Полный текст (127 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
سلسلة لطائف المعارف [اثبت أحد]
إن من الغيب الذي كشفه الله لنبيه ﷺ قوله: اثبت أحد! فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان.
وقد تحقق ما قاله ﷺ ؛ فقد قتل عمر في محراب رسول الله شهيداً، وقتل عثمان ويده على المصحف الشريف شهيداً رضوان الله عليهم أجمعين، وفي الحديث: فضل أحد، وبيان معجزاته ﷺ المتضمنة: تكليمه للجمادات، كما حن الجذع إليه، وسلم الحجر عليه، بأبي هو وأمي صلوات الله عليه.
стр. 2
اثبت أحد
الحمد لله حمداً طيباً مباركاً كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا لقاء متجدد من برنامجكم: لطائف المعارف، وسبق التنويه في أكثر من لقاء أن هذا البرنامج برنامج موسوعي لا يختص بشخصية معينة، ولا فم بعينه، وإنما يطرق جوانب عديدة تاريخية وإيمانية، قصصية وإخبارية، وأعلاماً مكانية وزمنية، وأعلاماً على أشخاص، هذا المقصود من لطائف المعارف.
لقاء اليوم يحمل عنوان: (اثبت أحد)، وهذا لفظ نبوي، أي: أن القائل: هو نبينا ﷺ .
بداية نقول: إن النبي ﷺ في الغيب الذي أخبر عنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: غيب أخبر الله به نبيه ﷺ مما قد سلف في غالب الأزمان، كإخباره بما قص الله عليه من نبأ يوسف وإخوته، وأهل الكهف، وقوم نوح، وعاد، وغيرهم، وخبر يخبر عنه ﷺ مما وقع في حياته؛ كإخباره ﷺ عن صرعى بدر، وإخباره ﷺ عن أمور تقع بعد وفاته ﷺ ، وهذا يندرج تحت الحديث الذي بين أيدينا.
قال ﵊: (اثبت أحد) وهو عنوان حلقتنا.
فأحد جبل سمي بذلك لتفرده عن الجبال، يقع في شمال المدينة المنورة، وهو جبل مبارك قال فيه ﷺ : (أحد جبل يحبنا ونحبه)، هذا الجبل صعده النبي ﷺ ومعه أبو بكر وعمر وعثمان الخلفاء الراشدون بعده، فلما صعدوا إلى الجبل رجف بهم،
السؤال
لم رجف الجبل؟ قال العلماء في تعليل ذلك: إن الجبل رجف فرحاً بمن رقاه من الشرفاء، ولا ريب أن النبي ﷺ أشرف الخلق، وأصحابه أشرف الناس بعد الأنبياء والمرسلين، فالجبل فرح فسكنه النبي ﷺ بقدمه وقال: (اثبت أحد)، ثم قال صلوات الله وسلامه عليه: (فإنما عليك نبي -يعني: نفسه ﵊ وصديق -يقصد: أبا بكر - وشهيدان) وهذا من الغيب؛ لأن عمر وعثمان آنذاك لم يقتلا، وإنما أخبر ﷺ أنهما شهيدان دلالة على أنهما سيموتان شهيدين وقد وقع بعد ذلك كما سيأتي.
وهذا الحديث النبوي فيه دلالات مستفيضة يمكن طرقها من عدة جوانب منها: أن الله جل وعلا ألهم بعض الجمادات حب نبيه ﷺ ، وليس جبل أحد بأولها ولا بآخرها، فالنبي ﵊ كان يخطب كثيراً متكئاً على جذع نخلة في مسجده الشريف صلوات الله وسلامه عليه، وهو موضع المنبر اليوم، ثم بعد فترة صنع له منبر له ثلاث درجات، فكان ﷺ يرقى هذا المنبر المصنوع من أعواد ليخطب الناس ويكون مشرفاً من مكان عال، فأول يوم ارتقى ﷺ فيه المنبر أحدث الجذع صوت حنين وشوق إلى خبر سيد المرسلين ﷺ ، هذا كله والصحابة ينظرون، فنزل ﵊ إلى الجذع وسكنه ثم عاد ﵊ وخطب، ولهذا يقال: حن الجذع إليه صلوات الله وسلامه عليه، كما أنه ﷺ سبح الحصى بين يديه، وقال في حديث آخر: (إني لأعلم حجراً في مكة كان يسلم علي قبل البعثة)، والمقصود: أنه ﵊ قبل أن ينبأ -وهو ﵊ نبئ (بإقرأ) وأرسل (بالمدثر) - كان يمشي في طرقات مكة فيسمع الحجر يسلم عليه: السلام عليك يا نبي الله! فيلتفت ميمنة وميسرة فلا يرى شخصاً ولا خيالاً، ثم لما نبئ وأرسل عرف أن ذلك الحجر كان قد ألهم المعرفة بأن هذا الذي يمشي هو نبي الأمة وسيد الخلق، ومن سيختم الله به النبوات، ويتم الله به الرسالات، صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 3
ذكر بعض الأحداث التي وقعت في غزوة أحد
وفي أحد الذي قال عنه النبي ﷺ في هذا الحديث الذي بين أيدينا اليوم: (اثبت أحد) وقعت غزوة أحد، وهي غزوة وقعت -كما هو معلوم- بعد بدر في السنة الثالثة، وفيها وقعت أحداث عظام منها: شج رأسه الشريف ﷺ ، وكسر رباعيته، وسيلان الدم على وجنتيه، وكفى بذلك حدثاً في تلك المعركة، كما أنه قتل في تلك المعركة عمه حمزة، وحمزة من أسود آل البيت، ومن أحب الناس إلى رسول الله ﷺ ، قتله الوحشي غلام لبعض آل بني أمية، كما وقع في تلك المعركة قتل كثير من الصحابة، فقد وصل عددهم إلى سبعين شهيداً، قال الله جل وعلا في القرآن: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٤٠]، وقال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران:١٦٥]، فالنبي ﷺ قتل من أصحابه يوم أحد سبعون، وكانوا قد قتلوا في يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، ولعل هذا من أقرب المعاني لقول الله جل وعلا: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران:١٦٥]، في أحد كذلك أمر النبي ﷺ الصحابة أن يدفنوا شهداءهم في أرض المعركة، وإلى اليوم ما تزال القبور باقية بجوار الجبل، والنبي ﵊ قبل أن يموت لما شعر بدنو أجله وقرب رحيله أتى إلى هؤلاء الشهداء الكرام فسلم عليهم واستغفر لهم ودعا لهم كالمودع، ومن باب الوفاء معهم، وهذا من دلائل عظيم وفائه ﷺ لمن بذلوا المهج والنفوس والدماء من أجل نصرة دينه صلوات الله وسلامه عليه، يقول في مثل هذا أو قريب منه: وفتية لا تنال الأرض أبناءهم ولا مفارقهم إلا مصلينا المقصود من هذا: أن تلك الأنفس كانت عظيمة جليلة بذلت دماءها وأرواحها وأنفسها من أجل نصرة دين الله جل وعلا، فقام نبي الأمة ورأس الملة وسيد الأمة ﷺ وهو يشعر بدنو الرحيل وقرب الأجل ومفارقة الدنيا إلى ذلك الموضع فسلم على أهله، واستغفر لهم، ليكون بعد ذلك سنة، وإلى اليوم في مدينة رسول الله ﷺ يقدم الناس والزوار لزيارة شهداء أحد اتباعاً لسنة نبينا صلوات الله وسلامه عليه، ونحن نعلم أن على تلك القبور لا يملكون لنا ولا لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، لكنها سنة يؤدى لهم فيها بعض الواجب ﵃ وأرضاهم أجمعين.
стр. 4
وصدق ﷺ
نعود إلى قضية الغيب، ثم إن النبي ﷺ قال: (اثبت أحد، فإنما عليك نبي -يقصد: نفسه- وصديق -يقصد: أبا بكر -)، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه لم يمت مقتولاً، بل مات مريضاً، والمشهور عن أهل العلم: أنه أكل طعاماً مع الحارث بن كلدة طبيب العرب المشهور في وقت واحد، فبينما هو يأكل قال له الحارث وقد أكل معه: أنزل يدك يا خليل رسول الله! فالذي أكلنا سم سنة، هذا طبيب يقول هذا، يعني: ما أكلناه أنا وأنت سم عام، قال أهل التاريخ: إن الحارث بن كلدة طبيب العرب المشهور وأبا بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه ماتا في يوم واحد على الحول الذي أكلا فيه تلك الأكلة، وهذا -إن صح- يدل على أن الحارث أعطي حظاً كبيراً من الطب والعلم ومعرفة ما يؤكل، وهذه أمور تجريبية إذا أمعن الإنسان فيها النظر والتأمل الفنون العلمية تعتمد على كثرة التأمل والمطالعة وإدمان النظر، كما قال هذا أو قريب منه البخاري في تعريفه لطلب العلم.
أما عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه فقد صرح النبي ﷺ بأنه سيموت شهيداً وقد مات شهيداً، طعنه أبو لؤلؤة المجوسي كما هو معروف مشهور في محراب نبينا ﷺ ، وقد كان عمر يقول قبل أن يقتل: اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك وميتة في بلد رسولك.
ويقال: إن بعض الصحابة وبعض من حوله من التابعين كانوا ينازعون عمر ﵁ في هذه الكلمة ويقولون: يا أمير المؤمنين! إن الشهادة مظانها ساحات الجهاد وليست في المدينة؛ لأن المدينة ديار إسلام محمية ليس فيها كفار، أو ليس فيها محاربون من أهل الكفر، لكن عمر كان يصر على دعائه، وقد أعطاه الله جل وعلا لصدق نيته وعظيم جهاده ما تمناه فمات شهيداً في محراب رسول الله ﷺ ، وتحقق له ما أراد ﵁ وأرضاه.
أما عثمان ﵁ وأرضاه فقد قتل في المدينة، قتله الخوارج بعد أن تسوروا داره وقتلوه، فهو أمير البررة والذين قتلوه فسقة فجرة، ويصعب أن نقول بكفرهم، وإن كان بعضهم قد يكفر من استحل دمه، فـ عثمان رضي الله تعالى عنه مات شهيداً، والمقصود من هذا: أن هذا بعض الغيب الذي أخبر عنه رسول الله ﷺ ، وأنهم ماتوا شهداء كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه.
هذا ما تحرر إيراده وتيسر إعداده حول قول النبي ﷺ : (اثبت أحد! فإنما عليك نبي، وصديق، وشهيدان).
وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 5
سلسلة لطائف المعارف [أصحاب الكهف]
مما قصّه الله لنبيه في كتابه قصة أصحاب الكهف، هؤلاء الفتية الذين آمنوا بالله الواحد، وتركوا عبادة من لا يسمع ولا يعقل ولا يتكلم، وقد كافأهم الله بأن زادهم إيماناً على إيمانهم الفطري، وهدى ورشداً، وفي قصة أصحاب الكهف فوائد جمة، ومعان غزيرة، لمن أراد أن يتذكر أو يتدبر.
стр. 6
إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا يبلغ مدحته قول قائل، ولا يجزي بآلائه أحد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ عن الله رسالاته، ونصح له في برياته، فجزاه الله أفضل ما جزى به نبياً عن أمته.
أما بعد: أيها الإخوة المباركون! هذا لقاء متجدد من برنامجكم: لطائف المعارف، وعنوان حلقة هذا اليوم: أصحاب الكهف.
ونحن نعلم أن ثمة سورة عظيمة من سور القرآن الكريم: هي سورة الكهف، وهذه السورة هي السورة الوسطى التي افتتحها الله جل وعلا بحمده، فقد استفتح الله جل وعلا بحمده سورة الفاتحة والأنعام، ثم بعد سورة الكهف فتح الله جل وعلا بحمده سورتي سبأ وفاطر، لكننا سننيخ المطايا هنا عند خبر واحد من تلك السورة؛ ألا وهو: قصة أصحاب الكهف.
ونحن هنا نحاول أن نعرج على لطائف كثيرة معرفية إيمانية تاريخية اجتماعية تربوية من قول الله ﵎: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣]، إن التفصيل بعد الإجمال أسلوب ظاهر في كلام الله جل وعلا.
فالله جل وعلا يخبر هنا جملة أن مجمل خبر أصحاب الكهف أنهم فتية أي: أنهم في سن تحمل في طياتها القوة والفتوة، ورزقوا إيماناً وزادهم الله جل وعلا هدى على الإيمان الفطري الذي كانوا قد رزقوه من قبل، فقد نشئوا في قوم كفار اجتمع أمرهم على معارضة قومهم في عبادتهم لغير الله جل وعلا.
لكن المرء في مسيرته إلى ربه ﵎ مفتقر إلى عون ربه جل وعلا على طاعته، ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، وهنا يقول ربنا: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا﴾ [الكهف:١٤]، وهم وإن كانوا مؤمنين بالله جل وعلا حقاً إلا أنهم مفتقرون إلى رحمة ربهم، والربط على القلب أسلوب قرآني ذكره الله حتى في خبر أم موسى، يقول الله: ﴿لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:١٠].
فالإنسان إذا افتقر إلى ربه جل وعلا وازدلف إليه وتضرع إليه ﵎ أن يربط على قلبه في أمور عديدة خاصة عندما يخشى الإنسان على نفسه الضعف، أو أنه يعرض لفتنة أو يعرض لمحنة أو لهلكة يكون بذلك قد ازدلف إلى الله ﵎، يزدلف إليه بأحب أسمائه إليه وأقربها لديه جل وعلا، فيكون بعد ذلك -إذا قبل الله جل وعلا دعاءه- النفع العظيم من الرب الكريم ﷻ .
هنا يقول الله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف:١٤]، أي: إن دعونا إلهاً غيره، ثم نظروا إلى حال قومهم فقالوا: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف:١٥].
جملة الأمر: أنهم أجمعوا أمرهم على أن يعتزلوا الناس راجين رحمة ربهم، سائلين الله جل وعلا الرشد البين والطريق الخير، فآواهم الله جل وعلا إلى فضله، وآووا إلى الغار، وفي الطريق إلى الغار مروا على راع معه كلب كما يقول جمهرة أهل التفسير فاصطحبوهم، ثم ذكر الله جل وعلا ما كان من خبرهم في ذلك الكهف، قال ربنا وهو أصدق القائلين: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ﴾ [الكهف:١٧]، أيها السامع لكلامنا! المتأمل قولنا! لو قدر لك أن ترى حال هؤلاء القوم لرأيت عجباً، قال: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ [الكهف:١٧]، أي: تميل، ومنه قول عنترة: فازور من وقع القنا بلبانه وشكا إلي بعبرة وتحمحم
стр. 7
قصة أصحاب الكهف وبيان ما ذكره الله من خبرهم
هنا يقول الله: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف:١٧]، أي: أهل الكهف، ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ [الكهف:١٧]، وهل وقع هذا؟ أي: عدم إصابتهم بالضرر من الشمس، نعم وقع؛ لأن الهيئة الجغرافية للكهف تحول من وقوع ذلك، أو أن الرب ﵎ والشمس مأمورة مخلوقة من مخلوقاته بقدره جل وعلا لم يجعل لها ضرراً عليهم، والثاني هو الأرجح؛ لأن القرينة تدل عليه، قال الله جل وعلا بعدها: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:١٧].
فجعل الله جل وعلا من ازورار الشمس عنهم حال طلوعها، وأنها تقرضهم أي: تقطع عنهم حال غروبها، رحمة بهم حتى لا يصيبهم ضرر، وحتى يبقي الله جل وعلا على نومهم مدة أطول، وقد قال الله جل وعلا: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ﴾ [الكهف:١١]، والضرب في اللغة: اللزوم والالتصاق، ومنه قول الفرزدق: ضربت عليك العنكبوت بنسجها وقضى عليك به الكتاب المنزل أو المنذري الذي يعنينا هنا: هذا معنى قول الله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ [الكهف:١١].
والضرب على الآذان حتى يبقي الله جل وعلا على نومهم مدة طويلة؛ لأن الإنسان إذا رزق أنه لا يسمع في منامه كان ذلك أدعى أن يبقى على نومه؛ ولهذا من بدهيات الطرائق في إيقاظ النائم: أن ينادى، فإذا وصل إليه الصوت استيقظ من نومه، قال الله جل وعلا هنا: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف:١١ - ١٢].
ذكر الله جل وعلا فيما كنا فيه أن الشمس: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الكهف:١٧]، ثم ذكر الله جل وعلا: كيف أن كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد، والكلب ليس حيواناً محموداً، لكنه هنا لما صحب الأخيار ارتقى إليهم، ومن هنا يفقه العاقل ويعرف المنصف أنه ينبغي عليه أن يتأسى بالأخيار وأن يكون قريباً منهم عله أن يصيبه شيء مما تحلوا به.
قال ربنا جل وعلا: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف:١٨]، وهنا يكثر
السؤال
من المفترض مراعاة للنسق القرآني: أن الإنسان يمتلئ رعباً أولاً ثم يلوذ بالفرار ثانياً، وهنا قال: ﴿لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف:١٨]، وكأن الآية تروم الوصول إلى معنى أعظم: وهو أن الإنسان إذا رآهم: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف:١٨]، إذا رآهم لا يلبث أن يفر قبل أن يتخذ أي ردة فعل من مرآهم، فتسبق خطواته طرائق تفكيره، وقبل أن يدب الرعب في القلب تكون قدماه قد اتخذت قراراً بالفرار لهول ما رآه، وقول الله جل وعلا: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف:١٨]، ظاهره -والعلم عند الله- أنهم كانوا ينامون وأعينهم مفتوحة، وهذا وصف كانت العرب تطلقه على الذئب، فالعرب تزعم أن الذئب ينام وإحدى عينيه مفتوحة، يقول قائلهم: ينام بإحدى مقلتيه ويتقي بأخرى المنايا فهو يقظان نائم
стр. 8
لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً
ومما يدل على هذا: أن الله قال: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف:١٨]، وهذا من رحمة الله بهم، ولهذا أسند الله التقليب إلى ذاته العلية، حتى لا تأكلهم الأرضة، وإذا أراد الله شيئاً هيأ أسبابه، قال: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف:١٨]، يقول الله في سورة القمر: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر:٣]، فكل شيء -يا أخي- له نهاية.
وهنا قال الله جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ﴾ [الكهف:١٩]، فبعثهم نهاية وانقضاء لما كتبه الله جل وعلا عليهم من النوم مدة هذه من السنين الطوال، فقال الله جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ [الكهف:١٩]، وهم كلهم قد لا يتجاوزون الثمانية الأشخاص: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف:١٩] وهذه (كم) استفهامية هنا تحتاج إلى جواب، وقد تأتي في القرآن خبرية لا تحتاج إلى جواب، كقول الله جل وعلا: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [مريم:٧٤]، فالمقصود: الإنباء والإخبار عن كثرة القرون التي أهلكها الله جل وعلا.
هنا يقول ربنا: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف:١٩]، فلما كان لا بد من جواب قالوا: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩]، والناس يتداولون فيما بينهم: أن أصحاب الكهف طالت أظافرهم، وأشعارهم، واحدودبت ظهورهم، وتغيرت هيئاتهم؛ ولهذا قالوا: هذا معنى قول الله: ﴿لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف:١٨]، وهذا غير صحيح؛ لأن الآية التي بين أيدينا ناطقة أنهم لم يتغير فيهم شيء بدليل أن الله بين أنهم لما تلقوا ذلك السؤال كان الجواب منهم -وهم قوم زادهم الله هدى- كما أنبأ من قبل: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩]، ومحال أن يقول أحد منهم: لبثنا يوماً أو بعض يوم وهم يرون أنفسهم قد طالت أظفارهم أو أشعارهم أو احدودبت ظهورهم أو خطهم الشيب، فلما انتسى كل ذلك كان بدهياً أن يقبل أن يقال: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩].
стр. 9
عش لحظتك وكن ابن يومك
ثم يبين الله لنا جل وعلا أن الإنسان ينبغي أن يكون ابن يومه، وألا يتكلف أحداثاً لم تقع، وألا يقف فيخشى الغيب أكثر مما هو مطلوب، قال تعالى: ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف:١٩]، دعونا من هذا السؤال الذي لا طائل من ورائه ولنحيا قضيتنا، وكذلك ينبغي على كل امرئ، وعلى أهل الساسة والقادة وأهل الفكر أن يعيشوا واقع الأمة المعاصر، وأن يحاولوا أن يجدوا لها من واقعها ما تلتئم به جراحها.
أما الإكثار من غيبيات لم تأت بعد، ولم يأذن الله بوقوعها بعد، أو الإغراق في قراءة التاريخ السابق والأيام الماضية دون أن نصنع شيئاً لحاضرنا ليس من العقل بمكان: مضى السلف الأبرار يعبق ذكرهم فسيروا كما ساروا على الدرب واسمعوا ولا خير في الماضي إذا لم يكن له من الحاضر الزاهي بناء مرفع فهؤلاء الفتية الموسومون قرآنياً بزيادة الهدى يقولون: ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف:١٩]، إذاً: فقضيتهم هي الجوع الذي نحن فيه، أي: أصحاب الكهف: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف:١٩].
أحياناً يمر معك -أيها المبارك- أن المفسرين يختلفون في المعنى؛ وذلك لأن المفتاح الذي ينظرون إليه يختلف، فإذا اختلف الباب الذي يلجون منه فلا بد أن يختلف المشهد الذي يرونه، فبعض العلماء نظر إلى أن كلمة أزكى هنا بمعنى: الطهر والنقاء، فذهبوا إلى وصف أولئك الفتية بالورع والخوف على أنفسهم في الدين، وآخرون نظروا إلى أن أزكى هنا بمعنى: النماء والزيادة والترف، ففهموا أن هؤلاء الفتية أبناء ملوك وأثريا وأغنياء وليسوا بقليلي الحظ في مجتمعهم، وهذا المفتاح يهون عليك أن تتقبل خلافات المفسرين في كثير من القضايا: ﴿أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف:١٩]، حصل لهم ذلك ثم تبينت للناس بعد ذلك أمور وأمور نجم عنها معرفة أن هؤلاء القوم كانوا قد ضرب الله جل وعلا على آذانهم في الكهف سنين عدداً، ونجم من ذلك تقديس الذوات وهو المنهي عنه شرعاً، قال: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١]، وهو ما أراد القرآن أن يحذرنا منه؛ لأن السنة حاكمة ومبينة للقرآن.
وقد أخبر النبي ﷺ ولعن من جعلوا قبور أنبيائهم مساجد.
هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وإلا ففي قصة أصحاب الكهف معان زاخرة لم يعن الوقت على أكثر من هذا.
نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وصل اللهم على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 10
سلسلة لطائف المعارف [أصُول الخطايا]
الكبر والحرص والحسد أصول الخطايا، فإبليس لعنه الله امتنع عن السجود لآدم وعصى بذلك ربه بسبب الكبر، وآدم ﵇ أكل من الشجرة وعصى ربه بسبب الحرص وقتل قابيل هابيل بسبب الحسد، فما أقبحها من أصول، وما أنتنها من مبادئ!
стр. 11
التعريف بأصول الخطايا
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن هذا اللقاء من لقاءات لطائف المعارف يحمل عنوان: أصول الخطايا.
ونحن نعلم يقيناً أن الإنسان ما حمل على كاهله شيئاً أعظم من ذنبه؛ لأن الذنوب أسباب الهلاك قال الله جل وعلا: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح:٢٥].
وقال قتادة حمه الله: وبلغنا أنه ما خدشة عود ولا تعثر قدم ولا خلجان عرق إلا بذنب وما يعفو الله أكثر.
لذلك فإن البحث في أصول الخطايا من أعظم ما يعين العبد على تجنبها، والعلماء استقصوا الأدلة والآثار الثابتة في الكتاب والسنة فوجدوا أن هناك أصولاً للخطايا يمكن جمعها في ثلاث: الكبر والحرص والحسد، وقالوا في بيان هذا إجمالاً: إن الكبر به عصى إبليس ربه، فكان أول ذنب عصي الله جل وعلا به يوم أن امتنع إبليس عن السجود لآدم، وكان ذلك بسبب الكبر، قال الله جل وعلا يحكي هذا الأمر: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص:٧٦]، فإبليس هنا يكبر بكبره وعلوه، ويترفع بعنصره على السجود لآدم، كما أن الحرص بعد ذلك كان سبباً في إخراج أبينا آدم من الجنة، فإن إبليس جاء لآدم: ﴿قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠] مع أن الله جل وعلا أباح لآدم الجنة كلها، لكن الله جل وعلا استثنى تلك الشجرة أن يأكل منها آدم، فجاء إبليس يقسم له ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٢١] قال الله: ﴿فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١]، فحرص آدم ﵇ على أن يجمع كل ما في الجنة كان سبباً -بقدر الله وبحكمته جل وعلا- في إخراج أبينا ﵇ من الجنة.
ثم تاب الله عليه كما بين الله ذلك صريحاً في كتابه.
الثالث: الحسد، والعلماء استنبطوا أن الحسد من أصول الخطايا؛ لأنه يدفع بعد ذلك إلى الآثام القولية والفعلية، وجعلوا قتل قابيل لأخيه هابيل دليلاً على ذلك، فإن الله جل وعلا قال: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧] قال أهل العلم: إن الذي أنبت الغل والشحناء في قلب قابيل هو حسده لأخيه لما تقبل الله جل وعلا منه قربانه ولم يتقبل منه ما تقدم به من قربان، وما رد الله قربان قابيل إلا لسوء في نفسه، فهو قد اختار أردى ما يملك، بخلاف هابيل الذي اختار أحسن ما يملك، فجاءت النار فأكلت قربان هابيل ولم تأكل قربان قابيل، هذا الحديث عن أصول الخطايا إجمالاً.
أما التفصيل سيأتي.
стр. 12
الكبر من أصول الخطايا
إن الكبر هو أول أصول الخطايا، ومنبته في القلب، وهو شعور الإنسان بالترفع.
وينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: الكبر على الله، ولا ريب أن هذا هو الكفر المحض، بل هو أرفع درجات الكفر، وليس في درجات الكفر رفيع، لكن من باب التصنيف.
هذا الكبر ضرب الله فيه مثلاً على لسان النمرود لما قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨]، وعلى لسان فرعون لما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، فهذان مثالان ذكرهما الله جل وعلا في كتابه الكريم لشخصيتين تأريخيتين كفرتا بالله، وكان كفرهما مرده إلى الكبر، كما قال فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١]، وهذا كما قلنا أعظم أنواع الكبر، وهو عين الكفر المحض، وأعظم ما عصي الله جل وعلا به.
النوع الثاني: كبر على الرسل، وهذا كان شائعاً ذائعاً في سائر الأمم، وقد تناقلته الأمم ولو من غير أن يشعروا، وحتى لو لم يكن هناك اتصال حضاري بين تلك الأمم ولقد دل القرآن على أن ذلك القول كان ديدن كثير من الأمم في ردها لرسلها، قال الله جل وعلا مثلاً عن قوم فرعون أنهم قالوا في حق موسى وهارون: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون:٤٧]، ورغم أنه لا يوجد دليل على اتصال حضاري ما بين الحضارة الفرعونية القبطية القديمة وما بين الحضارة في جزيرة العرب إلا أن القرشيين في صدهم لنبينا ﷺ قالوا نفس المقولة، قال الله جل وعلا عنهم أنهم قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]، فهم ازدروا النبي ﷺ ، ولم يروا أن النبي ﵊ أهل لأن يستحق النبوة والرسالة، فأخذوا يقولون ما تمليه عليه أفكارهم وآراءهم المنبثقة من كبر في صدورهم، وأبو جهل صور هذا أعظم تصوير يوم أن قال: كنا وبني هاشم كفرسي رهان: أطعموا فأطعمنا، وسقوا فسقينا، حتى إذا جثونا على الركب قالوا: منا نبي، فإن أطعناهم كيف لنا بعد ذلك أن نلحق بهم؟ فالقضية قضية كبر في قلوبهم، والله جل وعلا قال: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر:٥٦].
ويجتمع النوع الأول والنوع الثاني من الكبر أن كليهما كفر محض، ولا يمكن التروي في قضية الحكم عليهما بالكفر؛ لأن الأمور إذا كانت جلية واضحة ذات حقائق بينة فليس هناك مدعاة للتروي.
وما يروى في هذا أن إياس القاضي الشهير بذكائه عوتب ذات مرة أن فيه شيئاً من العجلة، لكنه كان يعتمد على أمور يراها بغير ما يراها الناس، فلما أكثر عليه اللائمون قال لأحد من يحضرون مجلسه: كم عدد أصابع ي٠دك؟ فقال الرجل مباشرة وهو يجيب: خمس، فقال له إياس: لماذا أجبت عاجلاً ولم تترو؟ قال: سبحان الله، من يجهل أن أصابع يده خمس؟ فقال إياس محتجاً بهذا الجواب على هذا الرجل: فكذلك أنا ثمة أمور واضحة جلية لا أحتاج فيها إلى تأمل وترو.
الثالث: الكبر على الناس، وهو درجات, قد يصل أحياناً إلى الكفر المحض، وقد لا يصل، وهو الغالب.
والنبي ﷺ قال: (الكبر بطر الحق وغمط الناس)، فظلم الناس وازدراؤهم ومنعهم حقهم نوع من الكبر، ورد الحق نوع من الكبر، والله جل وعلا يقول: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف:١٤٦]، فلو لم يكن في الكبر من آفة ومن عواقب وخيمة أعظم من أن يصرف العبد عن آيات الله والتأمل فيها لكفى بذلك عقوبة وخسراناً، أعوذ بالله من ذلك كله.
من طريف ما يروى في هذا المقام وهو طريف من جهة أن الحجاج قاله، وغير طريف في أنها عبارات قاسية جداً تنم عن جفاء وكبر، هذا الخبر مفاده أن الحجاج بن يوسف قال قبل أن يدخل الكوفة أو بعد أن دخلها: ثمة رجال أربعة لو أدركتهم لقتلتهم للكبر الذي في أنفسهم -وقائل هذا الحجاج ولهذا قلت: أن هذا الموضوع من هذا الجانب طريف- قيل له: من أيها الأمير؟ قال: إن أحدهم صعد المنبر فخطب خطبة بليغة، فقال له أحد الحاضرين: كثر الله من أمثالك -أي: عجباً وفرحاً وإعجاباً بخطبة هذا الرجل- فقال: لقد كلفت ربك شططاً، كأنه يقول: صعب على الله أن يخلق مثلي.
وهذا والعياذ بالله كفر محض.
وآخر جاءته امرأة وهو واقف على قارعة الطريق، وقد أضلت طريقها فجاءت تسأله -قبل أن تسأله كانت لا تعرفه وإن كان وجيهاً في قومه سيداً في رهطه- قالت له: يا عبد الله أين طريق كذا وكذا؟! قال: ألمثلي يقال: يا عبد الله؟! فهو استكبر أن ينادى بهذا اللفظ مع أن الناس كلهم عبيد مقهورون لله من حيث الجملة، يقول الله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء:١٧٢]، وحتى من يستنكف أن يكون عبداً لله هو عبد لله شاء أم أبى، قال الله جل وعلا: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥].
آخر من ذكره الحجاج رجل ضاعت له ناقة، فأقسم بالله من جفائه وكفره وكبره لو لم يرد الله عليه ضالته ألا يصلي ولا يصوم، كأن الله محتاج إلى طاعته وعبادته.
وهذه فتنة من الله له، ولما رد الله جل وعلا له ناقته التي ضلت، قال: لقد علم ربي أن يميني كانت عزماً، وهذا كفر محض.
وقد يتعجب المرء إذا سمع مثل هذا، فالنفس جبلت على الكبر وجبلت على التواضع، الله يقول: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٨]، فإذا كان المرء المؤمن ملجم بلجام التقوى تمنعه التقوى أن يقول ما يريده، وإن خلى الإنسان من التقوى ولم يبق القلب يخشى الله ولا يخاف مقامه جل وعلا أطلق لنفسه العنان في أن يقول ويفعل ما يريد.
стр. 13
الحرص من أصول الخطايا
أما الحرص فإن الإنسان ينبغي عليه أن يعلم أن النبي ﷺ قال: (إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب).
فالإنسان إذا علم يقيناً أن ما كتبه الله له سيأتيه على ضعفه، وما لم يكتبه الله له لن يناله بقوته، إذا علم هذا يقيناً اطمأنت نفسه وقل الحرص عنده، لأن الحرص أحياناً يكون مدعاة للآثام.
ولهذا عد الحرص أصلاً من أصول الخطايا؛ لأن الإنسان إذا كان حريصاً على قضاء شهوته قد يزني، وإذا كان حريصاً على زيادة ثروته قد يسرق، وإذا كان حريصاً على زيادة نفوذه قد يظلم، فهذا معنى قولهم: إن الحرص أصل من أصول الخطايا، وأحياناً قد يصل الحرص بصاحبه إلى أن يجمع شيئاً من غير حله فيقع في المهالك، ولهذا قال العلماء: إن الحرص أصل من أصول الخطايا، وأبونا آدم -كما بينا- حرص على أن يأكل من الشجرة لما قال له إبليس: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠] فكان ذلك سبباً في أن يفقدها بالكلية إلى حين، ويخرج منها لكنه قطعاً سيعود، فهو نبي مكلم كما أخبر النبي ﷺ عنه.
стр. 14
الحسد من أصول الخطايا
الحسد بسببه حسد إخوة يوسف أخاهم يوسف، ونالهم ما نالهم حتى جعلهم الله بين يدي يوسف أذلة وهم يقولون له: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩١].
الغاية من هذا الإجمال كله: أن نعلم أن الكبر والحرص والحسد أصول الخطايا.
أعاننا الله على البعد عنها والنأي منها.
هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده.
وأعان الله على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 15
سلسلة لطائف المعارف [أعمام النبي ﵊]
عندما اصطفى الله نبينا محمداً ﷺ لتبليغ رسالته للناس كان لابد أن يكون ﷺ نسيباً معروفاً في قومه، كيف لا وهو مبلغ عن الله رسالاته وكلامه، وقد كان بين أهله ﷺ من حاربه وصوب سهامه نحو صدره ﷺ ، ومن هؤلاء أبو لهب المتوعَّد بالنار، وكان منهم من نصره ووقف بجانبه إلا أنه مات على الشرك كأبي طالب عمه، وكان من أعمامه كذلك من نصر الله به الملة، وأقام به اعوجاج الأمة، كحمزة أسد الله ورسوله، وكذلك العباس عمه، وقد ركز الشيخ في هذه المادة الحديث عن أعمامه ﷺ وأقسامهم من حيث الإيمان والكفر.
стр. 16
أعمام النبي ﷺ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، والصلاة والسلام على خير خلق الله، محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا لقاء متجدد من لقاءاتنا الموسومة بعنوان: لطائف المعارف، وسيكون عنوان هذا اللقاء في هذا المساء المبارك: أعمام النبي ﷺ .
لا ريب أن من حسن عناية الأمة بسيرة نبيها ﷺ أنها عنيت بكثير من حياته ﵊ وسيرته مع الناس وسيرته الخاصة، ويسمى هذا كله: السيرة العطرة، والأيام النضرة لرسولنا ﷺ ، ونحن ندرك أن نبينا ﵊ هاشمي عدناني من ذرية إسماعيل، وإسماعيل ابن لإبراهيم ﵊، فعبد المطلب جد النبي ﷺ بالاتفاق، فهو ﵊ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وقد كان له ﵊ عشرة أعمام، ستة منهم لم يدركوا بعثته ﷺ ، وبما أنهم لم يدركوا بعثته ﵊ فلا يتعلق بهم الكفر والإيمان، فهم من حيث الجملة داخلون في أهل الفترة، فبقي أربعة من أعمامه ﵊، وهؤلاء الأربعة هم: العباس وحمزة وأبو طالب وأبو لهب، وقد انقسموا من حيث الجملة إلى قسمين: اثنان آمنا واثنان كفرا، فأما اللذان آمنا فهما: العباس وحمزة، وأما اللذان كفرا: فـ أبو طالب وأبو لهب، ولكل منهم خبر وله علاقة بالنبي ﷺ تفصيلها وفوائدها كالتالي:
стр. 17
أبو طالب عم النبي ﷺ
أما أبو طالب فهو أكبر أعمام النبي ﷺ ، وهو الذي تولى كفالته بعد موت جده عبد المطلب، وأبو طالب يقول بعض العلماء: هو من نزل في حقه قول الله جل وعلا: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٦] بمعنى: أن أبا طالب ينهى الناس أن يقربوا ابن أخيه أو أن يؤذوه، وينأى بنفسه أن يؤمن، وقد نقل عنه أنه قال: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية ديناً لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك يقيناً وأبو طالب هو أول من مدح النبي ﷺ شعراً، وذلك في لاميته الشهيرة والتي منها قوله: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل ولهذا ثبت ونقل: أن النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة وشكت المدينة جدب الديار واستسقى ﷺ وأجاب الله دعاءه وسقي الناس قال ﷺ : (لو كان أبو طالب حياً ورأى هذا لسر) ففهم الصحابة مراده وقالوا: (يا رسول الله! كأنك تعني قوله: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل قال ﷺ : نعم).
وأبو طالب لم يرزق الإيمان، لكنه رزق حظاً كبيراً من نصرة النبي ﷺ ، حتى ورد فيما بلغ من عظيم شفقته على ابن أخيه أنه لما حوصر بنو هاشم في الشعب كان أبو طالب إذا أمسوا ونام النبي ﷺ يأتي ويحمل ابن أخيه محمداً بن عبد الله ﷺ في مكان ويأتي بأحد أبنائه في مكانه؛ وذلك خوفاً من غدر قريش أن يقتله أحدهم ﷺ ، ولهذا شفع النبي ﷺ لـ أبي طالب عند ربهونحن نعلم أن شفاعة النبي ﷺ الخاصة به ثلاثة أقسام: شفاعة في دفع ما يضرن وهي شفاعته ﷺ في أهل الموقف، وشفاعة في جلب ما يسر، وهذه شفاعته ﷺ في أهل الجنة أن تفتح لهم أبواب الجنة، وشفاعة خاصة به في عمه أبي طالب، فـ أبو طالب أهون أهل النار عذاباً بشفاعة النبي ﷺ له.
وأبو طالب ترك من الذرية طالباً ومات على الشرك، وكان يكنى به وهو أكبر أبنائه، وجعفر هذا أسلم قديماً وهو جعفر بن أبي طالب الصحابي الجليل، وأحد الخمسة الذين يشبهون النبي ﷺ في هيئته الخلقية، وقد كان بعض قرابته يشبهونه ﷺ خلقياً منهم: جعفر، وأبو سفيان بن الحارث ابن عمه وأخوه من الرضاعة، والحسن سبط رسول الله ﷺ ، وقثم والفضل ابنا عم رسول الله ﷺ ، وابنا العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه.
المقصود من هذا: أن من ذرية أبي طالب طالباً وقد مات على الشرك، وجعفر وعقيل وهذا أسلم متأخراً، وعلي ﵁ وأرضاه، وسيرة علي تغني عن التعريف به، فهذا أبو طالب أحد أعمام النبي ﷺ وأعظم من نصر نبينا ﷺ .
стр. 18
أبو لهب عم النبي ﷺ
ومن أعمامه ﷺ على النقيض تماماً أبو لهب واسمه: عبد العزى، وإنما كني بـ أبي لهب ولم يكن له ولد اسمه لهب لتورد وجنتيه واحمرارهما، ولهذا لما أراد الله جل وعلا أن يذمه قال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]، فذكره باسمه الغالب عليه، ولم يقل: تبت يدا عبد العزى؛ لأن عبد العزى في قريش كثير فلا يدرى من المقصود بالسورة، لكن قال الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] حتى يعرف أن المقصود هذا، وهو عم النبي ﷺ ، وقول الله جل وعلا: ﴿تَبَّتْ﴾ [المسد:١] هذا دعاء، وقول الله تعالى في الثانية: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] ليست تأكيداً كما يفهمها البعض، وإنما المعنى: وقد فعل، أي: أن هذا الدعاء الذي قيل في الأول تحقق وحصل، وأبو لهب هذا مات موتة شنيعة؛ ذلك لأنه أصيب بمرض اشتهر عند العرب أنه يعدي فخاف بنوه أنهم إذا اقتربوا ودفنوا أن ينتقل إليهم المرض فحملوه بأعواد -نسأل الله العافية- حتى أتوا به إلى حائط فوضعوه تحت الحائط، ثم أتوا للحائط من الخلف فهدموه حتى يصبح كالقبر على أبيهم، فانظر مآل من يعاند الله ورسوله ويحارب أولياءه، ولهذا قال الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]، مع أنه عم لرسول الله ﷺ .
стр. 19
حمزة أسد الله ورسوله وعم النبي ﷺ
إذاً: كل ما مضى كنا نتحدث فيه عن اثنين من أعمام النبي ﷺ اللذين كفرا به، ثم بقي اثنان آمنا به وهما: حمزة والعباس، وحمزة أول إسلاماً وهو أخو النبي ﷺ من الرضاعة، وحمزة ﵁ وأرضاه أسلم قبل الهجرة ثم هاجر، وقد أخبر النبي ﷺ : (أن حمزة أسد الله وأسد رسوله)، وقال ﵊: (سيد الشهداء حمزة)، وهو ﵁ وأرضاه كان له اليد الأولى في انتصار المسلمين يوم بدر، وأكثر أهل الإشراك من القرشيين ماتوا أو قتلوا يوم بدر على يديه، فتغيضوا منه فعمدوا إلى رجل لا ناقة له ولا جمل في أمر قريش وأهل الإسلام: وهو وحشي فأعطوه حريته، وكان عبداً رقيقاً وأهدوه حريته مقابل أن يقتل حمزة فقبل، فاتخذ حربة له وتربص له في أحد ولم يكن له شأن بأمر الناس وما زال يتربص ميمنة ميسرة وحتى رأى حمزة فوجه إليه حربته فوقعت منه في مقتل فقتل ﵁ وأرضاه يوم أحد، وقد حزن النبي ﷺ على حمزة حزناً شديداً، ومن دلائل عظيم حزنه على حمزة: أن وحشياً هذا أسلم متأخراً ثم قدم على النبي ﷺ فسأله النبي ﵊: كيف قتلت حمزة؟ فأخذ يسرد القصة والنبي ﷺ تذرف عيناه ثم قال له: (غرب وجهك عني)، وهذه جبلة بشرية، فلا يستطيع ﵊ أن يرى قاتل حمزة، ثم قدر لـ حمزة أن يقتل بنفس الحربة مسيلمة الكذاب، ومن غريب الأخبار الصحيحة الثابتة -وكلمة غريب هنا لا تنافي الصحة- ما جاء في الصحيح: أن علياً رضي الله تعالى عنه بعد موقعة بدر عندما خطب فاطمة بنت محمد ﷺ أراد أن يجمع شيئاً لزواجها فكانت له ناقتان سمينتان مسنتان نالهما يوم بدر فوضعهما بجوار دار أحد الأنصار، وخرج ينظر إلى أقتاب وغرائر يضعها على النياق حتى يسافر بها ليجمع مالاً كافياً للزواج وتجهيز البيت، وفي تلك الأثناء التي كان فيها علي فرحاً بهاتين الناقتين وهو يجمع ما يحتاجه في سفره قدر لـ حمزة أن يدخل دار أحد من الأنصار يوم أن كان الخمر مباحاً فشرب حتى سكر، فغنت امرأة من اللواتي كن حاضرات: ألا يا حمزة! للشرف النواء.
و (شرف النواء) يعني: النياق الموجودة خارج الدار، فقام حمزة فبقرها، وجب خواصيرها، وأخرج أكبادها، وشوى لقومه وشرب، فجاء علي ﵁ فإذا بالناقتين قد بقرتا وجبت أفئدتهما فبكى، وهو علي الذي له ما له في ساحات المعارك والوقوف أمام الشجعان، ذرفت عيناه عندما رأى الناقتين اللتين كان يعول عليهما كثيراً قد جبتا وبقرتا وخرجت أكبادهما، فذهب للنبي ﷺ فأخبره، فخرج ﵊ ومعه علي وزيد بن حارثة مولاه ودخل الدار التي فيها حمزة وما زال على حاله، وكان حمزة آنذاك قد بلغت به الخمر مبلغاً عظيماً، فأخذ النبي ﷺ يعاتب حمزة على فعله، فأخذ حمزة ينظر في قدمي النبي ﷺ ، ثم يصعد النظر في ركبتيه، ثم في وجهه ﵊، ثم قال حمزة: وهل أنتم -يشير إلى النبي وعلي وزيد - إلا عبيد لأبي؛ فلما قال ذلك فقه النبي ﷺ أن حمزة مخمور لا يدري ما يقول، فرجع خطوات إلى الخلف وهو ينظر إلى حمزة تحسباً من أن يحصل من حمزة شيء لم يكن متوقعاً، وهذا كله لا عتاب على حمزة فيه؛ لأن الخمر آنذاك كانت مباحة، والعبرة بتحريم الله جل وعلا، والدليل على ذلك: أن حمزة رضي الله تعالى عنه بعد ذلك رزق الشهادة في سبيل الله، والنبي ﷺ توجه بقولة: (سيد الشهداء حمزة)، فنحن لا نقول: إنه ضعيف إيمان معاذ الله فـ حمزة سيد آل البيت، لكن هنا نتكلم عن خبر صحيح، وعن أحداث وقعت ونقلت إلينا، والذي نقلها لنا الحسين رضي الله تعالى عنه عن أبيه علي بن أبي طالب، وكانت بمحضر من رسول الله ﷺ .
موضع الشاهد: أن حمزة ﵁ وقع منه هذا الأمر بلا تثريب منه؛ لأنه كان مخموراً ثم قدر له أن يموت شهيداً في أحد.
стр. 20
العباس رابع أعمامه ﷺ
أما رابع أعمام النبي ﷺ فهو العباس، وكان أكبر سناً من النبي ﵊، وكانت له جلالة عجيبة؛ ولذلك احتفى به الصحابة بعد موت النبي ﷺ ، وكان عمر يجله ويقدمه على سائر الناس، وقد مر معنا أنه أول من صلى على النبي ﷺ بعد وفاته.
هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، حول أعمام النبي ﷺ ، رزقني الله وإياكم العافية والتقوى، ووفقني الله وإياكم لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين.
стр. 21
سلسلة لطائف المعارف [الأدب المعاصر]
الشعر نوع من أنواع البيان، الذي يمن الله به على من يشاء من خلقه، فتسحر به الألباب، وتنال به الآراب.
وكم أعز الله الحق في مواطن بأبيات قيلت، وأخزى الباطل كذلك، وهو نوع من الجهاد باللسان.
وقد خبا نجم الشعر بعد العصر العباسي، ثم بعث على أيادي أساطين الشعر العربي المعاصر كأحمد شوقي والبارودي وغيرهما.
стр. 22
أحمد شوقي وحافظ إبراهيم عمالقة الشعر العربي المعاصر
стр. 23
نموذج من السيرة الذاتية لأمير الشعراء أحمد شوقي
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله خير من صلى وصام، أفضل شافع ومشفع في عرصات يوم المحشر صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: ففي هذا اليوم نزدلف إلى عالم الأدب والشعر، ولئن كان الفرزدق وجرير رمزين كبيرين لشعراء العصر الأموي: كما كان أبو تمام والمتنبي والبحتري رموزاً عظيمة للشعر العباسي، فإن أحمد شوقي وحافظ إبراهيم رمزان كبيران للشعر العربي المعاصر.
يقول أهل الصناعة الأدبية: إن الشعر العربي جملة أصابه مرحلة من الانحطاط، ثم إنه بعث على يد محمود كامل البارودي أديب مصري معاصر، وذلك أن البارودي رُزق قدرة على أن يتأسى ويحتفي بالشعراء الكبار في عصر بني العباس وبني أمية، فعارضهم في شعره فارتقى الشعر، ونتج عن ذلك مدرسة أدبية تسمى مدرسة الإحياء، كان من أكبر أعلامها وأكبر شعرائها أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، في هذا اللقاء سنأخذ شيئاً من المقارنة ما بين هذين الشاعرين الكبيرين في تاريخ شعرنا وأمتنا العربية.
أما أحمد شوقي فنقول إجمالاً كلمة واحدة: لو قُدِّر أننا أردنا أن نختار ممن خلقهم الله من قد نالوا أمانيهم شبه كاملة في الدنيا لكان شوقي واحداً منهم، فـ شوقي نشأ وفي فمه ملعقة من ذهب فقد نشأ في بيت الخديوي إسماعيل ولذلك قال: أأخون إسماعيل في أبنائه ولقد ولدت بباب إسماعيل نشأ صغيراً عيناه يصعدان إلى أعلى، يعني: ينظر إلى أعلى كثيراً، فما الطريقة التي عالجوه بها؟ أتوه بجنيهات ذهب تبرق، مما دفعه لأن ينظر إلى أسفل فاعتدل بصره؛ هذا الرجل أعطي حظا كبيراً من الحياة، ولذلك لم يستطع يوماً أن يلقي شعره؛ لذا كان يكتبه وغيره يلقيه، أما هو فلا يستطيع أن يلقيه، ومع ذلك فقد أبدع في كل فن وجال في كل غرض، وتحقق في كل غاية، وقال شعراً في جميع الفنون، أظهر فيه علو كعبه وقدرته الشعرية، سواء كان في غرض الرثاء، أو غرض الاجتماعيات، أو غرض المدح، أو غرض السياسة، أو غرض الفخر، أو غرض الغزل، في جميع أغراض الشعر أما حافظ إبراهيم فهو معاصر لـ شوقي، إلا أن حافظ مات قبل شوقي بعام أو عام ونصف تقريباً، وسيأتي هذا -إن شاء الله تعالى- عند حديثنا عنه في آخر المقام.
стр. 24
نماذج من الروائع الشعرية لشوقي
الشعر فيه نوع من المهلكة، ولهذا قال بعض النقاد: الدين بمئزر عن الشعر، وإن كان هناك خلاف حول صحة هذه المقولة أو الغاية منها.
المقصود: أن شوقي -رحمة الله تعالى عليه- له أبيات هي إلى الكفر أقرب منها للإيمان، كقوله في رثاء مصطفى كامل زعيم الحزب الوطني المصري وقد مات شاباً، وكان مصطفى كامل هذا قريباً جداً من شوقي، وصديقاً مقرباً له، إلا أنه كان مضاداً للقصر، بينما كان شوقي قد ولد في القصر، ولا يستطيع أن يتمرد على أهله، فلما مات مصطفى كامل أراد شوقي أن يعوض تلك الجفوة الشعرية، وليست في العلاقات، فعلاقته جيدة مع مصطفى كامل، فأراد أن يعوضها فلجأ إلى الغلو في الشعر فقال -وناقل الكفر ليس بكافر- في قصيدة عنوانها: المشرقان عليك ينتحبان قاصيهما في مأتم والدانِي مصر الأسيفة ريفها وصعيدها قبر أبر على عظامك حاني أقسمت أنك في التراب طهارة ملك يهاب سؤاله الملكانِ وشوقي هو القائل: رمضان ولى هاتها يا ساقي مشتاقة تسعى إلى مشتاقِ وأنا قدّمت بالأسوأ حتى أزدلف إليك بالأحسن، لكن شوقي له ثلاث قصائد في مدح النبي ﷺ عزَّ نظيرها وقل مثيلها، الهمزية والميمية والبائية؛ في الهمزية قال: فإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هما الرحماء وإذا ملكت النفس قمت ببرها ولو أن ما ملكت يداك الشاء وإذا أخذت العهد أو أعطيته فجميع عهدك ذمة ووفاء وإذا قضيت فلا ارتياب كأنما جاء الخصوم من السماء قضاء وإذا بنيت فخير زوج عشرة وإذا ابتنيت فدونك الأبناء أنصفت أهل الفقر من أهل الغنى فالكل في دين الإله سواء لو أن إنساناً تخيَّر ملة ما اختار إلا دينك الفقراء يا أيها المسرى به شرفاً إلى ما لا تنال الشمس والجوزاء يتساءلون وأنت أطهر هيكل بالروح أم بالهيكل الإسراء بهما سموت مطهرين كلاهما روح وريحانية وبهاء وهذا من غرب الشعر، قال في الميمية -والتي أراد أن يعارض بها ميمية البوصيري المسماة نهج البردة-: ريم على القاع بين البان والعلم أحل سفك دمي في الأشهر الحرم رمى القضاء بعيني جؤذر أسداً يا ساكن القاع أدرك ساكن الأجم لما رنا حدثتني النفس قائلة يا ويح جنبك بالسهم المصيب رمي هذا كله -أيها المبارك- مقدمات، ثم قال يمدح النبي ﷺ : أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم إن قلت في الأمر لا أو قلت فيه نعم فخيرة الله في لا منك أو نعم الله قسّم بين الخلق رزقهم وأنت خُيِّرت في الأرزاق والقسم أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدم لما رأوك به التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم صلى وراءك منهم كل ذي خطر ومن يفز بحبيب الله يأتمم جبت السماوات أو ما فوقهن بهم على منورة درية اللجم ركوبة لك من عز ومن شرف لا في الجياد ولا في الأينق الرسم مشيئة الخالق الباري وقدرته وقدرة الله فوق الشك والتهم وقال في البائية: سلوا قلبي غداة سلا وثاب لعل على الجمال له عتابا ويسأل في الحوادث ذو صواب فهل ترك الجمال له صوابا؟ أبا الزهراء قد جاوزت قدري بمدحك بيد أن لي انتسابا فما عرف البلاغة ذو بيان إذا لم يتخذك له كتابا مدحت المالكين فزدت قدراً فلما مدحتك اجتزت السحابا صلوات الله وسلامه عليه، وأنت أيها المنصف تدرك أن هذه الأبيات عز نظيرها، وقل مثيلها في مدح رسول الله ﷺ ، وإن كان مدحه ﵊ شرفاً لمادحه.
وتجري ما بين الشعراء مواقف، يقولون -إن صحة الرواية-: أن شوقي وحافظ اجتمعا يتداعبان شعراً، فقال حافظ -يوري لـ شوقي -: يقولون إن الشوق لوع وحرقة فما لي أرى شوقي اليوم بارداً فـ شوقي الثانية هذه في البيت يقصد حافظ بها أحمد شوقي، وهي في البيت يفهم منها أن المقصود بها الشوق المعروف، وهو الحنين للمحبوب، فرد عليه شوقي بقوله: أودعت إنساناً وكلباً وديعة فضيعها الإنسان والكلب حافظ وكأن المعنى أن الكلب حافظ للوديعة، لكنه قصد ذم حافظ.
وشوقي -رحمة الله تعالى عليه- له لامية شهيرة: قم للمعلم وفِّه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا أرأيت أعظم أو أجل من الذي يبني وينشئ أنفساً وعقولا سبحانك اللهم خير معلم علمت بالقلم القرون الأولى أرسلت بالتوراة موسى مرشداً وابن البتول فعلم الإنجيلا وأخذ يمدح فيها المعلمين، هذه اللامية عارضها شاعر آخر يقال له إبراهيم طوقان، وهو معلم ممارس، فيقول: إن شوقي لم يفقه التعليم حتى يقول هذه الأبيات، فرد طوقان على شوقي -يذكر قضية مدح شوقي للمعلمين: شوقي يقول وما درى بمصيبتي قم للمعلم وفِّه التبجيلا ثم يذكر: لو جرّب التعليم شوقي ساعة لقضى الحياة جهالة وخمولاً ثم يذكر معاناة المدرسين قائلاً: لكن أصلح غلطة نحوية مثلاً وأتخذ الكتاب دليلا مستشهداً بالغر من آياته أو بالحديث مفصلاً تفصيلا وأكاد أبعث سيبويه من البلى وذويه من أهل القرون الأولى فأرى حماراً بعد ذلك كله رفع المضاف إليه والمفعولا يا من يريد الانتحار وجدته إن المعلم لا يعيش طويلاً جرت لـ شوقي أبيات مثل الحكم من أشهر ذلك قوله: دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان
стр. 25
عمرية حافظ إبراهيم
ويظهر للأخ الكريم أنني أغفلت حافظاً، لكن لو لم يكن لـ حافظ إلا العمرية لكفاه، والعمرية قصيدة قالها حافظ في مدح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه مطلعها: حسب القوافي وحسبي حين ألقيها أني إلى ساحة الفاروق أهديها لاهم هب لي بياناً أستعين به على قضاء حقوق نام قاضيها ثم أخذ يذكر قضايا تاريخية يوظفها شعراً، فيذكر مثلاً خبراً يقول: إن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه مر على بستان لشباب من الأنصار ووجدهم يسكرون، فصعد الحائط ودخل عليهم وعاتبهم، قالوا: يا أمير المؤمنين! جئنا بواحدة وهي السكر، وجئتنا بثلاث: تسورت، وتجسست، ولم تستأذن، قال حافظ يصوغ هذا شعراً: وفتية أولعوا بالراح وانتبذوا لهم مكاناً وجدوا في تعاطيها ظهرت حائطهم لما علمت بهم والليل معتكر الأرجاء ساجيها قالوا مكانك قد جئنا بواحدة وجئتنا بثلاث لا تباليها فأت البيوت من الأبواب يا عمر فقد يزن من الحيطان آتيها ولا تجسس فهذي الآي قد نزلت بالنهي عنه فلم تذكر نواهيها فعدت عنهم وقد أكبرت حجتهم لما رأيت كتاب الله يمليها وما أنفت وإن كانوا على حرج من أن يحجك بالآيات عاصيها ويذكر حافظ قضية رسول كسرى، الذي بعثه كسرى إلى عمر، والرسول هو صاحب المقولة المشهورة: حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر! فقال حافظ فيها: وراع صاحب كسرى أن رأى عمراً بين الرعية عطلاً وهو راعيها فهان في عينه ما كان يكبره من الأكاسر والدنيا بأيديها وقال قولة حق أصبحت مثلاً وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها أمنت لما أقمت العدل بينهم فنمت نوم قرير العين هانيها وله أبيات كذلك مثل شوقي جرت مجرى الحكم من أشهرها: الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق هذا البيت لـ حافظ من قصيدة ذكرها في مدح مصر، وبيان حبه لها، إذا كان شوقي قد نال حظوة فـ حافظ اجتماعياً لم يكن بتلك الصورة، لكن قُدِّر أن شوقي تأخر موته عن حافظ، وقبل ذلك بويع شوقي بإمرة الشعر، وكان حافظ سليم الصدر، بل كان أول المبايعين، وقال في قصيدة يمدح فيها أمير الشعراء: أمير القوافي قد أتيت مبايعاً وهذي وفود الشرق قد بايعت معي وقدر الله موت حافظ قبل شوقي، فرثاه شوقي، وقال قصيدة يرثي بها أخاه حافظاً: يا حافظ الفصحى وحارس مجدها وإمام من نجلت من البلغاء هنا ندم شوقي ندماً شديداً على أن حافظاً مات قبله، لماذا؟ لأن حافظ وجد من يرثيه، فكأنه صدّر شوقي لرثائه، لكن شوقي كان يعلم أنه لا أحد يعقل بعده له صدى في الشعر يمكن أن يرثي شوقي إذا مات، فكان يتمنى لو أنه مات قبل حافظ حتى يرثيه، لكن هذا قدر الله هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده حول رمزين كبيرين من رموز الشعر العربي، هما أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 26
سلسلة لطائف المعارف [الإسراء والمعراج]
حادثة الإسراء والمعراج من أبرز أحداث السيرة النبوية، وفيها من التثبيت لنبينا ﵊ ما لا يخفى.
وفيها كذلك معجزة ظاهرة للنبي ﵊، وإظهار للقدرة الربانية، التي تخرق كل التصورات والمعقولات.
ومعلوم أن هذه الحادثة جاءت عقب ما حدث لنبينا ﵊ من إيذاء من سفهاء أهل الطائف وأراذلهم، فكانت مواساة لنبينا ﵊، وإشعاراً له بأن الله القادر على كل شيء في صفه، فمن يغلبه؟!
стр. 27
حكمة الإسراء والمعراج
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين أما بعد: فعنوان حديثنا هذا المساء المبارك هو الإسراء والمعراج.
نحن نعلم ما لنبينا ﷺ من مقام جليل ومنزلة عظيمة عند ربه، وهو ﷺ أرفع الأنبياء ذكراً، وإن كان آخرهم ظهوراً صلوات الله وسلامه عليه، هذا النبي الكريم خصه الله بخصائص، ومنحه -جل وعلا- عطايا لم تعط لأحد قبله ﵊، ولن تعط لأحد من الناس بعده، ولا نبي بعده ﵊.
ومما أكرم الله به نبيه رحلة الإسراء والمعراج، ورحلة الإسراء والمعراج قد مرت على كثير من الناس مراراً، لكن يحسن التنوع في قراءة حادثة الإسراء والمعراج، وأظن أن أخذها عن طريق المقارنة يورث رقة في القلب، وزيادة في المعرفة.
فنقول: قبل رحلة الإسراء والمعراج ذهب النبي ﷺ إلى الطائف، والطائف بلدة مرتفعة عالية عن مكة، وكان معه زيد بن حارثة، في حين أن رحلة الإسراء والمعراج -بدلاً من الطائف وهي مرتفعة- عُرج به ﷺ في السماوات السبع، وعوضاً عن زيد أعطي أو كان معه ﷺ جبريل، وأهل مكة عندما عاد ﵊ إليهم سبوه، وأهل الطائف من قبل رموه، ففتح الله جل وعلا لنبيه أبواب السماوات السبع كلها.
سريت من حرم ليلاً إلى حرم كما سرى البرق في داج من الظلم صلوات الله وسلامه عليه، هيأه الله جل وعلا فشق صدره، وأُخرج قلبه وغُسل بماء زمزم، وملئ إيماناً وحكمة، ثم أعيد القلب مكانه، ولا يقدر على هذا إلا الله؛ ثم قدمت له دابة يقال لها: البراق، وذهب ﷺ إلى المسجد الأقصى، أي: أسري به كما قال الله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١]؛ لأن هناك خطباً عظيماً سيقع، فقدمها الله بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١] والسرى لا يكون إلا ليلاً؛ فلماذا قال الله كلمة ليلاً؟ الظاهر: أنه لا حاجة لها، لكن الحاجة العظيمة لها هنا أنها بينت؛ لأنها نكرة فبينت أن هذا الأمر كله حدث في برهة من الليل، والأمر كما قال بعضهم: مشيئة الخالق الباري وصنعته وقدرة الله فوق الشك والتهم وآخرون من أهل الصناعة البلاغية يقولون: التنكير في (ليلاً) هنا للتعظيم والتهويل، أي: ليل وأي ليل، ليل التقى به محمد ﷺ بجبرائيل، وعُرج به إلى السماوات السبع، وكلمه ربه وناجاه وقربه وأدناه، وصلى ﵊ بالنبيين إماماً؛ ليقول الله للأنبياء: هذا سيدكم وإمامكم، وإن كان مبعثه آخر المبعث، وأمته آخر الأمم.
стр. 28
أدب الاستئذان
ثم عُرج به إلى السماوات السبع مع جبريل، فاستفتح له السماء الدنيا، وقال له الخازن: من أنت؟ قال: أنا جبريل، قال الخازن: أو معك أحد؟ قال: نعم معي محمد.
فقال الخازن: أو قد بُعث؟ قال: نعم، فتأمل هنا، يقول العلماء في الاستنباط هنا: إن جبريل ومحمداً عليهما الصلاة والسلام أفضل من الخازن، أي: أفضل من ذلك الملك، لكن الأدب في الاستئذان مهم، فالإنسان له حق في ملكه وسلطانه أن يستأذن عليه، وأن يُطلب إذنه ولو كان الداخل عليه أفضل منه؛ فإن جبريل ومحمداً ﵉ أفضل من ذلك الخازن، لكنهما استأذنا تأدباً.
стр. 29
لقاء نبينا ﵊ بالأنبياء في السماء
لقي ﷺ في السماء الأولى أو في السماء الدنيا رجل، وهذا الرجل عن يمينه أسودة وعن شماله أسودة، إذا رأى جهة يمينه ضحك، وإذا رأى جهة شماله بكى، وهو لا يعرفه، فقال ﷺ يسأل جبريل عنه: (من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك آدم -فكلم آدم نبينا ﷺ فقال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح)، ثم عُرج به إلى السماء الثانية، فإذا بابني الخالة يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم فرحبا به قائلين: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح.
ثم عُرج به إلى السماء الثالثة فرأى أخاه يوسف، وإذا بيوسف قد أعطي شطر الحسن، وعندما نقول: شطر الحسن، أي: نفس الحسن، فالله جل وعلا خلق آدم بيده فلا أحد أبهى منظراً من آدم؛ لأن الله خلقه بيده، فيوسف ﵊ على الشطر، أي: على النصف من جمال آدم، وهذا الذي نعتقده على التحقيق والعلم عند الله.
ثم عُرج به إلى السماء الرابعة فرأى أخاه إدريس، وكل من يوسف وإدريس قد رحبا به قائلين: (مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح).
ثم أتى السماء الخامسة فإذا أخاه هارون رحب به كإخوته.
ثم أتى السماء السادسة فإذا أخوه موسى فرحب به قائلاً: (مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح)، ثم لما جاوزه بكى موسى فقيل له: (ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بُعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل من أمتي)، وقد قالها موسى غبطة؛ لأن التنافس في الخير محمود يقول الله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦].
ثم أتى السماء السابعة فوجد رجلاً قد أسند ظهره إلى البيت المعمور، قال ﷺ : (ما رأيت أحداً أشبه بصاحبكم منه ولا منه بصاحبكم، قلت: من هذا يا جبريل! قال: هذا أبوك إبراهيم) فسلّم عليه، لكن قال إبراهيم كما قال آدم: (مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح)؛ لأنه ﷺ من ذرية إبراهيم، وهو أبو الأنبياء ﵈ جميعاً.
стр. 30
أدب نبينا ﵊
ثم إنه ﷺ تجاوز سدرة المنتهى، وقد قال العلماء: إن سدرة المنتهى إليها ينتهي ما يعرج من الأرض، جاوزها ﷺ حتى وصل إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام، وهناك كلمه ربه وناجاه وقربه وأدناه، وفي تلك الرحلة رأى النبي ﷺ جبريل على هيئته التي خلقه الله تعالى عليها، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣] وقد أظهر النبي ﷺ في رحلة المعراج أدباً جماً، ولهذا قال الله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧] أي: أنه ﷺ في تلك الرحلة المباركة لم يلتفت ميمنة ولا ميسرة؛ تأدباً مع ربه، حيث فرض الله عليه في ذلك الموضع الجليل والمكان العظيم الصلوات خمسين صلاة في اليوم والليلة، وفي أوبته قابل موسى، وكأن الله أراد أن يرحمنا بموسى، وأخبره موسى أنه بلى الناس قبله وأن أمته لا تطيق هذا، فما زال ﷺ يُراجع ربه حتى استحيا، فاختصم عنده ﷺ أمران: حياؤه من ربه، وشفقته على أمته، فاختار الحياء مع ربه وقال لأخيه موسى: (إنني استحييت من كثرة مراجعة ربي) فإذا بمناد: أن أمضيت فريضتي، وأنني كتبت لهم أجر خمسين صلاة؛ فهي خمس صلوات في اليوم والليلة بأجر خمسين صلاة؛ رحمة من الله وفضلاً علينا، وإكراماً لنبينا ﷺ .
стр. 31
امتحان الكفار نبينا ﵊
ثم عاد ﷺ إلى بيته على مرقده، فأصبح وخرج إلى الملأ من قريش على غير عادة وتنحى، فجاءه أبو جهل عمرو بن هشام كأنه شعر بشيء فقال: يا محمد! هل من خطب؟ فقال ﷺ : (نعم أُسري بي البارحة إلى المسجد الأقصى) هذا أمر لا تتصوره العقول، فوجدها أبو جهل فرصة للتهكم بنبينا ﷺ ، وأنى له ذلك؟! قال: يا محمد! أرأيت لو جمعت لك قومك أكنت محدثهم بما حدثتني به؟ فقال ﷺ : (نعم) فنادى أبو جهل في أندية قريش يناديهم بأسماء من ينتسبون إليه، يا بني عبد مناف! يا بني كذا فلما اجتمعوا قال: استمعوا لأخيكم، يقولها طمعاً في أن يكذب الناس النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فلما قال ﷺ ذلك صُعقوا معنوياً، فبين مصغ وواضع عشره على رأسه، أي مشبك بين أصابعه؛ وهو ﷺ ثابت يخبرهم بما وقع، فقال بعضهم: صف لنا بيت المقدس كبرهان، أو كحجة بيننا وبينك، وهو ﷺ دخله ليلاً، ولم يكن مثله لينظر في البنيان والعمار، وإنما دخل وجلاً خائفاً يصلي، لكن الله جل وعلا رحمه بأن قرب له بيت المقدس، فأخذ النبي ﷺ ينظر إلى المسجد ويصفه لقريش، فقال من ذهب قبل إلى بيت المقدس ويعرف المسجد قال: أما المسجد فكما وصف، أو أما المسجد فكما قال.
قال الله جل وعلا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١] فأراد الله جل وعلا أن يُري نبيه ﷺ كثيراً من الآيات الدالة على عظمته سبحانه، والتي تزيد نبينا ﷺ يقيناً بربه، حتى يبلغ الرسالة على أكمل وجه وأتمه، فقال سبحانه: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١].
وقال في النجم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١ - ١١] إلى أن ذكر الله جل وعلا كيف أنه ﷺ بلغ سدرة المنتهى، وأنه تأدب هنالك، ووصف الله أدبه بقوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧] فهو ﷺ أشرف الخلق مقاماً وأكرمهم أدباً، وبعض العلماء يقارن هنا ما بين مقام التكليم الذي أُعطيه موسى ومقام المعراج الذي أُعطيه نبينا ﷺ ، فقالوا: إن موسى ﵊ لما أُعطي مقام التكليم طمع في مقام الرؤيا فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] أما نبينا ﷺ فقالوا: إنه لم يطلب من الله شيئاً، قالوا: وهذا معنى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧] فهو أكمل أدباً؛ وممن نص على هذا من العلماء ابن القيم رحمة الله تعالى عليه، والذي يعنينا أن الأنبياء عليهم الصلاة جميعاً في الذروة من الأدب الجم والخلق العظيم، وليس هذا محل اختلاف بين المسلمين، لكن النبي ﷺ -وهذا إجماع من الأمة- أفضل أولئك النبيين أدباً، وأعظمهم تقوى، وأجلهم شرفاً، وأكرمهم مقاماً، صلوات الله وسلامه عليه.
وقد مر معنا أن الإسراء والمعراج حدث عظيم، استشعره شعراء الإسلام، وذكروه كثيراً في شعرهم، ومما قالوه في ذلك: يا أيها المسرى به شرفاً إلى ما لا تنال الشمس والجوزاء يتساءلون وأنت أطهر هيكل بالروح أم بالهيكل الإسراء بهما سموت مطهرين كلاهما روح وريحانية وبهاء هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده حول الحديث عن الإسراء والمعراج، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.
стр. 32
سلسلة لطائف المعارف [القمران]
الشمس والقمر آيتان من آيات الله، أجرى الله عليهما منافع عظيمة منها معرفة مواسم الزراعة، ومعرفة المواقيت.
ومن ذلك أن الله جل وعلا جعل كسوف الشمس وخسوف القمر آيتين يخوف بهما عباده، حتى يفزعوا إليه ويعود إليه بالذكر والصلاة والاستغفار.
стр. 33
تعلق الشمس بالحياة المعيشية وتعلق القمر بالجوانب العبادية
الحمد لله الذي أحكم كل شيء خلقه وأحسن كل شيء صنعه، وأشهد أن لا إله إ لا الله، لا رب غيره ولا شريك معه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن عنوان هذا اللقاء: القمران.
ندرك أن الصناعة العربية يكثر فيها ما يسمى بالتغليب، والتغليب أن يؤتى إلى اثنين، فيعمد إلى تسميتهما بأحدهما، لاشتراك كثير بينهما، ثم إن التغليب له طرائقه، يعني: يختلف من حال إلى حال لأسباب، فمثلاً: يقال للسبطين الكريمين الحسن والحسين يقال لهما: الحسنان؛ لأن الحسن أكبر من الحسين، ويقال لمكة والمدينة المكتان؛ لأن مكة عند جمهور العلماء أفضل من المدينة، ويقال للشمس والقمر القمران؛ لأن القمر مذكر والشمس مؤنث، قال المتنبي: وما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال ولو كل النساء كمن فقدنا لفضلت النساء على الرجال.
الذي يعنينا أنهم قالوا: القمران؛ لأنهم القمر مذكر والشمس مؤنث، وقد يقال غير ذلك، يقال: العمران في حق أبي بكر وعمر، ونسب إلى عمر؛ لأن لفظ أبي بكر مركب تركيب إضافي، واسم عمر مفرد.
وسنتحدث عن القمرين، الشمس والقمر.
فنقول والله الموفق: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، مخلوقتان لله ﵎، خلقهما الله جل وعلا، جعل أحدهما آية مبصرة، وهي الشمس، وجعل الآخر منهما آية ممحوة وهي القمر، وقال جل وعلا يخبر عن عظيم صنعته وجليل قدرته: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٣٨ - ٤٠].
الشمس جعلها الله جل وعلا آية للحياة المعيشية، والغرس والحصاد مبني على البروج الشمسية، وثمة أنوا من الحبوب والثمار لها مواسم معينة تزرع فيها، ولها مواسم معينة تحصد فيها.
أنا لست أنسى قريتي السمراء في عود الحصاد والسنبل المتجمد الشرقي يحلم بالرقاد وخطى الكماة الكادحين تروح تضرب في ارتياد هي ذكريات لم تزل محفورة في خاطري هي ذكريات لم تزل تسقي خريف الشاعر يا واحة العمر الجديد على الطريق الساحر أنا عائد يوماً إليك مع الربيع الزاخر في نسمة الشمس الوضيـ ـئة ثم النسيم العابر في لهفة خفقت بها روح المحب الذاكر الغاية: أن هناك مواسم غرس، ومواسم حصاد مبنية على بروج الشمس، أما القمر فقد جعله الله جل وعلا ميقاتاً لحياتنا الدينية، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]، (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته)، فالقمر جعله الله جل وعلا عنواناً وميقاتاً لحياتنا المتعلقة بالعبادة.
هذا من الفوارق بين الشمس والقمر.
стр. 34
الشمس تحبس لنبي من أنبياء الله
الشمس حبسها الله جل وعلا لنبي يقال له: يوشع بن نون، ويوشع بن نون هو فتى موسى الذي ورد ذكره في قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ [الكهف:٦٠]، وقد حكم بني إسرائيل قبله.
ومن المعلوم أن الله جل وعلا أمر بني إسرائيل بالدخول على الجبارين فامتنعوا، فحكم الله جل وعلا عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، وفي خلال الأربعين سنة هذه مات هارون أولاً ثم مات موسى، ثم حكم وساس بني إسرائيل بعد موسى وهارون يوشع بن نون ﵇، فحارب الجبارين، وكانت اليهود تعظم يوم السبت وتجعله إجازة أي: لا يقاتلون يوم السبت، فلما كان مساء الجمعة، وكادت الشمس أن تغيب، فإذا غابت وهو لم تفتح له البلدة اضطر إلى أن يقاتل يوم السبت، ولا قتال عندهم يوم السبت، فقال يخاطب الشمس: إنك مأمورة وإنني مأمور، أي: أنت مأمورة بأن تغيبي، وأنا مأمور أن أفتح هذه البلدة وأقود هذه الجيوش، اللهم احبسها عني، فحبس الله عنه الشمس، وأخر غروبها تكرمة له، هذا مما أتاه الله جل وعلا بعض أنبيائه، ولهذا قال شوقي: قفي يا أخت يوشع خبرينا أحاديث القرون الغابرينا فأخت يوشع في مصطلح شوقي مبني على خلفية ثقافية تاريخية هي الشمس، حبسها الله جل وعلا ليوشع بن نون، والنبي ﷺ قال: (يا أبا ذر! أتدري أين تذهب الشمس؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تأتي فتسجد تحت العرش، ثم تستأذن ربها فيأذن لها، حتى يأتي يوم لا يأذن الله لها، فيقول: ارجعي من حيث غبت)، فتخرج على الناس من المغرب، وهذا معنى قول الله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام:١٥٨].
стр. 35
القمر مضرب للجمال
القمر لا يتعلق به شيء من هذا، لكن القمر عند جماهير الناس، أو عند عموم أهل الأرض مضرب للجمال، فإذا أرادوا أن يشبهوا أحداً أو يذكروا جمال أحد من الناس وصفوه بالقمر ليلة البدر، وهذا حتى في السنة، فإن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال: خرجت في ليلة أضحيان -أي: ليلة القمر فيها مكتمل- فرأيت القمر ورأيت النبي ﷺ عليه حلة حمراء، فجعلت أنظر إلى البدر وأنظر إلى وجه رسول الله ﷺ فلهو عندي أجمل من القمر، كما أن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه وأرضاه قيل له: أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر.
يقول عمرو بن أبي ربيعة وهو شاعر حاد كثيراً عن الصواب في شعره: قالت الكبرى أتعرفن الفتى قالت الوسطى: نعم هذا عمر قالت الصغرى وقد تيمتها قد عرفناه وهل يخفى القمر فعجز البيت الثاني شهير بين الناس، ويجري مجرى الأمثال، والشاهد أن الناس يضربون المثل بالقمر في قضية الجمال.
стр. 36
كسوف الشمس وخسوف القمر آية من آيات الله
إن الله ﵎ جرت سنته أنه يظهر النقص في خلقه حتى يستبين للناس الكمال في وجهه جل وعلا، فالشمس تكسف، والقمر يخسف، ولهذا ذكر الله في سورة القيامة أن القمر يخسف، وذكر في سورة التكوير: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١].
وهذا كله حتى يعلم الناس أن الوجه الذي لا يحول ولا يزول ولا يتغير هو وجه ربنا الأكرم ﷻ ، بل إن نبينا ﷺ ، هو أكرم المخلوقين قاطبة شج وجهه وكسرت رباعيته، فنحن نرى في كل هذا كمال صفات ربنا جل وعلا، وصدق الله القائل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
وقال جل ذكره: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].
стр. 37
الشمس والقمر في خبر إبراهيم الخليل
ورد ذكر الشمس والقمر في خبر خليل الله إبراهيم يوم ناظر قومه، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ [الأنعام:٧٥ - ٧٦]، وإبراهيم يعلم أن هذا سيأفل لا محالة، قال: ﴿قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام:٧٦] ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام:٧٦]، هو يوهم عبدة الكواكب أنه يريد الخير، وهو فعلاً يريد الخير، لكن يتنزل لهم رغبتة في دعوتهم، فلما أفل أظهر التضرع، وقال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً﴾ [الأنعام:٧٧ - ٧٨]، ونحن نعلم أن إبراهيم رأى الشمس مراراً قبل ذلك اليوم، لكنه تعامل معها على قدر عقول من يخاطبهم، كأنه يراها لأول مرة، ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٨ - ٧٩].
стр. 38
كسوف الشمس في عهد محمد رسول الله
الشمس كسفت في عهد نبينا ﷺ ، ووافق يوم كسوفها وفاة إبراهيم بن النبي ﷺ ، وإبراهيم ولد للنبي ﷺ من جارية يقال لها: مارية، مكث مسترضعاً في عوالي المدينة ثمانية عشر شهراً، فما أتم ثمانية عشر شهراً توفاه الله، فلما توفاه الله بكى النبي ﷺ وقال -الحديث الشهير-: (وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون)، لكنه قال ﷺ : (ولا نقول إلا ما يرضي ربنا).
فلما كسفت الشمس في ذلك اليوم قال بعض الناس: (إنما كسفت الشمس لموت إبراهيم)، فخرج النبي ﷺ على الناس يعلمهم مسألة عقدية، وهي أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، يخوف الله بهما عباده، لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم مثل ذلك فافزعوا إلى الصلاة، ثم فزع ﷺ إلى الصلاة يجر رداءه، وصلى بالناس صلاة بركوعين، وسجود كالمعتاد، لكن زاد في الركوع ركوع آخر، ثم خطب في الناس يعضهم ويذكرهم بالآخرة، ويقول لهم: إنه ما من شيء توعدون به إلا وقد رأيته في مقامي هذا، وحديثه ليس هذا موضع بسط القول فيه، لكن الغاية منه أن تعلم أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، تجريان بقدر الله ﵎، كما قال الله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس:٣٨]، وكما قال الله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس:٣٩]، ومع ذلك عبدا من دون الله، ولهذا قال الله: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت:٣٧]، ومن المعلوم أن الهدهد أنكر على قوم بلقيس أنهم يعبدون الشمس، ودعته فطرته إلى أن يستنكر ذلك منهم، وأن يخاطبهم بقوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النمل:٢٥].
стр. 39
الشمس والقمر آية مبصرة وآية ممحوة
الشمس والقمر ذكرهما الله جل وعلا بأنهما آية مبصرة، وآية من ممحوة، قال الله تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء:١٢]؛ ولهذا ترد في القرآن كلمة ليلة كثيرا؛ لأن الأنبياء خاصة في قصص الأنبياء؛ لأن هذا تعلق بشرائع الناس، ويتعلق بمعادهم لا بمعاشهم، والأنبياء إنما يعنون أعظم عناية بما يكون من أمور الدين؛ ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف:١٤٢]، ولم يقول جل وعلا: واعدنا موسى ثلاثين يوماً.
والمشهور أن الله جل وعلا واعد موسى ثلاثين ليلة، وهي ليالي شهر ذي القعدة، وأتمها الله بعشر، وهي ليالي شهر ذي الحجة، وبهذا يكون الله جل وعلا قد كلم موسى في يوم النحر، ومعلوم أن لموسى ميقاتين: ميقات زماني، وهو عاشر ذي الحجة على الأظهر، وميقات مكاني على قول واحد، وهو جبل الطور الذي كلم الله جل وعلا عنده موسى.
الذي يعنينا -كما بينت- أن القمر آية جعلها الله جل وعلا لأمور حياتنا الدينية، كما جعل الشمس آية لحياتنا المعيشية التي فيها أرزاقنا وفيها معاشنا.
فتحرر من هذا كله أن الشمس والقمر ذكرا في الشعر العربي، لكن الشمس كانت أقل حضاً من القمر؛ لأن القمر يتعلق بالجمال، أما قول المتنبي اللي ذكرناه في الأول: وما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال ولو كل النساء كمن فقدنا لفضلت النساء على الرجال.
فقد قاله مجاملة في رثاء إحدى قريبات سيف الدولة الحمداني، ونحن نعرف أن المتنبي كان له باع طويل في مدح سيف الدولة الحمداني، هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده حول آيتين عظيمتين من آيات الله: هما الشمس والقمر.
وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 40
سلسلة لطائف المعارف [المسجد النبوي]
المسجد النبوي هو مسجد النبي محمد ﷺ الذي كان أول خطوة من خطوات بناء الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، فيه الروضة الشريفة التي جعلها النبي ﷺ روضة من رياض الجنة، الصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه.
следующие страницы →