← Джавами‘

Джавами‘ · id 37748

لطائف المعارف

صالح المغامسي

Полный текст (127 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كسوف الشمس وخسوف القمر آية من آيات الله إن الله ﵎ جرت سنته أنه يظهر النقص في خلقه حتى يستبين للناس الكمال في وجهه جل وعلا، فالشمس تكسف، والقمر يخسف، ولهذا ذكر الله في سورة القيامة أن القمر يخسف، وذكر في سورة التكوير: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١]. وهذا كله حتى يعلم الناس أن الوجه الذي لا يحول ولا يزول ولا يتغير هو وجه ربنا الأكرم ﷻ ، بل إن نبينا ﷺ ، هو أكرم المخلوقين قاطبة شج وجهه وكسرت رباعيته، فنحن نرى في كل هذا كمال صفات ربنا جل وعلا، وصدق الله القائل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. وقال جل ذكره: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].

стр. 37

الشمس والقمر في خبر إبراهيم الخليل ورد ذكر الشمس والقمر في خبر خليل الله إبراهيم يوم ناظر قومه، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ [الأنعام:٧٥ - ٧٦]، وإبراهيم يعلم أن هذا سيأفل لا محالة، قال: ﴿قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام:٧٦] ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام:٧٦]، هو يوهم عبدة الكواكب أنه يريد الخير، وهو فعلاً يريد الخير، لكن يتنزل لهم رغبتة في دعوتهم، فلما أفل أظهر التضرع، وقال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً﴾ [الأنعام:٧٧ - ٧٨]، ونحن نعلم أن إبراهيم رأى الشمس مراراً قبل ذلك اليوم، لكنه تعامل معها على قدر عقول من يخاطبهم، كأنه يراها لأول مرة، ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٨ - ٧٩].

стр. 38

كسوف الشمس في عهد محمد رسول الله الشمس كسفت في عهد نبينا ﷺ ، ووافق يوم كسوفها وفاة إبراهيم بن النبي ﷺ ، وإبراهيم ولد للنبي ﷺ من جارية يقال لها: مارية، مكث مسترضعاً في عوالي المدينة ثمانية عشر شهراً، فما أتم ثمانية عشر شهراً توفاه الله، فلما توفاه الله بكى النبي ﷺ وقال -الحديث الشهير-: (وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون)، لكنه قال ﷺ : (ولا نقول إلا ما يرضي ربنا). فلما كسفت الشمس في ذلك اليوم قال بعض الناس: (إنما كسفت الشمس لموت إبراهيم)، فخرج النبي ﷺ على الناس يعلمهم مسألة عقدية، وهي أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، يخوف الله بهما عباده، لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم مثل ذلك فافزعوا إلى الصلاة، ثم فزع ﷺ إلى الصلاة يجر رداءه، وصلى بالناس صلاة بركوعين، وسجود كالمعتاد، لكن زاد في الركوع ركوع آخر، ثم خطب في الناس يعضهم ويذكرهم بالآخرة، ويقول لهم: إنه ما من شيء توعدون به إلا وقد رأيته في مقامي هذا، وحديثه ليس هذا موضع بسط القول فيه، لكن الغاية منه أن تعلم أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، تجريان بقدر الله ﵎، كما قال الله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس:٣٨]، وكما قال الله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس:٣٩]، ومع ذلك عبدا من دون الله، ولهذا قال الله: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت:٣٧]، ومن المعلوم أن الهدهد أنكر على قوم بلقيس أنهم يعبدون الشمس، ودعته فطرته إلى أن يستنكر ذلك منهم، وأن يخاطبهم بقوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النمل:٢٥].

стр. 39

الشمس والقمر آية مبصرة وآية ممحوة الشمس والقمر ذكرهما الله جل وعلا بأنهما آية مبصرة، وآية من ممحوة، قال الله تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء:١٢]؛ ولهذا ترد في القرآن كلمة ليلة كثيرا؛ لأن الأنبياء خاصة في قصص الأنبياء؛ لأن هذا تعلق بشرائع الناس، ويتعلق بمعادهم لا بمعاشهم، والأنبياء إنما يعنون أعظم عناية بما يكون من أمور الدين؛ ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف:١٤٢]، ولم يقول جل وعلا: واعدنا موسى ثلاثين يوماً. والمشهور أن الله جل وعلا واعد موسى ثلاثين ليلة، وهي ليالي شهر ذي القعدة، وأتمها الله بعشر، وهي ليالي شهر ذي الحجة، وبهذا يكون الله جل وعلا قد كلم موسى في يوم النحر، ومعلوم أن لموسى ميقاتين: ميقات زماني، وهو عاشر ذي الحجة على الأظهر، وميقات مكاني على قول واحد، وهو جبل الطور الذي كلم الله جل وعلا عنده موسى. الذي يعنينا -كما بينت- أن القمر آية جعلها الله جل وعلا لأمور حياتنا الدينية، كما جعل الشمس آية لحياتنا المعيشية التي فيها أرزاقنا وفيها معاشنا. فتحرر من هذا كله أن الشمس والقمر ذكرا في الشعر العربي، لكن الشمس كانت أقل حضاً من القمر؛ لأن القمر يتعلق بالجمال، أما قول المتنبي اللي ذكرناه في الأول: وما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال ولو كل النساء كمن فقدنا لفضلت النساء على الرجال. فقد قاله مجاملة في رثاء إحدى قريبات سيف الدولة الحمداني، ونحن نعرف أن المتنبي كان له باع طويل في مدح سيف الدولة الحمداني، هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده حول آيتين عظيمتين من آيات الله: هما الشمس والقمر. وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 40

سلسلة لطائف المعارف [المسجد النبوي] المسجد النبوي هو مسجد النبي محمد ﷺ الذي كان أول خطوة من خطوات بناء الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، فيه الروضة الشريفة التي جعلها النبي ﷺ روضة من رياض الجنة، الصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه.

стр. 41

المحاريب الثلاثة في المسجد النبوي حالياً الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن عنوان هذا اللقاء هو: المسجد النبوي، وهو ضمن سلسلة لطائف المعارف. المسجد النبوي أحد المساجد الثلاثة التي أخبر النبي ﷺ أن الرحال لا تشد إلا إليها، المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، وقد رفع الله شأن هذه المساجد فقال جل شأنه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]. المسجد النبوي هو مسجد رسول الله ﷺ ، ونحن ندرك أن الله جل وعلا اختار البلدة المباركة طيبة ليهاجر إليها رسول الله ﷺ ، حيث دخلها النبي ﷺ ضحى الإثنين، فأسس في جنوبها مسجد قباء، ثم مكث فيها الثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، ثم أتى داخل البلدة حتى بركت ناقته القصواء في موضع المنبر اليوم، ثم لم ينزل ﷺ فقامت الناقة فجال جولة ﷺ ، ثم عادت الناقة بعد أن جالت جولة إلى مدركها الأول، ثم نزل ﷺ بعد أن أخذ أبو أيوب الأنصاري متاعه وقال ﵊: (المرء مع رحله)، في تلك البقعة أسس ﷺ وبنى مسجده والصحابة معه، وهم يرتجزون: لئن قعدنا والنبي يعمل إن هذا لهو العمل المضلل وهو ﷺ يجيبهم: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة وسأتكلم عن واقع المسجد النبوي الآن، حتى إذا كتب لك أن تزور هذا المسجد تكون -على الأقل- على علم بكثير مما فيه. المسجد اليوم فيه ثلاثة محاريب، المحراب الذي يصلي فيه الأئمة الآن، وهو محراب بناه عثمان بن عفان ﵁، وتحرر من هذا أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر لم يصلوا في هذا المحراب؛ لأن المحراب من جهة الجنوب في التوسعة التي وسعها عثمان بن عفان الخليفة الراشد ﵁ وأرضاه، وأقره الصحابة وصلوا وراءه في ذلك الزمان، هذا المحراب الأول. المحراب الثاني: يوجد في الروضة الشريفة، وهو موضع صلاة رسول الله ﷺ ، في ذلك المكان كان ﷺ يصلي بالناس إماماً، وهذا الموطن في الروضة الشريفة إذا استقبلته استقبلت القبلة، وتكون حجرة عائشة التي فيها القبور الثلاثة على شمالك، ويكون منبره ﷺ عن يمينك. وحجرة عائشة فيها القبور الثلاثة، قبر النبي ﷺ وقبر أبي بكر وقبر عمر. المحراب الثالث: المحراب الذي خارج الروضة عن يمينك وأنت مستقبل القبلة، أي غرب المسجد، وهذا المحراب لا يتعلق به شيء قديم أثري، إنما هو محراب بناه أحد سلاطين آل عثمان، وهو الآن خارج الروضة شرق المسجد النبوي. والمكان المفروش الآن باللون الأخضر هو ما يسمى بالروضة الشريفة، قال ﷺ في الحديث الصحيح: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)، هذه الروضة اختلف في سبب تسميتها روضة، والأظهر من أقوال أهل العلم أنها قطعة من الجنة. هذا الذي يحمل عليه الحديث؛ لأننا إذا حملنا معنى روضة على أنها التي يقام فيها دروس العلم عملاً بقوله ﷺ : (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: يا رسول الله! وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر)، فهذا لا يقتصر على ذلك المكان الطاهر، وإنما يكون في كل مكان يذكر فيه الله جل وعلا وتقام فيه حلق الذكر، وعلى هذا نقول: إن الأظهر أنها روضة من رياض الجنة أي: قطعة من الجنة.

стр. 42

منبر الرسول ﷺ المنبر كان جذع نخلة يتكئ عليه النبي ﷺ ، ثم صنع له ﷺ منبر من مرقاة من خشب، فكان يرتقي خشبها فيخطب الناس، وهو موضع المنبر اليوم.

стр. 43

حجرات أمهات المؤمنين كذلك حجرات أمهات المؤمنين أكثرها في جهة الشرق، أي: عن شمالك وأنت مستقبل القبلة، وكان هناك عن غربك وأنت جهة خوخة أبي بكر بيتان أو أقل أو أكثر من بيوت أمهات المؤمنين، لكن أكثر البيوت كانت في جهة المشرق، كبيت عائشة، ثم بعض حجرات أمهات المؤمنين، هذه الحجرات كان يتنزل فيها الوحي، يقول حسان: بطيبة رسم للرسول ومعهد منير وقد تعفو الرسوم وتهمد بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستضاء ويوقد معارف لم تطمس على العهد آيها آتاها البلى فالآي منها تجدد

стр. 44

فضل الصلاة في المسجد النبوي الصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة، والصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف، ومن العلماء من ذهب إلى أن الصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة، لكن هذا الحديث في سنده بعض الضعف، وأصح منه أن النبي ﷺ كما في الخبر الصحيح مما رواه الحاكم وصححه -وهو صحيح الإسناد-: خرج على الصحابة وهم يتذاكرون أي الصلاة أفضل في المسجد النبوي أم في المسجد الأقصى؟ فقال ﷺ يتحدث عن المسجد الأقصى: (لنعم المصلى هو) أي المسجد الأقصى (لصلاة في مسجدي هذا بأربع صلوات فيه).

стр. 45

مشاهد وأحداث في المسجد النبوي إن المسجد النبوي المبارك شهد أحداثاً عظاماً، من أعظمها بلا شك أن النبي ﷺ صلى فيه، وخطب الجمعة على منبره، وتلقى الصحابة منه ﷺ العظات المحمدية، والآيات القرآنية، تقول إحدى الصحابيات: (لم أحفظ سورة (ق) إلا من في رسول الله ﷺ من كثرة ما يرددها على منبره) أي: في خطبة الجمعة. وصلى بهم ﷺ سنين عمره التي قضاها في المدينة إماماً في ذلك الموضع الشريف، ثم صلى أبو بكر ورسول الله ﷺ حي بين أظهرهم أيام مرضه ﵊، وكانت آخر صلاة صلاها النبي ﷺ حي هي صلاة الفجر. ثم إن عمر رضي الله تعالى عنه تولى الخلافة بعد وفاة أبي بكر، فصلى بالناس في نفس البقعة المحمدية التي كان يصلي فيها نبينا ﷺ إماماً، وفيها طعن، وكان يقرأ ﵁ وأرضاه بسورة يوسف، جاء أبو لؤلؤة المجوسي، وطعنه، فقيل له: يا أمير المؤمنين! ألا نحملك إلى دارك، فقال: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وبقي يصلي وجرحه ينزف دماً حتى انتهت الصلاة، حيث أكمل بهم الصلاة عبد الرحمن بن عوف ركعتين خفيفتين، ثم حمل رضي الله تعالى عنه وأرضاه إلى بيته. موضع الشاهد: أن هذه أحداث عظام كانت في ذلك المسجد المبارك، مسجد رسول الله ﷺ .

стр. 46

عناية المسلمين بالمسجد النبوي المسلمون خلفاء وعامة اعتنوا عظيم العناية بهذا المسجد، فوسعه عثمان، وسعه من قبله عمر، ووسعه الوليد بن عبد الملك، حيث أمر عامله على المدينة عمر بن عبد العزيز أن يوسعه، وهو الذي أدخل فيه حجرات أمهات المؤمنين. وفي هذا العهد الميمون دولة آل سعود أدام الله توفيقهم عني بالمسجد عناية عظيمة، فإذا جئت إلى المسجد الآن وخرجت منه من جهة الغرب، ستلحظ في الشمال الغربي قطعة أرض بها نخل وزرع غير مبنية، مع أن البناء عن يمينها وشمالها ومن جميع الجهات، إلا الجهة التي تستقبل بها هذا الموضع الحرم مكتوب عليها: سقيفة بني ساعدة، وبني ساعدة بطن من الخزرج، ينسبون إلى جد يقال له: ساعد، ولم يسكن المدينة، في هذه السقيفة بويع للصديق رضي الله تعالى عنه ورأضاه عندما اجتمع الأوس والخزرج بعد وفاة النبي ﷺ ، وحضر الاجتماع بعد ذلك أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، ونجم عن ذلك الاجتماع المبارك مبايعة الصديق بالخلافة. المقصود أن موضع سقيقة بني ساعدة باق لم يتغير إلى اليوم، وهو في الجهة الشمالية الغربية من المسجد النبوي الشريف، ثم إن التوسعة أوصلته إلى القبر الشريف، وإلا فالقبر ما وضع في المسجد، بمعنى أن الصحابة لم يدفنوا النبي ﷺ في المسجد حتى يحتج علينا محتج فيقول: يجوز دفن الموتى في المساجد، أو يحتج علينا أنه يجوز أن نبني مسجداً على قبر، فهذا كله باطل، فلا يدفن أحد في مسجد، ولا يبنى مسجد على قبر، إنما غاية الأمر أن المسجد النبوي من جهة الشرق عمد الوليد إلى توسعته، فوصلت التوسعة إلى أن بلغت حجرات أمهات المؤمنين؛ لأنها كانت قريبة جداً من المسجد، ونحن نعلم أن الوليد لم يوفق في هذا، لكن هذا قد مضى بقدر الله، وليس فيه حجة لأحد أن يبني مسجداً على قبر أو أن يدفن ميتاً في مسجد، فهذا كله لا أصل له شرعاً، فالموتى يدفنون في المقابر، والمساجد تبنى على أرض فضاء ليس فيها مقابر، بل إن الصلاة في المقبرة لا تجوز، اللهم إلا أن تكون صلاة على ميت فيسن أن يصلى عليه فيها، كما صلى النبي ﷺ على قبر المرأة العجوز التي كانت تقم المسجد. فالصلاة في المسجد النبوي -كما سبق- بألف صلاة، لكن كذلك يذهب جمهور العلماء إلى أن الصلاة في المسجد الحرام مائة ألف صلاة، وذلك في المسجد المحيط بالكعبة وفي أي مكان في مكة، فمساجد مكة سواء في الأجر، فمن صلى -عند جمهور العلماء- في أي مسجد من مساجد مكة كمسجد ذي جرول مثلاً فصلاته عند جمهور العلماء بمائة ألف صلاة، وذلك كمن صلى في المسجد الذي يحيط بالكعبة، وهو المعروف بالمسجد الحرام، في حين أن العلماء متفقون على أن الصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة، أما الصلاة في غير المسجد النبوي فليست إلا بسبع وعشرين درجة، شأنها شأن سائر الصلوات، وهذا من الفوارق بين مسجد المدينة ومسجد مكة. أما الساحات المحيطة بالحرم فلأنها مسورة ولها أبواب فإن الصلاة فيها كالصلاة في المسجد. هذا ما هيئ إيراده، وما أعان الله على قوله حول مسجد رسولنا ﷺ . وفقنا الله وإياكم لكل خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 47

سلسلة لطائف المعارف [المعلقات] الشعر يهز المشاعر، ويهيج الخواطر. رب قصيدة حقنت دماء، ورب قصيدة أرملت نساء. كم من بيت شعري جعل البخيل كريماً، والجبان شجاعاً، والظالم الجبار وديعاً عادلاً. من أعظم ما اشتهر من الشعر الجاهلي: المعلقات العشر، فقد تداولها الناس عبر العصور، فحفظها الحفاظ، وعلق عليها الأدباء النقاد.

стр. 48

التقسيم التاريخي للأدب الحمد لله على فضله والصلاة والسلام على خير خلقه. أما بعد: فإن هذا اللقاء -الذي هو ضمن لقاءات لطائف المعارف- أشبه بالسياحة الأدبية، وعنوانه: المعلقات. والمعلقات عنوان عام أطلق على قصائد طوال في الجاهلية، قالها الشعراء آنذاك، وقبل أن نعرج أو على بعض أبياتها وعلى التعليق على تلك الأبيات فإننا نقول: إن أهل الصناعة الأدبية والذين يعنون بتاريخ الأدب يقسمونه إلى أطوار فتلك الحقبة التي كانت قبل البعثة اصطلح على تسميتها بالأدب الجاهلي أو الأدب في العصر الجاهلي، ثم يقولون: الأدب في صدر الإسلام وبني أمية، وبعضهم يفصل ما بين الأدب في صدر الإسلام والأدب في العصر الأموي. وينتقلون بعد ذلك اتفاقاً إلى العصر العباسي الذي كان فيه العمالقة الكبار: أمثال المتنبي، وأبو تمام، والبحتري. ثم كانت تلك الفترة التي حكم فيها المماليك والعثمانيون وغيرهما، وهذه الفترة تسمى عند أهل الصناعة الأدبية -في الغالب- بعصر الانحطاط، ثم هيأ الله جل وعلا للشعر العربي أن بعثه محمود سامي البارودي من مرقده، وما كان من البارودي وما بعده إلى عصرنا الحالي يسمى كله: بالعصر الحديث، هذا التقسيم التاريخي للأدب. والذي يعنينا هنا أن عنوان إن المعلقات من تلك القصائد الطوال التي كانت تقولها العرب في الجاهلية أو قالها بعض شعراء العرب في الجاهلية، والحديث عنها ذو شجون لكننا سوف نتكلم عن بعضها. هناك شعراء أعطوا قدرة على العطاء الشعري، ولهم مطولات، لكن لماذا سميت بالمعلقات؟ قيل: لأنها علقت في الصدور، وأن الناس حفظوها، وهذا قول قوي، وقيل: إنها كانت تكتب بماء الذهب وتعلق على الكعبة، وهذا عندي بعيد، وإن قال به بعض النقاد، لكن كون الأبيات تكتب بماء الذهب في ذلك الزمن الغابر الذي قل ما يوجد فيه مثل هذه الآلة يصعب الحكم على هذا بالصحة. وقيل: لأنها كانت تعلق في الأسواق التي كانت تجتمع فيها العرب، كسوق عكاظ وسوق المجاز وغيرهما. هذه المعلقات حفظها أكثر من رووا الشعر، ودخل بعضها شيء من اللحن، لكن الذي يعنينا أن هذه المعلقات كانت صورة ناطقة لحياة العرب التاريخية والاجتماعية وكثير مما كان عليه العرب في عادتهم وتقاليدهم وأعرافهم.

стр. 49

وقفة مع معلقة امرئ القيس أشهر شعراء المعلقات امرؤ القيس، يقول أصحاب الأدب: أنه أول من وقف واستوقف وبكى واستبكى وهو القائل في معلقته: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل وقوفاً بها صحبي عليّ مطيهم يقولون لا تهلك أسىً وتجلد وفيها الأبيات الشهيرة: وليل كموج البحر أرخى سدوله علي بأنواع الهموم ليبتلي فقلت له لما تمطى بصلبه وأردف أعجازاً وناء بكلكل ألا أيها الليل الطويل ألا انجل بصبح وما الإصباح منك بأمثل المشهور عن امرؤ القيس أنه كان ابن أحد ملوك كندة، وكان الملوك آنذاك، يأنفون أن يقول أبناؤهم الشعر فكان نوع من الجفوة بينه وبين أبيه، فلما مات أبوه قال قولته الشهيرة: ضيعني صغيراً وحملني دمه كبيراً وقد مات في الطريق إلى بلاد الروم وهو يطلب من يعينه على استرداد ملك أبيه. وأكثر شعره كان في الغزل وشرب الخمر أو في اللهو والركب والصيد، وهذه الأمور تجتمع بعضها إلى بعض في حياة الجاهليين آنذاك.

стр. 50

وقفة مع معلقة طرفة بن العبد من شعراء المعلقات طرفة بن العبد البكري، وهو أصغرهم سناً، وقد مات صغيراً يقال: إنه قد مات وعمره ٢٦ سنة، وله أبيات خلدها التاريخ؛ لأنها جرت مجرى الحكمة، فيقول في مطلع معلقته: لخولة أطلال ببرقة ثهمد تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد ومن شعره ما جرى مجرى المثل والحكمة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك بالأخبار من لم تزود وكذلك قوله: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند فهذا البيت صورة ناطقة لحياة اجتماعية تتكرر، أو حدث اجتماعي يتكرر على مر الدهور وكل العصور، والبيت إذا كان يلامس الواقع ويشهد له فإن الواقع والتاريخ والشواهد تبقي ذلك البيت؛ لأن الناس يستحضرون ذلك البيت عند الأحداث التي تمر بهم. وكل من ظلم من قرابته يرد بقول طرفة: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند

стр. 51

وقفة مع معلقة لبيد بن ربيعة من شعراء الجاهليين: لبيد بن ربيعة، ولبيد بن ربيعة يختلف عن بقية الشعراء الجاهليين أصحاب المعلقات؛ لفارق عظيم وهو أنه أدرك الإسلام، فأسلم، أما الأعشى فقد أدرك الإسلام -كما سيأتي- لكنه لم يسلم، أما لبيد فقد من الله عليه بالإسلام وهو القائل: الحمد لله الذي لم يأتني أجلي إلا وقد كسيت من الإسلام سربالا هذا لبيد من المعمرين، حتى قيل: إنه مل من طول حياته، وأن الناس كلما قابلوه، قالوا له: كيف أنت؟ كيف حالك؟ ما أخبارك؟ ولهذا قال: ولقد سئمت من الحياة وطولها وسؤال هذا الناس كيف لبيد؟ قال في مطلع معلقته: عفت الديار محلها فمقامها بمنى تأبد غولها فرجامها وله فيها بيت خالد في تصوير فني بديع: وجلا السيول عن الطلول كأنها زبراً تجد متونها أقلامها ويزعم أهل الأدب والرواة الإخباريون أن الفرزدق الشاعر الأموي الشهير مر ذات يوم على مسجد لبني زريق في البصرة أو في الكوفة، فلما مر سمع منشداً ينشد الشعر والناس حوله، فأتى المنشد على قول لبيد: وجلا السيول عن الطلول كأنها زبراً تجد متونها أقلامها فخر الفرزدق ساجداً، وتعجب الناس، فلما رفع رأسه قالوا: يا أبا فراس ما هذا؟ قال: أنتم تسجدون لجيد القرآن وأنا أسجد لجيد الشعر، والمعنى أن هذا البيت فيه صورة بديعة تبين اتصال الجاهليين عموماً بالبيئة وأثرها في شعرهم، وفي لبيد أكثر وصفاً، وله في معلقته أبيات جميلة جداً، لكن المقام لا يتسع للإطالة في حقه أكثر من غيره.

стр. 52

وقفة مع معلقة زهير من شعراء المعلقات زهير بن أبي سلمى، وقد عرف بالحكمة وعرف بالحواليات، وكان يتأنى ويتروى في إخراج قصائده للناس وهو القائل في صدر معلقته: أمن أم أوفى دمنة لم تكلم بحومانة الدراج فالمتلثم ومن ضمن معلقته أبيات جرت مجرى الحكم والأمثال، وهي تردد إلى اليوم أكثر من شعر طرفه: من لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله عن قومه يستغنى عنه فيذمم هذا من روائع ما قاله زهير بن أبي سلمى، وقد كان عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه فيما يرون عنه يحب شعر زهير؛ لأن زهيراً كان يتمثل الحكمة وواقع الناس في أشعاره.

стр. 53

وقفة مع معلقة الأعشى من شعراء المعلقات: الأعشى وقد قلنا: إن لبيبداً أدرك الإسلام وأسلم، أما الأعشى فقد أدرك الإسلام، وهيأ قصيدة يمدح فيها النبي ﷺ ، لكن لا يقع في الكون إلا ما أراد الله، والهداية بيد الله. قال في قصيدته التي يمدح فيها النبي ﷺ : ألم تغتمض عيناك ليلة أرمد وبت كما بات السليم المسهد وما ذاك من عشق النساء وإنما تناسيت قبل اليوم حلة مهددا إلى أن قال في مدح نبينا ﷺ : نبي يرى ما لا ترون وذكره أغار لعمر في البلاد وأنجد متى ما تناخي عند باب ابن هاشم تريحي وتلقيى من فواضله يدا يخاطب ناقته. هذا الأعشى اشتهر بحبه للخمر وكثرة شربه لها، ولهذا عني في شعره كثيراً بالخمر والتلذذ بالنساء، وفي مطلع معلقته الشهيرة: ودع هريرة إن الركب مرتحل وهل تطيق وداعاً أيها الرجل غراء فرعاء مصقول عوارضها تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحل كأن مشيتها من بيت جارتها مر السحابة لا ريث ولا عجل من أبياته التي جرت مجرى المثل والحكمة في معلقته قوله: كناطح صخرة يوم ليفلقها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل فـ الأعشى ويقال له: أعشى قيس، وهو من أشهر شعراء المعلقات، وكانوا يقولون: إن الأعشى إذا طرب أبدع كما يقولون: إن امرؤ القيس إذا ركب أي: خرج للصيد يلحقه الإبداع أو يأتيه الإبداع، ثم يثلثون بـ النابغة إذا رهب -أي: إذا خاف- فإنه يضطر للاعتذار، وكأن هذه الحالة النفسية تنعكس على أبياته، فيبدع ويقول ما لم يقله في فن آخر. والنابغة أحد شعراء المعلقات الكبار. وقد اعتذر للنعمان بن المنذر في وقيعة وقعت بينهما، نجم عنها قوله لتلك الأبيات.

стр. 54

وقفة مع معلقة عنترة الأعشى، والنابغة، وامرؤ القيس كل هؤلاء أكبر رموز شعراء الجاهليين، ويمكن أن يضاف إليهم عنترة، وهم أكثر من ذلك، والبعض أوصلهم إلى العشرة، وبعضهم يقف عند السبعة. إن عنترة اشتهر بشجاعته، وله قصيدة مشهورة مطلعها: هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم يا دار عبلة بالجواء تكلمي وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي دار منعمة غليظ طرفها طيق العناق لذيذة المتنسم هذا عنترة من أكثر الناس ذيوعاً، ومن الناس إلى اليوم في تاريخنا العربي ينسبون كل شجاعة إلى عنترة، كما ينسبون كل سخاء إلى حاتم، وكما ينسبون كل ذكاء إلى إياس، وكما ينسبون كل فكاهة إلى أشعب، وغير ذلك. وهذا شيء بدهي أن يجعل الناس رمزاً من الرموز فتفيء إليه بكل ما يتعلق بالرمز الذي وضع له. إن عنترة عرف بشجاعته، ولده أبوه من جارية، والإنسان من حيث انتسابه ينسب إلى أفضل أبويه ديناً، وينسب إلى أمه حرية أو عبودية، وفي المطعم والمشرب كما في الدواب ينسب إلى الأخبث، ولذلك لحم البغال لا يؤكل؛ لأنه ينسب إلى الحمار ولا ينسب إلى الخيل. تعلق عنترة بـ عبلة كما هو مشهور ذائع، لكن الذي يعنينا هو الأبيات التي قالها، والتي كان يبين فيها شجاعته وعفة نفسه في نفس الوقت: هلا سألت الخيل يا ابنة مالك إن كنت جاهلة بما لم تعلم يخبرك من شهد الوقيعة أنني أغشى الوغى وأعف عند المغنم أغش الوغى أي: الحرب، وأعف عند المغنم: هذا مدح عظيم، فإذا اقتسم الناس الغنائم وهبوا إلى فتات الدنيا عفت نفسي وأحجمت، أما عندما يكون الموضع ساحة قتال لا يبرز فيه إلا الشجعان ولا يتقدم إلا الفرسان يقول: كنت أقرب منه؛ لأنه يجد في ذلك راحة نفسية. يقول: ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها قيل الفوارس ويك عنتر أقدم وقد نسب إلى عنترة حادثة طريفة بصرف النظر عن صحة هذه الحادثة، فالعاقل يزن خطواته ولا يضع قدمه اليمنى حتى يعلم قبل أين سيضع قدمه اليسرى. كان العبسيون إذا داهمهم العدو يدعون عنترة، كما قال في شعره، فيفزع إليهم ويفك ما أصابهم، وفي يوم خرج ثور هائج فتنحى عنترة إلى جبل هارباً من الثور، فقيل له: يا عنترة مثلك يفر من الثور! قال: ومن يفهم الثور أني أنا عنترة! هذه الحكاية على طرافتها لها معان عظيمة: وهي أن الإنسان ينبغي أن يكون عاقلاً، وليس كل ميدان يقتحمه، وليس كل مقال يصلح لكل مقام. هذا ما تهيأ إيراده حول المعلقات وتيسر إعداده. وفقني الله وإياكم لما يحبه ويرضى، وألبسني الله وإياكم لباسي العافية والتقوى، وصل الله على محمد وعلى آله والحمد لله رب العالمين.

стр. 55

سلسلة لطائف المعارف [المهدي] من رحمة الله بالمسلمين أن بشرهم بأن النصر للمسلمين وأن العاقبة للمتقين؛ حتى يظل المسلم على يقين بأن هذه الأمة مهما أصيبت فإن العاقبة لها في نهاية الأمر، ومن البشارات التي بشر بها المسلمون رجل يخرج في آخر الزمان اسمه محمد بن عبد الله المهدي، فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً.

стр. 56

خروج المهدي علامة من علامات الساعة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه. وبعد: فقد بينا أن لطائف المعارف يُعنى بالنظرة الموسوعية لبعض الأعلام والأحداث التاريخية، ولا ينزع من قنن واحد، وإنما هو أقرب إلى ذوات أفنان. لقاؤنا اليوم يحمل عنوان: المهدي. ونحن نعلم أن الله جل وعلا لم يُطلع أحداً من خلقه على الساعة، قال الله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٧]. وسيد الملائكة جبريل سأل سيد الرسل ﷺ : أخبرني عن الساعة؟ فقال ﵊، وهو يعلم أن السائل جبريل: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) والمعنى أن علمي وعلمك فيها سواء. لكن الله جل وعلا قال: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨] أي جاء بعض علاماتها، أي أن الله جل وعلا جعل للساعة أمارات وأشراطاً، كما قال جبريل للنبي ﵊: فأخبرني عن أماراتها؟ وقال الله لموسى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه:١٥] وقول الله جل وعلا: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه:١٥] يُشعر وفق قوانين اللغة وقواعد الإعراب أن الله لن يخفيها بالكلية، فوقتها المحدد أخفاه الله بالكلية، لكن جعل لها أشراطاً وعلامات، وهذا معنى قول الله: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه:١٥]. هذه العلامات قُسِّمت من قبل العلماء إلى صغرى وكبرى، ومن أشهر العلامات الكبرى: خروج المهدي. والمهدي بشر من بني آدم، لكنه ينتسب إلى النبي ﷺ ؛ يقول النبي ﵊ في الخبر الصحيح: (المهدي مني، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يواطئ اسمه اسمي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورًا وظلمًا) فنفهم من هذا أن الله جل وعلا يُخرج قبل قيام الساعة رجلاً من آل بيت رسول الله ﷺ يجري على يده خير عظيم.

стр. 57

اختلاف المسلمين في المهدي قبل أن نشرع في قضية تحديد أوصافه خلقياً نقول: إن المسلمين -سواء المنتسبون إلى الإسلام حقيقة وهم أهل السنة، أو غيرهم ممن ينتسبون إليه- اختلفوا في قضية المهدي مع اتفاقهم على خروج رجل من آل البيت، فالشيعة يقولون: إن المهدي من ذرية الحسين، وهو عند الشيعة الاثني عشر آخر الأئمة الاثنى عشرية عندهم، واسمه عندهم محمد بن الحسن العسكري، ويقولون: إنه حاضر في الأمصار، وغائب عن الأبصار، دخل سرداباً في سامراء، وينتظرون خروجه ليملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً. وفرقة أخرى ممن يطلق عليهم شيعة -ويسمون بالكيسانية- يقولون: إنه من ذرية علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، لكنه رابع الأسباط، ويقول كثير عزة وهو شاعر أموي معروف، وسمي بـ كثير عزة لتعلقه بامرأة يقال لها عزة، وله فيها قصائد مشهورة، والذي يعنينا أن هذا الرجل كان يؤمن بها المذهب وهو القائل: ألا إن الأئمة من قريش حماة الدين أربعة سواء علي والثلاثة من بنيه هم الأسباط ليس بهم خفاء فسبط سبط إيمان وبر وسبط غيبته كربلاء فسبط سبط إيمان وبر يعني الحسن. وسبط غيبته الكربلاء. يعني: الحسين. وسبط لا يذوق الموت حتى يقود الخيل يقدمها اللواء يعني: محمد بن الحنفية، وهو محمد بن علي أما الحنفية فهي أمه، أي أن أمه ليست فاطمة الزهراء. إن أهل السنة سلك الله بنا سبيلهم يرون أن المهدي رجل من آل بيت النبي ﷺ ، لكنه من ذرية الحسن، فهو فاطمي من جهة أمه، ثم إلى جده ﷺ ، وعلوي من جهة أبيه، يخرج في آخر الزمان يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، فيتحقق فيه خبر النبي ﷺ . على الإنسان أن يفهم القضية فهماً صحيحاً، فما أخبر الله أو رسوله عنه سيقع لا محالة، ولا حاجة إلى أن نستقدمه أو نسعى في استقدامه، هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: وهو أن هناك شخصيات عبر التاريخ الإسلامي تمسكت بهذا الاسم، وسمعنا عن بعض خلفاء بني العباس ومن جاء بعدهم كلهم يريد أن يكون هو المهدي فيتسمى باسمه. وليست القضية أن يتسمى الإنسان بالمهدي حتى يكون مهدياً هذا محال؛ فالله قد قدّر في الأزل وأخبر جل وعلا على لسان نبيه ﷺ أن رجلاً من آل بيته سيكون هو المهدي، وآل البيت كثيرون، لكن هذا يقع بقدر الله. فـ المهدي شاء أم أبى سيخرج بقدر الله ﵎ وبإلهام يلهمه الله جل وعلا إياه. الأمر الثالث: أن نزول عيسى بن مريم في الغالب يكون في زمن المهدي؛ فالذي يظهر من سياق النصوص الشرعية أن الدجال يخرج في زمن المهدي فيقاتله المهدي، وتكون هناك أشبه بالملحمة في بيت المقدس، فينزل عيسى بن مريم ﵊ فيقتل الدجال، وعيسى ﵇ -في الغالب- يصر على أن يتقدم المهدي ليصلي بالناس، أما كون عيسى لم يصل فهذا ثبت في الأحاديث الصحيحة الصريحة عن نبينا صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 58

انقسام الناس تجاه المبشرات إن الناس في زماننا يشاهدون الضيم الذي تعانيه الأمة، وحالة الانكسار التي تكاد تكون جلية ظاهرة في تاريخ الأمة في عصرنا إلا في بعض المواطن، وفي نفس الوقت يسمعون عن غيب موعود؛ أي أن الأمة ما بين الواقع المشهود والغيب المنشود؛ فالواقع المشهود قد لا يساعد الكثيرين على التفاؤل وهذا خطأ فيهم، والغيب المنشود على أن الأمة ستعلو، وهذا وعد من النبي ﷺ لأمته، بل وعد من الله ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣] فانقسم الناس في هذا الأمر إلى ثلاثة أقسام: قسم يقول: لا حاجة للسعي ولا حاجة للبذل، ولا حاجة للتربية؛ لأن الأمة لا محالة ستنتصر، وهذا وعد! ويريدون منا أن نركن إلى الكسل، وهذا محال، ومطلب غير صحيح، وفقه غير مستقيم. وقسم يقول: لا نريد أن نؤمن بهذا الغيب كله، ولا تحدثونا عن المهدي، ولا عن الوعد، ولا عن عيسى بن مريم؛ لأن هذا يجعلنا نتكل كما اتكل الأولون ولهذا أرادوا أن يردوا تلك الأحاديث حتى لا يصيب الناس نوع من التصديق، وهذا خلاف الحق؛ لأن هذه البشارات يجب أن تزرع فينا التفاؤل. القسم الثالث: من الناس من يستبشر بتلك الوعود الإلهية والوعود المحمدية؛ لأن النبي ﷺ لا ينطق عن الهوى، وفي نفس الوقت لا يركن إليها ركوناً كلياً، ولا يكسل عن العمل للدين، بل يعمل. ثم إنه ينبغي أن يُعلم أن المهدي لن يكون أفضل من النبي ﷺ قطعاً، بل لن يكون أفضل من أبي بكر وعمر، ولا من كبار الصحابة، بل لن يكون أفضل منهم كلهم على هذا فإذا كان النبي ﷺ احتاج بقدر الله إلى أن يعينه الأصحاب رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، حتى بنى دولة الإسلام في ثلاث وعشرين سنة لبنة لبنة، إذاً فما حال المهدي؟ وما المهدي إلا أحد أتباع نبينا ﷺ ، فالنظرة الموزونة العقلانية التي تعتمد على ضوء النقل من الكتاب والسنة هي التي تعيننا على السير في مثل هذه المنعطفات التي عادة ما يختصم الناس فيها -كما قلنا- بين واقع مشهود وغيب منشود.

стр. 59

الحكم على أحاديث المهدي بعض مؤرخي الإسلام ممن ليس لهم دراية بالصناعة الحديثية يردون مثل هذه الأحاديث، ويقولون إنها ليست في الصحيحين. ومعلوم أن الصحيحين لم يستوعبا جميع الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ ، فـ ابن خلدون رحمة الله تعالى عليه أسرف في رد الأحاديث الصحيحة التي تُخبر بخروج المهدي، وتبعه على ذلك أفراد في الأمة، وكلهم عفا الله عنا وعنهم لم يوفقوا للصواب في هذا المنحى؛ لكن الذي عليه حفاظ الأثر كشيخي الصحيح وأهل النظر كلهم يرون صحة الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في شأن خروج المهدي، بل قال شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز رحمة الله تعالى عليه: إن هذه الأحاديث تفيد التواتر المعنوي في صحة خروج المهدي، وأنه من آل بيت نبينا ﷺ .

стр. 60

ما يتبع المهدي من علامات الساعة إن خروج المهدي من أشراط الساعة الكبرى؛ ويتبع ذلك نزول عيسى بن مريم ﵊، ثم يكون بعد ذلك -وقد يكون بعيداً بعض الشيء- طلوع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها لم يقبل الله جل وعلا توبة تائب، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]. ثم تتوالى الأشراط والعلامات والأمارات الكبار، ومن أظهرها أن ذا السويقتين من أهل الحبشة يهدم الكعبة فينزعها حجراً حجراً، ويستخرج كنوزها ولا يُطاف بالبيت بعد ذلك، ويرفع القرآن ويطوى وشي الإسلام، ثم لا يبقى إلا همج رعاع يأمر الله إسرافيل أن ينفخ في الصور فينفخ، قال الله جل وعلا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨].

стр. 61

من أوصاف المهدي المقصود من هذا أن المهدي من أعظم علامات الساعة الكبرى، وهو في الإجمال يواطئ اسمه اسم النبي ﷺ ، أي أن اسمه محمد بن عبد الله، ويخرج في مكة، وقد جاءت بعض الأحاديث أنه يبايع له بين الركن والمقام. وبعض صناع الأثر أو المعنيين بالدراية في علم الحديث يقولون: إن المهدي من أهل المدينة، لكنه يبايع له بين الركن والمقام، لكن ليست المبايعة له بين الركن والمقام هي وحدها الأمارة والعلامة على أنه المهدي، فاعتقاد ذلك من الخطأ، وقد تشبث بذلك كثيرون لا حاجة لذكرهم. فالإنسان أحياناً يرى وصفاً واحداً وتغيب عنه أوصاف فيقع في الخطأ من حيث لا يدري، ومثال ذلك: لو أن أخاً لك أردت أن تبعثه إلى حي لا يعرفه، ودللته على عمارة لكنك قلت له: إنها مكونة من أربعة طوابق بابها جهة الشرق، ليس عن يمينها ويسارها بناء، ثم إنه ذهب إلى هذا الحي، فأول ما رأى عمارة أو بناية لها أربعة أدوار ظنها هي المقصودة ولم يلتفت إلى بقية الأوصاف، فاستعجل في وصف واحد؛ وهذا هو الذي يقع فيه الخلط كثيراً، وعندما يقرأ البعض الأحاديث قراءة ليست كاملة يكون غالب أمره مبنياً على الهوى، لا على العلم الشرعي. هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين

стр. 62

سلسلة لطائف المعارف [إمام النُّحاة] من الناس من يموتون ولا يبقى لهم أثر بعد موتهم، ومنهم من إذا مات خلف آثاراً وبصمات واضحة في الحياة، فكل من ذكره قال عنه: يرحمه الله. من هؤلاء الذين تركوا أثراً واضحاً في الحياة الإمام الجليل سيبويه، فقد خلف علماً يدرسه الناس على مر العصور، ويتداوله طلاب العلم على مضي الأزمنة.

стр. 63

علم النحو عبر العصور الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين وإله الآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فإن هذا اللقاء من لقاءات لطائف المعارف يحمل عنوان إمام النحاة. إن الله أنزل القرآن بلسان العرب، قال الله جل وعلا: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف:٢]، والحاجة إلى حفظ لغة العرب ضرورة ولزام؛ لأنه ينجم عن ذلك حفظ كلام الله ﵎، وحديث رسوله ﷺ ، والنحو العربي مر بأطوار، وشهد أئمة ومشاهير علماء أسهموا بقليل أو بكثير في نشأة النحو، وأهل الصناعة النحوية يقولون -على خلاف بينهم لكن الأكثرين يرون-: إن أول من وضع أسس علم النحو هو أبو الأسود الدؤلي، وكان الناس في أول الأمر لا يكاد يلحن منهم أحد، ولا يكاد أحد منهم يخرج عن قواعد الإعراب التي سمعها بعضهم عن بعض، جيلاً بعد جيل مما كان يردده الجاهليون، ثم أهل الصدر الأول من الإسلام، ثم لما اختلطت العرب بالحضارات الأخر وانتشر الموالي والأعاجم، وجاور الناس فارس والروم، دخل فيهم اللحن، فبعد أن كانوا يحصون من يلحن، أصبحوا لا يكادون يحصون إلا من لا يلحن، ولهذا قال الأصمعي: أربعة لم يلحنوا في هزل ولا جد، وذكر منهم الحجاج بن يوسف وذكر منهم الشعبي، وغيرهما، ثم قال: وكان الحجاج أفصحهم.

стр. 64

سيبويه إمام النحاة يكاد يجمع أهل الصناعة النحوية على أن سيبويه رحمة الله تعالى عليه هو إمام النحاة، وإن كان هذا الأمر ليس فصل خطاب، إنما شهد النحو علماء كثير. سيبويه لقب ومعناه: رائحة التفاح، ويقال: إن أمه كانت ترققه كما ترقق كل أم ولدها بهذا اللقب، واسمه: أبو بشر عمر بن عثمان بن قنبر فارسي الأصل، مات في ريعان شبابه كما سيأتي. هذا العلم في علم النحو طلب -أول حياته- علم الحديث وجلس عند حماد، فلما جلس عنده كأن حماداً طلب منه أن يقرأ حديثاً، فقال سيبويه وهو يقرأ: (كل أصحابي ليس أبو الدرداء) فقالها سيبويه بالرفع ظناً منه أن (أبو) اسم للفعل ليس، فخطأه حماد وقال له: أخطأت يا سيبويه، إنما هو استثناء، أي: أن المعنى ليس أبا الدرداء، أي: إلا أبا الدرداء، فقال: لأطلبن علماً لا ينازعني فيه أحد، فتوجه إلى الأكابر في زمانه ممن يؤخذ عنهم النحو، ولحق بـ الخليل بن أحمد ويونس، وغيرهما، وأخذ عنهم العلم. والخليل بن أحمد أحد أئمة النحو الكبار الذين آتاهم الله جل وعلا العلم والحكمة، والنظر في دقائق المسائل. وقد أورثها الله جل وعلا من الخليل إلى سيبويه، فأخذ سيبويه عن الخليل بن أحمد وكان ذلك كله في البصرة، وفي البصرة أسس سيبويه علم النحو حقاً، وكتب كتاباً في النحو لكنه لم يخرجه للناس، ثم إنه أصابه ما أصاب أهل زمانه من الاستشراف في الخروج إلى بغداد، وكانت بغداد آنذاك حاضرة العباسيين وعاصمة دولتهم، ويؤمها العلماء والأدباء والمحدثون، وينالون من عطاء الأمراء والخلفاء، ويكون الإنسان فيها ذائع الصيت.

стр. 65

المسألة الزنبورية ووفاة سيبويه خرج سيبويه رحمة الله عليه إلى بغداد وهو في ذهنه يؤمل أمجاداً عريضة وآمالاً كبيرة، فقابل الكسائي، والكسائي أشبه بالند له، حيث كان إماماً في القراءات وفي النحو، وهو من أئمة أهل الكوفة، فحل ضيفاً عند يحيى بن خالد البرمكي، فبدءا يتحاوران وكانت المناظرات آنذاك شائعة ذائعة، وبها يميز العلماء بعضهم من بعض، فقال الكسائي لـ سيبويه: ما تقول في قولهم: كنت أظن أن العقرب أشد لسعاً من الزنبور فإذا هو هي -بالرفع- أو إياها بالنصب؟ فقال سيبويه: فإذا هو هي -بالرفع- ولم يجز أن تقال بالنصب، فأصر الكسائي على أنها يصح فيها الوجهان: الرفع والنصب، فلما طال بينهما الاستشهاد والنزاع، قال يحيى بن خالد البرمكي، وهو الأمير وصاحب المجلس: من يفصل بينكما وقد تنازعتما وأنتما رئيسا ما لديكما؟ فقال الكسائي: وجوه الأعراب بالباب، أي أن الأعراب على السليقة لا يخطئون، ويقال هنا: إن إصبع السياسة دخل في هذه القضية، فلما حكم الأعراب، ليحكموا بين سيبويه والكسائي، وكان الأعراب يعرفون منزلة الكسائي عند يحيى بن خالد بخلاف منزلة سيبويه؛ لأن سيبويه لم يكن من أهل بغداد وكان قادماً لتوه من البصرة، والأعراب يظنون أن يحيى لا يعرف سيبويه وهو كذلك، فلما حكم هؤلاء الأعراب، حكموا بصحة ما قال الكسائي، فكأن سيبويه انكسر، فأراد الكسائي أن يشمت به من غير ما قصد أو بقصد، فقال لـ يحيى بن خالد: إن صاحبنا -أي: سيبويه - أتى ليطلب مالاً ونوالاً من عندك فأرضه، وهذا زاده حنقاً، وهذا ما عبر عنه النبي ﷺ بقهر الرجال. فخرج سيبويه يتوارى من سوء ما لحق به، وتوجه إلى إحدى القرى ونزل ضيفاً على تلميذه الأخفش، هناك أصابه كمد، وأراد الله بذلك الكمد أن يعجل بوفاته، فمات ﵀ وهو في ريعان شبابه، قيل: إنه كان في الرابعة والثلاثين، وهو ليس معمراً قطعاً، ويقال: إنه قال قرب احتضاره يتكلم عن حاله وكيف وصل إلى ما وصل إليه، وكان قد انتهى به المطاف إلى ما انتهى إليه قال: يؤمل دنيا لتسعى له فوافى المنية دون الأمل حثيثاً يروي أصول الفسيل فعاش الفسيل ومات الرجل شبه نفسه برجل عنده فسيل، وهو صغار النخل، وهو يزرعه ويكد في سقيه يريد منه أن يعمر، لكن الرجل مات وبقي الفسيل حياً ثم كبر.

стр. 66

كتاب سيبويه بعد أن مات أخرج تلميذه للناس ما ألفه سيبويه وهو كتاب الكتاب، هذا الكتاب طاف صناع النحو حوله ولقب: بقرآن النحو، وقد ضمنه سيبويه درراً. ولأنه مات قبل شيوخه، ونسب كثيراً مما قاله للخليل بن أحمد قال بعض الناس: إن سيبويه يكذب على الخليل، فقالوا لـ يونس أحد شيوخه: فقال: ما أظن هذا الغلام إلا قد كذب على الخليل، قالوا له الطلاب: وقد نقل عنك، قال: أروني ماذا نقل، فلما أروه ما كتب سيبويه أقر له بالعلم والمعرفة، وأنه حقاً قد أملى عليه ذلك. المقصود أن سيبويه قد أخرج للناس هذا الكتاب الذي علا به سيبويه من قبله، ولم يستطع أحد بعده أن يدركه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

стр. 67

الخليل بن أحمد الفراهيدي الخليل بن أحمد -وهو أحد أكبر شيوخ سيبويه - إمام عظيم من أئمة اللغة والنحو، طاف البوادي والأمصار يجمع اللغة والعلم، ثم إن الله جل وعلا رزقه الزهد في الدنيا، فلم يكن يحفل بأن يكون له ثروة أو مال أو جاه، فكان الناس ينتفعون بكتبه التي ألفها وهو في بيته ليس فيه من معالم الثراء والجاه شيء، حتى إنهم قالوا: إن سليمان بن علي عم أبي العباس السفاح الخليفة العباسي المعروف ووالي الأهواز في زمانه بعث إلى الخليل رسولاً يطلب منه أن يؤدب ولده، فدخل داره، وأخرج خبزاً يابساً، ثم قال للرسول: ما دام هذا موجوداً فأنا في غنىً عن سليمان وخرج. الذي يعنينا هنا أن ترى زهد هذا العالم الجليل في الدنيا، هذا العالم هو الذي ألف وابتكر وأسس علم العروض، ووضع أصوله، ولم يسبقه إليه أحد، وهو قائم على نظام الموسيقى العربية، ويقال: إنه كان يأتي الأسواق التي يباع فيها الأواني، فينظر لنغمات صوت الأواني، حتى أسس البحور الشعرية المعروفة كالوافر والكامل وغيرهما، ثم أخرج للناس علم العروض. من طرائف ما يروى في هذا المجال أن أحد أبنائه دخل عليه، فلما رأى الابن أباه على هذه الحالة، وكان هذا أشبه بالإيقاعات اليوم، ظن أن أباه مجنون، فخرج، فناداه الخليل وقال له: لو كنت تعلم ما أقول عذرتني أو كنت أجهل ما تقول عذلتك لكن جهلت مقالتي فعذلتني وعلمت أنك جاهل فعذرتك والأبيات ظاهرة المعنى، وإن كان في ألفاظها نوع من التشابه، ومعناها: أنك لا تعلم ما أنا فيه فتلومني، وأنا أعلم أنك تجهل ما أنا فيه فلا ألومك وإنما أعذرك، ولو كنت تعلم ما أنا فيه حقاً لما لمتني، ولو كنت أجهل ما أنت فيه لما عذرتك، هذا معنى البيتين. الذي يعنينا أن الخليل بن أحمد كان له باع طويل بإثراء شخصية سيبويه، وقد كان سيبويه يتأدب مع شيخه الخليل بن أحمد، ولذلك كان يقول في الكتاب عنه: عفا الله عنه، فإذا قال هذا من غير أن يذكر القائل، قال أهل النحو من شراح الكتاب: ينصرف هذا إلى الخليل بن أحمد، فهو من إجلاله للخليل، يذكر الفعل: قال، ولا يذكر قائله في كثير من المواقف.

стр. 68

ما يستفاد من سيرة سيبويه نستفيد نحن من هذا كله أن أقدار الله غالبة، وأن الإنسان أحياناً يطلب شيئاً ويكون هلاكه فيما يطلبه، ولذلك يحسن بالمرء أن يستعين بالله في كل أمره، ومع ذلك أقدار الله غالبة، ويحسن بالإنسان أن يسأل الله جل وعلا التوفيق، فلا يدري في الخطوات التي يخطوها أو الخطوات التي يفر منها أين مواطن الخير؟ وما أدري إذا يممت أرضاً أريد الخير أيهما يليني أألخير الذي أنا أبتغيه أم الشر هو الذي يبتغيني وقال أحسن من نصح ابنه: وسل من ربك التوفيق فيها وأخلص في السؤال إذا سألت وناد إذا سجدت له اعترافاً كما ناداه ذو النون بن متى فالإنسان في حياته هذه يسأل الله جل وعلا الإخلاص والتوفيق، وليعلم أنه ما ارتفع من الأرض إلى السماء شيء أعظم من الإخلاص، وما نزل من السماء إلى الأرض شيء أعظم من التوفيق، ولهذا قال الله جل وعلا حكاية عن شعيب خطيب الأنبياء أنه قال: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود:٨٨]، فالإنسان مهما جمع من علوم الآلة، ومهما أوتي من مال، ومهما أعطي من جاه، ومهما رزق من سلطان فإنه مخلوق يحتاج إلى توفيق الله. وسيبويه رحمة الله تعالى عليه مات في ريعان شبابه، وهو إن مات صغيراً إلا أن الله جل وعلا أورث بركة في كتابه، فالناس ينتفعون به إلى اليوم. هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده، وأعاننا الله على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 69

سلسلة لطائف المعارف [آية الكرسي] القرآن كتاب الله المجيد، وفي قراءته وتدبره من الفضل ما لا يخفى، إلا أن الشرع عظم شأن بعض آياته وسوره؛ لعظم ما تضمنته من معان، وكل معاني القرآن عظيمة. فمن تلك الآيات آية الكرسي التي من قرأها عقب الصلاة المكتوبة فليس بينه وبين دخول الجنة إلا الموت، ومن قرأها عند إيوائه إلى فراشه فلن يضره شيء ليلته تلك؛ لأنها جمعت كل معاني الأسماء الحسنى والصفات العلى، وتضمنت شرط كلمة التوحيد وهو الإيمان بالله والكفر بالطاغوت.

стр. 70

أعظم آيات القرآن معناها وفضلها بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خالق الكون بما فيه، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله, آخر الأنبياء في الدنيا عصراً، وأرفعهم وأجلهم يوم القيامة شأناً وذكراً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فعنوان حديثنا هذا اليوم (آية الكرسي)، وقد مر معنا أن بعض آيات القرآن الكريم أخذت اسماً خاصاً بها، زيادة على أنها وقعت في سورة لها اسم، وقد مر معنا آية المباهلة، وهي المذكورة في سورة آل عمران، ومن آيات القرآن التي وسمت آية السيف، وهي الآية الرابعة في سورة البراءة، أي: سورة التوبة، وآية المجادلة وهي الآية التي افتتح الله جل وعلا بها سورة المجادلة. ومن أعظم آيات القرآن التي سميت باسم خاص بها آية الكرسي، هذه الآية المباركة قال فيها النبي ﷺ -كما في الخبر الصحيح الذي رواه ابن حبان بسند صحيح-: (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت). وآية الكرسي وردت في سورة البقرة، قال الله جل وعلا -وهو أصدق القائلين-: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥].

стр. 71

معنى الله والحي القيوم أما قول ربنا جل وعلا: ((اللَّهُ)) فهذا علم على ربنا ﵎، لم يسم ولن يسمى أحد به غيره سبحانه، قال ربنا ﵎ في سورة مريم: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٤ - ٦٥]، أي: ليس له سمي جل وعلا. قوله تعالى: ((اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)) هذه (لا) نافية للجنس، ومعنى الآية: لا إله معبود بحق إلا الله؛ لأن الآلهة التي تعبد غير الله كثيرة في الأرض، كما قال الله على لسان القرشيين: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥] لكن لا معبود بحق إلا الله. وقوله سبحانه: ((الْحَيُّ)): هو اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، وحياة ربنا ﵎ صفة ذاتية لازمة له، وهو حي حياة لم يسبقها عدم ولا يلحقها زوال. وأما قول ربنا جل وعلا: ((الْقَيُّومُ)) فإنه ﵎ كل أحد غيره مفتقر إليه، وهو جل وعلا قائم على كل نفس، وهو ﵎ استغنى بحمده عن كل أحد، وافتقر كل أحد إليه جل وعلا. ثم قال الله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، قال ﷺ : (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، حجابه النور -أو النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه). وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥] هذه اللام لام الملكية المطلقة، والله جل وعلا جعل الملك صورياً وحقيقياً، فالملك الحقيقي له وحده ﵎ دون من سواه، أما ما نملكه اليوم مما ملكنا الله جل وعلا إياه من أمر عظيم أو حقير، فلابد أن ينزع منا أو ننزع منه، فيرد الخلائق على ربهم في ساحة العرض الأكبر، وليس معهم شيء، وهذا معنى قوله ﷺ : (حفاة عراة غرلاً بهماً)، ومعنى: بهماً أي: غير ممولين أو ليس معهم شيء، وقد ذكر الله ذلك في قوله جل وعلا: ﴿وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٩]، وفي قوله ﵎: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان:٢٥]. الملك الحقيقي لله وحده، قال سبحانه: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان:٢٦]، فالذي أفادته اللام هنا هو أن الملك المطلق له ﵎، فالخلق كلهم عبيد مقهورون له. ثم قال تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وذكرت (ما) وإن كانت لغير العاقل من باب التغليب؛ لأن غير العقلاء أكثر من العقلاء في المخلوقات.

стр. 72

إحاطة علم الله بكل شيء ثم قال الله سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وهذا أسلوب استفهامي إنكاري أي: لا أحد يشفع عنده جل وعلا إلا بإذنه، وهذا أحد شرطي الشفاعة. ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] فيعلم الله جل وعلا ما قد كان وما يكون وما سيكون، ويعلم ﵎ ما لم يكن لو كان كيف يكون. ثم قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، أي: خلقه، ﴿بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقد مر معنا في قصة الخضر وموسى، أنه لما ركبا في تلك السفينة من غير أجرة، قبل أن تحدث تلك الحوادث العظام التي رآها موسى مع الخضر، جاء طائر فنقر بمنقاره في البحر نقرتين أو ثلاثاً ثم مضى، فقال الخضر لموسى -معلماً ومرشداً-: (ما علمي وعلمك من علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر من البحر)، ويقول الله ربنا هنا: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] فلا يمكن لأحد أن يأتي بعلم من جيبه، وقالت الملائكة بين يدي ربها جل وعلا كما قاله الله عنهم: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:٣٢]. فعلم الرسل وعلم الملائكة إنما هو بما علمهم الله جل وعلا، ولهذا العاقل من انتهى إلى حدود علمه، وسنقف إن شاء الله تعالى في لقاء منفرد عند قول الله ﵎: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]، لكننا هنا ننيخ المطايا عند قول الله جل وعلا: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]. فالإنسان لا سبيل له إلى معرفة شيء إلا ما علمه الرب ﵎ إياه، يقول الله: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٨] والنبي ﷺ على رفيع قدره، وجليل مكانته كان يسأل فكان لا يعرف الجواب؛ لأن الله لم يأذن بتعليمه بعد في ذلك الموقف، فيسأل جبريل فيخبره جبريل فيخبر ﷺ بناء على تعليم جبريل له أصحابه ﷺ بما كان.

стр. 73

المراد بالكرسي ثم قال الله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] اختلف في معنى الكرسي فقيل: هو موضع القدمين للرب ﵎، وهذا منحى المفسرين الذين تغلب عليهم الصناعة الحديثية، وبعض العلماء فسر الكرسي بمعنى العلم، وهذا اختاره ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى، وبعض أهل الفضل من العلماء يتجنب أو يحتاط لنفسه، فلا يصل إلى مفهوم معين للكرسي. والذي ينطبع في القلب والذهن أن الله جل وعلا يعظم شأنه، فيخبر عن عظيم ذاته العالية، هذا الذي ينقدح في قلب كل مؤمن ابتداء، وهو الغاية المقصودة من القرآن جملة. ثم قال ربنا: ﴿وَلا يَئُودُهُ﴾ [البقرة:٢٥٥] أي: لا يعجزه ﵎ حفظهما، أي: حفظ السموات والأرض، وكل المخلوقات إنما هي بين السموات والأرض. ثم ختم الآية بقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] وهذان اسمان من أسمائه الحسنى ﵎، فهو جل وعلا له علو القهر، وعلو الذات، وله ﵎ علو المكان، وهو العظيم الذي لا يبلغ عظمته أحد كائناً من كان. وهذه الآية العظيمة هي أفضل آيات القرآن، وقد سأل النبي ﷺ أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه وأرضاه: (أي آية في القرآن أعظم؟ قال: قلت: يا رسول الله! ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فضرب ﷺ براحة يده صدر أبي وقال: ليهنك العلم يا أبا المنذر)، وهذا من طرائق تقرير الخطاب، وتقرير صحة الإجابة التي وفق لها أبي رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

стр. 74

تفسير قوله تعالى: (لا إكراه في الدين) بعد أن ذكر الله جل وعلا هذه الآية المباركة التي فيها أصول العقائد، وفيها التمجيد والتعظيم والتحميد لرب العزة والجلال ﷻ ، قال الله جل وعلا: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]، بعض العلماء كـ الشعبي وغيره يجعلون هذه الآية في اليهود والنصارى، فيقصرونها عليهم، أي: لا تكرههم يا محمد وأتباعك على الدين، ما داموا يؤدون إليك الجزية. وأكثر أهل العلم وهو الحق أن هذا منحى غير صحيح؛ فإن الآية عامة، وإنما المقصود منها: أن مسائل العقائد لا يمكن فرضها، فإنه يمكن لنا أن نجبر الناس على مسألة عملية كأن نطعمهم ما نريد؛ فيأكلونه قهراً، أو أن يقهر على أن يخطو خطوات إلى مكان ما، أو أن ينزل من علو، أو ما أشبه ذلك مما يمكن جبر غيرك عليه، لكنه لا يمكن لأحد كائناً من كان أن يجبر أحداً على عقيدة يقرها في قلبه؛ لأنه لا سبيل إلى معرفة ما في قلوب الناس، إلا إذا تلفظوا وأفصحوا عما تكنه ضمائرهم وتحويه سرائرهم، على ذلك قال الله جل وعلا: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]. ولم يا ربنا ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]؟ لأن التوحيد دين الفطرة ظاهر لا يحتاج لأن تكره الناس عليه، ولا سبيل أصلاً إلى إكراه الناس عليه. ثم قال ربنا: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥٦] فلابد من الجمع بين هذين الأمرين العظيمين، أي: الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، فإذا تحقق من امرئ أن كفر بالطاغوت ونبذ كل إله يعبد دون الله وآمن بالله، ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾ [البقرة:٢٥٦]، أي: بصنيعه هذا ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦]. وقال الله: ﴿لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦]، (لا) هذه نافية وقد مرت معنا. وهناك فصم وقصم، فكلاهما يعنيان النزع، لكن الفصم يقع ثم يبقى تعلق من ذلك المفصوم بأصله، ولو خيطاً دقيقاً أو رفيعاً، أما القصم فهو إزالته بالكلية، والبينونة ما بين ما قصم وما بين أصل الشيء، فلما نفى الله جل وعلا الانفصام كان ذلك من باب أولى نفياً للانقصام. فيصبح من حقق هذا الأمر وهو نبذ الطاغوت والكفر به، وتوحيد الله جل وعلا والإيمان به، فقد استمسك بالعروة الوثقى استمساكاً عظيماً لا يشوبه شائبة، عبر القرآن عنها بقول الرب ﵎: ﴿لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦] أي: سميع للأقوال عليم بالأفعال، وهو الرب الجليل العظيم الكبير المتعال.

стр. 75

خلاصة معنى الآية نخلص من هذا كله أن الإنسان ينبغي أن يعلم أن هناك يقينيات كبرى، لا سبيل إلى الأمن يوم القيامة إلا باعتقادها، والإيمان بها والذود عنها، وتمثلها في حياتنا، ومن ذلك أنه لا رب يعبد ولا إله يستحق العبادة إلا الله جل وعلا، وأن هذا الرب الكريم والإله العظيم له أسماء حسنى وله صفات علا، فإذا آمنا بتلك الأسماء على مراده جل وعلا وعلى مراد رسوله ﷺ كما كان الشافعي يقول: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله ﷺ ، وبما جاء عن رسول الله ﷺ ، على مراد رسول الله ﷺ ، وقر الإيمان في القلب وملأ ذلك القلب خشية وتقى، وحق له برحمة الله وفضله أن ينجو يوم العرض الأكبر، والوفادة على الرب جل وعلا. فهذه الآية العظيمة الجليلة التي هي أعظم آيات القرآن -الموسومة بآية الكرسي- تلاوتها وتدبرها يورث في القلب خشية وفضلاً كبيراً يشعر به المرء في غدوه ورواحه، وإلا لم يكن لها ذلك الشأو العظيم، كما في قول النبي ﷺ : (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت)، فبهذا يفزع المؤمنون إلى ربهم جل وعلا دبر كل صلاة في تلاوة هذه الآية، فإذا صحب تلك التلاوة تدبر وفهم وفقه وإدراك لمعان عظيمة حوتها هذه الآية الكريمة، كان ذلك أنجح في الطريق، وأعظم تأثيراً في القلب، ويجد به المرء الخشية التي يريدها، حتى يصل إلى مرقى عظيم يؤمله، وهو أن يرضى الرب ﵎ عنه. هذا ما تيسر إيراده وتحرر إعداده، وأعان الله على قوله حول هذه الآية المباركة آية الكرسي. وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
следующие страницы →