Полный текст (295 стр.). Показаны 281–295 · переход к 286.
стр. 281
تفسير قوله تعالى: (فإذا برق البصر وخسف القمر)
قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ [القيامة:٧] وبرق: فزع، وشخص، وتحير يميناً ويساراً.
﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة:٨]، الخسوف والكسوف للشمس والقمر على السواء، والإمام البخاري في صحيحه يقول: باب الكسوف للقمر والشمس والخسوف أيضاً.
قال الله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة:٩]، يجمع الله الشمس والقمر ويكورهما، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٣٨ - ٤٠]، إلى أن يأتي أمر الله فيخسف القمر، وتكسف الشمس، ويجمعهم الله سبحانه: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ [القيامة:٩ - ١٠].
في يوم الزلزال فر الناس من الطابق السابع إلى الطابق الأرضي، وفر الناس من الأماكن المرتفعة إلى المنخفضة، هرباً من الزلزال وآثاره، إنما في يوم الزلزلة الكبرى أين ستفر؟ والمرضعة كانت ترضع ولدها الصغير فجاء الزلزال، واهتزت العمارة فهرعت إلى الصغير تحضنه وألصقته إلى صدرها، ونزلت مسرعة إلى الأرض، لكن في يوم الزلزلة العظمى ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢].
стр. 282
تفسير قوله تعالى: (يقول الإنسان يومئذ أين المفر)
قال : ﴿يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ [القيامة:١٠]، أين أذهب؟ أين أختبئ؟ ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة:١٢]، أي: المآل والمرجع إلى الله : ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق:٨].
ثم قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة:١٣]، بما قدم من طاعات، وأخر من معاص.
(يُنَبَّأُ الإِنسَانُ) أي: يخبر يومئذ بأعماله، فالسعيد من أخذ كتابه بيمينه، ونظر في صحيفته، فوجد فيها الصلاة، والصيام، والزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإحياء السنة، والتمسك بعقيدة السلف، وبمنهج السلف في العبادة، عندئذ يرفع الصحيفة بين الناس جميعاً ويقول مفتخراً متباهياً: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠] كتابي بيميني أبيض كالصفا، فيه أعمال وطاعات.
والآخر يأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره، ووجهه أسود كالح، ذليل، منكسر، فيه ربا، وفيه زنا، وفيه حرب لله ولرسوله، وفيه حرب على الدعاة والموحدين، وفيه إجرام وظلم، فماذا يقول لربه؟
стр. 283
تفسير قوله تعالى: (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره)
قال تعالى: ﴿بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤]، كل إنسان يعرف أعماله، يعرف أنه أغلق الأبواب، وأغلق النوافذ، واختبأ في الحجرات المظلمة، يعرف أعماله.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة:١٥]، لو اعتذر إلى ربه يوم القيامة عن أعماله يختم الله على فمه، فتنطلق الجوارح لتشهد على العبد العاصي، فلسانه يشهد، ويده تشهد، وفرجه يشهد، وفخذه يشهد، وعينه تشهد، وجوارحه تشهد، والأرض تشهد عليه؛ لذلك يقول سبحانه في سورة الزلزلة: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة:٤ - ٥]، قالوا: (يا رسول الله! ما أخبارها؟ قال: تأتي الأرض يوم القيامة وتشهد على من فعل عليها معصية)، فتشهد عليك أيها العبد.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة:١٥] أي: اعتذاراته.
стр. 284
تفسير قوله تعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه)
جاءت الآيات بنداء إلى خير الأنام ﵊؛ فقد ثبت في صحيح البخاري في كتاب بدء الوحي من حديث ابن عباس قال: (كان النبي ﷺ يحرك شفتيه خلف جبريل حينما ينزل عليه؛ خوفاً من تفلت القرآن من صدره، فقال له ربه: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٧])، وهذا الجمع في صدر الحبيب محمد ﷺ هو الجمع الأول للقرآن.
وقوله: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة:١٦]، في الآية أدب لطالب العلم، يقول السعدي في (تيسير الكريم الرحمن): وفي الآية أدب لطالب العلم ألا يتعجل العالم، وألا يقطع عليه موعظته، فإن كنت في درس علم وتريد أن تسأل سؤلاً فانتظر إلى آخر كلامه، فربما أجاب عما تريد أثناء الحديث، وهذا كثير يقع، فبمجرد أن ندخل في موضوع إذا بطالب العلم يرفع يده يريد أن يقطع الكلام؛ ليسأل عن شيء سيأتي بعد قليل، فلا تتعجل، فهذا أدب بين العالم وبين المتعلم، ومثل ذلك قول الله في سورة طه: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤].
واسمع العجب من بعض من ينسبون إلى التصوف في عهدنا حيث قال: إن النبي ﷺ كان يحفظ القرآن قبل أن ينزل عليه جبريل؛ لأنه كان يحرك لسانه، وكان يتعجل به قبل أن يقرأه جبريل، فكان يعلم القرآن قبل أن ينزل عليه.
نقول: يقول سبحانه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨]، ولما قال له جبريل: اقرأ، قال: (ما أنا بقارئ).
هذا قول أحد أقطاب الطريقة البرهانية في أحد كتبه، قال: كان النبي ﷺ يعلم القرآن قبل أن ينزل عليه فهو يفهم من الآية فهماً خاصاً لم يفهمه أحد من السلف على الإطلاق، وما قال به أحد من العلماء المعتبرين في الأمة، ويقولون: إن علمهم علم لدني، بوحي وإلهام، ويقولون: أنتم لكم علم الورق ونحن لنا علم الخرق.
قيل لرجل منهم: ألا ترحل لتسمع الحديث من عبد الرزاق صاحب المصنف في اليمن؟ قال: وما يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يتلقى من الخلاق؟ هؤلاء أقوام يقول أحدهم: حدثني قلبي عن ربي.
حتى إن أحدهم ذهب إلى الصعيد ثم جاء يقول لي: ما لنا وما للبخاري، ومسلم، وابن كثير؟ احرق الكتب يا شيخ! فقلت له: لم؟ قال: العلم اللدني هو طريق التعلم.
ففي عصرنا من يقول هذا، وتفتح له كل المجالات ليضل الأمة، ويبتدع في دين رب العالمين.
وللحديث بقية في اللقاء القادم إن شاء الله.
أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 285
بيان عدم خصوصية رجب بشيء من الفضائل والعبادات
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين، ورازقهم.
أيها الإخوة الكرام! يقرر علماء الأصول أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، واليوم هو غرة شهر رجب، وشهر رجب من الأشهر الحرم، وهو رجب الفرد، وأسماؤه عند السلف متعددة، وصلت إلى ثمانية عشر اسماً، كان الجاهليون يعظمون شهر رجب.
قال ابن حجر في كتابه (تبيين العجب بما ورد في فضل رجب): لم يرد في فضل شهر رجب ولا في صيامه ولا في صيام شيء منه ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة، وما ورد إما ضعيف وإما موضوع، وأما ما يعتقده البعض أن الإسراء والمعراج في رجب فهذا أضعف أقوال العلماء، ولم يؤثر عن السلف في القرون الثلاثة الأول بحال أنهم كانوا يحتفلون بليلة الإسراء أو يخصونها بصيام أو باحتفال كما يفعل البعض، هذا الأمر الأول.
стр. 286
حكم التماثيل
الأمر الثاني: أفتى شيخ فقال: إذا كان تعليق الصور والتماثيل لا يدعو إلى عقيدة فلا بأس به؛ فإن أمنا عائشة كان عندها تماثيل وشيء من هذا فأقرها النبي ﷺ على هذا.
فنقول له: أتريد أن تلبس على الأمة؟! قبل ذلك طعنت في المهدي على الشاشات فعذرناك وقلنا: ربما تعود عن قولك، رغم أن أحاديث المهدي بلغت حد التواتر، وأفردها العلماء بالتصنيف، فلشيخنا العلامة الدكتور عبد المحسن العباد مصنف في أخبار المهدي ذكر فيه أكثر من خمسين حديثاً، وأنت تظهر على الشاشة وتقول: لم يثبت حديث واحد في المهدي المزعوم! فهل أنت تراجع حفاظ الأمة؟ أما تتقي الله؟! واليوم تقول: تعليق الصور والتماثيل طالما لا يدعو إلى عقيدة فلا بأس به، أما قرأت أن النبي ﷺ أرسل علياً فقال له: (لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا تمثالاً إلا طمسته)، ولم يقل له: يا علي! التماثيل التي لا تحمل عقيدة اتركها، وإنما قال: (ولا تمثالاً) وهذه نكرة تفيد العموم، وقال ﷺ : (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا كلب)، والصورة عامة، ورأى النبي ﷺ عند عائشة ستارة فيها تصاوير فجذبها ومزقها، فجعلتها عائشة وسادة.
وقال عن خميصة بها خطوط: (إنها شغلتني عن الصلاة).
وقال: (أشد الناس عذاباًَ يوم القيامة المصورون)، وأول ما دخل الشرك إلى البشرية دخل عن طريق صورة وتمثال لرجال من الصالحين عبدهم قوم نوح، فلما طال العهد عبدوهم، كما روى البخاري في صحيحه.
والتماثيل لمطربة الغناء الشعبي، ولزعيم فقيد الأمة الذي جوعها وقذف الموحدين في غيابة الجب، أو لرجل لم يتق الله، أو لرجل نادى بتحرير المرأة، وبأن تخلع النقاب والحجاب.
وآخر أمر جاء من محافظة بور سعيد أن هناك اقتراحاً بإنشاء تمثال لـ دي لسيبس، أتدرون من دي لسيبس؟ إنه الذي سخر آباءنا وأجدادنا في حفر القناة بدون مقابل، حتى كان من يخرج يعتبر في عداد الأموات، هذا المهندس الفرنسي الكافر المجرم يريدون أن يعظموه بإقامة تمثال له في مدخل المدينة الحرة، ولا أدري فربما ينشئون تمثالاً لـ عمرو بن لحي؛ لأنه أعاد عبادة الأصنام إلى مكة.
فهذا المفتي يقول: إن عائشة كان عندها تماثيل، فنقول له: يا دكتور! إنها ألعاب الأطفال يعفى عنها، أما كلامك هذا فيلبس على الأمة، فاتق الله في نفسك.
جلس ابن الجوزي يوماً في العراق ليحدث الناس فرأى بين يديه أكثر من خمسين ألفاً يحضرون درسه، فنظر إلى نفسه ثم قال: اللهم إن قدرت علي عذاباً في الآخرة فلا تخبرهم بعذابي؛ حتى لا يقولوا: عذب من دل عليه، فهؤلاء علماء يهابون الله ويخافونه.
стр. 287
حكم الزواج العرفي
اسمع أيضاً إلى آخر فتوى في زمن الإحن والمحن؛ لتتعظ الأخوات، ولتعرف بناتنا ما عاقبة تضييع شرع الله، تقول سائلة: انتشرت في الفترة الأخيرة ظاهرة الزواج العرفي، تقول فتاة: ربط الحب بيني وبين زميلي في الكلية، وهذا بسبب الاختلاط والتبرج، ونحن الآن في السنة الثالثة، ولقد طالت فترة حبنا، وليس أمامنا أمل في الزواج لضيق اليد، فتم زواجنا عرفياً بدون علم أسرتي ولا أسرته، تم ذلك في مكتب محام، وشهد على ورقة الزواج زميلان في الكلية، فكنا نتقابل أنا وزوجي في شقة مفروشة، ثم أعود لمنزل أسرتي، وفي الحقيقة ندمت على هذا الزواج وتسرعت فيه، ف
السؤال
أفتونا ما شرعية الزواج العرفي، وقانونيته؟ وهل لي حقوق شرعية؟ فأفتاها هذا المفتي فقال: إن زاوجها العرفي من زميلها قد استوفى أركانه الشكلية.
فنقول: كيف استوفى أركانه الشكلية وهو بدون علم الأسرة وفي غياب الولي؟ فهذا زواج سري في شقة مفروشة تحمل منه من الزنا وتقرها على هذا؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، وماذا يصنع القوم إن كان هذا هو حال من يفتي؟! إذا كان الغراب دليل قوم يمر بهم على جيف الكلاب اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا.
اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، واحفظ نساءنا.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، وجلاء همنا وغمنا، ونور أبصارنا.
اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.
اللهم لا تجعلنا جسوراً يعبر بها إلى جهنم.
اللهم ارزقنا علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً.
نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن دعوة لا يستجاب لها.
اللهم إنا نسألك الإخلاص في القول والعمل، والسر والعلن، ونعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك.
اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا وقرارنا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 288
تفسير سورة القيامة [٢]
يخبر أن الذي حمل المشركين على التكذيب بيوم القيامة ومخالفة ما أنزله الله على رسوله ﷺ من الوحي والقرآن العظيم هو حبهم للدار الفانية، وانشغالهم بها عن الآخرة، ثم أخبر سبحانه أن المؤمنين سيرونه عياناً يوم القيامة، وأخبر عن حالة الاحتضار وما يقع للمرء بعدها من الأهوال.
стр. 289
تفسير قوله تعالى: (كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة)
الحمد لله رب العالمين، الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ، خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة في قرار مكين، ثم خلق النطفة علقة سوداء للناظرين، ثم خلق العلقة مضغة بقدر أكلة الماضغين، ثم خلق المضغة عظاماً كأساس لهذا البناء المتين، ثم كسا العظام لحماً هي له كالثوب للابسين، ثم أنشأه خلقاً آخر، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، يغني فقيراً، ويفقر غنياً، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته، تنزه عن الزوجة والولد، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ، وأشهد أن نبينا ورسولنا سيدنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
ثم أما بعد: فنعيش مع ختام سورة القيامة، من قول الله ربنا سبحانه: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ * كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ * فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى * أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٢٠ - ٤٠] سبحانك فبلى، روى أبو داود في سننه: (أن النبي ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية قال: سبحانك فبلى)، وفي سورة التين أيضاً إذا قرأ قول الله سبحانه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:٨] قال: (بلى وأنا على ذلك من الشاهدين).
وقوله: ﴿كَلَّا﴾ [القيامة:٢٠]، للزجر والردع، وهذا من سمت القرآن المكي، وحرف (كلا) لا يأتي إلا في القرآن المكي في الغالب.
قال : ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة:٢٠ - ٢١] قال الحافظ ابن كثير: ما دفع هؤلاء لتكذيبهم بالبعث ولإنكارهم للقيامة ولتجرئهم على المعاصي إلا أنهم كذبوا بالآخرة، وأحبوا العاجلة، والعاجلة هي الدنيا.
فقوله: (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ) الحب من أعمال القلوب، فهناك قلب يتعلق بالدنيا فيحبها، وهناك قلب يحب الآخرة فيعمل لها، ولذلك جسد النبي ﷺ مرض الأمة التي تحياه اليوم في كلمة واحدة في حديثه: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها)، والناظر في حياة الأمة يجد أن الجميع ينهش في القصعة في أعراضها، وفي حرماتها، وفي مقدساتها، وفي ثوابتها الشرعية، وفي أمور مستقرة لا يختلف عليها أحد من الناس، فهل تصدق أن امرأة تخرج علينا وتقول: إن الإسلام قد ظلم المرأة حينما أعطاها نصف نصيب الرجل في الميراث؟ وتقول: لابد من إعادة النظر في هذه الآية، ومساواة المرأة بالرجل في الميراث، وتقول: إن فريضة الحج من مظاهر الوثنية وعبادة الأصنام، وإن تقبيل الحجر الأسود لا يقبله عقل! وهذه أمور إن دلت على شيء فإنما تدل على الخبل الفكري، ويسمون هذا: حرية إبداع، وحرية فكر، وهي في الثوابت الشرعية الثابتة.
قال النبي ﷺ : (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى
стр. 290
تفسير قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة)
قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢]، اللهم نضر وجوهنا يا رب العالمين، وفي الحديث عن النبي ﷺ : (نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها، فبلغها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع)، فهل تريد لوجهك نضارة في الدنيا والآخرة؟ بلغ حديث رسول الله ﷺ .
قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢]، من الحسن والنضارة والبهاء والسرور، وفي سورة عبس: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:٣٨ - ٣٩].
وفي سورة الغاشية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية:٨ - ٩].
وفي سورة آل عمران: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦]، تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدع والأهواء، تبيض وجوه أهل السنة وأهل التوحيد، وتسود وجوه الفرق الضالة من المعتزلة، والخوارج، والمرجئة، والروافض، والجماعات الحزبية الضالة.
فيوم القيامة تبيض وجوه الذين رضوا بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً.
قال تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣]، وهذا الآية فاصلة في إثبات عقيدة أهل السنة في أن الله يرى في الآخرة، والخوارج والمعتزلة أنكروا الرؤية.
وهل الله يرى في الدنيا؟
الجواب
لا، وهل تمكن؟ الجواب: نعم، لكن مع عدم تحققها؛ لأن موسى ﵇ طلبها فقال: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، يقول علماء السلف: لن يطلب موسى ما هو غير ممكن، ولا يطلب إلا ممكناً، لكنه ما وقع، ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، و (لَنْ) هنا للتأبيد الدنيوي وليس التأبيد على الدوام، وقد وقع أقوام في فهم خاطئ لهذه الآية فقالوا: (لَنْ) تفيد عدم الإمكانية في الدنيا والآخرة، فأجاب عليهم الشيخ خليل هراس في شرحه للواسطية ﵀، فقال: ولو تأملوا القرآن لوجدوا أن (لن) تفيد التأبيد الدنيوي أحياناً، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة:٩٥] أي: الموت، وفي الآخرة قال: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧].
إذاً: في الآخرة يتمنون الموت، والآية تقول: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ [البقرة:٩٥] فالنفي هنا للدنيا وليس للآخرة، وقد جاءت الأحاديث المتواترة في إثبات الرؤية، يقول علماؤنا: مما تواتر حديث من كذب ومن بنى لله بيتاً واحتسب ورؤية شفاعة والحوض ومسح خفين وهذي بعض أي: مما تواتر من الأحاديث حديث: (من كذب علي متعمداً).
وحديث: (من بنى لله بيتاً ولو كمفحص قطاة).
و (رؤية) يعني: رؤية الله في الآخرة، فإن أحاديثها بلغت حد التواتر، منها قوله ﷺ : (إنكم سترون ربكم عياناً، كما ترون القمر ليلة البدر، لا يحول بينكم وبين رؤيته سحاب، لا تضامون في رؤيته)، يعني: هذا تشبيه الرؤية بالرؤية، كما ترون القمر لا يحول بينكم وبينه شيء، وهو قد اكتمل في ليلة البدر، فسترون ربكم ، وهذا هو أفضل نعيم لأهل الجنة، ففي حديث مسلم أن النبي ﷺ قال: (يأتي ربنا إلى أهل الجنة فيقول: يا أهل الجنة هل تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: يا ربنا! ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة؟ ألم تنجنا من النار؟ فيكشف رب العالمين الحجاب عن وجهه فينظرون إلى وجهه في يوم المزيد، ثم تلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦])، وفسر الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله .
واسمع إلى استنباط الإمام الشافعي في قوله تعالى في سورة المطففين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، قال: حجب قوماً بمعصيتهم، وسيراه قوم بطاعتهم.
ولذلك الرؤيا ثابتة في الآخرة، وهي أعظم نعيم أهل الجنة.
وانظروا إلى التأويل الفاسد، وماذا صنع بالأمة، فما ضاعت الأمة إلا بسبب التأويل، فمثلاً: بعض الناس الآن يقولون: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] واليقين ليس الموت، وإنما عندهم اليقين رفع التكاليف الشرعية، فيدخل الواحد منهم إلى حجرته فلا يصلي جمعة ولا جماعة، ولا يصوم؛ لأنه أتاه اليقين، وهذا تأويل فاسد، فانظروا إلى التأويل الفاسد ماذا صنع بالأمة؟! ويقول أحدهم وهو مسئول لجامعة، ينبغي أن تكون هي الجامعة العلمية التي تصدر العلم إلى الدنيا، يقول: ذهب سيدي أحمد الرفاعي إلى قبر النبي ﷺ ، فأخرج
стр. 291
تفسير قوله تعالى: (ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة)
قال الله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٤] كالحة سوداء، وفي الآية الأخرى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس:٤٠ - ٤٢].
قال تعالى: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٥] أي: تتيقن أن العذاب واقع بها، وتتيقن أنها لاقت العذاب الذي توعدها الله به، فالظن هنا بمعنى اليقين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٠] أي: تيقنت، ولذلك الظن يأتي بمعنى اليقين في أحوال، وهو من الألفاظ المشتركة في القرآن.
стр. 292
تفسير قوله تعالى: (كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق)
قال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ [القيامة:٢٦] الترقوة هي مكان الحشرجة، مكان نزع الروح من الجسد بين العاتقين والرقبة، والروح تسكن في سائر الجسد، كما قال شيخ الإسلام: وحال الروح مع الجسد كحال الماء مع الإسفنجة، فهي في كل أنحاء الجسد، ينزعها ملك الموت وأعوانه من الساقين إلى الفخذين إلى البطن إلى الصدر حتى تصل إلى التراقي، إلى الحلقوم، عند ذلك الروح تأبى أن تفارق الجسد، أما روح المؤمن فينزعونها في رفق وسهولة، كما تنزل القطرة من في السقاء، أما روح الكافر العاصي المنافق فيضربون الدبر والوجه حتى تخرج؛ لأنها لا تريد الخروج.
والأهل يستعدون بالكفن للجسم، والملائكة يستعدون بالكفن للروح، فتخرج الروح وعند ذلك تتعالى الأصوات: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٧]، أي: هل من أحد يرقيك؟ هل من طبيب معالج؟ استدعوا الطب والعلاج، لكن هيهات هيهات.
وفي تفسير آخر أن ملك الموت يسأل الأعوان: من سيرقى بها؟ يعني: من سيحملها إلى السماء؟ قال تعالى: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [القيامة:٢٨] أي: الفراق من الدنيا والإقبال على الآخرة، ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة:٢٩] الساقان اللذان كانا يحملان العبد في الدنيا فيسير عليهما متبختراً متكبراً، تلتوي ساق على ساق في آخر أيامه في الدنيا.
قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ * فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾ [القيامة:٣٠ - ٣١] هذه الآية وما بعدها نزلت في أبي جهل ذلك عندما قابله النبي ﷺ عند المسجد الحرام فجذبه من قميصه وقال له: (أما آن لك أن تسلم؟ فقال أبو جهل في كبر وعناد للنبي ﷺ : أنا لا يشغلني أنت ولا ربك؛ لأنني أعظم القوم نادياً -أي: عائلة- فأنزل الله في حقه قرآناً: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة:٣٤]) فتكذيبه في أربع والجزاء في أربع: الأولى: ﴿فَلا صَدَّقَ﴾ [القيامة:٣١] بالآخرة ولا بالقرآن.
الثانية: ﴿وَلا صَلَّى﴾ [القيامة:٣١] لله .
الثالثة: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة:٣٢].
الرابعة: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾ [القيامة:٣٣].
فهذه أربع وسائل للإعراض، فجاءت أربع وسائل للجزاء: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة:٣٤ - ٣٥] فجاءت الآيات تبين أن الله أعد له العذاب.
стр. 293
تفسير قوله تعالى: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى)
قال ربنا سبحانه: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة:٣٦] أي: بلا مهمة ولا وظيفة، أتحسب أنك جئت إلى الحياة لغير غاية؟ كما قال أحدهم: جئنا إلى الدنيا لا نعرف لماذا؟! والله يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وهذا يقول: أنا جئت لا أدري لماذا جئت؟ أما نحن فندري لماذا جئنا؟ جئنا لعبادة الله ، وهذا شعر إيليا أبو ماضي: جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت أبصرت أمامي طريقاً فمشيت وقال آخر: جئت يا يوم مولدي جئت يا أيها الشقي فانظروا إلى شقائه فإنا لله وإنا إليه راجعون، قال : ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٤]، فهم أضل من الأنعام؛ لأنهم ما أدركوا لماذا جاءوا؟ إنما العبد المؤمن يعلم أنه جاء لعبادة ربه، وأن مصيره إلى الله .
стр. 294
تفسير قوله تعالى: (ألم يك نطفة من مني يمنى)
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٣٧ - ٤٠].
وللحديث بقية إن شاء الله.
أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله.
وبعد: فهذه الآيات من آيات القرآن الكريم التي تدلل على قضية البعث، وأدلة البعث خمسة: الدليل الأول: دليل النشأة الأولى، أو الخلق الأول، فقد جاء في أكثر من موضع في كتاب ربنا في سورة مريم: ﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٦٦ - ٦٧].
وأيضاً في سورة الطارق يقول ربنا سبحانه: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق:٥ - ٧]، وصلب الرجل هو العمود الفقري للرجل، وترائب المرأة صدرها، ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق:٨].
وجاء في سورة (يس) ما يؤكد هذا المعنى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩].
الدليل الثاني: دليل إحياء الأرض بعد موتها، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩]، فكما أحيا الأرض بعد موتها، كذلك يبعث الناس بعد موتهم.
الدليل الثالث: الاستيقاظ من النوم، فالنوم موت والاستيقاظ بعث، كما روي: (لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون).
وفي الحديث: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا)، فالنوم موتة صغرى، لذلك يقول لقمان لولده: يا بني إن كنت لا تؤمن بالموت فلا تنم، وإن كنت لا تؤمن بالبعث فلا تستيقظ، فالذي أيقظك من نومك هو الذي يبعثك بعد موتك.
الدليل الرابع: قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات:٢٧].
وقال : ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧].
الدليل الخامس والأخير: القصص القرآني، بين الله فيها أنه بعث أناساً بعد موتهم، يقول الحافظ ابن كثير: في سورة البقرة بمفردها خمس من القصص القرآني: الأول: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة:٢٥٩].
الثاني: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٧٢ - ٧٣].
الثالث: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٠].
الرابع: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٥٥ - ٥٦].
الخامس: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٣].
فهذه أدلة واضحة بينة لا تخفى على أحد عنده بصيرة.
стр. 295
ذكر بعض أحكام الجنائز
أيها الإخوة الكرام! من الأحكام الفقهية الهامة التي غابت عن واقعنا اليوم أحكام الجنائز، فأريد أن أبين بعض أحكام الجنائز التي تخفى على الكثير، وربما أنها بدعة، إذ تحولت السنة إلى بدعة والبدعة إلى سنة في كثير من الأمور؛ لأننا غيبنا السنة عن حياتنا.
يسن أن يحمل الميت على سرير مكشوف لا يغطى كالتابوت الذي عند أهل الكتاب، ولا بأس أن يستر بشيء لكنه يكشف، ولا يحمل في تابوت مغلق كما يفعل في الأرياف؛ فإنهم يحملونه في صندوق وفوق الصندوق غطاء خشبي، وفوق الغطاء الخشبي غطاء آخر، ثم فوق الاثنين ورد، وهذا كله لم يثبت عن رسولنا ﷺ ، وإنما الميت يحمل على سرير مكشوف.
وواجبنا تجاه الميت: الإسراع بغسله، والغسل لابد أن نعلمه الناس، وتكفينه، ثم الصلاة عليه.
والصلاة على الميت إما أن نصليها في المصلى كصلاة العيد، وهذا ثابت لاشك في ثبوته، وإما أن نصلي عليه داخل المسجد، وقد أنكرت عائشة على من أنكر الصلاة على الميت داخل المسجد، فقالت: صلينا على سهيل بن بيضاء في المسجد.
وهذا قول بعض الفقهاء كالحنابلة، والسنة الغائبة الآن هي الصلاة على الميت خارج المسجد، فنحن لا نخالف أو نقول بعدم جواز الصلاة على الميت داخل المسجد، فهذا ثابت، ولكن هل منا أحد يصلى عليه في المصلى؟ إن صلينا على الميت في المصلى فأنا على يقين أن الناس سيقولون: أحدثوا بدعة، والغالب من فعل النبي ﷺ أنه كان يصلي على الجنائز خارج المسجد، هذا غالب فعل النبي ﷺ ، إنما كان أحياناً يصلي داخل المسجد، فالأمر فيه سعة، ولا نحجر واسعاً، لكن يوم أن تغيب السنة يستحب أن نفعلها لإعلام الناس بها؛ حتى يعلم الناس جواز هذا الفعل.
ويستحب أيضاً ألا تدخل الجنازة إلى المسجد إلا بعد أن تتم الصلاة، فتدعى الجنازة من خارج المسجد، ثم يصلى عليها.
أسأل الله بفضله وكرمه أن يرزقنا علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً.
اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع.
اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، وجلاء همنا وغمنا.
اللهم إنا نسألك رضاك والجنة.
اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وارزقنا عند الاحتضار شهادة، وارزقنا بعد الموت جنة ونعيماً.
يا رب لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا وقرارنا.
اللهم بيض وجوهنا يوم تسود وجوه، اللهم بيض وجوهنا يوم تسود وجوه، اللهم بيض وجوهنا يوم تسود وجوه.
اللهم ثبت أقدامنا على الصراط.
اللهم أمنا عند الفزع الكبر.
اللهم ارحمنا إذا لم يزرنا زائر، ولم يذكرنا ذاكر، اللهم ارحمنا ونحن في القبور فرادى.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك.
اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا.
اللهم إنا نسألك أن تنصر الإسلام وأن تعز المسلمين.
اللهم انصر أهل فلسطين، اللهم اربط على قلوبهم، وسدد رميهم، ووفق يا رب جمعهم.
اللهم اخسف باليهود الأرض، فإنهم لا يعجزونك، اللهم جمد الدم في عروقهم، ويبس الطعام في أفواههم.
اللهم انصر دينك في مشارق الأرض ومغاربها.
اللهم إن اليهود قد بغوا وتجبروا وظلموا وأنت القوي المتين، اللهم أرنا فيهم آية، اللهم أرنا فيهم آية، فإنهم لا يعجزونك يا رب العالمين، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، واخسف بهم الأرض، فأنت القوي المتين.
اللهم إنا نشكو إليك ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس، يا أرحم الرحمين، أنت ربنا ورب المستضعفين، إلى من تكلنا؟ إلى عدو يتجهمنا أم إلى ضعيف ملكته أمرنا؟ إن لم يكن بك غضب علينا فلا نبالي.
اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، ونسألك حبك وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك.
اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك.
اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونسألك الإخلاص في القول والعمل وفي السر والعلن، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.