Полный текст (127 стр.). Показаны 106–127 · переход к 111.
стр. 106
تفسير قوله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم)
ثم وصلت القضية إلى فصل الخطاب، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١].
قوله تعالى: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ) أي: في عيسى.
(مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) أي: هذا القرآن.
(فَقُلْ) أي: قل لهم.
(تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) وقد كان النبي ﵊ على يقين من ربه، وعلى يقين من الحق الذي يدعو إليه، وفاطمة أحب بناته إليه، وعلي زوجها، فدعا ﷺ فاطمة وعلياً والحسن والحسين، هؤلاء أربعة وهو الخامس ﵊، فواعد النصارى وأتى بأهل بيته، وقال لـ علي وفاطمة والحسن والحسين: (إذا أنا دعوت فأمنوا)، فقدموا وقدم وفد النصارى، وقد كانوا قرابة خمسة أو ستة، وكان عندهم شيء من العلم، فلما رأوا النبي ﷺ والوجوه الطاهرة التي معه قال بعضهم لبعض: إن هذه الوجوه لو سألت الله أن يزيل الجبال لأزالها، فامتنعوا عن المباهلة.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١]، فخرجوا من عنده من المدينة، واتفقوا معه على صلح وعلى أن يبعثوا له كذا وكذا.
стр. 107
دلالة الآية الكريمة على فضيلة علي وفاطمة وابنيهما
وهذه الآية لها فوائد ودلائل، ومن أعظم ذلك فضيلة هؤلاء الأربعة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه جلل الحسن والحسين وفاطمة وعلياً بكساء وقال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) فآل بيت رسول الله ﷺ لهم مقام عظيم، وأهل السنة -سلك الله بنا وبكم سبيلهم- لا يغلون فيهم ولا يجفون عنهم، وهذا هو المذهب الحق، ولكن ليس كل أهل السنة يصنعون هذا، فمن الناس من هو من أهل السنة حقاً، لكن فيه جفاء لأهل البيت، ومن الناس من يغلو فيهم، ودين الله بين الجافي عنه والغالي فيه.
ولذلك يروى عن أحمد بن حنبل الإمام المعروف رابع الأئمة الأربعة ظهوراً أنه جلده المعتصم وآذاه، وكان المعتصم من ذرية العباس عم الرسول ﷺ ، ومع ذلك كان يقول: عفا الله عني وعن المعتصم، وجعلت المعتصم في حل.
فيقال له: لم تفعل ذلك يا أبا عبد الله؟! قال: إنني لأستحي من الله أن ألقى رسول الله ﷺ يوم القيامة وبيني وبين أحد أبناء عمومته خصومة.
ولا ريب في أن أبناء العمومة من آل بيت رسول الله، ولكنهم ليسوا في منزلة علي وفاطمة والحسن والحسين، فهؤلاء آل بيت رسول الله ﷺ ، وقد ثبت في المسند أن النبي ﷺ (قام في الليل فسقى الحسن ثم سقى الحسين)، وهو رأس الملة وإمام الأمة ﷺ ، ومع ذلك لا يستنكف ولا يستكبر عن أن يسقي هذين الصغيرين في الليل، فسقاهما فتنبهت أمهما فاطمة وكانت حجرة علي وفاطمة قريبة من حجرة عائشة، فقال ﷺ لـ فاطمة: (إنك وهذين -وأشار إلى الحسن والحسين - وهذا الراقد -وأشار إلى علي - وأنا لفي مكان واحد -أو في مقام واحد- يوم القيامة) وهذا كله يدل على فضيلة آل بيت رسول الله ﷺ .
стр. 108
اختلاف أهل الملل الثلاث في عيسى ابن مريم
ولم يختلف الناس منذ قديم الدهر في أحد كما اختلفوا في عيسى ابن مريم، فاليهود زعمت أنها قتلته، والنصارى تزعم أنه قتل وصلب وهو ابن الله، والمسلمون يقولون: إنه عبد الله ورسوله، قال الله جل وعلا عن اليهود: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٥٦ - ١٥٨]، فأخبر الله أن عيسى رفع.
стр. 109
ذكر أخبار نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان
وقد أخبر نبينا ﷺ بأن عيسى ينزل في آخر الزمان علماً وشرطاً من أشراط الساعة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ﴾ [الزخرف:٦١] أي: عيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف:٦١]، أي: علم من علامات قرب قيام الساعة، فينزل ﵊ واضعاً يديه على أجنحة ملك، إذا طأطأ رأسه يظهر كأنه خرج من ديماس، أي: كأنه توضأ لتوه، وبيده حربه، وينزل والدجال يوم ذاك يحارب المسلمين، فإذا رآه الدجال ساح، وذاب، فيتبعه عيسى فيقتله، فلماذا يقتله وقد مات أصلاً؟ قال بعض أهل العلم: إذا قتله وعلق دم الدجال بحربة عيسى اطمأن الناس إلى أن الدجال الذي يدعي الإلهية قد قتل حقاً، وأن هذا دمه عالق بحربة عيسى ﵇.
وينزل عيسى ابن مريم والمسلمون يومئذ يريدون أن يصلوا العصر، فيأبى أن يتقدم، ويتقدم إمامهم، قال ﷺ : (إن منكم لمن يصلي عيسى بن مريم خلفه تكرمة من الله لهذه الأمة)، ومن الحكم التي ذكرها العلماء في قضية تقدم المهدي أو هذا الرجل الصالح على عيسى ابن مريم أن المهدي أو هذا الرجل الصالح في قلبه القرآن، وعيسى في قلبه الإنجيل، والقرآن مقدم على الإنجيل، وهذا عندي تعليل حسن، ولكنني لا أجزم به، فالعلم الفصل عند الله.
وأخبر النبي ﷺ بأن عيسى يمكث في الأرض يحكم فيها قرابة سبع سنين، حتى إذا قربت تلك السبع يخبره الله جل وعلا عن خروج أقوام ليس لك بهم يدان، وهم قبائل يأجوج ومأجوج، فيحرز عيسى المؤمنين الذين معه إلى جبل الطور في أرض سيناء، حتى يهلك يأجوج ومأجوج، ثم بعد ذلك ينزل عيسى ابن مريم، وظاهر الأمر أنه يستوطن المدينة؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن عيسى ابن مريم سيمر على فج الروحاء، وفج الروحاء الآن موجود في طريق المدينة إلى جدة القديم، ويبعد قرابة سبعين كيلو متر عن المدينة، وقد أخبر النبي ﷺ أن عيسى ابن مريم ﵊ سيمر به حاجاً أو معتمراً، وهذا يؤكد أن عيسى يستوطن آخر الزمان في مدينة النبي ﷺ .
هذا ما تهيأ إيراده وأعان الله جل وعلا على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 110
سلسلة لطائف المعارف [كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُر]
يخبر الله تعالى في كتابه الكريم عن أحوال الأمم السابقة المكذبة، ومن جملتها قوم صالح ﵇، وهو ثمود القبيلة العربية التي كانت تسكن شمال جزيرة العرب، فقد أتاهم نبيهم بالدلائل القاطعات، والبراهين الواضحات، والمعجزات الباهرات على صدق رسالته ليؤمنوا بالله تعالى، فكان جوابهم هو التكذيب، وعقروا الناقة فحل بهم عذاب الله الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
стр. 111
تفسير قوله تعالى: (كذبت ثمود بالنذر)
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله بلغ عن الله رسالاته، ونصح له في برياته، فجزاه الله بأفضل ما جزى نبياً عن أمته، وبعد: فربنا ﵎ أرسل الرسل مبشرين ومنذرين؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وقد دل القرآن والسنة على أن أول الرسل نوح وآخرهم محمد ﷺ ، قال الله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:١٦٣].
وأما الآية التي نحن بصدد التأمل فيها فهي قول الله جل وعلا: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر:٢٣].
وثمود قبيلة عربية كانت تسكن شمال جزيرة العرب، وأهل التاريخ يقسمون العرب إلى ثلاثة أقسام: عرب بائدة، وعرب عاربة، وعرب مستعربة، أما ثمود فهم ينضمون -حسب التصنيف التاريخي المتأخر- إلى العرب البائدة، والكلام عنهم هنا قبل أن يبيدوا.
وقد بعث الله فيهم نبياً ورسولاً اسمه صالح، وقد كان صالح ﵇ وجيهاً في قومه محبوباً لديهم، كما قال الله جل وعلا عنهم: ﴿قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود:٦٢]، أي: قبل أن تدعي النبوة.
يقول ربنا ﵎: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر:٢٣]، وثمود قبيلة، ولذلك أنث الفعل في قوله جل وعلا: (كَذَّبَتْ) ومعلوم أن ثمود لم يأتهم إلا نذير واحد هو صالح، ولكن التكذيب برسول تكذيب بالرسل كلهم، وهذا من سياقات القرآن وأساليبه المتكررة.
стр. 112
تفسير قوله تعالى: (فقالوا أبشراً منا واحداً نتبعه)
قال تعالى: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر:٢٤].
قوله تعالى: (فَقَالُوا) أي: ثمود.
وهذه النعرة -إن صح التعبير- التي وجدت في قوم ثمود كأنها أشبه بالموروث التاريخي في الأمم كلها، فإن كل الأمم من الذين حكى الله جل وعلا عنهم أنهم كذبوا أنبياءهم ورسلهم كانوا يعتمدون في تكذيبهم ويتكئون على مسألة أن من بعث إليهم بشر مثلهم، وهذا الأمر قاله القرشيون، وقاله الفراعنة، وقاله قوم ثمود، وقاله غيرهم من الأمم.
قال تعالى عنهم: (أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إنا إذاً) أي: إن حصل منا هذا، فوقع منا الاتباع (لفي ضلال وسعر).
والتنوين في قوله تعالى: (إِذًا) عوض عن جملة، أي: إنا إذا اتبعناه لفي ضلال وسعر.
стр. 113
تفسير قوله تعالى: (أؤلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر)
ثم إن الله ﵎ ذكر أنهم وصفوا نبيهم الكريم الذي أرسل إليهم وكانوا يعرفون خصاله وأخلاقه وقالوا فيه: ﴿قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا﴾ [هود:٦٢]، وصفوه بقولهم: ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ [القمر:٢٥] و (بَلْ) للإضراب وللانتقاص، و (كَذَّابٌ) صيغة مبالغة من (كذب)، والعرب تأتي بصيغة المبالغة لمن يكثر منه الفعل، فيأتون بصيغة معينة يفهم من خلال عرض كلامهم أن هذه الصيغة تحمل الكثرة والترداد، فهذا معنى قولهم: (بَلْ هُوَ كَذَّابٌ)، وهذا ظاهر ولا يحتاج إلى مزيد بيان.
والذي يحتاج إلى مزيد بيان هو إخبار الله جل وعلا عن هؤلاء الكفرة بأنهم وصفوا نبيهم بأنه كذاب أشر، فما الذي أفادته عبارة (أَشِرْ) في هذا السياق؟ إن الإنسان أحياناً يكذب بصرف النظر عن كونه له دليل أو ليس له دليل، ولكن الغالب فيمن يكذب أنه يكذب ليدفع عن نفسه الضرر، ومثال ذلك: رجل رأيته في مكان ذي حرمة، فعندما هتك تلك الحرمة ووصل إليها واجهته وسألته: لم أنت هنا؟ فاضطر إلى أن يذكر عذراً حتى يخرج من ذلك المأزق الذي أوقعته فيه، فيصبح كذبه هنا لسبب، وهو دفع الضرر عن نفسه، وإن كان هو قد وقع في الضرر بنفسه وسعى إليه بقدميه، فهذا يسمى كذاباً ولا زيادة عليها.
ولكن إذا كان الإنسان لا يحتاج إلى الكذب، وإنما يريد بالكذب أن يرتقي ويزداد مقاماً ورفعة أو ليحصل على أشياء لا حاجة له إليها في الأصل، لا ليدفع ضرراً قائماً؛ فإنه يسمى (أَشِراً)، فهذا معنى قولهم: (كذاب أشر)، أي: أنهم قالوا: إنك -أيها المتنبئ الذي يزعم النبوة ويدعيها- مكرم بيننا ومرجو، ولك الجاه والحظ الأكبر بيننا، فلا حاجة لك إلى أن تكذب لتدعي النبوة.
وهذا من منطلق زعمهم وظنهم الفاسد أن صالحاً ﵊ أراد بذلك الكذب ليصل إلى مقام أرفع بينهم، فهذا معنى قول الله جل وعلا: ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ [القمر:٢٥].
стр. 114
تفسير قوله تعالى: (سيعلمون غداً من الكذاب الأشر)
قال ربنا تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنَ الْكَذَّابُ الأَشِرُ﴾ [القمر:٢٦].
قوله تعالى: (سَيَعْلَمُونَ) السين للمستقبل القريب.
(غَدًا) كلمة (غداً) هنا لا تعني اليوم التالي للحديث، والعرب تقول في كلامها: إن من الكلام ما إذا عرف نكر، وإذا نكر عرف، ككلمة (أمس)، فإذا قال الرجل: (رأيت صاحبي أمس)، فهو يعني اليوم الذي قبل أن يتحدث فيه، فإذا حكى هذا الكلام يوم الخميس فإنه يقصد يوم الأربعاء، وإذا حكاه يوم الجمعة فإنه يقصد يوم الخميس، مع أن كلمة أمس هنا نكرة لم تعرف، وإذا عرفت أريد بها النكرة، كقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس:٢٤]، أي: فيما مضى، ولا يُقصَد اليوم الذي قبل أن يحكي الله جل وعلا فيه الآية.
فهنا يقول ربنا تباركت أسماؤه وجل ثناؤه: (سَيَعْلَمُونَ) أي: قوم ثمود (غَدًا) أي: في مستقبل أيامهم (من الكذاب الأشر).
ومنه قول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤].
стр. 115
تفسير قوله تعالى: (إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم)
قال تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾ [القمر:٢٧] والناقة ليست الآية فيها أنها ناقة، فالنياق في الأرض كثير، وقد كانت هناك نياق عديدة في قوم ثمود، ولكن الآية والمعجزة فيها أنها خرجت لهم من صخرة صماء، وهذا ينبغي أن يستصحبه المرء وهو يتدبر آيات الله التي أيد الله بها رسله، كما قال الله جل وعلا في قصة نبيه موسى ﵊ مع فرعون: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣]، فقول الله جل وعلا: (آيَاتٍ) هو الذي يعنينا هنا؛ لأن القمل والضفادع والجراد تكون في كل زمان وفي كل مكان، ولكن الآية فيها أنها خرجت عليهم على شيء غير مألوف، وعلى حال غير معهودة، ولهذا أصبحت آية.
وكذلك الناقة هنا، قال الله جل وعلا: (إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ) وقال في الإسراء: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء:٥٩]، و (مبصرة) صفة لموصوف محذوف، أي: وآتينا ثمود الناقة آية مبصرة.
فقوله تعالى: (إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ) أي: اختباراً وابتلاءً.
стр. 116
تفسير قوله تعالى: (ونبئهم أن الماء قسمة بينهم)
قال تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر:٢٨].
قوله تعالى: (وَنَبِّئْهُمْ) أي: نبئ قومك.
(أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ) بين الناقة من وجه، وبين قومك من وجه آخر، بمعنى أن أهل القرية كلهم يشربون في يوم، واليوم الآخر تكون البئر كلها من نصيب الناقة، وكون الناقة تشرب ما تشربه القبيلة كلها في يوم من قرائن وبراهين أنها ناقة معجزة، وأنها آية أُيِّد بها رسولهم، ولكنهم لم يكونوا يلتفتون إلى هذا المعنى؛ لأن الله جعل قلوبهم غلفاً، نعوذ بالله من ذلك.
стр. 117
ذكر ما صنعه قوم صالح بالناقة وذكر هلاكهم
وقبل ذكر ما صنعوه نقول: إن الناس قد يحاولون أن يتبنوا نظرية، ثم إذا اقتنعوا بها في أول الأمر حملوها أحدهم، فيختلف الناس هنا على ضربين، فمن الناس من ينظر في ذلك الأمر الذي يحمله، فإذا رآه عظيماً جليلاً وراء ما وراءه من العزة والرفعة في الدنيا والآخرة تقلده، وهو الذي يجب أن تنصرف إليه الهمم، قال الشاعر: إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم وهناك أناس غلبت عليهم الشقوة، فيتقلدون أي أمر؛ لأنهم يسارعون إلى الظهور في أي حال، ولهذا حذر الله تعالى أولياءه بقوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ [القصص:٨٣].
فهؤلاء القوم -قوم ثمود- تبنوا مسألة عقر الناقة، ولكنهم لم يستطيعوا أن يحملوا ذلك الهم ويقوموا به، فما زالوا يتدافعونه حتى انحصر في تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، ثم انحسر في هؤلاء التسعة حتى أصبح في شخص، ولكن التسعة وباقي القبيلة من غير المؤمنين كلهم كانوا بقلوبهم وجوارحهم مع ذلك المعروف بـ أحيمر ثمود عاقر الناقة، قال الله جل وعلا: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر:٢٩]، أي: عقر الناقة، فحق عليهم العذاب، قال الله ﵎: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس:١١ - ١٤] أي: كذبوه فيما قال.
وفي سورة القمر التي بين أيدينا نسب الله ذلك إلى واحد منهم، وفي سورة الشمس نسبه الله إلى الجماعة، فنسبته إلى الفرد -وهو قدار بن سالف أحيمر ثمود عاقر الناقة- باعتبار أنه باشر عقر الناقة، أما نسبته إلى الكافرين من القبيلة فباعتبار أنهم كانوا راضين تمام الرضى، وقلدو صاحبهم ذلك، فقال الله جل وعلا: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس:١٤ - ١٥]، أي أن الله جل وعلا أهلكهم وجعل ديارهم حصيداً كأن لم تغن بالأمس، جزاء لهم على أنهم كذبوا ذلك الرسول الذي بعث إليهم، وتلك سنة الله جل وعلا في سائر من كذب رسله، إلا فيمن كذب نبينا ﷺ ، لأن الله قد علم أزلاً أن هذا النبي هو خاتم الأنبياء، وأن أمته آخر الأمم، ولم يكن الله قد أذن بهلاك العالم آنذاك، ولذلك لم تبسل أمة محمد ﷺ بآية ظاهرة حتى لا تهلك، وهذا أمر بينه الله جل وعلا في سورة الإسراء، وهو محرر في دروس خلت.
والذي يعنينا أن هذا ما ذكره الله جل وعلا في سورة القمر عن خبر عبده ونبيه صالح ﵊.
стр. 118
ذكر أشقى الأولين وأشقى الآخرين
وبقي هنا شيء هو ارتباط بين حدث وحدث سبقنا إليه ودلنا وأرشدنا إليه رسول الله ﷺ ، فإن النبي ﵊ قال في حق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه: (أشقى الأولين أحيمر ثمود عاقر الناقة، وأشقى الآخرين -وأشار إلى رقبة علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه- من يفصل هذه عن هذا) أي: من يكون على يديه قتلك يا علي، وقد قتل على يد عبد الرحمن بن ملجم المرادي في خبر مشهور مستفيض معروف، قتله وهو غاد إلى صلاة الفجر.
والعجب أنه كان لأمير المؤمنين ابنة اسمها أم كلثوم، وقد تزوجها عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، وكانت تقول: ما لي ولصلاة الفجر.
وذلك لأن زوجها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه قتل في صلاة الفجر، وأبوها علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه قتل وهو غاد إلى صلاة الفجر، وهذا من باب اللطائف المتعلقة بخبر النبي ﷺ : (أشقى الأولين أحيمر ثمود، وأشقى الآخرين من يفصل هذه عن هذا) وأشار إلى علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
هذا ما تحرر إيراده، وأعان الله على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 119
سلسلة لطائف المعارف [ويسألونك عن الجبال]
لقد خلق الله جل وعلا الجبال في غاية العظمة والدقة، وجعلها رواسي للأرض أن تميد ببني آدم.
وقد ذكر المولى سبحانه في كتابه كيف ينهي هذه الجبال الرواسي بقدرته وقوته، فكيف الحال بالإنسان الضعيف، وفوق هذا يتكبر ويتعالى على أوامر ربه سبحانه، وهذه الجبال لو أنزل عليها شيء من آيات الكتاب لتصدعت فرقاً ووجلاً من مولاها، والإنسان قد وقع له ذلك وهو ساهٍ لاهٍ.
стр. 120
سبب ذكر الله للجبال في كتابه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وأحكم كل شيء صنعه، وأشهد أن لا إله إلا الله لا رب غيره ولا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فسنتكلم -بعون الله- هذا اليوم عن قول الله جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ [طه:١٠٥].
فبادئ ذي بدء نقول: استقر في أذهان العقلاء أن الجبال ترمز إلى الأشياء العظيمة الثابتة، التي يصعب تغييرها، فلهذا قلما أراد أحد أن يتحدث عن مجد أو أن يذكر أمراً سامقاً شامخاً يفخر به إلا وشبهه قريباً من الجبال، ومنه قول حسان رضي الله تعالى عنه وأرضاه -وهو في جاهليته، يتكلم عن مجد قومه الخزرج-: (شماريخ رضوى عزة وتكرماً) ورضوى: جبل يقع إلى الشمال الغربي من المدينة، فالجبال استقر في الأذهان -كما بينا- أنها رمز للأمر المصحوب بالأنفة، ومنه أيضاً قول الفرزدق يخاطب جريراً: فادفع بكفك إن أردت بناءنا ثهلان ذا الهضبات هل يتحلحل فثهلان جبل، وقصد الفرزدق بهذا أن يبين أن المجد الذي بناه قومه لا يمكن أن يزحزح فشبهه بذلك الجبل.
يقول الله جل وعلا في هذه الآية المباركة من سورة طه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ [طه:١٠٥]، لما استقر في الأذهان -كما قلت- أن الجبال رمز عظيم، كان بدهياً أن أولئك المنكرين للبعث الناسين للنشور الذين يرتابون في قيام الساعة يتساءلون عن أمور كثيرة حولهم، فانصرفت أذهانهم وأبصارهم إلى هذه الجبال التي يشاهدونها قائمة، ففزعوا إلى النبي ﷺ -من باب المكابرة- يسألونه عنها، فحكى الله جل وعلا ذلك السؤال بقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ [طه:١٠٥] فكان الجواب القرآني والرد الإلهي: ﴿فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه:١٠٥]، فما استقر في أذهانكم من ذلك العلو، فإنه سيصبح هباء منثوراً.
لكن ذلك النسف إنما هو مرحلة، وإلا فذكر الله جل وعلا مراحل أخر تسبق نسف الجبال، فمنها: ما في قوله ﵎: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨]، وقوله جل وعلا: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج:٨ - ٩]، فهذه مرحلة أخرى حتى تصل إلى مرحلة الاندكاك الكلي.
стр. 121
ما صرح القرآن باسمه من الجبال
وهذه الجبال جاء ذكر بعض منها في القرآن، أي: أن هناك جبالاً صرح الله باسمها في القرآن، ومن أشهرها جبلان: جبل الطور، وجبل الجودي.
أما جبل الطور: فإنه يقع في أرض مباركة، هي شبه جزيرة سيناء، وفي شبه جزيرة سيناء واد يقال له: وادي طوى، نعته الله بأنه واد مقدس، وفي ذلك الوادي الذي هو قطعة من شبه جزيرة سيناء يقع جبل يقال له: الطور.
والطور في اللغة: كل جبل نبت فيه الشجر، لكن الطور إذا أطلق ينصرف إلى ذلك الجبل المبارك، الذي كلم الله جل وعلا عنده نبيه موسى ﵊، ومعلوم أن موسى أحد أعظم أنبياء بني إسرائيل، وقد سمى الله جل وعلا سورة مكية في القرآن باسم ذلك الجبل، قال الله جل وعلا: ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور:١ - ٢]، وينصرف الألف واللام في قول الله جل وعلا: ﴿وَالطُّورِ﴾ [الطور:١] إلى المعهود الذهني، وهو ذلك الجبل الذي كلم الله جل وعلا عنده موسى ﵊.
الجبل الآخر المذكور في القرآن: جبل الجودي، وهو قطعاً الذي رست عنده السفينة التي كانت تحمل نبي الله نوحاً ﵊.
لكن الخلاف في تحديده، فقد قال الله جل وعلا: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود:٤٤]، فما الذي استوت على الجودي؟ السفينة، لكن أين الجودي؟ يقول بعض العلماء: إنه في تركيا، ويقول بعض العلماء: إنه في العراق، وأكثر أهل الصناعة التفسيرية يقولون: إنه في العراق.
لكن أصحاب الصناعة التاريخية الذين في زماننا، لديهم بعض النظر الذي نجم عن المعرفة الجغرافية، فقد وقعت هناك آثار، وقع الناس عليها وهي آثار لتلك السفينة، ولذلك يذهبون إلى أن جبل الجودي في تركيا؛ لمكان المعرفة بهذه الآثار.
بعض أهل الصناعة اللغوية تغيب عنهم أمور لا ينبغي أن تغيب على أمثالهم، لكن الله جل وعلا ينبئنا ضعفنا.
الصهاينة مثلاً وكذا بعض أهل التفسير يقولون: إن الجودي كلمة عربية مأخوذة من الجود وهو العطاء وكثرة النوم؛ لأنه معلوم أن نوحاً ﵊ لم يكن في زمنه أحد يتكلم العربية، والله جل وعلا يخبر عن أن السفينة استقرت ورست في زمن نوح، ولم يكن يعرب -الذي تكلم العربية والذي ينسب إليه العرب- قد ولد بعد، فإن الله جل وعلا قال في حق نوح: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات:٧٧]، فما يعرب إلا من ذرية نوح ﵊، أو فلنقل: من ذرية الناجين من قوم نوح، فعلى هذا لا سبيل إلى القول: إن الجودي سمي بالجودي نسبة عربية، وإنما هي كلمة أعجمية غير عربية، لكن كيف غاب هذا عن الأكابر؟ هذا لا يجعلنا نشتم من جهلوا هذا، فليس هذا صنيع أهل الفضل، وإنما نعرف من ذلك ضعف العقول البشرية، ونحن وإن كنا نستدرك اليوم على غيرنا، سيأتي بعدنا من يستدرك علينا، فنحن لم نوف النقص حتى نطالب بالكمال للآخرين.
وهذه سنة الله جل وعلا في خلقه، أي: أن يعلم الإنسان ضعفه وعجزه، وكيف يغيب عنك ما يراه غيرك واضحاً جلياً؟ فنقول: إن الطور والجودي جبلان ذكرهما الله جل وعلا نصاً في كتابه.
стр. 122
ما ذكر في السنة من الجبال
ثم هناك جبال لم تذكر في القرآن وإنما ذكرت في السنة، ومنها جبل أحد، وهذا الجبل يقع في شمال المدينة، وقيل: إنه سمي أحد لتفرده عن الجبال، وقد ارتقى النبي ﷺ ذلك الجبل ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف الجبل فرحاً به، فقال ﷺ : (اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان)، وهذا من الغيب الذي أطلع الله جل وعلا نبيه ﷺ عليه، فقد مات عمر وعثمان كما أخبر النبي ﷺ شهيدين.
فأحد جبل ذكر في السنة ولم يذكر في القرآن.
كذلك قال ﷺ : (المدينة حرم من عير إلى ثور)، فحدد ﷺ حرم المدينة شمالاً وجنوباً بجبلين، هما جبل عير وجبل ثور.
أما جبل عير: فسمي بهذا الاسم؛ لاستواء قمته، فأشبه ظهر الحمار، وأما جبل ثور: فاختلف الناس فيه، وبعضهم بمجرد أنه لم يعلم به نفاه، وقال: إنه لا يعرف إلا في مكة، وهذا بعيد عن الصواب، فالنبي ﷺ هنا لا يحدد مكة، وإنما يضع حدود ومعالم حرم المدينة، فحدودها الشرقية والغربية مقطوع بها؛ لوجود الحرتين، وقد ورد في الحديث: (ما بين لابتيها)، فبقي الشمال والجنوب، فحدده ﷺ بعير وثور، فعير في الجنوب ولا خلاف في تحديده، لكن الخلاف في تحديد ثور إلى يومنا هذا، فبعض العلماء يرى أنه ما يسمى الآن في المدينة بجبل الخزان، وسمي بذلك لأنه قد بني عليه خزان، وآخرون يقولون: إنه من جهة أحد من الشمال، وآخرون يقولون: إنه في طريق ما يسمى بطريق الخليل اليوم، وهو على يمين الذاهب إلى سد الغابة، وأكثر من أدركت من المعاصرين ﵏ ممن لهم دربه وصناعة جغرافية أكثر من غيرهم -وقد أدركوا أقواماً يظن بهم معرفة هذا الجبل- يذهبون إلى أنه الجبل الواقع على يمين الذاهب اليوم إلى سد الغابة بطريق الخليل.
الذي يعنينا: أن جبل أحد ورد ذكره في السنة، كذلك جبل ثور وجبل عير.
وأما رضوى فهو جبل يقع في شمال غربي المدينة، وقد مر معنا أن حسان قال: (شماريخ رضوى عزة وتكرماً) وسيمر عليك في باب العقائد جبل رضوى، وذلك أن فرقة من الفرق الباطنية -يقال لهم: الكيسانية- يذهبون إلى أن المهدي المنتظر -عندهم- وهو محمد ابن الحنفية أي: ابن علي رضي الله تعالى عنه من زوجته، التي هي من بني حنيفة، أنه في ذلك الجبل.
ويقول قائلهم وهو كثير: ألا إن الأئمة من قريش حماة الدين أربعة سواء علي والثلاثة من بنيه هم الأسباط ليس بهم خفاء فسبط سبط إيمان وبر وسبط غيبته كربلاء ثم قال: وسبط لا يذوق الموت حتى يقود الخيل يقدمها اللواء تغيب لا يرى فيهم زماناً برضوى عنده عسل وماء موضع الشاهد من هذه الأبيات قوله: برضوى، أي: أنه يزعم أن هذا المهدي المنتظر موجود الآن في جبل رضوى، شمال غرب المدينة، وأنه لديه عسل وماء يقتات بهما، حتى يأذن الله جل وعلا بخروجه، وهذا ما تمجه عقول الصبيان فضلاً عن عقول أهل الفضل والحكمة والرأي والإنصاف.
وهكذا أكثر من ينتمي إلى مذاهب الباطنية يحتاج -عياذاً بالله- إلى أن يتخلى عن عقله وإدراكه، حتى يؤمن بمثل هذه الأمور، التي لم يأت بها نقل ولا يقبلها عقل.
كذلك هناك جبلا طيء، الوردان في السنة، وهما أجا وسلمى؛ فإن النبي ﷺ جاءه عروة بن مضرس -وهو من سكان حائل اليوم- ولم يكن قد سكن المدينة بعد، فكان يغيب عنه العلم؛ لأن السنة مهدها المدينة في الأصل، (فلما لقي النبي ﷺ في المزدلفة قال: يا نبي الله! إنني قد أتيتك من جبلي طيء -وهذا موضع شاهدنا- أكللت وأجهدت نفسي، وأكللت راحلتي، ولم أترك جبلاً إلا وقفت عليه، فقال ﷺ : من أدرك معنا صلاتنا هذه -يقصد صلاة الفجر في مزدلفة- وكان قد وقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار، فقد تم حجه وقضى تفثه)، الذي يعنينا هنا: أن النبي ﷺ أنبأ عروة بن مضرس بأهم أركان الحج وهو الوقوف بعرفة.
أما هو فقد قال: أتيتك من جبلي طيء، ونحن نتكلم عن الجبال المذكورة في القرآن، والمذكورة في السنة، فجبلا طيء جاء ذكرهما عرضاً لا على لسان نبينا ﷺ ، وإنما جاء على لسان عروة بن مضرس رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
هذه بعض الجبال الوارد ذكرها في الكتاب أو السنة، وقد قلت في أول اللقاء إن الجبال تلفت النظر إلى كل مبصر، ولهذا سأل القرشيون النبي ﷺ عن حالها يوم القيامة.
وبقي أن نقول أنه ورد في الحديث: أن الله لما خلق الأرض جعلت تميد، فخلق جل وعلا فيها الجبال، فتعجبت الملائكة منها فقالت: أي رب! هل في خلقك خلق أعظم من الجبال؟ فقال الله جل وعلا: نعم، الحديد، فسألت الملائكة عن الحديد، فأجاب الرب: النار، ثم قال جل وعلا: الماء؛ لأنه يطفئ النار، ثم ذكر الله جل وعلا الريح؛ لأنها تحمل الماء وتحمل السحاب، ثم قال الله جل وعلا في جوابه لملائكته: ابن آدم، يتصدق بصدقة فيخفيها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.
وهذا يبين لك أن العمل الصالح إذا كان مصحوباً بالإخلاص لا يعدله شيء.
وفقني الله وإياك للإيمان والعمل الصالح، وهذا ما تيسير إيراده وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 123
سلسلة لطائف المعارف [ويسألونك عن الروح]
لله في خلقه أسرار، لا يستطيع المخلوق بعقله القاصر معرفة كثير منها، ومن أعظمها الروح، فقد اختلف الناس في كنهها اختلافاً كبيراً، وقد حسم الله الأمر فيها، بأن رد علمها إليه سبحانه.
والوقوف في المغيبات على النصوص الشرعية سلامة وأمان؛ لأن طائفة من الناس رامت معرفة كنه بعض المغيبات بإعمال العقول، فضلت في وديان من الانحراف لا آخر لها، ولو حصرت إعمال العقل في إطاره، وآمنت بالنقل فيما وراء ذلك لاهتدت.
стр. 124
سبب نزول قوله تعالى: (ويسألونك عن الروح)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الإخوة المؤمنون والأخوات المؤمنات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا لقاء متجدد مع برنامج لطائف المعارف، وقد تبين مما سلف أن كل حلقة تحمل عنواناً نأخذ من خلاله بنظرة موسوعية ما يمكن أن نلتقطه من هنا وهناك، من وقفات إيمانية أو تاريخية أو معرفية أو غير ذلك مما يتسنى ويفتح الله في الحديث عنه.
لقاؤنا اليوم يحمل عنوان قول الله جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء:٨٥]، هذه الآية ذكر أهل العلم من المفسرين أن سبب نزولها هو ما حكاه عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه بقوله: (مر صلوات الله وسلامه عليه على نفر من يهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح.
فقال بعضهم: لا تسألوه -فأجمعوا أمرهم أن يسألوه- فقالوا: يا أبا القاسم)، وهم لا ينادونه بلفظ النبوة؛ لأنهم -أبعدهم الله- لا يقرون بنبوته، فقالوا: (ما الروح؟ فاتكأ ﷺ على عسيب نخل، قال ابن مسعود: فعلمت أنه يوحى إليه ثم تلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]).
ومعنى قول الله جل وعلا: ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥]، أي: من العلم الذي اختص الله جل وعلا به نفسه، فلم يكل هذا العلم أو الأمر لأحد لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل، هذا معنى قول الله تعالى: ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥].
فإن سألت ما معنى الروح؟ ف
الجواب
الروح مخلوق من مخلوقات الله، أودعها الله جل وعلا الجسد، فالبروح والجسد تدب الحياة.
стр. 125
أطوار الروح مع الجسد
ثبت علمياً وشرعياً أي: نقلاً وعقلاً واستقراء أن الروح لها أطوار مع الجسد كالتالي: الطور الأول: أن الأرواح خلقت قبل الأجساد، فأبونا آدم ﵇ خلق جسداً قبل أن يخلق روحاً، فقد خلق آدم عبر مراحل ثلاث بيناها في لقاءات سبقت، وهي الترابية والطينية والفخارية، ثم نفخ الله جل وعلا فيه من روحه، وإضافة الروح هنا إلى رب العزة والجلال إنما هي إضافة تشريف.
أما بني آدم فقد كان خلق أرواحهم مقدماً على خلق أجسادهم؛ ولهذا مسح الله جل وعلا على ظهر أبينا آدم وأخرج من ظهره كل نسمة كائنة إلى يوم القيامة، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٢ - ١٧٣]، فهذا عالم الذر، أو عالم الأرواح الأول، والذي جاء فيه الحديث الذي عند الترمذي وغيره أن النبي ﷺ قال: (إن الله لما مسح على ظهر آدم أخرج من ظهره كل نسمة كائنة إلى يوم القيامة، فرأى في عيني أحدهم وبيصاً من نور قال: يا رب! من هذا؟ فقال الله جل وعلا له: هذا رجل من ذريتك يكون في آخر الزمان، يقال له: داود)، إلى آخر الحديث.
الذي يعنينا أن هذا هو الطور الأول في خلق الأرواح.
الطور الثاني: خلق الله جل وعلا أجساداً من نطفة من ماء مهين، وكذلك كتب الله جل وعلا أن يخلق بنو آدم، ثم يكون ذلك الملك الذي يوكل إليه نفخ الروح في الجسد، فإذا التأم الروح مع الجسد دبت الحياة، فتشعر الأم وهي حامل بأن الحياة تدب في جنينها الذي في بطنها، وأنه يتحرك، وهذا لا يكون إلا بعد أربعة أشهر من الحمل، كما ثبت بذلك الحديث الصحيح، وهو أيضاً ثابت طبياً، وسواء ثبت طبياً أم لم يثبت، فقد أخبر بذلك المعصوم صلوات الله وسلامه عليه.
وتأمل -أيها المبارك- عناية الله جل وعلا بالروح، فالروح ينفخها في الأجساد ملك، وكذلك يأتي ملك إذا كتب الله الموت فينزع الروح.
المقصود: أن هذا طور من أطوار علاقة الروح بالجسد، والمرء يوم ذاك جنين في بطن أمه.
الطور الثالث: إذا كتب الله لذلك الجنين أن يبقى ويحيا، فيخرج بعد فترة حمل، وغالبها تسعة أشهر، فإذا خرج نجم من ذلك التواصل والتوافق بين الروح والجسد طوراً ثالثاً، خلاف الطور الذي كان وهو جنين في بطن أمه.
وفي هذا الطور لا يعقل المولود ولا يدري شيئاً، ويمضي معه الطور حتى يصل إلى مرحلة البلوغ، فإذا وصل مرحلة البلوغ ذكراً كان أو أنثى جرى عليه قلم التكليف.
والروح إذا دبت في الجسد وهي داخله فالأفضل أن يطلق عليها نفس، قال ربنا جل وعلا: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٧ - ٨]، وقد أخبر الله جل وعلا أن هذه النفس تطالب يوم القيامة بإظهار الحجج، وتجادل عن نفسها كما قال الله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل:١١١]، فأخبر الله جل وعلا أن النفوس تجادل عن نفسها يوم القيامة.
إذاً: فما دام الإنسان حياً والروح متصلة بالجسد فتسمى نفساً، فإذا فارقت الجسد وفارقت النفس الحياة، فلا تسمى حينئذٍ نفساً، أي: عند فراق الروح الجسد لا تسمى الروح نفساً، وإنما تسمى روحاً، ومن الأدلة على ذلك أن النبي ﷺ (لما توفي عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه وأرضاه -وهو أول من دفن من المهاجرين في البقيع- أغمض النبي ﷺ عيني عثمان وقال: إن الروح إذا صعد تبعه البصر)، فسماها روحاً؛ لأنها خرجت من الجسد.
الطور الرابع: ما بعد الموت، وما الموت؟ الموت: أن تفارق الروح الجسد، فإذا فارقت الجسد انطلقت أو ذهبت إلى طور آخر غير الطور الذي كانت في اتصال بالبدن، فيكون هناك طور آخر، وهو المعروف بحياة البرزخ، قال الله ﵎ عنه: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠]، والبرزخ دائماً -أيها المبارك- يكون فاصلاً بين شيئين، قال الله جل وعلا: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن:١٩ - ٢٠]، أي: فاصل بينهما.
أتسمعون عن وادي محسر؟ هو واد ما بين مزدلفة ومنى، وهو برزخ ما بين منى ومزدلفة، أي: فاصل بينهما.
المقصود من هذا: أن حياة البرزخ تكون علاقة الروح بالجسد علاقة شبه كلية، لكننا لا نعرف كنهها؛ لأننا لم نصل إليها، والأموات الذين سبقونا إلى ربنا فوصلوا إليها لم يعودوا حتى يخبرونا، وما بين أيدينا من النقل الصحيح هو المعتمد الوحيد في هذا الباب، كقول الله جل وعلا: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق:١٩ - ٢١] إلى أن قال ربنا: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]، فأهل القبور يعيشون حياة حق، ويطلعون على أمور حق، أخبر النبي ﷺ عن بعضها، كإخباره ﷺ عمن يكذبون، وعمن تتثاقل رءوسهم عن الصلاة، وعمن يأكلون الربا، وغيرهم ممن ذكرهم النبي ﷺ ، إما رآهم في رؤيا أو مر عليهم في رحلة الإسراء والمعراج.
والمقصود من هذا كله: أن هناك طوراً من أطوار حياة الروح يتعلق بفترة البرزخ.
стр. 126
حالة اتصال الروح بالجسد بعد الموت
ثم بعد ذلك يأمر الله ملكاً -يقال له إسرافيل- أن ينفخ النفخة الأخرى -أي: الثانية- فتعود الأرواح وتخرج من مستقرها، وأين مستقرها؟ أرواح المؤمنين إجمالاً في عليين، قال ربنا: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:١٨ - ٢١]، وأخبر قبلها أن كتاب الفجار في سجين، فأرواح الكفار في سجين وأرواح المؤمنين في عليين، فتخرج الأرواح كافرة ومؤمنة من مستقرها ثم تعود إلى الأجساد، فإذا اتصلت الروح بالجسد دبت فيه الحياة، فإذا دبت في الجسد الحياة مسح أهل القبور عن أعينهم الموت، كما يمسح أهل الدنيا اليوم عن أعينهم النوم، قال الله جل وعلا -وهو أصدق القائلين-: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٥١ - ٥٣].
الغاية من هذا: أن الناس يخرجون إلى أرض المحشر على أرض بيضاء نقية، لم يعص الله جل وعلا فيها طرفة عين، ثم يكون الحساب، يسر الله حسابي وحسابكم.
فإذا انصرف أهل الموقف فريقين -كما قال الله جل وعلا: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]، وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار -عياذاً بالله منها- يؤتى بالموت على صورة كبش أملح، كبداية الخلود.
فهذا هو الاتصال بين الروح والجسد، والناس في الدار الآخرة سواء أهل الجنة أو أهل النار إنما هم نتاج الاتصال الكامل للروح مع الجسد: (فيؤتى بالموت على صورة كبش أملح، ثم ينادى: يا أهل الجنة!) فيطلعون فزعين؛ لأنهم ذاقوا نعيمها فيخشون أن يقال لهم: اخرجوا منها، فإذا أبصروا ونظروا قيل لهم: (أتعرفون هذا؟ قالوا: نعم هذا الموت، ثم يقال: يا أهل النار!) فيطلعون فرحين لعلهم يخرجون منها فيقال لهم: (أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، فينادي: أن يا أهل الجنة! خلود بلا موت، وأن يا أهل النار! خلود بلا موت)، فلو أن أحداً مات حسرة لمات أهل النار حسرة، ولو أن أحداً مات فرحاً لمات أهل الجنة فرحاً، قال الله جل وعلا في محكم تنزيله: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٣٩ - ٤٠].
стр. 127
تصوير حالة اتصال الروح بالبدن وانفصالها عنه
هذه الروح قد شغلت الناس قديماً وحديثاً في البحث عن كنهها، رغم أن الله جل وعلا قد قال من قبل: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥].
وابن سينا الطبيب المسلم الفيلسوف المعروف -وله بعض الشطحات لكن ليس هذا مجال الحكم عليه- ابن سينا يقول -وهو يتكلم عن الروح في نظرة فلسفية-: هبطت إليك من المحل الأرفع ورقاء ذات تعزز وتمنع وصلت على كره إليك وربما كرهت فراقك وهي ذات تفجع أي: أنها أتتك أولاً وأنت لم تخترها، فالأجساد لا تختار الأرواح، وإنما الأمر بقدر الله، وسيأتي عليها يوم تفارق الجسد، ومعلوم أن الروح لا تختص بجزء من البدن، فليست في الأظافر، ولا في القلب، ولا في القدمين، ولا في غيرهما، بل هي منتشرة في الجسد كله، كما حرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
فإذا أخرجت كأنها تخرج من الجسد كله، ولهذا قال ابن سينا: كرهت فراقك وهي ذات تفجع أي: تريد ألا تخرج، والله جل وعلا أبلغ من هذا كله في تصويره لقضية خروج الروح، قال الله جل وعلا في خواتيم سورة الواقعة: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة:٨٣]، ما التي بلغت الحلقوم؟ الروح، ﴿وَأَنْتُمْ﴾ [الواقعة:٨٤] من أنتم؟ من حول الميت، ﴿حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة:٨٤]، أي: تنظرون إلى الميت، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ [الواقعة:٨٥]، هذا قرب الله إلى الميت بملائكته، ﴿وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥]، أي: لا تبصرون الملائكة وهي تقبض روح الميت، يقول ربنا: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة:٨٦]، أي: تزعمون أنه لا جزاء ولا ثواب ولا عقاب، ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة:٨٦]، أي: كما تقولون، ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ [الواقعة:٨٧]، أي: ارجعوا الروح، فهذا أيسر لكم من نفي الحساب، ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة:٨٧]، ولم يأت بعد الآية تعقيب؛ لأنهم غير صادقين، ولا يمكن لهم أن يرجعوا الروح.
هذا ما حرره ابن سينا وقد عقبنا بالآية؛ لنبين أن كلام الله جل وعلا هو الفيصل في كل أمر.
أحمد شوقي ﵀ اشتهر بالمعارضات، فعارض القصيدة العينية التي قالها ابن سينا، قائلاً: ضمي قناعك يا سعاد أو ارفعي هذي المحاسن ما خلقن لبرقع هذه المقصود منها التكلم عن الروح، ثم أغرق في نظرة فلسفية، لكنها تفيء إلى متكأ إسلامي أكثر مما كان يتكئ عليه ابن سينا في نظرته.
الذي يعنينا أن الروح والجسد شغلا الناس، لكنهما متصلان مع بعضهما، وقد بينا الأطوار التي تمر بها حالة الروح مع حالة الجسد، وأخبر الله جل وعلا أن هناك ملائكة يقبضون الأرواح، ونبينا ﷺ أخبر -كما مر معنا- أن ملكاً ينفخ الروح في الجسد، ويؤمر بأربع كلمات: بكتابة الرزق والأجل والعمل، وهل هو شقي أو سعيد، وهذا الملك هذه هي مهمته، والله يقول على لسان ملائكته: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات:١٦٤]، فكل ملك له صبغة ووظيفة معينة، فهناك ملائكة تقبض الأرواح، كما أن ملكاً أودعها ملك يقبضها، والله ذكره مفرداً فقال سبحانه: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة:١١] وذكره مع أعوانه، فقال جل وعلا: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١].
ختم الله لي ولكم بخير، ورزقني وإياكم الخاتمة الحسنة، والحياة الطيبة، وقبل ذلك العمر المديد المعمور بالعمل الصالح.
وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.