← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37747

أعلام القرآن

صالح المغامسي

Полный текст (63 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

سلسلة أعلام القرآن [جبريل، الكوثر، عزير، الفرقان] ذكر الله في كتابه الكريم أعلاماً لنا في كل علم منهم عبرة وعظة، ومنهم جبريل أمين وحي الله، والكوثر الحوض المورود، وعزير الرجل الصالح، ويوم الفرقان يوم أن فرق الله بين الحق والباطل

стр. 2

تعريف عام بما ورد في القرآن من الأعلام إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين وإله الآخرين، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، فجعله غثاءً أحوى. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن هذه دروس ستخصص إن شاء الله جل وعلا للحديث عن أعلام القرآن. والعلم: هو أحد أنواع المعارف الست وأظهرها وأشهرها. وينقسم إلى ثلاثة أقسام: اسم، ولقب، وكنية، وبكلٍ جاء القرآن، وهذا الكتاب الذي بين أيدينا -كلام الله جل وعلا- ضمنه الله جل وعلا أعلاماً ذكرها في ثنايا هذا الكتاب العظيم، إما مدحاً، وإما ذماً، إما بأسمائها، وإما بألقابها، وإما بكناها. وقبل أن نشرع في البيان نقول: من المعلوم أن الرب ﵎ قال على لسان ملائكته: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم:٦٤ - ٦٥]. ثم قال جل شأنه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]. أي: لا أحد مثله ﷻ ، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. ولا يطلق لفظ الجلالة على أحد من الخلق، ولم يتسم أحد من الخلق بلفظ الجلالة، قال فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، ولم يقل: أنا الله. فلفظ الجلالة (الله) لم تطلق إلا على الرب ، لا رب غيره، ولا إله سواه، ولهذا فلن نعرج في دروسنا هذه على التعريف بالرب ﵎؛ لأمور: أولها: ما من الله به على المسلمين من العلم به جل وعلا، وإن كان هذا لا يغني؛ فإن معرفة الله من أعظم ما يقرب إليه، لكن نمط الدرس لا يتكلم عن الله ﷻ ، ولا يتكلم عن الأنبياء والمرسلين، رغم أنهم أعلام صالحون، عليهم الصلاة والسلام، فنبينا محمد وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح وإخوانهم جميعاً من النبيين والمرسلين، لن نتحدث عنهم في حديثنا عن أعلام القرآن؛ لأن الحديث عن الله سندرسه عن طريق المتون العقدية. والحديث عن أنبياء الله ورسله سندرسه عن طريق السيرة، أو قصص المرسلين، وإنما سنعرج على أعلام غير الأنبياء والمرسلين. فنقول: إن القرآن العظيم تضمن أعلاماً لأقوامٍ صالحين مثل: لقمان، وعزير، وذو القرنين، كأمثلة. وتضمن أعلاماً لأقوامٍ فاسقين، مثل: قارون، وهامان، وفرعون، على القول: أن الفرعون اسم. وتضمن أعلاماً لأمكنة: كالمدينة، وعرفات، وبكة، والبيت العتيق، والمشعر الحرام. وتضمن أعلاماً على أزمنة، قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة:١٨٥]، فرمضان علم على شهر، وعلى زمان مخصوص. وتضمن أعلاماً على أصنام، قال جل ذكره: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠]. فاللات والعزى ومناة أعلام على أصنام. وتضمن أعلاماً على معارك، قال الله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال:٤١]، وقال جل ذكره: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ [التوبة:٢٥]. فهذه بعض أنواع الأعلام في القرآن العظيم، والتي سوف نتحدث عنها إن شاء الله.

стр. 3

من أعلام القرآن جبريل ﵇

стр. 4

ذكر جبريل في القرآن باسمه ووصفه ذكر الله جل وعلا جبريل في القرآن باسمه، وذكره بوصفه: ذكره الله باسمه فقال جل ذكره في سورة البقرة: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٧ - ٩٨]. وذكره الله جل وعلا في سورة التحريم ذكراً مشرفاً؛ لأنه ذكره ذكراً خاصاً وعاماً، قال الله جل وعلا: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم:٤]. ومعلوم أن جبريل يدخل في قول الله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم:٤]، لكن الله جل شأنه خصه بالذكر لشرفه ﵇. وهذا الملك الكريم كما ذكره الله باسمه ذكره بوصفه فوصفه بأنه أمين غير ذي تهمة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير:٢٤]. أي: بمتهم. وقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٥]. وأضافه الله إلى ذاته العلية إضافة تشريف، قال جل شأنه: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم:١٧] أي: جبريل. ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم:١٧]. وهو ﵇ أحد الملائكة، والملائكة خلق كثير لا يعلم عددهم إلا الله، قال الله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١] فيدخل فيها الملائكة وغير الملائكة؛ لأن كل ذلك جند لله، لكنهم يأتون في المقدمة.

стр. 5

جبريل سيد الملائكة جبريل سيد الملائكة فيما يدل عليه ظاهر الكتاب والسنة، وإنما قلنا: إن جبريل سيد الملائكة لأدلة من أعظمها: أن الله جل وعلا أوكل إليه أعظم الأمور، ألا وهي حياة القلوب، وحياة القلوب لا تكون إلا بالوحي الذي ينزل من السماء، والله أوكل إلى هذا الملك الكريم أن ينزل بالوحي من السماء على أنبيائه ورسله، فهو الذي نزل بالقرآن على نبينا ﷺ ، ونزل على غيره من الأنبياء والمرسلين من قبل بالوحي. ويدل عليه أنه ورد في حديث صحيح: (أن الله إذا أراد أن يتكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة شديدة، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل)، فهذا دليل على فضله وتقدمه وسيادته ﵇. وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل: إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يكتب له القبول في الأرض). فهذان الأثران فيهما دلالة على فضله وتقدمه على غيره من الملائكة، وإن كنا لا نقطع بهذا؛ لعدم وجود النص الصريح الفاصل في الأمر، لكن نقول بتعبير دقيق: هذا ظاهر كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .

стр. 6

علاقة جبريل الأمين بالرسول الكريم لجبريل ﵇ علاقة وطيدة بنبينا ﷺ ، تتمثل هذه العلاقة في أمور: أولها: أنه هو الذي نزل بالوحي عليه أول الأمر في غار حراء، وكان يدارس النبي ﵊ القرآن في كل عام مرة، ودارسه في العام الذي توفي فيه ﵊ مرتين إيذاناً وإشعاراً بدنو الأجل وقرب الرحيل. كما أنه علم النبي ﷺ الوضوء، وعلمه الصلاة، وصلى به إماماً عند الكعبة، في ظهيرة اليوم الذي حدثت في ليلته السابقة رحلة الإسراء والمعراج، فصلاة الظهر أول صلاة صلاها النبي ﷺ كفريضة مقررة، وكان قبلها يصلي ركعتين قبل طلوع الشمس، وركعتين قبل غروبها. ولما طلبت قريش من النبي ﵊ -وهو يخبرهم برحلة الإسراء- أن يصف لهم بيت المقدس رفعه جبريل فأخذ النبي ﵊ ينظر إلى بيت المقدس، ويصفه لقريش، ولما سئل صلوات الله وسلامه عليه: ما أحب الأماكن إلى الله؟ قال: المساجد. فلما سئل: ما أبغضها إلى الله؟ توقف، فأخبره جبريل: إنها الأسواق، فأخبر ﷺ أنها الأسواق. ذكر ﵊ الشهداء، وأخبر أن الشهيد يغفر له كل شيء، ثم قال مستدركاً: (إلا الدين؛ أخبرني به جبريل آنفاً) لأن جبريل الواسطة بين الله ورسوله ﷺ . كما كان جبريل مع النبي ﵊ في يوم بدر، وسيأتي هذا إن شاء الله تعالى في حديثنا عن يوم الفرقان. كما أنه كان مع النبي ﵊ رفيقاً في رحلة المعراج، فكان يسأل: من معك؟ فيقول: محمد، وأحياناً يسأل النبي ﵊ جبريل وهو يجيب، ولما مروا على تلك الريح الطيبة، قال له ﵊: (ما هذه الريح الطيبة يا جبريل؟ قال: هذه ريح ماشطة ابنة فرعون)، فالسائل نبينا ﷺ ، والمجيب جبريل ﵇.

стр. 7

جبريل يعلم الصحابة أمور دينهم أوكل الله جل وعلا إلى جبريل تعليم الصحابة، كما هو معلوم من حديث عمر ﵁، وهو في صحيح مسلم: (أنه قدم رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد)، والحديث معروف مشهور، فلما ذهب قال النبي ﷺ لـ عمر: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم). فهذا من حرصه ﵇ أن يعلم الناس ما ينفعهم في أمر دينهم عن طريق الأسئلة التي يعرف جوابها، فكان جبريل كلما أجابه النبي ﵊ يقول: صدقت. يقول الصحابة: فعجبنا له يسأله ويصدقه، أي: كأنه يعرف الإجابة من قبل!

стр. 8

جبريل عند شعراء الإسلام هذا هو جبريل على وجه الإجمال. وجاء في تأريخنا الإسلامي الحديث أن الله جل وعلا نصر نبيه ﵊ بالأنصار والمهاجرين، وهؤلاء الكرام من قبل ذادوا عن الدين بسنانهم ولسانهم، فكان منهم شعراء، ومن أبرزهم حسان، وكعب بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فـ حسان ذكر جبريل في شعره قال في همزيته: عفت ذات الأصابع فالجواء إلى عذراء منزلها خلاء إلى أن قال: عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء ينازعن الأعنة مصغيات على أكتافها الأسل الظماء فإما تعرضوا عنا اعتمرنا وكان الفتح وانكشف الغطاء إلى أن قال: وجبريل أمين الله فينا وروح القدس ليس له كفاء يفتخر بأن جبريل ﵇ مع النبي ﵊ وأصحابه في حروبهم. وكنت قبل قد نسبت البيت الذي سيأتي إلى حسان وهو قول كعب ﵁: وببئر بدرٍ إذ يرد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد وهو أفخر بيت قالته العرب؛ لحقيقته ولصياغته الفنية. هذا ما يمكن أن يقال عن جبريل من حيث التعريف.

стр. 9

حكم الإيمان بجبريل ما سبق كان تعريفاً متعلقاً بجبريل، أما من حيث ما يتعلق بنا قلبياً؛ فإن الإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان، والإيمان بالملائكة الكرام يتمثل بالإيمان بهم جملة؛ أي: بوجودهم ومحبتهم وموالاتهم، وذكر ثناء الله جل وعلا عليهم، وبالإيمان بمن ذكرهم الله جل وعلا تفصيلاً، وفي مقدمتهم جبريل، وميكال، ومالك، وهاروت، وماروت، وإسرافيل، ورضوان إن صحت الأحاديث فيه، وغيرهم ممن سمى الله أو سمى رسوله ﷺ . فالإيمان بالملائكة الكرام هو الركن الثاني من أركان الإيمان الذي يجب على المؤمن أن يعتقده. ومحبة من يحبه الله ورسوله من أعظم براهين الإيمان ودلائل التقوى، وقد ضربنا لهذا أمثلة كثيرة في دروس عدة، لا حاجة لتكرارها؛ لأن حديثنا عن أعلام القرآن إنما هو حديث تعريفي، فهذا هو جبريل ﵇.

стр. 10

التعريف بالكوثر العلم الثاني: الكوثر. الكوثر ذكره الله في القرآن مرة واحدة في سورة سميت باسمه، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١]. واختلف العلماء فيما هو الكوثر على ستة عشر قولاً يثبت منها اثنان؛ لأن أقوال العلماء لا تعارض قول النبي ﷺ ، وإن كان ما قالوه يدخل فيما أعطاه الله النبي من الخير، لكن الكوثر إنما هو نهر في الجنة أعطاه الله لنبينا ﷺ . روى الإمام البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب التفسير: أن النبي ﷺ قال كما في حديث أنس: (دخلت الجنة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ فضربت فيه لأرى أين مجرى الماء، فإذا هو مسك أذفر قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله). فهذا نص في موضع الخلاف، فلا ينبغي الانصراف إلى غيره. ويؤيده ما رواه الإمام مسلم في الصحيح: (أن النبي ﷺ قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] حتى ختمها، ثم قال لأصحابه: أتدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: نهر في الجنة وعدنيه ربي، فيه خير كثير، وهو حوض ترده أمتي).

стр. 11

العلاقة بين الحوض والكوثر وقد تكلم العلماء في قضية: هل الكوثر نهر في الجنة أو هو الحوض الذي ترد إليه هذه الأمة يوم القيامة؟ والإمام البخاري ﵀ ذكر الحديث أولاً في كتاب التفسير عند قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١]، ثم ذكره مرة أخرى مردفاً بأحاديث أخر في كتاب الرقاق من نفس الصحيح. وقد تكلم الحافظ ابن حجر أفضل من شرح الصحيح عن الكوثر كنهر في كتاب التفسير، وأرجأ الحديث عن التفصيل إلى كتاب الرقاق. وجملة ما دل عليه الخبر أن أصل النهر في الجنة، ثم له ميزابان يصب بهما في الحوض الذي هو خارج الجنة، فيصبح هذا الحوض الذي هو حوض نبينا ﷺ أصل مائه من الكوثر الذي هو نهر في الجنة. وبهذا يجتمع حديث: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله، وحديث: وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة.

стр. 12

الرد على منكري الحوض الناس يحشرون يوم القيامة عطشى أحوج ما يكونون إلى الماء، والورود إلى الحوض من أعظم ما يؤمله ويتمناه عباد الله الصالحين، سقانا الله منه. وأهل السنة يؤمنون بالكوثر ويثبتونه، وأنكرت طائفة من الخوارج ومن المعتزلة وجود الحوض، وكان عبيد الله بن زياد الأمير الأموي المعروف ينكر وجود الحوض ويرده، فكان الصحابة ﵃ وأرضاهم يخبرونه بما سمعوا من النبي ﷺ أن لنبي الله ﵇ حوضاً، حتى إنه سأل أبا برزة الأسلمي ﵁: هل سمعت النبي ﷺ يذكر الحوض؟ فقال أبو برزة ﵁ وأرضاه: ما سمعته مرة، ولا مرتين، ولا ثلاثاً، ولا أربعاً، ولا خمساً، بل سمعته أكثر من ذلك، لا سقى الله من كذب به. يريد أن يخوف عبيد الله بن زياد. ثم أخبره ابن عمر وبعض الصحابة في هذا، وورد أنه قال: أشهد أن الحوض حق. وسواءً أقر عبيد الله بن زياد أو لم يقر، فالحوض ثابت لا شك فيه. ودخل أنس ﵁ وأرضاه على عبيد الله بن زياد ومعه أصحابه وخلطاؤه وهم يتمارون في الحوض كأنهم ينكرونه، فقال أنس ﵁ وأرضاه: والله! ما ظننت أنني سأعيش إلى يوم أسمع فيه من يتمارون في الحوض، ولقد تركت في المدينة خلفي عجائز ما صلين صلاة إلا سألن الله فيها أن يسقيهن من حوض نبيهن. قال الإمام القرطبي ﵀: والحوض أركانه أربعة، وهم الخلفاء الراشدون، فمن سبهم أو أبغضهم، أو أبغض واحداً منهم لم يرد الحوض، وهذا القول من القرطبي لم نقف على أثرٍ صحيح يدل عليه، ولا نعلم من أين أتى القرطبي ﵀ بهذا القول، وإن كان الرجل أحد الأئمة الكبار، وقوله ﵀ تطمئن إليه النفس، فإن حب الصحابة ﵃ وأرضاهم من أعظم القرب إلى الله ﵎، ومن أعظم ما يدل على تمكن الإيمان في القلب. ويجب على المرء أن يحب ما يحبه الله ورسوله، ولا ريب أن الله ورسوله يحبان الصحابة، وقد أثنى الله عليهم، وأثنى عليهم رسوله ﷺ . موضع الشاهد: أن سب الصحابة يحول بين المرء وبين ورود الحوض، وهذا ذكره أهل السنة رداً على الرافضة الذين يقعون في أصحاب محمدٍ ﷺ .

стр. 13

كيف ينتقم الله لأوليائه الله جل وعلا ينتقم لأوليائه عاجلاً أو آجلاً. السيد الحوثي اليمني الشيعي الذي خرج مؤخراً على حكومة اليمن وقتل؛ قابلت رجلاً يمنياً شارك في المعارك العسكرية والفكرية ضد هذا الشيعي، ذكر أنه كان قد ضلل شباباً كثيرين من أبناء قريته، وأهل السنة في اليمن بعد أن يئسوا من كبارهم أخذوا الصغار، وأتوا بهم إلى مكة والمدينة ليعتمروا حتى يغيروا المعتقد الخاطئ الذي ربوا عليه. هذا السيد الحوثي يدعى سيداً، وليس بسيد، وقد قال في أحد دروسه لأتباعه يذم الصديق ﵁ وقد ذكر النبي ﵊ ومعه صاحبه في الغار، فقال بلهجته كلاماً معناه: إن أبا بكر ليست له أي كرامة، إنما كان يبول ويتغوط في الغار ثلاثة أيام. قال ذلك بلغة شنيعة! ثم مضت أيام شهور سنون على قولته هذه، ولما حوصر دافع عنه فتيان وشباب مغرر بهم، أما هو فقد حصره الله جل وعلا في غار، فجلس فيه ثلاثة أشهر لا يستطيع أن يخرج، فكان يبول ويتبرز في الغار، ثم ختم الله له بأن قتل. فانظر كيف وقع في رجلٍ كـ الصديق ﵁ أفضل الأمة بعد نبيها، وكيف انتقم الله جل وعلا للصديق رغم أن الصديق لم يسمع هذه المقالة، ولم يؤذ بها، لكن الله جل وعلا قال في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨].

стр. 14

من أعلام القرآن عزير العلم الثالث هو عزير، وهو أحد صالحي بني إسرائيل، لم تثبت نبوته، قال الله جل وعلا عنه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة:٣٠]. نعلم جميعاً أن الرب ﵎ مقدس عن الصاحبة والولد، منزه فلم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وأعظم الجرم أن يدعي مدعٍ أن لله جل وعلا ولداً، قال الله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم:٨٨ - ٩٠]. وممن زعم لله الولد النصارى واليهود، وكلٌ منهم تعلق بشبهة، والشبهة لا يجلوها إلا العلم. فنبدأ بالنصارى، وإن كانوا متأخرين، لكن حتى نصل إلى عزير، فالنصارى وقعوا في هذه الشبهة من باب أنهم رأوا أن عيسى ﵇ لا والد له، فزعموا أنه ابن لله، فرد الله جل وعلا عليهم كما مر معنا في تأملاتنا في سورة آل عمران عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩]. والمعنى: لو كان هناك أحد حقيق أن يكون ابناً لله -ولا يوجد أحد كذلك- لكان آدم أولى من عيسى؛ لأنه إذا كانت الشبهة في عيسى أنه وجد من غير والد، فإن آدم وجد من غير والدة ولا والد، وإنما هو أمر من الله: كن فيكون، فرد الله بهذا شبهة النصارى. وهكذا اليهود فإنهم زعموا أن عزيراً ابن الله، وسبب شبهتهم أنهم يعلمون أن التوراة نزلت على موسى مكتوبة، كما قال الله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ﴾ [الأعراف:١٤٥]. فكان علماؤهم يحفظون التوراة، ثم سلط الله عليهم بختنصر فأزهق أرواحهم، وأفنى علماءهم، فقدر أن عزيراً ألهمه الله جل وعلا التوراة، وجعله قادراً على استذكارها، فأملاها عليهم غيباً، وبعد أن أملاها عليهم وقفوا عليها وهي مكتوبة، ووجدوها حيث دفنها العلماء قبل أن يذبحهم بختنصر، فقارنوا بين ما أملاه عليهم عزير، وما هو بين أيديهم من التوراة، فوجدوا عزيراً لم يخرم حرفاً واحداً، فقالوا: ما أعطي عزير هذا إلا لأنه ابن لله. هذا سبب قول اليهود وزعمهم أن عزيراً ابن الله، وهذه مشكلة سببها قلة العلم، فإن الإنسان إذا كان لا يعرف إلا جزئية في العلم يتخبط فيه، ويقع في أمور لا يعلمها إلا الله. فـ عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه قرب قرابته، وأعطاهم مسئوليات، فجاء الخوارج وقالوا: هذا ينافي ما أمر الله به من العدل، وهذا لا يصلح أن يكون خليفة أو أميراً للمؤمنين، ثم قتلوه، ثم نهبوا ماله، ثم قتلوا نجيحاً وفليحاً غلاميه، ثم ضربوا زوجته، وهكذا تطور الأمر لأجل شبهة واحدة، فلم يجدوا عذراً لـ عثمان. والخوارج الذين بعدهم قتلوا علياً، وقالوا: إن علياً حكم الرجال في دين الله والله يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧]، ولم يفهموا هذه الآية لم أنزلت، وفيمَ أنزلت، وأن الله حكم الرجال في الصيد فقال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:٩٥]، ومع ذلك تركوا هذا كله، ورفعوا سيوفهم على أمير المؤمنين وقتلوه، وهذا كله من نقص العلم. فمن لم يكن ذا علم فمن الصعب أن تحاوره؛ لأنه يتمسك بجزئية واحدة، ولا يوجد جامع بينك وبينه ولا أرضية علمية متسعة حتى تأخذ وتعطي معه. نعود إلى عزير فنقول: أما عزير فهو عبد صالح، ورد فيه آثار، هذه الآثار لا يوجد بين أيدينا نقل نستطيع أن نجزم أنه صحيح، ولكنها نقول عن وهب بن منبه، وعن ابن عباس، أخذها عن كعب الأحبار، وهكذا نقلت غيرهم من الصحابة والتابعين. فمنهم من قال: إن عزيراً مر على امرأة تبكي عند قبر بعد أن قتل بختنصر بني إسرائيل، وهي تقول: واكاسياه وامعطياه، فقال لها عزير: من الذي كان يطعمك ويسقيك؟ قالت: الله، قال: فإن الله حي لا يموت، فلا داعي للبكاء، وهو قبل أن يقول لها ذلك كان يبكي على فقد العلماء، فقالت له المرأة: وأنت علام تبكي؟ قال: أبكي على فقد العلماء، قالت: من الذي علم علماء بني إسرائيل، قال: الله. قالت: فاسأل الله فإن الله حي لا يموت، فسأل الله أن يقذف في قلبه نور التوارة، فأعطاه الله نور التوارة، هذا قول. ونقل كثير من العلماء أنه هو المقصود بقول الله جل وعلا: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة:٢٥٩]، فقالوا: إن القرية هي بيت المقدس بعد أن عاث بختنصر فيها فساداً، فبعد أن هدم منازلها، وأطاح سقوفها، وقتل أهلها مر عليها عزير، فقال -من باب التعجب لا من باب الإنكار-: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة:٢٥٩]. وكان قد خرج وعمره أربعون عاماً، وله جارية عمرها عشرون عاماً، فأماته الله، فمكث ميتاً مائة عام بنص القرآن إن كان هو عزير. فبعد مائة عام أحياه الله جل وعلا ورده كما كان، وعمره أربعون كما هي، فلما رجع إذا بالناس قد تغيروا، فذهب إلى بيته، فوجد الأمة التي تركها وعمرها عشرون عاماً قد أصبح عمرها مائة وعشرين، فقال لها: أين بيت عزير يرحمك الله! أين أنت من عزير! لم يعد أحد يذكر عزيراً هذه الأيام، فقال لها: أنا عزير، قالت: إن عزيراً كان عبداً صالحاً؛ فإن كنت عزيراً فادع الله لي، وكانت قد عميت، فدعا الله لها فبرئت وأبصرت، فلما رأته عرفته؛ لأنه ما تغير فيه شيء. فأخذته للملأ من بني إسرائيل، وذكروا له التوراة، فسأل الله ودعاه، فأملى عليهم التوراة ولم يخرم منها حرفاً، ثم قال لهم: إن أبي كان قد أخفى التوراة في مكان كذا وكذا عندما خربت بيت المقدس، فذهب بهم إلى الموضع الذي غلب على ظنه أن أباه وضع التوراة فيه، فأخرجها مكتوبة كما هي. فلما قارنوا بين ما أملاه عزير وبين ما وجدوه مكتوباً وجدوا أن عزيراً لم يخرم منه حرفاً واحداً، فقالوا: ما أعطي عزير هذا إلا لأنه ابن الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً! وقولهم: إنه ابن الله، ذكره الله في سورة التوبة؛ ليغري المؤمنين ويحثهم على قتال أهل الكفر، فذكرها الله ليبين أعظم ما تحلى به أهل الكفر، وهو زعمهم أن لله الولد، وأعظم الفرية أن يأتي أحد فيدعي لله الولد، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. ولذلك كانوا يقولون في سيرة الإمام أحمد ﵀: إنه كان إذا أبصر يهودياً أو نصرانياً في بغداد يغمض عينيه، فيقال له: يا أبا عبد الله لم تفعل ذلك؟ فيقول: والله لا أطيق أن أرى أحداً يزعم أن لله ولداً! وهذه أمر تحلى به الإمام أحمد ﵀، لكن لا يوجد دليل على وجوب فعله؛ لأن النبي ﷺ أبصر اليهود والنصارى وهم يزعمون أن لله الولد، وتعامل معهم، لكن هذا ورع من الإمام نفسه، وليس هدياً نبوياً؛ فرحمة الله على الإمام أحمد. موضع الشاهد من هذا: أنه كان في الأمم من قبلنا وفي أمتنا من الصالحين من غالى الناس فيهم حتى عبدوهم من دون الله، أو عظموهم من دون الله، ولهذا قال الله بعد هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١]. وأعظم الفرق التي وقعت في هذا بلا شك هم الرافضة وغلوهم الشركي في علي ﵁، وفي السبطين الحسن والحسين، وهذا أمر مشاهد لا يمكن إنكاره، وكله من باب الغلو في الأشخاص، ولا ينبغي لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يغلو في أحدٍ من الخلق كائناً من كان، إنما يحب كل أحدٍ بقدر، ويبغض بقدر، ويتخذ الشرع مناطاً ومعياراً في التعامل مع الخلق كلهم.

стр. 15

يوم الفرقان رابع الأعلام هو يوم الفرقان: وهي التسمية القرآنية ليوم بدر، أما قول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران:١٢٣]، فهو علم على مكان، لكن الله قال في الأنفال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال:٤١]. فقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [الأنفال:٤١] فيه أن (ما) موصولة، أي: والذي أنزلنا على عبدنا، أي: نبينا ﷺ . ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال:٤١] أي: يوم معركة بدر التي فرق الله فيها بين الحق والباطل، والفرقان مصدر من الفعل فرق يفرق فرقاناً. ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال:٤١] أي: جمع أهل الكفر وجمع أهل الإيمان. قال الله بعدها: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال:٤١] أنزل الله جل وعلا يوم الفرقان النصر والظفر لنبينا ﷺ ومن معه.

стр. 16

تفاصيل يوم بدر ومعلوم أن يوم بدر يوم مشهور، وسأتحدث عنه إجمالاً فيما يغلب على الظن أن فيه فائدة. الحالة الاقتصادية في المدينة كانت ضعيفة جداً قبل بدر، فكان الشغل الشاغل للصحابة -لما سمعوا بعير قريش- أن ينالوا القافلة، حتى يتحسن الوضع الاقتصادي، فخرجوا مع النبي ﷺ وأكبر همهم أن ينالوا القافلة، لكن الله أبدلهم من القافلة خيراً منها، وهو أن الله أعطاهم النصر، ومكن لهم، وأخذوا بعد ذلك الفدية من قريش، فأعطاهم الله جل وعلا فوق ما يؤملون. أبو سفيان حارب النبي ﷺ في بدر وأحد، وجمع الأحزاب، ومع ذلك مات على الإيمان، فسبحان مقلب القلوب يفعل بعباده ما يشاء، ولهذا كان من دعاء النبي ﷺ : (يا مقلب القلوب ثبت قلبنا على دينك). لأن عاتكة بنت عبد المطلب -أخت العباس وعمة النبي ﷺ قبل يوم بدر بثلاثة أيام، رأت في المنام أن رجلاً يستغيث بالأبطح ويقول: يا آل غدر انفروا لمصارعكم في ثلاث، ثم تنقل من مكان إلى مكان، ثم صعد جبلاً ثم ألقى صخرة، فانفلقت حتى لم يبق بيت من بيوت أهل مكة إلا ودخله شظية من الصخر. فقصت الرؤيا على أخيها العباس، فقال لها العباس: اكتميها، والله إنها لرؤيا، فقالت: أظنها مصيبة ستحل بقومنا، فأخبر العباس الوليد بن عتبة وكان صديقاً له. وقد قيل: كل سر جاوز الاثنين شاع، وكل علم ليس في القرطاس ضاع! أما الأولى: كل سر جاوز الاثنين شاع فصحيح، لكن: كل علمٍ ليس في القرطاس ضاع ليس بصحيح؛ لأن الله يقول: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩] ولم يقل: إنه في الكتب. نعود فنقول: لما قص العباس القصة على الوليد بن عتبة أخبر بها الوليد غيره، فانتشرت في قريش، فلما بلغت أبا جهل نادى العباس، وتوعده وتهدده، وقال: يا بني عبد المطلب، أما كفاكم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم؟ وكان أبو جهل رجلاً خبيثاً، حديد الوجه، حديد النظر، حديد اللسان، لا يستطيع أحد أن يقاومه، دخل دار الندوة قبل أن يطر شاربه، رغم أن دار الندوة لا يدخلها رجل في قريش إلا بعد الأربعين، لكن أدخلوه إياها محكماً من أول أمره، لعلو شأنه وهو صغير. فنادى أبو جهل العباس، وأخذ يتوعده ويهدده، فلم يجد العباس مفراً من أن يجحد وينكر، فلما ذهب العباس إلى داره اجتمع عليه آل عبد المطلب، وعاتبوه ولاموه، كيف تضعف أمام أبي جهل؟ فأجمع أمره على أن يرد على أبي جهل، فلما انصرف بعد ثلاثة أيام قابل العباس أبا جهل، وناداه ليرد عليه، وإذا بـ ضمضم الغفاري الذي استأجره أبو سفيان وبعثه يستصرخ في قريش يصرخ مثل ما قالت عاتكة في الرؤيا، فكان أبو جهل ممن سمع الغوث فترك العباس وخرج، ثم خرج العباس وخرج الناس ينشدون ماذا يريد ضمضم؟ وانتهى أمر الرؤيا. يعني: انشغلت قريش عن الرؤيا. ثم خرجت قريش بعد أن استنفرهم ضمضم الذي بعثه أبو سفيان. والتقى الجمعان كما قال الله جل وعلا في بدر، وبدر اسم لرجل يقال له: بدر بن حذافة كان قد حفر بئراً في هذا الموطن، فسمي المكان باسمه إلى يومنا هذا، وهذا يدل على أن هناك أشياء تبقى مع الأيام لا تتغير عن اسمها الأول. ومر النبي ﵊ في طريقه بالروحاء، ومر بالمنصرف وهي المسيجيد الآن، ومر برحقان -الجبل المعروف- ومر بالمضيق حتى وصل إلى بدر، وهناك في بدر التقى الجمعان كما أخبر الله جل وعلا. استشار النبي ﷺ أصحابه؛ لأن النبي وفي، وهو يعلم أن العهد الذي بينه وبين الأنصار على أنهم يحموه داخل المدينة، وبدر خارج المدينة، فأخذ يقول: أشيروا عليّ أيها الناس! أشيروا عليّ أيها الناس! ثم سمع من الأنصار ما سمع مما يدل على صدقهم ونصرتهم لدين الله، فقال: امضوا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين إما النصر وإما القافلة. فلما كان في يوم بدر وقف ﷺ ليلته بدر يدعو ويتضرع إلى الله ليقيم التوحيد، ويحقق العبودية لله, وإلا فهو يعلم قطعاً أنه منتصر؛ لأنه قال لأصحابه: (امضوا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين)، فالطائفة الأولى وهي القافلة فرت ونجت، فلم يبق إلا الثانية، ووعد الله حق، فكان يعلم أنه منصور، لكنه أراد أن يحقق أعظم ما كلف الله به العبيد، ألا وهو تحقيق التوحيد، فأخذ ﷺ يدعو حتى سقط رداءه، فرق له أبو بكر فقال: يا نبي الله! كفاك بعض مناشدتك ربك، يعني: على مهلك! فكان ﷺ يقول: (اللهم! إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً). وكان أهل بدر ثلاثمائة وبضعة عشر، وهو عدد جيش طالوت الذي قال الله فيه: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٩]. ثم كانت موقعة بدر في السابع عشر من رمضان للسنة الثانية من الهجرة في يوم جمعة، وكان النبي ﷺ وأصحابه على غير صيام، ولهذا كان عمير بن الحمام بيده تمرات يأكل منها ثم ألقاها وجاهد في سبيل الله، واستشهد ﵁ وأرضاه. نجم عن المعركة كما هو معلوم قتل سبعين من أهل الإشراك وأسر سبعين، والمسلمون في يوم أحد لم يؤسر منهم أحد، وإنما قتل منهم سبعين، ولهذا قال الله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران:١٦٥]. ﴿أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران:١٦٥]. أي: في بدر، ففي بدر قتلتم سبعين وأسرتم سبعين، أما في أحد فالذي أصابكم نصف ما حصلتم عليه في الأول، فقد قتل منكم سبعون ولم يؤسر منكم أحد. مكث النبي ﷺ في بدر ليتصرف في القتلى، وبعث عبد الله بن رواحة وأسامة بن زيد على ناقته القصوى يبشرون أهل المدينة بانتصار نبي الإسلام ﵊ في بدر، ثم ألقي قتلى قريش في القليب، وهو البئر المهجور المتروك في بدر.

стр. 17

مسألة سماع الأموات في القبور مكث ﷺ ينادي أهل القليب ويقول: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً، فقد وجدت ما وعدني ربي حقاً، فقال له عمر: يا رسول الله! كيف تدعو أقواماً قد جيفوا، فقال: يا عمر! والله! ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، لكنهم لا يملكون جواباً). هذه مسألة ينجم عنها مسألة خلافية شهيرة، وهي: هل الأموات يسمعون أو لا؟ وينجم عن ذلك قضية أخرى، وهي قضية تلقين الميت، وهو أن يوقف على القبر فيقال للميت: اذكر آخر ما تركت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله إلخ. والحق أن تلقين الميت لم يثبت عن النبي ﷺ ، ولا عن أحدٍ من أصحابه فيما نعلم، وقد ظهر في الشام قبل الإمام أحمد بقليل -أي: في أواخر القرن الأول- من قومٍ صالحين، فأخذه عنهم البعض، وأصل المسألة كما قلت: هي قضية هؤلاء الذين في بدر. فالذين يقولون بالتلقين يقولون إن النبي ﵊ قال عن أهل قليب بدر إنهم يسمعون، ويرد عليهم بأنه لو كان الأصل أنهم يسمعون لما أنكر عمر، لكن الظاهر أن الأمر خرج عن المعتاد، فكانت خصيصة للنبي ﷺ ، وليس أمراً عادياً، لكن رد الآخرون بأن النبي ﵊ قال عن الميت: إنه يسمع قرع نعالهم، والمسألة مبسوطة في كتب الفقهاء، والخير كل الخير في اتباع هدي النبي ﷺ .

стр. 18

آثار معركة بدر هذا يوم بدر سماه الله فرقاناً؛ لأن الله جل وعلا فرق فيه بين الحق والباطل، وكان يوماً عزيزاً في الإسلام، نصر الله جل وعلا فيه نبيه ﷺ . أشار عمر على النبي ﷺ أن يقتل الأسرى، وأخذ الرسول برأي أبي بكر أن يفدوا ويستفيد المسلمون من الفدية، ويستبقونهم لعل الله أن يهديهم، فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧] إلى قوله: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال:٦٨]. فبعثت قريش تفدي أسراها، وكان من الأسرى العاص بن الربيع، وهو زوج زينب بنت النبي ﷺ ، وأبو أمامة بنت زينب، وزينب كانت في مكة، وزوجها مأسور في المدينة، فبعثت بفدية تفدي بها زوجها، ولهذا قال ﷺ : (إن زوج المرأة -أو بعل المرأة- من المرأة بمكان). فالمرأة إذا ادلهمت عليها الخطوب لا نجد أحداً تلجأ إليه أكثر من زوجها؛ فهذه المرأة رغم أنها بنت رسول الله ﷺ وهي مسلمة، لكن لما علمت أن زوجها أسر أخرجت كل ما في يدها، فأخرجت قلادة كانت أمها خديجة ﵂ وأرضاها ألبستها إياها في يوم دخولها على زوجها، فبعثت بالقلادة، وهي أعز ما تملك من أجل أن تفدي زوجها، فلما رأى النبي ﷺ القلادة عرفها فتذكر زمان خديجة ﵂ وأرضاها. فورد أنه ذرفت عيناه صلوات الله وسلامه عليه، يعني: بكى، ثم فدي العاص بن الربيع ورجع، فأسلم العاص بعد ذلك في قصة طويلة ليس هذا موضع بسطها. على الجانب الآخر: كان قريش قوماً أعزة في ذاتهم وإن كانوا على الكفر، فقد كان فيهم أنفة، حتى في الحج كانوا لا يخرجون إلى عرفات، لأنها من الحل، فكانوا لا يخرجون مع الناس، وكانوا يقولون: نحن أهل الله، أهل الحرم، لا نخرج مع الناس في عرفات، فيقفون قبل عرفات، ولا يفيضون من منىً إلى عرفات، ولهذا قال الله لنبيه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩] أي: دعك من قومك وأنفتهم، ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩]. والمقصود: أن قريشاً كانت بهم أنفة، فأصدروا بياناً رسمياً أوقات الحروب وهو ألا يبكي أحد، والإنسان إذا لم يبك يزداد الألم في قلبه. وذات يومٍ كان أحدهم قد سمع بكاء، وقد مات له ثلاثة أولاد، فقال لأحد أبنائه: اذهب وانظر فإني أسمع امرأة تبكي لعل قريشاً أذنت أن يبكى على القتلى، فذهب الولد ووجد امرأة تبكي على بكر لها أضلته، وهو الفتى من الإبل، فرجع إلى أبيه فقال: ما وراءك؟ قال: هذه امرأة تبكي على بكرٍ أضلته، فقال: أتبكي أن يضل لها بعيرٍ ويمنعها من النوم السهود فلا تبك على بكر ولكن على بدرٍ تقاصرت الجدود على بدرٍ صراة بني هصيص ومخزوم ورهط أبي الوليد ألا قد ساد بعدهم رجال ولولا يوم بدر لم يسودوا وأخذ يذكر نحيبه وشجونه على أبنائه الذين قتلوا في بدر. هذا حصيلة ما كان في يوم بدر، وقد خص الله جل وعلا تلك الفئة في يوم الفرقان؛ فاطلع عليهم، وقال: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم. فهؤلاء الفئة الثلاثمائة والأربعة عشر هم خير أمة محمد ﷺ على الإطلاق، وقلنا: إن جبريل كان في ذلك اللواء، وقلنا: إن قول كعب: وبيوم بدرٍ إذ يرد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد هو أفخر بيت قالته العرب؛ لأنه لا يوجد راية يمكن أن تقع في التأريخ كله من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة يجتمع تحتها محمد بن عبد الله وجبريل، وأبو بكر وعمر وغيرهم من سادة المهاجرين والأنصار، فلا أحد في الأنبياء أفضل من محمد، ولا أحد في الملائكة أفضل من جبريل، ولا أحد في حواري الأنبياء أفضل من أبي بكر، وهؤلاء الثلاثة الأئمة في كل فريق اجتمعوا تحت رايةٍ واحدة، فلهذا كانت راية بدرٍ لا تعدلها راية؛ رزقنا الله حبهم وجوارهم في جنات النعيم! هذا ما تيسر إيراده وتهيأ قوله، وأعان الله جل وعلا على الحديث عنه، وهم أربعة أعلام، جبريل، والكوثر، وعزير، ويوم الفرقان. وفقنا الله وإياكم للعمل بكتابه وسنة نبيه ﷺ ، والحمد لله رب العالمين.

стр. 19

سلسلة أعلام القرآن [فرعون، هامان، قارون، عرفات، المشعر الحرام] ذكر الله أعلاماً في القرآن الكريم، منها ما يكون لأشخاص ومنها ما يكون لأماكن ومنها ما يكون لأزمان. وفي ترجمة فرعون وهامان وقارون عبرة للمعتبرين وموعظة للذاكرين. وفي ترجمة عرفات والمشعر الحرام تشويقاً لأولي الألباب من المؤمنين إلى زيارة تلك الأماكن المباركة والتقرب إلى الله فيها.

стр. 20

ذكر فرعون وهامان وقارون في القرآن الكريم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاء أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فقد تحدثنا فيما سبق عن أربعة من أعلام القرآن الذين ذكرهم الله جل وعلا في كتابه العزيز، وسوف نتحدث إن شاء الله تعالى عن تراجم لخمسة أعلام ذكرهم الله ﵎ في كتابه، وهم ثلاثة في عصر واحد لأشخاص: فرعون وهامان وقارون، وعلمين ندرسهما لمكانين مباركين هما: عرفات والمشعر الحرام، وهذه الخمس كلها وردت في القرآن، وقد سبق أن الأعلام تكون مكانية، وتكون زمانية، وتكون لأشخاص، وتكون لغير ذلك. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٣ - ٢٤]. وقال جل ذكره: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [العنكبوت:٣٩]، وقال في القصص: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ [القصص:٧٦]، وقال ﵎: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص:٨]. التفصيل كالتالي: هؤلاء الثلاثة كلهم كذابون: فرعون وهامان وقارون، لكن ينبغي أن تعلم أن فرعون وهامان من أهل مصر الأصليين، أما قارون فمن قوم موسى من بني إسرائيل، وهؤلاء الثلاثة أحداثهم لم تكن في مكان واحد؛ فرعون وهامان كانا في مصر، أما قضية قارون لم تكن في أرض مصر، كانت بعد خروج موسى من أرض مصر في أرض التيه، فقصة البقرة، وقصة الخضر، وقصة قارون، كلها تمت بعد خروج موسى ﵊ من أرض مصر، أما فرعون وهامان فكانا زعيمين لأرض مصر، يجمعهما التكذيب بموسى، لكنهم يختلفون في النسب، ويختلفون في قرابتهم من موسى، ويختلفون في الحقبة الزمانية المخصصة التي وقعت فيها الأحداث. وقد مرت معنا كثيراً قضية موسى وهارون وهامان، ونفصل فيها هنا كما فصلنا فيها سابقاً بالتأملات، ولكن نتكلم هنا من باب الترجمة فقط، ولنبدأ بما بدأ الله به.

стр. 21

فرعون فرعون: لقب على الأظهر لمن يحكم مصر في فترة من الفترات آنذاك، وهل اسمه فرعون الحقيقي أو هو لقب له؟ اختلف أهل العلم في ذلك، والمشهور أنه لقب، لكن هذا اللقب لم يرد له اسم يبينه في القرآن، ففي كل المواضع التي ذكر الله جل وعلا فيها خبر موسى مع فرعون سماه فرعون، ولهذا قال البعض: إن اسمه فرعون، قلنا: كلمة اللقب أقوى لكن لا يعرف له اسم. قال بعض العلماء: إنه اسمه أبو الوليد، أو مصعب بن الوليد، أو الوليد بن مصعب، لكن هذا بعيد جداً؛ لأن هذه أسماء عربية لا يمكن أن تطلق على فرعون وفرعون كلمة لا وزن لها في العربية بخلاف غيره كـ هامان مثلاً. لماذا ندرس سيرة هذا الرجل؟ لأن الله أخبر أنه أشد أهل النار عذاباً، قال الله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، فإذا كان هذا مآل أهله فكيف بمآله هو؟

стр. 22

فرعون وصفة الكبر لنقف على أعظم الصفات التي تحلى بها فرعون حتى نبتعد عنها؛ لأن المؤمن يتحلى بطرائق الأخيار، ويأنف وينأى بنفسه عن طرائق الأشرار، والكبر من أعظم المهلكات، وهو نبتة في الصدر، وقد مر معنا أنه يقسم إلى ثلاثة أقسام: كبر على الله، وهذا الصانعون له قليل. وكبر على الرسل، وهذا الصانعون له أكثر من الأول. وكبر على الناس، وهذا قليل من يسلم منه. أما الكبر على الله: فهو عين الكفر، وهذا لم يوجد على مر الدهور إلا في قليل من الأفراد منهم النمرود صاحب إبراهيم: ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨]، ومنهم فرعون؛ لأن فرعون تاريخياً بعد النمرود، ففرعون قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وقال لأهل مصر: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وهو قمة الكبر على الله ﵎، ولهذا كان جبريل -كما مر معنا في درس التأملات- حانق عليه؛ لأن فرعون نازع الله في كبريائه فلما أدركه الغرق، وأخذ يرى الموت عياناً في البحر -كما جاء في الحديث الصحيح- كان جبريل يأخذ الطين ويضعه في فم فرعون حتى لا يتلفظ بكلمة يستدر بها رحمة الله جل وعلا فيرحمه الله، فكان من حنق جبريل عليه أنه لا يريد أن يرحمه الله لما سلف من أفعاله وأقواله والتي منها: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١]، ومنها قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، ومنها قوله: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ﴾ [غافر:٣٦] إلى غير ذلك مما تجرأ به على ذات الله جل وعلا. إذاً: أعظم ما يفهم من الدرس: أن هذه النبتة التي في القلب يحاول المسلم قدر الإمكان أن يجعلها مجرد نزعة في النفس لا يكون منها أي صنيع، وكونها موجودة في الإنسان هذا يعني أنها شيء مجبول عليه الناس لكن لا يكون لها أي أثر. الحالة الثانية: الكبر على الرسل، وقلنا هذا كثير في الأمم. ثم الكبر على الناس، فقد يوجد في الناس من يتكبر بعضهم على بعض، إما لمال أو لجاه أو لنسب أو لسلطان أو ما إلى ذلك، ولهذا أمر الله جل وعلا نبيه بأن يخفض جناحه للمؤمنين عموماً، وأن يكون أنموذجاً في تواضعه فقال سبحانه: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:٣٧]، ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨]، هذه أعظم ما اتصف به فرعون. الأمر الثاني: تكذيبه لما يعلم أنه حق، وهذا ناشئ عن كبره، ولهذا قال الله جل وعلا عنه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، فقد كان يعلم أن موسى على الحق بالآيات البينات البالغات التي أظهرها موسى له لكنه جحدها. فمن أعظم ما يظلم به المرء نفسه أن يرد الحق وهو يعلم أنه حق، فيرده كبراً يرده أنفة يرده استكباراً، لا يريد أن يخضع لأحد، ولا يريد أن يشعر أن زيداً أو عمراً من الناس أفضل منه فيلحق بركب فرعون، وإن كان لا يصل إلى درجة فرعون ولا يخرجه هذا من الملة، لكن يحرمه من خير كثير ويكون وباله بحسب ذلك الشيء الذي رده. لقد عامل الله فرعون بجنس المعصية التي تعالى بها، وذلك أنه قال لأهل مصر: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] فنسب أنهار مصر إليه، وأنها في قبضته يصرفها كيف يشاء، فأغرقه الله في البحر الذي كان يدعي أنه ملك له. كان من سياسته التفريق بين الناس، قال الله جلا وعلا: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص:٤]، أي: فرقاً، يستضعف طائفة منهم ويستحي النساء، ويجعل مجموعة للخدمة، ومجموعه للرفعة، ومجموعه مقربة له. ففرق بين الناس على تمييز عنصري كان يتخذه، وجعل بني إسرائيل في أدنى المنازل، وسامهم سوء العذاب، فمنَّ الله على بني إسرائيل ببعثة موسى، ثم أهلك فرعون وآله ونجى موسى ﵇. هذا فرعون على وجه العموم اتخذ له وزيراً، والوزير آنذاك ليس كالوزير في هذا العصر، فالوزراء في هذا العصر يعطى كل ذي وجهة وزارة، وسابقاً كان الوزير هو المعاون أو المساعد للرئيس أو للملك أو للسلطان، فكان هامان يؤدي هذا الدور مع فرعون، ولهذا قال الله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ [القصص:٨] فأضاف الجنود إلى فرعون وهامان؛ لأنهما كانا يملكان القيادة، والإنسان سواء كان ذا سلطان أو غير ذي سلطان لابد له من أشخاص حوله يستشيرهم ويعينونه في الأمر، وهذه سنة لله، وقلما يوجد أحد لا يتخذ رأياً إلا لوحده، وليس معه أحد، خاصة ذوي المناصب والجاه، وذوي المشاغل الكبرى، وكلما كان وزير الإنسان ومن يرافقه ذا عقل وحلم ومحبة لله كانت قراراته أقرب إلى الهدى، والعكس بالعكس، فـ هامان هذا كان وزيراً لفرعون يعينه على طغيانه وعلى جبروته، ولهذا قدح الله فيهما ونكل بهما سوياً.

стр. 23

الوزير الصالح رجاء بن حيوة من الوزراء في التاريخ الإسلامي الذين عرفوا بالفضيلة رجاء بن حيوة، ورجاء هذا كان وزيراً لـ عبد الملك بن مروان، ثم للوليد، فكان مقرباً من عبد الملك ثم من الوليد، ثم جاءت خلافة سليمان بن عبد الملك، وسليمان لم يكتب له أن يعمر، فقد توفي بعد الأربعين بقليل جاء مكة، ثم ذهب إلى الطائف، ثم دخل يغتسل فلبس ثياباً حسنة فأعجبته نفسه وهو ينظر للمرآة فقال: كان أبو بكر صديقاً، وكان عمر فاروقاً، وكان عثمان حيياً، ولم يقل في علي شيء لما بين بني أمية وبين علي، وكان معاوية حليماً وكان عبد الملك سائساً وكان الوليد جباراً وأنا الملك الشاب، وبقدر الله التفت إلى جارية من جواريه وقال: ما ترين في؟ -فقد أعجبته نفسه لأنه أمير المؤمنين وهو في الأربعين- فقالت له قدراً: أنت نعم المتاع لولا أنك فانٍ -يعني: تموت- فاستشاط غضباً من كلامها، ومكث بعدها ثلاثة أو أربعة أيام ومات. الذي يعنينا أن وزيره كان رجاء بن حيوة، وكان سليمان له أخوان: يزيد وهشام بالترتيب، وله ابن عم اسمه عمر بن عبد العزيز، فكان رجاء يتمنى أن يلي الخلافة عمر لما يعرف فيه من فضل، ولا يريدها في يزيد ولا في هشام ولا يريدها من باب أولى في أبناء سليمان، فلما شعر سليمان بدنو أجله قال لـ رجاء: أكتب من بعدي كتاباً لابني فلان، قال: يا أمير المؤمنين ابنك هذا في الجهاد ولا ندري يعود أو لا يعود، وأخذ يلاطفه، قال: إذاً أكتب لابني أيوب، قال: هذا صغير لا يتولى الملك، قال: إذاً لمن يا رجاء؟ قال: اكتب لـ عمر بن عبد العزيز، قال: لن يرضى أبناء عبد الملك يعني: يزيد وهشام، قال: يا أمير المؤمنين اجعلهما بعده، يعني: اكتب في الكتاب أن الخلافة لـ عمر بن عبد العزيز ومن بعده لـ يزيد وهشام فسيرضيان، فوافق سليمان بقدر الله وكتب الكتاب، وآلت الخلافة لـ عمر بن عبد العزيز، فكل ما صنعه عمر بن عبد العزيز سيجعل في ميزان رجاء بن حيوة الذي أشار على سليمان أن يوليه الخلافة. هذا استطراد يبين أهمية أن يكون مستشار الإنسان عاقلاً، لكن المستشار لا يشير على من يستشيره بأمور لا يمكن أن تتحقق، فالإنسان إذا أراد لقوله أن ينفذ ولمشورته أن تقع لابد أن تكون واقعية، فهذا رجاء ما قال لـ سليمان: اجعلها في فلان من الصالحين، كخطيب جمعة أو إمام أو عالم؛ لأن الأمويين لن يرضوا بهذا، لكن جعلها فيهم من أبناء عمهم.

стр. 24

هامان وزير السوء المقصود مما سبق أن هامان كان وزير سوء لفرعون فأهلكهما الله جل وعلا سوياً، وقد ناداه فرعون متهكماً ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر:٣٦] أي: بناء عالياً، ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧] قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر:٣٧]، وكم من طاغية جبار أو جاهل ضال يمشي في طريق يحسب أنه على هدى والله جل وعلا يزين له سوء عمله وهو من الضلالة بمكان بعيد، كصنيع أكثر الفجرة والكفرة في الشرق والغرب اليوم.

стр. 25

أئمة يدعون إلى النار فرعون جعله الله جل وعلا هو وهامان أئمة في الشر، قال الله وعياذاً بالله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص:٤١]، وقال: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص:٤٢]، وفي هذا دليل على أن كلمة إمام لوحدها ليست مدحاً وليست ذماً، إنما تكون بحسب القرائن؛ لأن الله قال عن فرعون وآله: إنهم أئمة يدعون إلى النار، وهناك أئمة يدعون إلى الخير، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤]، فقرينة المتقين تدل على أنهم أئمة في الخير. موضع الشاهد: أنه كما يوجد أئمة يدعون عياذاً بالله إلى الفجور كما هو في عصرنا يوجد أئمة يدعون إلى الخير، وكما جعل الله بعض الناس مفاتيح لكل خير جعل الله جل وعلا بعض الناس مفاتيح لكل شر أعاذنا الله وإياكم من ذلك، هذا الذي يعنينا في قضية فرعون وهامان على وجه الإجمال.

стр. 26

ترجمة قارون قارون اسم بالعبرانية محول للعربية واسمه قورح، قال الله: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ [القصص:٧٦] أي: من بني إسرائيل، وأكثر المفسرين على أنه ابن عم لموسى. وقد يقال: لماذا ساق الله خبر قارون في كتابه على نبيه ﷺ ؟ و الجواب هو أن الأحداث هي الأحداث ولكن الأزمنة تختلف، فالنبي ﵊ واجهه أعمامه وبعض قرابته من قريش، وكانوا يعاندونه في الدعوة، مثل أبي لهب وأبي سفيان بن الحارث وغيرهم من صناديد قريش من ذوي الأموال والجاه، فالله جل وعلا يعزي نبيه ويقول له: كما ووجهت أنت بـ أبي لهب وغيره فإن أخاك موسى ووجه بـ قارون فصبر، وهذا فيه تعزية له.

стр. 27

سبب بغي قارون قال الله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص:٧٦]، والعصبة: الفئام من الرجال من العشرة إلى الخمسة عشر، ولم يكن آنذاك أوراق مالية ورقية، وإنما كانت تحمل بدرات من الذهب والفضة، فكان له كنوز يحملها عشرون أو ثلاثون بغلاً، وينوء بحمل مفاتيحها العصبة من الرجال، ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ [القصص:٧٦ - ٧٧]. والمعنى: ما رزقك الله إياه من فضل اجعله سبباً لأن تنال به رضوان الله، فكل شيء أعطاك الله إياه من فضل فسخره في مرضات الله، ألا ترى الفتى أحياناً يرزق حسن صوت فهذا يسخره في المحاريب ويصلي بالناس إماماً ويؤثر في خلق الله، وهذا يسخره في الغناء والمجون فيضل الله جل وعلا به أقواماً، والاثنان قد اجتمعا في فضل واحد أعطاهما الله إياه وهو حسن الصوت، إلا أن الأول ابتغى به الله والدار الآخرة، والثاني لم يراع في الله جل وعلا حقاً في تلك النعمة، فقال الله جل وعلا هنا: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧]. بعض العلماء يقول ((وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّّّّّّّّّّّّنْيَا)) أي: لا تنس قيمة الكفن وهو الذي يستحق أن تبقيه، أما غير ذلك لا يهم، وفي هذا القول بعض المبالغة، لكنه يقال للعظة والذكرى، لكن لا تنس نصيبك من الدنيا: أي: لا تصل إلى مرحلة تحتاج فيها الناس.

стр. 28

جواب قارون على من نصحه من قومه قال تعالى: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٧٧]، الذي قال هذا الكلام علماء ووعاظ من بني إسرائيل يعظون قارون وهو مع موسى في أرض التيه، فاستكبر ورد كل المواعظ، قال الله جل وعلا أنه أجابهم بقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]، وقد قالوا إنه كان عليماً بالتوراة. فكلمة: على علم تحتمل معنيين: إما على علم بالطرائق التي تكتسب بها الأموال، وهذا قوي. والقول الآخر: أي على علم بالشرع، أي: أنا أفهم منكم فيما تنصحوني به. كمن تأتيه لتنصحه لشيء حرام ارتكبه فيقول: أعرف أنه حرام، فهذا الجواب هو جواب قارون من قبل حيث قال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] والمسألة تحتمل جوابين. قال الله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ [القصص:٧٨]، وهذا يؤيد القول الثاني: ﴿أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ [القصص:٧٨]، قال الله بعدها: ﴿وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨] وقد جاء في آيات أخر أنهم يسألون. وقلنا إن الجمع بينهما أن يقال: إنهم يسألون سؤال توبيخ وتقريع لا سؤال استفهام واستخبار؛ لأن الله جل وعلا مطلع عالم بما صنعوا لا تخفى عليه من عباده خافيه. بعد ذلك أعجبته نفسه لما رأى أنه قد انتصر على هؤلاء الذين وعظوه، والإنسان أحياناً إذا تخلص ممن يعظه يزداد رتبة في الشر فيجنح إلى عمل أعظم، فلما رأى أنه أقنع الذين وعظوه أراد أن يقنع نفسه أنه على الحق فأمر خدمه وحشمه أن يخرجوا معه، قال الله: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [القصص:٧٩].

стр. 29

أقسام الناس تجاه زينة قارون كان ذلك وهم، هم في أرض التيه ضائعين، لكنه أراد أن يبين قدرته، قال الله عنه: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص:٧٩] يعني: في أبهته وكمال ما آتاه الله، فرآه الناس فانقسم الناس فيه إلى فريقين: أهل علم يعرفون الله والدار الآخرة. والفريق الثاني -وهو شأن أكثر الناس-: تعلقوا بالدنيا لما رأوا نموذجاً لها، قال الله جل وعلا: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩] أي: إنه محظوظ وذو نصيب عظيم ناله بما رأوا فيه، وهذا يحدث لنا جميعاً، فعندما يرى الإنسان من هو أكثر منه مالاً أو ولداً أو جاهاً أو منصباً أو يركب سيارة أفضل من سيارته أو غير ذلك فيقع في نفسه أن يكون مثل ذلك. والذي يردع هذه النفس أن تتذكر أن النعم والفضل بيد الله، وأن الله لم يجعل الدنيا نعيماً لأحد، ولا يعني أن من لم ينعم الله عليه أن الله غاضب عليه؛ لأن النبي ﷺ يقول: (إن الله يعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا لمن يحب). قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [القصص:٨٠]، كلمة: العلم نور قد تكون كلمة مبتذله وكل الناس تقولها، لكن لا يمكن الزيادة عليها، فهؤلاء القوم العلم الذي في صدورهم جعل عليهم نوراً فقالوا كما قال الله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص:٨٠] أي: هذا الذي تبتغونه خير منه ثواب الله، وثواب الله لا يدرك إلا بالإيمان والعمل الصالح، ﴿وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص:٨٠] أي: هذه المراتب العالية والمنازل الرفيعة والدرجات التي أعدها الله لخيار عباده من أعظم الطرق للوصول إليها: الصبر. والصبر ينقسم إلى قسمين: صبر لله وصبر لغير الله. أما الثاني: فإن الإنسان إذا صبر لغير الله لابد أن ييئس؛ لأنه لا يوجد أحد قادر على أن يعطيك حتى يرضيك، ولذلك يدب إليك اليأس، فإذا دب إليك اليأس فررت من الشيء الذي أنت صابر من أجله. الحطيئة شاعر جاور أقواماً يريد نوالهم وعطاءهم، فلما تأخروا عليه جاءه أبناء عمومة للأولين وطلبوه أن يرتحل إليهم؛ لأنه شاعر يريدون أن يشتروا لسانه، وكان كل مرة يتريث ويقول: لما بعد، فلما لم يجد خيراً عند هؤلاء ارتحل، وعندما ارتحل أصبح الأولون يلومون الآخرين على أنهم أخذوه، وصار بينهم شجار فقال الحطيئة قصيدة طويلة منها: لما بدا لي منكم غيب أنفسكم ولم أر لجراحي منكم آسي آسي يعني: طبيب. أزمعت يأسا مبيناً من نوالكم ولن ترى طارداً للحر كاليأس الحر لا يطرده شيء مثل اليأس، فاليأس يجعلك ترتحل من أي أحد تقف بين يديه طلب علم أو طلب مال أو طلب أي شيء، فمن صبر لغير الله لابد أن يدب إليه اليأس؛ لأنهم مخلوقون لابد أن يظهر عليهم الضعف. الصبر الثاني: صبر لله، فمن صبر لله فلن يدب إليه يأس؛ لأن الذي عند الله أمر مضمون، وأعظم مما في أيدي الخلق، بل لا مقارنه بينهما أصلاً، ولهذا قال الله لنبيه في أول الدعوة ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:٧]، فإن صبرت من أجلنا ستعان على الدعوة وإذا أعنت عليها لن يدب إليك اليأس، ولهذا قال المكلوم يعقوب ﵇: ﴿يَا بَنِيَ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]. من ازداد علماً بالله لا يمكن أن يدب إليه اليأس مثقال ذرة، فإذا ضعف العلم بالله ﵎ يمكن أن يصل بعض اليأس إلى القلوب، جعلنا الله وإياكم ممن لا ييأس من رحمته ولا يقنط من روحه.

стр. 30

عاقبة قارون وأثرها على قوم موسى قال الملأ من أهل العلم: ﴿وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص:٨٠]، الآن كلا الفرقين قال قولته فبقي الفريقان ينتظران حكم أحكم الحاكمين، قال الله جل وعلا: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [القصص:٨١] أي: خسفنا به، واليوم لا يوجد زلزال أمتار مربعه، وإنما تعم المدن والقرى والهجر والمحافظات، لكن هذه معجزة لموسى وتكرمة لأهل العلم ونكالاً بـ قارون، فجعل الله الزلزال على قدر بيت قارون قال الله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص:٨١]، أما الدور المجاورة فلم يصلها شيء، وهذا لا يقدر عليه إلا الله. قال الله: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:٨١]، فإن لم ينصره الله لن ينصره أحد ولو حاول أحد نصرته لباء بالفشل. الآن كشف الغطاء وظهر الجواب الإلهي والفصل الرباني فتغيرت الخطاب صار أهل الدنيا كأهل العلم. إن أهل العلم عرفوا القضية من بدايتها، أما أهل الدنيا فاحتاجوا إلى قرينة حتى يعرفوا فتأخر علمهم قال الله جل وعلا: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ﴾ [القصص:٨١ - ٨٢]، ليس أمس المباشر وإنما قبل بزمن، فقد كانت هناك فتره زمنيه حتى خسف به، فلهذا قال الله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ [القصص:٨١ - ٨٢].

стр. 31

فوائد حول قول الله (ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء) قوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ [القصص:٨٢] الأظهر أنها معنى للتعجب. وقد اختلف النحويون في أصلها، فقال بعضهم: إن أصلها مكون من ثلاثة من: وي، وكاف الخطاب، و (أن) المصدرية أخت (إن). وقال بعضهم: إنها مكونه من أربع من: وي، وكاف الخطاب، والفعل أعلم، وأن المصدرية أخت إن المكسورة الهمزة، ممن قال بالثاني ثعلب والكسائي وأضرابهما من أئمة أهل الكوفة، وممن قال بالأول: الأخفش وقطرب. ثمر على طالب العلم ثلاثة: الأخفش الكبير والأخفش الأوسط والأخفش الصغير. الأخفش الكبير أستاذ سيبويه، وإذا أطلق الأخفش يراد به تلميذ سيبويه. وقد مر معنا أن سيبويه تناظر مع الكسائي وخرج مغضباً من بغداد إلى الأهواز في إيران الآن ومر على تلميذه الأخفش واسمه سعيد بن مسعده وأخبره بالقصة، والذي يظهر أن الأخفش تلميذ بار بـ سيبويه فغضب وحنق على أن شيخه غلب، فخرج إلى بغداد يريد أن ينتقم من الكسائي لكن: أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسان إحسان صلى الفجر في المسجد الذي يصلي فيه الكسائي، والكسائي إمام في اللغة وفي القرآن وفي القراءات فلما فرغت الصلاة أتى وهو مشحون، وكان الكسائي معظّم أمام طلابه مثل الفراء وغيره، فأخذ الأخفش يغلظ له في الأسئلة ويرد عليه ويجادله حتى هم طلاب الكسائي أن يضربوه، لكن الكسائي كان عاقلاً، ففهم من هذا وقال: إن لم يخب ظني فأنت الأخفش: سعيد بن مسعده قال: نعم، فقام الكسائي من محرابه وأقبل عليه وعانقه وضمه وأخذ يرحب به: أهلاً بطالب العلم أهلاً بالشيخ أهلاً بأهل الفضل، وأخذ يلاطفه ويكرمه، وكان الكسائي ذا جاه، وهكذا حتى استحالت الوحشة إلى محبة وجعله معلماً لأولاده. وعند الخلاف بين البصريين والكوفيون يكون الأخفش في بعض المسائل مع الكوفيين؛ لأن الكسائي إمام أهل الكوفة فيميل معه من باب ما وجده من ملاطفة، فأكثر أهل البصرة -في آرائه- موافقاً لأهل الكوفة هو الأخفش للصنيع الذي صنعه معه الكسائي. وفي هذا تعليم لنا جميعاً كيف أن الإنسان يحول خصومه إلى أهل محبة. الثاني: قطرب، وقطرب أصلاً: دويبه تكد في النهار كثيراً، وتعرفها العرب. كان سيبويه ﵀ يخرج في السحر قبل الأذان لصلاة الفجر، وكلما خرج يجد محمد بن المستنير عند الباب، وكان سيبويه في الثلاثين من عمره ومع هذا يطلب على يديه النحو، فكان محمد بن المستنير يخرج يسهر الليل كله ينتظر متى يخرج سيبويه يستفيد منه، ويسأله من البيت إلى المسجد، يفعل ذلك كل يوم، فقال سيبويه له: إنما أنت قطرب ليل يعني: القطرب في النهار، لكن أنت قطرب ليل، فلزق به الاسم، فأضاع الناس اسمه ولا يعرف بأنه أبو الحسن محمد بن المستنير، وسمي قطرب. المهم أنه أخذ علمه عن سيبويه، وقطرب والأخفش هما اللذان قالا: إن (وَيْكَأَنَّ) مركبة من ثلاثة، هذه فوائد حول قول الله جل وعلا: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ [القصص:٨٢]. ((يَبْسُطُ)) يعني: يعطي، ((وَيَقْدِرُ)) يعني: يضيق، قال الله ﵎: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر:١٥ - ١٦] يعني: ضيق، ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر:١٦] لكن هذا جنس الإنسان أما المؤمن فإنه يرضى. فائدة: إذا ضيق عليك في الرزق فقل: حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله إنا إلى الله راغبون. والدليل على ذلك أن الله قال في حق المنافقين: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩]، والرسول الآن قد مات فنقول: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩]. وهذا تعليم من الله لعباده وأوليائه، جعلنا الله منهم. قال الله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]، وهذه مرت معنا وفصلنا فيها كثيراً. هذا ما يتعلق بالأعلام الثلاثة فرعون وهامان وقارون.

стр. 32

عرفات عرفات والمشعر الحرام ذكرهما الله جل وعلا في آية واحدة قال ربنا: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨]. وعلى وجه التفصيل: هما مكانان مباركان متجاوران لا يفصل بينهما شيء إلا أن الفرق بينهما: أن عرفات من الحل والمشعر الحرام من الحرم، ولهذا قال الله: ((الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ)) ولم يقل عرفات الحرام، ويترتب على هذا أن أهل مكة أو من كان في مكة ويريد العمرة يحرم من الحل من خارج مكة، فلو أحرم من عرفات صح، ولو أحرم من مزدلفة لم يصح، ولو أحرم من أي مكان في عرفات أو غيرها من الحل جاز، لكن إن أحرم من مزدلفة لا يصح؛ لأن مزدلفة من الحرم هذا الفرق الأول. الفرق الثاني: الوقوف بعرفة ركن بإجماع العلماء، أما المبيت في مزدلفة فمختلف فيه، والأشهر أنه واجب عند جماهير العلماء. عرفة كل ليلة تنسب لصبيحتها إلا عشية عرفة تنسب ليومها فليلة العيد لا تسمى ليلة عيد، بل تسمى عشية عرفة؛ لأن الوقوف بعرفة يبدأ من زوال الشمس إلى طلوع فجر يوم العيد، فلو أن فجر يوم العيد الأضحى في عامنا هذا مثلاً يؤذن الساعة الخامسة وثلاثين دقيقة فمر إنسان على عرفة محرماً يريد الحج الساعة الخامسة وتسع وعشرين دقيقة فقد أدرك الحج؛ (لأن عروة بن مضرس من حائل قدم على بغلته وأدرك النبي ﷺ في مزدلفة قال: يا نبي الله أتيتك من جبلي طي -وجبلي طي هما أجا وسلمى في حائل- أجهدت نفسي وأكللت راحلتي، ما تركت جبلاً إلا وقفت عليه، فقال ﷺ : من صلى معنا صلاتنا هذه -يعني: صلاة الفجر في مزدلفة- وكان قد وقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار فقد تم حجه وقضى نسكه) فحكم النبي ﷺ بصحة الحج لكل من مر على عرفة ولو ساعة من نهار، وهذا لا خلاف فيه. قال مالك ﵀: إن الإنسان إذا نفر من عرفة قبل الغروب -بمعنى أنه وقف بعد الزوال لكنه ذهب إلى مزدلفة قبل الغروب- فلا حج له، لكن قال ابن عبد البر ﵀ -وهو مالكي مشهور-: لم يوافق أحد من العلماء مالكاً في هذا فلا يعتد بهذا القول وإن قاله مالك والجمهور: على أن حجه صحيح لكن اختلفوا هل عليه دم أم لا؟ هذا ما سيأتي إن شاء الله في شرحنا لحديث جابر. هذا ما يتعلق بأحكام يوم عرفة. عرفات جاءت في القرآن بصيغة الجمع قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة:١٩٨]، والتنوين في عرفات يسميه النحويون تنوين المقابلة، أي: مقابلة النون في جمع المذكر السالم، وجاءت في الحديث مفردة قال ﷺ : (الحج عرفة)، وقال: (وقفت ههنا وعرفة كلها موقف).

стр. 33

سبب تسمية عرفة بهذا الاسم بعض العلماء يقولون: من العرف، وهو الطيب، قال الله جل وعلا عن أهل جنته: ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد:٦] ففي أحد أوجه التفسير يعني: طيبها لهم، وقالوا: سميت بعرفة؛ لأن آدم ﵇ أهبط بالهند وحواء أمنا ﵇ أهبطت في جده فالتقيا في عرفات فتعارفا فسميت عرفة. وقلنا: الرأي الأول، وبعض العلماء يقول: لا يوجد دليل صريح صحيح على سبب تسميتها بعرفة. قال بعض العلماء كـ ابن الجوزي في تحريك الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن، قال: إن القبضة التي قبضها الله جل وعلا من الأرض؛ ليخلق منها أبانا آدم كانت مخلوطة من عرفات، فقال: لهذا كل إنسان على الفطرة يجد في قلبه حنيناً إلى عرفات؛ لأن النفس تنزع إلى ما خلقت منه، والجسد يحن إلى الشيء الذي خلق منه، وهذا لا يوجد عليه دليل، لكن نقول: العقل يقبله ولا يوجد في الشرع ما يمنعه، لكن لا نستطيع أن نجزم به.

стр. 34

أسماء مزدلفة مزدلفة لها ثلاثة أسماء: مزدلفة وهو الأشهر. وجمع لقوله ﷺ : (ووقفت ههنا وجمع كلها موقف). وتسمى المشعر الحرام وهو تسمية القرآن، قال الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨]. والمشعر الحرام على وجه الخصوص جبل كان يسمى قزح، وهو الذي بني عليه المسجد الموجود الآن في مزدلفة والمكتوب عليه المشعر الحرام، وهذا هو عين المكان الذي وقف فيه النبي ﷺ والنبي صلى صلاة الفجر في مزدلفة في أول وقتها حتى يتفرغ للقيام، ثم وقف مستقبلاً القبلة يدعو تحقيقاً للآية: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨]، وهي سنة عظيمة تركها الكثير من الناس اليوم مع الازدحام، ومن كان معه نساء وذوات مرض وأشباه ذلك فلا بأس، لكن من حج مع شباب أو مع غير ذلك، فالأفضل بل يحسن أن يفرغ نفسه للوقوف في أي مكان من مزدلفة يستقبل القبلة ويذكر قول الله جل وعلا: ((فَاذْكُرُوا اللهَ عِند َالمْشْعَرِ الْحَرَامِ)) ويحرص على ذكر الله حتى يسفر الصبح جداً أي: قبل طلوع الشمس، ثم ينفر إلى منى. هذان كما بينا عرفات والمشعر الحرام.

стр. 35

عرفات في الشعر العربي وردت عرفات في الشعر العربي، وممن وردت في شعره عرفات قصيده لـ دعبل الخزاعي، ودعبل هذا كان شيعياً يتشيع لآل البيت، وله تائية مشهورة جداً قالها في مدح آل البيت، وهي التي بدأها: ذكرت محل الربع من عرفات والتي فيها: ديار علي والحسين وجعفر وحمزة والسجاد ذي الثفنات بنات زياد في القصور مصونة وآل رسول الله في الفلوات أرى فيئهم في غيرهم متقسماً وأيديهم من فيئهم صفرات قصيدة طويلة أعطاه أحد آل البيت حلة لباس -يعني عباءة يلبسها- فلما دخل بغداد اقتتل الناس على الحلة التي يلبسها ثم مزقت ولم يبق له منها أي شيء افتتاناً بتلك العباءة؛ فالقوم منذ قديم الزمان العقل فيهم خفيف، والتقرب إلى الله يكون بما شرع الله وشرع رسوله ﷺ . وآل البيت ظلموا وهذا لا ينكره عاقل. وقد كنت يوماً في الرياض وجلست مع الشيخ: محمد بن حسن آل الشيخ -وفقه الله- عضو هيئة كبار العلماء وجده الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، فقال الشيخ في المجلس مقالة لطيفة في قضية علي ومعاوية: الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله تعالى عليه الذي يقول بأنه وهابي كان له بنت اسمها فاطمة وله أبناء أسماؤهم علي والحسن والحسين يرد على من يتهموه؛ لأن الرجل غفر الله له ورحمه إنما كان إماماً مجدداً على هدي قويم وعلى سنة مستقيمة، ابنته فاطمة هذه كانت طالبة علم مثل أبيها فجلست تحدث النساء وسألوها عن علي ومعاوية فأجابت جواباً علمياً، والحضور من بادية عاميات حيث لا يوجد في تلك الأيام مدارس، إحدى النساء ذهبت إلى بيتها وسألها أبوها: ماذا قالت بنت الشيخ عن علي ومعاوية؟ قالت: والله إن الحق مع علي ويشرهون على معاوية. وكلمة: يشرهون على معاوية معناها: يعاتبون، والمعاتبة تكون للحبيب، والشخص الذي تحبه تشره عليه أي: تعاتبه، أما الذي لا تتوقع منه خيراً ولا تحبه فلا تشره عليه ولا تعاتبه، فـ فاطمة رحمة الله عليها شرحتها شرحاً علمياً، وفهم الناس أن معاوية وعلي كلاهما حبيب، وأن علياً الحق معه، وأن معاوية ارتكب بعض الأخطاء، لكنه صحابي جليل. هذا الذي قالته الابنة الفاضلة، وهذه المرأة العامية فهمتها فهماً صحيحاً، لكن لما ترجمتها ترجمتها بلغتها هي، ففهموا منها الناس أنه ليس هناك بغضاً لـ معاوية ﵁ وأرضاه، وإنما بياناً للحق بطريقة معينة. المقصود أن عرفات ذكرها الشعراء في شعرهم وذكرها شوقي في قصيدة طويلة قال: إلى عرفات الله يا خير زائر المهم أنها مكان عظيم، ومجمع عرفات من أعظم مجامع الدنيا، وهو مظنة الإجابة، فمن قدر له أن يحج إلى البيت فلا يتردد. المقصود أن الحج عبادة عظيمة وعرفات ركن الحج الأعظم، والموقف فيها من أعظم مواقف الدنيا، والنبي ﷺ حث أمته على كثرة الدعاء فيها، ولهذا كان ﷺ غير صائم في يوم عرفة حتى يتمكن من عبادة الله، ووقف ﷺ يدعو ويرفع يديه حتى غاب قرص الشمس تماماً، ثم أردف أسامه بن زيد وتوجه إلى مزدلفة وفي كل من عرفات ومزدلفة تجمع الصلاة، إلا أن الصلاة في عرفات تجمع جمع تقديم؛ ليتفرغ الناس للدعاء وتجمع في مزدلفة جمع تأخير؛ ليتفرغ الناس في النفرة، يعني: في الطريق، ثم بعد ذلك يستريح الناس وينامون حتى يستعدوا ليوم النحر، والذي سماه الله جل وعلا يوم الحج الأكبر.

стр. 36

الصفا والمروة منى لم يذكرها الله جل وعلا باسمها الصريح في القرآن، وإنما ذكر الصفا والمروة، وهما جبلان يبعد بينهما مسافة معروفة، وقفت عليهما من قبل أمنا هاجر قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨]، وسيأتي الحديث عنهما تفصيلاً في لقاء آخر. هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢].

стр. 37

سلسلة أعلام القرآن [لقمان، ذي القرنين، المسجد الأقصى] اشتمل القرآن على علوم متنوعة، وقد ورد فيه أعلام كثيرة يستفاد من النظر فيما ذكر الله عنهم، ومنهم لقمان الحكيم وذو القرنين القائد العليم والمسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

стр. 38

من أعلام القرآن لقمان الحكيم ﵇

стр. 39

نبذة تعريفية بلقمان الحكيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فمن أعلام القرآن لقمان ﵇. ذهب عكرمة من السلف فيما يروى عنه إلى أن لقمان كان نبياً. والذي عليه أكثر العلماء أنه عبد صالح أحب الله فأحبه الله، وأعطاه الله جل وعلا الحكمة، والمشهور أنه عاش في زمن داود ﵇. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان:١٢] وهذا قسم من الرب ﵎ أنه أعطى هذا العبد الصالح الحكمة، وهي الصواب في الأقوال والأعمال، ومعرفة حقائق الأمور هذا مجمل ما يمكن أن يقال عن الحكمة. والحكمة لها تعريفات عدة، وإنما تعرف بحسب قرائنها، فقول الله جل وعلا: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤] تفسّر الحكمة هنا بأنها السنة والوحي الذي ينزل على النبي ﷺ ، لكن هذا التفسير غير مطرد في كل معنى للحكمة، وإنما بحسب القرائن فـ لقمان أعطاه الله جل وعلا الحكمة بنص القرآن، وجاء القرآن العظيم بسورة مكية كريمة سميت باسم هذا العبد الصالح؛ لأن الله جل وعلا ذكر قصته فيها، وقلنا إن أكثر العلماء على أنه غير نبي، وقال عكرمة والشعبي من السلف فيما ينقل عنهما: إنه نبي. والتحرير العلمي للمسألة أن يقال: إن لقمان إحدى الشخصيات التي ذكرها القرآن واختلف الناس في نبوتها؛ وهذه الشخصيات هي: ذو القرنين، ولقمان، وحواء، ومريم، وتبع. فهذه أعلام ذكرها الله جل وعلا في كتابه بالخير؛ إلا أن العلماء اختلفوا في نبوتهم، وأكثر أهل العلم على التوقف، وقيل إن الراجح أنهم غير أنبياء. قال السيوطي ﵀ في منظومة له: واختلفت في خضرٍ أهل النقول قيل نبي أو ولي أو رسول لقمان ذي القرنين حوى مريم والوقف في الجميع رأي المُعظم معنى الكلام أن هذه الشخصيات اختلف الناس فيها هل هي أنبياء أو رسل أو أولياء؟ ثم قال السيوطي ﵀ في عجز البيت الثاني: والوقف في الجميع رأي المُعظمِ. أي الوقف والتوقف في الحكم هو رأي معظم العلماء، لكن هذا القول لا يسلّم للسيوطي؛ لأن التوقف حاصل في ذي القرنين؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا أدري أكان ذو القرنين نبياً أم لا!) ولا ينبغي التوقف في مريم أو حواء؛ لأن الله لم يبعث نبياً امرأة قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف:١٠٩].

стр. 40

وصايا لقمان لابنه تتضمن أصول الشريعة ذكر الله جل وعلا في سورة لقمان وصاياه لابنه، وليس المقام مقام تفسيرها، لكن جملة نقول: إن لقمان جمع في وصاياه أصول الشريعة الأربعة: الاعتقادات، وهذا في قوله: ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان:١٣]. والأعمال في قوله: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [لقمان:١٧]. وأدب المعاملة في قوله: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان:١٨]. لقمان:١٩ والأدب مع النفس في قوله: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان:١٩] وقوله: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان:١٩]، وقوله: ﴿إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩]. وحُفِظ عن لقمان أقوال في غير القرآن، فـ لقمان شخصية حكيمة شهيرة؛ ولهذا خاطب الله القرشيين به لأنهم يعلمون به ويسمعون عنه، فهو شخصية حكيمة شهيرة معروفة لدى الأمم؛ ولهذا نزل القرآن بخبره وقصته، ومما حُفِظ عنه أنه قال: ثمان حفظتها عن الأنبياء: إذا كنت في الصلاة فاحفظ قلبك، وإن كنت في الطعام فاحفظ بطنك، وإذا كنت في بيت غيرك فاحفظ عينيك، وإذا كنت في الناس فاحفظ لسانك، واذكر اثنتين وانس اثنتين: اذكر الله، واذكر الموت -أي: لا تغفل عن ذكر الله ولا عن ذكر الموت- وانس إحسانك إلى الغير، وإساءة الغير إليك. ونسيان الإساءة من الغير ونسيان الإحسان إليهم يندرج في باب المروءة والمروءة باب طويل جداً، وقل ما يؤلف أحد فيه، وقديماً ذكرت المروءة في بعض الكتب كعيون الأخبار لـ ابن قتيبة، وأشار إليها ابن عبد ربه في العقد الفريد، وقل ما أفردها أحد بكتاب، لكن أفردها في هذا العصر الشيخ مشهور بن حسن سلمان أحد تلامذة العلامة الألباني، وهو من كبار المؤلفين في العصر الحاضر، وهو رجل ذو علم كثير، له كتاب اسمه المروءة مطبوع مشهور فاقتناؤه لطلبة العلم ينفع كثيراً، وللشيخ كذلك مؤلفات أخر، لكن هذا الذي يعنينا في مقامنا هذا. هذا ما أوصى به لقمان في وصاياه التي نقلت في غير القرآن، كما أن من وصاياه التي نقلت في غير القرآن أنه أوصى ابنه فقال: أي بني! إياك والتقنع -وهو ما يسميه العامة اليوم التلثم- فإنه مخوفة بالليل مذلة بالنهار، وفي بعض الروايات: ريبة في النهار. وقد روي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه رأى رجلاً متلثماً مقنعاً فقال له: أما علمت أن لقمان يقول: إن التقنع ريبة بالنهار مخوفة بالليل، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن لقمان لم يكن عليه دين، وذلك أن ما جعله يتقنع ويتلثم خوفه من مطالبة الدائنين له، وهذا أمر ظاهر في الحياة الاجتماعية بين الناس.
следующие страницы →