Полный текст (295 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
تفسير قوله تعالى: (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن)
قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ [الجن:١] الخطاب لسيد البشر محمد ﷺ ، قل للناس جميعاً: ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الجن:١] عن طريق الوحي جبريل ﵇ ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن:١]، قال العلماء: رآهم النبي ﷺ في واقعة وهم يستمعون، وفي واقعة لم يرهم، وفي هذه السورة لم يرهم بدليل أنه علم عن طريق الوحي، لكن رآهم في واقعة أخرى، ففي حديث ابن مسعود عند مسلم (لما انطلق النبي ﵊، وقام الصحابة يلتمسونه، فما وجدوه، حتى إذا عاد أخبرهم أن داعي الجن أتاه فذهب معه إلى القوم، فتلا عليهم القرآن، ثم يقول ابن مسعود: فأخذنا وأرانا آثار نيرانهم وآثار مكانهم)، هذا الحديث دليل على أنهم استمعوا إليه وهو يعلم، لكن في هذا الموضع في سورة الجن لم يعلم أنهم يستمعون إليه، وكان ذلك في صلاة الفجر وهو يصلي بأصحابه.
وسبب النزول كما أورده المفسرون: أنه لما بعث النبي ﵊ حرست السماء حراسة شديدة بالشهب: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾ [الجن:٨] من الملائكة، ﴿وَشُهُبًا﴾ [الجن:٨] ترصدهم، فلما كانت الجن تسترق السمع قبل بعثة سيد البشر محمد ﷺ وجدت تغيراً في أمر السماء، إما أن عذاباً قد اقترب على أهل الأرض، وإما أن يكون هناك نبي قد بعث حتى قالت الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠]، أي: لما رأوا السماء محصنة بهذه الطريقة قالوا: لا ندري لعل هذا عذاب لأهل الأرض، ولعل هذا نبي بعثه الله لأهل الأرض.
فلما نزلوا إلى الأرض وأخبر بعضهم بعضاً، قال بعضهم لبعض: انطلقوا في ربوع الأرض فانظروا ماذا حدث؟ فانطلقوا يميناً ويساراً، وشرقاً وغرباً، فأتوا إلى سوق عكاظ، فوجدوا النبي ﵊ يصلي بأصحابه صلاة الفجر؛ فعلموا أن ذلك هو السر، فوقفوا يستمعون القرآن من فم سيد البشر محمد وهو يرتل ويقرأ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ [الجن:١]، وفرق بين السماع والاستماع، فالاستماع: أن يقبل بأذنه وجوارحه إصغاء إلى كتاب ربنا سبحانه.
وقال: ﴿نَفَرٌ﴾ [الجن:١] أي: من الثلاثة إلى العشرة ﴿فَقَالُوا﴾ [الجن:١] لقومهم، كما هو واضح في سورة الأحقاف: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ [الأحقاف:٢٩]، فالجن يبلغون أقوامهم: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف:٣٠].
وقال تعالى هنا مخبراً عنهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن:١] أي: عجيباً في فصاحته، عجيباً في بلاغته، عجيباً في قصصه.
هذه شهادة الجن، والله تعالى أرسل النبي محمداً ﷺ إلى الجن والإنس: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، فهو مبعوث إلى الثقلين ﵊.
قال تعالى: (سَمِعْنَا قُرْآنًا): باعتبار أنه مقروء، وفي سورة الأحقاف قال: (كِتَابًا): باعتبار أنه مكتوب، يقول الدكتور دراز في كتابه القيم (النبأ العظيم): سمي القرآن قرآناً باعتبار أنه يقرأ، وسمي كتاباً باعتباره مكتوباً في المصاحف، وذلك لحكمة عظيمة.
فالذي حفظ القرآن هو الله، فكلما قرأناه حفظناه في الصدور، فإن زال من الصدور فهو ما زال في السطور، ولعلك تلاحظ هذا في قديم الزمان، فقد كان عدد الحفظة كثيراً وكانت المصاحف قليلة، أما الآن فطبعات متعددة على سيديهات وغيرها؛ لأنه خف في الصدور وصار في وسائل الحفظ الأخرى؛ لأن الذي تكفل بحفظه هو الله، حينما قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، أما الكتب السابقة للقرآن تعهد بحفظها الأحبار والرهبان، فهل حفظوها؟ أبداً، حرفوا وبدلوا وغيروا، فقال الله في حقهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٩] لماذا؟ ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩].
стр. 247
تفسير قوله تعالى: (يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً)
قال تعالى: ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن:٢]، أي: يدل إلى طريق الخير والصواب والحق.
قال: ﴿فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن:٢]، فالجن حينما سمعت القرآن آمنت بربها ، وأثنت على كتاب خالقها فقالت: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن:١]، وبعضنا يسمع ويعرض كحال المشركين حينما قالوا لبعضهم: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت:٢٦].
إن القرآن يعالج حالات نفسية، فإن كان عندك توتر عصبي أو مرض نفسي فعليك بالقرآن، فإنه يخاطب ملكة في النفوس لا يعلمها إلا الله، واذكر كيف أسلم عمر بن الخطاب؟ تلت عليه أخته القرآن فاستمع إلى آيات من سورة: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه:١ - ٨].
والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، يا ليتنا نعود للقرآن ونتدبره، يقول ربنا في آخر سورة الحشر: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١].
وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فالقرآن هو المخرج من الفتنة يا عباد الله!
стр. 248
تفسير قوله تعالى: (وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولداً)
قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن:٣]، تنزيه وتعظيم له سبحانه، ففي هذه الآية إشارة إلى العظمة وعلو المكانة وارتفاع الصفات والتنزيه عن النقائص، فقوله: ((جَدُّ)) أي: عظمته سبحانه.
قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾ [الجن:٣] الجن يعلمون غيرهم التوحيد، ويردون على قضية التدليس، ويقولون: إن الله الذي خلق يتنزه عن الزوجة والولد، فأنت تحتاج إلى الزوجة لتأنس بها ولتفضي إليها، ولتكون لك سكناً، فهل ربنا سبحانه يحتاج إلى ذلك؟ تعالى الله عن الزوجة وتعالى عن الصاحبة، وأنت تحتاج إلى الولد ليكون لك قوة، فهل ربنا يحتاج إلى الولد؟ حاشاه سبحانه.
стр. 249
تفسير قوله تعالى: (وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططاً)
قال ربنا سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾ [الجن:٤] أي: جاهلنا إشارة إلى الشيطان، فالجن يقولون عن الشيطان: إنه سفيه، ويقول الله في وصف اليهود: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٢].
فالجن تسمي الشيطان سفيهاً، وسمى الله اليهود سفهاء، فلا فرق بين اليهود والشيطان، يقول ربنا: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة:١٤]، والمقصود بقوله: (شياطينهم) اليهود، ولفظ الشيطان لا يطلق إلى على الجني الكافر، ولفظ الجني عام، فكلمة (الشطن) مأخوذة من البعد عن الحق، شطنت الدار أي: بعدت، فالشيطان من الجن؛ لأن الله قال: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠]، إذاً: هو من الجن بدون أدنى شك، لكنه فسق عن أمر خالقه سبحانه.
فإن قال قائل: كيف ذلك والله يقول: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة:٣٤]، الأمر هنا للملائكة فما دخل إبليس؟ قال ابن عباس: كان معهم في صحبتهم ولم يكن معهم بمادتهم، عند صدور الأمر كان في الصحبة، فلابد أن يطيع أمر الخالق الله ، والسجود لآدم والطاعة لله سبحانه.
هذا قول ابن عباس.
وقوله: ((عَلَى اللَّهِ شَطَطاً)) الشطط: هو القول الذي ينافي الحقيقة، وافتراء الكذب على الله ، يقول ربنا عن أصحاب الكهف في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف:١٤] أي: أن هذا القول يبعد عن الحقيقة ويحمل الكذب.
стр. 250
تفسير قوله تعالى: (وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً)
قال تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الجن:٥]، أي: أن الجن كانوا يعتقدون أنه لن يكذب على الله من الإنس أحد، ولن يكذب من الجن أحد، لكن ما أكثر هؤلاء الذين يصدرون الفتوى وهم يعلمون أنهم كاذبون، والذي نفسي بيده يكذبون على ربهم .
الذي أحل البنوك الربوية يكذب على الله، أم لا؟ الذي حرم النقاب يكذب على الله، أم لا؟ الذي حرم ختان الإناث يكذب على الله، أم لا؟ والله إنه يكذب على الله، والله إنه يكذب على خالقه؛ لأنه يعلم ويقرأ في كتب الفقه في المذاهب الأربعة أن ذلك مشروع، فكيف يفتري الكذب على الله، وهناك من يبيح للأمة أن تجلس على طاولة المفاوضات، والطاولة طويلة، فمنذ عام (١٩٤٨م) لازلنا على الطاولة، ولا أدري متى ستنتهي الطاولة؟! وانتقلوا من الطاولة إلى خارطة الطريق، يا قوم! أتكذبون على ربكم؟ أما تعلمون أن هؤلاء لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً؟ أما تعلمون أن هؤلاء يفسدون في الأرض؟ أما تعلمون أن هؤلاء يشتاقون عطشاً إلى دماء الموحدين.
طفل عمره عامان يسمى عليان من أبناء فلسطين المسلمة، يقتل منذ أسبوع، سلوهم بأي ذنب قتلوه؟ ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨]، أمعه مدفع؟ أيحمل رشاشاً؟ لماذا يقتل رضيع لا يزال يرضع من ثدي أمه، لماذا تقتله يا هولاكو العصر؟! لكن لا غرو في ذلك، فالأمة تستجيب لك، وتجلس معك على الطاولة، وتنطلق معك إلى خارطة الطريق، أقول كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١].
وأقول كما قال الله سبحانه في سورة المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المجادلة:١٤ - ١٧].
ثم قال سبحانه: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة:١٩].
стр. 251
تفسير قوله تعالى: (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن)
قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦]، والمعنى: أنه كان رجال من الإنس يستجيرون برجال من الجن، فإذا نزلوا وادياً استجاروا بسيد هذا الوادي من الجن، مع أن الجن تخاف من الإنس وتفرق منهم، فلما علمت الجن أن الإنس يستجيرون بهم أرهقوهم إثماً وذعراً؛ ولذلك لا يتعامل مع الجن إلا مذعور خائف، فالله يقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦]، أما نحن الآن فقد جعلنا كيد الشيطان عظيماً، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف:٢٠٠] يا عبد الله! تحضر الجن في بيتك ولا تحضر الملائكة؛ لأن الملائكة لا تكون إلا في بيت فيه قرآن، وليس فيه تصاوير وليس فيه مفسدون وليس فيه غناء، بل فيه ذكر وطاعة.
يقول أسيد بن حضير: اشتقت إلى قراءة القرآن وأنا على راحلتي.
ما هذا الحب؟ يشتاق للقرآن وهو يركب الدابة، فربط الدابة وعليها ولده الصغير، ونزل يقرأ القرآن.
يقول: فأخذت أقرأ في سورة البقرة، فكلما قرأ تحركت الدابة، وكلما سكت سكنت الدابة، فخاف على ولده أن يقع، وذهب إلى النبي ﷺ يخبره بما رأى، فقال النبي ﷺ : (اقرأ أسيد! فإنها الملائكة تنزل لسماع القرآن)، فعمر البيت بالقرآن، قد يقول قائل: يا شيخ! البنت مسحورة، أقول: انظر إلى البنت تلبس بنطلوناً وتسمع الغناء ولا تصلي، وهي متبرجة، ولا تعرف من دينها شيئاً، ولا تقرأ القرآن أبداً، لا تحفظ حتى سورة الإخلاص.
إذاً: هي بنفسها جنية، ونعوذ بالله من حالها، فكيف تذهب لتعالج مثل هذا الصنف؟ يا رجل! اتق الله في نفسك، إن بيوتنا تحتاج إلى أن تكون فيها الملائكة، لا أن يكون الجن فيها.
الملائكة تشهد قراءة الإمام في الفجر وتستمع للقرآن، قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]، وفي الحديث الصحيح: (تجلس الملائكة على باب المسجد بعد أن يصعد الإمام إلى المنبر، فتطوي الصحف تستمع الذكر) فهي تستمع الخطبة الآن، وأنا أعلم أن العلماني يقول: انظروا إلى هذا الشيخ! إنه يقول: الملائكة على الأبواب! فأقول: يا علماني يا خبيث! إن الذي أخبرنا بذلك هو المعصوم محمد ﷺ ، فهل نصدقه أم نصدقك؟ أنا أعرف أنك ستجلس غداً وتقول: عجيب! يتصورون أن الملائكة على الأبواب! ألم أقل لكم: إن هؤلاء رجعيون، متزمتون، متحجرون، يريدون لنا أن نعيش في عصور الظلام، لكني أقول: ماذا صنعت أنت بحضارتك العفنة؟ ضيعت الأمة، وأوديت بحياتها وخلفتها خلف الأمم، وانظر كيف كانت الأمة في عهد سيد المرسلين محمد ﷺ والصحابة؟ كانت الريادة والسيادة لهذه الأمة، فجئت أنت وألصقتها بالوحل والتراب بحضارتك المزعومة.
فقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ﴾ [الجن:٦] يبين لنا أن نحذر من التعامل مع الجن، قد يقول قائل: هل يجوز أن أسخر الجني المسلم؟
الجواب
لا، هذا الراجح من أقوال العلماء؛ لأن سليمان ﵇ قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥]، فتسخير الجن كان لسليمان، أما غير سليمان لا يجوز له أن يسخر الجن؛ لأن الله قال: ﴿لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥].
فإن كنت تقول: أنا أستخدم الجن في دفع المفاسد، فابعث يا أخي! الجن إلى القدس بارك الله فيك، وابعثهم إلى بغداد، أصلح الله حالك، ابعثهم إلى الشيشان.
سلط الجن على أعدائنا! أسألك بالله وأستحلفك به هل استعان النبي ﷺ في حفر الخندق بالجن؟ هل استعان بهم في بدر، في أحد، في حنين، في تبوك؟ أبداً ما استعان بهم؛ ولذلك أقول لك: لا ينبغي لك أبداً أن تتعامل بهذه الطريقة.
وقوله: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦] أي: إثماً وذعراً وخوفاً وتعباً ونصباً.
стр. 252
تفسير قوله تعالى: (وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً)
قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن:٨]، (لَمَسْنَا): جاورنا، صعدنا إلى السماء لنسترق السمع الغيبي من الملائكة؛ حتى ننزل به إلى الأرض، ﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن:٨]، يقول الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك:٥].
ويقول سبحانه: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات:٦ - ٧].
أسأل الله أن يرزقنا حب القرآن، وتلاوة القرآن، ونور القرآن، وفهم القرآن، وعطاء القرآن.
اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً.
اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا.
نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وجلاء همنا وغمنا ونور أبصارنا.
اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً.
نعوذ بك يا رب! من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع.
ارزقنا قبل الموت توبة، وارزقنا عند الاحتضار شهادة، وارزقنا بعد الموت جنة ونعيماً.
اللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك.
اللهم اجعل القرآن نور أبصارنا، وشفيعاً لنا على الصراط.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين.
اللهم عليك باليهود والأمريكان، فإنهم لا يعجزونك يا رب العالمين شتت يا رب شملهم، فرق يا رب جمعهم، خرب يا رب ديارهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، أرنا يا رب فيهم آية؛ فإنهم لا يعجزونك.
اللهم إن ليل المسلمين قد طال فاجعل لهم فجراً يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، واجعل القرآن شفاء لنا من كل داء.
إنك على كل شيء قدير، وأنت حسبنا ونعم الوكيل.
آمين آمين، آمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 253
وقفة مع حديث يوشع بن نون وانحباس الشمس له كما أورده الإمام النووي في رياض الصالحين
أتحدث الآن معكم حول حديث أورده الإمام النووي في كتاب (رياض الصالحين) في باب الصدق.
إن كتاب (رياض الصالحين) من الكتب المهمة التي يقتنيها الكثير ولا يعيش معها، فالإمام النووي قسم الكتاب إلى أبواب: باب إخلاص النية، باب التوبة، باب الصبر، ثم باب الصدق، ومن طبيعته أن يأتي في كل باب بآيات ثم بأحاديث.
أورد في باب الصدق حديثاً رواه البخاري ومسلم، يذكر فيه قصة ليوشع بن نون، يقول: قال النبي ﷺ : (غزا نبي من الأنبياء -أي: غزا في سبيل الله فقال لقومه: لا يتبعني ثلاثة) أي: ثلاثة أقسام من الناس لا يتبعني في الجهاد.
قال: (لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وأراد أن يبني بها ولم يبن) يعني: رجل عقد زواجه على امرأة ولكنه لم يدخل؛ وذلك لأن العبادة لاسيما الجهاد ينبغي أن يقوم العبد به وهو خالي الذهن؛ لذلك ربنا يقول: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ [الشرح:٧] أي: إذا فرغت من شئون دنياك فانصب إلى عبادة ربك، فلا صلاة في حضرة الطعام، ولا أنت تدافع الأخبثين؛ وذلك لكي يكون الذهن خالياً عما سوى العبادة، فالرجل الذي عقد على امرأة ولم يدخل بها سيجاهد وهو يفكر في الدخول بها.
ثم قال: (ورجل بنى داراً -بنى بيتاً- ولما يرفع سقفها)، أي: وضع الأعمدة والجدران والقواعد وبقي السقف؛ فسيكون فكره منشغلاً بإتمام بناء الدار والسكن فيه.
ثم قال: (ورجل ملك أنعاماً -يعني: لديه مواش حوامل- وهو ينتظر النتاج) هذا أيضاً لا يتبعه.
فقوله: (غزا نبي من الأنبياء) يشير إلى أن الجهاد في الأمم السابقة كان معروفاً، وما من نبي إلا وجاهد في سبيل الله، فحدد هذه الشروط لقومه.
قال: (فلما غزا في سبيل الله اقترب له النصر -أوشك على الفتح- واقتربت الشمس من الغروب) كان في شريعتهم على قول ابن كثير: أنه لا يجوز أن يقاتل في ليلة السبت، لكن الشيخ ابن عثيمين يرى أن الظلام هو الذي سيؤخر النصر، يعني: ابن كثير يرى أنه طلب تأخير الشمس لعلة شرعية، أما في شرح رياض الصالحين يرى الشيخ محمد بن صالح ﵀ أنه طلب ذلك؛ لأن ظلام الليل سيؤخر النصر، قال: (فتوجه إلى الشمس قائلاً: أنت مأمورة وأنا مأمور) أي: أنت مأمورة بالغروب وأنا مأمور بالغزو والجهاد.
قال: (ثم توجه إلى ربه قائلاً: اللهم احبسها علينا) يعني: لا تغرب حتى يكتمل النصر، (فأخر الله له غروب الشمس) وهذا يدل على أن الشمس مخلوقة، والرتابة في السنن الكونية لا تجعلك تثق أن هذه السنن لا تتغير: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس:٣٨].
(فلما انتصر أخذ الغنائم)، والغنائم في شرع من قبلنا لا تحل لهم، وإنما حلت لنبينا محمد ﷺ : (وأحلت لي الغنائم)، فكانت تنزل من السماء نار لا يعرف مصدرها، تأخذ الغنيمة وتأكلها.
قال: (نزلت النار لتأخذ الغنيمة فلم تطعمها) ما السبب في امتناع النار عن أكلها؟ قال يوشع بن نون للقوم: (فيكم غلول) والغلول: الأخذ من الغنيمة بغير حق، يقول ربنا: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١].
فمعنى الغلول: الأخذ من المال العام، فسرقة الكهرباء غلول، وتسخير السيارة قطاع عام لخدمة الأولاد غلول؛ لأنه أخذ من الأموال بغير حق، حدث ولا حرج، شخص مرتبه مائة وعشرون جنيهاً هذا مرتبه الأساسي دون الحوافز والمكافأة، ومع ذلك يبني عمارة في مدينة مصر بمليوني جنيه، فهل هذا غلول أم ليس بغلول؟ هذا هو الغلول، وماذا صنع الغلول بالغنيمة؟ نزلت النار فلم تأكل الغنيمة، فقال يوشع للقوم: (فيكم غلول، فلتخرج كل قبيلة منها واحداً يصافحني، فأخرجت كل قبيلة رجلاً فصافح الأول والثاني، فلزقت يده بيد أحدهم فقال: فيكم الغلول) أي: القبيلة هذه فيها السرقة قال: (ائتني بأعضاء القبيلة كلهم، وصافحها رجلاً رجلاً فلزقت يده بثلاثة) إذاً: هؤلاء الذين سرقوا فلما تأكد منهم قال: (فيكم الغلول، فذهبوا فجاءوا بذهب كرأس البقرة) يعني: أتوا بذهب في حجم رأس البقرة، (فوضعه في الغنيمة، فنزلت النار فأكلت الغنيمة).
هذا الحديث أورده الإمام النووي في كتاب (رياض الصالحين) ليدل على فضيلة الصدق، فالصدق منجاة، قال النبي ﷺ : (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة)، والكذاب يشك في نفسه، ويكاد المريب يقول: خذوني، ولكن الصادق يطمئن.
стр. 254
الأسئلة
стр. 255
حكم من عاهد الله على ترك ذنب فعله ثم عاد إلى فعله
السؤال
عاهدت الله على ذنب فعلته على ألا أعود إليه مرة أخرى، ولكني وقعت مرة أخرى، فما الكفارة التي علي، أم ليس علي كفارة؟
الجواب
إن كنت حلفت بالله ألا تفعل وفعلت فعليك كفارة يمين بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم تجد فصيام ثلاثة أيام، وإن كان العهد بدون يمين فعليك بالتوبة والاستغفار والندم؛ لأن هذا لا شك أنه معصية، فأنت عاهدت الله ثم نكثت العهد بعد ذلك.
стр. 256
حكم أكل لحم النعام
السؤال
ما حكم أكل لحم النعام؟
الجواب
الحقيقة هناك أسئلة لا ينبغي أن تسأل، هل عندنا نعام؟ فهل هناك أحد يأكل نعاماً؟ إذا رزقت بنعامة فخذها وتعالى إليَّ لنأكلها معاً، ولا داعي للافتراضات الخيالية يا عبد الله! أنت تأتي بنصف كيلو من اللحم بعد جهد كبير، وفي هذه الظروف تقول لي: ما حكم أكل النعام؟ كل ولا حرج، لكنني أعرف أنك لن تذوق النعام طيلة عمرك، شخص بعث سؤالاً قال فيه: ما حكم خروف رضع من كلب؟ ما هذه الأسئلة! يقول تعالى: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١]، فلا تسأل إلا عن المهم الذي يترتب عليه عمل، وهذا هو منهج القرآن.
стр. 257
تفرغ الشيخ وحيد للفقه ودراسته، وتركه الخوض في حوارات مع الجن
السؤال
للشيخ وحيد عبد السلام بالي كتب عن الجن وشرائط، وله حوارات في كتبه مع الجن؟
الجواب
الشيخ وحيد عبد السلام شيخنا حفظه الله، قد ترك هذا الموضوع منذ زمن، وتفرغ للفقه ودراسته وتخريج طلبة العلم، وقد اعتذر عما كان يفعل، فما غرضك أنت من هذا السؤال؟ إننا نتحدث عن منهج الإسلام فلا تحتج علي بفعل هذا أو فعل هذا، فهذا أمر لا ينبغي أن يكون من طالب علم.
стр. 258
صفة وضوء من يعاني من مرض سلس البول
السؤال
ما صفة وضوء المريض بسلس البول؟
الجواب
يتوضأ لكل صلاة بعد دخول الوقت، وعليه أن يزيل النجاسة التي في ثوبه.
стр. 259
حكم شرب الرجل الكبير من لبن امرأة
السؤال
شرب رجل كبير السن من لبن امرأة، ما حكم ذلك؟
الجواب
هذا السؤال قد يكون فيه تورية، فالزوج قد ينسى عقله ويرضع من ثدي زوجته، وقد حدث عندنا في المركز، فوقع في فمه قطرات لبن، فجاء يسأل، أقول: قال ﷺ فيما رواه الدارقطني في سننه: (لا رضاع بعد فطام، ولا يتم بعد احتلام)، فإذا فطم الطفل لا تؤثر فيه الرضاعة، فالرضاعة تكون في الحولين، فإذا رضع في الحولين أثر، وأنت الحمد لله كبير، فإن رضعت لا يؤثر ذلك في حرمة وعدم حرمة.
وقوله: (ولا يتم بعد احتلام)، يعني: إذا بلغ الطفل الحلم -الرشد- فلا يسمى يتيماً، إنما اليتيم من لم يبلغ الحلم، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [النساء:٦]، يعني: بلغوا الرشد والحلم، فإذا بلغ اليتيم الحلم لا يسمى يتيماً، واليتيم في بني جنسنا من مات أبوه ولم يبلغ الحلم، ومن ماتت أمه لا يسمى يتيماً، وإن ماتت أمه وأبوه سمي لطيماً، أما الحيوانات إن فقدت الأم فتسمى يتيمة.
يقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:٩ - ١٠].
وقد يحتج علي شخص برضاع الكبير، فأقول: رضاع الكبير منسوخ في أغلب الأقوال وأرجحها، أما رضاع سالم مولى أبي حذيفة من سهلة بنت سهيل فهذا خاص بـ سالم قال ﷺ : (أرضعيه يا سهلة! يحرم عليك)، والله تعالى أعلم.
стр. 260
حكم الغش في امتحان مادة الفلسفة وغيرها
السؤال
نحن الآن مقبلون على الامتحانات، فما حكم الغش مع الدليل، وما حكم الغش في مادة الفلسفة إذا كنت سأرسب بسببها؟
الجواب
انظروا كيف زيَّن الشيطان له عمله، يقول: الفلسفة دراستها لا تجوز، إذاً: أغش فيها ولا حرج، إن الغش حرام في الفلسفةوفي علم النفس وفي الرياضة المالية وفي الدراسات الربوية، الغش أصله حرام يا عبد الله! فلا تستحل لنفسك هذا، قد يقول البعض: هذا تعليم وضعي، والغش فيه لا حرج، أقول: عيب أن تكون ملتزماً وتغش، وقد يكتب على الورقة غشاش وتخرج من اللجنة بفضيحة، فيا رجل! اتق الله، الغش حرام أينما كان.
стр. 261
حكم استعمال وسائل تنظيم الأسرة
السؤال
هل استعمال وسائل تنظيم الأسرة من جهاز وغير ذلك يقع تحت قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ [الأنعام:١٥١]؟
الجواب
منع الحمل حرام، وتحديد النسل حرام، فإذا كنت تنظم بين الولد والولد فترة زمنية فلا بأس، فالزوجة تريد أن ترضع، ففي فترة الرضاعة لا ينبغي أن تحمل، وعليها أن تستخدم وسيلة في هذه الحالة لمصلحة الطفل الذي ترضعه؛ لأن الحمل يؤثر على الطفل الذي يرضع، هذه مسألة منتهية، فالتنظيم يكون لسبب شرعي، أما أن تضع حداً لعدد الأطفال وتقول: هذا يكفي، فهذا حرام.
قد يقول قائل: أريد أن أستمتع بالزوجة فلا أريد أبناءً، أقول: هذا ليس سبباً شرعياً، السبب الشرعي: صحة الزوجة، ومراعاة الولد الرضيع إلى غير ذلك، لكن ضيق الرزق ليس سبباً شرعياً.
ولا يجوز للمرأة أن تمتنع عن الإنجاب، فأنتم تعلمون أن هناك مخططاً يستهدف مصر لتحديد النسل، عدد سكان مصر سبعون مليوناً، وذات مرة استضافوا شخصاً، فسألوه عن مواجهة ظاهرة الانفجار السكاني، فقال: أنا لا أرى علاجاً لهذه الظاهرة إلا بالتدخل الحكومي بقانون، ينص على أن المرأة إذا حملت أكثر من اثنين أو ثلاثة، تعطى حقنة لإسقاط الجنين إجبارياً، فانظر إلى مثل هذه العقول العفنة، إن شاء الله تعالى نصبح في عام (٢٠١٠م) مائة مليون، هم واهمون في قولهم، إن امرأة تمنع حملاً وفجأة تلد توأمين، فهي مصيبة كبيرة عندهم، فقالوا: لا بد من وقفة مع رجال الدين الذين يقولون للناس: إن تحديد النسل حرام.
أقول: يا عبد الله! إن الثروة البشرية في لغة الاقتصاديين ثروة عظيمة، وذات نفع كبير، ولكن المهم استثمارها، نقول: عدد سكان مصر سبعون مليوناً، تونس اثنا عشر مليوناً، والمغرب خمسة وعشرون مليوناً، فالعدد أعطانا قوة، والبلد الذي له ثقل اقتصادي وثقل سكاني بلد مصر، أما تونس فقد قام حكامها بأشياء يندى لها الجبين، فهناك قانون يقضي بالتحريم على الأنثى أن تضع أكثر من ثلاثة، كذلك التعدد في الزوجات يحرم بقانون، وإن رآك تصلي الفجر في المسجد يومين متتاليين أصبحت مجرماً بتهمة صلاة الفجر، وإن رأى على امرأة خماراً في الطريق العام يقص الخمار من على رأسها، وهذا بورقيبة في تونس صنع تمثالاً لامرأة عارية وقال: كوني كهذه، وتمثالاً لامرأة محجبة وقال: لا تكوني كهذه؛ ولذلك هم الآن يمنعون أي وسائل إعلامية أن تدخل البلاد إلا بإذنه، كل ذلك لمسخ الشعب مسخاً عاماً.
فاستخدموا الوسائل ومراكز تنظيم الأسرة والإعلام وقالوا: لا لختان الإناث، لا للزواج المبكر.
سنتزوج مبكراً، وسنختن البنات، وسنحيي تعاليم ديننا، وسنواجه المخطط الذي يستهدف به مصر لخفض عدد السكان، إن العنصر المنتج فقط من بلد مصر يستطيع أن يبني صحراء سيناء ويعمرها، فنحن نرفض الإعالة، وذلك حين يعيش الإنسان عالة على غيره، وهذا يسميه الاقتصاديون: معدل الإعالة، وهو أن يكون العنصر البشري عنصراً منتجاً، لا يشتغل في الخدمات؛ لأنه عندما يوجه الدخل للخدمات ينهار الاقتصاد، فالحلاق يقدم خدمة، والذي ينتج الثياب يقدم منتجاً، فنحن نريد أن يكون الدخل مقابل إنتاج للسلع وليس للخدمات.
إن المشكلة التي تعاني منها في مصر هو عدم الرشد الاقتصادي، فقد رأيت كوخاً فوقه دش أليست هذه سفاهة؟ ومنهم من يكون دخله مائة جنيه، ويشتري بمائة وعشرين جنيهاً سجائر سوبر، يعني: يقترض عشرين، ماذا يطعم أولاده؟ الله أعلم، ولا يدفع الإيجار فيطرد، فلابد للمجتمع أن يكون مجتمعاً منتجاً، فإننا حين نكتفي اكتفاءً ذاتياً بإنتاج القمح لصنع الخبز لا نحتاج إلى قمح من أحد، لكن العدو لا يريد لك ذلك، فتراه يعطيك شحنة القمح كل ثلاثة أيام، وإن تكلمت منع الشحنة، وصدق من قال: من لم يأكل من فأسه، لا يحكم من رأسه.
جزاكم الله خيراً، تقبل الله منا ومنكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 262
تفسير سورة الجن [٢]
للجن حياتهم وأحوالهم التي يتميزون بها، فهم يأكلون ويشربون ويتناكحون، ويتشكلون في صور معينة، وتختلف طبائعهم وعقائدهم وأخلاقهم كاختلاف طبائع الإنس وعقائدهم وأخلاقهم، فمن الجن من آمن بالله وبرسوله كما حكى الله تعالى ذلك في سورة الجن، مبيناً سبحانه أدب خطابهم، ودعوتهم إلى الله سبحانه، بعد أن كانوا يسترقون السمع ويلقونه في أذن الكاهن، فلما عرفوا أن رسولاً قد بعثه الله آمنوا وأصبحوا دعاة موحدين.
стр. 263
حقيقة عالم الجن ووجوب اعتقاد وجودهم
الحمد لله رب العالمين، الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون، خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة في قرار مكين، ثم خلق النطفة علقة سوداء للناظرين، ثم خلق العلقة مضغة بقدر أكلة الماضغين، ثم خلق المضغة عظاماً كأساس لهذا البناء المتين، ثم كسا العظام لحماً هي له كالثوب للابسين، ثم أنشأه خلقاً آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين، ثم إنكم بعد ذلك لميتون، ثم إنكم يوم القيامة تبعثون.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الإخوة الكرام الأحباب! لا يزال الحديث مع سورة الجن، وحديثنا عن الجن في هذا الزمن من الأهمية بمكان؛ لأن موضوع الجن من الموضوعات التي أخذت أكبر من حجمها في زماننا هذا، فالبعض يظن أن الجن يعلم الغيب، والبعض يعطي الجني أكثر مما يستحق، رغم أن الله بين لنا في كتابه أنه لا سبيل للشيطان على عباد الله الموحدين: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦]، لكننا نحن عظمناه؛ ولذلك حديثنا عن الجن حديث عن الغيب، والحديث عن الغيب لابد أن يكون بدليل من كتاب الله أو سنة صحت عن نبينا ﷺ ، وهذا هو الطريق الوحيد؛ لأن ذلك غيب.
الجن حقيقة لا خرافة، وعالم الجن بلا أدنى شك علم يقيني، وخلق من نار كما أخبر ربنا سبحانه، وإنهم يأكلون ويشربون، فالنبي ﵊ قد أخبرنا: (أن الشيطان يأكل بشماله)، وأمرنا أن نأكل باليمنى، ونبينا ﷺ حينما أمر بعض الصحابة أن يأتيه بثلاثة أحجار ليستجمر بها فأتاه بحجرين وعظمة فرد العظمة، وأخبر أن العظام هي طعام إخواننا من الجن.
قال: (هي زاد إخوانكم من الجن)، وأنهم يتشكلون، فالصورة تحكم الجني إذا تشكل في صورة معينة، ففي حديث البخاري: أن الشيطان جاء وأخذ من مال الصدقة في صورة رجل، وأمسك به أبو هريرة، وأن الشيطان جاء للمشركين في غزوة بدر وقال: إني جار لكم، وظل خلفهم حتى أقنعهم بفكرة القتال، يقول ربنا: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال:٤٨]، هذه كلها أدلة واضحة في أنه يتشكل، قد يتشكل في صورة قبيحة، وهذا هو الكثير، يتشكل في صورة كلب أسود، وفي صورة ثعبان، وهذا ثابت بما لا يدع مجالاً للشك عندنا.
стр. 264
تفسير قوله تعالى: (وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً)
أيها الإخوة الكرام! يقول ربنا سبحانه: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا * وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا * وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا * وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا * وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا﴾ [الجن:٨ - ١٣].
td هذه الآيات يخبر سبحانه أن الجن قبل بعثة النبي ﵊ كانت تسترق السمع، لكن هل سلط عليها الشهب بعد البعثة أم قبل البعثة؟ العلماء على خلاف، والراجح أنها كانت تتسلط عليها الشهب قبل البعثة، لكن بعد بعثة النبي ﵊ شددت الحراسة؛ لقول الله: ﴿مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن:٨]، ولحديث ابن عباس: (أن النبي ﷺ كان يجلس مع أصحابه، فرمي بنجم فقال لأصحابه: ما تقولون في هذا؟ قالوا: كنا نقول عنه في الجاهلية: موت عظيم أو ميلاد عظيم) أي: أن الشهاب حينما تسلط على جني فذاك معناه عندهم أن عظيماً قد ولد أو عظيماً قد مات، فقال النبي ﷺ : (إنه لا يرمى بها لموت أحد ولا لميلاده، إنما ذلك الجن إذا استرق السمع)، يعني: يقوم الجن بعملية انتحارية، جني يعلو على جني حتى يصل آخرهم إلى السماء الدنيا في سلسلة بحيث يسترق السمع، فإذا قضى الله أمراً في سمائه نادى أهل السماوات بعضهم بعضاً، حتى يصل الخبر إلى السماء الدنيا، فيسترق الجن السمع، ويلقيه إلى من هو تحته حتى يصل إلى الأرض، إلى الكاهن أو العراف، فيخلط ذلك الصدق بمائة كذبة كما قال ﷺ .
وبعد بعثة النبي ﵊ خرجت الجن لتمارس ذلك العمل، فوجدت السماء محروسة: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن:٨] فقالوا: لابد من شيء قد تغير، فجاءوا إلى الشيطان وأخبروه، فأخبرهم أن ذلك بسبب تغير حصل في أهل الأرض، إما أن يكون العذاب سيحل على أهل الأرض، وإما أن يكون الله قد بعث نبياً من أهل الأرض.
стр. 265
تفسير قوله تعالى: (وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً)
يقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠].
فالجن يعلموننا الأدب، فهم يقولون: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي﴾ [الجن:١٠]، وكذلك الملائكة قالت: ﴿لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة:٣٢] فهم يكلون العلم إلى الله، ثم في قولهم: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ﴾ [الجن:١٠] الفعل مبني للمجهول ولم يسم فاعله، فالذي أراد بمن في الأرض شراً هو الله، لكن من الأدب ألا ينسب الشر إلى الله: (والشر ليس إليه)، وهذا من باب التأدب، وفي القرآن مثل ذلك كثير، يقول إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠]، نسب المرض إلى نفسه، وفي قصة الخضر مع موسى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩]، فنسب العيب إلى نفسه، رغم أن الذي أمره بخرق السفينة هو الله، فلم يقل: فأراد الله أن يعيبها؛ لأنه لا ينبغي أن ينسب الشر أو العيب إلى الله ، مع إيماننا الجازم أن الخير والشر من الله، وهذا من باب الأدب في زمن ضاع فيه الأدب، يقول محمد بن سيرين: علم بلا أدب كالنار بلا حطب.
стр. 266
تفسير قوله تعالى: (وأنا منا الصالحون ومنّا دون ذلك كمنا طرائق قدداً)
قال تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً﴾ [الجن:١١]، فرق وجماعات وأحزاب وأمم، منهم السني، ومنهم المبتدع، ومنهم الصوفي، ومنهم الشيوعي، ومنهم الرافضي، ومنهم الكافر، ومنهم العاصي، كبني آدم تماماً، وأشرهم الرافضي، فمن أهل الإسلام من ينتسب إلى الإسلام وهو من الرافضة، والرافضة هم الشيعة، وهناك ممن يدعي العلم في هذا الزمن ينادي للتقريب بين أهل السنة والشيعة، يقول تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ [الرعد:١٦]، رجل يسب أفضل أصحاب رسول الله ﷺ ، يسب أبا بكر وعمر والمطهرة عائشة ﵂، رجل يتهم الله بأنه كان لا يعلم ثم علم، يعتقدون بعقيدة البداء وعقيدة الرجعة، وسب الصحابة، هذه ثوابت عندهم في عقيدتهم، اسمع إلى كلام السلف.
يقولون: أهل الكتاب من اليهود والنصارى أنصف في قولهم من الروافض، لو سئل أتباع عيسى: من أفضل من كان مع عيسى؟ لقالوا: أصحابه الحواريون، ولو سئل أتباع موسى: من أفضل من تبع موسى؟ لقالوا: أصحابه.
أي: أنهم يقرون لأصحاب رسلهم بالأفضلية، ولو سئلت الروافض عن صحابة النبي ﷺ لقالوا: هم شرار الخلق.
اقرأ في كتب القوم لتعلم، مع أن هذا المجال ليس مجالاً لإسقاط الخمار عن الشيعة الأشرار، إنما نحن الآن في مجال الكلام عن الجن.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن:١١]، يعني: كافر الجن إلى النار، ومؤمن الجن إلى الجنة، وهذا رأي الجمهور خلافاً لـ أبي حنيفة الذي قال: إن النجاة من النار هي الجزاء لهم، ولا جنة لمؤمنهم، وجمهور العلماء: على أن الكافر إلى النار، وأن المؤمن إلى الجنة، والنصوص العامة تؤيد هذا الرأي.
стр. 267
تفسير قوله تعالى: (وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هرباً)
يقول ربنا سبحانه: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن:١٢].
اعتراف من الجن بأنهم لن يستطيعوا أن يهربوا من الله إذا أرادهم؛ فهم يؤمنون بذلك إيماناً جازماً، فالجأ يا عبد الله! إلى ربك ، إن كان بك سحر قل: يا رب! بك مس قل: يا رب! لا تذهب إلى العراف والدجال ليقدح في عقيدتك، تقول: أنا سأذهب إلى المنوفية، هناك شيخ جيد.
أقول: هل إيمانك بالمعالج أم إيمانك بالرقية؟ بالمعالج؛ لأنك تشد الرحال إليه، الرقية هي نفسها الرقية في أي مكان كان، فأنت الآن تثق في الرقية أم تثق فيمن يرقي؟ حتى إذا أصيب أحدهم بمس، قال: أنا أريد شيخاً للعلاج يكون عشرة على عشرة! يا عبد الله! هذا قدح في العقيدة: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢]، فالمضطر يدعو ربه ويلجأ إليه، ولا يوسط الوسائط بينه وبين الله.
يا قوم! هذه ظاهرة خطيرة تحتاج منا إلى أن نواجهها، لابد أن نأخذ على يد المعالجين الذين ينسبون إلى أنفسهم الشفاء، أو يقول: أنا فعلت وأنا فعلت.
فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية لما أرسل إليه بشأن رجل أصابه المس، قال الجني له: أخرج كرامةً لك يا شيخ الإسلام! قال: إن فعلت فلا تخرج، إنما تخرج امتثالاً لأمر الله.
وهذا معناه: أنه لا ينبغي أن ينسب المعالج الفضل إلى نفسه، فضلاً عن أنه إذا علا نجمه وذاع صيته وعرف بين الناس انسحب في الحال؛ لأن هذا من مداخل العجب والرياء، فالرقية مشروعة لكن بضوابط.
روى مسلم في صحيحه: أن أويساً القرني كان رجلاً مستجاب الدعوة، ولكنه إذا حضر بين الناس لا يعرفه أحد، يقول النبي ﷺ لـ عمر ولأصحابه: (إن لاقيتم أويساً فسلوه أن يستغفر لكم، فإنه مستجاب الدعوة) وهو من أهل اليمن، منعه بره بأمه أن يأتي لمقابلة سيد البشر محمد ﷺ ؛ لأنه يقوم بخدمة أمه، سماه العلماء: مخضرماً لا هو صحابي ولا هو تابعي، صحابي باعتبار أنه عاصر النبي ﷺ ، وتابعي باعتبار أنه ما لاقاه، فهو في درجة بين الدرجتين- (كان به برص فدعا الله فاستجاب لدعائه، فصرف ما به من برص إلا موضع درهم تحت إبطه) أي: علامة، ولما خرج عمر إلى عرفة كان ينادي أمداد اليمن في كل عام: يا أهل اليمن! أفيكم أويس؟ حتى جاءت سنة فقال لهم: أفيكم أويس؟ فتقدم إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين! من أويس؟ قال: رجل منكم من أهل اليمن كان باراً بأمه، منعه بره من ملاقاة رسول الله ﵊، كان به برص فدعا الله فشفاه إلا موضع درهم تحت إبطه.
أين هو؟ قال: يا أمير المؤمنين! هو قريب لي، لكنه إذا حضر لا يعبأ به، وإذا غاب لا يفتقده أحد -تقي وخفي- فقال عمر: دلني عليه، فأتى إلى أويس واستحلفه بالله أن يستغفر له الله، فلما علم أويس أن عمر تعرف عليه أخذ عليه العهد والميثاق ألا يخبر أحداً به، فالشهرة والصيت يا عبد الله! من مداخل الشيطان عليك.
стр. 268
تفسير قوله تعالى: (وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً)
قال تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِه﴾ [الجن:١٣]، وهو القرآن الكريم، ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا﴾ [الجن:١٣]، من ذلك قول الله في سورة طه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢].
فقوله: ((بَخْسًا وَلا رَهَقًا))، بخساً من حسناته، ولا زيادة في سيئاته، فالجزاء العدل التام: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، فللحساب والجزاء قواعد: القاعدة الأولى: العدل التام: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء:٤٧]، ويقول سبحانه: ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧]، هذا هو العدل.
القاعدة الثانية: مضاعفة الحسنات وعدم مضاعفة السيئات، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:١٦٠]، هذا من باب الفضل، فهلاك العبد إذا تغلبت آحاده على عشراته: (وأتبع الحسنة السيئة تمحها).
القاعدة الثالثة: إقامة الشهود على العبد، ولذلك ربنا يشهد يوم القيامة كل نبي على أمته، وتشهد على العبد الجوارح، وتشهد الأرض، كل ذلك من إقامة الشهود على العبد.
القاعدة الرابعة: عدم محاسبة أحد بعمل غيره، فكل إنسان يحاسب عن عمله هو: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء:١٣]، وهذا يسميه العلماء: المسئولية الشخصية، فأنت مسئول عن عملك بين يدي الله، وعمن كلفك الله بإعالته أو بنصحه.
стр. 269
تفسير قوله تعالى: (وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشداً)
يقول الله سبحانه: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ [الجن:١٤] أي: الظالمون المنحرفون، ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا * وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن:١٤ - ١٦]، لو استقام أهل الأرض على الكتاب والسنة، لو استقاموا على التقوى لأكلوا من تحت أرجلهم ولعمتهم البركة، وما يحدث من آيات هي للتخويف، فقد تعرضت الشقيقة الجزائر لزلزال، ونحن لنا فيه وقفة في اللقاء الثاني إن شاء الله تعالى، فإن العلمانية تقول: هي ظواهر طبيعية، ونحن نقول كما أخبرنا المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ﵊: إن الزلزال حينما يقع في الأرض هو استعتاب من الله لخلقه، بذنوبهم، فيا أيها العباد! أفيقوا واعلموا أن الزلزال بسبب معاصيكم، فإنه لما تزلزلت المدينة في عهد الفاروق عمر قال لساكنيها: إن عادت إلى مثل صنيعها لن أساكنكم فيها بعد اليوم، والمعنى: أن الزلزال والريح والطوفان من جنود الله سبحانه التي يسلطها على عباده ليستعتبهم، تقول أمنا عائشة: إذا شربت الخمر، وعم الزنا، واستمع إلى الغناء -يعني: عمت المعاصي- غار الله في سمائه، فأمر الأرض أن تتزلزل بهم.
إذاً: حقيقة الزلزال معاصي بني آدم، فالأرض لا تتحرك إلا بإذن خالقها، والزلزال الأكبر: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج:١ - ٢]، وقارن بين الزلزالين، ففي زلزالنا الدنيوي الناس حيارى، هذا يهرع إلى كذا، وهذا يأخذ كذا، ليسوا بسكارى، وفي زلزالنا الدنيوي تهرع المرضعة إلى رضيعها لتأخذه، أما في زلزال الآخرة تذهل المرضعة عن رضيعها؛ لعذاب رب العالمين.
يقول سبحانه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾ [الجن:١٦] أي: أهل الأرض، ﴿عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ [الجن:١٦] أي: على المنهج السوي، ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن:١٦] لرزقناهم رزقاً حلالاً طيباً كثيراً.
قال أبو داود في مقدمة سننه: نزلت إلى مصر، فشبرت قثاءة فيها -يعني: قاس القثاءة بالشبر- فبلغت أكثر من عشرة أشبار.
القثاءة الآن نصف شبر أو ربع، فلماذا كانت القثاءة في زمن أبي داود أشباراً؟ لأن الناس كانوا يؤدون حق ربهم، يقول ربنا سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]، فهذه البركة من الله سبحانه.
قال سبحانه: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن:١٧] أي: لنختبرهم، ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن:١٧] أي: أليماً شديداً.
стр. 270
تفسير قوله تعالى: (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً)
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]، إن أهل الكتاب في أماكن عبادتهم يشركون بالله، إذا دخل الواحد منهم إلى أماكن العبادة أعلن الشرك من أماكن العبادة، فيا قوم! إذا دخلتم إلى بيوت الله فلا تشركوا مع الله أحداً، لابد من التوحيد، ومن ثم قرر الفقهاء المعتبرون بإجماع آرائهم: أنه لا يجوز في الإسلام بناء المساجد على القبور؛ لقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن:١٨]، فلا تحمل اسم ولي إن كان ولياً، ولا اسم صاحب ضريح، ولا تشد الرحال إليه.
واختلف العلماء: هل يمكن أن يسمى المسجد باسم عائلة كمسجد بني عوف ومسجد بني رزيق أو غير ذلك؟ فالجمهور على الجواز بشرط ألا يكون ذلك من قبيل الشهرة والسمعة، فإن حمل المسجد اسم صاحب ضريح لا تصلِّ فيه يا عبد الله! ألبتة؛ لأن المساجد لله سبحانه، وما يحدث بداخلها من طواف وشرك لابد أن يكون لك معه موقف، لقد قال سيد البشر ﷺ : (لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ألا لا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك) وقال بعض المفسرين: المساجد هنا بمعنى أعضاء السجود السبعة، فإذا سجدتم في بيوت الله فالسجود لا يكون إلا لله .
стр. 271
تفسير قوله تعالى: (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً)
قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩]، سنة الله الكونية في أهل الدعوة إلى الله أن يعترض لهم دائماً؛ لهذا لما تدعو إلى التوحيد تجتمع الناس عليك لبداً، أي: فوق بعضهم البعض، فقوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [الجن:١٩]، أي: لما قام محمد في مقام العبودية يدعو الناس إلى توحيد الله ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩]، أي: كاد الكفار أن يكونوا على رسول الله مجتمعين يواجهون النور، ويواجهون الدعوة التي يدعوهم إليها.
لابد لنا من بيان العلاقة بين الإنس والجن، وبيان حقيقة المس، وحقيقة السحر، والذي نراه من مخالفات شرعية في زماننا هذا لابد من مواجهته بأسلوب شرعي؛ لبيان الأمر الحقيقي بما يستند إلى كتاب الله، وإلى سنة نبينا ﷺ .
أيها الإخوة الكرام! بعض الأمور المهمة التي أريد أن أتحدث عنها لارتباطها بواقعنا: الأمر أول: أن لنا نظرة فيما يحدث من كوارث في بلاد المسلمين، سواء كان زلزالاً أو طوفاناً أو انهياراً لبعض الجبال، كانهيار المقطم منذ زمن، نحن لا نبرئ بلداً من المعاصي، وإنما نقول: أي كارثة تقع لأهل الأرض إنما هي بمعاصيهم، فيجب على العباد أن يلجئوا إلى ربهم .
ثانياً: ظاهرة التسول التي سادت في الشوارع والطرقات من بعض أصحاب السمت الإسلامي، أقول: اتق الله فيما ما تصنع، فإن أصحاب الحاجات يمكن لهم أن يلجئوا إلى بعض جمعيات الخير في أسلوب مهذب بدلاً من أن نرى هذا الموقف.
أيها الإخوة الكرام! ظواهر عديدة لابد أن نواجهها بشجاعة أدبية، وبوضوح في الهوية.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا.
اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا.
نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، وجلاء همنا وغمنا، ونور أبصارنا.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا وقرارنا.
اللهم إنا نعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل.
ونسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل.
اللهم ارزقنا حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك.
اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، وجلاء همنا وغمنا، ونور أبصارنا.
اللهم ارحم أطفال المسلمين في أرض فلسطين المغتصبة، اللهم عليك بأعدائهم فإنهم لا يعجزونك.
اللهم عليك باليهود وعليك بالأمريكان.
اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بشر فاجعل كيده في نحره، وأهلكه كما أهلكت ثمود وفرعون.
اللهم انصر الإسلام في ربوع الأرض.
اللهم مكن لعبادك المستضعفين، اللهم مكن لعبادك المستضعفين، اللهم مكن لعبادك المستضعفين.
نسألك رضاك والجنة.
اللهم لا تجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً، اللهم لا تجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً، اللهم إن ليل المسلمين قد طال فاجعل لهم فجراً يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، ربنا إنا مغلوبون فانتصر، ربنا إننا مظلومون فانتقم.
اللهم عليك بأعداء دينك فإنهم لا يعجزونك يا رب العالمين! اللهم ارحم إخواننا في الجزائر، اللهم ارحمهم برحمتك يا رب العالمين! ولا تعجل بعذابهم بصنع السفهاء، فإنك على كل شيء قدير، وأنت حسبنا ونعم الوكيل.
اللهم كن لهم ولا تكن عليهم، اللهم كن لهم ولا تكن عليهم، اللهم احفظ ديار المسلمين من كل مكروه وسوء برحمتك يا أرحم الراحمين! وسلط الزلازل والبراكين على أعداء الدين، دمرهم شر تدمير بقدرتك يا رب العالمين! فإنك على كل شيء قدير، وأنت حسبنا ونعم الوكيل، وأنت بكل جميل كفيل.
آمين، آمين، آمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 272
الأسئلة
стр. 273
حكم مس المصحف وحضور دروس العلم والمكث في المسجد والطواف وغير ذلك للحائض
السؤال
هناك بعض الأخوات الحيض تأتي إلى دروس العلم وتحفظ القرآن وتمس المصحف، وتحضر في المسجد، هل هذا يجوز؟
الجواب
أولاً: لا يجوز للمرأة الحائض أن تمس المصحف.
هذا رأي جمهور العلماء، ومن قال بخلاف ذلك آراء ضعيفة، ورأي الجمهور والمذاهب الأربعة وأدلتهم قوية.
ثانياً: لا يجوز للمرأة أن تمكث في المسجد، يقولون: إن الأدلة على ذلك أحاديث ضعيفة.
أقول: روى البخاري في صحيحه في كتاب الحيض: أن عائشة ﵂ قالت: (كنت أرجل شعر النبي ﷺ -يعني: تغسله- وأنا في حجرتي وهو معتكف)، ما يمنعها من الخروج إلى المسجد إلا الحيض، يقول العلامة ابن حجر: فانظر إلى فعلها أنها كانت تغسل رأس رسول الله ﵊ وهي في الحجرة، والذي يمنعها من دخول المسجد أنها حائض.
ثالثاً: أن النبي ﷺ قال لها: (يا عائشة! ناوليني الخمرة من المسجد، قالت: إني حائض، قال: ليست حيضتك بيدك) والخمرة: الحصيرة، فقول عائشة: إني حائض، يدل على أنها تعلم ابتداء أن الحائض لا يجوز لها أن تدخل المسجد، فلو كان يجوز للحائض أن تدخل المسجد لما قالت: إني حائض حينما قال لها: ناوليني الخمرة من المسجد، فبين لها أنها ستدخل ليس على سبيل المكث والاستقرار، وإنما كعابر سبيل.
ولا يجوز للمرأة الحائض أن تمس المصحف، لكن يجوز لها أن تقرأ القرآن دون مس وهذا هو الراجح.
ويجوز لها أن تذكر الله وتنام بجواز زوجها، وتقف على عرفة وتبيت بالمزدلفة وترمي الجمرات وتكبر وتهلل وتسبح وتأكل الطعام مع زوجها؛ لأن اليهود كانوا يعزلون المرأة إذا حاضت.
أبدع البخاري في كتاب الحيض حينما بين هذا، فـ عائشة تقول: (كان النبي ﷺ ينام في حجري وأنا حائض)، كذلك أم سلمة كانت تنام بجواره وهي حائض، فلا يجوز أبداً أن نترك هذه النصوص، يقول صاحب العدة: ويمتنع على المرأة إذا حاضت عشرة أشياء مرجوحة، فيها أشياء قوية: الطواف بالبيت، لا يجوز لها أن تطوف في البيت؛ لحديث أمنا عائشة لما جاءها النبي ﷺ في حجة الوداع في ذي الحليفة (وجد عائشة تبكي.
قال: مالك يا عائشة! أحضتِ؟)، وفي رواية: (أنفستِ؟) فالحيض يسمى نفاساً، (قالت: نعم يا رسول الله! قال: افعلي كل ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت).
إذاً: أباح لها الذكر، فلما أدت الحج بكت، وقالت: (يا رسول الله! يرجع صويحباتي بحج وعمرة وأنا أرجع بحج فقط)، فالذي منعها من العمرة الحيض؛ لأن العمرة الطواف والسعي، (فأمر النبي ﷺ عبد الرحمن أخاها أن يردفها إلى التنعيم)، ولم يحرم عبد الرحمن من التنعيم، إنما أخته عائشة هي التي أحرمت من التنعيم، فلو كان التنعيم يجوز لغير أصحاب الأعذار لأحرم الصحابة منه، فقد كانوا أحرص الناس على الخير.
إذاً: هذا يعلمنا أن عمرة التنعيم لأهل الأعذار من النساء الحيض.
стр. 274
حكم من عقد النكاح على امرأة وطلقها قبل البناء بها بطلب منها وقد اختلى بها
السؤال
رجل عقد نكاحه على امرأة ولم يبن بها، وفي هذه الفترة طلبت منه الطلاق؛ لأن أهلها لا يريدونه، وهي أيضاً لا تريده، فهل لها نصف المهر، علماً أنه اختلى بها وفعل معها كل شيء إلا النكاح، وإن كان لها المهر كله فهو يشعر بالظلم ويقول: أنا لم أتمتع بها المتعة الحقيقية، فكيف أدفع المهر كله؟
الجواب
هذا ما نحذر منه، احذر إن كنت عاقداً أن تختلي بالمعقود عليها؛ لأن الخلوة مظنة الدخول، (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)، فأنت -الحمد لله- فعلت كل شيء إلا أن تفضي إليها.
، لكن إن كان قد أفضى إليها وفض بكارتها وطلقها قبل البناء، فهذه مصيبة؛ لأنها في نظر المجتمع غير مدخول بها وليس لها عدة، وفي الحقيقة هي مدخول بها، وعليها أن تعتد ثلاث حيضات.
فيا أخي المسلم! احذر إن كان الزوج عاقداً أن يخلو بابنتك ويقول: يا عمي! أنا زوجها، والعلماء يقولون: لي كل شيء إلا الإيلاج، فمثل هذا يقال له: يقول العلماء في كتب الفقه: إذا أسدل الستار وأغلق الباب فقد وجب الصداق كاملاً؛ لأن ذلك مظنة الدخول، وأنا أقول للسائل: اتق الله! فأنت تقول: فعلت كل شيء، وتحت كلمة (كل شيء) ضع خطوطاً، لا تريد أن تدفع المهر كاملاً؛ لأنك مظلوم أيضاً.
أقول: يا عبد الله! اجبر كسرها فإن الطلاق كسر المرأة، فطالما أخذت كل شيء لابد أن تدفع الثمن، حتى وإن كان في المسألة خلاف فقهي، فإني أقول لك: من باب الفضل والإحسان وجبر الخاطر أن تعطيها المهر كاملاً، هذا هو الراجح جزاك الله خيراً: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء:١٣٠].
إني أحذر أولياء الأمور والأخوات؛ لأن العاقد يركب الصعب ويأتي بشقة ويجهز من أجل أن يدخل، فإن دخل قبل ذلك أصبحت المسألة لا قيمة لها، فإن أصبحتِ أسيرة يا أمة الله! فلا تلومي إلا نفسك؛ لأنك أنت السبب، لماذا فرطتِ في نفسك في زمن ضاعت فيه الأخلاقيات؟ فلو كان هناك التزام بالشرع، لكان الخاطب والمخطوبة في حكم الأجنبية ليس له عليها حقوق، لكن الغريب أن ولي الأمر يقول لخطيب ابنته: يا بني! خذ خطيبتك واستنشقا الهواء على الكورنيش.
والأخرى من بعد الساعة الثانية عشرة إلى الفجر وهي تكلم الخطيب، وكأنهم يحررون الأقصى في ست ساعات! هذا تفريط وضياع ومن المخالفات الخطيرة.
فيا عبد الله! الإسلام سلوك والتزام، لا يجوز ذلك أبداً من باب سد الذريعة، وخشية اختلاط الأنساب، والله تعالى أعلم.
стр. 275
أضرار الاختلاط الفاحش ومشكلة زنا الأب بابنته أو بزوجة ابنه
السؤال
أخت اعتدى عليها أبو الزوج اعتداء جنسياً، فهل تطلب من زوجها الطلاق أم تخبره بما حدث؟
الجواب
آه! ماذا أقول؟ أرأيتم الحال الذي نحن فيه؟ أقسم لكم بالله إن هذه المشاكل تتكرر كل يوم، وترتب على ذلك تعب في الأعصاب عندي، فذهبت إلى أربعة أطباء أعصاب، أب يعتدي على زوجة ابنه؟! قابلتني فتاة منذ أسبوع وقالت لي: ما حكم الأب الذي يجامع ابنته مجامعة الأزواج؟ قلت: من؟ قالت: أنا، وهي صغيرة السن، والسبب في ذلك ما نفعله نحن بأنفسنا من مشاهدة القنوات الفضائية، والإعلام الهابط، والتعسير في أمر الزواج، يصل عمر الشاب إلى أربعين سنة ولم يتزوج بعد! آه ماذا أقول لهذه السائلة الآن؟! أولاً: إن أخبرت زوجها فإن هذه مفسدة يترتب عليها ضرب الابن لأبيه إن كانت لديه غيرة، وإن كان مثل العزيز فإنه سيقول: أعرض عن هذا، واستغفري لذنبك، فالرجال أنواع.
ثانياً: إن علم الزوج بذلك، فإنه لا يمكن أن يستريح لأبيه، وستصبح هناك مشكلة تطارده في حياته، سيحقد على أبيه إلى ما لا نهاية، فعليك الآن فوراً أنت وزوجك أن تعتزلا هذا الأب، ولا تخالطي هذا الأب أبداً.
ثالثاً: لا تخبري الزوج، فوراً اعزلي الحياة إلى بلد آخر، واقطعي العلاقة مع هذا الأب، وعلى الزوج أن يؤدي لأبيه الحقوق العامة.
هذا هو ثمن الاختلاط الفاحش، أما نطفة الزنا فتهدر وليس لها أحكام.
والزوجة لابد أن تعرض لزوجها في ذلك، تقول: في هذا المكان أناس يضايقونني، لا أستطيع أن أعيش هنا حرصاً عليك وأنا أحبك، أو تهدد الزوج وتكشف الأمر، المهم أن يحل الموضوع في إطار الشرع حلاً سوياً.
стр. 276
تفسير سورة القيامة [١]
أقسم بيوم القيامة، ولا يقسم سبحانه إلا بعظيم، ففي ذلك اليوم ينصب الميزان، ولا تكون إلا الحسنات والسيئات، وسورة القيامة اشتملت على أمور مهمة من أمور العقيدة، وذكر الله فيها كيفية بداية خلق الإنسان ونهايته، وبين أن ذلك دليل على بعثه يوم القيامة، وسؤاله عما قدم وأخر من الطاعات والسيئات، فليكن همك تقديم الأعمال الصالحة والابتعاد عن الأعمال السيئة.
стр. 277
تفسير قوله تعالى: (لا أقسم بيوم القيامة)
الحمد لله رب العالمين، الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أول بلا ابتداء، وآخر بلا انتهاء، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن نبينا ورسولنا سيدنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
ثم أما بعد: فلازلنا مع كتاب ربنا سبحانه نعيش مع سورة القيامة، وهي سورة مكية، عدد آياتها أربعون آية، والقرآن المكي يتصف بسمت خاص، وهو معالجة قضية العقيدة؛ لذلك تبدأ الآيات بالقسم بيوم القيامة.
يقول ربنا سبحانه: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ * أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ * بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ * فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَّا لا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ * يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ * بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة:١ - ١٥].
تبدأ الآيات بالقسم بيوم القيامة.
فقوله: (لا أقسم) قال ابن الجوزي في زاد المسير: وأجمع جمهور المفسرين على أن نفي القسم قسم؛ لأنه ربما يقول قائل: يقول الله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ [البروج:١ - ٢] فأقسم بيوم القيامة، وهنا قال: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة:١] فكيف نجمع بين الآيتين؟ وحاشا لكتاب الله أن يتعارض، ولذلك صنف العلامة الشنقيطي كتاباً سماه: (دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب) بين فيه أن البعض لسوء فهمه يتوهم أن في آيات الله تضارب، ومنها: قول ربنا في سورة الكهف: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف:٥٣]، ففي الآية إثبات لرؤية المجرمين للنار، وفي سورة طه: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤]، فكيف يحشر أعمى ويرى النار؟ فنقول: يستحيل أن تتعارض الآيات، ولكن المعنى: أنه تارة يحشر أعمى، وتارة يحشر مبصراً، وهذه أحوال للحشر يوم القيامة.
ويقول ربنا سبحانه أيضاً: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:١ - ٢] وقال: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين:١ - ٣]، فأقسم في موضع بالبلد الآمين، وفي الموضع الآخر قال: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:١]، فهل هذا تعارض؟ نقول: لا تعارض: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فنفي القسم هنا هو بمعنى القسم، وقوله: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ [البلد:١] أي: أقسم.
والله سبحانه يقسم بما شاء، أما نحن فلا نقسم إلا بالله، والقسم بغير الله شرك، فلا يجوز لموحد أن يقسم بالكعبة، ولا بخير البشر محمد ﷺ ، ولا بحياة شيخه، ولا برحمة أبيه، ولا بولده، كما نجد هذا في زماننا هذا من أرباب التصوف وأدعيائه؛ فإنك إذا حلفت له بالله لم يصدقك، فإن قلت له: وشيخي! فلان، قال: صدقت، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فالله عندهم أقل قدراً من شيوخهم! وهذا شرك واضح بين، ولذلك لابد أن نتخلص من هذا، فلا نقول: والنبي، ورحمة أبي، ورحمة أمي، وحياة ابني، والغلاوة، والإخلاص، فإنها أيمان كلها باطلة، لا ينبغي أن تخرج من فم موحد، قال ﷺ : (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، فالله يقسم بما شاء، وللعلامة ابن القيم مصنف قيم في أقسام القرآن، أفرد فيه الأقسام في القرآن بالتصنيف، وذكر كل قسم ورد في القرآن.
أقسم الله بآيات، منها قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاه
стр. 278
تفسير قوله تعالى: (ولا أقسم بالنفس اللوامة)
قال : ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة:٢]، والنفس اللوامة الراجح من أقوال المفسرين فيها: أنها النفس التي تلوم صاحبها، تلومه على ضياع أوقاته دون أن يعمرها بطاعة الله أو بذكر الله، فالنفس واحدة وصفاتها متعددة، يقول شيخ الإسلام: النفس واحدة ولها صفات متعددة، فقد تكون نفساً لوامة، وقد تكون نفساً مطمئنة، وقد تكون نفساً أمارة بالسوء.
ولا فرق بين النفس والروح عند السلف؛ لأن الله قال: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٢٩]، فالنفس هنا هي الروح، ولذلك ربنا يقول: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٧ - ١٠].
وكيف نزكي النفس؟ نزكيها بالطاعات التي وردت عن نبينا محمد ﷺ ، وتزكية النفوس عند السلف وعند أهل البدع موضوع طويل، فمن أهل البدع من يزكي نفسه بالرقص، والطبل، والتمايل يميناً ويساراً، وبإحياء البدع، وللعلامة ابن حجر كتاب: (تبيين العجب بما ورد في شهر رجب) وذكر أنه لم يثبت في فضله حديث صحيح عن النبي ﵊، وقد كانت الجاهلية تعظم رجباً، والآن عندنا أناس ينسبون إلى أهل العلم ظلماً لا يتقون الله ، يقول أحدهم: ولقد جاء في شهر رجب الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله! فنقول: يا رجل! من صحح هذه الأحاديث؟ وتجد مثل هذا في وسائل الإعلام المرئية، والمسموعة، والمقروءة وغيرها، حتى إن بعضهم عند رؤية هلال رمضان يذكر الأمة بحديث موضوع: (رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي)، وهذا حديث موضوع مكذوب، فنقول له: كيف تنسب إلى رسول الله ما لم يقل؟ وسأقرأ كلام العلامة ابن حجر في كتابه الذي بين يدي: (تبيين العجب فيما ورد في شهر رجب)، بل إن البعض في ليلة السابع والعشرين يقيمون السرادقات؛ لإحياء ليلة الإسراء والمعراج، وهذه بدعة محدثة.
وأقسم بالله! إن أضعف الأقوال هي في رجب، وما قال بها أحد من أهل العلم المعتبرين، إنما الراجح أنه كان في ربيع الأول، يقول شيخ الإسلام في ذلك: إن ليلة الإسراء والمعراج ليس لها خصوصية، ولم يقم دليل على أن السلف كانوا يحتفلون بها، ولا بقيام ليلها، ولا بصيام نهارها، فلماذا تلبسون على الناس؟ ولماذا تبتدعون؟ أما تخافون أن تكونوا جسوراً يعبر على أجسادكم إلى نار جهنم؟ أما تتقون ربكم؟ فهؤلاء دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، باعوا دينهم بدنيا غيرهم، وهم يعلمون الصواب، فهؤلاء لا يقرءون ماذا قال حفاظ الأمة؟ أما يقرأ طالب العلم في الرحيق المختوم: واختلف العلماء في الإسراء والمعراج إلى ثمانية أقوال أضعفها أنه في رجب، ومنهم من قال: كذا، ومنهم من قال: كذا؟ وخديجة ﵂ صلت مع رسول الله ﷺ بعد فرض الصلاة، فموت خديجة كان بعد الإسراء والمعراج، وهذا هو التحقيق التاريخي، وموت خديجة كان قبل الهجرة.
إذاً: الإسراء والمعراج كان قبل موت خديجة وقبل الهجرة، وبالتحقيق عند العلماء تبين أنه في شهر ربيع الأول، وما قال أحد: إنه في رجب، إلا أقوال ضعيفة شاذة، ولكن هناك من يصرون على هذا، ويقحمون الأمة في البدع والأهواء، ويلبسون على العامة، نسأل الله العافية.
فربنا أقسم بالنفس اللوامة التي تلوم صاحبها بعد كل فعل، فالنفس: إما مطمئنة، أو أمارة بالسوء، أو لوامة.
стр. 279
تفسير قوله تعالى: (أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه)
قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة:٣]، أي: أيظن أننا لا نقدر على أن نبعثه بعد الموت، وأن نجمع تلك العظام المبعثرة النخرة المشتتة؟ ثم قال تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة:٤] وهذه نعمة عظيمة، فانظر إلى خف الجمل كيف حاله؟ تجد أنه مستطيل طبقة واحدة، فهب لو أن الأصابع هذه ملتصقة ببعضها، وليس هناك أصابع منفصلة عن بعضها، وأن يدك كالحافر أو كالخف تماماً، كيف تستطيع أن تأكل؟ هل تأكل بفمك لا بأصابعك؟ وكيف تستطيع أن تكتب؟ لا تستطيع إذا كانت اليد قطعة واحدة، فيوم أن تلتصق اليد ببعضها وتصبح كحافر البعير يعجز الإنسان عن الطعام، والكتابة وغير ذلك، لكن من الذي فرق هذه الأصابع، وجعله يكتب، ويأكل بها، وتخيل قبح منظره حينما يأكل بفمه مباشرة دون أن يستخدم اليد.
فقوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة:٤] المعنى: أن الأصابع التي خلقها الله مختلفة البنان، والله قادر على أن يلصق بعضها ببعض فتصبح كخف البعير، ولكن الله سواها، وأحسن خلقته، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨].
стр. 280
تفسير قوله تعالى: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه)
قال تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة:٥]، يلتمس لنفسه الأعذار، ويسوف التوبة، ويظن أنه لا بعث.
﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة:٦] يستهزئ، ونحو ذلك: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس:٤٨]، استهزاء، كما يستهزئ بعض الجهلة اليوم بالموحدين وأصحاب الدعوة، فتقول لأحدهم: يا رجل! تعال إلى الصلاة، فيقول: خذني على جناحك يوم القيامة، فيستهزئ، ورجل يسخر من يوم القيامة، ويسخر بالموعد، ويسخر باللقاء، فهذا طبع الله على قلبه؛ ولذلك يقول ربنا: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة:٥ - ٦]، ﴿مَتَى هُوَ﴾ [الإسراء:٥١]، يقول الله سبحانه: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء:٥١].
стр. 281
تفسير قوله تعالى: (فإذا برق البصر وخسف القمر)
قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ [القيامة:٧] وبرق: فزع، وشخص، وتحير يميناً ويساراً.
﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة:٨]، الخسوف والكسوف للشمس والقمر على السواء، والإمام البخاري في صحيحه يقول: باب الكسوف للقمر والشمس والخسوف أيضاً.
قال الله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة:٩]، يجمع الله الشمس والقمر ويكورهما، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٣٨ - ٤٠]، إلى أن يأتي أمر الله فيخسف القمر، وتكسف الشمس، ويجمعهم الله سبحانه: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ [القيامة:٩ - ١٠].
في يوم الزلزال فر الناس من الطابق السابع إلى الطابق الأرضي، وفر الناس من الأماكن المرتفعة إلى المنخفضة، هرباً من الزلزال وآثاره، إنما في يوم الزلزلة الكبرى أين ستفر؟ والمرضعة كانت ترضع ولدها الصغير فجاء الزلزال، واهتزت العمارة فهرعت إلى الصغير تحضنه وألصقته إلى صدرها، ونزلت مسرعة إلى الأرض، لكن في يوم الزلزلة العظمى ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢].
стр. 282
تفسير قوله تعالى: (يقول الإنسان يومئذ أين المفر)
قال : ﴿يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ [القيامة:١٠]، أين أذهب؟ أين أختبئ؟ ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة:١٢]، أي: المآل والمرجع إلى الله : ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق:٨].
ثم قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة:١٣]، بما قدم من طاعات، وأخر من معاص.
(يُنَبَّأُ الإِنسَانُ) أي: يخبر يومئذ بأعماله، فالسعيد من أخذ كتابه بيمينه، ونظر في صحيفته، فوجد فيها الصلاة، والصيام، والزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإحياء السنة، والتمسك بعقيدة السلف، وبمنهج السلف في العبادة، عندئذ يرفع الصحيفة بين الناس جميعاً ويقول مفتخراً متباهياً: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠] كتابي بيميني أبيض كالصفا، فيه أعمال وطاعات.
والآخر يأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره، ووجهه أسود كالح، ذليل، منكسر، فيه ربا، وفيه زنا، وفيه حرب لله ولرسوله، وفيه حرب على الدعاة والموحدين، وفيه إجرام وظلم، فماذا يقول لربه؟
стр. 283
تفسير قوله تعالى: (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره)
قال تعالى: ﴿بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤]، كل إنسان يعرف أعماله، يعرف أنه أغلق الأبواب، وأغلق النوافذ، واختبأ في الحجرات المظلمة، يعرف أعماله.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة:١٥]، لو اعتذر إلى ربه يوم القيامة عن أعماله يختم الله على فمه، فتنطلق الجوارح لتشهد على العبد العاصي، فلسانه يشهد، ويده تشهد، وفرجه يشهد، وفخذه يشهد، وعينه تشهد، وجوارحه تشهد، والأرض تشهد عليه؛ لذلك يقول سبحانه في سورة الزلزلة: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة:٤ - ٥]، قالوا: (يا رسول الله! ما أخبارها؟ قال: تأتي الأرض يوم القيامة وتشهد على من فعل عليها معصية)، فتشهد عليك أيها العبد.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة:١٥] أي: اعتذاراته.
стр. 284
تفسير قوله تعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه)
جاءت الآيات بنداء إلى خير الأنام ﵊؛ فقد ثبت في صحيح البخاري في كتاب بدء الوحي من حديث ابن عباس قال: (كان النبي ﷺ يحرك شفتيه خلف جبريل حينما ينزل عليه؛ خوفاً من تفلت القرآن من صدره، فقال له ربه: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٧])، وهذا الجمع في صدر الحبيب محمد ﷺ هو الجمع الأول للقرآن.
وقوله: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة:١٦]، في الآية أدب لطالب العلم، يقول السعدي في (تيسير الكريم الرحمن): وفي الآية أدب لطالب العلم ألا يتعجل العالم، وألا يقطع عليه موعظته، فإن كنت في درس علم وتريد أن تسأل سؤلاً فانتظر إلى آخر كلامه، فربما أجاب عما تريد أثناء الحديث، وهذا كثير يقع، فبمجرد أن ندخل في موضوع إذا بطالب العلم يرفع يده يريد أن يقطع الكلام؛ ليسأل عن شيء سيأتي بعد قليل، فلا تتعجل، فهذا أدب بين العالم وبين المتعلم، ومثل ذلك قول الله في سورة طه: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤].
واسمع العجب من بعض من ينسبون إلى التصوف في عهدنا حيث قال: إن النبي ﷺ كان يحفظ القرآن قبل أن ينزل عليه جبريل؛ لأنه كان يحرك لسانه، وكان يتعجل به قبل أن يقرأه جبريل، فكان يعلم القرآن قبل أن ينزل عليه.
نقول: يقول سبحانه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨]، ولما قال له جبريل: اقرأ، قال: (ما أنا بقارئ).
هذا قول أحد أقطاب الطريقة البرهانية في أحد كتبه، قال: كان النبي ﷺ يعلم القرآن قبل أن ينزل عليه فهو يفهم من الآية فهماً خاصاً لم يفهمه أحد من السلف على الإطلاق، وما قال به أحد من العلماء المعتبرين في الأمة، ويقولون: إن علمهم علم لدني، بوحي وإلهام، ويقولون: أنتم لكم علم الورق ونحن لنا علم الخرق.
قيل لرجل منهم: ألا ترحل لتسمع الحديث من عبد الرزاق صاحب المصنف في اليمن؟ قال: وما يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يتلقى من الخلاق؟ هؤلاء أقوام يقول أحدهم: حدثني قلبي عن ربي.
حتى إن أحدهم ذهب إلى الصعيد ثم جاء يقول لي: ما لنا وما للبخاري، ومسلم، وابن كثير؟ احرق الكتب يا شيخ! فقلت له: لم؟ قال: العلم اللدني هو طريق التعلم.
ففي عصرنا من يقول هذا، وتفتح له كل المجالات ليضل الأمة، ويبتدع في دين رب العالمين.
وللحديث بقية في اللقاء القادم إن شاء الله.
أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 285
بيان عدم خصوصية رجب بشيء من الفضائل والعبادات
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين، ورازقهم.
أيها الإخوة الكرام! يقرر علماء الأصول أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، واليوم هو غرة شهر رجب، وشهر رجب من الأشهر الحرم، وهو رجب الفرد، وأسماؤه عند السلف متعددة، وصلت إلى ثمانية عشر اسماً، كان الجاهليون يعظمون شهر رجب.
قال ابن حجر في كتابه (تبيين العجب بما ورد في فضل رجب): لم يرد في فضل شهر رجب ولا في صيامه ولا في صيام شيء منه ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة، وما ورد إما ضعيف وإما موضوع، وأما ما يعتقده البعض أن الإسراء والمعراج في رجب فهذا أضعف أقوال العلماء، ولم يؤثر عن السلف في القرون الثلاثة الأول بحال أنهم كانوا يحتفلون بليلة الإسراء أو يخصونها بصيام أو باحتفال كما يفعل البعض، هذا الأمر الأول.
следующие страницы →