Полный текст (295 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
غياب الدليل عند المخالف
السبب الأول: غياب الدليل عند المخالف: خالفتك؛ لأن الدليل ليس عندي، وأنت عندك الدليل، ومن الأمثلة على ذلك: بعد موت النبي ﵊ أول خلاف دب في الأمة على موته، وقد كان الصحابة في حال حياة رسول الله ﷺ يرجعون إليه في الخلاف، فيحسم الخلاف، ويسألونه عما أشكل فيبين، وأنتم تعلمون ما حدث بين الصديق وبين عمر وبين بعض الصحابة، حتى إن عمر أشهر سيفه وقال: من قال: إن محمداً قد مات لأضربن عنقه، ما مات محمد وإنما ذهب للقاء ربه كما ذهب موسى بن عمران.
اختلفت الآراء حتى ألهم الله الصديق آية نزلت قبل ذلك، فقام الصديق: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال كلمته المأثورة: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]، عند ذلك سلّم الكل لأمر الله، فالدليل مع الصديق واضح.
وفي البخاري أيضاً: بعد موت رسول الله ﵊ اختلفوا في مكان الدفن أين سيدفن؟ قال قائل: يدفن في البقيع، وقال بعضهم: بل نخصه بمكان، واختلفت الآراء حتى جاء الصديق وقال: لقد سمعت النبي ﷺ يقول: (يدفن الأنبياء حيث ماتوا)، وحسمت المسألة بالدليل.
وفي صحيح البخاري من حديث عمر ﵁: لما قدموا أرض الشام فسمعوا أن بها طاعوناً، فقال بعضهم: ندخلها حتى لا نفر من قدر الله، وقال الآخرون: لا، لا بد أن نأخذ بالأسباب ولا ندخل؛ لأن ذلك إلقاء بالنفس إلى التهلكة، حتى جاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ وكان في حاجة له، ثم قال لهم: لقد سمعت من رسول الله ﵊ يقول: (إذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوا إليها، وإن كنتم بها فلا تخرجوا منها)، وهذا يدل على أنه قد يغيب الدليل عن عالم ويكون عند عالم آخر، ولكن بمجرد وصول الدليل ينبغي في الحال أن نقبله بدون تردد ولا تلكؤ.
وهذا كثير للمتتبع للخلاف بين أصحاب النبي ﵊.
стр. 37
عدم قبول الدليل لوجود ما يعارضه أو لعدم الوثوق به
السبب الثاني: عدم قبول الدليل، بأن يكون عنده دليل لكنه يعارض بدليل أقوى منه، من ذلك: ما حدث بين عمر بن الخطاب ﵁ مع فاطمة بنت قيس.
وما حدث مع علي بن أبي طالب وابن عباس ﵄ مع سبيعة الأسلمية، كان ابن عباس وعلي يريان أن عدة المرأة التي مات عنها زوجها أطول الأجلين بمعنى إذا مات الزوج والزوجة حامل فعدتها إن وضعت الحمل قبل أربعة أشهر وعشر عليها أن تنتظر إلى تمام الأربعة الأشهر وعشر، وإن وضعت الحمل بعد الأربعة أشهر وعشر عليها أن تنتظر حتى تضع الحمل، يعني: أطول الأجلين، وهذا مخالف تماماً لما ثبت عن رسول الله ﷺ من حديث سبيعة في البخاري: أنها نفست بعد موت زوجها بأيام، فأباح لها النبي ﷺ أن تتزوج؛ لأن الله يقول: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]، وهذه الآية مع آية البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]، حاول ابن عباس وعلي أن يجمعا بين الآيتين بعموم وخصوص، لكن لما جاء الدليل في حديث سبيعة سلما في الحال؛ لأن الدليل حجة في القضية، والدليل واضح الدلالة، بيّن لا شبهة فيه.
وفاطمة بنت قيس طلقها زوجها ثلاث طلقات فبانت بينونة كبرى، ثم أرسل لها شعيراً مع وكيله نفقة، فسخطت ذلك الشعير، يعني: كرهته؛ لأنها تريد أكثر من ذلك، فلما وصل الأمر إلى رسول الله ﷺ قال: (إن المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها ولا سكنى)، بمعنى: المطلقة ثلاث طلقات لا نفقة لها ولا سكنى، إلا إذا كانت حاملاً فينفق عليها حتى تضع الحمل، أو كانت حاضنة، يختلف الأمر، لكن عمر كان يقول: للمطلقة ثلاثاً نفقة وسكنى، ويقول: أنترك ديننا وكتاب ربنا لقول امرأة قد تنسى وقد تصيب.
إذاً عدم قبول الدليل ربما يدفع العالم لرده، والصواب كما تعلمون ما ثبت عند البخاري من حديث فاطمة: (أن المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها ولا سكنى)، والإمام النووي بوّب لهذا الحديث باباً.
стр. 38
عدم معرفة المخالف بنسخ الدليل
السبب الثالث: عدم معرفة المخالف للنسخ.
ومن أمثلة ذلك: تحويل القبلة، حولت القبلة في صلاة الظهر أو العصر، وكان المسلمون يصلون إلى الأقصى، ثم تحولوا إلى المسجد الحرام، نزل النسخ على رسول الله ﷺ فصلوا إلى المسجد الحرام، وأهل قباء لم يصلهم الخبر إلا في صلاة الفجر يعني: صلوا العصر والمغرب والعشاء إلى المسجد الأقصى وقد نسخت، فهل صلاتهم باطلة؟ لا؛ لأنهم ما علموا بالنسخ، والعلم مناط التكليف.
وفي الحديث أن ابن مسعود ﵁ كان يصلي بجوار علقمة والأسود فكان في الركوع يطبق يديه ويضعهما بين ركبتيه، لا يضع اليد على الركبة، وهذا كان في أول الأمر، ففعل ذلك ابن مسعود أما علقمة والأسود فوضعا أيديهما على الركبتين، فأنكر عليهما، فقالا: أما سمعت يا ابن مسعود أن النبي ﷺ أمرنا أن نضع أيدينا على ركبنا عند الركوع؟ فـ ابن مسعود خالفهم؛ لأنه لم يصله النسخ، وهو معذور، فيعذر بعضنا بعضاً فيما يجوز فيه العذر، أما في أمور العقيدة، فلا يطوف رجل بقبر ونقول: يعذر بعضنا بعضاً، هناك أمور كما قال القائل: وليس كل خلاف جاء معتبراً إلا خلاف فيه حظ من النظر ويوم أن يخرج أحد على الأمة يريد أن يشق إجماع المسلمين وأن يرد آراء الفقهاء وآراء المفسرين، وما قال أحد على الإطلاق من أهل العلم هذا، وهو لا يحسب على أهل العلم، يكتب تحت عنوان: الإزار والرداء.
إن نساءنا اليوم أكثر عفة وحشمة من نساء الصحابة! نطق كفراً والذي نفسي بيده، وكتب فجوراً افقهوا يا علماء الأزهر، افقهوا يا علماء الأمة، أليس لكم عقول؟ ثم يقول: الحجاب معناه التغطية، وليس المقصود تغطية الشعر، وإنما المقصود تغطية فتحة الصدر، النص في الآية لتغطية فتحة الصدر، وما سوى ذلك للمرأة أن تظهر من جسدها ما شاءت، أرأيتم إلى حماقة وسذاجة كهذه؟! هذا لا يعد من أهل العلم أولاً، وليس له دليل، وإنما طفيلي على أهل العلم، أقول: مثل هذا الخلاف يوضع تحت الأحذية في الحال.
والخلاف المعتبر خلاف العلماء أمثال: مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة.
واختلف الصحابة والتابعون لكن هناك أدباً في الاختلاف، لما رأى علقمة والأسود ابن مسعود يصنع ذلك ما سفهاه وما سباه وما عرضا به، ولما وصله الدليل أخذ به، هكذا العلم رحم بين أهله.
стр. 39
نسيان الدليل
السبب الرابع: نسيان الدليل، وجل من لا ينسى، وربما نسيتُ دليلاً وأفتيتُ خطأً في الميكرفون فذكرتُ به فعليّ أن أعود في الحال وأصوب الخطأ، والذين في قلوبهم مرض إذا سمعوا الخطأ أذاعوا في أرجاء البلاد: أخطأ الشيخ لا تسمعوا له؛ لأنه رجل جاهل.
يا عبد الله اتق الله في نفسك! أين آداب الخلاف؟ العلماء اختلفوا في أحكام سأذكر كثيراً منها الآن، ولم يسفه بعضهم بعضاً.
وقع النسيان للدليل، من ذلك ما حصل بين عمر بن الخطاب وعمار ﵄ وهما من أصحاب رسول الله ﷺ ، ففي غزوة من الغزوات كان عمار مع عمر فأجنبا -أصابتهما جنابة- والماء غير موجود، فاجتهد عمار فظن أن رفع الجنابة بالتراب كرفعها بالماء، فتمرغ في التراب كما تتمرغ الدابة يميناً ويساراً، أراد أن يعمم الجسد بالتراب، وأما عمر فكف عن الصلاة؛ لأنه جنب وليس عنده ماء، وما أراد أن يتيمم أبداً، ووصل الأمر إلى رسول الله ﷺ ، فقال لـ عمار -والحديث في البخاري -: (إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا)، يعني: تضرب الأرض بيديك ضربة واحدة، وتمسح ببطن اليدين على وجهك فقط ثم تمسح ظاهر الكفين وباطنهما، هذا هو التيمم في حال الجنابة، مرت السنوات وجاءت خلافة عمر فأراد عمار أن يحدث بهذا الحديث، فحدث به فأنكر عمر هذا الحديث، وقال له: كيف تقول بجواز التيمم للجنب؟ قال: يا أمير المؤمنين أما تذكر يوم أن فعلنا كذا وكذا، فذكره بما كان من أمرهما، إن شئت يا أمير المؤمنين لا أحدث بالحديث نزولاً على أمرك فعلت، قال: عمر: بل بلغ يا عمار.
إذاً: الذاكر حجة على الناسي كما يقول علماء الأصول.
стр. 40
ضعف الحديث
السبب الخامس: أن يكون الحديث ضعيفاً.
قد نختلف في تصحيح حديث، عالم يقول: صحيح، وآخر يقول: ضعيف، الذي يقول: صحيح، يعتمده ويعتمد ما ترتب عليه، كأحاديث صلاة التسابيح منهم من صححها، ومنهم من ضعفها، ومنهم من قال بوضعها.
أو الاختلاف في الاستنباط، كاختلاف الأحناف مع جمهور الفقهاء في قوله ﵊: (ذكاة الجنين ذكاة أمه)، بمعنى: ذبحت مثلاً دابة ووجدت في بطنها جنيناً ميتاً، نزل ميتاً ما حكم هذا الجنين يؤكل أم أنه ميتة لا يجوز؛ لأنه لم يذك؟ فقول النبي ﷺ : (ذكاة الجنين ذكاة أمه)، يعني: إن ذكى الأم كأنه ذكى الجنين.
قال الأحناف: لا، لا بد من تذكية الجنين؛ لأن النبي ﷺ أراد ذكاة الجنين كذكاة أمه.
يعني: كما تذكى الأم لا بد أن يذكى الجنين.
قلنا لهم: وهل يذبح الجنين بعد موته؟ وهل ينزل منه دم؟ وقوله: (ذكاة الجنين ذكاة أمه)، ليس المعنى كذكاة أمه، هذا استنباط ضعيف من الأحناف.
كما استنبطوا أيضاً أنه لا يجوز للرجل أن يغسل زوجته بعد الموت، وهذا استنباط ضعيف؛ لأن هذا حدث من كثير من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقد غسل علي زوجته فاطمة، وغسل أبا بكر زوجته أسماء بنت عميس، وقالت عائشة: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي ﷺ إلا زوجاته.
وهذه حجة في القضية ودليل واضح، فلا ينبغي للمخالف أن يركب رأسه.
стр. 41
فهم الدليل فهماً خاطئاً
السبب السادس من أسباب الخلاف: فهم الدليل فهماً خاطئاً.
وهذا كثير، فقد اختلف الفقهاء اختلفوا في قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣]، فمنهم من رأى أن مجرد اللمس أن يمس الرجل امرأة سواء كانت زوجة أو غير زوجة أن ذلك ينقض الوضوء، هذا رأي.
الرأي الثاني: من مس بشهوة ينقض، ومن مس بغير شهوة لا ينقض.
الرأي الثالث: أن المس هنا هو الجماع.
وهو الراجح.
اختلفوا إلى ثلاثة أقوال باختلاف الأفهام، ونحن نميل مع الرأي الراجح، لكن لا نسفّه الرأي المخالف ونعرّض به، ولذلك لما قال ﷺ لأصحابه: (من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة)، بعد أن عادوا من غزوة الأحزاب، فمنهم من فهم النص أنه لا بد أن يصلي في بني قريظة حتى وإن خرج وقت العصر، وبالفعل غابت الشمس وما صلى العصر إلا بعد غروب الشمس.
أما الفريق الثاني فعلموا أن النص له منطوق ومفهوم، فقالوا: النبي ﷺ ما أراد أن نصلي في بني قريظة، وإنما أراد أن نبكر بالذهاب، ولا ينبغي أن نؤخر الصلاة عن وقتها -وهو الصواب-، فصلوا في الطريق، فوصل الأمر إلى رسول الله ﷺ فأقر الفريقين على فهمهما، مع أن الصواب مع الفريق الذي صلى في الطريق؛ لأن الصلاة في الوقت محكمة، وهذا قول متشابه، وينبغي أن نحمل المحكم على المتشابه.
مثال آخر: رجل أراد أن يتوضأ فلم يجد ماءً فتيمم وصلى، ثم وجد الماء قبل أن يخرج الوقت، كما حصل للصحابة، فمنهم من أعاد الصلاة، ومنهم من اكتفى بصلاة واحدة، فلما وصل الأمر إلى رسول الله قال للذي صلى مرةً واحدةً: (أصبت السنة، وقال للذي أعاد: لك الأجر مرتين) فهذا اختلاف في الأفهام.
أيها الإخوة الكرام! قد اختلف العلماء في أحكام كثيرة، لكن لا ينبغي أن نتعصب لرأي واحد، وأن ننكر على المخالف، ولكن العلم عطاء ورزق وفهم، وهذا يجرنا إلى الحديث عن آداب الخلاف، وهذا هو الموضوع الثاني إن شاء الله.
أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 42
أدب الخلاف
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.
أحبتي الكرام! أعود فأكرر أسباب الخلاف الستة حتى يخرج المستمع وهو على علم بها: أولاً: غياب الدليل عن المخالف.
ثانياً: عدم معرفة المخالف بنسخ الدليل.
ثالثاً: نسيان الدليل من المخالف.
رابعاً: الفهم الخاطئ للدليل.
خامساً: الاعتماد على حديث ضعيف، أو أن يكون الاستدلال استدلالاً ضعيفاً.
سادساً: رد الدليل لعدم الوثوق به.
هذه بعض أسباب اختلاف العلماء إلا أنها أسباب متعددة، جمعها شيخ الإسلام في كتاب يحمل عنوان: رفع الملام عن الأئمة الأعلام.
الآن ضاع الأدب، نجد البعض يقف وينسى نفسه فيعرّض بعالم من علماء السلف، ويقول: أخطأ في كذا، وكان حري به أن يقول كذا، ولكنه غفل ووهم، نعم لا بأس أن نقول: إن الرأي الراجح كذا، وغفر الله للمخالف، هذا هو الأدب، فمن الأدب أن نعذره؛ لأنه يقيناً ما وصله الدليل، ويقيناً ما أراد أن يخالف الحق (فإن العالم إذا اجتهد فأصاب له أجران، وإن اجتهد فأخطأ له أجر)، ففي الحالتين هو مأجور أخطأ أم أصاب، لكن العيب كل العيب أن نتتبع زلات العلماء وعثراتهم، وأن نشهر ونعرض بهم، وأن نصم الآذان عن سماع العالم؛ لأجل أنه أخطأ في مسألة، أو جانب الصواب في مسألة، فلا تسمع له، ولا تحضر مجلسه.
يرحمك الله اتق الله في نفسك، ما رأينا إماماً منع طلابه من حضور مجلس عالم آخر؛ لأنه خالفه في الرأي، وكان الإمام الشافعي يقول: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
ويقول الإمام مالك: كل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد عليه إلا المعصوم ﷺ .
فمن آداب الخلاف أن تتلقى العلم من المخالف، فـ أبو هريرة تعلّم من شيطان، وهناك فريق يظنون أنهم أعلم أهل الأرض، ويظنون أنهم الأم وما سواهم خارج، ولا يسمعون إلا لأنفسهم، ضلوا -والذي نفسي بيده- وأضلوا، وسيعلمون يوم القيامة -إن شاء الله- ما نقول؛ لأن هذا يخالف منهج السلف.
فمثلاً: أنا أرى وجوب إعفاء اللحية، لكن عندما أرى عالماً حليقاً لا أسمع له، وأصد عنه الناس؛ لأنه ارتكب مخالفة بترك واجب، فهذا خطأ، لكن أقم عليه الحجة، وخذ ما عنده من علم، وإلا تكون قد ضيعت الكثير، وغلقت على نفسك الباب، انظر يا عبد الله إلى أبي هريرة يقول: (وكلني رسول الله ﷺ بحفظ صدقة الفطر)، أي: أقوم بحراستها.
والراجح أن تخرج زكاة الفطر عيناً خلافاً للأحناف في إخراجها نقداً.
قال أبو هريرة: (فإذا برجل يحثو من مال الصدقة، فأمسكت بيده، فشكى قلة المال وكثرة العيال وضيق الحال، فتركته رأفة بحاله، ثم ذهبت إلى رسول الله ﷺ فقال: يا أبا هريرة ما صنع أسيرك البارحة؟ فقلت: يا رسول الله شكى كذا وكذا، وأخبرني أنه لن يعود، قال: كذبك وسيعود، وفي اليوم التالي جاء يحثو من المال فأمسكت به فشكى قلة المال وكثرة العيال فتركته، فأخبرت النبي ﷺ بذلك، فقال: كذبك وسيعود، وفي اليوم الثالث قلت: لن أتركك حتى أرفعك إلى رسول الله، قال: اتركني على أن أعلمك -هو يعلم أن هؤلاء يحرصون على العلم-، قال: علمني، قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فلا يزال عليك من الله حافظاً حتى تصبح، فأخبرت رسول الله بما قال، فقال رسول الله ﷺ : صدقك وهو كذوب)، الكاذب قد يصدق، وصاحب الباطل قد يقول حقاً.
قد يقرأ الواحد منا في أحد الكتب فيقول: هذا الكتاب يحرق؛ لأن فيه تأويلاً، وهذا الكتاب يحرق؛ لأن فيه مخالفة، يا عبد الله خذ الحق واترك الباطل، هذا منهج السلف، منهج السلف أن ينقب عن الحق، وكم حرم هؤلاء أنفسهم من خير كثير؛ لأنهم أغلقوا أعينهم وصموا آذانهم إلا ما اعتقدوا فقط.
ثم أخبر أبو هريرة رسول الله ﷺ ما حدث منه مع ذلك الرجل، فقال رسول الله: (صدقك وهو كذوب، أتدري من كان معك يا أبا هريرة؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ذاك شيطان)، لما علم أبو هريرة أنه شيطان هل نفذ الوصية أم لم ينفذ؟ فعل ما أمره به أم لم يفعل؟ هل قال: هذا شيطان يعلمني فلن أفعل ما قال؟ يا عبد الله أحياناً صاحب الباطل قد ينطق بالحق، وأحياناً تجد في كتب محظورة حقاً، لكن هذا ليس على إطلاقه، وإنما لمن استطاع أن يفرق بين الحق والباطل، إن كنت عالماً فأقدم وخذ الحق واترك الباطل.
أما أن نسمع من يقول: الإمام النووي مؤول لا نقرأ كتبه، وابن حجر أشعري في بعض عقيدته فتحرق كتبه، فلان ضل فأتلفوا كتبه، فهؤلاء أحرقوا المواد العلمية؛ لسوء فهم.
وأنبه إلى أمر هام قبل أن نترك هذا المجال فأقول: إن الناس في هذه الإجازة الصيفية تنقسم إلى قسمين: فريق يدعو إلى النار، وفريق يدعو إلى الجنة، فريق يدعو إلى السين
стр. 43
تفسير سورة القلم [٣]
حض الله في كتابه على حسن الخلق، وكذلك رسولنا ﷺ في سنته، وحسن الخلق لا يقتصر على حسن المعاملة مع الخلق وخفض الجناح لهم ولين الكلام معهم، ولكنه أعم من ذلك، وأعظم حسن الخلق حسن العبادة لله بامتثال ما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد إلا بما شرع، وكذلك حسن الخلق مع النبي ﷺ يكون باتباع سنته وتصديق خبره، وعدم الإحداث في الدين، وعدم التقول عليه ما لم يقل.
стр. 44
منزلة الخلق الحسن في الإسلام
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، ,وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:٣]، خلقنا من عدم، وأطعمنا من جوع، وكسانا من عري، وهدانا من ضلال، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
ثم أما بعد: فيا أيها الإخوة الكرام الأحباب، لقاؤنا اليوم بحول الله وفضله وتوفيقه مع قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، إننا في زمن انهارت فيه كثير من الأخلاقيات، واختلطت فيه الأوراق، ومن ثم ينبغي علينا أن نبين معنى الخلق، لغة واصطلاحاً، ثم نطرح سؤالاً مؤداه: هل الخلق فطري في الإنسان أم مكتسب؟ ثم نبين حسن الخلق مع الخالق، وحسن الخلق مع المخلوق.
لقد جاءت النصوص الشرعية تبين منزلة حسن الخلق، منها: قول النبي ﷺ : (ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق).
(جاء رجل إلى النبي ﷺ من بين يديه وقال: يا رسول الله ما الدين؟ قال: حسن الخلق، فجاء عن يمينه فقال: ما الدين؟ قال: حسن الخلق، فجاء عن يساره وقال: ما الدين؟ قال: حسن الخلق، ثم أتاه من ورائه فقال: يا رسول الله ما الدين؟ فالتفت إليه وقال: أما تفقه).
وآخر يقول: (يا رسول الله أوصني، قال: لا تغضب).
وهو القائل ﷺ : (دخلت امرأة النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض).
وحينما ذكر له امرأة كثيرة الصلاة، كثيرة الصيام، كثيرة التهجد لكنها تؤذي جيرانها قال: (هي في النار).
أحبتي الكرام! لا ثمرة لطاعتنا إن لم تتصف بحسن الخلق، فالصلاة شرعت لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.
والحج شرع قال ربنا فيه: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧].
والزكاة قال الله في شأنها: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣].
ويقول ﵊ في حق الصيام: (من لم يدع قول الزور أو العمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، لا قيمة لصلاتك، لا قيمة لعبادتك إن لم تتوج بحسن الخلق.
حسن الخلق يا عباد الله الذي انهار في زماننا، هناك صلاة، وحفظ للقرآن، لكن أين الخلق الحسن؟ قال رجل للأحنف بن قيس: إن قلت كلمة ستسمع عشراً، فقال له الأحنف: وأنت إن قلت عشراً فلن تسمع واحدة.
إنه حسن الخلق الذي علمنا إياه نبينا محمد ﷺ الذي قال لقومه الذين آذوه وأخرجوه، وسبوه، ولعنوه، وطردوه: (ما تظنون أني فاعل بكم، قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم قال: لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء).
وهو القائل أيضاً: (اعف عن من ظلمك، وصل من قطعك)، أو كما قال ﵊.
стр. 45
تعريف الخلق لغة واصطلاحاً
الخلق لغة: هو الطبع والسجية، واصطلاحاً: هو الصورة الباطنة للمرء، فإن للإنسان صورة ظاهرة تسمى الخَلق، وله صورة باطنة تسمى الخُلقُ، فكما أن الصورة الظاهرة يمكن أن تكون حسنة أو قبيحة، كذلك الصورة الباطنة يمكن أن تكون كذلك.
وعرف بعض أهل العلم الخلق بقوله: هو هيئة راسخة ثابتة في النفس تصدر عنه الأفعال بسهولة ويسر.
والخلق منه ما هو مكتسب، ومنه ما هو فطري خلق مع الإنسان يوم أن خلقه الله، جاء في البخاري قال النبي ﷺ لـ أشج عبد القيس: (إن فيك خصلتين -أو خلتين- يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة، قال: يا رسول الله أجبلت عليهما أم تخلقت بهما؟ -أي: هل اكتسبتهما بعد وجودي أم خلقني الله بهما؟ - قال بل: جبلت عليهما).
أي: أنك خلقت بهما، وهذا يبين أن الخلق منه ما هو مكتسب، ومنه ما هو فطري، فيه ما هو بالطبع، وفيه ما هو بالتطبع، ودليلنا أن آدم ﵇ لما أسكنه الله الجنة وأمره أن يأكل من كل ثمارها إلا شجرة واحدة، وسوس له الشيطان، فلما ذاق الشجرة قال الله: ﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [الأعراف:٢٢]، حينما بدت السوأة أخذ آدم من ورق الجنة يواري سوأته قبل أن يهبط إلى الأرض، علم بذلك أن الحياء في آدم خلق مجبول عليه، يعلم أن انكشاف العورة لا ينبغي، فأخذ يسترها، ولذلك قال ﷺ : (إن لكل دين خلقاً، وخلق الإسلام الحياء)، فإذا ضاع الحياء ضاع الإيمان.
إذاً: فالخلق فيه ما هو مكتسب يمكن أن تمرن ولدك على خلق حسن، وفيه ما هو فطري ولد أو خلق مع الإنسان يوم أن خلقه الله .
стр. 46
حسن الخلق مع الخالق
يخطئ الكثير فيفهم أن حسن الخلق مع المخلوق أولاً ثم مع الخالق، وليس كذلك، بل مع الخالق ثم مع المخلوق.
أما حسن الخلق مع الخالق فيدور على ثلاثة أركان: الأول: أن تصدق بأخباره.
الثاني: أن تتلقى أحكامه بالتنفيذ والتطبيق.
الثالث: أن تتلقى أقداره بالرضا والقبول.
الأول: أن تتلقى أخباره بالقبول والتصديق.
يقول نبينا ﷺ : (إذا وقعت الذبابة في إناء أحدكم فليغمسها ثم لينزعها؛ فإن في إحدى جناحيها داء والآخر دواء)، فمن حسن الخلق مع هذا النص أن نتلقاه بالقبول والتصديق؛ لأن النص ثبت عن رسول الله ﷺ ، لاسيما أن الذي رواه هو البخاري.
وهناك أقوام من دعاة العقلانية أتباع مدرسة الاعتزال يردون هذا الحديث، والاعتزال وإن لم توجد له فرقة الآن إلا أنه لا يزال يدب في عقول البعض، يقول: كيف أغمس ذبابة؟ أي عقل يقبل هذا؟ هذا كلام باطل، ويرد الأمر على رسول الله، وهذا سوء خلق مع النبي ﷺ ؛ لأن العقل حاله مع الشرع كحال الضوء مع العين، هل يمكن للعين أن ترى بدون ضوء؟ كذلك العقل لا يرى إلا بنور الوحي، فلا قيمة للعقل إن رد الأوامر الشرعية، وسأذكر نماذج من واقعنا الآن لأتباع المدرسة العقلانية الذين ردوا نصوصاً كثرة من القرآن والسنة بحجة العقل، من ذلك: أن النبي ﷺ يقول -كما في البخاري -: (إن موسى ﵇ جاءه ملك الموت في صورة بشر تسلق عليه الجدار، ففقأ موسى عينه).
وفي غزوة شكى الصحابة قلة الماء إلى رسول الله، فوجد عيناً فيها ماء فوضع النبي ﷺ يده، فثار الماء من بين أصابعه حتى شرب منه ألف وخمسمائة صحابي.
ولما أسري بالنبي ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماوات العلى، ثم ارتفع إلى السماء السابعة، وفرضت عليه الصلاة وعاد إلى موسى.
فهؤلاء بعقولهم العفنة ردوا النصوص الثابتة من الكتاب والسنة، وعقولنا نقدرها ونحترمها، لكن العقل في فهم النص وتوجيهه لا يرده ولا يجحده.
وتجد آخر يقول: قال النبي ﷺ : (يقطع الصلاة ثلاثة: الحمار، والمرأة، والكلب الأسود)، أما الحمار والمرأة ففيهما خلاف شديد بين المذاهب للتخصيص، وأما الشاهد من الكلام قوله: لا أرى فرقاً بين الكلب الأسود والأبيض والأحمر، ويرد الحديث بحجة أنه لا فرق بين هذا وذاك، ولما سئل النبي ﷺ عن الكلب الأسود قال: (الكلب الأسود شيطان).
وفي صحيح مسلم (تدنو الشمس يوم القيامة من رءوس العباد على قدر ميل) يقول قائل: الشمس بيننا وبينها ملايين الكيلو مترات، وإذا اقتربت منا سنتيمتر فإنها تحرق الناس؟ فكيف تدنو من رءوسهم يوم القيامة بقدر مسافة ميل؟ وهكذا يردون النصوص الصحيحة بحجة أنها لا تستقيم مع أفهامهم، وهذا سوء خلق مع كتاب الله ومع سنة النبي محمد ﷺ .
يقول النبي ﷺ : (للشهيد عند ربه ست خصال: يغفر له من أول دفعة من دم) أول دفعة دم تنزل من جسده يغفر له بها كل ذنوبه.
ثانياً: (يأمن من عذاب القبر).
ثالثاً: (يأمن من الفزع الأكبر).
رابعاً: (يلبس تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها).
خامساً: (يتزوج باثنتين وسبعين من الحور العين).
سادساً: (يشفع في سبعين من أهل بيته).
كتب أحد العقلانيين يتهكم في عموده: كيف نقبل أن يتزوج الواحد باثنتين وسبعين؟ عقولنا لا تقبل ذلك.
ويزعم أن هذا لا يستقيم مع عقولنا، وكل النصوص الشرعية عرضوها على عقولهم، فما قبله العقل قبلوه، وما رده العقل ردوه، فاتصفوا بسوء الخلق مع كتاب الله، ومع سنة رسول الله.
والعلم المعاصر يثبت الآن بعد تحليل جناحي الذبابة أن في أحد جناحيها داء وفي الجناح الآخر الدواء، ولأننا هدانا الله إلى حسن الخلق، قلنا: نغمس وننزع؛ لأن الذي أمرنا بذلك هو الذي لا ينطق عن الهوى، أما القوم فانتظروا حتى أثبت العلم ذلك، ونحن نقول: أثبت العلم أو لم يثبت فما علينا إلا أن نقول: سمعنا وأطعنا.
إذاً: حسن الخلق مع الخالق أن تتلقى أخباره بالقبول والتصديق.
ثانياً: أن نتلقى أحكامه بالتنفيذ والتطبيق في العبادات والمعاملات، برضا وسلامة صدر وانشراح وحب، وهذا حال المؤمن.
يقول النبي ﷺ : (أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر)، ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢]، أما المؤمن إذا صلى الفجر ينتظر حتى الصباح في مصلاه يذكر الله، ويدخلها وهو يستشعر قول رسول الله ﷺ : (وجعلت قرة عيني في الصلاة).
وحينما يخرج الزكاة يخرجها برضا وبحب، ويدعو الله أن يقبل منه، ويرغب أن يزيد من الإنفاق.
والصيام مشقة، لكن المؤ
стр. 47
حسن الخلق من المخلوق
أما حسن الخلق مع المخلوق فهذا موضوع يطول، قال الحسن البصري: حسن الخلق هو كف الأذى، وبذل الندى، وطلاقة الوجه.
وكف الأذى: أن تكف أذاك عن المسلمين، عن أعراضهم وأموالهم ودمائهم.
وفي حجة الوداع، يقول النبي ﷺ للناس جميعاً: (إن أموالكم وأعراضكم ودماءكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)، هذا هو كف الأذى، فمن منا يكف أذاه عن إخوانه؟ إن كف أذاه عنه في ماله نهش لحمه، وأكل عرضه.
جلس قوم عند أحد الصالحين، فقبل أن يأتيهم بالطعام أخذوا يغتابون أخاً لهم في عدم حضوره، فجاء الرجل، وقال: يا قوم لقد كنا قديماً نأكل الخبز قبل اللحم أما أنتم الآن فبدأتم باللحم قبل الخبز، بدأتم بعرض أخيكم.
وكف الأذى عن أموال المسلمين ألا تنصب، ولا ترتشي، ولا تحتال، ولا تأخذ مالاً بغير حق، كل هذا من كف الأذى.
وأن تكف لسانك عن أعراضهم بالغيبة، وما أدراك ما الغيبة التي نتمضمض بها صباحاً ومساءً أكثر من وضوئنا للصلاة، الغيبة هي: (ذكرك أخاك بما يكره) كما قال النبي ﵊.
يقول أحد السلف: جاهدت نفسي في الغيبة، فقلت: كلما اغتبت أحداً صمت يوماً، فأجهدني الصيام، فقلت: كلما اغتبت تصدقت بدرهم، فدفعني حب المال إلى ترك الغيبة؛ لأنه كلما أخرج درهماً شعر أنه يخرج ما يحبه.
فالشاهد أنه أراد أن يهذب نفسه، أما نحن الآن لا هم لنا، قالوا، قلنا، سمعنا، سمعت، ظنوا وهكذا، بدون بينة ولا دليل، قدح، سب، قذف، تطاول، يا قوم ما شرعت العبادات لذلك، فينبغي كف الأذى في العرض والمال والنفس.
أما بذل الندى، فهو الجود والكرم، أن تبذل النفس والمال والجاه، كما أخبر بذلك النبي ﵊، أن تبذل لأخيك، أن تسير معه في حاجته، أن تكون إلى جواره في مصيبته، أن تأخذ على يده، كما قال النبي ﷺ : (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قالوا: يا رسول الله عرفنا كيف ننصره مظلوماً، فيكف ننصره ظالماً؟ قال: أن تأخذ على يده).
أما طلاقة الوجه.
ويا ليتنا نضعها في اعتبارنا، فقد قال النبي ﷺ : (تبسمك في وجه أخيك صدقة).
وقال: (لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق)، تجد البعض يقابلك ويعبس في وجهك، كأنه يبغضك أكثر من بغضه لأهل الكتاب، وإن ألقى السلام يعبس في وجهك، ويكشر عن جبهته، وكأن بينك وبينه ثأراً، لقد كان النبي ﷺ يتبسم في وجوه الناس، وصدق الله سبحانه إذ يقول: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 48
عدم الغش في البيع من حسن الخلق وبيان خطر النميمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.
أيها الإخوة الكرام الأحباب، إن حسن الخلق أثقل ما يوضع في الميزان، وعلى العبد أن يدرب نفسه، وأن يجاهدها في هذا الباب.
خرج رجل إلى السوق ليبيع عبداً مملوكاً له فقال: غلامي هذا فيه خصال كذا وكذا وظل يمدحه، ثم قال: إلا أنه نمام، والواجب أن يبين البائع عيب السلعة التي يبيعها، ومن الغش أن يخفي العيب، فهذا رجل عنده حسن خلق في البيع، فبين أن في غلامه كذا وكذا، إلا أنه نمام، فقال أحد الناس ممن لا عقل لهم: هذا عيب ضئيل لا وزن له، وأخذه على عيبه، فجاء الغلام إلى سيده وقال له: سيدي إن سيدتي تبغضك، وتدبر لقتلك فتناوم، يعني: اجعل نفسك نائماً وستنظر صدق ما أقول، ثم ذهب إلى سيدته وقال لها: سيدي يريد أن يتزوج عليك، وإن أردت ألا يفعل فخذي شعرة من لحيته وائتيني بها، وأنا أفعل لك أمراً لن يتزوج به عليك، فجاءت المرأة بالليل بالموسى وهوت على رأس زوجها لتأخذ منه شعرة، ففتح الزوج عينه فوجدها تهوي عليه، فجذب الموسى من يدها وطعنها وقتلها، فلما وصل الأمر إلى أهلها اجتمعوا عليه فقتلوه، فدار الحرب بين القبيلتين.
انظروا إلى ما حدث من ذنب يسير نظنه، ولكنه ليس يسيراً عند الله، وإنما يمكن لك أن تتجاوزه، كما قال ﵊ في الحديث الصحيح: (إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير) أي: ما يعذبان فيه أمر كان من اليسير عليهما أن يتجنباه؛ لأنه قال: (بلى إنه كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله)، وفي رواية: (لا يستبرئ)، وفي رواية: (لا يستنزه).
رجل أعمال يسير في الطريق الصحراوي ضاقت به السبل، يركن السيارة ينزل، فإذا به يقضي حاجته على قارعة الطريق، أما تستحي من الله؟ أما تستحي من الناس؟ لا يستتر، ولا يستبرئ ولا يستنزه من بوله.
(وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة بين الناس).
قال رجل لـ عمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين فلان يقول في حقك: كذا، فقال له عمر بن عبد العزيز: أيها الرجل إن كنت كاذباً فأنت من الذين قال الله فيهم: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦]، وإن كنت صادقاً، فأنت من الذين قال الله فيهم: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١١]، قم، قال: العفو يا أمير المؤمنين.
فمن قال لك قال عليك.
لو أننا أخذنا هذا المبدأ وسرنا به في حياتنا لاستقامت الحياة، ولعمت راحة الصدور، ولاطمأن البال، ولكننا تركناه فعمت الفوضى التي نعيش فيها الآن، وضاعت الأخلاق، وانهارت القيم، أسأل الله سبحانه أن يحسن أخلاقنا.
اللهم حسن أخلاقنا كما حسنت خلقتنا، وحرم وجوهنا على النار.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.
اللهم طهر ألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، وقلوبنا من النفاق.
اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا.
اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.
اللهم ول أمورنا خيرنا.
اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات، ونسألك حبك وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك.
اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، وجلاء همنا وغمنا، ونور أبصارنا، وشفاء صدورنا.
اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، وبعد الموت جنة ونعيماً.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر عبادك المستضعفين في فلسطين، اللهم عليك باليهود ومن والاهم، اللهم شتت شملهم، وفرق جمعهم، وجمد الدماء في عروقهم وزلزل الأرض من تحت أقدامهم، اللهم عليك باليهود ومن والاهم، اللهم أرنا فيهم يوماً أسود، فإنهم لا يعجزونك.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 49
تفسير سورة القلم [٤]
الحياء خلق من أخلاق الإسلام، وفطرة فطر الله عليها الإنسان، وهو خلق يحض على مكارم الأخلاق، وهو شعبة من شعب الإيمان، والالتزام بخلق الحياء يقلل من المنكرات في المجتمع، والحياء لا يأتي إلا بخير، وإذا كان يؤدي إلى ترك الواجبات المأمور بها فيترك؛ لأنه لا حياء في السؤال عن أمور الدين.
стр. 50
تعريف الحياء
الحمد لله رب العالمين، الذين أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماءٍ مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون، خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة في قرار مكين، ثم خلق النطفة علقة سوداء للناظرين، ثم خلق العلقة مضغة بقدر أكلة الماضغين، ثم خلق المضغة عظاماً كأساس لهذا البناء المتين، ثم كسا العظام لحماً هي له كالثوب للابسين، ثم أنشأه خلقاً آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين، ثم إنكم بعد ذلك لميتون، ثم إنكم يوم القيامة تبعثون.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، يغني فقيراً، ويفقر غنياً، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته، فهو مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه كيفما شاء وحسبما أراد، فاللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك، وأشهد أن نبينا ورسولنا وشفيعنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه القائل: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) عبده ورسوله.
ثم أما بعد: فيا أيها الإخوة الكرام، لا زلنا مع قول الله سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، فأزمتنا أزمة أخلاق، وعباداتنا لا تحقق الغرض منها إلا بالأخلاق، وقد تحدثنا عن مفهوم حسن الخلق، وعن حسن الخلق مع الخالق، وحسن الخلق مع المخلوق، ووضحنا الأمور التي يدور عليها حسن الخلق، وأن أثقل ما يوضع في ميزان العبد يوم القيامة حسن الخلق.
وحديثنا اليوم عن خلق سماه النبي ﷺ : خلق الإسلام، حيث قال: (إن لكل دين خلقاً، وخلق الإسلام الحياء)، فحديثنا عن الحياء، ومن ثم سيكون عنوان الخطبة: إرشاد الأخلاء إلى منزلة الحياء.
ما هو الحياء؟ وما أنواعه؟ كان عند العرب قبل الإسلام حياء، وسنأتي بمقارنة بين مواقف العرب قبل البعثة، وبين مواقف من ينتسبون إلى الإسلام اليوم، ثم نتحدث عن الحياء في القرآن والسنة، ثم نتحدث عن حياء الأنبياء، وعلى رأسهم النبي محمد ﷺ ، ثم عن حياء الصحابة وحياء الصحابيات، ثم نختم الحديث بأمور لا ينبغي أن يكون فيها حياء، ثم نذكر من أرض الواقع نماذج على هذه القضايا الهامة.
والحياء يعرفه العلماء: بأنه صفة خلقية تبعث على اجتناب الرذائل، وتدفع إلى إعطاء الحق لصاحبه.
وبين الحياء والإيمان ارتباط، فكلما زادت مادة الإيمان في القلب زاد الحياء، وكلما قلت مادة الإيمان في القلب قلّ الحياء، لذلك يقول نبينا ﷺ : (إن الإيمان والحياء قرينان، إذا رفع أحدهما رفع الآخر).
стр. 51
أسباب فقدان الحياء الفطري وعاقبته
إن نزع الحياء من القلب فلا بد أن تعلم أن مادة الإيمان في هذا القلب منعدمة أو ضعيفة، والحياء أصل في فطرة الإنسان، لذلك إذا ما نظرنا إلى واقعنا اليوم نعلم أن البعض منا قد تحلل من الحياء الفطري، فهذا آدم ﵇ لما أكل من الشجرة بدت له سوأته -وظهور السوأة ينافي الحياء-، فأخذ من ورق الشجرة ليواري به سوأته، وكذلك فعلت حواء، ففهما بالفطرة الغريزية أن ظهور السوأة ينافي الحياء، وانظر يا عبد الله إلى واقعنا فستعلم أن الحياء قد نزع، لا أقول: الحياء الاكتسابي الذي يناله المرء بالتعلم، إنما أصل الحياء قد نزع.
فحينما ترى شاباً يقبل فتاة على مرأى من الجميع والحضور، هل نزع الحياء منه أو لم ينزع؟ وحينما ترى ولي أمر يجلس بين أهل بيته، ويفتح ذلك الجهاز الذي يدمر الأخلاق ويحطمها، فإذا بالبطل يقبل البطلة ويحتضنها، والأسرة تنظر إليه، هل نزع الحياء منه أو لم ينزع؟ نزع الحياء.
وحينما ترى من تسير عارية الشعر والصدر والذراعين والساقين، أو تلبس بنطالاً يجسد عورتها المغلظة، هل نزع الحياء منها أو لم ينزع؟ وحينما ترى إسهاب المرأة في العبارة، وتغنجها في الكلام مع الرجال.
وحينما ترى من يجاهر بالمعصية فلا يستحي من نفسه، ولا من الله ولا من الملائكة، ولا من الناس، فهو يجاهر بالمعاصي عياناً بياناً، هل نزع الحياء منه أم لم ينزع؟ انظر يا عبد الله يوم أن خرجت علينا بعض الصحف بتلك الجريمة البشعة التي قام بها من لا حياء عندهم، حينما اغتصب طبيب أسنان بعض النساء بإعطائهن مخدر، ثم يصورها عارية وهي غائبة عن الوعي، ثم يتاجر في هذه الأفلام ويبيعها، وقد قلنا: إن سبب الجريمة أولاً: غياب التعاليم الشرعية، وأنه لا يجوز للمرأة أن تذهب بدون محرم، وقد أيد هذا الكلام نقيب أطباء الأسنان، فإذا برجل لا حياء عنده يكتب لنقيب الأطباء ويقول: يا نقيب الأطباء قلها صراحة: إنك تريد للنساء ألا يذهبن إلا بمحرم، وهذه الرجعية التي تنادي بها وهذا الجمود والتحجر الذي تريد به أن تعيدنا إلى عصر الظلام.
فهذا الرجل الذي نزع منه الحياء يكتب هذا الكلام ليطعن في النبي ﵊ حينما أمر المرأة ألا تخرج إلا مع محرم، وأن هذه رجعية وتخلف وعودة إلى عصور الظلام، ثم قال: ولا بد لنقيب الأطباء أن ينظر في حاله فربما أثر عليه الأصوليون، وربما لوث فكره بمذاهب المتحجرين، لا بد من إعادة نظر، فنقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، أين الحياء؟ لا حياء مع الخلق ولا مع الخالق.
стр. 52
صور من الحياء الفطري عند العرب قبل الإسلام
كانت العرب قبل الإسلام تعرف خلق الحياء، فقد جاء في كتاب بدء الوحي عند البخاري أن هرقل أرسل إلى أبي سفيان مع بعض أصحابه وكانوا تجاراً بالشام يسألهم عن النبي محمد ﷺ ، وكان هرقل داهية، ومحللاً ومدركاً للعبارات، ويربط الأحداث والجمل ويستنبط؛ لذلك قال أبو سفيان: ما رأيت داهية كهذا الأقلف؛ لأنه كان غير مختون.
قال لهم هرقل: أيكم أقرب نسباً إلى هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان: أنا، واختار القريب نسباً؛ لأنه إن طعن في نسبه فسيطعن في نسبه هو، فقال أبو سفيان: أنا، فقال لترجمانه: قربوه واجعلوا أصحابه خلف ظهره، وقال لأصحابه: إني سائله فإن كذبني فكذبوه، بعد أن أبعدهم عن مواجهته، بحيث إذا كذب في الحديث كذبوه من خلفه، يقول أبو سفيان: وسألني ولولا أني خفت أن يأثروا علي كذباً لكذبت، لولا أني استحييت، قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: إنه لو كذب ما كذبوه؛ لأنهم اشتركوا معاً في بغض النبي ﵊، ولكن أبا سفيان خشي أن يقول الناس بعد أن يرجعوا: إنه كذب على النبي ﷺ ، فـ أبو سفيان استحيا أن يكذب، فكان عندهم حياء.
وأبو جهل بعد هجرة النبي ﵊ قال له قومه: تسور الجدار على أسماء وسلها عن أبيها وعن رسول الله، فقال: يا قوم أتريدون أن يعيرني الناس ويقولون: إن أبا جهل يتسور الجدران على النساء بالليل، الله أكبر! أين حياء أبي جهل ممن يقتحم البيوت ويدخل إلى الحجرات وينظر إلى العورات دون أن يتقي رب البريات؟ أبو جهل ينأى بنفسه أن يعتلي جداراً لينظر إلى امرأة ليس معها أحد، والقرآن الكريم جاء يبين في سورة القصص موقف ابنتي شعيب يقول ربنا سبحانه: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لنا﴾ [القصص:٢٥].
يقول عمر ﵁: خرجت وقد وضعت كم درعها على وجهها، وهي تحدث رجلاً أجنبياً لا يحل لها أن تحدثه، فلم تكن سلفع، خراجة ولاجة جريئة لا حياء عندها.
في الجاهلية وقع البرقع من امرأة أمام مجلس الرجال، ثم ناخت على الأرض بقدميها لتأخذ البرقع بيدها الأخرى، واستحيت من الحضور، أين الحياء في زماننا يا قوم؟
стр. 53
الحياء من صفات الله سبحانه ومن صفات الأنبياء والمؤمنين
الحياء صفة من صفات رب العالمين، وفي الحديث الصحيح: (إن الله حيي كريم، يستحي أن يرفع الرجل يده إليه فيردهما صفراً خائبتين)، ولذلك ربنا رحيم يحب الرحماء، كريم يحب الكرماء، حيي يحب أصحاب الحياء .
جاء في كتاب العلم عند البخاري باب من اغتسل عرياناً وحده، ومن شدة حياء بعض الصحابة كـ عثمان أنه كان إذا اغتسل بمفرده ما قام وما انتصب، إنما كان يغتسل وهو جالس حياءً من ربه.
أما بنو إسرائيل فقد كانوا يغتسلون عرايا مع بعضهم البعض، لكن موسى ﵇ كان رجلاً حيياً شديد الحياء، كان يغتسل وحده، وكما هو معلوم أن اليهود هم مصدر الإشاعات ومروجوها في الدنيا، فقال بنو إسرائيل: إن موسى لا يغتسل معنا؛ لأن به أدرة -أي: انتفاخ في الخصيتين- وشاع هذا بين بني إسرائيل فآذوه معنوياً، فنزل موسى يوماً يغتسل وحده وقد وضع ملابسه على حجر وبيده عصاه، وخرج بعد أن اغتسل، فإذا بالحجر يأخذ ملابسه ويجري، وهو يسير خلف الحجر ويقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، وبينما هو يجري خلف الحجر مر على قوم من بني إسرائيل؛ فنظروا إليه فإذا به أحسن ما خلق الله، قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب:٦٩].
وقد راعى الإسلام الحياء في مسألة الزواج، يقول ﷺ : (لا تنكح البكر حتى تستأذن، ولا الثيب حتى تستأمر، قالت عائشة: يا رسول الله إذاً تستحي).
أي: أن البكر حينما تسأل: هل تريدين هذا الرجل لك زوجاً، تستحي أن تتكلم، لكن متى كانت تستحي؟ يوم أن كان هناك حياء، أما اليوم فإنها تأتي بالشباب إلى والدها، وتقول: يا أبي أقدم لك بلا فخر زوجي الذي ارتبطت به شئت أم أبيت، فموافقتك لا تقدم ولا تأخر، والحمد لله أنا في الشهر الثالث بالزواج العرفي، وبعض الأمهات تقول لابنتها: إن لم تأتي بزوجك من الجامعة لن تتزوجي أبداً، انصبي الشباك على شاب حددي الهدف، إن أنهيت المرحلة الجامعية دون أن تأتي بفريسة لن تتزوجي، كوني ذكية، ابحثي عن شاب.
(قالت عائشة: يا رسول الله البكر تستحي، فقال لها النبي ﵊ إذنها صماتها).
يعني: إذا سكتت فهي في حكم الموافقة، تقول أُمنا عائشة ﵄ كما عند الحاكم وصححه على شرط الشيخين، وسكت عنه الذهبي: لما دفن الرسول ﷺ في حجرتي كنت أضع الخمار عن رأسي، فلما دفن أبي كنت أضع الخمار، فلما دفن عمر في حجرتي كنت أشد الخمار على رأسي؛ حياءً من عمر في قبره.
الله أكبر! فأين الحياء يا أمة ضاع فيها الحياء؟!!.
أما في الأعراس فحدث ولا حرج: عروس تجلس كاشفة الصدر، كاشفة الرأس والذراعين والمفاتن بجوار زوجها الديوث، والجميع ينظر إليهما، والفيديو يصور، والناس تشاهد، أين الحياء؟ ويسلمها زوجها للكوافير، ويتنازل عن رجولته من أول لحظة، وإن أراد أن يدخل قيل له: اخرج لم ننته بعد، سنعطيها لك حينما ننتهي، ويقف الديوث ساعات على باب الكوافير، بدون حياء، وانظروا إلى المصائب التي تعرض علينا آناء الليل وأطراف النهار لنزع الحياء، ممن انعدمت في قلوبهم مادة الحياء، ويريدون أن ينزعوا منا الحياء، لقد أدخلوا الزنا إلى حجرات نومنا عن طريق القنوات الفضائية، ومسابقة ملكات الجمال حتى آخر صيحة، يقول مقدم البرنامج في قناة النيل: نريد أن نقلب مسابقة ملكات الجمال إلى نوع أكثر تقدماً ومسابقة الإغراء، نريد أن نحول الحكم على الجمال إلى إغراء الرجال، فماذا يريدون بمصرنا؟ لا أدري، إذا استمر الحال على هذا يوشك أن تنزل علينا حجارة من السماء، وذلك إذا رأينا العصاة ووافقناهم على ما هم فيه.
جاءت أم سليم تقول: (يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: نعم، إذا رأت الماء، فقالت أم سلمة: أتحتلم المرأة يا رسول الله؟! قال: تربت يداك يا أم سلمة ففيم يكون الشبه)، فلم يمنع أم سليم الحياء أن تتفقه في دين رب العالمين، لذلك هناك أمور لا حياء فيها، سنتحدث عنها في اللقاء الثاني بعد بيان حياء الأنبياء، وحياء الصحابة والصحابيات.
стр. 54
صور من حياء الصحابة
جاء النبي ﷺ إلى ابنته فاطمة وهي نائمة مع زوجها في فراش واحد، فلما علمت به جذبت اللحاف على رأسها، قال: (يا فاطمة! أنا أبوك)، استحيت من أبيها وهي تنام بجوار زوجها.
وجاء في صحيح مسلم: (كان النبي ﷺ يجلس يوماً وقد بدا جزء من فخذه، فدخل أبو بكر فظل على حاله، ودخل عمر فظل على جلسته، فلما دخل عثمان عدل النبي ﷺ من جلسته، وجذب القميص على فخذه، فقالت عائشة: يا رسول الله فعلت كذا وكذا، قال: يا عائشة ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة).
فـ عثمان بن عفان هو الذي أعد ثلث جيش العسرة، فقال النبي ﷺ في حقه: (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم).
وعثمان على عظم منزلته نجد من يكتب عنه في كتبه ويقول: لقد حابى عثمان أقرباءه وقربهم، ولم يعدل في رعيته، ولم يمتثل خطوات السابقين كـ أبي بكر وعمر، فنقول لهذا الكاتب: اخسأ، فأنت تتحدث عن ذي النورين الذي قال النبي ﷺ في حقه: (لو كانت لي ثالثة لزوجتها عثمان) من عقيدة أهل السنة في الخلاف بين الصحابة أن نكف عما وقع بينهم من خلاف؛ لأن هؤلاء أصحاب النبي ﷺ ، خطؤهم مغفور، واجتهادهم مشكور، لسبق إسلامهم، وحسناتهم الماحية، قال الله في حقهم: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩]، يقول ابن حزم وابن الجوزي في زاد المسير: كل أصحاب النبي ﵊ في الجنة.
جاء أبو موسى الأشعري ﵁ وقال لـ عائشة ﵂: (إني أريد أن أسألك غير أني أستحي، قالت: سل فإنما أنا أمك، قال: ما تقولين في الرجل يجامع زوجته دون أن ينزل، قالت: لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا مس الختان الختان وجب الغسل)، الختان الأول ختان الذكر، والختان الثاني ختان الأنثى.
إذاً: الأنثى تختن، لكنهم يريدون لها ألا تختتن، أتدري لماذا؟ حتى يرفعوا البقية الباقية من الحياء، يقول ابن القيم: وكان الرجل يعير إن لم تكن أمه مختونة، فيقال له: يا ابن القلفاء، المقصود أن أمك تتطلع إلى الرجال أكثر من غيرها.
ومما أثر من كلام النبوة الأولى: (إن لم تستحي فاصنع ما شئت)، يقول ابن القيم: والحديث يحتمل أكثر من معنى: الأول: تهديد ووعيد: (إن لم تستح فاصنع ما شئت)، فمآلك إلى النار، كذلك قول الله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت:٤٠]، هذا كلام بمعنى التهديد.
ثانياً: إباحة وأمر، إن لم تستح من الفعل فافعله، يعني: الحاكم على الفعل هو الحياء، فإن لم تستح فاصنع، أما إن استحييت فلا تصنع.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 55
مواطن ذم الحياء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.
وبعد: فقد جاء في البخاري: (أن النبي ﷺ مر على رجل يعظ أخاه في الحياء، فقال النبي ﷺ : دعه؛ فإن الحياء من الإيمان)، وهو القائل ﷺ : (الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان).
فالحياء كما يحمد في مواطن فإنه يذم في مواطن، فلا حياء في طلب العلم، تقول عائشة ﵂: رحم الله نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء من الفقه في الدين.
وأخرج البخاري في كتاب العلم (باب لا يتعلم العلم مستح ولا مستكبر) حديث عبد الله بن عمر الذي قال فيه: (كنا عند النبي ﷺ فخرج علينا يوماً، وهو يأكل جماراً) والجمار قلب النخلة، والنبي ﷺ يريد أن يقرب لأصحابه فهم السؤال، وهذا معناه: أن السائل ينبغي عليه أن يرمز لمن يسأله برمز حتى يوضح له السؤال، فالنبي ﷺ خرج بجمار ليختبر الأفهام، وهذا من باب تفاوت الأفهام، ولذلك أقول الأصل في السؤال أن يكون مشافهة، فيا ليتنا نأخذ هذا المبدأ في دروسنا، المشافهة هي الأصل، الورقة استثناء؛ لأن الورقة صماء، انظروا إلى الأحاديث والآيات كان الصحابة وغيرهم يسألونه ﷺ والنبي يجيب، ما كتب أحدهم ورقة أبداً، إنما كان يسأل مباشرة، فهذا الأعرابي يقول: (يا رسول الله متى الساعة؟ فسكت النبي ﷺ ثم قال: أين السائل عن الساعة؟) فالسؤال بالمشافهة يعطي فرصة النظر في حال السائل، والإجابة تختلف باختلاف السائل، وهذا هو أصل، أما الورقة فلا تبين لك حال السائل.
لذلك ابن سيرين لما جاءه رجل وقال: يا إمام إني رأيت في المنام أني أؤذن؟ فـ ابن سيرين بعد أن نظر إلى وجهه وبه سمت الصالحين قال: أبشر فستحج بيت الله، قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧].
وجاء رجل آخر وقال: يا إمام إني رأيت أني أؤذن؟ وهذا نفس السؤال الأول، لكن الشخص مختلف، فاختلفت الإجابة؛ لأنه نظر إلى وجهه فإذا فيه سمت اللصوص، فقال: أبشر فستسرق وتقطع يدك، يقول تعالى: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف:٧٠].
فكانت إجابات النبي ﷺ تختلف باختلاف حال السائل، فسائل يقول: (يا رسول الله أوصني، قال: لا تغضب).
وآخر يقول: (يا رسول الله أوصني، قال: لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله)، وآخر يقول له: (قل آمنت بالله، ثم استقم).
وآخر يقول له: (أطعم الطعام، وأفش السلام، وصل بالليل والناس نيام).
كل سائل على حسب حاله، أما الورقة فإنها صماء لا تبين حال السائل، رجل يستفتيك في طلاق قام وهو سريع الطلاقات، يتلفظ بالطلاق مائة مرة في المجلس الواحد، فهذا يحتاج إلى تكدير وتغليظ، يختلف عن حال آخر.
قال ابن عمر: (خرج علينا النبي ﷺ وهو يأكل جماراً، ثم سأل: إن من الشجرة شجرة لا يسقط ورقها أخبروني ما هي؟، فوقع الصحابة في شجر البوادي، قال ابن عمر: وكنت أصغر القوم فدار في نفسي أنها النخلة، لكني استحييت أن أتحدث في وجود كبار أصحاب رسول الله)، وإذا قارنا بين حال عبد الله بن عمر وحال بعض طلاب العلم الذين يكونون بين العلماء، فإذا طرحت مسألة إذا به يفتي في حضورهم، ويتحدث في وجودهم، يا عبد الله استح من نفسك، لا تتحدث قبل أن يتحدث العالم، والبعض إن تحدث العالم قاطعه قائلاً: هذا خطأ، لقد قرأت في كتاب كذا، يا رجل استح واعلم كيف تتكلم عند سؤال العالم، فهناك آداب في السؤال، وهناك آداب في طلب العلم ينبغي أن تراعيها، ولذلك ابن عمر استحيا، فعجز الصحابة الحضور عن الإجابة، فقال النبي ﷺ : (إنها النخلة)، فقال ابن عمر لأبيه: يا أبي لقد حدثتني نفسي أنها النخلة ومنعني الحياء، قال: يا ولدي لقد كان أحب إلي من كذا وكذا أن تخبر بها رسول الله.
أراد البخاري لفقهه العالي في تبويبه أن يبين هذا المعنى فيقول: من استحيا فأمر غيره بالسؤال، يعني ابن عمر استحيا، كان واجب عليه أن يخبر أباه حتى يخبر النبي ﷺ ، فقد جاء عن علي يقول: (كنت رجلاً مذاء -أي كثير المذي-، فكنت أغتسل في الشتاء حتى كاد ظهري يتشقق من كثرة الغسل، فأردت أن أسأل رسول الله لكن منعني الحياء)؛ لأنه زوج فاطمة وهي ابنة النبي صلى الله عليه و
стр. 56
تفسير سورة القلم [٥]
شرع الله لعباده شرائع، وحدّ لهم حدوداً، وأوجب عليهم العمل بشرعه، فإن فيه سعادتهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة، وإن مما حرمه الله سبحانه الزنا؛ لأن فيه فساد المجتمعات، وانتهاكاً للحرمات والأعراض، وفيه اختلاط الأنساب، فهو جريمة قبيحة، ولذلك حرم الله أسباب هذه الجريمة بدءاً من النظر الذي هو الطريق إلى الفاحشة، ومروراً ببقية الأسباب الموصلة إليه، كالخلوة، والتبرج، وما شرع الله ذلك إلا لمصلحة البشر، وليعيش المجتمع طاهراً نقياً.
стр. 57
تحريم الزنا وأسباب الوقاية منه
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنه، وما بكم من نعمة فمن الله.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:٣]، خلقنا من عدم، وأطعمنا من جوع، وكسانا من عري، وهدانا من ضلال، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم والبغي بغير الحق، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون.
وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، بعثه الله سبحانه ليتمم مكارم الأخلاق، حيث قال ﵊: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، فكأن الغاية من رسالته والهدف من بعثته هي أن يتمم مكارم الأخلاق، ولقد تحدثنا عن الأخلاق وتعريفها عند العلماء، وحسن الخلق مع الخالق، وحسن الخلق مع المخلوق، وعن صفة خلقية ينبغي على المسلم أن يتحلى بها ألا وهي الحياء.
وموضوعنا اليوم عن فعل قبيح شاع في زماننا، حرمه الإسلام وحرم الوسائل المؤدية إليه؛ لأن الذين يريدون للأمة أن تميل عن صراط الحق، كما قال سبحانه: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٢٧]، نشروا تلك الوسائل، حتى عمت تلك الكبيرة، ألا وهي الزنا، أعاذنا الله وإياكم منها.
يقرر علماء الأصول قاعدة أصولية يقولون فيها: كل ما أدى إلى الحرام فهو حرام والمعنى: أن الوسائل لها أحكام الغايات، فما أدى إلى الحرام فهو حرام، وكلما ساعد على الحرام يأخذ حكمه، ومن ثم من أجر متجراً أو محلاً لتباع فيه أشرطة الفسق والضلال فدخله حرام، من فصل بنطالاً لامرأة تخرج به سافرة فعمله حرام؛ لأن الله يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢].
والإسلام حينما حرم الزنا حرم السبل المؤدية له، ولذلك لقاؤنا اليوم بعنوان: الوسائل الواقية من الزنا.
لقد حرم الإسلام الفواحش بصفة عامة، والآيات في ذلك متعددة، يقول ربنا سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف:٣٣].
ويقول سبحانه: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ [البقرة:٢٦٨].
ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور:١٩].
ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠].
وجاءت الآيات القرآنية تقرر أن من أعظم الفواحش جريمة الزنا، فكم من أعراض تنتهك بسبب ما وقعنا فيه، وبسبب اجتنابنا لشرع ربنا .
لقد وضع الإسلام ثلاث عشرة وسيلة ليغلق هذا الباب، نقرؤها جملة ثم نشرحها تفصيلاً، ثم نربطها بالواقع المؤلم: أولاً: أمر بغض البصر.
ثانياً: نهى عن التبرج.
ثالثاً: نهى عن الاختلاط.
رابعاً: حرم الخلوة.
خامساً: حرم على المرأة أن تسافر مع غير محرم.
سادساً: حرم على المرأة أن تخرج متعطرة.
سابعاً: حرم على الرجال مصافحة النساء الأجنبيات.
ثامناً: حرم على النساء الخضوع بالقول.
تاسعاً: حرم على المرأة أن تنظر إلى المرأة فتصفها لزوجها كأنه يراها.
عاشراً: حرم على المرأة أن تمتنع عن فراش زوجها إلا بسبب شرعي.
الحادي عشر: حرم على المرأة أن تسير في وسط الطريق كما سنبين.
الثاني عشر: حرم الغناء.
الثالث عشر: حرم على الرجل أن يحلف أو يقسم على ألا يأتي زوجته أكثر من أربعة أشهر، وهذا يسمى الإيلاء، كما ورد في سورة البقرة.
لو أن الأمة راعت هذه الوسائل لعمت الطهارة؛ لأن الحرب على التستر وحجاب المرأة قد أطلت برأسها من أصحاب القلوب المريضة ليل نهار، من طعن في العفاف والطهارة والحجاب وغير ذلك.
стр. 58
غض البصر
الوسيلة الأولى التي ينبغي على المسلم والمسلمة أن يراعيها حتى لا يقع في ذلك المستنقع: غض البصر، وقد جاءت في الآيات القرآنية تأمر بغض البصر، يقول ربنا سبحانه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠]، ثم قال ربنا: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١].
والنبي ﵊ أمرنا بغض البصر، كما جاء من حديث جرير بن عبد الله البجلي حينما سأله عن نظر الفجأة؟ قال: (اصرف بصرك).
فانظر يا عبد الله إلى ما نحن فيه، هل غض بصره من نظر إلى فيلم هابط يدعو إلى الفاحشة وإلى الدعارة؟ هل غض بصره من نظر إلى مجلة خليعة ترسم على غلافها صورة امرأة عارية؟ هل غض بصره من وقف أمام محل لا يتقي صاحبه الله فيعرض صوراً عارية؟ إنا لله وإنا إليه راجعون.
لقد أمرنا رسولنا ﷺ بغض أبصارنا عن كل ما يغضب الله، يقول نبينا ﵊: (إياكم والجلوس في الطرقات، فقالوا: يا رسول الله لا بد لنا منها، قال: إن كان ولا بد فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر)، فهل أدينا حق الطريق يا عباد الله؟ انظروا إلى ما نحن فيه، فقد شرد البصر يميناً ويساراً، وأصبح يدعو إلى تلك الجريمة، فاحذر؛ لأنه جاء في الخبر: (أن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس)، كلما نظرت وقع في قلبك فتمنيت فتذكرت فعزمت، فاستدرجك الشيطان.
إذاً: فأول الطرق الواقية من الزنا هي غض البصر عما حرم الله.
стр. 59
الحجاب وعدم التبرج
ثانياً: حرم الإسلام التبرج؛ ليسد هذا الباب، والمتأمل في واقع الأمة يجد أن هناك فريقاً يأمر بالفحشاء والمنكر، ويعلنها حرباً على الحجاب والطهارة والعفاف.
ولباس المرأة المسلمة له شروط، شرعها الله لها؛ لأنه الذي خلقها، وهو الذي جعل لها حقوقاً بعد أن كانت المرأة في الجاهلية تقتل، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩]، بل كانت المرأة تورث، بعد موت زوجها يرثها أولادها، فقد جاء الإسلام ليرفع من قدرها وليعلنها صراحة: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾ [النساء:٧].
جاء الإسلام وأوجب على المرأة لباساً ينبغي أن تراعيه بثمانية شروط، إن أردنا أن نطبقها على الواقع سنجد أن الفجوة كبيرة بيننا وبين دين ربنا: أولاً: أن يكون اللباس ساتراً لجميع بدنها.
ثانياً: أن يكون فضفاضاً لا يصف.
ثالثاً: أن يكون صفيقاً لا يشف.
رابعاً: ألا يكون لباس زينة.
خامساً: ألا يكون شبيهًا بملابس الرجال.
سادساً: ألا يكون شبيهًا بملابس الكافرات.
سابعاً: ألا يكون معطراً.
ثامناً وأخيراً: ألا يكون لباس شهرة.
ثمانية شروط لملابس المرأة المسلمة هيا بنا نسقطها على الواقع: أن يكون ساتراً لجميع بدنها، فهل ما نراه الآن يستر البدن يا عباد الله؟! تخرج المرأة كأنها تدعو إلى الفاحشة، هل ما نراه الآن فضفاضاً لا يصف، فيما يسمونه بالبنطال الذي يجسد العورة ويظهرها؟ وصدق خير الأنام ﵊: (صنفان من أمتي لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا، نساء كاسيات عاريات)، وللعلماء في هذا اللفظ أقوال: منهم من قال: كاسية بنعمة الله عارية من شكرها، ومنهم من قال: كاسية في موضع عارية في موضع آخر، ومنهم من قال: كاسية بملابس وكأنها عارية وهو الواقع الآن، فإن هذه الملابس إنما هي دعوة إلى الفجور وإلى الفحشاء، لذلك لا تعجب مما تسمع عنه كل يوم وكل حين عن زنا المحارم، وعن الزواج العرفي، وتسميته بالزواج ظلم وعدوان وعن الاغتصاب، وعن ضياع الأعراض، لماذا هذا الواقع المؤلم؟ بسبب الدعوة إلى الفاحشة عن طريق المجلات الهابطة، والنساء المتبرجات اللاتي يخرجن ولا يتقين الله .
لقد وضع الإسلام ثمانية شروط لملابس المرأة التقية العفيفة، فقد نهى الإسلام عن التبرج، فقال ربنا سبحانه: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، قال العلماء: يظلم الجاهلية الأولى من يقارنها بجاهلية اليوم في التبرج، فإن تبرج الجاهلية الأولى كانت المرأة فيه تستر جميع بدنها، وتلبس ثوبًا فضفاضاً غير شبيه بملابس الرجال، ولكنها تظهر جزءًا من صدرها ونحرها، فسماه الله: تبرج الجاهلية الأولى، فماذا نقول في تبرج اليوم: هل هو كتبرج الجاهلية؟ بل قد تعدى وفاق تبرج الجاهلية، تجد الرجل يصلي الفجر في جماعة، ويقوم الليل، ويحفظ القرآن، وإذا نظرت إلى بيته تجد البنت أو الزوجة تخرج وليس عليها سمت الالتزام أبداً.
فيقال له: إن الذي لا يغار على عرضه ديوث، ولا يدخل الجنة ديوث، كما قال النبي ﷺ ، الإسلام سلوك، الإسلام واقع، الإسلام ليس شعارات، الإسلام ليس هتافات، الإسلام انضباط على شرع رب العالمين .
стр. 60
عدم الاختلاط
ثالثاً: من التدابير الواقية من الزنا بعد غض البصر والنهي عن التبرج: عدم الاختلاط، ولو أننا نزّلنا ذلك على مجتمعاتنا لعم العفاف والطهارة، ولكن الذين يريدون أن نتبع الشهوات يسعون ليل نهار لأجل إشاعة الفاحشة، لقد حرم الإسلام الاختلاط، فلا ينبغي للمرأة أن تخالط الرجال، فانظر يا عبد الله إلى واقعنا وإلى الاختلاط الذي نعيشه.
حينما جاءت ابنتا شعيب إلى الماء لتسقيا غنمهما وجدتا على الماء رجالاً فماذا صنعتا؟ لقد انحرفتا بعيداً عن الرجال، فلما مر موسى: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣]، أي: لا نسقي حتى ينصرف الرجال؛ لأنه لا يجوز لنا أن نخالط الرجال.
الاختلاط الآن في جامعاتنا في مواصلاتنا العامة في كل حياتنا، حتى في مكاتبنا الخاصة، يعني: أن كل أعمال السكرتارية والمحاسبة يستجلب لها أصحاب الأعمال سكرتيرة من الدرجة الأولى، حتى تقابل العملاء، وحتى تجذبهم، نسأل الله العافية.
стр. 61
عدم الخلوة المحرمة
من التدابير الواقية من الزنا: النهي عن الخلوة المحرمة، حتى لمن يعلم القرآن، فلا يجوز لمعلم القرآن أن يخلو بامرأة لا تحل له، لا يحل لمن يدعي أنه يعالج بالقرآن أن يخلو بامرأة لا تحل له، لا يحل لمدرس يعطي دروساً خصوصية أن يخلو ببنت أو بامرأة لا تحل له، لا يحل لمدير في منصبه أن يغلق الباب بسكرتيرته، فهذه دعوى إلى الفاحشة، لا يحل للمرأة أن تذهب لطبيب بمفردها إلا مع ذي محرم.
أقول لكم إخواني: لقد خرجت المرأة بغير ضابط، يقول ﵊: (ما خلا رجل بامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما)، فلا يحل لامرأة أن تكون مع رجل إلا مع ذي محرم، ولذلك قال العلماء: يسقط عن المرأة فريضة الحج إن لم تجد محرماً.
خرج رجل مع النبي ﵊ في غزوة، فأخبره الرجل أن امرأته ذهبت لتحج، أتدرون ماذا صنع معه النبي ﷺ ؟ أمره أن يترك الجهاد ليحج مع امرأته.
هذا هو الشرع يا عبد الله، فإن سفر المرأة بدون محرم فتنة، تذهب إلى أسيوط بمفردها، فتركب من الشرقية إلى أسيوط عشر ساعات، وتبيت في القطار، وتجلس شهراً كاملاً مع غير محرم؛ لتتعلم، فأي علم هذا يا عبد الله؟ أي علم الذي يجعلك تجترئ على شرع الله؟ فإذا جاءت بعد أربع سنوات تقول لأبيها: يا أبي تزوجت بفضل الله، وهذا ولدي من زوجي! ونسألك أن تبارك وأن تؤيد، أنت في غفلة يا عبد الله، البنت بعيدة عن متابعتك، إذا خرجت من بيتها استشرفها شيطان، والمرأة عورة كما قال النبي ﵊.
تلك الضوابط إخواني تحفظ أخلاق المجتمع: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
стр. 62
عدم السفر بدون محرم أو مع غير ذي محرم
خامساً: السفر بدون محرم أو مع غير ذي محرم، يقول ﵊: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر يوماً وليله إلا مع ذي محرم)، أي: لا يجوز لها أن تسافر مع غير ذي محرم، أو تسافر بدون محرم، وهذا واقع بيننا، فقد تجلس المرأة في طائرة أو باخرة بجوار ذئب بشري يلين لها الحديث، ويطيب لها القول، ويستدرجها؛ لغياب المحرم عنها.
стр. 63
عدم التعطر خارج البيت وعند غير المحارم
سادساً: يقول ﵊: (أيما امرأة خرجت من بيتها وهي متعطرة)، وما أدراك ما العطور، المرأة في البيت تضع لزوجها الثوم والبصل فيتأذى من الرائحة، وإذا ما أرادت أن تخرج تجلس ساعات أمام المرآة وهو يشاهد ويبارك ويؤيد ويستجلب لها العطور، حتى إذا ما مرت على رجال شموا ريحها، والنبي ﵊ أمر المرأة إذا تعطرت ألا تشهد معه الصلاة، وأنا أدري أن هناك من يسجل الطعن والسب لهذه الأحاديث ويقول عنها: رجعية، تخلف، تجمد، تحجر، عودة إلى عصور الظلام، فماذا حصدنا من الحريات؟ ضياع الأعراض! حرية كفر لا حرية فكر!.
أحبتي الكرام! أمر النبي ﵊ المرأة إذا تعطرت ألا تشهد معه العشاء الآخرة، لا تصلي العشاء في المسجد طالما أصابت العطر، حتى لا تخرج ويشمها الرجال، وإذا فعلت فقد قال ﷺ : (فهي زانية)، يعني: تدعو إلى الزنا، ليس معنى أنها زانية واقعاً، ولكنها تدعو إلى الزنا والفجور.
стр. 64
عدم مصافحة المرأة الأجنبية
سابعاً: نهى الإسلام عن مصافحة المرأة الأجنبية، وكل هذه التدابير تقينا من الزنا، والواقع يعكس غير ذلك تماماً، يقول ﵊ كما في الطبراني وذكره الألباني ﵀ في صحيح الجامع: (لئن يطعن أحدكم بمخيط في رأسه خير له من أن تمس يده يد امرأة لا تحل له)، فلما جاءت النساء يبايعن النبي ﵊ بايع الرجال بالمصافحة، وبايع النساء بدون مصافحة، وما مست يد النبي ﷺ يد امرأة لا تحل له، وإن كان الإسلام حرم النظر فمن باب أولى يحرم المصافحة، وستجد من يقول: أنا أصافح وقلبي أبيض، فنقول له: هل قلبك أبيض من قلب رسول الله؟ هذا من تلبيس الشيطان، وذاك يصافح ويبتسم، ولا يحل لامرأة مؤمنة أن تعطي يدها لرجل أجنبي بحجة التقدم، وربما ستجد من ينتسبون إلى العلم يصافحون النساء الأجنبيات، ويحضرون حفلات الرقص والغناء.
ومما يمرض القلب على واقع الأمة أن رجلاً في أعلى المناصب يقول: لا مانع من إقامة التماثيل للزعماء والرؤساء في الميادين العامة؛ لأنهم أسوة لشبابنا وأسوة لنا، فإذا ما نظر الشباب إليها تأسوا بحياتهم، والنبي ﷺ يقول لـ علي: (لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا تمثالاً إلا طمسته)، وهذا الرجل يقول: لا بأس أن نقيم التماثيل للزعماء حتى نقتدي بهم، وأنا لا أدري ما معنى إقامة تمثال لكوكب الشرق هل لنقتدي بها في الغناء.
وهناك تماثيل في ميادين لأناس ليسوا على الإسلام، و (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا كلب)، كما قال النبي ﵊، والنصوص واضحة بينة في تحريم الصور والتماثيل.
стр. 65
عدم خضوع النساء بالقول
ثامناً: ترك الخضوع بالقول لقوله تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢]، المرأة عند حديثها مع الرجال ينبغي أن تتحدث للضرورة وفي أضيق الظروف مع عدم الخضوع بالقول.
стр. 66
عدم جواز وصف المرأة غيرها لزوجها
تاسعاً: لا تصف المرأة المرأة لزوجها، أي: أن تذهب المرأة وتجلس مع امرأة أخرى، ثم تعود إلى بيتها وتصف المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها.
стр. 67
إجابة الزوجة لزوجها إن دعاها إلى فراشه
عاشراً: وهذا مرض خطير: أن النساء ينبغي أن يتعلمن أن طاعة الزوج واجبة طالما ليست في معصية الله، واسمع إلى حديث رسول الله ﷺ : (أيما رجل دعا زوجته إلى فراشه فتمنعت عليه إلا باتت تلعنها الملائكة)، على نسائنا اليوم أن يتقين الله في أنفسهن؛ لأن النبي ﵊ أمرنا إذا رأى الرجل امرأة فأعجبته ووقعت في نفسه أن يذهب إلى زوجته، فإن الذي معها مثل الذي معها، وقد يرى الرجل امرأة فيذهب إلى زوجته، فتقول: لا، أنا مريضة وغير مستطيعة انصرف، إلى أين ينصرف؟ الله أعلم، نسأل الله العافية، أين هذا الأدب في بيوتنا؟ وأيضاً لا يحل لامرأة أن تصوم صيام نافلة كالإثنين والخميس ويوم عرفة وعاشوراء وأيام البيض إلا بعد أن تستأذن من الزوج، فهل توجد امرأة تقول لزوجها: أتأذن لي أن أصوم غداً؟
стр. 68
عدم مشي النساء في وسط الطريق
الحادي عشر: ليس للنساء وسط الطريق إنما لهن جانبا الطريق.
стр. 69
عدم استماع الغناء
الثاني عشر: حرم الإسلام الغناء وهذا موضوع طويل.
стр. 70
عدم الإيلاء أكثر من أربعة أشهر
الثالث عشر: لا يحل للرجل أن يحلف بالله أن لا يقترب من زوجته أكثر من أربعة أشهر، يقول ربنا سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٦ - ٢٢٧]، والمعنى: لا يحل لك أن تحلف أو أن تقسم بالله ألا تقترب من الزوجة أكثر من أربعة أشهر، فإن زادت المدة فللزوجة أن تطلب الطلاق، وإنما قبل الأربعة الأشهر عليك أن تعود مع الكفارة، أما المدة فلا تزيد أبداً، وهذا يشمل من يرحل ويترك الزوجة سنوات؛ ليجمع المال ويرتع في المال، ويترك الأمور سائبة دون ضابط ولا رابط.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 71
وجوب هجر أماكن المعصية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فأيها الإخوة الكرام الأحباب! تلك التدابير والوسائل والسبل وضعها الإسلام؛ لأجل أن يغلق أبواب تلك الفاحشة، لذلك قال ربنا سبحانه: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢].
ومن صفات عباد الرحمن: ﴿وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان:٦٨]، وفي الحديث الذي رواه البخاري: (أن النبي ﷺ -في الرؤيا التي رآها- رأى أناساً عراةً في تنور واسع من الأسفل، ضيق من الأعلى، تخرج من تحتهم نار وهو يصطرخون، فلما سأل عن ذلك المشهد، قيل له: أولئك هم الزناة)، ولذلك قال النبي ﵊: (قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)، هناك شباب كثيرون يقول بعضهم: أنا لا أستطيع مفارقة هذه الفاحشة لأن جارتي تطاردني، وصديقتي تلاحقني كلما أردت أن أبتعد، والحل في أمر واحد وهو: اهجر المكان وارحل إلى بلد آخر؛ لأن هجر مكان المعصية أمر واجب عليك، كذلك هجر أصدقاء السوء، أما أن تقول: أريد أن أتوب ولا زالت العلاقة دائمة، ولا زال الاختلاط قائماً، هذا لا يدعو أبداً إلى التوبة، ولذلك جاء في الحديث عند البخاري ومسلم: (كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين)، والحديث معروف.
وخرج علينا الآن من أرباب العلمانية الضالة من يكتب عن هذا الحديث أنه تخاريف، أين حق المجتمع، الرجل قتل مائة نفس ثم يتوب دون أن يأخذ المجتمع الحق منه؟ هذا كلام باطل لوثوا به عقول الشباب، هكذا يقولون عنا، فهل نحن لوثنا عقول الشباب؟ أم عقلك أنت الملوث، أما قرأت في الحديث: (كان فيمن كان قبلكم) أنه يدل على أن هذا كان في شرع من قبلنا، قبل أن تكون هناك دولة ونظام وهيئة تنفيذية وقضائية، ومحاكم كانت مجتمعات بدائية، والحديث يشير إلى سعة رحمة الله ، فهو يغفر الذنوب جميعاً .
والشاهد من الحديث: أن العالم قال للرجل: ارحل عن القرية الظالمة واذهب إلى قرية صالحة، ذاك هو أول طريق للتوبة: أن ترحل عن مكان السوء والمعاصي.
ومن الأمور التي تجلب الفواحش إلى مجتمعاتنا: السفر إلى بلاد الكفر بحجة العمل والتجارة، ماذا ستشاهد في بلاد الكفر؟ هل ستسمع نداء صلاة الفجر؟ هل ستقوم الليل مع إخوانك؟ أم أنك سترى العناق والقبلات، والرجل يواقع المرأة في قارعة الطريق باسم الحرية، في تلك المجتمعات التي نخرها السوس وأوشكت على الهلاك والدمار.
اللهم احفظ عوراتنا، وآمن روعاتنا، واحفظ يا رب فروجنا، وطهر يا رب عيوننا وأفئدتنا.
اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنا نسألك علماً نافعاً وقلباً خاشعاً، ونسألك فعل الخيرات وترك المنكرات، ونسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربنا إلى حبك.
اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا، اللهم اعف عنا، وعلى طاعتك أعنا، ومن شرور خلقك يا رب سلمنا.
اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وارزقنا عند الاحتضار شهادة، وبعد الموت جنة ونعيماً.
اللهم أصلح نساءنا، واحفظ عوراتنا، وطهر قلوبنا.
اللهم عليك باليهود ومن والاهم.
اللهم من أرادنا والإسلام بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا والإسلام بشر فاجعل كيده في نحره، وأهلكه كما أهلكت عاداً وثمود وفرعون.
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، وعلمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما أنسينا، وارزقنا حب القرآن وارزقنا نور القرآن، وارزقنا حفظ القرآن، وارزقنا فهم القرآن.
اللهم ألف بين قلوبنا، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤].
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 72
تفسير سورة القلم [٦]
خلق الله هذا الكون بنظام دقيق، وحتى تستمر الحياة على ظهر الأرض خلق من كل شيء زوجين، ولكي يستمر النسل البشري شرع للإنسان الزواج، والمرأة خلقت للرجل، وقد سماها الله سكناً، والزواج فيه إعفاف للرجل والمرأة، وحفظ للمجتمع من الوقوع في أوحال الرذيلة، فينبغي تيسير أمر الزواج، وعدم المغالاة في المهور.
стр. 73
تيسير الزواج وعدم المغالاة في المهور
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:٣].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، يغني فقيراً ويفقر غنياً، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، فهو مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيف شاء، وحسبما أراد، فاللهم يا مثبت القلوب ثبّت قلوبنا على دينك، واللهم يا مصرّف القلوب صرّف قلوبنا إلى طاعتك.
وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
ثم أما بعد: فيا أيها الإخوة الكرام الأحباب! في اللقاء السابق تحدثنا عن التدابير والوسائل والطرق التي وضعها الإسلام ليمنع جريمة الزنا قبل وقوعها، من تحريم للنظر الحرام، ومن تحريم للتبرج والخلوة والاختلاط والمصافحة وخروج المرأة متعطرة إلى غير ذلك من الأمور التي بينّاها، وقد جاءتني رسائل متعددة من إخوة أفاضل يريدون أن نستكمل هذا الموضوع الهام، لأنه لا ينبغي أن نضع رءوسنا في التراب، ونترك الأمور تدور حولنا دون أن نصف الداء والدواء، كما بيّنه رب الأرض والسماء.
إن المتأمل في ذلك المرض يجد أن المجتمع يقف على حافة الهاوية، والأمر جد لا هزل فيه، تتجاذبه عدة قوى: القوة الأولى: علمانية عفنة ملكت وسائل الإعلام المكتوبة والمقروءة والمرئية، ترى أنه لا داعي أبداً للتمسك بمبادئ الأخلاق والدين والقيم؛ لأنها من ركام الماضي عفا عليها الزمان، ولا بد من تبادل العشيقات وإهدار مبدأ تعدد الزوجات ومتابعة ركب الحضارات.
القوة الثانية: قوة تدّعي أن حضارة الغرب هي التي تملك الإنقاذ، وهي التي بيدها مفاتيح التقدّم والرقي.
القوة الثالثة: قوة سلبية لا هم لها إلا الدنيا، تجمع المال ولا يعنيها أمر الدين من بعيد أو قريب.
القوة الرابعة: قوة مستضعفة تدعو الناس إلى دين ربهم، وتدعوهم إلى التمسك بأخلاق دينهم الحنيف؛ حيث لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فهذه قوى متعددة تتجاذب المجتمع من جميع نواحيه، ولكن لا بد أن نعلم أن النصر والتمكين لعباد الله الموحدين؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧٣]؛ ويقول سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١].
وموضوعنا اليوم هام؛ لأنه يتعلق أيضاً بتلك التدابير والوسائل ألا وهو: تيسير الزواج، وظاهرة المغالاة في المهور، وبحث مسألة تعدّد الزوجات، فهذه من الأمور الهامة التي وضعها الشرع الحنيف؛ ليقطع الباب أو ليغلق الباب على تلك الجريمة.
أحبتي الكرام! لقد أعرض الشباب عن الزواج، حتى بلغ سن البعض منهم إلى ما يزيد عن الثلاثين أو الأربعين، وارتفع حد العنوسة عند النساء لأسباب كثيرة، منها: تلك التكاليف الباهضة التي يكبّل بها الشاب عندما يقبل على هذه الخطوة، وكأنهم يضعونه في قفص حديدي ويكبّلونه، وولي الأمر سيسأل بين يدي الله عن ذلك.
فإن تيسير المهور أحد الأسباب الهامة لتيسير مسألة الزواج، أتدرون ما كان مهر فاطمة ﵂ بنت رسول الله ﷺ التي تزوجها علي بن أبي طالب ﵁؟ هل كان مهرها مئات الألوف كما نسمع؟ هل أقيم لها عرس يكلف عشرات الألوف؟ لقد كان مهرها درع علي ﵁ قدمه لها، والنبي ﷺ قد زوّج بعض الصحابة على ما معه من القرآن، وقال له: (التمس ولو خاتماً من حديد، قال: حتى خاتم الحديد لا أجده يا رسول الله، قال: ما معك من القرآن؟، قال: سورة كذا وكذا، قال: تزوجها على أن تعلّمها ما معك من القرآن).
فانظر إلى الفرق بين واقع الصحابة وبين الواقع المر الذي نعيشه الآن، وللأسف الشديد نجد من بعض من ينتسبون إلى الحركة الإسلامية إذا تقدم شاب لابنته وضع له قائمة تكبله وتقيد حركته، فتنتظر البنت حتى تبلغ الثلاثين بل الأربعين ويرفض أن يزوجها وأن ييسر الأمر، ومن شدّد شدّد الله عليه.
ينظر البعض إلى الزواج في مجتمعنا على أنه تقييد للحرية وتكبيل للإرادة، وينبغي له أن يعيش حراً طليقاً.
والبعض الآخر ينظر إليه بأنه متعة جسدية شهوانية ينتقل من
стр. 74
معالجة الإسلام لقضية تعدد الزوجات
عالج الإسلام قضية ارتفاع عدد الإناث عن عدد الذكور، فأباح التعدد بضوابطه التي سنبينها، فإن البعض ينظر إلى التعدد نظرة معكوسة، فيقبل أن يكون للزوج عشيقة، ولا يقبل أن يكون له زوجة أخرى، ويتهم الرجل في دينه إن تزوج بأخرى، إن الإسلام جاء وقد كان العرب يجمع الرجل منهم بين عشر نسوة وأكثر، فالإسلام لم ينشئ التعدد وإنما وضع له ضوابط وحدوداً، ومن الصحابة من أسلم وتحته عشر من النساء فأمره النبي ﷺ أن يطلق ستًا وأن يمسك أربعاً، وهذا الكلام غريب على أسماعنا، فقد يقول البعض: كيف الزواج بأربع يا شيخ، ونحن الآن في مجتمع ينظر إلى هذه الظاهرة باستغراب؛ لذلك لا بد أن تتعدل النظرة إلى الأمور الشرعية؟ نقول: حينما يزداد عدد النساء عن عدد الرجال كما هو الواقع، فإن المرأة تحتاج إلى رجل، فإن لم تجد رجلاً عن طريق الزواج بحثت عنه بغير ذلك، حتى تتم المعادلة ويتحقق التوازن، فهل الأفضل لمجتمعنا أن يجمع الرجل بين امرأة واثنتين وثلاث بشرط أن يعدل بينهن كما أمره الله، أم يتزوج امرأة ويعدد العشيقات، إنهم يعيبون علينا مسألة تعدد الزوجات، ولا يعيبون على أنفسهم تعدد الأزواج، ففي حضارتهم للمرأة أكثر من رجل، تتنقل من رجل إلى آخر، وهو يفعل ما يشاء، وهي تفعل ما تشاء.
стр. 75
ضوابط ينبغي مراعاتها عند اختيار الزوجة
لقد امتن الله علينا بنعمة الزواج وجعلها آية من آياته فقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [الروم:٢١]، فالمرأة من جنس الرجل وليست من جنس آخر ﴿أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١].
ونبينا ﵊ بيّن ذلك في أكثر من حديث، ووضع المعايير والضوابط التي ينبغي على الشاب أن يبحث عنها عند بحثه عن زوجة، فمنهم من يفتش عن الجمال فيضع لها شروطاً كشروط بقرة بني إسرائيل: صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، لا فارض ولا بكر، لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلّمة لا شية فيها، يضيّق بشروط جمالية ولا يتقي الله، ورب العالمين يقول: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١]، لماذا ذات دين؟ لأن النبي ﷺ في حديث البخاري ومسلم والنسائي وأبي داود بيّن أن المرأة تنكح لأربعة أسباب: الجمال، والمال، والحسب، والدين.
يقول العلماء: والدين في الحديث واحد صحيح، والمال صفر عن يمين الواحد، يصبح العدد عشرة، والجمال صفر يصبح العدد مائة، والحسب والنسب صفر يصبح العدد ألف، ما قيمة الأصفار إن حذف منها الواحد لا قيمة لها، امرأة بدين لها قيمة، ومن غير دين تربت يداك، أي: وضعت يدك في الوحل والطين يا عبد الله.
لذلك أقول لشبابنا: اتقوا الله في أنفسكم، وأقبلوا على المنتقبات المختمرات الملتزمات؛ حتى نفتح الباب ونساعد على الالتزام، لا تقل آخذها مبنطلة متبرجة وإن شاء الله ستلتزم، فإن النبي ﷺ يقول: (فاظفر بذات الدين)، ولم يقل: فاظفر بمن ستكون ذات دين، لا بد عند طلبها أن تكون ذات دين كما قال النبي ﵊.
следующие страницы →