بعد ذلك دخلت في ولاية المسلمين في عهد عمر بن الخطاب ﵁، ولم تكن أرض المقدس عندما دخلها عمر بيد اليهود إنما كانت بيد النصارى، وكانوا هم المسيطرين عليها والحاكمين لها. دخلها عمر بعد أن اشترط البطريق الذي كان يفاوض أبا عبيدة ألا يدخلها أحد قبل عمر، فخرج عمر على بعير له ومعه غلام له يتناوبان الطريق، كان عمر يركب حيناً ويركب غلامه حينا آخر حتى وصلوا إلى بيت المقدس، ووافقت النوبة بينهما أن يركب الغلام ولا يركب أمير المؤمنين، وكانا على أرض مخاضة -يعني: فيها طين- فنزل عمر وركب الغلام، وعمر يقود البعير وهو حامل نعليه حتى لا تتسخان بالطين، والنصارى على الشرفات والدور يرون أمير المؤمنين الذي تأتمر الجيوش -التي كانت تحاصر البلدة- بأمره وهو في المدينة، فلما قدم إليهم ظنوه سيأتي في موكب مهيب، فأتاهم ببعير له عليها غلامه، وهو يقود البعير ويرفع نعليه حتى لا تتسخان في الطين؛ فكانت هيبة عمر عند النصارى أعظم من هيبته لو جاءهم على آرائك أو جاءهم على مراكب غير ذلك. هذا يفهم منه أن قول الله جل وعلا: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء:٥] لا ينطبق على عمر؛ لأن عمر دخلها سلماً، وفي بعض القصائد التي يقولها الإخوة الفلسطينيون يقولون: في القدس قد نطق الحجر أنا لا أريد سوى عمر رداً على الصلح، وهذا لا يرد على الصلح، بل يجعل المسألة أعظم تعقيداً؛ لأن عمر لم يدخلها حرباً. وفهم التاريخ يعينك على التصرف في الأحداث، فقد احتلها الصليبيون في الحملة الصليبية الأولى عام (٤٩٢) هجرية، ومكثوا فيها إلى عام (٥٨٣هـ)، ودخلها صلاح الدين ليلة ٢٧ رجب، وقد كان مشهوراً عند العلماء قديماً أن ليلة ٢٧ رجب هي ليلة الإسراء والمعراج عند العلماء، فتأكد عند الناس بهذا الحدث أن ليلة ٢٧ من شهر رجب هي ليلة الإسراء والمعراج، رغم أن هذا لم يثبت بسند صحيح فيما نعلم عن النبي ﷺ ؛ لكن أحياناً تأتي أحداث تاريخية تؤكد أشياء موجودة في أذهان الناس. دخلها صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى فاتحاً محرراً لها من أيدي الصليبين، فالصليبيون الذين دخلوا بيت المقدس أذلوا المسلمين وأذلوا اليهود؛ لأن الصراع ما بين اليهودية والنصرانية صراع قديم، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ [البقرة:١٤٥] ولئن توافقت مصالحهم في بعض العصور إلا أنها تبقى العداوة أزلية لا يمكن جمعها. بعد ذلك حدثت أحداث تاريخية شهيرة ليس هذا موطنها.

стр. 48

بريطانيا وإعطاء القدس لليهود إن البريطانيين هم الذين مكنوا لليهود في بيت المقدس، وذلك فيما يسمى بوعد بلفور المشهور. الساسة الصهاينة قرءوا التاريخ جيداً -كسياسة ليس كدين- والله قال: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [آل عمران:١١٢] ثم قيد فقال: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٢] فالحبل الذي مع الله أضاعوه بقتلهم الأنبياء وكفرهم، وبقي الحبل الذي مع الناس. فالساسة اليهود قرءوا أن قوة بريطانيا إلى أفول رغم أنها كانت بلداً لا تغرب عن محمياته الشمس، فاتصلوا بالولايات المتحدة الأمريكية وأقاموا هناك أموالهم وسلطانهم حتى استطاعوا أن يصلوا إلى القدرة على التغيير في القرار الأمريكي، وجعلوا بريطانيا وراء ظهرهم رغم أن بريطانيا هي التي مكنت لهم؛ لكنهم نقلوا رحالهم إلى أمريكا -رغم أنهم كانوا منبوذين- حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه حالياً. إن يوشع بن نون دخل القدس في ٦ أيام، وفي عام ١٩٤٨م دخلت القدس في حكم اليهود، وحرب (١٩٦٧م) كان مدتها ٦ أيام، وقد تعمد اليهود أن تكون الحرب ٦ أيام، وهي في الإذاعات العربية يقال لها: نكسة الخامس من يونيو حزيران، لكن في الإعلام الإسرائيلي يقولون: حرب الأيام الستة ليذكروا الشعوب اليهودية في إسرائيل وفي غيرها أن دولة إسرائيل قائمة على إرث عقدي يهودي تذكيراً بما صنعه يوشع بن نون من قبل بأنه دخل الأرض المقدسة في ستة أيام. وقد أغلقوا باب الحرب بعد أن دخلوا سيناء والجولان، واحتلوا الضفة الغربية وما يسمى الآن بقطاع غزة، ودخلت القدس ضمن الحظيرة اليهودية. هذا إحدى المصطلحات التي ينبغي التنبه لها عند سماع الأحداث. وقعت حرب (١٩٧٣م) وهي حرب العاشر من رمضان، وحصل فيها نوع من التقدم، لكن لم يظفر المسلمون فيها بدخول المسجد الأقصى.

стр. 49

فضل الصلاة في المسجد الأقصى إن المسجد الأقصى مسجد مبارك، والصلاة فيه بـ (٢٥٠) صلاة، والدليل على ذلك ما رواه الحاكم في المستدرك بسند صحيح من حديث أبي ذر: أن النبي ﷺ خرج على أصحابه وهم يتذاكرون: أيهما أفضل الصلاة في المسجد الأقصى أم الصلاة في المسجد النبوي؟ فقال ﷺ : (ولنعم المصلى هو، وصلاة في مسجدي هذا بأربع صلوات فيه) أي: في المسجد الأقصى. ومعلوم أن الصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة، فيتحرر من هذا أن الصلاة في المسجد الأقصى بمائتين وخمسين صلاة. إن الاحتلال اليهودي للمسجد الأقصى أمر غير محمود لكنه الخيط الذي يجمع المسلمين اليوم عرباً وعجماً، وكل من ينتسب للملة لا يمكن أن يختلف معك في أن أمنيته أن يصلي في المسجد الأقصى وقد حرر، وهذه نعمة من وجه آخر وإن كان احتلالهم له نقمة. على هذا يفهم أن من يحتج بقضية المهدي المنتظر لا يقبل احتجاجه؛ لأنه لو قلنا للناس: إن المسجد الأقصى لن يحرر إلا على يد المهدي المنتظر لثبطنا عزائم الناس ولمات الجهاد في الأمة، ولما بقي هناك أحد يعمل لإصلاح المجتمع، ولكان الناس كلهم ينتظرون المهدي المنتظر. فالذي أضر بالأمة هو أنهم ينتظرون الغيب المنشود وينسون الواقع المشهود، والغيب لا يعني أننا نترك ما نحن فيه، فالله جل وعلا أخبر الناس كلهم أنهم ميتون، وقال لنبيه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، وهذا غيب، ولكن لا يعني أن تذهب إلى الموت، بل عش حياة طبيعيه كما أمر الله حتى يأتيك الموت. فالمسجد الأقصى يفتح على يد المهدي أو على يد عيسى، أو على يد غيرهما، فهذا لا يخصنا فنحن مسئولون شرعاً عن هذا المسجد بأن نسلك الطرائق الشرعية، ونجمع ما بين الأسباب الكونية والأسباب الشرعية في الوصول إلى غاياتنا التي ننشدها، وإن قدر هذا على أيدي المسلمين المعاصرين اليوم كان خيراً كثيراً، وإن لم يقدر برئت الذمة ووقعت المعاذير، والأمر غيب ولا يقع إلا ما أراد الله وكتبه جل وعلا في الأزل.

стр. 50

من أعلام القرآن ذو القرنين هناك كتاب ظهر لدكتور اسمه حمدي أبو زيد اسمه: فك أسرار ذي القرنين ويأجوج ومأجوج، والكتاب فيه فرضيات وأمور كبيرة جداً، وحمدي أبو زيد مؤلف سعودي وعضو في مجلس الشورى، والكتاب مطبوع لمن أراد أن يتوسع. وسوف نتحدث عن ذي القرنين من جانب القرآن لا من جانب الفرضيات المعاصرة، فنقول: ذو القرنين عبد صالح، وهو أحد من اختلف فيهم كما ذكر السيوطي وغيره. قال الله جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف:٨٣] والسائل قريش بناء على إيعاز من اليهود. قال الله: ﴿قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف:٨٣] ومِن هذه تبعيضية، أي لن أقول لكم كل شيء عن ذي القرنين؛ لأن القرآن ما أنزل بهذا. واسمه ذو القرنين، وذو بمعنى صاحب، قال الله جل وعلا: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء:٨٧] أي وصاحب الحوت، وهذا الاسم جعل بعض المؤرخين يقول: إنه من اليمن؛ لأنه اشتهر في ملوكهم التسمية بكلمة ذو كذا، وقيل غير ذلك. واختلف في السبب الذي سمي من أجله ذا القرنين. فقيل: لأنه حكم المشرق والمغرب. وقيل: لأنه حكم فارس والروم. وقيل: كانت له ظفيرتان والقرآن سكت عن هذا، والبحث عنه نوع من التكلف، لكنه مضمار تجري فيه أقدام العلماء، والذي يعنينا في قضية ذي القرنين كمال عقليته. وكمال عقلية هذا الإنسان تظهر في أمور عدة: من أهمها أنه يختلف تصرفه باختلاف من أمامه، فـ ذو القرنين مر في حربه وغزواته على أمم، هذه الأمم تتفاوت في عقلها وقدرتها وعلمها، فكان تعامله معها يختلف من أمة إلى أمة كل بحسب عقله، قال الله جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف:٨٦] فبعض المؤلفين نظر من هذا الباب إلى أن ذا القرنين وصل إلى مغرب الشمس. وهذا غير لازم؛ لأن الله قال: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف:٨٦] فأسند الوجد إلى ذي القرنين ولم يسنده إلى الشمس، والمعنى أن كل إنسان يرى مغرب الشمس بحسب الحال التي هو فيها، فمن مكث في شاطئ البحر يرى الشمس تغيب في البحر، ومن مكث في صحراء نجد مثلاً يرى الشمس تغيب في الصحراء، ومن مكث في جبال الحجاز أو جبال تهامة يراها تغيب في الجبال فكل إنسان بحسب مكانه يرى مغيب الشمس، فقول الله جل وعلا: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف:٨٦] معناه أنه وصل إلى منطقه فيها عين حمئة يجد الشمس تغرب بعدها. ويحتمل أنه وصل إلى مغرب الشمس لكن لا يلزم ذلك من الآية. قال تعالى: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف:٨٦] وهناك مثل عند العامة يقولون: لا يجوع الذئب ولا تفنى الغنم، فإذا كان الطلاب كلهم يطمعون أن ينجحهم المعلم فهو غير ناجح، وإن كان الطلاب كلهم يائسون من أن ينجحهم فهو معلم غير ناجح، لكن المعلم الموفق يكون الطلاب منه على خوف ورجاء. والرجل في بيته إذا كانت الزوجة لا تخاف منه على كل حال أو ترجوه على كل حال لم يصب في قضية سياسته لبيته، فهنا قال الله جل وعلا عن هذا الملك الموفق: ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف:٨٦ - ٨٨] فيظهر أن هذه الأمة التي وصل إليها ذو القرنين تحتاج إلى هذا النوع من السياسة في الحكم. ثم قال الله جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف:٩٠] ولم يذكر الله خبره معهم، قال: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف:٩١]. ثم ذكر الله أقواماً فقال: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ [الكهف:٩٣] يعني ليس لهم عقول فلما كانوا كذلك لهم عقول لم يعذب ولم يكافئ؛ ودلالة أنهم لا يفهمون أنهم قالوا: ﴿يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف:٩٤] وذلك أنهم يرون ملكاً عظيماً قد ساد الدنيا وتنقل في الأمصار وحوله جيوش ومعه أموال ووزراء، والله يقول: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ﴾ [الكهف:٨٤] ثم يأتي هؤلاء الضعفاء ويقولون له: إذا فصلت بيننا وبين يأجوج ومأجوج فسوف نعطيك أجراً، ولا يعقل أن يقبل ملك كهذا من هؤلاء الضعفاء أجراً، ولهذا قال الله: ﴿لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الكهف:٩٣]. فأجابهم ذو القرنين: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف:٩٥] يعني ما أنا فيه خير، ولا أريد منكم أموالاً. ولما كانوا ليس لهم عقول وظفهم في الخدمة؛ لأن القوة البدنية لا تحتاج إلى عقل، قال: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف:٩٥] ولذلك فإن بعض القطاعات في بعض الدول يختارون نوعية من الحرس الذي يضرب فقط ولا يفهم ولا يستطيع الناس أن يفهموه، بل يكون مسيراً ينفذ الأوامر بلا تعقل. وفي عهد بني أمية في أيام الصراع بين عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير ﵄: جاء عبد الملك لرجل فأعطاه أموالاً وقال له: اقتل ابن الزبير، قال: إذا قتلنا ابن الزبير سوف تنفرد في الملك، وابن الزبير يموت شهيداً، وأنا لم أحصل على شيء لا ملك في الدنيا ولا شهادة للآخرة، بل ألقى الله وأنا قاتل نفس. ولست بقاتل رجلاً يُصلي على سُلطان آخر من قريشِ له سُلطانه وعليَّ إثمي معاذ الله من جهل وطيشِ فـ ذو القرنين قال الله جل وعلا عنه: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ﴾ [الكهف:٨٤]، وهذا التمكين شيء من الله يعطيه من يشاء، وإذا أراد الله بعبد خيراً سخّر له خلقه، قال الله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١] وإذا أراد الله بعبد سوءاً قتله بأقرب أنصاره إليه. هذا الذي يمكن أن يستفاد من حديث ذي القرنين عموماً. هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده وأعان الله على قوله. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 51

سلسلة أعلام القرآن [يوم الجمعة، طالوت وجالوت، أبو لهب، مكة المكرمة] من الأعلام التي وردت في القرآن يوم الجمعة، وهو يوم يجتمع فيه المسلمون لصلاة الجمعة في المسجد ولسماع خطبتها، ولهذا اليوم من الخصائص والمميزات ما تجعله عيداً في كل أسبوع. كذلك جاء ذكر طالوت وجالوت، وهما علمان على رجل من أهل الإيمان ورجل من أهل الكفر والطغيان، قاد طالوت جيش الإيمان وقاد جالوت جيش الكفر والطغيان. ومن الأعلام الواردة في القرآن كذلك أبو لهب المتوعد بنار ذات لهب، ومكة المكرمة، الأرض المطهرة والبقعة الطيبة.

стр. 52

ذكر يوم الجمعة وما جاء فيها إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين أما بعد: فهذا بحمد الله وتوفيقه اللقاء الثالث حول أعلام القرآن. وقد سبق التأكيد على أن هذه اللقاءات تعنى بأعلام قرآنيه ذكرها الله جل وعلا في كتابه إما مدحاً وإما ذماً، ونعرج عليها إلماماً تاريخياً ومعرفياً قدر المستطاع ولا نطيل في أي من تلكم الأعلام؛ لأن الأعلام كثيرة ونحاول قدر الإمكان أن نأتي على أكثر الأعلام التي أوردها الله جل وعلا في كتابه، وقد مر معنا ذكر جبريل ﵇، والكوثر، ويوم الفرقان، وقارون، وفرعون، وهامان، وعرفات والمشعر الحرام، وغيرها من الأعلام التي تكلمنا عنها لماماً وسراعاً ما أمكن إلى ذلك سبيلا. قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩]. فيوم الجمعة علم على يوم كان يسمى قبل الإسلام بيوم العروبة، ثم سمي في الإسلام بيوم الجمعة بنص القرآن كما في السورة التي سميت بهذه الآية، وهي سورة الجمعة. أول جمعة أقيمت في الإسلام أقامها أسعد بن زرارة وكنيته أبو أمامة ﵁ وأرضاه، أقامها قبل وصوله ﷺ إلى المدينة بفترة، حيث جمع أسعد بن زرارة ﵁ وأرضاه المسلمين وصلى بهم صلاة الجمعة، وأقام لهم غداء. فكان حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه وأرضاه ممن حضر تلك الجمعة، فلما كبر حسان كان ابنه عبد الرحمن هو الذي يقوده؛ لأنه كان قد عمي في آخر عمره، فكان حسان إذا دخل المسجد ومعه ابنه يقوده وأذن لصلاة الجمعة بين يدي الإمام يترحم حسان على أبي أمامة ويقول: اللهم صل على أبي أمامة، اللهم اغفر له. ويدعو له، فيسمعه ابنه عبد الرحمن ويتعجب. ثم تكرر هذا الموقف مراراً من حسان، فقال عبد الرحمن ﵁ في نفسه: إن هذا بي لعجز، يعني: ما الذي يمنعني أن أسأل أبي لماذا يترحم على أبي أمامة كلما أذن لصلاة الجمعة؟ فسأله فقال: يا بني! إن أول من صلى بنا الجمعة هو أبو أمامة ﵁ وأرضاه. قلنا: كان يسمى هذا اليوم في الجاهلية يوم العروبة، والله جل وعلا أنبأ الأمم التي قبلنا أن هناك يوماً عظيماً مفضلاً عنده ﷻ ، فالأمم سعت في معرفة ذلك اليوم، فزعمت اليهود أنه السبت، فهم إلى اليوم يعظمون يوم السبت، وذهبت النصارى إلى أنه يوم الأحد، فاليهود أخذوها على أنهم يرون أن الله انتهى من خلقه يوم الجمعة واستراح يوم السبت -تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً- والنصارى تزعم أن الأحد أول أيام الأسبوع، فلذلك ترى أنه هو اليوم الذي اختاره الله واصطفاه، قال ﷺ : (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا)، أي: أعطوا الكتاب من قبلنا، وضلوا عن هذين اليومين، فنحن وإن تأخرنا ظهوراً إلا أننا أعلم بهذا اليوم منهم لما علمه الله رسوله ﷺ . المشهور عند أهل العلم أن أول جمعة صلاها النبي ﷺ كانت بعد خروجه من قباء إلى المدينة؛ لأنه ﵊ نزل قباء في أول الأمر، فالمشهور المنقول عن ابن إسحاق أنه ﷺ صلى الجمعة في المسجد المعروف اليوم بمسجد الجمعة، لكن لا يوجد دليل صريح فيما نعلم يدل على هذا، وهذا هو المشهور المستفيض. قال النبي ﷺ عن يوم الجمعة: (فيه خلق آدم) ولهذا قال العلماء: إنه سمي يوم الجمعة؛ لأنه جمع فيه خلق آدم (وفيه تقوم الساعة)، أي: يوم الجمعة.

стр. 53

ما يستحب في يوم الجمعة ويسن في يوم الجمعة أمور عدة: قراءة سورة آلم تنزيل السجدة والإنسان في فجرها، وقراءة سورة الكهف في يومها، وكثرة الصلاة على النبي ﷺ فيه. وهذا ولله الحمد أمر مستفيض بين المسلمين، وكذلك أئمة الحرمين وغيرهم من أئمة المساجد يحرصون على قراءة: ﴿آلم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:١ - ٢] وسورة الإنسان في فجر يوم الجمعة. ويكثر الإمام في الصلاة من قراءة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وسورة الغاشية، ومن دلالة محافظته ﷺ على هذا أنه صلى بالناس يوم الجمعة فقرأ فيهما بسبح والغاشية، ثم كان ﵊ في ذلك اليوم قد وافق عيداً فقرأ في الفجر بسبح والغاشية، مما يدل على أن لسبح والغاشية حكمة لا نعلمها، وإلا لما كان النبي ﷺ يقرأ في فجر العيد بسبح والغاشية، ثم يجتمع مع الناس في نفس اليوم الجمعة فيصلي بهم ﷺ ويقرأ بسبح والغاشية، فينبغي على الأئمة قدر الإمكان أن يحرصوا على عدم تركها، نعم يقرأ بغيرها أحياناً ليبين للناس أنها ليست بواجبة لكن لا يكثر من ذلك؛ لأن اتباع السنة أولى. ويوم الجمعة فيه ساعة لا يدعو فيها رجل مسلم إلا استجاب الله جل وعلا له فيها، واختلف العلماء ﵏ في تحديدها، لكن نقول جملة: هي ساعة مخفية، وقد قال بعض العلماء: إنها من حين أن يرقى الإمام المنبر إلى آخر وقت صلاة العصر. وقال بعضهم: إلى أن تنتهي الصلاة. وقال آخرون من العلماء: إنها آخر ساعة من يوم الجمعة أي: قبل الغروب، وكل له دليله، هذا الموطن ليس موطن ترجيحات فقهية، وإنما هو إلمام بأعلام القرآن.

стр. 54

حكم صلاة الجمعة وخطبتها صلاة الجمعة واجبة ليست بدلاً عن الظهر، وإنما الظهر بدل عنها لمن فاتته صلاة الجمعة. واختلف أهل العلم فيمن لم يدرك الركوع الثاني مع الإمام في صلاة الجمعة، فمعظم العلماء يقولون: إنه إن لم يدرك الركوع الثاني مع الإمام فاتته الجمعة، فيكملها ظهراً. ونحن لا نرى دليلاً قوياً على هذه المسألة، وهناك آراء لبعض الأئمة أنه يصليها جمعة ركعتين؛ لأنه دخل بهذه النية. النبي ﷺ كان يخطب قبلها خطبتين يجلس بينهما، وكان يخطب قبل أن يتخذ المنبر متكئاً على عصا، ويروى أنه بعد أن اتخذ المنبر لم يتكئ على شيء، وكان إذا خطب احمرت عيناه ووجنتاه ﷺ كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم. وكانت خطبته كلمات يسيرات قليلات لا يطيل فيهن، ويجعلها للمواعظ وللرقائق؛ لأن الجمعة يحضرها سائر المسلمين، وليست محاضرة معنوناً لها يحضرها من يريدها، لكن في هذا العصر خرجت الجمعة عن نطاقها الشرعي، فمن خلالها يقول الخطيب آراءه السياسية أو آراءه الفكرية، ومعلوم قطعاً أن آراء الخطيب الفكرية والسياسية تحتمل الصواب والخطأ على حسب علمه بالسياسة وحسب قدراته الفكرية. لكن قال الله قال رسوله هذا لا يحتمل صواباً ولا خطأ، والناس الحاضرون لا يأخذون ويعطون معك ولا يناقشونك، إنما يريدون شيئاً يرقق قلوبهم. صلاة الجمعة يحضرها العامل يحضرها المسلم الأمي يحضرها الفقير يحضرها الغني يحضرها العالم يحضرها سائر الناس، فإخراجها عن مراد الله ورسوله هو الذي جعل الناس تكثر فيهم قسوة القلوب؛ لأنهم لا يجدون وقتاً يسمعون فيه الخطيب إلا يوم الجمعة، فإذا جاء يوم الجمعة أخرجهم الخطيب عما يريدون وذكر لهم آراء سياسية أو فكرية أو قضايا لا تعنيهم، أو حتى إذا كانت تعنيهم لا يملكون فيها حولاً ولا قوة، فيذهب أهل الثقافة يناقشون رأي الإمام، ورأي الإمام رأي فكري، وقد يكون هذا الإمام رجلاً تقياً عالماً فقهياً يملك ترقيق القلوب لكنه لا يفقه شيئاً في الأمور الفكرية أو السياسة، فيتكلم في أمور قد يكون قوله فيها صواباً وقد يكون قوله خطأ، وليس عامة المسلمين محل تجربه، وليس هذا موطن الحديث عن مثل هذه الأمور. تقول أم هشام بنت الحارث ﵂ وأرضاها: (ما حفظت سورة ق إلا من النبي ﷺ من كثرة ما يقرأ بها في صلاة الجمعة)، فسورة (ق) معروف فيها ذكر بدء الخلق، والموت، وإتيان الموقف العظيم، وازدلاف الجنة، وبعد النار، وما إلى ذلك، حتى يكون في ذلك ترقيق لقلوب الناس، أما تلك الأمور فلها مواطنها يتكلم فيها أهل العلم، لكن في لقاءات فكرية، وفي مجالس ثقافية، وفي محاضرات يعلن عنها بهذا الاسم، لكن ينبغي أن يكون المقصود الأسمى لكل خطيب ألا يخرج الناس عن الوعظ ليجعلهم يذكرون بلاغة الخطيب أو فصاحته أو علمه أو قدراته أو آراءه أو عظمته الفكرية، فهذا كله غير مقصود شرعاً. المقصود الأساسي: أن يخرج الناس وقد ازدادوا إيماناً بالله وتعلقاً به وتعظيماً له جل شأنه. وإذا استطاع الإمام أن يصل بالناس إلى هذا المستوى فقد وفق في خطبة الجمعة.

стр. 55

سبب نزول قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة) قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، هذه الآية يمكن الكلام عنها من وجهين: الوجه الأول: أنها نزلت خصوصاً في قافلة أتت من الشام قادها دحية الكلبي ﵁ وأرضاه، فانصرف الناس عن الجمعة -والظاهر أن هذا كان في أول الإسلام- يبتغون تلك الأموال فأنزل الله تلك الآية. الوجه الثاني: أن يوم الجمعة يوم يجتمع الناس فيه، فقال الله جل وعلا: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، تذكرة بأمر أعظم وهو أنه سيأتي يوم عظيم يجتمع الناس فيه وهو يوم المعاد، وهذا اليوم نعته الله جل وعلا بقوله: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤]، فيترك الإنسان البيع في الدنيا ويلجأ إلى الله في مثل هذا اليوم العظيم تذكرة لنفسه باليوم الذي يغدو الناس فيه بين يدي رب العالمين، والإنسان لا بد أن يكون له باعث من نفسه. وما عاتب الحر الكريم كنفسه والمرء يصلحه الجليس الصالح لا بد أن يكون في الإنسان ناصح من نفسه، فإذا خرج الناس من أي جامع تقام فيه صلاة الجمعة أشتاتاً إلى أماكن عدة تذكر الواحد أنه سيأتي يوم ينصرفون فيه من أرض المعاد، لكنهم لا ينصرفون إلى أمكنة متفرقة، وإنما ينصرفون إلى دارين، قال الله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]. فكلما خرجت من الجامع الذي تصلي فيه الجمعة فتمن بهذا العمل أن تنصرف يوم القيامة إلى رياض جنته، فالمؤمل أن الإنسان يحتسب العمل، ويوظف نفسه للطاعة، ويحتسب الأجر، ويتذكر أيام الله جل وعلا، ويربط بين ما كلفه الله به شرعاً في الدنيا وما كلفه به في الآخرة.

стр. 56

يوم الجمعة ويوم القيامة قال ﷺ : (إن يوم القيامة يكون في يوم جمعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة تنتظر النفخ في الصور يوم الجمعة). فالخلائق سوى الثقلين تعلم أن يوم الجمعة هو اليوم الذي تقوم فيه الساعة، وتدرك أن هذا اليوم يوم جمعة، وإلا فلن تصيخ آذانها وهي لا تعرف أن هذا اليوم يوم جمعة. من الله على أمة محمد ﷺ بأن هداها ليوم الجمعة، فالأمم قبلنا حاولوا أن يصلوا إليه لكن لسوء طويتهم وغلبة شقوتهم ضلوا عن طريق الحق، فذهبت اليهود إلى أنه يوم السبت، والنصارى إلى أنه يوم الأحد، وأنت ترى في الغرب اليوم أن يومي الإجازة عندهم هما يوما السبت والأحد، وعندنا يوم الجمعة. وقد وقفنا على أثر يدل على أن عمر ﵁ وأرضاه هو أول من جعل للناس يوماً يستريحون فيه غير يوم الجمعة، وقلنا: إن عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه ترك المدينة وذهب إلى الشام ليأخذ مفاتيح بيت المقدس، ويستلم بيت المقدس صلحاً، فلما عاد استقبله أهل المدينة ولم تجر له عادة أنه يكثر الغياب عن المدينة، فقد كان يهاب أن يخرج منها، ومعلوم أنه كان يقول: اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك وميتة في بلد رسولك ﷺ . فلما قدم استقبله الغلمان فأحب أن يكافئهم، فقال لهم ﵁ وأرضاه: إما أن أعطيكم أعطيات حلوى أو دنانير أو دراهم أو شيئاً ترضون به، وإما أن أعطيكم يوماً بدل من الكتاتيب، فقال الغلمان: نريد يوماً ليس فيه كتاتيب، فالناس يحبون أن يخرجوا عن المألوف، ويحبون أن يجدوا لهم راحة. هذا ما يمكن أن يقال عن يوم الجمعة.

стр. 57

طالوت وجالوت وهنا علمان على شخصين أحدهما كافر والآخر مؤمن، وهما طالوت وجالوت. ذكرهما الله جل وعلا في سورة البقرة، ولم يكرر ذكرهما في أي سورة أخرى، والله ﵎ أحياناً يريد أن ينبه على الأشخاص وأحياناً يريد أن ينبه على الأحداث، فإذا أراد أن ينبه على الأحداث أغفل ذكر الأشخاص ولو كانوا عظماء، وإذا أراد أن ينبه على الشخص ذكر الشخص ولو لم يكن عظيماً، وإذا أراد أن ينبه على الأمرين ذكر الله جل وعلا الشخص والحدث. هنا قال الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ [البقرة:٢٤٦]، قوله (لنبي) نكرة، ولم يذكر اسم ذلك النبي؛ لأنه ليس المقصود حوار أولئك القوم مع ذلك النبي، وإنما المقصود الحدث التاريخي. بنو إسرائيل مكثوا في أرض التيه (٤٠) عاماً، وخلال هذه الأربعين مات هارون ثم مات موسى، ثم عهد موسى بأمر النبوة من بعده إلى يوشع بن نون فتاه، ثم مكثوا سنين طويلة، وخلال هذه السنين الطويلة كان العماليق يحاربون بني إسرائيل ويتعرضون لهم، فكان الإنهاك والقتل في بني إسرائيل أكثر، فلما شعر بنو إسرائيل بالضعف لجئوا إلى نبي لهم قيل: إن اسمه: شمعون وقيل إن اسمه: شوميل، وقيل إن هذين الاسمين لرجل واحد، وهو الأظهر. فسألوه أن يبعث الله لهم ملكاً يقودهم؛ لأن الناس لا يمكن أن يجاهدوا أو يحاربوا أو يسوسوا أمرهم بدون شخص يأتمرون به، فهذا أمر خلاف العقل. فبنو إسرائيل أرادوا ملكاً يقودهم في الجهاد: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٦]، وهذا النبي شوميل أو شمعون كان قد اعتزلهم لما رأى من عصيانهم، وذلك أنه أخذ عليهم المواثيق أنه إذا كتب عليهم القتال أن يقاتلوا، فقالوا: نعم، بل استغربوا وقالوا: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة:٢٤٦]، فلما كتب الله عليهم القتال نكصوا، فأخبرهم نبيهم أن الله قد بعث لهم طالوت ملكاً، فاعترضوا بأن هذا الملك لم يكن من السبط الذين فيهم الملك، ولم يكن من السبط الذين فيهم النبوة، ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة:٢٤٧]، ولا يمكن أن يوجد ملك بدون عصبة. أما العصبة التي كانت مع طالوت فهي أن الله جل وعلا هو الذي اختاره وكفى بها عصبة، لكن في زماننا هذا لا يوجد وحي من الله: أن الله اختار فلاناً! فلا بد من عصبة يقوم بها الملك. والمقصود: أن نبيهم أخبرهم إن الله قد بعث لهم طالوت ملكا، ً وأخبرهم بذلك حتى يلين قلوبهم لأمر الله وطاعته، وآتاه بسطة في العلم والجسم، أي: علم عام بالشرع، وعلم بالحروب، وكانت الحروب آنذاك تعتمد اعتماداً كلياً على القوة الجسمية، وقوله جل وعلا: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧]، فيه رد على قولهم: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة:٢٤٧]. وبعد أخذ وعطاء أذعنوا، وذلك بعد أن أخبرهم نبيهم أن ثمة آيات أعطاها الله جل وعلا لـ طالوت، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٤٨]، والتابوت والسكينة تحدث العلماء عنها من جوانب عديدة، لكن لا يوجد شيء يعتمد عليه ممكن أن ينقل، وكلها أقاويل منقولة عن مسلمة أهل الكتاب، ولا يدرى صحيحها من سقيمها أو قويها من ضعيفها. لكن نقول جملة: إن الله جل وعلا أعطى طالوت قرائن لا يستطيع معها بنو إسرائيل أن يردوا ملكه منها: تابوت ينصرون به، وهيئة هذا التابوت لا نعلمها. أما السكينة فقد تكون بمعناها العربي المعروف وهي الطمأنينة، وقد يكون غير ذلك، كما قيل: إنها ريح، وقيل: إنها طائر، وقيل غير ذلك. قال تعالى: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة:٢٤٨]، قيل: عصا موسى وعصا هارون ورضاض من الألواح التي كتبت فيها التوراة لموسى، وهذا محتمل، لكنني لا أجزم به. أخذ طالوت الجيش يعبر بهم نهر الأردن لمقابلة العمالقة الذين يقودهم جالوت. فالدنيا قائمة على الامتحان وكلما ابتلى الله الإنسان بشيء وفاز فيه يبتليه بشيء آخر، وهذه سنة الله جل وعلا في خلقه، والله يقول: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣]. كان جيش طالوت (٨٠٠٠٠)، ذهب ليحارب بهم فمر على نهر وقال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]. فقسمهم ثلاثة أصناف: قوم سيشربون، وقوم لن يشربوا أبداً، وقوم يذوقون؛ لأن (يطعم) تأتي في اللغة بمعنى: يذوق، ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]. فالذين لم يشربوا بالكلية قطعاً سيكونون في الجيش، والذين سيغرفون غرفة باليد ممكن أن يقبلوا، وأما الذين شربوا من النهر واغترفوا غرفاً كثيراً فهؤلاء لا مكان لهم في جند طالوت. وهذه تقاس على الدنيا، فالدنيا مثل النهر الذي اعترض بني إسرائيل، فمن شرب منه بالكلية لا مكان له في الآخرة، ومن أخذ شيئاً بالمقدار الذي يبلغه إلى الله سيصل للآخرة، ومن لم يشرب منه أبداً سيصل، لكن الأوسط أفضل؛ لأنه هدي الأنبياء.

стр. 58

حكايتان في الابتلاء والافتتان بالدنيا يقولون في الأمثال الدارجة: إن رجلاً فقيراً رأى امرأة حسناء، فقال لها: أريد أن أتزوجك، فوافقت، وهو غير مصدق أنها ستقبله، فأخذها إلى المأذون ففتن بها المأذون فعرض عليها نفسه، فأقبلت عليه وتركت الفقير. فذهب الفقير فاشتكى المأذون إلى القاضي، فلما أحضر الثلاثة فتن القاضي بها أعظم من فتنة المأذون، فطلبها لنفسه، فذهب المأذون والفقير يشكوان القاضي إلى الوالي، فقال الوالي: أين هذا القاضي الذي يراد به الخير فيجبل الناس على الشر؟ فلما رآها الأمير ازداد بها فتنة وطلبها لنفسه. فذهبوا إلى العامة حتى يستعينوا بهم على الأمير، فكل رجل من العامة أخذ يطلبها لنفسه، ففرت من أمامهم وهي تقول: أنا الدنيا؛ الكل يطلبني ولست مكتوبة لأحد! إن هذه هي الدنيا لا يوجد أحد إلا ويتعلق بها، وهي تفر من الجميع، فكلما أتعبت نفسك وراءها ابتعدت، وإن تركتها ستأتيك وهي راغمة، وإن جريت وراءها فلن تنال منها إلا ما كتب لك. كان رجل من الصالحين مسافراً على ناقة فيها خطام، فأدركته الصلاة وقد خرج الناس، فأراد أن يصلي في مسجد لكنه خاف على الناقة، فنادى غلاماً وقال له: اقبض لي الناقة حتى أصلي ركعتين وأعود، فدخل يصلي، فأخذ الغلام الخطام وشرد به، فخرج الرجل ووجد الناقة ولم يجد الخطام ولم يجد الغلام، فعرف أنه سرقه، وقبل أن يخرج الرجل من المسجد أخرج دينارين، ليكافئ بهما ذلك الغلام، فلما وجد الناقة بدون خطام رد الدينارين في جيبه، وذهب إلى السوق ليشتري خطاماً، فوجد نفس الخطام عند أحد الباعة واشتراه بدينارين وأخذ الخطام، فقال الرجل: لا إله إلا الله، سبحان الله، والله أكبر، يأبى ابن آدم إلا أن يستعجل الرزق. قال: لو صبر لأخذ الدينارين حلالاً، لكنه استعجل وأخذهما حراماً، وهذا هو سوء الظن برب العالمين ﷻ .

стр. 59

تكملة قصة جالوت كان جيش طالوت (٨٠٠٠٠) فما بقي أحد لم يشرب إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وهؤلاء هم عدد أصحاب محمد ﷺ في يوم بدر. أقبلوا على جالوت وجنوده، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ [البقرة:٢٥٠]، ولما نجحوا في اختبار النهر كان حرياً بهم أن ينجحوا في اختبار جالوت؛ لأن اختبار النهر مقدمة لما قبله. كان في الجيش رجل يقال له: أبشي والد داود ﵇ وعنده عشرة من الولد، جاء بسبعة منهم إلى المعركة، أصغرهم داود ﵊، وكان معه المقلاع، والمقلاع مثل الجلد، طويل، يوضع فيه حجر يرمى به. يقال في بعض الروايات -ولا أجزم-: كان داود وهو ذاهب إلى المعركة يناديه الحجر يقول: خذني يا داود تقتل بي عدو الله، فرد الحجر الأول، ورد الحجر الثاني، وأخذ الحجر الثالث أو الرابع معه، فلما أخذه معه برز جالوت كالعادة، وفر الناس منه، واستأذن داود طالوت فلم يأذن له لقصر قامته وصغر سنه، ثم أذن له بعد إلحاحه، فضرب داود جالوت بمقلاعه فقتله، قال الله في محكم التنزيل: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ [البقرة:٢٥١]، وقد سبق أن أسباط بني إسرائيل انقسموا فسبط كان لهم الملك وسبط كان لهم النبوة، وإكراماً من الله لداود جمع الله جل وعلا له ما فرقه في السبطين، قال الله جل وعلا: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٥١]، فجمع الله لداود الملك والنبوة ﵊. من هنا نعلم أن طالوت وجالوت علمان أحدهما لمؤمن وهو طالوت والآخر لكافر وهو جالوت.

стр. 60

أول ملك في الإسلام أول ملوك المسلمين هو معاوية، قيل للإمام أحمد ﵀: أكان معاوية خليفة؟ قال: لا، إنما كان ملكاً من ملوك المسلمين، وقد اتفق الناس على أن معاوية رضي الله تعالى عنه هو أول ملوك المسلمين. وهكذا الأمور تجري بقدر الله، فأمه هند بنت عتبة مكثت مدة تحارب الدين ثم هداها الله للإسلام، وقبل أبي سفيان والد معاوية كانت متزوجة من رجل يقال له: الفاكه بن المغيرة، وكان الفاكه بن المغيرة كريماً، فكان يضع خباء بجوار بيته يدخله الناس من غير استئذان، فذات يوم كان الفاكه مع هند زوجته ثم قام لبعض شأنه، فجاء ضيف ودخل المجلس ولم يجد الفاكه فرأى هنداً دون أن تراه وفر هارباً. فقابله الفاكه وهو عائد، فظن أنه كان على علاقة مع زوجته هند بنت عتبة، فدخل عليها فضربها وسألها عن الرجل وهي تحلف أنها لم تر شيئاً، وشاع هذا في مكة قبل الإسلام، وفي مجتمع جاهلي كان يحرص على الشهامة والعرض، فأخذها أبوها عتبة لوحدها وقال لها: يا بنيتي إن كان ما قاله الفاكه حقاً فأخبريني وسوف أدس له من يقتله فينتهي الموضوع، وإن كان كاذباً في دعواه فأخبريني فأنا أحتكم إلى كهان العرب، فقالت: فحلفت له بما كانوا يحلفون به من أصنام الجاهلية أنه ما حصل شيء، فصدقها أبوها، فلما صدقها ذهب إلى الفاكه وقال له: إنك رميت ابنتي بأمر سوء، فلنحتكم أنا وأنت إلى أحد كهان العرب، فوفد الفاكه من بني مخزوم، وعتبة بن أبي ربيعة من بني عبد مناف، وأخذت هند معها نسوة يسلينها في الطريق حتى وصلوا إلى أحد كهان اليمن، وقبل أن يصلوا إلى الكاهن تغير وجه هند، فخاف أبوها أن تكون قد تراجعت فسألها فقالت: يا أبتاه والله إن الأمر كما أخبرتك لكننا نفد على رجل يكذب أو يصدق، فاختبر أبو سفيان الكاهن قبل أن يعرض عليه القضية، فنجح في الاختبار، بعد ذلك عرضت عليه النساء وفيهن هند فكان هذا الكاهن يمشي يضرب النساء حتى وصل إلى هند فقال: انهضي لا رسحاء ولا زانية ولتلدن ملكاً يقال له: معاوية، ففرح الفاكه وتشبث بها فرمته من يدها وقالت: والله لن يكون منك، يعني: الولد، فلما رجعوا إلى مكة تزوجها أبو سفيان بن حرب فبقيت في نفسها مقولة الكاهن فولدت معاوية، وكان أبوه أبو سفيان يقول: إن ابني هذا سيصبح ملكاً، فتقول هند: ثكلته إن لم يملك العرب والعجم، فحكم معاوية حتى ملك العرب والعجم، وعمِّر ﵁ وأرضاه حتى بلغ من العمر ٧٧ سنة، حتى كان آخر أيامه يخطب قاعداً؛ لأنه كثر لحمه واشتهر بحلمه. جاء أحد ملوك العرب إلى المدينة وأسلم عند النبي ﷺ ، وكان النبي ﵊ يعامل الناس على قدر منازلهم خاصة حديثي العهد بالإسلام، وكان هذا الملك زعيماً في قبيلته، قال النبي ﵊ لـ معاوية: خذه إلى بيت فلان! يعني: يستريح في بيت فلان! ومعاوية في تلك الأيام كان من المسلمين المتأخرين ولم يكن له صيت، فلما دخل معاوية، قال للرجل: أردفني وكان الجو حاراً، قال: أنت من أرداف الملوك؟ قال: لا، قال: ابق مكانك، قال معاوية: أعطني نعلاً، فقال على أنفة العرب: لا أعطيك، يكفيك أن تستظل بظل الناقة، قال: اجعل وطاءك على الظل ولا حاجة للنعال، يقول معاوية: أخذته وأنا حافي القدمين، والشمس حارة حتى أوصلته كما أراد النبي ﷺ . ومرت الأيام حتى حكم معاوية ودخل هذا الرجل على أنه أحد الرعية على معاوية، فأكرمه معاوية وأعطاه، وكان معاوية حليماً. موضع الشاهد: أن الإنسان لا يدري أين يضع الله جل وعلا أمره في الخلق. والمقصود: أن طالوت وجالوت علمان من أعلام القرآن أحدهما لأحد المؤمنين وهو طالوت، والآخر لأحد الكفار وهو جالوت.

стр. 61

أبو لهب العلم الثالث: أبو لهب، وهو الوحيد الذي كني في القرآن، قال السيوطي في الإتقان: لا يوجد أحد ذكر بكنيته في القرآن إلا أبو لهب، وهو أحد أعمام النبي ﷺ . وهنا نذكر فوائد متعددة قبل أن نشرع في الكلام عن أبي لهب. النبي ﵊ كان له عشرة أعمام وعدة عمات، واختلف الناس في ضبطهن فقيل: أربع وقيل غيرها. من العمات: صفية وهي أم الزبير بن العوام، ومن عمات النبي ﷺ عاتكة وهي التي مر معنا في يوم الفرقان أنها رأت الرؤيا، وعاتكة اسم تكرر كثيراً في نسب النبي ﷺ ، وقلنا: إن تسعاً من النساء يدلين في النسب الشريف اسمهن عاتكة، منهن ثلاث من قبيلة سليم، الذين هم من أجداد النبي ﷺ وجداته، ولهذا قال ﷺ يوم حنين مفتخراً: (أنا ابن العواتك من سليم)، عواتك: جمع عاتكة. وله عمة يقال لها: أروى، ولكن اختلف هل ثبتت أم لم تثبت، فلا يوجد كثير أخبار عن عماته. أما أعمامه فعشرة، أدرك الإسلام منهم أربعة: العباس، وأبو طالب، وحمزة، وأبو لهب، أسلم حمزة والعباس، وكنية حمزة: أبو عمارة، وكنية العباس: أبو الفضل، وعبد العزى كنيته: أبو لهب واسمه: عبد العزى، وإنما لقب بـ أبي لهب؛ لأنه كان جميلاً جداً، وكانت وجنتاه تشرقان كاللهب. والرابع أبو طالب واسمه: عبد مناف، وأبو طالب، وأبو لهب كلاهما لم يسلما إلا أن أبا طالب كان ينصر النبي ﷺ ويقول: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا ونصرته للنبي ﷺ ظاهرة، إلا أنه مات على الكفر، وبعض الناس في عصرنا يجعل من قضية موت أبي طالب فرصة للقدح في الناس، فيقول: إن أبا طالب مات على الإسلام، وإن قلنا: إنه يوجد من العلماء من قال بذلك. لكن هذا يقول: إن الذين لا يقولون بأن أبا طالب مات على الإسلام يبغضون النبي ﷺ ، وهذه تهمة عظيمة للناس، فلا يوجد مؤمن يبغض النبي ﷺ ، حيث لا يجتمع إيمان مع بغض النبي صلوات الله وسلامه عليه، لكن نقول: إن النصوص التي بين أيدينا تدل على أن أبا طالب مات على الكفر، وهذا أمر ظاهر، ونحن لسنا أرحم برسول الله من الله جل وعلا الذي اختار أن يموت أبو طالب على الكفر. لما أنزل الله جل وعلا على نبيه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤]، وقف ﷺ على الصفا فنادى في قريش: يا صباحاه، ثم بين لهم ما أنذر به، وكان المفترض أن يكون عمه أبو لهب أول الناس نصرة له، أو على الأقل يسكت كما سكت أبو طالب، لكنه قال له -والناس حاضرون-: تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا، وانصرف، فتفرق الناس مع أبي لهب، وكانت له زوجه يقال لها: أم جميل تؤذي النبي ﷺ فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]، تبت بمعنى: خابت، وخسرت، وهلكت. وهذه الآيات من أعظم إعجاز القرآن؛ لأن الله أخبر فيها أن أبا لهب سيكون مصيره إلى النار، ومع ذلك لم يسلم أبو لهب لا ظاهراً ولا باطناً، ولم يستطع أن يقول ولو كذباً: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ومات شر موتة. كانت لـ أبي لهب جارية اسمها: ثويبة، ولما ولد النبي ﷺ جاءته ثويبة تخبره أن آمنة زوجة أخيه عبد الله ولدت غلاماً، ففرح أبو لهب وأعتقها، فلما مات رآه العباس بن عبد المطلب في المنام فسأله: ما فعل الله بك؟ قال: لم أر بعدكم إلا شراً، إلا أنه في كل يوم اثنين يخفف عني بأنني أسقى من هذا الموضع مابين الإبهام والسبابه؛ لأني أعتقت ثويبة جاريتي لما بشرتني بمولد محمد ﷺ . فانظر كرامة رسول الله ﷺ عند ربه، فإن الله أمر أن يخاطب صنوف المدعوين، قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ [الأنعام:١٥]، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ [يونس:١٠٤]، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ [الزمر:٥٣]، لكن الله جل وعلا يعلم نبيه الأدب فما قال الله لنبيه: قل يا أبا لهب، بل خاطب أبا لهب مباشرة ونحى نبيه جانباً؛ حتى لا يقال: إن محمداً يسيء الأدب مع عمه؛ لأن العم صنو الأب وحق الأب عظيم، ولهذا فإن من كرامة الله لنبيه أن أباه مات وهو صغير؛ حتى لا يبقى لأحد حق عليه ﷺ ، ولو قدر أن والديه عاشا كافرين فإنه يبقى لهما حق كما كان حق والد إبراهيم على إبراهيم، لكنه ﷺ عاش يتيم الأبوين؛ حتى لا يبقى لأحد عليه فضل، اللهم إلا عمه العباس، وكان النبي ﷺ يعظم العباس ويجله، وورث أبو بكر وعمر عن النبي ﷺ تعظيمه لعمه العباس، وكان عمر ﵁ يستسقي بـ العباس عم النبي ﷺ ، وإذا دخل فرش له بجواره وأجلسه؛ لأنه عم النبي ﷺ . موضع الشاهد قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]، حيث تكفل الله بالجواب والرد على أبي لهب ولم يكن للنبي ﷺ وسيله في الخطاب. إن أبا لهب لما نازع الله وحاربه قال الله جل وعلا له ذلك، ولم تنفعه قرابته من رسول الله ﷺ ، وعلى هذا ينبغي أن يُعلم أن الله جل وعلا عزيز فلا ينبغي لأحد أن يقع في قلبه السخرية من آيات الله أو رسله، أو يحاول أن ينازع الله جل وعلا في شيء. كان هناك رجل اسمه: محمد بن زكريا الرازي الطبيب تلي عليه قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك:٣٠]، فقال: تأتي به الفؤوس والمعاول. فأذهب الله جل وعلا في ساعته ماء عينيه، فبقي حياته كلها أعمى. فالله جل وعلا يقول في ذاته العلية: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ [إبراهيم:٤٧]. والمؤمن الحق يراقب الله جل وعلا في كل شيء حتى لو وقعت منه المعصية -ولا يسلم من المعاصي أحد- فلتقع منه وهو منكسر خائف، يخشى الله ويخشى عذابه، هذا هو المؤمن، وقد شبهه النبي ﷺ بالفرس المعقود في مكان ما، فمهما ذهب يعود إلى نفس مربطه والمكان الذي فيه حبله. أما منازعة الله فهي عين الوبال ومحل السفال، قيل للإمام أحمد ﵀: أطلبت هذا العلم لله؟ قال: الله عزيز، لا أستطيع أن أقول هذا، إنما أقول: هو شيء حببه الله إلي فصنعته. ولم يقل: إنني طلبت هذا العلم لله. هذه فائدة من هذه القصة، وهي أن الإنسان يراقب الله جلا وعلا، ولا يتكل على شيء من أمور الدنيا.

стр. 62

مكة المكرمة قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٦]، بكة بمعنى: مكة، وهي علم على مكان كما هو معلوم. ذكر الله جل وعلا في القرآن المدينة وسيأتي الخبر عنها، وذكر مكة بالباء، وبعض العلماء يقول: جرت لغة العرب أن الباء تحل بدل من الميم، يقولون: طين لازب بالباء ويقولون: طين لازم بالميم، وقال بعض العلماء: إن بكة اسم للموضع الذي فيه البيت، وقال آخرون: بكة اسم للمسجد، والصحيح إن شاء الله أن بكة اسم لمكة كلها.

стр. 63

خصائص مكة المكرمة ومن خصائصها: أن الله جل وعلا حرمها يوم خلق السموات والأرض، وهذا من أعظم دلائل اصطفاء الله لتلك البقعة، قال ﷺ : (إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض)، ولم يحلها جل وعلا لأحد من الخلق إلا لنبيه ﷺ ساعة من نهار، وذلك في يوم الفتح، ولما انتهى الفتح ردها الله جل وعلا حراماً. ولهذا قال ﷺ : (فمن أخبركم أن النبي قاتل فيها فأخبروه أن الله أحلها لنبيه ساعة من نهار). الأمر الثاني: حرمها رسول الله ﷺ في خبره عن الله أنه لا يعضد شوكها ولا ينفر صيدها ولا تأخذ لقطتها إلا لمعرف، فالإنسان إذا رأى أي شيئاً في مكة يتركه على ما هو عليه. من عظمتها عند الله أن الله جل وعلا أنه لم يبحها لأي أحد من الجبابرة عبر التاريخ كله، ولذلك حبس عنها الفيل. ورأى النبي ﷺ كرامة الله له فقال: (إن الله حبس الفيل على مكة وسلط عليها محمداً وأصحابه)، ولما بركت القصواء وقال الصحابة: خلأت القصواء قال ﷺ : (والله ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل). وأهل الفيل قدموا بالفيل يريدون مكة، وهم أبرهة وجيشه، وكانوا نصارى أهل كتاب، وكان القرشيون وثنيين، ومع ذلك نصر الله الوثنيين على أهل الكتاب لكرامة مكة، وإلا فالأصل أن أهل الكتاب أقرب إلى الملة من الوثنيين، كما في آية: ﴿آلم * غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم:١ - ٢]، لكن الله جل وعلا حبس الفيل عن مكة، فأينما يوجه يتوجه إلا إلى الكعبة فلا يستطيع، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل:١ - ٢]، وكلمة ضل في اللغة تأتي على ثلاث معان: تأتي ضد الهداية العامة التي هي هداية الإيمان، وهذا أكثر استعمال القرآن، ومنه قول الله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]، وتأتي بمعنى: عدم إصابة هدف محدد، ومنه قول أبناء يعقوب عن أبيهم: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف:٨]، لا يقصدون أن أباهم كان كافراً؛ لأنهم لو قالوا هذا لكفروا، لكنهم يقصدون أن أباهم ما أصاب الصواب في حبه ليوسف. وتأتي بمعنى: اضمحل وأصبح هباء، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل:٢]، وقوله سبحانه: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة:١٠]، أي: إذا ذبنا واضمحللنا في الأرض وذهبنا هباء منثورا هل سنعاد؟ المقصود: أن الله سلط عليهم الطير، وقد قلنا في درس سابق: إن الأصل في الطير أنه مصدر أمان فلا يوجد أحد يخوف بالطير، فلما أرادوا هدم أعظم مكان آمن وهو الكعبة سلط الله عليهم الخوف من حيث لا يحتسبون، فأظلتهم الطير وهم يعتقدون أنهم في أمن، إذ ليست ريحاً يخوفون بها، ولا كواسر وسباع ضواري تأكلهم، فلما اطمئوا بعث الله جل وعلا عليهم حجارة من سجيل. جعل الله جل وعلا في مكة بيته الحرام وهو أول بيت وضع للناس، ولا يوجد في الشرع بيت يطاف حوله إلا البيت العتيق، وسمي بالعتيق لأن الله جل وعلا أعتقه من الجبابرة أن يصلوا إليه. أخبر ﷺ أن هذا البيت لا يسلط عليه كافر إلى قيام الساعة، ولهذا فإن الحملات الصليبية دخلت بيت المقدس ووصلت إلى أطراف الجزيرة واقتحمت الشام مع فضل الشام وما جاء فيه، لكن لم تستطع أي حملة صليبية أن تصل إلى مكة، ولن تستطيع إلى قيام الساعة؛ لأن مكة بيضة الإسلام، والنبي ﷺ أخذ عهداً من ربه ألا يسلط على المسلمين من يستبيح بيضتهم فأعطاه الله جل وعلا هذا العهد، فلو جلبت أمم الأرض من أقطارها على أن يدخلوها فلن يستطيعوا أن يدخلوها إلى أن يؤذن بقيام الساعة فيأتيها ذو السويقتين من أرض الحبشة يهدمها ويقلعها حجراً حجراً، ويستخرج كنوزها أي: الكعبة. وبعد ذلك لا يطاف بالبيت، ولا يبقى على الأرض مسلم، ثم على هؤلاء وهم شرار الخلق تقوم الساعة. جعل الله جل وعلا في مكة بيته، وجعل شعائر عظمى منها المشعر الحرام، ومنى، والصفا، والمروة، ومقام إبراهيم كما قال الله: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧]. منع الله شرعاً أن يدخلها الكفار، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨]، فلا يحل لأحد أن يدخل رجلاً مشركاً أياً كان -كتابياً أو غيره- إلى مكة، بخلاف المدينة فلا يوجد دليل شرعي على أن الكفار يمنعون من دخولها، لكن هذا رأي رآه ولاة الأمر وفقهم الله، وهو ألا يدخلها أحد غير المسلمين، والأمر إليهم، وإلا فلا يوجد مانع شرعي يمنع دخول أهل الكفر إلى المدينة؛ لأن أبا لؤلؤة المجوسي كان عابد نار وقتل عمر ﵁ وكان يعمل حداداً داخل المدينة، وعمر ﵁ لما بلغه أنا أبا لؤلؤة هو الذي قتله كان يعرف أنه مجوسي فقال: الحمد لله الذي لم يجعل موتي على يد مسلم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨]. جعل الله من خصائصها: أن الصلاة في مسجدها بمائة ألف صلاة ولا يوجد هذا إلا في المسجد الحرام، وجمهور العلماء على أن الصلاة في أي موطن في مكة بمائة ألف صلاة حتى في البيوت لأهل الأعذار، وأما المدينة فالصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة فقط، وذلك دون الصلاة في أي مكان خارج المسجد، فخارج المسجد لا تحسب الصلاة بألف صلاة، واختلف الناس في ساحات المسجد الموجود الآن، والصواب أن الصلاة في ساحات المسجد بألف؛ لأن الفقهاء من الحنابلة يقولون: إن رحبة المسجد -أي: المحيطة به- لا تخلو من أحد حالين: إما أن تكون مسورة ولها أبواب فتلحق حكماً بالمسجد، وإن لم تكن مسورة وليس لها أبواب فلا تلحق بالمسجد. والساحات التي حول الحرم النبوي مسورة ولها أبواب، فالصواب أنها تلحق حكماً بالمسجد، لكن من أتى إليها فليدخل المسجد، فإذا ازدحمت صلى في الساحات كما يصلي الناس التراويح والأعياد في الساحات. أما السيئة فالمشهور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن السيئة في مكة بمائة ألف، لكن أكثر أهل العلم على خلاف هذا؛ لأن الله قال في آيات محكمات: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، فلا يرد محكم القرآن برأي ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، لكن السيئة فيها التغليظ كيفاً لا كماً، أي: لا يكثر عددها، لكن قد تغلظ كيفاً كما أخبر النبي ﷺ أن الزنا بحليلة الجار أعظم من الزنا بامرأة أخرى، وإن كان الكل حراماً. المقصود من هذا: أن مكة بلد الله الحرام الذي عظمه الله جل وعلا يوم خلق السموات والأرض. هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده، والله المستعان وعليه البلاغ وصلى الله على محمد وعلى آله.