← Тафсир

Тафсир · id 37769

تفسير القرآن الكريم - أسامة سليمان

أسامة سليمان

Полный текст (295 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تفسير سورة نوح سورة نوح من أعظم السور التي تحكي لنا جهاد نبي الله نوح مع قومه، إذ مكث فيهم زمناً طويلاً وهو يدعوهم إلى توحيد الله ، سراً وعلانية، ليلاً ونهاراً، مذكراً لهم بنعمة الله عليهم، فقوبل ذلك بالعناد والإصرار على الكفر، فلما استيئس وظن وتيقن أنهم مصرون على تكذيبهم وعنادهم دعا ربه سبحانه، فاستجاب الله دعاءه فأغرق الكفرة المعاندين وأنجى المؤمنين الصادقين.

стр. 2

مقدمة بين يدي تفسير سورة نوح ﵇ الحمد لله رب العالمين، الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ يفه من روحه، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون، خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة في قرار مكين، ثم خلق النطفة علقة سوداء للناظرين، ثم خلق العلقة مضغة بقدر أكلة الماضغين، ثم خلق المضغة عظاماً كأساس لهذا البناء المتين، ثم كسا العظام لحماً هي له كالثوب للابسين، ثم أنشأه خلقاً آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين، ثم إنكم بعد ذلك لميتون، ثم إنكم يوم القيامة تبعثون. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين. أما بعد: فبعد أن انتهينا من سورة المعارج ننتقل إلى سورة نوح، هذا النبي الذي أرسله الله إلى قومه، فدعاهم إلى توحيده، وقد صور لنا القرآن الكريم تلك الدعوة التي قام بها نوح مع قومه، وعلى هذا سنقسم الموضوع إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ثناء الله على نوح ﵇. القسم الثاني: دعوته لقومه. القسم الثالث: دعاؤه على قومه، واستجابة الله له. أولاً: ثناء الله على نوح ﵇، فقد أثنى الله عليه في كتابه في مواضع عديدة، ففي سورة الإسراء يقول ربنا سبحانه: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء:٣]، فأثبت الله له صفة العبودية والشكر. يقول الحافظ ابن كثير: والشكر بالقول والقلب والجوارح، وهو أعم من الحمد، وبينهما عموم وخصوص، فالشكر أعم من الحمد؛ لأن الحمد يكون بالقلب وباللسان، بينما الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح، والله يقول: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣]. يقول الزمخشري: كان إذا أكل حمد الله، فقال: الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني، وإذا شرب حمد الله، وقال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني، وإذا لبس حمد الله، وقال: الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني، فقال الله في وصفه: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء:٣]، فجوارحه التي أعطاه الله إياها يسخرها في طاعة ربه ، وهو أول رسول إلى البشر، فإن قال قائل: وآدم؟ قلنا: نعم، لكننا نقول: أول رسول إلى البشر، لأن آدم يوم أن بعث لم يكن على الأرض بشر، بينما نوح يوم أن بعث كان على الأرض بشر، وهذا بنص حديث البخاري، وأثنى الله عليه أيضاً باعتباره أحد أولي العزم من الرسل، ففي الصحيح: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلها على توحيد الله ، والقرن إما أن يكون جيلاً، وإما أن يكون مائة سنة. وقد دعا قومه إلى التوحيد، لكن القوم حادوا عن عبادة ربهم لأناس صالحين، قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣] قال: إنها أسماء أناس من الصالحين، لما نسخ العلم -أي: رفع من القوم- عبدوهم من دون الله . إذاً: مدخل الشرك للبشرية كان بالمغالاة في الصالحين، لذلك يوم أن نقول: يا قوم لا تغالوا في حبهم للدرجة التي تعبدونهم من دون الله؛ لأن ذلك يجر إلى الشرك والعياذ بالله. أيضاً من ثناء الله على نوح: أن الله جعل في ذريته النبوة والكتاب، فقال عنه وعن إبراهيم ﵉: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد:٢٦]، فما من نبي إلا وينتهي نسبه إلى نوح ﵇، لأنه أول رسول إلى أهل الأرض. إن دعوة نوح لقومه تصورها هذه السورة وسور أخرى، كسورة هود والأعراف ويونس؛ وقد وردت قصة نوح في أكثر من موضع في كتاب الله ، والدعوة إلى الله تحتاج إلى جهد وإلى مال؛ لأن أي دعوة بلا مادة لا تستطيع أن تواصل الرسالة، فضلاً عن الحرب التي تواجهها هذه الدعوة من كل قوى الدنيا بأسرها، لكنهم -والله- واهمون؛ لأن دعوة الله لن ولم تستطع أي قوة أن تخمدها؛ لأنها نور الله. فسيظهر دين رب العالمين، وانظروا إلى هذه البشرى من رسول الله ﷺ كما في سنن أبي داود: (عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب ظهور الملحمة، وظهور الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية ظهور الدجال)، فالحديث يبين أن هناك معركة تسمى بالملحمة،

стр. 3

تفسير قوله تعالى: (إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم) قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح:١ - ٧]، أي: وضعوا الثياب على الرءوس. ﴿وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح:٧ - ١٤]. جاء نوح إلى قومه فقال لهم: يا قوم إني لكم نذير أنذركم عذاب ربكم سبحانه، وأحذركم من عذابه في الدنيا والآخرة، وهذا يشير إلى أن دعوة الأنبياء تقوم على الترهيب والترغيب، فرهبهم وخوفهم من عذاب الله. قال تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [نوح:٣]، وهذه وظيفة الأنبياء جميعاً، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، فالكل يشترك في الدعوة إلى توحيد الله وإلى عبادة الله، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل:٣٦]، لماذا؟ ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، فكل رسول يأتي إلى قومه يقول لهم: اعبدوا الله العبادة بمعناها الشامل، أي: مع كمال الذل وكمال الحب، كما يقول شيخ الإسلام، فالذي يعبد الله يحب الله، ويذل نفسه لله، ويستقيم على أمره. والعبادة أنواع: قولية، وبدنية، وقلبية، ومالية، وكلها يصرفها المسلم لله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام:١٦٢]، أي: ذبحي، ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ [الأنعام:١٦٢]، لمن؟ ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. ولذلك لما أرسل النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن قبل موته بعام واحد، قال له: (يا معاذ إنك قادم على أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: لا إله إلا الله، فإن هم أجابوك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أجابوك فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، وإياك ودعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)، فبيَّن له منهج الدعوة إلى الله، منهج الدعوة إلى التوحيد بمعناه الشامل، ولذلك أي دعوة تبدأ بدون التوحيد تتخبط يميناً ويساراً، وقد مكث نوح في قومه يدعوهم إلى التوحيد الشامل فترة من الزمن، بينها الله في قوله: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت:١٤]، فما آمن معه إلا القليل، قال تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]، والقليل هذا في كل سنة اثنان فقط، إعراض واستكبار وعناد، وهذا يعلمنا أمراً مهماً، ألا وهو: أننا لا نملك القلوب وإنما الذي يملك القلوب هو علام الغيوب، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢]. ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٨]، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢١ - ٢٢]، فوظيفتنا أن ندعو فقط. ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:١٧]. فالذي هداه الله يفتح قلبه للإيمان، ولذلك في حديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم: (أن النبي ﷺ دخل على عمه أبي ط

стр. 4

تفسير قوله تعالى: (رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً) قال الله على لسان نبيه نوح ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ [نوح:٥]، إذاً فالدعوة لا تقتصر على خطبة على المنبر، أو على موعظة في المسجد، فالدعوة إلى الله في كل وقت وفي كل زمان، فالمدرس قبل أن يبدأ الشرح يقول: باسم الله، توكلنا على الله. ثم يحدث الأولاد عن مسألة في العقيدة؛ ليبين لهم العقيدة الصحيحة، ويربط بين النظريات العلمية وبين بعض الأمور الشرعية، وإذا أذن الظهر أمرهم بالإنصات والاستماع للمؤذن، فإن النبي ﷺ قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول)، وهذا نبي الله يوسف في السجن مظلوم، لأنه رفض الزنا، وهذا دأب مجتمعات الفاحشة، رجل يرفض الزنا مصيره إلى السجن، وبعد أن شهد الشاهد وقامت الأدلة وعرف الزوج الديوث أن زوجته متهمة قال: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف:٢٩] الله أكبر! يا خيبة الرجال! استغفري، أنت عبرت عن رأيك، أرأيتم الرجل؟ لم يأخذ موقفاً حماسياً أو انفعالياً لعرضه، ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٢٩]، لم تعملي شيئاً، ثم قالت الزوجة لزوجها عبارة نجدها في مجتمع الفراعنة، فيتخذ القرار فرعون، وتصنع القرار المرأة، ففرق بين صناعة القرار واتخاذ القرار، فالاتخاذ للأكبر، والصناعة للمرأة، ولازم الاستماع لها-: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ﴾ [يوسف:٢٥]، أي: نسجنه، فهي أرادت السجن، فسمعاً وطاعة لها، ولا يستطيع الرجل أن يخالفها؛ لأنها الآمرة، ولذلك سجن يوسف بضع سنين؛ لأنه أبى الفاحشة في مجتمع الفاحشة، وصدق من قال: اثنان لا يشعر بهما كثير من الناس: موت الفقير، وفجور الغني. فالفقير حينما يموت لا يشعر به أحد، والغني حينما يفجر يفجر خلف الأسوار دون أن يراه أحد، لكن مع هذا كله دعا يوسف إلى الله وهو في السجن، ولم يظل يائساً قانطاً، وهكذا المسلم داعية إلى الله في السجن، وفي المترو، وفي الأوتوبيس، وفي كل مكان، فالدعوة إلى الله شغله الشاغل، هواؤه، تنفسه، نومه، استيقاظه، حركاته دعوة إلى الله، ولهذا يوم أن يكون هذا هو المنهج ستنجو الأمة بفضل الله . فإن سمعت كلمة في المسجد فبلِّغ: (بلغوا عني ولو آية)، فنحن أمة بلاغ ودعوة، والأمر فيها لكل أفرادها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، لماذا؟ ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فلو رأيت تاجراً لا يصلي فقل له: تعال، لماذا لم تصل؟ ادعه بالحسنى، تودد إليه بزيارة، بعيادته إن مرض، عند ذلك سيسمع كلامك، وسيدخل المسجد، وكن كالنخلة يرميها الناس بالحجارة فتعطيهم رطباً جنياً، فهذا هو الداعية الفعال في المجتمع لا الداعية السلبي، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾ [القصص:٢٣]، يعني: جماعة من الرجال يسقون، ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص:٢٣]، أي: تبعدان عن الحوض بغنمهما، فماذا قال لهما؟ ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ [القصص:٢٣]، فهذا هو الداعية، ولم يقل: أنا مالي أو غيرها من الألفاظ السلبية، لا، ولذلك حتى لا تغرق السفينة، فنحن نركب سفينة واحدة كما بين ذلك النبي ﷺ : (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم ركبوا سفينة)، فالسفينة تحمل المصلي وتارك الصلاة، المزكي وتارك الزكاة، المحجبة المنتقبة والمتبرجة المبنطلة، العلماني والسلفي، فتحمل الكل في تيار واحد، (فقال الذين في أسفلها -أي: المتحللين من الشرع-: لو أننا خرقنا في نصيبنا خرقاً لنحصل على الماء حتى نشرب)، أي: لازلنا نصعد الدور الثاني، فلماذا لا نخرق خرقاً في نصيبنا، (فإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً، وإن تركوهم غرقوا وغرقوا جميعاً)، فيا من تخرقون السفينة سيغرق الجميع، لكن لن نترككم أبداً، وإنما سنأخذ على أيديكم بأمر نبينا ﷺ ، وإن آذيتمونا، وإن أعرضتم وأغلقتم الآذان المنافذ سنقول، ونعلن، ونواصل، فإن الله قال على لسان نوح: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ [نوح:٥].

стр. 5

تفسير قوله تعالى: (فلم يزدهم دعائي إلا فراراً) قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح:٦]، نتيجة عكسية، فكلما دعا إلى الله فروا منه. أعتقد لو أن داعية منا جاء من مسافة مائتي كيلو فيرى اثنين فقط يحضرا الدرس لاستنكف عن ذلك، ولربما قال: أنا أحتاج إلى جمهور كبير، وإلى مُكبِّر أصوات، لا يا عبد الله، فواحد فقط يجلس بين يديك ليستمع ادعه، فربما يكون في هذا الرجل الخير دون أن تشعر، ثم قال الله : ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح:٧]، دعوتهم لماذا؟ لتغفر لهم، الله أكبر! فإلى ماذا نحن ندعو القوم؟ نحن ندعو القوم إلى الصلاة، الزكاة، الاحتشام والالتزام بالحجاب، عدم أكل الربا، امتثال أوامر الله، عدم الاختلاط بين الرجال والنساء، فهذه دعاوى لا أحد يطعن فيها إلا من كان في قبله مرض، وصدق الله حينما جاء لوط إلى قومه يدعوهم إلى ترك الفاحشة، وعدم إتيان الذكور من دون الإناث، والمجاهرة بذلك في قارعة الطريق، قالوا: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل:٥٦]، فالتهمة أنهم يتطهرون، ثم انظر إلى قولهم: ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ [النمل:٥٦]، أي: أن البلد بلدنا، وهؤلاء شرذمة وعصبة تخرج عن الشرعية والقانون، وقوله: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود:٢٧]، أي: حفنة قليلة عاطلة لا تقدم ولا تؤخر، وليس لهم رأي، ولا يشكلون شيئاً في المجتمع، فهذه أوصاف وشعارات نجدها في زمننا اليوم، فدائماً وأبداً دعاة الطهارة هم الذين يضطهدون ويُخرجون من مجتمعات المعصية، فاثبت يا مسلم على الطريق، فهذا الإمام أحمد إمام أهل السنة والجماعة يدون ويكتب العلم بعد أن تقدم به السن، هذا الإمام الذي ولد ببغداد ومات ببغداد وشيع جنازته ألف ألف رجل، أي: مليون موحد تبعوا جنازة ابن حنبل، وكان يجلس يومها ليحدث الناس في بغداد، مات ابن حنبل سنة (٢٤١هــ) في عهد الدولة العباسية، وذلك أيام أن كانت بغداد عاصمة للخلافة الإسلامية في عهد الدولة العباسية، واليوم يجتمع الجنرالات الأمريكيون في عقر دار بغداد ليخططوا لأمر: هو من يدفع الفاتورة؟ والذي يدفع الفاتورة معلوم، ولكننا لا نفقه إلا بعد فوات الأوان، ولا نعلم إلا بعد أن تقع المصيبة، قوم لا يفقهون هذا سمت أهل النفاق، أما أهل الإيمان فيعرفون، فيا عبد الله رجل جاء ليعتدي ويسرق بالبلايين، الإحصائية تقول: مائة وتسعة وثلاثين بليون دولار أنفقت على هذه المعركة، لابد من أخذ المقابل، وإلا أكون سفيهاً، أنفق مائة وتسعة وثلاثين بليوناً ولا أحصل على جنيه واحد، فلن أخرج حتى آخذ الفاتورة وفوائد الفاتورة وما بعد الفاتورة، وهذا كلام لا يختلف فيه اثنان، ولا ينتطح فيه عنزان، ولكن القوم أحياناً لا يفقهون، أو يفقهون ويصرون على عدم الفقه. أقول هذه القول، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 6

تفسير قوله تعالى: (وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكباراً) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. وبعد: فقال تعالى: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا﴾ [نوح:٧]، أي: على كفرهم، ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح:٧]، أي: عن الإجابة لدعوة الله . ثم قال نوح: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ [نوح:٨]، أي: دعوتهم دعوة علانية، ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح:٩]، فكانت الدعوة جهرية وسرية، مستخدماً كل وسائل الدعوة، فردية، جماعية، لكن القوم أعرضوا وأبوا إلا الكفر، والأعجب أنه قد مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً وهو يدعوهم إلى توحيد الله، حتى أوحى الله إليه، ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود:٣٦]، فبعد هذا الوحي تيقن نوح أنه لا استجابة من القوم، عند ذلك دعا على قومه بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا * رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح:٢٦ - ٢٨]، فقصة نوح طويلة، وفيها من الدروس والعبر ما فيها. وأختم هذا الحديث بالتحذير من كتاب مع الباعة في الأكشاك، يباع على مرأى من الجميع، ويحمل هذه العنوان: (أخطاء ابن تيمية في حق رسول الله وأهل بيته)، ابن تيمية أنا لا أقوم بدعاية للكتاب حتى تشتروه، لا، وإنما يقوم بذلك أهل العلم والتخصص، حتى يردوا على هذا الكتاب، ولا نكون هكذا ككتاب (هرمجدون) الذي أصدره مؤلفه وقال فيه بالحرف الواحد: وسينتصر السفياني في المعركة الثانية، فأين السفياني يا عبد الله؟! إننا لم نره بعد، لكن هذا المؤلف قال: إن حاكم العراق يسمى السفياني وسينتصر ويئول الحكم إلى ولده. فلم نر سفياني، ولم نر ولد السفياني، وعليه فلا داعي أن تعلل النصوص: فدع عنك الكتابة لست منها ولو سودت وجهك بالمدادِ. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار. اللهم إنا نسألك أن تنصر الإسلام وأن تعز المسلمين، وأن تذل الشرك والمشركين، برحمتك يا أرحم الراحمين استجب لدعاء الموحدين. اللهم عليك بأعداء دينك، فإنهم لا يعجزونك. اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، وجلاء همنا وغمنا، ونور أبصارنا، علمنا من القرآن ما جهلنا، ذكرنا من القرآن ما نسينا. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. نعوذ بك يا رب من قلب لا يخشع، ومن دعوة لا ترفع، ومن عين لا تدمع. نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين. اللهم ارزقنا حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك. اللهم انصر الإسلام في ربوع الأرض يا رب العالمين. اللهم اشدد وطأتك على كل أعداء دينك، اللهم زلزل بهم الأرض، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً، شتت يا رب شملهم، فرق يا رب جمعهم. اللهم منزل الكتاب، هازم الأحزاب، مجري السحاب، اهزمهم وانصرنا عليهم، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وأنت حسبنا ونعمل وكيل. اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وارزقنا عند الاحتضار شهادة، وارزقنا بعد الموت جنة ونعيماً. ارزقنا الشهادة في سبيلك، اللهم متعنا بالشهادة في سبيلك، اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك، فإنك على كل شيء قدير. اللهم من أرادنا والإسلام بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا والإسلام بشر فاجعل كيده في نحره، وأهلكه كما أهلكت ثمود وفرعون. اللهم انصر دينك في مشارق الأرض ومغاربها. اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً، وأسأل الله أن يتقبل منا ومنكم.

стр. 7

موقف الإمام أحمد من القائلين بخلق القرآن وصبره وثباته الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فهناك شريط هو في الحقيقة طيب، وأنا لست طرفاً فيه حتى لا يقول قائل: إن الشريط للشيخ وهو يعمل دعاية، وهو نصيحتي للشباب، هذا الشريط فيه أكثر من عشرة علماء: الشيخ: محمد حسان، والشيخ: أبو إسحاق وغيرهما، يحاورون الشباب في مشاكلهم الاجتماعية بشكل مباشر، فالحقيقة هو عمل طيب، فجزاهم الله عنا وعن الإسلام خيراً. إن قصة نوح ﵇ فيها من الدروس والعبر ما فيها لأصحاب الدعوات، والبلاء في حياة أصحاب الدعوة مما لا شك فيه، هو مَعْلَمٌ من معالم الطريق، وإن تحدثنا عن سيرة ابن حنبل فسيطول بنا الحديث، إلا أننا من الأهمية أن نتحدث عن سيرتهم؛ وقد قلت: إنه ولد في بغداد ومات فيها في عهد الدولة العباسية، وقد مر على بغداد خلفاء كثر من العباسيين، كـ هارون الرشيد ومن بعده كـ المأمون بن هارون الرشيد، ثم من بعد المأمون المعتصم، ثم الواثق، وهؤلاء هم الذين يهمنا في الموضوع، إذ قد تقرب علماء المعتزلة من المأمون، ودائماً وأبداً حينما تريد أن تؤثر على قرار لابد أن تتقرب إلى من يملك القرار، فعلماء المعتزلة تقربوا إلى المأمون حتى آمن بمعتقدهم، هذا المعتقد الفاسد الذي يقول بخلق القرآن! ومعلوم أن القرآن كلام الله، وكلام الله غير مخلوق؛ لأننا نقول: كل مخلوق يحتاج إلى خالق ومصيره إلى الفناء، وعليه فحينما نقول: إن كلام الله مخلوق، أي: أن الله لم يكن متكلماً ثم تكلم ومآل ذلك إلى الفناء، وهذا الكلام قدح بالله . ومن قال: إن القرآن مخلوق فهو زنديق، وهذا قول الإمام أحمد، وصفات الله قديمة، وأزلية، وأسماؤه هي ذاته، فلا فرق بين الاسم والذات، لأنك إن قلت: الرحمن الرحيم، فالله هو الرحمن وهو أيضاً الرحيم، وكذلك إذا قلت: المؤمن المهيمن العزيز الجبار الغفار، فالله هو المؤمن والمهيمن والعزيز والجبار والغفار. إذاً: كل الأسماء هي ذاته، فلا فرق بين الأسماء والذات، وهذه نقطة مهمة جداً، وليس كما قالت الجهمية والمعتزلة: إن تعدد الأسماء يعني تعدد الذوات، وهذا يعتبر تشريكاً مع الله، وهو الشرك بذاته، يقول الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء:١١٠]، فالرحمن هو الله، ولا فرق بين الرحمن وبين الله، فأسماؤه هي ذاته، وهذه هي قواعد الأسماء والصفات المهمة جداً. فالمهم أن المعتزلة أقنعوا المأمون بأن القرآن مخلوق، فأرسل المأمون إلى أحمد إمام أهل السنة والجماعة، والذي كان يجتمع في مجلسه الواحد ليس عشرة آلاف أو خمسين ألفاً، بل مائة ألف، والناس تأتي إليه لتأخذ العلم منه، وقد جاء المأمون بعلماء بغداد كلهم فآمنوا كلهم بفكرة خلق القرآن، حتى وصل إلى ابن حنبل الذي قال: كلام ربي غير مخلوق، فقال له من أرسله الخليفة: ارجع عن هذا وإلا قتلناك، فهددوه بالقتل، وظل من حوله يساومونه في أن يقول هذه الكلمة تقية يتقي بها القتل، أو يحاول أن يقولها مكرهاً، وفرق بين إكراه العالم وإكراه المسلم العادي، فيوم أن تُكره أنت لا أحد يمشي خلفك، لكن عند يُكره العالم ويزل فهذه مصيبة عظمى؛ لأن زلة العالم زلة عالم؛ لأن العالم أسوة وقدوة، فـ أحمد لو قال: إن القرآن مخلوق من سيقلده؟ لاشك أن الناس العوام الذين يحضرون الدرس سيقلدونه في هذه الكلمة، فأبى أحمد ذلك. وبينما الإمام أحمد في طريقه إلى المأمون حتى ينفذ فيه إما القول وإما القتل، قال: يا رب اللهم لا تجمع بيني وبين المأمون أبداً، فجاءه الخبر بأن المأمون قد مات! فاستجاب الله لدعائه رحمه الله تعالى، فآل الحكم إلى المعتصم الذي سجن أحمد ثمانية وعشرين شهراً، أي: سنتين وأربعة شهور، حتى إنه كان يربطه في ذيل البغل ويجره في شوارع بغداد، وذلك تمثيلاً به، وأحمد يأبى أن يقولها، ومع ذلك كان يجلد جلداً عظيماً، وفعلوا به ما فعلوا على أن يقول: إن القرآن مخلوق، حتى قال له بعض العلماء: يا أحمد قل: هذا مخلوق وأشر إلى إصبعك تعريضاً، لكن الناس لا تفهم ذلك، فأنا أعرض على نفسي ولا أقصد القرآن حتى أنجو بنفسي من العذاب، لا؛ لأن زلة العالم زلة عالم، وهؤلاء علماء ربانيون، وهذا عالم يصدر فتوى في سبتمبر سنة (٨٩م) يقول فيها: إن فوائد البنوك حلال! وقبل ذلك في نفس العام وفي فبراير تصدر عنه فتوى تقول بحرمة فوائد البنوك، فيا عبد الله! اتق الله فأنت الذي قلت وأنت التي فكرت، وما الذي غير وجهة النظر من فبراير إلى سبتمبر؟! وبعد مرور زمن مات المعتصم، فجاء بعده الواثق العباسي، فأخرج

стр. 8

الابتلاء الذي تعرض له الإمام مالك بن أنس بسبب فتوى عدم وقوع طلاق المكره إن فتنة العلماء وبلاء العلماء أمر معروف ومعلوم، فلا تجد عالماً من علماء السلف ليس له بلاء، وإنما لابد أن يبتلى، فالإمام مالك قد ابتلي في طلاق المكره، وذلك عندما ولي أمر المدينة والٍ بالإكراه، وفي مجلس للإمام سأل أحدهم الإمام: هل يقع طلاق المكره؟ فالسؤال عن الطلاق، لكن المعنى في بطن الشاعر، فقال مالك: طلاق المكره لا يقع. إذاً: بالقياس بيعة المكره لا تقع، فانتقلت هذه الفتوى ووصلت إلى والي المدينة، فاستدعى الإمام مالكاً رحمه الله تعالى، وطلب منه الرجوع عن هذه الفتوى والقول بوقوع طلاق المكره، وهذه فتوى تسمى بحسب الطلب، فرفض ذلك الإمام مالك ﵀، فجلده الوالي جلداً شديداً حتى شلت إحدى يديه، فكان لا يستطيع أن يضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، وهذا هو السبب في أن مالكاً كان لا يضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، وهذا كله إن دل فإنما يدل على أن العلم أمانة، وأن الدين أمانة، فإن قلتها مت، وإن لم تقلها مت، فقلها ومت عزيزاً رافع الرأس، وفي الأخير فالبلاء في سيرة السلف متعدد لكن المقام لا يتسع لأكثر من هذا.

стр. 9

الأسئلة

стр. 10

حكم دخول الصلاة بدون تكبيرة الإحرام السؤال هل يجوز الدخول في الصلاة من غير تكبيرة الإحرام؟ الجواب لا، وعليه فالصلاة باطلة؛ لأن تكبيرة الإحرام ركن من أركانها، قال ﷺ : (وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم)، فلا يجوز أن تصلي بدون تكبيرة الإحرام بإجماع أهل العلم.

стр. 11

حكم نسيان المصلي لركن من أركان الصلاة السؤال ما حكم لو نسي المصلي ركناً من أركان الصلاة؟ الجواب يعيد الصلاة من البداية، ولا يجبر ذلك سجود السهو، وإنما لابد أن يحصل الركن.

стр. 12

حكم إدراك الإمام وهو راكع السؤال بعض الناس يأتي إلى الصلاة والإمام راكع، فهل يكتفي بتكبيرة واحدة أم لابد من تكبيرتين: تكبيرة الإحرام، وتكبيرة الإنتقال؟ الجواب من الخطأ الكبير أن يجيء المصلي ويجد القوم ركوعاً، فيركع دون أن يكبر للإحرام، فهذا خطأ فادح يترتب عليه بطلان الصلاة؛ لأنه لابد أن يكبر للإحرام قائماً، ثم يكبر للركوع تكبيرة الانتقال، ولا يجوز أن يجعل تكبيرة الانتقال هي تكبيرة الإحرام.

стр. 13

حكم تغطية المرأة لقدميها في الصلاة السؤال هل تغطية المرأة لقدميها في الصلاة ضروري أم لا؟ الجواب نعم، لما ورد في سنن أبي داود أن المرأة ينبغي عليها أن تغطي ظهور قدميها، والله تعالى أعلم.

стр. 14

حكم انصراف الأستاذ من المدرسة بعد أداء حصته والعودة إليها في وقت الانصراف السؤال أعمل مدرساً بإحدى المدارس، وأحياناً في بعض الأيام تكون لدي الحصة الأولى فقط، وأكون غير مكلف بأي عمل بعد ذلك، فهل يجوز لي الانصراف، ثم العودة مرة أخرى للمدرسة في موعد الانصراف؟ الجواب لا يجوز لمدرس وقع على عقد عمل من الثامنة إلى الثانية، وعنده الحصة الأولى أو الثانية فقط أن يدرسها وينصرف، وإنما يجلس في المدرسة حتى انتهاء الوقت؛ لأنه ربما قد يحتاجونه بدل أستاذ آخر، وأيضاً هو قد وقع عقداً يسمى عند الفقهاء: عقد حبس وقت، فأنت تحصل على مرتب مقابل وقت وليس مقابل عمل، فأنت مكلف فيه بعمل إن استدعيناك، فمثلاً: أنا درست الحصة الأولى وجلست، وعندي الحصة الرابعة الساعة الواحدة، فأجلس من الساعة العاشرة إلى الواحدة، فربما أكلف بعمل إضافي، ربما تحدث ظروف بالمدرسة إلى غير ذلك، فالعقد حبس وقت، مثله تماماً كرجل يفتح محلاً تجارياً وجاء بشاب يعمل فيه فظل المحل لا يأتيه أحد إلى الساعة الواحدة، فقال الشاب: سأقفل المحل إلى الساعة الواحدة؛ لأنه لا أحد يأتي الصباح، فقال المالك: أنت عليك أن تفتح من الساعة الثامنة، وتجلس، فإن جاء زبون فأهلاً، ولم يأت فأنت لست مسئولاً؛ عملك حبس وقت، والله تعالى أعلم. وهذا بخلاف الإجازات، فالإجازات ورديات بترتيب المدير، وهذه مسألة ثانية.

стр. 15

حكم تعامل الإنسي مع الجني السؤال هل من الممكن أن يخدم الجن الإنس لصلاحه أو تقواه، كما قال الشيخ ابن عثيمين في القول المفيد؟ الجواب الحقيقة ليس عندي علم بأن هذا قد قاله الشيخ، وإنما حد علمي أنه لا يجوز للإنسي أن يتعامل مع الجن، حتى وإن كان مؤمناً.

стр. 16

حكم قيام الليل جماعة بترتيب مسبق السؤال ما حكم قيام الليل في جماعة، حيث إن البعض قد قال: إن الشيخ ابن باز قد أجاز ذلك؟ الجواب كذاب من نسب هذا إلى الشيخ ابن باز، لأن قيام الليل في جماعة بترتيب وبدعاء سابق بدعة، لما ورد عند البخاري رحمه الله تعالى من حديث ابن عباس ﵁ أنه قال: (بت عند خالتي ميمونة فقام النبي يصلي بالليل، فقمت فصليت عن يساره، فجذبني النبي ﷺ وجعلني عن يمينه)، وابن عباس لم يرتب القيام مع رسول الله، ولم يخبره ﷺ أنه سيقوم الليلة، إن كنت تصلي منفرداً قدراً وجاء من يصلي خلفك دون ترتيب فلا بأس، أما أن تقول: غداً سنصلي جماعة، فهذا لم يؤثر عن السلف رحمهم الله تعالى، لا في عصر الصحابة ولا في عصر التابعين، وإنما قيام رمضان فقط في جماعة، أما ما سوى رمضان فلم يؤثر عن السلف أنهم دعوا إلى جماعة ثم رتبوا لها، فهذا من الأمور المحدثة التي لا دليل عليها، والبعض قد يقول: ألا تأتون لنصلي ركعتين غداً جماعة وندعو للعراق! فهل النبي محمد ﷺ قال لأصحابه يوماً: هيا نصلي ركعتين وندعو على قريش؟ أو غداً يوم الخميس الكل يصوم ويدعو لأجل العراق، لا، فكل هذا من الأمور المحدثة، لكن يمكن أن نقول: إن من أوقات الإجابة الدعاء بعد الطاعة، فأطيعوا ربكم بالصلاة، بقراءة القرآن، بالصيام، بالإنفاق ثم ادعوا، وعليه تكون قد فتحت الباب للعبادة، لا أن تجمع الناس على عبادة وأنت مبتدع في ذلك، وإن فعلت ولويت عنق النصوص فقل ما شئت وأنت وشأنك، والله أعلم.

стр. 17

خروج الزوجة من بدعية الدعوة إلى قيام الليل في جماعة بترتيب مسبق السؤال هل تدخل الزوجة تحت بدعية الدعوة إلى قيام الليل في جماعة بترتيب مسبق؟ الجواب لا، فالزوجة تدعوها وتقول لها: إن شاء الله سنصلي قيام الليل في جماعة، فتقوم أنت وتقوم هي خلفك؛ لقول النبي ﷺ : (رحم الله زوجاً قام من الليل وأيقظ زوجته، فإن هي أبت نضح في وجهها الماء)، فالزوجة تبع للزوج، فإن قام يصلي صلت خلفه، لكن إن قال: إن شاء الله يوم الثلاثاء سنصلي في مسجد كذا في المكان الفلاني جماعة لأجل أن تدعو على الله، فهذا بدعة؛ لأنه ما أثر عن السلف أنهم كانوا يجمعون الناس بعد رمضان، فنحن متبعون ولسنا أهل بدعة، والله تعالى أعلم.

стр. 18

حكم زيارة القبور للنساء السؤال ما حكم زيارة القبور للنساء؟ الجواب جائز، لكن بضوابط شرعية: الأول: ألا تخرج متعطرة. الثاني: ألا تختلط بالرجال. الثالث: ألا تكرر الزيارة. الرابع: ألا تأتي بفعل من أفعال الجاهلية. والأدلة على ذلك كثيرة.

стр. 19

حكم زيارة القبور في الأعياد السؤال ما حكم زيارة القبور في الأعياد؟ الجواب لا يجوز زيارة القبور في الأعياد، سواء للرجال أو للنساء، ومن الجهل أن تجد في القرى أنهم يحتفلون بالعيد مع الأموات، فتجد الأسرة أو العائلة تذهب إلى القبور وتجلس بجوارها، ويأتي الشيخ فيقرأ من بداية سورة (يس) ويعطى مقابل ذلك، وبعض الناس ليس بحافظ قرآن، نسأل الله العافية، وهذه مصيبة من مصائب الدهر، فزيارة القبور في الأعياد لا تجوز.

стр. 20

حكم تجاوز مدة دم الحيض للمرأة التي لها عادة معينة السؤال زوجة مدة حيضها خمسة أيام، وبعد تركيب شريط أصبح مدة الحيض عشرة أيام، فهل يجوز للزوج أن يجامعها بعد الخمسة الأيام أم لا؟ الجواب إن كان الدم الذي ينزل بعد الخمسة الأيام دم حيض معروف بلونه، معروف بصفاته فلا يجوز لزوجها أن يجامعها، أما إن كان دم استحاضة فيجوز والله تعالى أعلم. والنساء تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: امرأة معتادة، أي: لها عادة شهرية معينة، كخمسة أيام في الشهر. الثاني: امرأة لها مثيلات، يعني: نظيرات من بني جنسها، فتنظر إلى بني جنسها فتمكث قدر المدة التي تمكثها نساء بني جنسها. الثالث: امرأة تنتظر المدة الزمنية؛ لقول النبي ﷺ لـ فاطمة بنت قيس: (انتظري المدة التي كنتِ تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي).

стр. 21

حكم مرور المرأة بين يدي المصلي السؤال هل مرور المرأة أمام المصلي تقطع الصلاة أم لا؟ وهل إذا وجد إمام يكون سترة للمأمومين ومرر النساء بينهم هل تقطع الصلاة أم لا؟ الجواب هذه المسألة فيها خلاف، قال النبي ﷺ (يقطع الصلاة: المرأة والحمار، والكلب الأسود)، وفي البخاري (قالت أمنا عائشة: بئسما سويتمونا بالحمار والكلب، فقد كان النبي ﷺ يصلي وأنا بين يديه)، يعني: أنها كانت تنام أمامه وهو يصلي، لكن يقول ابن حجر في الفتح: وهذا قياس في غير موضعه؛ لأنها لم تمر، وإنما كانت نائمة، وعليه فالراجح من أقوال العلماء: أن مرور المرأة لا يقطع الصلاة، وإنما يقلل الأجر، والله تعالى أعلم.

стр. 22

حكم التسبيح بالسبحة بعد الصلاة وغيرها السؤال ما حكم التسبيح بالمسبحة بعد كل صلاة أو في أي وقت، وهل هي بدعة؟ الجواب المسبحة فيها خلاف، والراجح من أقوال العلماء: أنه لا يجوز أن تستعمل المسبحة بعد الصلاة في الذكر المقيد، يعني: يكون التسبيح بالأصابع، ويجوز أن تستخدم في الذكر المطلق، شريطة ألا تحمل في اليد أثناء السير، وإنما تسبح وتضعها في المكان، وهذا اختيار بعض العلماء، فإذا أردت أن تقول: لا إله إلا الله مائة مرة، فعد المائة وضعها في نفس المكان، والراجح عدم الاستخدام، والعقد على الأصابع وعلى الأنامل أفضل، والله تعالى أعلم، وحديث جويرية فيه ضعف عند بعض العلماء.

стр. 23

حكم الجهاد في العراق السؤال تحت راية من الجهاد في العراق: تحت راية صدام، أم حزب البعث الكافر، أم تحت راية الشيعة، أم تحت راية الأكراد، أم تحت راية نصرة المستضعفين ما وجه الإفادة؟ الجواب الجهاد لا يكون فرضاً عينياً إلا في حالتين: الأولى: إذا دخل العدو إلى بلدك، فيصبح الجهاد فرض عين عليك. الثانية: إذا كان للأمة إمام مسلم ودعا إلى الجهاد، فيلزمك أن تخرج. لكن بعض الإخوة يقول: نريد أن نخرج إلى الجهاد في العراق، فهل يجوز لنا ذلك؟ فيا أخي! أين الخليفة الذي تقاتل تحت رايته؟ وأين الراية التي يعقد بها الجهاد؟ وهل أنت على دراية بالأرض؟ وهل تستطيع أن تقاتل في تنظيم أو بشكل تؤثر فيه على العدو؟ لكن بعضهم يذهب وهو لا يعرف سيقاتل تحت راية من؟ ولا سيواجه من؟ ولا يعرف طبيعة الأرض، ولا معه سلاح، لكن قد يقول قائل: الشيخ يثبط الهمم، ويثبط العزائم، ومعلوم أن أمة الإسلام تنتهك! لا، فالنبي ﷺ لم يجاهد في مكة مباشرة، وإنما جاهد بعد أن أقام دولة في المدينة ولها خليفة، والجهاد أيضاً له متطلبات، وليس أي شيء يحدث هيا إلى الجهاد، مثل: مسيرة المليون، لا لضرب العراق! وفي آخر النهار رقص وغناء، ثم يا مسلم هل هذا كلام يقوله عاقل؟! ونحن نرى أن خلفنا منكرات كثيرة جداً، ثم ماذا صنعت لنا المظاهرات في قضية فلسطين؟ يا أخي، استح على دمك، ومن منظرك. أيضاً ما يحدث من اختلاط النساء بالرجال في مثل هذه المظاهرات، والأعجب أن تجد من يقول لك: الذي لا يخرج إلى المظاهرة آثم وعاصي! فما هذا الكلام يا مسلم! فاتق الله في دينك، وكفاك تقليداً، فالمظاهرات بدعة أوروبية مستوردة لمص حماس الجماهير المنفعلة انفعالاً عاطفياً، نصف ساعة يظاهر ثم يذهب للنوم، والعراق تحتل من الأمريكان وهو يقول: خلاص يكفي، فقد خرجت في المظاهرة، وهذا مثل بني إسرائيل: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ﴾ [البقرة:٢٤٦]، أي: نريد القتال، بالروح بالدم، ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا﴾ [البقرة:٢٤٦]، فأنا أثق في أن هذا الذي يفرط في الصلاة سيفرط في غيرها، وصدق الشاعر إذ يقول: لابد من صنع الرجال ومثله صنع السلاح لا يصنع الأبطال إلا في مساجدنا الفساح في روضة القرآن في ظل الأحاديث الصحاح شعب بغير عقيدة ورق تذريه الرياح من خان حي على الصلاة يخون حي على الكفاح فالذي لا يستجيب لحي على الصلاة في الفجر لا يستجيب لحي على الكفاح في أرض المعركة، فيستيقظ في الساعة العاشرة صباحاً ويريد أن يجاهد! أولاً: جاهد نفسك على صلاة الفجر، جاهد نفسك على ترك القنوات الفضائية الفاضحة، جاهد نفسك على أن تلتزم أسرتك بالحجاب الشرعي، ثم أين سمتك الإسلامي؟ وهل الإسلام شعارات؟! كفانا شعارات وهتافات كاذبة، إنما نريد الالتزام بالعقيدة وبالسمت وبمنهج السلف، وهذه الفرق الضالة أقسم لكم بالله لم نحصد منها إلا العلقم والمر، وهذا مستهدف من قبل الأعداء، والله تعالى أعلم. وإن من هذه الفرق أو الأحزاب الضالة: حزب البعث المعروف بعقيدته، هذا الحزب الذي أسسه النصراني: ميشيل عفلق، وكان من أول تلامذته صدام، وحزب البعث حزب لا يؤمن بالغيبيات، فلا يؤمن إلا بكل ما هو محسوس، ونحن عندما نقول هذا لا نداهن العدو المحتل لأرض المسلمين، وإنما يجب على أهل البلد على اختلاف عقائدهم، فالشيعة إلى جوار أهل السنة يلزمهم الجهاد ضد العدو، والوقوف أمام وجهه بالمرصاد، وكذلك من عقيدته سني والآخر أشعري يلزمهم الاتحاد فيما بينهم والوقوف أمام العدو المحتل، وهذا الكلام لابد أن يكون معلوماً.

стр. 24

حكم الحلف بالطلاق السؤال مع زوجتي مبلغ يخصني، وقد اشترت لابنتها المتزوجة شيئاً دون علمي وإذني، وقبل أن تعطي الشيء لابنتها حلفت بالطلاق لو أن هذا الشيء أعطت ابنتها تكون طالقاً، فخرجت زوجتي إلى بيت أبيها، وكان الحلف أمام والدتي وزوجتي، وقد علمت من ابني الكبير بأن والدتي قد أرسلت الشيء لبنتي، فما رأي الدين في ذلك؟ الجواب الطلاق قضاء وليس إفتاء، أي: أن الطلاق لابد فيه من الزوج والزوجة، لأنه قضاء بين طرفين وليس فتوى وَرَقِية، والله تعالى أعلم.

стр. 25

حرمة الكلام في العلماء السؤال ما حكم الخروج مع بعض الجماعات للتوعية الدينية وسماع الخطب الدينية، والبعض قد يتحدث في بعض المشايخ الكبار عن طريق (الإنترنت) مثل: الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي؟ الجواب ظاهرة سب العلماء ظاهرة سيئة، وأنا لا أدافع عن عالم بعينه، وإنما لابد أن نعلم أن عدم احترام العلماء هو عمل السفهاء؛ لأن لحوم العلماء مسمومة، وهذه مسألة لا تحتاج إلى كلام! وحينما أتعرض لعالم بالسب فهذا معناه أنني أسقط هذا العالم من أعين الناس، لا لشيء؛ وإنما لأنه قد أخطأ في فتوى، وهذا وارد، لكن لي أن أصحح الفتوى دون تجريح، فأقول: قال بعض أهل العلم كذا والصحيح كذا، لا أن أذكره بإثم وأجرح وأطعن، فهذا عمل من لا خلاق عندهم ولا ورع. ولقد اختلف السلف فيما بينهم فما رأينا يوماً هذا يسب في هذا، وإنما كانوا يقولون: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب. ففيه رحمة وود، والتجريح ليس سمة طالب العلم الورع، وليس معنى ذلك أنني أسكت عن أشياء وأمور، لا، فهناك أمور أتحدث فيها بجراءة، لكن دون ذكر الأسماء، كان ﷺ يقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا). وصاحب الأمر موجود، فيقولون: إنه كان يعرض حتى لا يسبب حرجاً لأحد، أما أن تصعد على منبر أو أن تكون في جماعة، كما أرسل لي أحد طلبة العلم يقول: أقول لأحد الإخوة: إن هناك درساً للشيخ الفلاني في العزيز بعد الجمعة، فقال: الشيخ سروري! فقلت له ماذا تعني بقولك: سروري؟ فقال: أنا سمعت الكلام هذا من الشيخ الفلاني يقول فيه كذا، حسناً، الشيخ الفلاني يقول ذلك وأنت مالك يا قزم؟ فأنت قزم لا تقدح في العالم، وتنقل كلام العلماء بعضهم لبعض؟! فاتق الله يا مسلم! ولا تقول: الشيخ فلان يقول في الشيخ علان كذا، وهذا يسمى تناطح الأقران، أي: صراع الأقران، وصراع الأقران يطوى ولا يروى، والأقران هم أبناء الجيل الواحد والزمن الواحد، ومعنى تطوى: أي: كأنك لم تسمع شيئاً، ولا يكن ديدنك الشيخ الفلاني قال في الشيخ الفلاني كذا، والشيخ الفلاني رد على الشيخ الفلاني بكذا وهكذا، لا، وإنما اسمع إلى كل إنسان وخذ منه الصواب ورد عليه الخطأ، أما لا تقرأ لفلان، أو لا تسمع لفلان، أو لا تذهب لفلان، فقد حرمت نفسك الكثير والكثير، ومن قال لك: اقرأ كذا ولا تقرأ كذا فقد اتهمك في عقلك؛ لأنه يعرفك أنك لا تميز، ولو تميز سيقول لك: اقرأ وميز، وكذلك القدح في الجماعات، فنقدح في المنهج دون تجريح الأشخاص، ونقول: جماعة كذا عندها خلل في الاعتقاد: والخلل كذا وكذا، والمهم أن هناك أدباً في نقد الرجال ونقد العلماء، لكن لا يمكن بحال أن نقبل أن يسب عالم من العلماء. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا. اللهم تقبل منا وارحمنا. آمين آمين. وجزاكم الله خيراً، وتقبل الله منا ومنكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 26

تفسير سورة القلم [١] العلماء هم ورثة الأنبياء، والعلم منزلة عظيمة وشرف لصاحبه ورفعة له في الدنيا والآخرة، والعلم يفتقر إلى العمل، فلا بد من العمل بالعلم؛ حتى يثمر العلم في صاحبه، وللعلم آداب ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم حتى ينتفع بعلمه وينفع به الناس، فإن العلم إن لم ينفع صاحبه فإنه يضره، ويكون حجة عليه أمام ربه يوم القيامة.

стр. 27

الإشارة إلى فضل العلم في سورة القلم الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وما بكم من نعمة فمن الله. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:٣]. خلقنا من عدم، وأطعمنا من جوع، وكسانا من عري، وهدانا بعد ضلال، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، والملأ الأعلى إلى يوم الدين. ثم أما بعد: فيا أيها الإخوة الكرام الأحباب! لقاؤنا اليوم مع سورة القلم، وسورة القلم هي السورة الثانية في جزء تبارك، وهي سورة مكية، أي: نزلت على النبي ﷺ قبل الهجرة؛ لأن معيار التفرقة بين المكي والمدني عند العلماء على الراجح من أقوالهم: أن المكي ما نزل قبل الهجرة وإن نزل خارج مكة، وأن المدني ما نزل بعد الهجرة وإن نزل بمكة، فهي سورة مكية عدد آياتها (٥٢) آية، افتتحها الله بقوله: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ * فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القلم:١ - ٧]. ولقاؤنا هذا مع قول الله سبحانه: ﴿وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١]، أقسم الله بالقلم لمنزلة العلم، ولمنزلة العلماء، وإشارة إلى فضل القلم الذي به يكتب العلم. قال المفسرون: إما أن يكون القلم هو القلم الذي كتب الأقدار، حيث قال نبينا ﵊: (أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة)، فكتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، أو كما قال ﵊. أو القلم هو كل قلم يكتب العلم ويسطره. ﴿وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١] أي: وما يكتبون، إشارة إلى منزلة العلم، ومن ثم حديثنا عن العلم وحقيقته، وفضل العلماء، وحكم طلب العلم، وآداب طلب العلم، وآداب طالب العلم مع نفسه، وآداب طالب العلم مع شيخه، وآداب التلقي لطلب العلم، ثم محاذير ينبغي أن ينتبه إليها طلاب العلم، هذا هو موضوع اللقاء، أسأل الله أن يرزقنا علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ونعوذ به من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع.

стр. 28

تعريف العلم لغةً واصطلاحاً العلم لغة عند العلماء: هو إدراك الشيء على حقيقته إدراكاً جازماً. هذا التعريف اللغوي، أما التعريف الاصطلاحي فالعلم: هو العلم بالشيء على حقيقته. هذا هو العلم، وضده الجهل المركب. وتنقسم تلك المصطلحات إلى أنواع أريد أن أشير إليها، إن سئلت متى كان فتح مكة؟ فإن قلت: في العام الثامن؛ لأنك أدركت الشيء على حقيقته، هذا يسمى علماً، فإن قلت: فتح مكة في العام التاسع فهذا جهل مركب وليس جهلاً بسيطاً؛ لأنك أدركت الشيء على غير حقيقته. فإن قلت: لا أدري فهذا جهل بسيط، والجهل البسيط أدنى من الجهل المركب، والجهل المركب في هذا الزمان حدِّث عنه ولا حرج، جهل بغير علم، وقول بغير دليل، وافتراء على الأدلة. فإن قلت: فتح مكة كان في العام الثامن ويحتمل أن يكون في السابع، فكونك أدركت الاحتمال الراجح، ثم ذكرت قولاً مرجوحاً، فهذا ظن. فإن قلت: فتح مكة في العام السابع ويحتمل أن يكون في الثامن، فهذا وهم. فإن قلت: لا أدري ربما يكون في السابع أو الثامن، فهذا شك. إذاً: هناك علم، وهناك جهل مركب، وجهل بسيط، وظن، ووهم، وشك، لا بد أن تفرق بين هذه المصطلحات، وإدراك الشيء على حقيقته هذا هو العلم.

стр. 29

فضل العلم وأهله ونماذج ممن رفع العلم قدرهم قد جاءت الآيات والأحاديث تبين فضل العلم، منها: قول ربنا : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]. فالعلم يرفع قدر أصحابه في الدنيا والآخرة، ولنا في ذلك نماذج: أولاً: أنبياء الله ورسله أنعم الله عليهم بالعلم، قال الله في حق آدم: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١]. وقال الله في حق موسى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [القصص:١٤]. وقال الله في حق إبراهيم: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم:٤٣]. وخير الأنبياء محمد قال له ربه: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:١١٣]، وقال له ربه: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]. ثانياً: دخل رجل إلى البصرة فقال: من سيد هذه البلدة؟ من كبيرها؟ قالوا: الحسن البصري قال: بم تقدم عليكم؟ قالوا: احتجنا لعلمه، واستغنى هو عن دنيانا. ولما دخل البخاري إلى نيسابور استقبله أهلها على مراحل من البلدة، ونثروا عليه الدراهم والدنانير ترحيباً بقدومه على بلدتهم، فسألت امرأة ولدها، قالت: يا بني من هذا؟ قال: هذا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، فقالت: يا ولدي هذا هو الملك لا ملك هارون. وقد فرق العلماء بين الكلب المعلم، والكلب الجاهل، فإن أرسلت كلبك المعلم وأتاك بصيد فسم الله وكل شريطة أن تسمي عليه قبل أن ترسله، وإن أرسلت كلبك الجاهل فلا ينبغي أن تأكل من صيده. وهذا الهدهد قال لسليمان كما أخبر الله سبحانه عنه: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل:٢٢]. والنملة وعظت وأرشدت، ونبهت، وأمرت بالمعروف، ونهت عن المنكر، وأحبت لبني جنسها ما تحب لنفسها: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨]. فالعلم يرفع قدر من يحمله؛ لذلك يقول عمر بن الخطاب: تعلموا قبل أن تسودوا، قال البخاري معلقاً: وبعد أن تسودوا. والمقصود بقبل أن تسودوا كما قال ابن حجر: قبل أن تصبحوا سادة، وربما يكون المعنى قبل الزواج؛ لأن الرجل سيد الزوجة، وبعد أن يتزوج يذهب بعض الوقت في الحاجات الزوجية، والإنفاق على الأولاد، فالأوقات تخرج منه رغم إرادته، فتعلّم قبل أن تسود. يعني: قبل أن تكون قائداً، ومن ثم كانوا يطلبون العلم في صغرهم، وكانوا يرحلون لطلب العلم. ونبينا ﵊ قد جاءت عنه الأحاديث في فضل العلم والتعلم، يقول ﷺ : (إن العلماء ورثة الأنبياء)، فالعلم ميراث الأنبياء، فيا من أخذت العلم لقد أخذت ميراث الأنبياء، وهو الذي يبقى لك بعد موتك، يقول ﷺ (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له). ويقول ربنا : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر:٢٨]. ويقول: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]. ويقول نبينا ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين). ويقول ﷺ : (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له به طريقاً إلى الجنة). فطريق الجنة العلم، والمخرج مما نحن فيه من الفتن العلم، ولذلك كان أبو سعيد الخدري إذا رأى رجلاً يطلب العلم، قام إليه قائلاً: مرحباً بوصية رسول الله؛ لأن النبي ﷺ كان يقول: (مرحباً بطالب العلم)، وقد أفرد الإمام البخاري في صحيحه كتاباً للعلم، فأول كتاب في صحيحه هو كتاب بدء الوحي، ثم كتاب الإيمان، ثم كتاب العلم، ولوقوع هذا الكتاب بهذا الترتيب سبب وحكمة، وهي أن العلم بلا إيمان لا وزن له، والعلم بغير وحي لا قيمة له؛ لأن الدين مداره على الوحي والإيمان؛ لأن الإيمان مفتاح قبول الأعمال، فجعل البخاري العلم بعد بدء الوحي والإيمان، ووضع فيه أبواباً كثيرةً بين فيها آداب طلب العلم، وآداب العلم، وآفات طلب العلم، وفي ذلك قال: لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر. فالعلم يضيع بين الكبر والحياء. وفي الحديث عن علي ﵁ قال: (كنت رجلاً مذاءً -يعني: كثير المذي-، فمنعني الحياء أن أسأل رسول الله ﷺ لمنزلة

стр. 30

حكم الإقبال على مجالس العلم والإعراض عنها وذكر الأحوال التي تجوز فيها الغيبة كان النبي ﵊ في مجلس علم، ودخل إلى مسجده ثلاثة نفر: أما الأول فوجد فرجة في حلقة العلم فجلس في الفرجة، لذلك من آداب طلب العلم أن نجلس على هيئة حلق، لا أن نتشرذم ونتبعثر، فوجود صف في الأول وصف في الآخر، وثالث في آخر المسجد ورابع في الخارج هذا منهي عنه، لا بد لطلاب العلم أن يجتمعوا وأن يتقاربوا، كما كان يأمر النبي ﵊ أصحابه بذلك، فالأول وجد فرجة فجلس فيها، والثاني جلس بعيداً عن حلقة العلم استحياءً، والثالث خرج معرضاً عن حلقة العلم بغير عذر، فقال النبي ﵊: (أما الأول أقبل فأقبل الله عليه، وأما الثاني استحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث أعرض فأعرض الله عنه). الإعراض عن مجالس العلم إعراض عن الله، والإقبال عليها إقبال على الله، ربما يقول قائل وقد سمع الحديث، كيف يقول النبي ﷺ : (أما الثالث أعرض فأعرض الله عنه) والرجل غير موجود، أليست هذه غيبة؟ وهذا كلام يحتاج إلى إجابة، يقول العلامة ابن حجر: وهذه لا تعد من الغيبة؛ لأن الغيبة لا تعد غيبة في ستة مواضع لا بد أن تعرفها، يقول العلماء: القدح ليس بغيبة في ستة متظلم ومعرف ومحذر ومجاهر فسقاً ومستفت ومن طلب الإعانة في إزالة منكر القدح ليس بغيبة في ستة أحوال: أولاً: متظلم: ظلمك فلان فذهبت تشكوه إلى ولي الأمر أو إلى من بيده الحل والعقد، فتقول: فلان ظلمني، أخذ مالي، فعل بي كذا، ليس في حضوره، فأنت الآن تذكره رغم عدم وجوده، فلا يعد هذا غيبة. ثانياً: ومعرف: ربما تذكر رجلاً فيعجز الناس عن معرفته، تقول: محمد بن أحمد بن علي، فلا أحد يعرفه، فقلت: الأعرج، فعرفه الناس بهذا اللقب، ولكن لا تقل: الأعرج على سبيل السخرية والتعريض، ولكن على سبيل التعريف. ثالثاً: ومحذر: رجل يأكل أمول الناس بالباطل، كلما أخذ مالاً لا يرده، فجاءك يقترض منك مبلغاً، فقلت له: أمهلني وجئت تسأل: يا فلان ما رأيك في معاملة فلان؟ هل إن حذرت منه تكون غيبة؟ لا؛ لأن النبي ﷺ قال للمرأة التي جاءت وقالت: (يا رسول الله تقدم لخطبتي معاوية وأبو جهم فمن أتزوج؟) والكثير من الناس الآن حينما يسأل عن زوج أو غيره لا يقول الحقيقة وهذا جهل مركب، ليس بسيطاً؛ لأن النبي ﷺ قال: (أما معاوية فصعلوك لا مال له -أي: لا يقدر على أعباء الزواج، ولا يتحمل الباءة والإنفاق- فلا تتزوجيه، وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه)، يعني: ضراب يضرب النساء كثيراً فلا تتزوجي هذا ولا هذا، فهذه ليست غيبة. رابعاً: مستفت: يطلب الفتوى في مسألة بينه وبين رجل، فيذكر عنه أنه كذا وكذا. خامساً: ومجاهر فسقاً: أي: رجل يجاهر بالمعصية، لا بد أن تحذر منه. سادساً: ومن طلب الإعانة في إزالة منكر: ذهبت إلى ولي الأمر فقلت: إن عند فلان منكراً، فطلبك للإعانة في إزالة المنكر ليس بغيبة، فالنبي ﷺ حينما قال: (أما الآخر أعرض فأعرض الله عنه) ليست غيبة؛ لأنه يحذر من صنيعه كما قال العلماء.

стр. 31

آداب طالب العلم مع نفسه ننتقل في عجالة إلى آداب طلب العلم، العلم هو درة في هذا الشرع المطهر، فينبغي أن نتحلى بآدابه، وأن نتخلى عن آفاته، فما هي آداب طلب العلم؟ هناك آداب للطالب في نفسه: أولاً: ينبغي أن يكون مخلصاً في طلبه للعلم. فلا يطلب العلم ليماري به العلماء، وليجادل به السفهاء، وليلفت به أنظار الناس إليه، حتى يقال: العالم العلامة، والبحر الفهامة، والأستاذ كذا وكذا، يسعى للشهرة ولا يسعى لرضا ربه ، ولذلك من الثلاثة التي تسعر بهم النار: عالم طلب العلم لغير الله، فيدنيه الله ويعرفه نعمه ويقول له: (علمتك العلم فماذا صنعت به؟ يقول: يا رب ما تركت مكاناً إلا وعلمت الناس فيه، فيقول: كذبت، إنما تعلمت العلم وعلمته ليقال عنك: عالم، وقد قيل، خذوه على وجهه إلى النار). إذاً: طالب العلم لا بد أن يفتش في النية، ونية المرء خير من عمله، ولذلك يقول نبينا ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات). ثانياً من آداب طالب العلم في نفسه: أن يكون سلفياً، على منهج السلف الصالح. فلا ينتمي إلى فرق الضلال والبدع، ولا إلى جماعات حزبية تدعو إلى العنصرية والبغضاء، وتشيع في الناس التفرقة، وإنما طالب العلم سبيله القرآن والسنة بفهم سلف الأمة، ولذلك يقول ﵊: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، فكن يا طالب العلم من أتباع السلف الصالح على منهج أهل السنة والجماعة، وقد قال النبي ﵊: (وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة)، فتعرف على منهج أهل السنة، من هم أهل السنة؟ وما هي عقيدتهم أو منهجهم في الخلاف؟ وما هو منهجهم في الاعتقاد؟ وما هو منهجهم في العبادات؟ وما هو منهجهم في دراسة الفقه؟ أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية، فإياك أن تكون مع أهل البدع والأهواء يا طالب العلم. ثالثاً: أن تعرض عن مجالس اللغو. فطالب العلم سمته واضح بين، لا يكون مع البطالين، ولا يجلس على المقاهي، ولا يذهب إلى مباراة، ولا يجلس في مكان لهو وعبث، إنما طالب العلم له سمت ينبغي له أن يتحلى بهذا السمت؛ لأنه محسوب على العلم والعلماء. رابعاً: طالب العلم لا يعرف الكبر إنما يعرف التواضع، وينبذ الخيلاء؛ لأنه كلما ازداد علماً ازداد تواضعاً. وكما قلنا: العلم ثلاثة أشبار، من حصل الشبر الأول تكبر، ومن حصل الشبر الثاني تواضع، ومن حصل الشبر الثالث علم أنه لا يعلم، فلا تكن أبا شبر، وما أكثر أبي شبر، أبو شبر حينما يحصل الشبر الأول يتكبر، إنما العالم كلما ازداد علماً ازداد تواضعاً، فإن سمعت من يقول: أنا أعلم، أنا أفضل، فكبر عليه أربع تكبيرات من غير ركوع ولا سجود؛ لأنه في عداد الأموات، فطالب العلم لا يعرف الكبر؛ لأن الكبر مرض من أمراض القلوب، فلا تنظر إلى الناس كأنهم أدنى منك، وأنهم بعوض، وجرذان، وضفادع، وأنت في برج عالٍ. أين أنت من أصحاب رسول الله؟ هذا عمر -وما أدراك ما عمر - يقول: لو نودي يوم القيامة: كل الناس يدخلون الجنة إلا واحداً، لخشيت أن أكون أنا هو. وأبو بكر يقول: لو كانت إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارج الجنة ما أمنت مكر الله . هذا هو الخوف من الله، وخشية حبوط العمل وعدم قبوله، وخوف الرياء والسمعة، وخوف عدم ارتفاع الأعمال إلى الله، طالب العلم وجل خائف يلازم الخشية، يلازم المراقبة، هذا هو طالب العلم، ثم يتأمل فمن تأمل أدرك، ومن ثبت نبت، تثبت على طريق ولو كان وعراً، هذه آداب لطالب العلم في نفسه، وهناك آداب لطالب العلم مع شيخه.

стр. 32

آداب طالب العلم مع شيوخه من آداب طلب العلم: أن يطلب العلم على يد شيخ، وهناك أقوام يقولون: ما حاجتنا إلى العلماء، عندنا الآلات الحديثة: السيديهات، الأشرطة، الكتب، لا حاجة لنا إلى العلماء، وما ضاعت الأمة إلا بعد العلم، وما تفرقنا إلا بعد العلم، وهناك من يقول: نبلغ العلم. البلاغ مطلوب، لكن تبلغ بعد أن تعلم، يقول البخاري: باب العلم قبل القول والعمل، فقبل أن تبلغ لا بد أن تعلم ما تبلغ، حتى لا تبلغ جهلاً، فلا بد أن تبدأ بالعلم، فاعلم أنه لا إله إلا الله، فالعلم يسبق القول والعمل. يقولون في أدب طالب العلم مع العلماء: من كان شيخه كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه. ومن دخل إلى العلم وحده خرج من العلم وحده. ولا تأخذوا العلم من صحفي، ولا القرآن من مصحفي. كل عالم من علماء السلف كان له شيخ وشيوخ يتعلم على أيديهم، فكان ابن عباس يذهب إلى بيت زيد بن ثابت ليسأله، فينام على باب داره حتى يخرج إليه، أدب مع العلم، فلما تقدم به العمر علم الصحابة أن ذلك الغلام كان أفقههم لدين الله؛ لأنه اجتهد في طلب العلم، ولن تجد عالماً ليس له شيوخ إلا علماء الكتب، وهذه الكتب لا تخرج شيوخاً، الكتاب مطلوب، لكن لا بد من مدارسته على يد شيخ، فالعلم صنعة، وكل صنعة تحتاج إلى صانع، والعالم يسهل لك الطريق. ومن آداب طالب العلم مع شيخه: ألا يكثر عليه في السؤال، وألا يسير أمامه، ولا أن يجلس قبله، وألا يناديه باسمه مجرداً، وإنما يقول يا شيخنا، يا شيخي. أحبتي الكرام! هذه آداب لطالب العلم مع شيخه، وهناك آداب لتلقي العلم من بطون كتب السلف، بحفظ المتون والمختصرات، وأن تبدأ رويداً رويداً، فمن دخل إلى العلم جملة، فقد العلم جملة، كما يقولون. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. من آداب طالب العلم مع شيخه: ألا يذكر عالماً آخر بسوء. يقول ابن عساكر: اعلم وفقني الله وإياك لمرضاته، وجعلني وإياك ممن يتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة، وأن سنة الله في هتك منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب. فلا يجوز لطالب العلم أن يتتبع عورات العلماء، أو أن يعرض بأسمائهم، نعم ربما يخطئ العالم فلك أن تصوب، ولكن دون تجريح ودون أن تذكر أو تعرض، لذلك كان علماؤنا يحرصون على هذا الأدب، فالأدب مقدم على طلب العلم، فقبل أن تبدأ العلم لا بد أن تتعلم الأدب، ولذلك إخوتي الكرام جاءت الآيات القرآنية تعلمنا هذا المنهج حينما اتبع موسى الخضر، فماذا قال له؟ ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦]، أدب في الاستئذان، وأدب في الاتباع، وأدب في الطلب. وربنا سبحانه حينما قال لعيسى: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ﴾ [المائدة:١١٦]، كان الجواب أن يقول: لم أقل، ولكنه من باب الأدب قال: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:١١٦]. ويوسف ﵇ أدباً مع إخوته، وتلطفاً بهم بعد أن عاد إليهم وعرفوه وعرفهم، قال عن فضل ربه عليه: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف:١٠٠]، رغم أنهم ما وضعوه في السجن، فلم يذكر الجب وذكر السجن أتدري لماذا؟ لأن ذكر الجب سيستدعي الآلام مع إخوته فيذكرهم بما صنعوه، فذكر السجن ولم يذكر الجب تأدباً وتلطفاً. وسئل العباس عم رسول الله ﵊: أأنت أكبر أم رسول الله؟ فمن باب الأدب قال: رسول الله أكبر مني، وأنا أسن من رسول الله، هذا هو الأدب. فطالب العلم ينبغي أن يتعلم الأدب مع شيخه، والأدب في كيفية الطلب، والأدب في التعامل مع الكتاب، والأدب في كيفية تلقي العلم، فهذه آداب هامة نحيلكم فيها إلى كتاب أستاذنا الفاضل بكر أبو زيد في كتابه القيم (حلية طالب العلم) ويوم فقدت الأمة هذه الآداب عمت الفوضى، وساءت الأخلاق وهذا يطعن في ذاك، وذاك يجرح هذا. وكل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذلك اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، اللهم ارزقنا حسن الأدب، اللهم ارزقنا علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، وجسداً على البلاء صابراً. نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، استر عوراتنا، آمن روعتنا. اللهم نسألك أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، وجلاء همنا وغمنا، ونور أبصارنا. اللهم علمنا القرآن وخلقنا به، وارزقنا حب القرآن، وارزقنا فهم القرآن، وارزقنا عطاء القرآن ونور القرآن. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا. ا

стр. 33

تفسير سورة القلم [٢] الاختلاف بين الناس سنة من سنن الله الكونية، فالناس إلى يومنا هذا يختلفون في أمور كثيرة، وقد شرع لنا ربنا سبحانه عند الاختلاف أن نتحاكم إلى الشرع، وأن نسلِّم له، وقد كان النبي ﷺ يعلم أصحابه عند الاختلاف أن يتحاكموا إلى الشرع، وألا يكون هذا الاختلاف سبباً للشقاق والفرقة، وكان يعلمهم الأدب مع المخالف، ويظهر ذلك جلياً في معاملة النبي ﷺ لكفار قريش حينما كان يدعوهم إلى عبادة الله وحده، فكان ﷺ على خلق عظيم مع المخالف، وهكذا يجب على العلماء أن يكونوا؛ لأنهم ورثة الأنبياء.

стр. 34

اختلاف العلماء أسبابه وآدابه الحمد لله رب العالمين الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماءٍ مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:٣]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن نبينا ورسولنا وشفيعنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، والملأ الأعلى إلى يوم الدين. ثم أما بعد: فيا أيها الإخوة الكرام الأحباب! مع استكمالنا لتفسير أول آية من سورة القلم، وقد بدأنا بفضل العلم والعلماء، والآداب والآفات التي يجب على طالب العلم أن يتحلى بها وأن يتخلى عنها، نستكمل هذه الموضوع الهام بعنوان: اختلاف العلماء أسبابه وآدابه. المتأمل في الساحة اليوم يجد أن مرضاً خطيراً قد دب في جسدها، ألا وهو تسفيه البعض للبعض إذا ما اختلفوا في حكم شرعي، والتعريض به، بل الولاء والبراء لشخصه، وهذا ليس من دأب سلفنا الصالح. إن من نعمة الله على هذه الأمة أنها ما اختلفت في أصول دينها، فإن أصولها ثابتة، ومصادرها ثابتة، لم يختلف فيها أحد، وإنما الخلاف وقع في الفرعيات والأحكام الفقهية لأسباب سأبينها بضرب أمثلة لكل سبب، ثم نعقب بالآداب، وهذا هو الأهم بعد معرفة أسباب الخلاف بين العلماء: أن نتعلم آدب الخلاف؛ لأننا الآن إن اختلفنا يمزق بعضنا بعضاً، وهذا ما كان من دأب السلف، كانوا يختلفون، لكن المخالف ما حمل على المخالف له أبداً، وإنما كان يوقره ويقدره، والعلم رحم بين أهله. إن اعتقاد رأي واحد من آراء الفقهاء، ثم المقاتلة عليه وتسفيه المخالف له والطعن فيه، ليس من هدي السلف على الإطلاق.

стр. 35

أسباب اختلاف العلماء أحبتي الكرام! العلماء اختلفوا لأسباب ستة أبسطها، ثم نستنبط من الكتاب والسنة ما يؤيد هذا المعنى:

стр. 36

غياب الدليل عند المخالف السبب الأول: غياب الدليل عند المخالف: خالفتك؛ لأن الدليل ليس عندي، وأنت عندك الدليل، ومن الأمثلة على ذلك: بعد موت النبي ﵊ أول خلاف دب في الأمة على موته، وقد كان الصحابة في حال حياة رسول الله ﷺ يرجعون إليه في الخلاف، فيحسم الخلاف، ويسألونه عما أشكل فيبين، وأنتم تعلمون ما حدث بين الصديق وبين عمر وبين بعض الصحابة، حتى إن عمر أشهر سيفه وقال: من قال: إن محمداً قد مات لأضربن عنقه، ما مات محمد وإنما ذهب للقاء ربه كما ذهب موسى بن عمران. اختلفت الآراء حتى ألهم الله الصديق آية نزلت قبل ذلك، فقام الصديق: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال كلمته المأثورة: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]، عند ذلك سلّم الكل لأمر الله، فالدليل مع الصديق واضح. وفي البخاري أيضاً: بعد موت رسول الله ﵊ اختلفوا في مكان الدفن أين سيدفن؟ قال قائل: يدفن في البقيع، وقال بعضهم: بل نخصه بمكان، واختلفت الآراء حتى جاء الصديق وقال: لقد سمعت النبي ﷺ يقول: (يدفن الأنبياء حيث ماتوا)، وحسمت المسألة بالدليل. وفي صحيح البخاري من حديث عمر ﵁: لما قدموا أرض الشام فسمعوا أن بها طاعوناً، فقال بعضهم: ندخلها حتى لا نفر من قدر الله، وقال الآخرون: لا، لا بد أن نأخذ بالأسباب ولا ندخل؛ لأن ذلك إلقاء بالنفس إلى التهلكة، حتى جاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ وكان في حاجة له، ثم قال لهم: لقد سمعت من رسول الله ﵊ يقول: (إذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوا إليها، وإن كنتم بها فلا تخرجوا منها)، وهذا يدل على أنه قد يغيب الدليل عن عالم ويكون عند عالم آخر، ولكن بمجرد وصول الدليل ينبغي في الحال أن نقبله بدون تردد ولا تلكؤ. وهذا كثير للمتتبع للخلاف بين أصحاب النبي ﵊.

стр. 37

عدم قبول الدليل لوجود ما يعارضه أو لعدم الوثوق به السبب الثاني: عدم قبول الدليل، بأن يكون عنده دليل لكنه يعارض بدليل أقوى منه، من ذلك: ما حدث بين عمر بن الخطاب ﵁ مع فاطمة بنت قيس. وما حدث مع علي بن أبي طالب وابن عباس ﵄ مع سبيعة الأسلمية، كان ابن عباس وعلي يريان أن عدة المرأة التي مات عنها زوجها أطول الأجلين بمعنى إذا مات الزوج والزوجة حامل فعدتها إن وضعت الحمل قبل أربعة أشهر وعشر عليها أن تنتظر إلى تمام الأربعة الأشهر وعشر، وإن وضعت الحمل بعد الأربعة أشهر وعشر عليها أن تنتظر حتى تضع الحمل، يعني: أطول الأجلين، وهذا مخالف تماماً لما ثبت عن رسول الله ﷺ من حديث سبيعة في البخاري: أنها نفست بعد موت زوجها بأيام، فأباح لها النبي ﷺ أن تتزوج؛ لأن الله يقول: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]، وهذه الآية مع آية البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]، حاول ابن عباس وعلي أن يجمعا بين الآيتين بعموم وخصوص، لكن لما جاء الدليل في حديث سبيعة سلما في الحال؛ لأن الدليل حجة في القضية، والدليل واضح الدلالة، بيّن لا شبهة فيه. وفاطمة بنت قيس طلقها زوجها ثلاث طلقات فبانت بينونة كبرى، ثم أرسل لها شعيراً مع وكيله نفقة، فسخطت ذلك الشعير، يعني: كرهته؛ لأنها تريد أكثر من ذلك، فلما وصل الأمر إلى رسول الله ﷺ قال: (إن المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها ولا سكنى)، بمعنى: المطلقة ثلاث طلقات لا نفقة لها ولا سكنى، إلا إذا كانت حاملاً فينفق عليها حتى تضع الحمل، أو كانت حاضنة، يختلف الأمر، لكن عمر كان يقول: للمطلقة ثلاثاً نفقة وسكنى، ويقول: أنترك ديننا وكتاب ربنا لقول امرأة قد تنسى وقد تصيب. إذاً عدم قبول الدليل ربما يدفع العالم لرده، والصواب كما تعلمون ما ثبت عند البخاري من حديث فاطمة: (أن المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها ولا سكنى)، والإمام النووي بوّب لهذا الحديث باباً.

стр. 38

عدم معرفة المخالف بنسخ الدليل السبب الثالث: عدم معرفة المخالف للنسخ. ومن أمثلة ذلك: تحويل القبلة، حولت القبلة في صلاة الظهر أو العصر، وكان المسلمون يصلون إلى الأقصى، ثم تحولوا إلى المسجد الحرام، نزل النسخ على رسول الله ﷺ فصلوا إلى المسجد الحرام، وأهل قباء لم يصلهم الخبر إلا في صلاة الفجر يعني: صلوا العصر والمغرب والعشاء إلى المسجد الأقصى وقد نسخت، فهل صلاتهم باطلة؟ لا؛ لأنهم ما علموا بالنسخ، والعلم مناط التكليف. وفي الحديث أن ابن مسعود ﵁ كان يصلي بجوار علقمة والأسود فكان في الركوع يطبق يديه ويضعهما بين ركبتيه، لا يضع اليد على الركبة، وهذا كان في أول الأمر، ففعل ذلك ابن مسعود أما علقمة والأسود فوضعا أيديهما على الركبتين، فأنكر عليهما، فقالا: أما سمعت يا ابن مسعود أن النبي ﷺ أمرنا أن نضع أيدينا على ركبنا عند الركوع؟ فـ ابن مسعود خالفهم؛ لأنه لم يصله النسخ، وهو معذور، فيعذر بعضنا بعضاً فيما يجوز فيه العذر، أما في أمور العقيدة، فلا يطوف رجل بقبر ونقول: يعذر بعضنا بعضاً، هناك أمور كما قال القائل: وليس كل خلاف جاء معتبراً إلا خلاف فيه حظ من النظر ويوم أن يخرج أحد على الأمة يريد أن يشق إجماع المسلمين وأن يرد آراء الفقهاء وآراء المفسرين، وما قال أحد على الإطلاق من أهل العلم هذا، وهو لا يحسب على أهل العلم، يكتب تحت عنوان: الإزار والرداء. إن نساءنا اليوم أكثر عفة وحشمة من نساء الصحابة! نطق كفراً والذي نفسي بيده، وكتب فجوراً افقهوا يا علماء الأزهر، افقهوا يا علماء الأمة، أليس لكم عقول؟ ثم يقول: الحجاب معناه التغطية، وليس المقصود تغطية الشعر، وإنما المقصود تغطية فتحة الصدر، النص في الآية لتغطية فتحة الصدر، وما سوى ذلك للمرأة أن تظهر من جسدها ما شاءت، أرأيتم إلى حماقة وسذاجة كهذه؟! هذا لا يعد من أهل العلم أولاً، وليس له دليل، وإنما طفيلي على أهل العلم، أقول: مثل هذا الخلاف يوضع تحت الأحذية في الحال. والخلاف المعتبر خلاف العلماء أمثال: مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة. واختلف الصحابة والتابعون لكن هناك أدباً في الاختلاف، لما رأى علقمة والأسود ابن مسعود يصنع ذلك ما سفهاه وما سباه وما عرضا به، ولما وصله الدليل أخذ به، هكذا العلم رحم بين أهله.

стр. 39

نسيان الدليل السبب الرابع: نسيان الدليل، وجل من لا ينسى، وربما نسيتُ دليلاً وأفتيتُ خطأً في الميكرفون فذكرتُ به فعليّ أن أعود في الحال وأصوب الخطأ، والذين في قلوبهم مرض إذا سمعوا الخطأ أذاعوا في أرجاء البلاد: أخطأ الشيخ لا تسمعوا له؛ لأنه رجل جاهل. يا عبد الله اتق الله في نفسك! أين آداب الخلاف؟ العلماء اختلفوا في أحكام سأذكر كثيراً منها الآن، ولم يسفه بعضهم بعضاً. وقع النسيان للدليل، من ذلك ما حصل بين عمر بن الخطاب وعمار ﵄ وهما من أصحاب رسول الله ﷺ ، ففي غزوة من الغزوات كان عمار مع عمر فأجنبا -أصابتهما جنابة- والماء غير موجود، فاجتهد عمار فظن أن رفع الجنابة بالتراب كرفعها بالماء، فتمرغ في التراب كما تتمرغ الدابة يميناً ويساراً، أراد أن يعمم الجسد بالتراب، وأما عمر فكف عن الصلاة؛ لأنه جنب وليس عنده ماء، وما أراد أن يتيمم أبداً، ووصل الأمر إلى رسول الله ﷺ ، فقال لـ عمار -والحديث في البخاري -: (إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا)، يعني: تضرب الأرض بيديك ضربة واحدة، وتمسح ببطن اليدين على وجهك فقط ثم تمسح ظاهر الكفين وباطنهما، هذا هو التيمم في حال الجنابة، مرت السنوات وجاءت خلافة عمر فأراد عمار أن يحدث بهذا الحديث، فحدث به فأنكر عمر هذا الحديث، وقال له: كيف تقول بجواز التيمم للجنب؟ قال: يا أمير المؤمنين أما تذكر يوم أن فعلنا كذا وكذا، فذكره بما كان من أمرهما، إن شئت يا أمير المؤمنين لا أحدث بالحديث نزولاً على أمرك فعلت، قال: عمر: بل بلغ يا عمار. إذاً: الذاكر حجة على الناسي كما يقول علماء الأصول.

стр. 40

ضعف الحديث السبب الخامس: أن يكون الحديث ضعيفاً. قد نختلف في تصحيح حديث، عالم يقول: صحيح، وآخر يقول: ضعيف، الذي يقول: صحيح، يعتمده ويعتمد ما ترتب عليه، كأحاديث صلاة التسابيح منهم من صححها، ومنهم من ضعفها، ومنهم من قال بوضعها. أو الاختلاف في الاستنباط، كاختلاف الأحناف مع جمهور الفقهاء في قوله ﵊: (ذكاة الجنين ذكاة أمه)، بمعنى: ذبحت مثلاً دابة ووجدت في بطنها جنيناً ميتاً، نزل ميتاً ما حكم هذا الجنين يؤكل أم أنه ميتة لا يجوز؛ لأنه لم يذك؟ فقول النبي ﷺ : (ذكاة الجنين ذكاة أمه)، يعني: إن ذكى الأم كأنه ذكى الجنين. قال الأحناف: لا، لا بد من تذكية الجنين؛ لأن النبي ﷺ أراد ذكاة الجنين كذكاة أمه. يعني: كما تذكى الأم لا بد أن يذكى الجنين. قلنا لهم: وهل يذبح الجنين بعد موته؟ وهل ينزل منه دم؟ وقوله: (ذكاة الجنين ذكاة أمه)، ليس المعنى كذكاة أمه، هذا استنباط ضعيف من الأحناف. كما استنبطوا أيضاً أنه لا يجوز للرجل أن يغسل زوجته بعد الموت، وهذا استنباط ضعيف؛ لأن هذا حدث من كثير من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقد غسل علي زوجته فاطمة، وغسل أبا بكر زوجته أسماء بنت عميس، وقالت عائشة: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي ﷺ إلا زوجاته. وهذه حجة في القضية ودليل واضح، فلا ينبغي للمخالف أن يركب رأسه.
следующие страницы →