Полный текст (127 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
معنى الله والحي القيوم
أما قول ربنا جل وعلا: ((اللَّهُ)) فهذا علم على ربنا ﵎، لم يسم ولن يسمى أحد به غيره سبحانه، قال ربنا ﵎ في سورة مريم: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٤ - ٦٥]، أي: ليس له سمي جل وعلا.
قوله تعالى: ((اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)) هذه (لا) نافية للجنس، ومعنى الآية: لا إله معبود بحق إلا الله؛ لأن الآلهة التي تعبد غير الله كثيرة في الأرض، كما قال الله على لسان القرشيين: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥] لكن لا معبود بحق إلا الله.
وقوله سبحانه: ((الْحَيُّ)): هو اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، وحياة ربنا ﵎ صفة ذاتية لازمة له، وهو حي حياة لم يسبقها عدم ولا يلحقها زوال.
وأما قول ربنا جل وعلا: ((الْقَيُّومُ)) فإنه ﵎ كل أحد غيره مفتقر إليه، وهو جل وعلا قائم على كل نفس، وهو ﵎ استغنى بحمده عن كل أحد، وافتقر كل أحد إليه جل وعلا.
ثم قال الله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، قال ﷺ : (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، حجابه النور -أو النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).
وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥] هذه اللام لام الملكية المطلقة، والله جل وعلا جعل الملك صورياً وحقيقياً، فالملك الحقيقي له وحده ﵎ دون من سواه، أما ما نملكه اليوم مما ملكنا الله جل وعلا إياه من أمر عظيم أو حقير، فلابد أن ينزع منا أو ننزع منه، فيرد الخلائق على ربهم في ساحة العرض الأكبر، وليس معهم شيء، وهذا معنى قوله ﷺ : (حفاة عراة غرلاً بهماً)، ومعنى: بهماً أي: غير ممولين أو ليس معهم شيء، وقد ذكر الله ذلك في قوله جل وعلا: ﴿وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٩]، وفي قوله ﵎: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان:٢٥].
الملك الحقيقي لله وحده، قال سبحانه: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان:٢٦]، فالذي أفادته اللام هنا هو أن الملك المطلق له ﵎، فالخلق كلهم عبيد مقهورون له.
ثم قال تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وذكرت (ما) وإن كانت لغير العاقل من باب التغليب؛ لأن غير العقلاء أكثر من العقلاء في المخلوقات.
стр. 72
إحاطة علم الله بكل شيء
ثم قال الله سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وهذا أسلوب استفهامي إنكاري أي: لا أحد يشفع عنده جل وعلا إلا بإذنه، وهذا أحد شرطي الشفاعة.
ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] فيعلم الله جل وعلا ما قد كان وما يكون وما سيكون، ويعلم ﵎ ما لم يكن لو كان كيف يكون.
ثم قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، أي: خلقه، ﴿بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقد مر معنا في قصة الخضر وموسى، أنه لما ركبا في تلك السفينة من غير أجرة، قبل أن تحدث تلك الحوادث العظام التي رآها موسى مع الخضر، جاء طائر فنقر بمنقاره في البحر نقرتين أو ثلاثاً ثم مضى، فقال الخضر لموسى -معلماً ومرشداً-: (ما علمي وعلمك من علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر من البحر)، ويقول الله ربنا هنا: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] فلا يمكن لأحد أن يأتي بعلم من جيبه، وقالت الملائكة بين يدي ربها جل وعلا كما قاله الله عنهم: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:٣٢].
فعلم الرسل وعلم الملائكة إنما هو بما علمهم الله جل وعلا، ولهذا العاقل من انتهى إلى حدود علمه، وسنقف إن شاء الله تعالى في لقاء منفرد عند قول الله ﵎: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]، لكننا هنا ننيخ المطايا عند قول الله جل وعلا: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥].
فالإنسان لا سبيل له إلى معرفة شيء إلا ما علمه الرب ﵎ إياه، يقول الله: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٨] والنبي ﷺ على رفيع قدره، وجليل مكانته كان يسأل فكان لا يعرف الجواب؛ لأن الله لم يأذن بتعليمه بعد في ذلك الموقف، فيسأل جبريل فيخبره جبريل فيخبر ﷺ بناء على تعليم جبريل له أصحابه ﷺ بما كان.
стр. 73
المراد بالكرسي
ثم قال الله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] اختلف في معنى الكرسي فقيل: هو موضع القدمين للرب ﵎، وهذا منحى المفسرين الذين تغلب عليهم الصناعة الحديثية، وبعض العلماء فسر الكرسي بمعنى العلم، وهذا اختاره ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى، وبعض أهل الفضل من العلماء يتجنب أو يحتاط لنفسه، فلا يصل إلى مفهوم معين للكرسي.
والذي ينطبع في القلب والذهن أن الله جل وعلا يعظم شأنه، فيخبر عن عظيم ذاته العالية، هذا الذي ينقدح في قلب كل مؤمن ابتداء، وهو الغاية المقصودة من القرآن جملة.
ثم قال ربنا: ﴿وَلا يَئُودُهُ﴾ [البقرة:٢٥٥] أي: لا يعجزه ﵎ حفظهما، أي: حفظ السموات والأرض، وكل المخلوقات إنما هي بين السموات والأرض.
ثم ختم الآية بقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] وهذان اسمان من أسمائه الحسنى ﵎، فهو جل وعلا له علو القهر، وعلو الذات، وله ﵎ علو المكان، وهو العظيم الذي لا يبلغ عظمته أحد كائناً من كان.
وهذه الآية العظيمة هي أفضل آيات القرآن، وقد سأل النبي ﷺ أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه وأرضاه: (أي آية في القرآن أعظم؟ قال: قلت: يا رسول الله! ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فضرب ﷺ براحة يده صدر أبي وقال: ليهنك العلم يا أبا المنذر)، وهذا من طرائق تقرير الخطاب، وتقرير صحة الإجابة التي وفق لها أبي رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
стр. 74
تفسير قوله تعالى: (لا إكراه في الدين)
بعد أن ذكر الله جل وعلا هذه الآية المباركة التي فيها أصول العقائد، وفيها التمجيد والتعظيم والتحميد لرب العزة والجلال ﷻ ، قال الله جل وعلا: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]، بعض العلماء كـ الشعبي وغيره يجعلون هذه الآية في اليهود والنصارى، فيقصرونها عليهم، أي: لا تكرههم يا محمد وأتباعك على الدين، ما داموا يؤدون إليك الجزية.
وأكثر أهل العلم وهو الحق أن هذا منحى غير صحيح؛ فإن الآية عامة، وإنما المقصود منها: أن مسائل العقائد لا يمكن فرضها، فإنه يمكن لنا أن نجبر الناس على مسألة عملية كأن نطعمهم ما نريد؛ فيأكلونه قهراً، أو أن يقهر على أن يخطو خطوات إلى مكان ما، أو أن ينزل من علو، أو ما أشبه ذلك مما يمكن جبر غيرك عليه، لكنه لا يمكن لأحد كائناً من كان أن يجبر أحداً على عقيدة يقرها في قلبه؛ لأنه لا سبيل إلى معرفة ما في قلوب الناس، إلا إذا تلفظوا وأفصحوا عما تكنه ضمائرهم وتحويه سرائرهم، على ذلك قال الله جل وعلا: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦].
ولم يا ربنا ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]؟ لأن التوحيد دين الفطرة ظاهر لا يحتاج لأن تكره الناس عليه، ولا سبيل أصلاً إلى إكراه الناس عليه.
ثم قال ربنا: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥٦] فلابد من الجمع بين هذين الأمرين العظيمين، أي: الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، فإذا تحقق من امرئ أن كفر بالطاغوت ونبذ كل إله يعبد دون الله وآمن بالله، ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾ [البقرة:٢٥٦]، أي: بصنيعه هذا ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦].
وقال الله: ﴿لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦]، (لا) هذه نافية وقد مرت معنا.
وهناك فصم وقصم، فكلاهما يعنيان النزع، لكن الفصم يقع ثم يبقى تعلق من ذلك المفصوم بأصله، ولو خيطاً دقيقاً أو رفيعاً، أما القصم فهو إزالته بالكلية، والبينونة ما بين ما قصم وما بين أصل الشيء، فلما نفى الله جل وعلا الانفصام كان ذلك من باب أولى نفياً للانقصام.
فيصبح من حقق هذا الأمر وهو نبذ الطاغوت والكفر به، وتوحيد الله جل وعلا والإيمان به، فقد استمسك بالعروة الوثقى استمساكاً عظيماً لا يشوبه شائبة، عبر القرآن عنها بقول الرب ﵎: ﴿لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦] أي: سميع للأقوال عليم بالأفعال، وهو الرب الجليل العظيم الكبير المتعال.
стр. 75
خلاصة معنى الآية
نخلص من هذا كله أن الإنسان ينبغي أن يعلم أن هناك يقينيات كبرى، لا سبيل إلى الأمن يوم القيامة إلا باعتقادها، والإيمان بها والذود عنها، وتمثلها في حياتنا، ومن ذلك أنه لا رب يعبد ولا إله يستحق العبادة إلا الله جل وعلا، وأن هذا الرب الكريم والإله العظيم له أسماء حسنى وله صفات علا، فإذا آمنا بتلك الأسماء على مراده جل وعلا وعلى مراد رسوله ﷺ كما كان الشافعي يقول: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله ﷺ ، وبما جاء عن رسول الله ﷺ ، على مراد رسول الله ﷺ ، وقر الإيمان في القلب وملأ ذلك القلب خشية وتقى، وحق له برحمة الله وفضله أن ينجو يوم العرض الأكبر، والوفادة على الرب جل وعلا.
فهذه الآية العظيمة الجليلة التي هي أعظم آيات القرآن -الموسومة بآية الكرسي- تلاوتها وتدبرها يورث في القلب خشية وفضلاً كبيراً يشعر به المرء في غدوه ورواحه، وإلا لم يكن لها ذلك الشأو العظيم، كما في قول النبي ﷺ : (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت)، فبهذا يفزع المؤمنون إلى ربهم جل وعلا دبر كل صلاة في تلاوة هذه الآية، فإذا صحب تلك التلاوة تدبر وفهم وفقه وإدراك لمعان عظيمة حوتها هذه الآية الكريمة، كان ذلك أنجح في الطريق، وأعظم تأثيراً في القلب، ويجد به المرء الخشية التي يريدها، حتى يصل إلى مرقى عظيم يؤمله، وهو أن يرضى الرب ﵎ عنه.
هذا ما تيسر إيراده وتحرر إعداده، وأعان الله على قوله حول هذه الآية المباركة آية الكرسي.
وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 76
سلسلة لطائف المعارف [خصائص الأنبياء]
لقد اصطفى الله الأنبياء والمرسلين من بين البشر، وأمرهم بتبليغ رسالته ووصيته، وأيدهم بمعجزاته، ونصرهم فكانوا هم الغالبين، وجعلهم أئمة مهديين، يدعون الناس إلى كل خير، ويحذرونهم من كل شر، ويدلون إلى الجنة بإذن ذي المنة، وقد خصهم الله بخصائص، وميزهم بأشياء لا يشاركون فيها أحداً غيرهم، فصلى الله وسلم وبارك عليهم أجمعين.
стр. 77
من خصائص الأنبياء والمرسلين
стр. 78
الأولى خصيصة الوحي
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا لقاء متجدد أيها المباركون! من برنامجكم: لطائف المعارف، وحلقة هذا اليوم تحمل عنوان: خصائص الأنبياء، ونحن ندرك جميعاً أن أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم سادة الخلق، والدعاة إلى الحق، والله جل وعلا اختارهم واصطفاهم واجتباهم وفضلهم على العالمين، والأنبياء المذكورون في القرآن ٢٥ نبياً ورسولاً.
قال الله جل وعلا في الأنعام: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٨٣ - ٨٦].
وسبعة آخرون غير الذي ذكرناهم وذكرهم الله في هذه الآيات المباركات من الأنعام، ذكروا في مواطن متفرقة، والذي يعنينا هنا في هذا اللقاء المبارك: خصائص هؤلاء الأنبياء بما ميزهم الله، ولا ريب أن الوحي الذي يأتيهم من السماء أعظم ما ميز الله به أنبياءه، ولقد عرف التاريخ مصلحين لكنهم إنما يستمدون ما يعطونه الناس من تجارب وقراءات وتعليم وهم عرضة للصواب والخطأ، أما أنبياء الله فيتلقون الوحي من السماء، قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]، ولذلك هم معصومون كل العصمة فيما يبلغون عن الله، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٤ - ٤٦].
فأنبياء الله ورسله يستمدون هذا النور الذي يقولونه للناس، هذا النور العظيم الذي هو الدين والتوحيد والشرائع يتلقونه بواسطة جبريل، والوحي الذي يتنزل على ثلاث صور: إما أن يكلم الملك مباشرة ذلك النبي بالوحي، وإما أن ينفث في روع ذلك النبي ما يريد الله تبليغه إليه، وإما أن يقع وحياً كصلصلة الجرس، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١]، فهذا النبي ﷺ أحياناً يلقاه جبريل فيعطيه الخبر، وأحياناً يأتيه جبريل كما كان يأتي جبريل كثيراً في صورة دحية الكلبي، ودحية الكلبي ﵁ كان وسيماً جداً، والملائكة موسومون ومعروفون بالجمال، قال تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف:٣١]، ولهذا اختاروا أقربهم إلى هيأتهم، ولهذا قال ﷺ في مدح جرير بن عبد الله البجلي وكان وسيماً: (عليه مسحة ملك)، هذا تخريج، وتخريج آخر يقول: إن دحية الكلبي كان يكثر الدخول على الملوك، فلهذا اختار جبريل أن يأتي بهيئته، ولا نستطيع أن نجزم؛ لأن هذه معطيات نحكم عليها، كما أن النبي ﷺ تكلم عن ذلك الوحي الذي ينفث في روعه فقال ﵊: (إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها)، وغاية ما نريد تأصيله ههنا أن الوحي أعظم خصائص الأنبياء، ولهذا أبو بكر وعمر لما زارا أم أيمن ﵂ وأرضاها قالت: إني لأعلم أن ما عند الله لرسوله خير له مما له عندنا، لكن أبكي لانقطاع الوحي من السماء.
لأنه لا وحي إلا على نبي أو رسول، فلما مات ﷺ وهو آخر الأنبياء قطعاً لم يكن بعده وحي ينزل من السماء.
فالمقصود: أن الوحي أعظم ما خص الله به أنبياءه ورسله.
стр. 79
الثانية أن أعينهم تنام ولا تنام قلوبهم
ثم تأتي خصائص أخرى منها: أن أعينهم تنام ولا تنام قلوبهم، يقول أحد الشعراء المسلمين في مدح النبي ﷺ : الليل تسهره بالوحي تعمره وشيبتك بهود آية استقم إلى أن قال: تنام عينك أما القلب لم ينم فهو ﷺ وإخوته من الأنبياء والمرسلين قبله تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم.
стр. 80
الثالثة أنهم يخيرون عند الموت
الأمر الثالث: أن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام يخيرون عند الموت، فلا تقبض روح نبي حتى يخير، وكلهم يختار لقاء الله، ونبينا ﷺ كان يقول لـ عائشة دوماً: (إن الأنبياء يخيرون عند الموت)، وهي لم تستشعر معنى هذا جيداً كما استشعرته يوم وفاة النبي ﷺ : فقد سمعته وهي الصديقة بنت الصديق وهو يقول: (مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً)، قالت ﵂ وعن أبويها: فعلمت أنه يخير.
فقد كان يخبرها من قبل أن أنبياء الله ورسله يخيرون عند الموت، هذه ثالث الخصائص لأنبياء الله ورسله.
стр. 81
الرابعة أنهم يدفنون حيث يموتون
من خصائصهم كذلك وهو الرابع: أنهم يدفنون حيث يموتون؛ ولهذا دفن ﷺ في الجهة الجنوبية الغربية من حجرة عائشة؛ لأنه ﷺ مات في الجهة الجنوبية الغربية من حجرة عائشة، وقد مر معنا: أن عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها رأت قبل وفاة النبي ﷺ : أن ثلاثة أقمار سقطوا في حجرها، فذهبت إلى أبيها الصديق تخبره فاعتذر عن الإجابة تأدباً؛ لأن النبي ﷺ آنذاك كان حياً، فلما مات رسول الله ﷺ ودفن في حجرة عائشة جاء الصديق لـ عائشة ليقول لها: هذا أول وخير أقمارك يا عائشة! والغاية منه: أن تعلم -أيها المبارك- أن من خصائص أنبياء الله ورسله أنهم يدفنون حيث يموتون.
стр. 82
الخامسة أن الأرض لا تأكل أجسادهم
تعقب ذلك خصيصة لهم: وهو أن الأرض لا تأكل أجسادهم؛ لأن الله حرم -تحريم منع لا تحريم شرع- على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، قال ﵊ يوصي أمته: (إذا كان يوم الجمعة أو ليلتها فأكثروا من الصلاة والسلام علي، قالوا: يا رسول الله! كيف نصلي عليك وقد أرمت، قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)، فهم عليهم الصلاة والسلام أجسادهم في الأرض وأرواحهم في أعلى عليين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
من هذا المجمل تفقه -أيها المبارك- أن هذه الخصائص لهم وحدهم، لكن ثمة أشياء اشتركوا فيها، وجعل الله جل وعلا لهم فيها حظاً ونصيباً، لكن لا يمنع أن يكون لغيرهم فيها حظ، مثل: أنه ﷺ كما في الحديث يقول الصحابي: (كنا نجني الكباث -نوع من الثمر- فقال ﷺ : عليكم بالأسود منه فإنه أطيبه، قالوا: يا رسول الله! كأنك كنت ترعى الغنم)، لأن هذه الأمور لا يعرفها إلا رجل مارس الرعي، فقال ﷺ : (وهل من نبي إلا وقد رعاها)، يعني: كل الأنبياء قبلي رعوا الغنم، لكن هذه وإن كانت صفة مشتركة في الأنبياء والرسل جميعاً، إلا أنها ليست مقصورة عليهم ولا محصورة فيهم، وهذا أمر لا يحتاج إلى دليل، فكم من الناس من رعى الغنم، لكن الله جل وعلا أراد برعي أنبيائه للغنم أن يتعلموا السكينة وكيف يسوسوا الناس، فإذا ساسوا الغنم وصبروا على نفور هذه ونفور أخرى قدروا بعد ذلك بتوفيق الله لهم أن يسوسوا الأمم، كما أن النبي ﷺ علم أمته أن ترعى الأمم بعد أن كانت ترعى الشاء والغنم.
المقصود من هذا أن هذه بعض المزايا التي هي لأنبياء الله ورسله، ويمكن أن يشترك معهم فيها غيرهم.
стр. 83
المكلمون من الأنبياء
على هذا يتحرر أن الله جل وعلا خص هؤلاء الأنبياء والرسل بتلك الخصائص الخمسة التي ذكرناها، لكن تلك الخصائص وقف عليهم، ولا يمنع أن يكون للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعد ذلك خصائص متفرقة بمعنى: أنها تكون مميزات لنبي دون نبي، ولهذا قال الله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣] ثم فصل فقال: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، والتكليم إذا أطلق ينصرف إلى موسى؛ لأن الله قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، لكن العلماء يقولون: من الذين ثبت أن الله كلمهم: محمد ﵊، وموسى، وآدم، كما في الحديث: (قيل: يا رسول الله! أكان نبياً هو؟ قال: كان نبياً مكلماً)، أي: أن آدم ﵇ نبي مكلم بخبر رسول الله ﷺ ، وأما موسى فقد صرح القرآن به: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤].
فالتكليم إذا أطلق ينصرف إلى كليم الله موسى، قال الله في شأنه: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]، في حين أن عيسى ﵊ ميزه الله جل وعلا بأنه ولد من غير أب، ولهذا نسب إلى أمه: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران:٤٥]، فأيوب ﵊ ابتلي فصبر، وسليمان وأبوه داود ﵉ أعطيا الملك، بخلاف أيوب وصبره، وهكذا اختلفت حياة الأنبياء؛ لأنهم جميعاً يمثلون ما في الإنسانية في أعلى ذروتها، وأكمل رقيها، يجمعهم جميعاً قول الله: ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٧٣]، فكانوا عليهم الصلاة والسلام أعظم الخلق عبادة لربهم ﵎، معصومين بعصمة الله جل وعلا لهم، فأنبياء الله ورسله اجتباهم الله بقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، يحكون في هذا: أن الحسن والحسين سبطا رسول الله ﷺ شاهدا رجلاً طاعناً في السن يريد أن يتوضأ ولا يحسن الوضوء، وهو يظن أنه يحسن، فقدما إليه فقالا له: يا عماه! اختصمنا أنا وأخي في أينا أحسن وضوءاً، فتوضأ الاثنان أمامه ففقه ذلك العجوز من وضوئهما أنهما يريدان أن يعلماه؛ لأنه رأى فرقاً بيناً شاسعاً بين وضوئهما ووضوئه فقال: من أنتما؟ فقالا: الحسن والحسين سبطا رسول الله ﷺ فما كان من ذلك العجوز إلا أن قبل رأسيهما، وصدق الله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، فهذان السبطان كان هذا صنيعهما، فكيف بأنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم، والله الذي اختارهم على علم على العالمين، وجعلهم سادة للخلق، ودعاة للحق عليهم الصلاة والسلام أجمعين.
ويونس بن متى كذلك ذكره الله جل وعلا في القرآن قائلاً لنبيه: ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم:٤٨]، لكن قول الله جل وعلا عن هذا النبي الكريم يونس: ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم:٤٨] ليس على إطلاقه؛ لأن الله قال بعدها: ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [القلم:٤٨ - ٤٩].
والمعنى: أن يونس ﵊ جاء لقومه فلم يستجيبوا له فخرج مغضباً، قال الله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧]، و ((نَقْدِرَ)) هنا بمعنى: نضيق أي: ظن يونس أن الله لن يضيق عليه بسبب صنيعه هذا، فركب سفينة فألقى في البحر فالتقمه الحوت، وقد أمر الله الحوت ألا يأكل له لحماً، ولا يهشم له عظماً، ثم لفظه الحوت بأمر من الله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات:١٤٥ - ١٤٧].
فالقضية في يونس: أنه خالف الأولى في مقام معين محدد، وليس على إطلاقه، ولهذا جاء مقيداً، ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم:٤٨].
غاية الأمر -أيها المباركون- أن نعرف شيئاً عن أنبياء الله ورسله، وإلا فالحديث عنهم لا يمله قلب، ولا تسأم منه أذن، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
هذا ما تهيأ إيراده، وأعان الله على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 84
سلسلة لطائف المعارف [زيد بن حارثة ﵁]
لقد كان زيد بن حارثة حب رسول الله ﷺ من أوائل المؤمنين به، المصدقين خبره، الذابين عنه ﷺ ، ولقد كان له مع رسول الله ﷺ أخبار وأسرار، وهو الذي كرمه الله في حادثة لم يسبق إليها أحد: أن ذكره ربه سبحانه في القرآن الكريم باسمه صراحة، فحري بنا أن نعرف شيئاً من سيرته العطرة، وأخباره الزكية.
стр. 85
زيد بن حارثة ابن الإسلام وحب رسول الله
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جامع الناس ليوم لا ريب فيه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
هذا أيها المباركون! لقاء متجدد من لقاءاتكم الموسومة: بلطائف المعارف، وعنوان حلقة هذا اليوم تحمل اسم صحابي جليل هو: زيد بن حارثة.
نحن ندرك جميعاً أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أمثل جيل، وأكمل رعيل؛ ذلك أنهم من الله ﵎ عليهم بنصرة نبيه ﷺ ، وكان النبي ﷺ بين أظهرهم يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، كما هي دعوة خليل الله إبراهيم.
والصحابة كما نعلم جم غفير، لكن القرآن وهو مائة وأربعة عشر سورة لم يرد فيه ذكر اسم صحابي واحد باسمه الصريح، فقد جاءت آيات في مدح الصحابة عموماً مثل قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح:٢٩]، لكن لم يرد في القرآن ذكر صحابي باسمه الصريح إلا زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
ولـ زيد أخبار قبل الإسلام، وأخبار بعد البعثة، وله أخبار قبل وفاة النبي ﷺ ؛ لأنه مات قبل النبي ﵊، ومن هذه الأخبار: أن نعرف المكانة الجليلة لهذا الرجل رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
بداية القصة أن خديجة بنت خويلد ﵂ وأرضاها أم المؤمنين طلبت من ابن أخيها حكيم بن حزام أن يشتري لها غلاماً وهو ذاهب إلى سوق عكاظ، وقبل أن أستطرد، فـ حكيم بن حزام هذا ولد في الكعبة، حملته أمه وجاءها المخاض وهي في جوف الكعبة، فولدت حكيماً هذا في جوف الكعبة.
موضع الشاهد: أن حكيماً اشترى زيداً لـ خديجة، ثم أهدته خديجة لنبينا ﷺ ، وكان أعمامه وأبوه من قبل يسألون عنه حتى عرفوا أنه عند محمد بن عبد الله، وهذا كله والنبي ﵊ لم يبعث بعد، لكن زيداً بنور الله الذي آتاه تفرس في أن النبي سيكون له شأن، والقصة معروفة بأنه خُيِّر فاختار النبي ﷺ ، وما كان مشتهراً لا أحب أن أقف عنده كثيراً؛ لأن العبرة بالعظات وليست في سرد التاريخ، فالتاريخ موجود في طيات الكتب.
المقصود من هذا أن زيداً تمسك بالنبي ﷺ وقدمه على أبيه وأعمامه فانصرفوا، فلما قدم زيد نبينا ﷺ وموالاته على أبيه وأعمامه قال ﵊ في نوادي قريش: (أشهدكم أن زيداً ابني يرثني وأرثه) من باب رد الجميل، وحينها لم يكن قد بعث نبينا ﷺ ، فأصبح زيد يعرف بـ زيد بن محمد.
وعندما من الله على نبيه بالنبوة كان زيد من السابقين إلى الإسلام، وذهب مع النبي ﷺ إلى الطائف ورأى تلك المعاناة التي لقيها النبي ﷺ في الطائف، ثم عاد معه إلى مكة وبقي باراً برسول الله ﷺ ، ثم جاءت الهجرة فانتقل النبي ﷺ والصحابة ومنهم زيد إلى المدينة، وفي المدينة تغير الوضع ونزلت أحكام شرعية؛ لأن العهد المكي كان يعنى بالعقائد أكثر الأمر، وجاء العهد المدني فعني بالعقائد، ثم جاء التنظيم للمجتمع والدولة، فكان مما أنزل على النبي ﷺ : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، فذلك التاج الذي كان يعلو على مفرق رأس زيد من أنه ينادى بـ زيد بن محمد نزع منه، وأصبح يدعى باسم أبيه زيد بن حارثة، ولا يدعى بـ زيد بن محمد، ولا ريب أن هذا أحدث في قلب زيد حزناً شديداً؛ لأن كونه ينادى بـ زيد بن محمد هذا شرف وأي شرف، لكنه أمر الله وقدره وقضائه وتعليماً للأمة، قال الله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب:٤٠]، وقال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥]، فنزع منه هذا اللقب.
стр. 86
تطليق زيد لزينب بنت جحش وزواج النبي بها
وقدر لـ زيد قبلها أن يتزوج زينت بنت جحش الأسدية، وزينب ﵂ وأرضاها قرشية، وزيد مولى، فكانت تجد في نفسها أنفة عليه، فتحدث بينهما النزاعات، وكان الله جل وعلا قد أوحى إلى نبيه أن زيداً سيطلق زوجته زينب وأنه سيتزوجها، وهذا الوحي نزل على النبي ﷺ وأخبر به وعرفه، ولكنه كتمه، فكان زيد إذا جاء إلى النبي ﷺ يشكو إليه زوجته أمره النبي أن يصبر عليها وألا يطلقها، فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦]، ثم قال الله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب:٣٧] (وَإِذْ تَقُولُ) إذ: ظرفية زمنية بما قد سلف.
(إذ تقول) أي: يا محمد! (لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ) أي: زيد الذي أنعم الله عليه بنعمة الإسلام.
(وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ) أي: بالعتق؛ لأن النبي ﷺ أعتق زيداً.
(أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ) تنصحه وترشده أن يبقي على زوجته.
(وَتُخْفِي) أي: يا محمد! (فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) أي: ما الله مظهره، والشيء الذي سيظهره الله أنه سيطلقها وأنك ستتزوج زينب لا محالة.
(وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) تقول أم المؤمنين عائشة ﵂: لو كان النبي ﷺ أراد أن يخفي شيئاً من القرآن لأخفى هذه الآية، لكن النبي ﷺ مؤتمن على وحي الله.
(فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا) تزوجها وأصابها.
(زَوَّجْنَاكَهَا) أي: بعد انفكاكها عن زيد.
(لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا).
من هذا نفهم: أن الله جل وعلا ذكر اسم زيد؛ لأن النبي ﵊ بعث زيداً بعد أن طلق زينب يخطبها له، ولنا أن نتخيل كيف لرجل أن يخطب امرأته السابقة لرجل آخر؟ هذا صعب جداً على الأنفس، لكن أنفس الصحابة وفي مقدمتهم زيد كانت محبة معظمة لرسول الله ﷺ ، فلما قدم إليها أعطاها ظهره، هيبة لحرمة امرأة ذكرها النبي ﷺ فبعثه ليخطبها إليه، فتزوجها ﷺ وكانت تفتخر على أمهات المؤمنين بأن الله جل وعلا تولى أمر زواجها واختارها لنبيه من فوق سبع سماوات ﵂ وأرضاها.
هذه الأمور التي فقدها زيد: كونه كان ينادى بـ زيد بن محمد، وفقد زوجته وذهبت للنبي ﷺ ، لكن الله عوضه عنها وهو أكرم الأكرمين ﷻ بأن ذكر اسمه في القرآن، فأصبح اسمه من جملة قرآن يتلى ويتعبد الله جل وعلا به في المحاريب وفي صدور المؤمنين إلى يوم القيامة، فنحن نقرأ: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ﴾ [الأحزاب:٣٧]، وهو زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
فانظر كيف عوض الله جل وعلا زيداً في الدنيا، أما في الآخرة فلا ريب أن زيداً في الجنة، قال ﷺ : (دخلت الجنة، فإذا جارية شابة، قلت: لمن هذه؟ قالت: أنا لزيد بن حارثة).
وزيد بن حارثة كان أحد القادة الذين أمرهم النبي ﷺ وهم متوجهون إلى مؤتة لقتال الروم، وكان جعفر بن أبي طالب ابن عم رسول الله ﷺ ، وزيد بن حارثة مولى النبي ﷺ ومن أحب الخلق إليه، وعبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنهم جميعاً وأرضاهم ممن قضوا نحبهم شهداء في تلك المعركة، أي: أن زيداً مات قبل النبي ﷺ .
стр. 87
أسامة بن زيد ابن حب رسول الله
كان النبي ﵊ يحب زيداً ويحب ابنه أسامة، حتى ورد: أن رجلاً ممن لهم معرفة في القيافة، وهي: قضية معرفة الأنساب، ومعرفة الرجل، والقبيلة التي ينتسب إليها، وكان رجلاً من بني مدلج، جاء ذات يوم وأسامة وزيد رضي الله تعالى عنهما نائمان، وكان زيد أبيض وأسامة أسود، وهذا يثير الريبة عند الناس، هذا الرجل لا يعرف أن هذا زيداً ولا أن هذا أسامة؛ لأن رأسيهما قد غطيا وهو أصلاً ليس من المدينة، ولا يعلم مكانتهما عند رسول الله ﷺ ، وإنما رأى أقدامهما، فقال وهو صاحب علم في هذا الشأن: هذه الأقدام بعضها من بعض، فانفرجت أسارير وجه رسول الله ﷺ ، ودخل على عائشة مستبشراً فرحاً وهو يقول: (أما سمعت أن فلان المدلجي نظر إلى قدمي أسامة وزيد فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض)، وكان هذا أمام الناس تطميناً له ﷺ ، وإلا فهو ﵊ كان يعلم أن أسامة ابن لـ زيد، وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة من أعظم من أحب النبي ﷺ ، وقد كان النبي ﷺ يقول في حق أسامة: (اللهم إني أحبه فأحبه)، فنحن نعلم أنه في حجة الوداع والنبي ﷺ أراد أن ينفر من عرفة إلى مزدلفة وهو على ناقته، وأهل الموقف ينتظرون أن يبدأ النبي ﷺ حتى يتبعوه؛ لأنه لا يمكن أن ينفروا قبل إمامهم ﵊، وهو ﵊ كأنه ينتظر، فتساءل الناس: ماذا ينتظر ﷺ ؟ فجاء أسامة بن زيد أسود نحيلاً خفيفاً ظريفاً ﵁ وأرضاه، فركب ناقة نبينا ﷺ ، وضمه من الخلف، ثم أمر النبي ﷺ الدابة أن تمضي، فأردفه من عرفة إلى مزدلفة، وفي الطريق نزل ﷺ يتوضأ ولم يصل، فذكره أسامة بالصلاة، فقال ﷺ : (الصلاة أمامك) أي: في مزدلفة جمع تأخير والذي يعنينا من هذا: هو العناية المحمدية بهذا النشء والشاب، فقد كان عمره آنذاك ثمانية عشر تقريباً، الذي هو ابن زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، حب رسول الله ﷺ .
ومن هنا نعلم أن القلوب أوعية، وأحياناً يجد الإنسان في قلبه محبة عظيمة لبعض من حوله تزيد على محبته لغيره، وهذه أمور يقذفها الله جل وعلا في قلب من يشاء، وأحياناً يجد الإنسان ألفة تجذبه إلى الغير، ومحبة تتبعه إلى بعض من حوله، وقد تكون محبته لبعض قرابته، ولكن النبي ﷺ يقول: (الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف).
والمهم في المؤمن من حيث الجملة من هذه الأخبار عن زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه وأرضاه: أن يكون محباً للناس، محباً لغيره، يحب لهم ما يحب لنفسه، وهذا من دلائل صفاء قلبه، وسلامة معتقده، وهو من دوافع وبراهين الإخوة الإيمانية.
هذا ما تسير الحديث عنه، وتهيأ إعداده عن زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
والله أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 88
سلسلة لطائف المعارف [سليمان وجنوده]
في خبر سليمان وجنوده وما آتاه الله من الملك والحكمة عبرة للمعتبرين، وخاصة وجهاء الناس وكبارهم، فهو صورة لمن استخدم ملكه ووجاهته في الدعوة إلى الله وخدمة دينه.
стр. 89
خبر النملة في قصة سليمان
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، والصلاة والسلام على خير خلقه وأفضل رسله.
أما بعد: فهذا لقاء من لقاءات لطائف ومعارف، يحمل عنوان سليمان وجنوده، وهو مقتبس من قول الله جل وعلا: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل:١٧].
سليمان ﵊ أحد أنبياء بني إسرائيل، وهذا النبي الكريم هو ابن لنبي، وهو داود ﵊، وكان الله جل وعلا قد آتى داود الملك والكتاب والحكم والنبوة، وهو من أعظم أنبياء بني إسرائيل صلوات الله وسلامه عليهم، هذا النبي الكريم -أي داود- آتاه الله جل وعلا الرغبة في العبادة والقدرة عليها، وهو من أعبد خلق الله، ولهذا قال ﷺ : (أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود).
ذكر الله جل وعلا خبر سليمان في مواطن متفرقة، أشهرها في سورة النمل، قال الله جل وعلا: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٧ - ١٨]، وهذا من أدبها؛ لأنها أشفقت على قومها وتأدبت مع نبي الله سليمان بقولها، وهم لا يشعرون.
لكن الحدث الجلل في خبر سليمان هو قصته مع الهدهد وقوم بلقيس أي: قوم سبأ.
стр. 90
خبر الهدهد مع سليمان
إن سليمان ﵊ بدا له ذات يوم أن يتفقد جيشه، قال الله جل وعلا: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل:٢٠].
وهذا يدل على أن المرء إذا أوكل إليه عمل إما أن يأخذه بقوة أو يتركه، ولا يحسن بالعاقل أن يتولى عملاً ثم يقصر في أدائه، قال الله جل وعلا: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢]، وقال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦].
وسليمان ﵇ رغم ما أورثه الله جل وعلا من العصمة والنبوة والملك إلا أنه كان حريصاً على أن يتفقد ملكه، فقال الله: ((وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ))، أي: موقع الطير من الجند، ((فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ))، ثم توعده حتى لا يضعف غيره فقال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ [النمل:٢١].
يقال: إنه قيل له: يا نبي الله، وأي عذاب هذا الذي يوازي الذبح؟ قال: أضعه مع قوم لا يعرفون قدره.
والأحرار لا يقتلهم شيء مثل أن يوضعوا في موضع لا يعرف من حولهم فيه قدرهم، ولهذا فإن إخوة يوسف، وأولئك الذين وجدوا يوسف في البئر -وهو نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله- لم يأبهوا له وبيع ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف:٢٠].
هنا قال نبي الله: ((لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ))، لكن العاقل يضع لنفسه خط رجعة، لهذا قال سليمان: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٢١]، أي: أن يأتي بعلوم، فلا ذبح ولا عذاب.
قال الله جل وعلا: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل:٢٢]، أي: لم تمض مدة زمنية كافية، فإذا بالهدهد بين يدي سليمان، ﴿فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل:٢٢].
الغيب لا يعرفه إلا الله، فهذا نبي الله ابن نبي الله ولديه ملك وجن يخدمونه وغابت عنه مملكة بأكملها عرفها طائر من الطيور، ((فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ)).
ثم قال: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٢٣]، أي: مما يؤتى الملوك عادة، فكل وإن كانت من ألفاظ العموم لكن السياق يدل على المعنى المراد منها، فلا يعقل أن بلقيس لا يوجد شيء في الدنيا إلا وهو عندها؛ فإن ملك سليمان أعظم من ملكها، لكن مما جرت أن يكون في قصور الملوك موجود عندها.
إلا أن الهدهد أنكر عليهم أنهم عبدوا الشمس من دون الله، وتعجب وهو على فطرته كيف يتأتى لقوم أن يعبدوا ويشركوا مع الله جل وعلا غيره.
فلهذا قال: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النمل:٢٥].
ومن لطائف التفسير كما يقول العلماء: إن الإنسان يخبر عادة بالشيء الذي يعرفه، فالهدهد له علاقة بالحب؛ لأنه يأكله، فلما أراد أن يعرف بربه، قال: ((يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ))؛ لأنه هذا الذي يناسب البيئة التي يعرفها الهدهد.
وقد تلقى سليمان هذا الخبر من الهدهد بحكمة، ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل:٢٧] لأن قول الهدهد يقبل الصدق والكذب.
قال تعالى: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل:٢٨] خرج الهدهد بالكتاب الذي كتبه سليمان، ودخل قصر بلقيس ووضعه في ناحية بطريقة مؤدبة، وأهل الصناعة العقلية يقولون: إن العاقل يعرف أو الرجل يعرف بثلاثة أمور: بكتابه، بهديته، برسوله الذي يبعث.
فقامت هذه المرأة فقالت لقومها: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٢٩ - ٣٠]، فقدم سليمان هنا اسمه على اسم الله؛ لأنه يخاطب قوماً وثنيين وعباد شمس، وليسوا أهل كتاب يعرفون الله، فحتى يلقي فيهم الهيبة، وينظرون إلى رسالته ولا يهملونها ولا يطرحونها فتكون هناك مصلحة دعوية أكبر قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٣٠ - ٣١]، والمرأة كانت عاقلة: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل:٣٢]، أصابتهم عزة وأرادوا أن يظهروا لها أنهم معها في السراء والضراء: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ * قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل:٢٣ - ٣٤]، فصدقها الله، وإن كانت عابدة شمس، قال ربنا: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل:٣٤]؛ لأن أي إنسان يحكم في قرية أو يحتل بلداً أو ينال منصباً، فإن غالب أمره أن يغير حال من سبقه، وهذا معنى قولها كما حكى الله: ((إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ))، رأت أن تبعث بهدية؛ فترى ردة فعل سليمان.
﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل:٣٥]، منها أنها تهدئ من غضبه، ومنها أن هؤلاء الرسل الذين يحملون الهدايا يطلعون على ملك سليمان فيقدمون لها تصوراً كاملاً قبل أن تتخذ قراراً.
أخذوا الهدايا، قال الله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل:٣٦] أي: جاء الرسل سليمان ﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾ [النمل:٣٦] أي: الإسلام، ﴿خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل:٣٦ - ٣٧].
ثم بدا لسليمان أن يرى مزيد فضل الله عليه، فقال لمن حوله: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٣٨] فاختصم عنده اثنان.
قال الله: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [النمل:٣٩] لديه قوة، لكن ليس لديه علم: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل:٣٩] أي: لا تكاد تنتهي من هذا المجلس الذي أنت فيه إلا وعرش بلقيس عندك.
﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل:٣٩ - ٤٠]، وهذا أسرع، لكنه في غالب الظن -عندي والعلم عند الله- جني أوتي علماً، فجمع ما بين القوة العلمية والقوة الجسدية.
﴿فَلَمَّا رَآهُ﴾ [النمل:٤٠] أي: رأى سليمان العرش ﴿مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ [النمل:٤٠] نسب الفضل إلى الله، وكذلك المؤمن النقي التقي إذا رأى النعمة في نفسه وفي ماله أو ولده أو أهله أو أي شيء حوله نسبها إلى ربه جل وعلا.
﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النمل:٤٠]، فهو الذي يدخل الجنة إذا شكر ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠].
فالله جل وعلا لا تنفعه طاعة طائع ولا تضره معصية عاص، ولا يبلغ مدحته قول قائل، تنزه عن الصاحبة والولد، وتقدس فلم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.
فالمقصود أن سليمان أراد أن يختبر بعد ذلك ذكاء بلقيس.
﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ [النمل:٤١] أي: غيروا في العرش، فلما جاءت بلقيس سألها سليمان: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ [النمل:٤٢]؟ لأنها تركته وراءها في صنعاء، وكانت ذكية، ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل:٤٢]، وهذا جواب بتعبيرنا اليوم: دبلوماسي؛ لأنه لو قالت: ليس بعرشي، لقال لها: كيف لا تعرفين عرشك؟ ولو قالت: هو عرشي، لقال لها: كيف كان عرشك، لم يكن على هذه الحال.
فالسياق يدل على أنها كانت فطنة.
قال الله جل وعلا: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾ [النمل:٤٢] أي: سليمان، ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٤٢] وهذا أعظم فخراً وأشد موئلاً وأعظم اتكاء.
﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل:٤٣] أراد أن يدعوها إلى الله، وهذه غاية ومهمة ووظيفة عظمى؛ لكن هذه ملكة ينبغي أن تدعى بما يناسب حالها، فأمر الجن أن يبنوا له صرحاً ممرداً من قوارير.
ثم لما أحكم البنيان، والصرح الممرد بني على البحر، قال الله جل وعلا: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [النمل:٤٤]، فلما دخلت الصرح، قال الله: ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ [النمل:٤٤] أي: حسبت هذا الصرح بحراً، واضطرت إلى أن تتعامل مع اللجة بأن تكشف عن ساقيها حتى لا تتضرر ثيابها، ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ [النمل:٤٤] هنا قال لها سلي
стр. 91
وقفة مع إسلام ملكة سبأ
قال الله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [النمل:٤٤] وهذا من أعظم طرائق الدعاء.
﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٤٤].
ولننخ المطايا هنا لنعرف عظيم صبر الله.
الذي أخرج هذه المرأة من أرض اليمن هو الحفاظ على ملكها وعرشها، فأورثها الله جل وعلا الهداية في قلبها وأن تموت على الإسلام، فانظر الدافع في الخروج والغاية التي كانت تريدها، ثم انظر ما النوال الذي أعطيت، وما الفود الذي عادت به، ((قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ))، فأصبحت مؤمنة بعد أن كانت كافرة.
وأنت ترى فضل الله الواسع في بلادنا، فكثير من العمال والمهندسين وغيرهم يأتون إلى بلادنا طلباً للقمة العيش، ممن ليسوا على دين الإسلام من شتى أقطار الأرض، ويمن الله جل وعلا على كثير منهم بالإسلام فيؤمنون، فانظر لماذا أتوا وماذا كسبوا وبما سيعودوا، أما من منَّ الله عليهم بالهداية وماتوا بعد ذلك عليها فهذه نعمة عظيمة واصطفاء واجتباء، فربما لو مكث في بلاده لما عرف الدين ولما آمن، لكن لما قدر له أن يأتي طلباً للرزق من الله عليه بالهداية إليه.
هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله حول قول الله جل وعلا: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل:١٧].
وصلى الله على محمد وعلى آله والحمد لله رب العالمين.
стр. 92
سلسلة لطائف المعارف [عالم الملائكة]
الملائكة خلق من خلق الله تعالى خصهم الله تعالى بخصائص وأوكل إليهم القيام بأمور في الكون، وهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ووهبهم الله تعالى عظم الخلقة، والقدرة على التشكل، وخص تعالى بعضهم بالرفعة على غيرهم، فسادتهم جبريل وميكال وإسرافيل وملك الموت، وسيد الملائكة جميعاً جبريل ﵇، كما أن لهم وظائف وأعمالاً يقومون بها امتثالاً لأمر الله تعالى.
стр. 93
ماهية الملائكة وعددهم ومساكنهم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، أراد ما العباد فاعلوه ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه.
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ عن الله رسالاته، ونصح له في برياته، فصلى الله وسلم وبارك وأنعم عليه وعلى آله وأصحابه.
أما بعد: فعنوان هذا الدرس: (عالم الملائكة).
فالله ﵎ خلق العقلاء ثلاثة أقسام: الملائكة والجن والإنس، والملائكة خلق من خلق الله ليسوا بناتاً لله ولا أولاداً ولا شركاء معه ولا أنداداً، قال الله جل وعلا: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٨].
ويمكن تناول الحديث عنهم وعلاقتهم بنا من عدة أوجه.
أولاً: أنه يجب أن تعلم أن الملائكة جند من جند الله لا يعلم عددهم إلا الله، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١].
ومساكنهم السماء، قال الله: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ [فصلت:٣٨] أي: أهل الأرض ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت:٣٨] أي: أهل السماء.
стр. 94
رؤساء الملائكة
ورؤساء الملائكة أربعة: جبريل وإسرافيل وميكال وملك الموت، وملك الموت لا يعرف خبر صحيح في اسمه، ولكن اشتهر عن بعض الإسرائيليات أنه عزرائيل، ولا يبعد ذلك، ولكن يصعب إثباته لعدم وجود النقل الصحيح.
أما جبريل فهو سيد الملائكة فيما يظهر، وقد أوكل الله جل وعلا إليه ما يتعلق بحياة القلوب، فهو الذي ينزل بالوحي، ولذلك لما عرضت خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها نبينا ﷺ على ابن عمها ورقة بن نوفل، وقص النبي ﵊ على ورقة رؤيته الملك قال: أبشر، هذا الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى.
والمعنى: أن جبريل ﵇ أوكل الله جل وعلا إليه إنزال الوحي على رسله، فلهذا ينزل بما فيه حياة القلوب.
وميكال ينزل بالقطر من السماء، فقد أوكل الله إليه أرزاق الناس وقطر السماء.
وأما إسرافيل فقد أوكل الله جل وعلا إليه النفخ في الصور، فلهذا قال ﷺ : (إن صاحب الصور قد أصغى أذنه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ فينفخ، قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل).
وأوكل الله إلى ملك الموت قبض الأرواح، وهو ﵇ له أعوان، والله جل وعلا قد ذكره لوحده، وذكره بأعوانه، فقد قال الله جل وعلا في سورة (الم تَنزِيلُ) السجدة: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة:١١]، فهذا ذكر لملك الموت وحده، وذكره الله مع أعوانه في سورة الأنعام فقال جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦١ - ٦٢].
فهؤلاء الأربعة هم رؤساء الملائكة.
стр. 95
ذكر بعض آثار مكانة جبريل ﵇
وقد ثبت أن جبريل ﵇ أول من يسمع وحي الله، وفي هذا الخبر ما يضفي على قلب المؤمن خشوعاً وإذعاناً لعظمة ربه وجلاله، قال ﷺ كما عند ابن جرير بسند صحيح من حديث النواس بن سمعان: (إن الله إذا أراد أن يتكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة شديدة، فإذا سمع بذلك أهل السماوات صعقوا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيوحي الله جل وعلا إليه ما شاء، ثم يمضي جبريل بذلك الأمر على كل سماء، كلما مر على سماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول: قال الحق وهو العلي الكبير)، قال الله جل وعلا تصديقاً لهذا الخبر في سورة سبأ: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣].
وذكر المفسرون في سبب نزول قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة:٩٧] أن طائفة من اليهود بعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة قدموا إليه، فقالوا: (يا أبا القاسم! إنا سائلوك عن مسائل لا يعلمهن إلا نبي، فسألوه فأجابهم، فقالوا: بقيت واحدة إن وافقتنا فيها اتبعناك وإلا فارقناك، فأخذ عليهم النبي ﷺ العهد والمواثيق على أن يتابعوه، فقالوا: من وليك من الملائكة؟ فقال ﷺ : جبريل، قالوا: هذا الذي ينزل بالحرب والقتال؟ لو كان وليك من الملائكة ميكال الذي ينزل بالرحمة والقطر لاتبعناك، فأنزل الله جل وعلا رداً عليهم: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٧ - ٩٨]).
стр. 96
ذكر بعض وظائف الملائكة وأدبهم مع ربهم
ومن عظماء الملائكة حملة العرش، والعرش كبير ذو قوائم تحمله الملائكة، قال الله جل وعلا: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ [غافر:٧]، فالله هنا ذكر طائفتين، طائفة تحمل العرش، وطائفة تطوف حول العرش.
فقوله تعالى: ((الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ)) هؤلاء طائفة، ((وَمَنْ حَوْلَهُ)) أي: طائفة من الملائكة آخرون يطوفون حول العرش، وكلتاهما قال الله في وصفهما: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧]، فهذه بعض وظائف أولئك الملائكة الكرام، ونحن نعلم أن الملائكة لكل منهم وظائف، وهم مؤدبون بين يدي ربهم، فقد أخبر الله جل وعلا عنهم أنهم يقولون: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات:١٦٥]، وأخبر عنهم أنهم يقولون عن أنفسهم: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات:١٦٤] أي: مقام لا يتجاوزه وعمل لا يتعداه.
ولا شك في أنهم جبلوا على عبادة الله فطرة، قال الله ﵎: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
стр. 97
قدرة الملائكة على التشكل
وقد أعطاهم الله جل وعلا القدرة على التشكل، ولهذا جاء جبريل إلى الصديقة مريم في صورة رجل حسن الخلقة سويها ﵇.
وجاءت الملائكة إلى إبراهيم في صورة رجال فلم يعرفهم، وجاء في الحديث: أن رجلاً ذهب إلى أخيه يزوره في الله فجعل الله في طريقه ملكاً على صورة رجل ليخبره بمحبة الله له.
والمقصود: أن الملائكة أعطاهم الله جل وعلا القدرة على التشكل، ويقول بعض أهل العلم: إن الفرق بين تشكل الملك وتشكل الجني: أن الجني تحكمه الصورة، أما الملك فلا تحكمه الصورة، ومعنى ذلك أنه لو قدر أن الجني ظعن وهو متشكل في أي صورة فإنه يموت؛ لأن الصورة تحكمه، أما الملك فلو قدر أن يقع هذا فإنه لا يتأثر؛ لأن الصورة لا تحكمه.
وقد رزق الملائكة الأدب مع الله، فجبريل على علو قدره ورفيع منزلته كان النبي ﷺ يحب أن يأتيه كثيراً، فقال ﷺ لجبريل: (ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟)، فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤].
стр. 98
جمال الملائكة
ومن الأمور المتعارف عليها التي دل عليها القرآن وتوارثها الناس جيلاً بعد جليل منذ أن كان الخلق أن الملائكة رمز للصورة الجميلة الحسنة، من دلائل ذلك وقرائنه وبراهينه أن النساء اللواتي طلبت منهن امرأة العزيز أن يحضرن في بيتها لتمهد لدخول يوسف ﵇ عليهن، قال الله جل وعلا عنهن: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ﴾ [يوسف:٣١] أي: رأين يوسف ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف:٣١] أي: استعظمن هيئته ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف:٣١]، ومعلوم أن أولئك النسوة لم يرين الملائكة قط، ولكنه استقر في الأذهان عند العقلاء جميعاً بصرف النظر عن أديانهم ومللهم أن الملائكة رمز للجمال، وهذا حق.
وهؤلاء الملائكة الكرام لهم وظائف يوكلها الله جل وعلا إليهم، ومن ذلك ما ثبت أن النبي ﷺ قال لأحد أصحابه: (أما رأيت هذا العارض؟! إنه ملك لم ينزل من السماء قط، استأذن ربه في أن ينزل ويبشرني بأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)، فهذا الملك استأذن ربه في مهمة ليؤديها؛ لأنه يعلم مكانة الحسن والحسين عند رسول الله ﷺ .
стр. 99
عظم خلق الملائكة
وهؤلاء الملائكة الكرام عظيمو الخلقة، قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر:١] وليس هذا مدار الاكتفاء، بل قال الله بعدها: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر:١].
والنبي ﷺ رأى جبريل ﵇ على هيئته التي خلقه الله تعالى عليها مرتين: المرة الأولى: في أيام الوحي الأولى، فقد رآه على كرسي بين السماء والأرض له ستمائة جناح قد سد الأفق.
ثم قدر له ﷺ أن يرى جبريل في رحلة الإسراء والمعراج، ولهذا دون الله ذكرها في كتابه، فقال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ [النجم:١٣] فالرائي محمد والمرئي جبريل ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣]، فقول الله جل وعلا: ((نَزْلَةً أُخْرَى)) أي: مرة أخرى، وهذا يدل على أن هناك مرة سبقتها، وهذه المرة التي سبقتها هي التي أثبتها الله في سورة التكوير، حيث قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير:٢٣]، أي: أن النبي ﷺ رأى جبريل على هيئته التي خلقه الله عليها قد سد الأفق.
وفي الحديث أن مسروقاً ﵁ جاء إلى عائشة أم المؤمنين، فقال لها: يا أماه! هل رأى محمد ﷺ ربه؟ فقالت: لقد قف شعر رأسي مما تقول.
فقال لها: ألم يقل الله: ((وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ))؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل النبي ﷺ عن هذه الآية، هذا جبريل.
فالمعني بالآية هنا هو جبريل ﵊.
стр. 100
جبريل سيد الملائكة
ومن دلائل كون جبريل سيد الملائكة أنه ثبت في الحديث عند مسلم: (أن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل: إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يكتب له القبول في الأرض).
فتقديم جبريل على غيره قرينة ظاهرة على أنه أعظم الملائكة قدراً، وأنه سيد الملائكة.
стр. 101
ذكر بعض خصائص الملائكة
والملائكة عليهم الصلاة والسلام لا يأكلون ولا يشربون، ولهذا لما أتوا أضيافاً على إبراهيم لم يستطيعوا أن يقربوا طعامه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ [هود:٧٠] أي: إلى الطعام ﴿نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود:٧٠].
كما أن الملائكة لا يتناكحون ولا يتناسلون.
стр. 102
ذكر طواف الملائكة بالبيت المعمور
وهناك بيت معمور في السماء السابعة، يقال: إنه لو سقط لسقط على الكعبة؛ لأنه محاذٍ للكعبة، وهذا البيت يطوف حوله كل يوم سبعون ألف ملك.
ومن هنا تعلم -يا أخي- أن الله جل وعلا غني عن عبادة خلقه، وأنه ﵎ استغنى بحمده، ولهذا أخبر جل وعلا أن الملائكة يعبدونه ويسبحونه، وقد قيل للنبي ﷺ : (أي الذكر أعظم؟ قال: ما اصطفى الله لملائكته سبحان الله وبحمده).
فسبحان الله وبحمده كما أمرنا ربنا وأمرنا رسولنا، وكما كانت الملائكة تصنع بين يدي ربها.
ونسأل الله لنا ولكم التوفيق، وهذا ما تيسر إيراده وتحرر إعداده حول عالم الملائكة الأبرار.
وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 103
سلسلة لطائف المعارف [عيسى ﵇]
يظهر القرآن الكريم في آياته الكريمات الحكمة في دعوة غير المسلمين، ومن جملة ذلك ذكر مسائل الاتفاق مع المدعو إن وجدت والازدلاف منها إلى مسائل الخلاف، ويظهر هذا في أنموذج دعوة النصارى، حيث ذكر تعالى لهم ما يتفقون والمسلمين فيه في شأن عيسى ﵇.
ثم ذكر تعالى ما خالف فيه النصارى في عيسى، مبيناً تعالى في ذلك الحق المبين آمر رسوله بدعوتهم إلى المباهلة إن أصروا على ضلالهم فيه.
стр. 104
الحكمة في دعوة غير المسلمين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فقد قدم وفد من نصارى نجران إلى النبي ﷺ في مسجده في المدينة، والنبي ﷺ خير داع وخير هاد بأمر الله، يحمل في طيات قلبه السكينة والرحمة والعقل صلوات الله وسلامه عليه، فجاء النصارى وأناخوا مطاياهم في المدينة، وصلوا في مسجده صلاتهم ولم ينكر عليهم، وتوجهوا شرقاً، وكل ذلك تركهم عليه ليصل وإياهم إلى طريق بين، ثم أتوه يجادلونه في أن عيسى ابن الله، فكانوا يزعمون أن عيسى ابن الله، وكان النبي ﷺ يقول: (إنما عيسى عبد الله ورسوله)، فنزل القرآن يعلمنا كيف ندعوا إلى ربنا، ونزل القرآن بالأمور المتفق عليها بيننا وبين النصارى، فقال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران:٣٣ - ٣٥]، فالآيات تتابع تثني على مريم وعلى آل عمران، والنصارى يعظمون مريم ويعظمون آل عمران.
فبدأ القرآن بنقاط الاتفاق، ثم وصل إلى قضية الخلاف، وهي في عيسى ابن مريم ﵇.
стр. 105
تفسير قوله تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم)
قال الله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ * إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٨ - ٥٩].
كلمة (مثل) هنا ليس المقصود بها المثل المعروف الذي يضرب، فيقال: ضرب مثل، بل المقصود بكلمة (مثل) هنا الحال والصفة، والمعنى أن حالة عيسى وصفته عند الله كصفة آدم، فالنصارى تقول: إن عيسى ابن الله، بدلالة أنه ولد من غير أب، فجاء القرآن وقال: لو كانت المسألة بهذا المفهوم؛ لكان آدم أولى بالبنوة من عيسى؛ لأنه إن كان علة النبوة أن عيسى لا أب له؛ فإن آدم لا أب له ولا أم، فليست القضية بهذا المنطق، فالله جل وعلا ينزه عن الصاحبة والولد، وهو مقدس لم يلد ولم يولد، قال الله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران:٥٩]، والمخلوق من تراب هو آدم، وقد مر بثلاث مراحل، فخلق أولاً من التراب، ثم مزج التراب بالماء فأصبح طيناً، ثم ترك الطين فأصبح فخاراً، وبكل ورد القرآن، قال الله: (من تراب) وقال الله: (من طين) وقال الله: (من صلصال كالفخار).
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران:٥٩ - ٦٠].
قوله تعالى: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) أي: يا محمد.
стр. 106
تفسير قوله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم)
ثم وصلت القضية إلى فصل الخطاب، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١].
قوله تعالى: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ) أي: في عيسى.
(مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) أي: هذا القرآن.
(فَقُلْ) أي: قل لهم.
(تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) وقد كان النبي ﵊ على يقين من ربه، وعلى يقين من الحق الذي يدعو إليه، وفاطمة أحب بناته إليه، وعلي زوجها، فدعا ﷺ فاطمة وعلياً والحسن والحسين، هؤلاء أربعة وهو الخامس ﵊، فواعد النصارى وأتى بأهل بيته، وقال لـ علي وفاطمة والحسن والحسين: (إذا أنا دعوت فأمنوا)، فقدموا وقدم وفد النصارى، وقد كانوا قرابة خمسة أو ستة، وكان عندهم شيء من العلم، فلما رأوا النبي ﷺ والوجوه الطاهرة التي معه قال بعضهم لبعض: إن هذه الوجوه لو سألت الله أن يزيل الجبال لأزالها، فامتنعوا عن المباهلة.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١]، فخرجوا من عنده من المدينة، واتفقوا معه على صلح وعلى أن يبعثوا له كذا وكذا.
стр. 107
دلالة الآية الكريمة على فضيلة علي وفاطمة وابنيهما
وهذه الآية لها فوائد ودلائل، ومن أعظم ذلك فضيلة هؤلاء الأربعة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه جلل الحسن والحسين وفاطمة وعلياً بكساء وقال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) فآل بيت رسول الله ﷺ لهم مقام عظيم، وأهل السنة -سلك الله بنا وبكم سبيلهم- لا يغلون فيهم ولا يجفون عنهم، وهذا هو المذهب الحق، ولكن ليس كل أهل السنة يصنعون هذا، فمن الناس من هو من أهل السنة حقاً، لكن فيه جفاء لأهل البيت، ومن الناس من يغلو فيهم، ودين الله بين الجافي عنه والغالي فيه.
ولذلك يروى عن أحمد بن حنبل الإمام المعروف رابع الأئمة الأربعة ظهوراً أنه جلده المعتصم وآذاه، وكان المعتصم من ذرية العباس عم الرسول ﷺ ، ومع ذلك كان يقول: عفا الله عني وعن المعتصم، وجعلت المعتصم في حل.
فيقال له: لم تفعل ذلك يا أبا عبد الله؟! قال: إنني لأستحي من الله أن ألقى رسول الله ﷺ يوم القيامة وبيني وبين أحد أبناء عمومته خصومة.
ولا ريب في أن أبناء العمومة من آل بيت رسول الله، ولكنهم ليسوا في منزلة علي وفاطمة والحسن والحسين، فهؤلاء آل بيت رسول الله ﷺ ، وقد ثبت في المسند أن النبي ﷺ (قام في الليل فسقى الحسن ثم سقى الحسين)، وهو رأس الملة وإمام الأمة ﷺ ، ومع ذلك لا يستنكف ولا يستكبر عن أن يسقي هذين الصغيرين في الليل، فسقاهما فتنبهت أمهما فاطمة وكانت حجرة علي وفاطمة قريبة من حجرة عائشة، فقال ﷺ لـ فاطمة: (إنك وهذين -وأشار إلى الحسن والحسين - وهذا الراقد -وأشار إلى علي - وأنا لفي مكان واحد -أو في مقام واحد- يوم القيامة) وهذا كله يدل على فضيلة آل بيت رسول الله ﷺ .
стр. 108
اختلاف أهل الملل الثلاث في عيسى ابن مريم
ولم يختلف الناس منذ قديم الدهر في أحد كما اختلفوا في عيسى ابن مريم، فاليهود زعمت أنها قتلته، والنصارى تزعم أنه قتل وصلب وهو ابن الله، والمسلمون يقولون: إنه عبد الله ورسوله، قال الله جل وعلا عن اليهود: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٥٦ - ١٥٨]، فأخبر الله أن عيسى رفع.
стр. 109
ذكر أخبار نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان
وقد أخبر نبينا ﷺ بأن عيسى ينزل في آخر الزمان علماً وشرطاً من أشراط الساعة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ﴾ [الزخرف:٦١] أي: عيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف:٦١]، أي: علم من علامات قرب قيام الساعة، فينزل ﵊ واضعاً يديه على أجنحة ملك، إذا طأطأ رأسه يظهر كأنه خرج من ديماس، أي: كأنه توضأ لتوه، وبيده حربه، وينزل والدجال يوم ذاك يحارب المسلمين، فإذا رآه الدجال ساح، وذاب، فيتبعه عيسى فيقتله، فلماذا يقتله وقد مات أصلاً؟ قال بعض أهل العلم: إذا قتله وعلق دم الدجال بحربة عيسى اطمأن الناس إلى أن الدجال الذي يدعي الإلهية قد قتل حقاً، وأن هذا دمه عالق بحربة عيسى ﵇.
وينزل عيسى ابن مريم والمسلمون يومئذ يريدون أن يصلوا العصر، فيأبى أن يتقدم، ويتقدم إمامهم، قال ﷺ : (إن منكم لمن يصلي عيسى بن مريم خلفه تكرمة من الله لهذه الأمة)، ومن الحكم التي ذكرها العلماء في قضية تقدم المهدي أو هذا الرجل الصالح على عيسى ابن مريم أن المهدي أو هذا الرجل الصالح في قلبه القرآن، وعيسى في قلبه الإنجيل، والقرآن مقدم على الإنجيل، وهذا عندي تعليل حسن، ولكنني لا أجزم به، فالعلم الفصل عند الله.
وأخبر النبي ﷺ بأن عيسى يمكث في الأرض يحكم فيها قرابة سبع سنين، حتى إذا قربت تلك السبع يخبره الله جل وعلا عن خروج أقوام ليس لك بهم يدان، وهم قبائل يأجوج ومأجوج، فيحرز عيسى المؤمنين الذين معه إلى جبل الطور في أرض سيناء، حتى يهلك يأجوج ومأجوج، ثم بعد ذلك ينزل عيسى ابن مريم، وظاهر الأمر أنه يستوطن المدينة؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن عيسى ابن مريم سيمر على فج الروحاء، وفج الروحاء الآن موجود في طريق المدينة إلى جدة القديم، ويبعد قرابة سبعين كيلو متر عن المدينة، وقد أخبر النبي ﷺ أن عيسى ابن مريم ﵊ سيمر به حاجاً أو معتمراً، وهذا يؤكد أن عيسى يستوطن آخر الزمان في مدينة النبي ﷺ .
هذا ما تهيأ إيراده وأعان الله جل وعلا على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 110
سلسلة لطائف المعارف [كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُر]
يخبر الله تعالى في كتابه الكريم عن أحوال الأمم السابقة المكذبة، ومن جملتها قوم صالح ﵇، وهو ثمود القبيلة العربية التي كانت تسكن شمال جزيرة العرب، فقد أتاهم نبيهم بالدلائل القاطعات، والبراهين الواضحات، والمعجزات الباهرات على صدق رسالته ليؤمنوا بالله تعالى، فكان جوابهم هو التكذيب، وعقروا الناقة فحل بهم عذاب الله الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
следующие страницы →