Полный текст (295 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وجوب هجر أماكن المعصية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فأيها الإخوة الكرام الأحباب! تلك التدابير والوسائل والسبل وضعها الإسلام؛ لأجل أن يغلق أبواب تلك الفاحشة، لذلك قال ربنا سبحانه: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢].
ومن صفات عباد الرحمن: ﴿وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان:٦٨]، وفي الحديث الذي رواه البخاري: (أن النبي ﷺ -في الرؤيا التي رآها- رأى أناساً عراةً في تنور واسع من الأسفل، ضيق من الأعلى، تخرج من تحتهم نار وهو يصطرخون، فلما سأل عن ذلك المشهد، قيل له: أولئك هم الزناة)، ولذلك قال النبي ﵊: (قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)، هناك شباب كثيرون يقول بعضهم: أنا لا أستطيع مفارقة هذه الفاحشة لأن جارتي تطاردني، وصديقتي تلاحقني كلما أردت أن أبتعد، والحل في أمر واحد وهو: اهجر المكان وارحل إلى بلد آخر؛ لأن هجر مكان المعصية أمر واجب عليك، كذلك هجر أصدقاء السوء، أما أن تقول: أريد أن أتوب ولا زالت العلاقة دائمة، ولا زال الاختلاط قائماً، هذا لا يدعو أبداً إلى التوبة، ولذلك جاء في الحديث عند البخاري ومسلم: (كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين)، والحديث معروف.
وخرج علينا الآن من أرباب العلمانية الضالة من يكتب عن هذا الحديث أنه تخاريف، أين حق المجتمع، الرجل قتل مائة نفس ثم يتوب دون أن يأخذ المجتمع الحق منه؟ هذا كلام باطل لوثوا به عقول الشباب، هكذا يقولون عنا، فهل نحن لوثنا عقول الشباب؟ أم عقلك أنت الملوث، أما قرأت في الحديث: (كان فيمن كان قبلكم) أنه يدل على أن هذا كان في شرع من قبلنا، قبل أن تكون هناك دولة ونظام وهيئة تنفيذية وقضائية، ومحاكم كانت مجتمعات بدائية، والحديث يشير إلى سعة رحمة الله ، فهو يغفر الذنوب جميعاً .
والشاهد من الحديث: أن العالم قال للرجل: ارحل عن القرية الظالمة واذهب إلى قرية صالحة، ذاك هو أول طريق للتوبة: أن ترحل عن مكان السوء والمعاصي.
ومن الأمور التي تجلب الفواحش إلى مجتمعاتنا: السفر إلى بلاد الكفر بحجة العمل والتجارة، ماذا ستشاهد في بلاد الكفر؟ هل ستسمع نداء صلاة الفجر؟ هل ستقوم الليل مع إخوانك؟ أم أنك سترى العناق والقبلات، والرجل يواقع المرأة في قارعة الطريق باسم الحرية، في تلك المجتمعات التي نخرها السوس وأوشكت على الهلاك والدمار.
اللهم احفظ عوراتنا، وآمن روعاتنا، واحفظ يا رب فروجنا، وطهر يا رب عيوننا وأفئدتنا.
اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنا نسألك علماً نافعاً وقلباً خاشعاً، ونسألك فعل الخيرات وترك المنكرات، ونسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربنا إلى حبك.
اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا، اللهم اعف عنا، وعلى طاعتك أعنا، ومن شرور خلقك يا رب سلمنا.
اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وارزقنا عند الاحتضار شهادة، وبعد الموت جنة ونعيماً.
اللهم أصلح نساءنا، واحفظ عوراتنا، وطهر قلوبنا.
اللهم عليك باليهود ومن والاهم.
اللهم من أرادنا والإسلام بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا والإسلام بشر فاجعل كيده في نحره، وأهلكه كما أهلكت عاداً وثمود وفرعون.
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، وعلمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما أنسينا، وارزقنا حب القرآن وارزقنا نور القرآن، وارزقنا حفظ القرآن، وارزقنا فهم القرآن.
اللهم ألف بين قلوبنا، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤].
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 72
تفسير سورة القلم [٦]
خلق الله هذا الكون بنظام دقيق، وحتى تستمر الحياة على ظهر الأرض خلق من كل شيء زوجين، ولكي يستمر النسل البشري شرع للإنسان الزواج، والمرأة خلقت للرجل، وقد سماها الله سكناً، والزواج فيه إعفاف للرجل والمرأة، وحفظ للمجتمع من الوقوع في أوحال الرذيلة، فينبغي تيسير أمر الزواج، وعدم المغالاة في المهور.
стр. 73
تيسير الزواج وعدم المغالاة في المهور
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:٣].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، يغني فقيراً ويفقر غنياً، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، فهو مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيف شاء، وحسبما أراد، فاللهم يا مثبت القلوب ثبّت قلوبنا على دينك، واللهم يا مصرّف القلوب صرّف قلوبنا إلى طاعتك.
وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
ثم أما بعد: فيا أيها الإخوة الكرام الأحباب! في اللقاء السابق تحدثنا عن التدابير والوسائل والطرق التي وضعها الإسلام ليمنع جريمة الزنا قبل وقوعها، من تحريم للنظر الحرام، ومن تحريم للتبرج والخلوة والاختلاط والمصافحة وخروج المرأة متعطرة إلى غير ذلك من الأمور التي بينّاها، وقد جاءتني رسائل متعددة من إخوة أفاضل يريدون أن نستكمل هذا الموضوع الهام، لأنه لا ينبغي أن نضع رءوسنا في التراب، ونترك الأمور تدور حولنا دون أن نصف الداء والدواء، كما بيّنه رب الأرض والسماء.
إن المتأمل في ذلك المرض يجد أن المجتمع يقف على حافة الهاوية، والأمر جد لا هزل فيه، تتجاذبه عدة قوى: القوة الأولى: علمانية عفنة ملكت وسائل الإعلام المكتوبة والمقروءة والمرئية، ترى أنه لا داعي أبداً للتمسك بمبادئ الأخلاق والدين والقيم؛ لأنها من ركام الماضي عفا عليها الزمان، ولا بد من تبادل العشيقات وإهدار مبدأ تعدد الزوجات ومتابعة ركب الحضارات.
القوة الثانية: قوة تدّعي أن حضارة الغرب هي التي تملك الإنقاذ، وهي التي بيدها مفاتيح التقدّم والرقي.
القوة الثالثة: قوة سلبية لا هم لها إلا الدنيا، تجمع المال ولا يعنيها أمر الدين من بعيد أو قريب.
القوة الرابعة: قوة مستضعفة تدعو الناس إلى دين ربهم، وتدعوهم إلى التمسك بأخلاق دينهم الحنيف؛ حيث لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فهذه قوى متعددة تتجاذب المجتمع من جميع نواحيه، ولكن لا بد أن نعلم أن النصر والتمكين لعباد الله الموحدين؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧٣]؛ ويقول سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١].
وموضوعنا اليوم هام؛ لأنه يتعلق أيضاً بتلك التدابير والوسائل ألا وهو: تيسير الزواج، وظاهرة المغالاة في المهور، وبحث مسألة تعدّد الزوجات، فهذه من الأمور الهامة التي وضعها الشرع الحنيف؛ ليقطع الباب أو ليغلق الباب على تلك الجريمة.
أحبتي الكرام! لقد أعرض الشباب عن الزواج، حتى بلغ سن البعض منهم إلى ما يزيد عن الثلاثين أو الأربعين، وارتفع حد العنوسة عند النساء لأسباب كثيرة، منها: تلك التكاليف الباهضة التي يكبّل بها الشاب عندما يقبل على هذه الخطوة، وكأنهم يضعونه في قفص حديدي ويكبّلونه، وولي الأمر سيسأل بين يدي الله عن ذلك.
فإن تيسير المهور أحد الأسباب الهامة لتيسير مسألة الزواج، أتدرون ما كان مهر فاطمة ﵂ بنت رسول الله ﷺ التي تزوجها علي بن أبي طالب ﵁؟ هل كان مهرها مئات الألوف كما نسمع؟ هل أقيم لها عرس يكلف عشرات الألوف؟ لقد كان مهرها درع علي ﵁ قدمه لها، والنبي ﷺ قد زوّج بعض الصحابة على ما معه من القرآن، وقال له: (التمس ولو خاتماً من حديد، قال: حتى خاتم الحديد لا أجده يا رسول الله، قال: ما معك من القرآن؟، قال: سورة كذا وكذا، قال: تزوجها على أن تعلّمها ما معك من القرآن).
فانظر إلى الفرق بين واقع الصحابة وبين الواقع المر الذي نعيشه الآن، وللأسف الشديد نجد من بعض من ينتسبون إلى الحركة الإسلامية إذا تقدم شاب لابنته وضع له قائمة تكبله وتقيد حركته، فتنتظر البنت حتى تبلغ الثلاثين بل الأربعين ويرفض أن يزوجها وأن ييسر الأمر، ومن شدّد شدّد الله عليه.
ينظر البعض إلى الزواج في مجتمعنا على أنه تقييد للحرية وتكبيل للإرادة، وينبغي له أن يعيش حراً طليقاً.
والبعض الآخر ينظر إليه بأنه متعة جسدية شهوانية ينتقل من
стр. 74
معالجة الإسلام لقضية تعدد الزوجات
عالج الإسلام قضية ارتفاع عدد الإناث عن عدد الذكور، فأباح التعدد بضوابطه التي سنبينها، فإن البعض ينظر إلى التعدد نظرة معكوسة، فيقبل أن يكون للزوج عشيقة، ولا يقبل أن يكون له زوجة أخرى، ويتهم الرجل في دينه إن تزوج بأخرى، إن الإسلام جاء وقد كان العرب يجمع الرجل منهم بين عشر نسوة وأكثر، فالإسلام لم ينشئ التعدد وإنما وضع له ضوابط وحدوداً، ومن الصحابة من أسلم وتحته عشر من النساء فأمره النبي ﷺ أن يطلق ستًا وأن يمسك أربعاً، وهذا الكلام غريب على أسماعنا، فقد يقول البعض: كيف الزواج بأربع يا شيخ، ونحن الآن في مجتمع ينظر إلى هذه الظاهرة باستغراب؛ لذلك لا بد أن تتعدل النظرة إلى الأمور الشرعية؟ نقول: حينما يزداد عدد النساء عن عدد الرجال كما هو الواقع، فإن المرأة تحتاج إلى رجل، فإن لم تجد رجلاً عن طريق الزواج بحثت عنه بغير ذلك، حتى تتم المعادلة ويتحقق التوازن، فهل الأفضل لمجتمعنا أن يجمع الرجل بين امرأة واثنتين وثلاث بشرط أن يعدل بينهن كما أمره الله، أم يتزوج امرأة ويعدد العشيقات، إنهم يعيبون علينا مسألة تعدد الزوجات، ولا يعيبون على أنفسهم تعدد الأزواج، ففي حضارتهم للمرأة أكثر من رجل، تتنقل من رجل إلى آخر، وهو يفعل ما يشاء، وهي تفعل ما تشاء.
стр. 75
ضوابط ينبغي مراعاتها عند اختيار الزوجة
لقد امتن الله علينا بنعمة الزواج وجعلها آية من آياته فقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [الروم:٢١]، فالمرأة من جنس الرجل وليست من جنس آخر ﴿أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١].
ونبينا ﵊ بيّن ذلك في أكثر من حديث، ووضع المعايير والضوابط التي ينبغي على الشاب أن يبحث عنها عند بحثه عن زوجة، فمنهم من يفتش عن الجمال فيضع لها شروطاً كشروط بقرة بني إسرائيل: صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، لا فارض ولا بكر، لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلّمة لا شية فيها، يضيّق بشروط جمالية ولا يتقي الله، ورب العالمين يقول: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١]، لماذا ذات دين؟ لأن النبي ﷺ في حديث البخاري ومسلم والنسائي وأبي داود بيّن أن المرأة تنكح لأربعة أسباب: الجمال، والمال، والحسب، والدين.
يقول العلماء: والدين في الحديث واحد صحيح، والمال صفر عن يمين الواحد، يصبح العدد عشرة، والجمال صفر يصبح العدد مائة، والحسب والنسب صفر يصبح العدد ألف، ما قيمة الأصفار إن حذف منها الواحد لا قيمة لها، امرأة بدين لها قيمة، ومن غير دين تربت يداك، أي: وضعت يدك في الوحل والطين يا عبد الله.
لذلك أقول لشبابنا: اتقوا الله في أنفسكم، وأقبلوا على المنتقبات المختمرات الملتزمات؛ حتى نفتح الباب ونساعد على الالتزام، لا تقل آخذها مبنطلة متبرجة وإن شاء الله ستلتزم، فإن النبي ﷺ يقول: (فاظفر بذات الدين)، ولم يقل: فاظفر بمن ستكون ذات دين، لا بد عند طلبها أن تكون ذات دين كما قال النبي ﵊.
стр. 76
شروط الزواج
الزواج له شروط في الإسلام حتى يقع صحيحاً، أريد أن أبيّنها بياناً شافياً: الشرط الأول: إذن الولي.
الشرط الثاني: رضا المرأة.
الشرط الثالث: الإيجاب والقبول.
الشرط الرابع: الإشهار والشهود.
الشرط الخامس: الصداق.
وما تم بهذه الشروط فهو زواج، وما تم بسواها فهو زنا، وإن سموه بأسماء لا نعرفها.
стр. 77
إذن الولي
الأول: رضا الولي أو إذنه، يقول النبي ﵊: (أيما امرأة زوجت نفسها بغير إذن وليها فزواجها باطل باطل باطل).
وجاءت الآيات تبين هذا، قال تعالى: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ [النساء:٢٥].
وقال شعيب لموسى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص:٢٧].
إذاً: لا بد في الزواج من إذن الولي الأب، فإن غاب الأب فالأخ، فإن غاب الأخ فالعم، على حسب الترتيب الشرعي، (والسلطان ولي من لا ولي له)، كما قال النبي ﵊، والمرأة التي زوجت نفسها لصديقها في الجامعة بورقة بيضاء، هل أذن لها الولي؟ هل علم بذلك الزواج الولي؟ لقد ضاعت وباعت عرضها وستندم يوماً ما.
стр. 78
رضا المرأة
الثاني: الرضا بعد إذن الولي فلا بد من رضا المرأة، ويفهم البعض خطأً أن الثيب لها أن تزوج نفسها، وهذا خطأ فادح، ففي البخاري: أن امرأة ثيباً أجبرها الولي على الزواج برجل، فذهبت إلى رسول الله تشكو الولي فخيّرها بين أن يمضي العقد وبين أن يفسخ العقد، فلا بد من رضا المرأة سواءً كانت بكراً أم ثيباً، يقول النبي ﵊: (لا تنكح البكر حتى تستأذن، ولا تنكح الثيب حتى تستأمر)، قالت عائشة: يا رسول الله إذاً تستحي، قال: (إذنها صمتها)، والفرق بين البكر والثيب أن البكر لا تنطق لا تتكلم: هل تريدين هذا الزوج؟ فتصمت؛ لأن عندها حياء في زمن كان فيه حياءً، أما الثيب فتصرّح؛ لأنها تزوجت قبل ذلك، ولذلك لما تزوج جابر ﵁ امرأةً ثيباً ماذا قال له النبي ﷺ : (ألا بكراً تداعبها وتداعبك، وتلاعبها وتلاعبك، قال: يا رسول الله مات أبي عبد الله بن عمرو بن حرام).
وهو الذي بعد أن مات في غزوة أحد كلمه ربه كفاحاً وقال له: تمن؟ قال: يا رب أتمنى أن أعود إلى الدنيا لأموت ثانية في سبيلك حتى أخبر إخواني بما للشهيد عند الله، فقال الله: لكني قدّرت على العباد أن من مات لا يعود إلى الدنيا، فأنزل الله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]، قال جابر: (وترك لي تسعاً من النسوة، فأردت أن آتيهن بثيب؛ لتقوم على أمورهن وتتعاهد مصالحهن)، عند ذلك أقره النبي ﷺ على ما فعل.
ولما انفرد عثمان بـ ابن مسعود قال له: يا أبا عبد الرحمن هل لك في امرأة بكر تذكرك بصباك؟ -يعني: هل نزوجك بكراً تعيدك إلى صباك مرة ثانية؟ - قال ابن مسعود: لقد سمعت النبي يقول: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء).
إذاً: الشرط الثاني: رضا المرأة، فلا بد أن ترضى وأن توافق، فلا يجوز لولي الأمر أن يكرهها على أن تتزوج ممن لا ترضى؛ لذلك شرع الإسلام الخطبة، والخطبة من محاسن شريعتنا، لا يعرف الرجل المرأة في أول ليلة يدخل بها فتكشف عن وجهها فإذا به يرى امرأة ما وقعت في نفسه فينفر منها، أو العكس، (ذهب رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني تزوجت امرأة من الأنصار، قال ﷺ : هل نظرت إليها؟ قال: لا، قال: عد فانظر إلى وجهها؛ فإن في أعين الأنصار شيئاً)، قال العلماء: أي: ضيق في العين أو حول أو صفاء.
لا بد للخاطب أن ينظر إلى من يريدها لنفسه، ولذلك كان محمد بن مسلمة وكثير من الصحابة وجابر كانوا إذا رغب أحدهم في الزواج من امرأة يختفي أحدهم حتى ينظر للمرأة، ليس معنى ينظر إلى سوءاتها، وإنما ينظر إلى مشيتها وإلى طريقة خروجها وإلى ما يمكن له أن يرى في حدود الشرع، فلا يجوز للخاطب أن يرى أكثر من الوجه والكفين فقط؛ لأن الوجه علامة على نضارة المرأة، واليد تشير إلى حسن جسدها، فإن وقعت في نفسه خطبها.
كذلك قال النبي ﷺ : (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه).
والمرأة لا تخبب على زوجها؛ لقول النبي ﷺ : (ليس منا من خبب امرأة على زوجها)، كما يفعل البعض الآن، فيقول للمرأة: اطلبي الطلاق منه وأنا أسعدك أيما سعادة، رجل يدخل في حياة امرأة فيخببها على زوجها، والعكس كذلك، فلا يجوز لامرأة أن تفسد الزوج على زوجته، هذه معايير ومبادئ ثابتة في إسلامنا، فأين نحن منها يا عباد الله؟
стр. 79
الإيجاب والقبول
الشرط الثالث في الزواج: الإيجاب والقبول.
اسمع إلى قول الله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ﴾ [القصص:٢٧]، هذا قبول، ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:٢٧]، هذا هو الصداق، لكن انظر إلى الآية فإن فيها لطيفة، يقول الصنعاني: كان في شرع من قبلنا الصداق يعطى للولي، ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾ [القصص:٢٧]، لأبيها، أما في شريعتنا فالصداق يعطى للمرأة: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء:٤]، فلا يجوز للولي أن يأخذ الصداق، وإنما الصداق من حق المرأة: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء:٤]، القبول والإيجاب بصيغة: زوّجني، ويقول: زوجتك، أو أنكحني، ويقول: أنكحتك.
стр. 80
إشهار الزواج والشهود له
الشرط الرابع: الإشهار والشهود.
النبي ﵊ أنه لا زواج إلا بشاهدين، والشهود ينبغي أن يكونوا عدولاً، فهل تارك الصلاة أو ساب الدين عادل؟ أما الآن إذا أردنا أن نزوج فيحضر الشهود بدون ضابط، والله يقول: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢]، ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة:٢٨٢]، ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢]، ينبغي أن نبحث عن الشهود العدول، ولا يشترط الزوج ولا الولي على الشهود أن يكتموا العقد فيكون سرياً، لابد من الإشهار به.
стр. 81
الصداق
الخامس من شروط الزواج: الصداق، وهو حق خالص للمرأة وربما يكون من أبسط الأشياء، فقد تزوج رجل في زمن رسول الله ﵊ امرأة بنعلين كصداق لها.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 82
وجوب الإسراع بتزويج البنت البالغة من الكفء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيا أيها الأخ الكريم! كن قدوة في بيتك، زوّج ابنتك مبكراً بدلاً من أن تنتظر بعد خمس عشرة سنة حتى تتخرج أو تحصل على البكالوريوس أو الليسانس، ويا خيبة البكالوريوس أو الليسانس ماذا تصنع لها؟ إنها تريد زوجاً تسكن إليه، لا تريد شهادة تعلقها على الحائط، ويسّر على شباب المسلمين، فإن الله يقول: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]، ويقول النبي ﵊: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه)، سل عن الدين لا تسل عن عدد حجرات البيت، وعن وظيفته، وعن دخله، نعم، هذا مطلوب، ولكن الله يرزق من يشاء بغير حساب، والرزق بيد الله سبحانه، فلا تضيق حتى لا يحدث لك كما حدث لذلك الأب الذي كان عنده سبع من البنات، كلما جاء شاب أرهقه وكبله فانصرف عنه الجميع، فوصلن الآن إلى ما فوق الثلاثين، وهو يبحث لهن عن أزواج، هو الذي جر ذلك بيده.
فيا عبد الله أسألك بالله أن تتقي الله وأن تلتزم شرع رب العالمين.
أما موضوع التعدد كشروطه ومحاذيره، وكيف عالجها الإسلام؟ فهذا نفرد له لقاء مع حقوق الزوجين في شريعة الله ؛ لأهمية هذه الموضوعات.
اللهم حصّن فروجنا، وحصن نساءنا، واهد شبابنا، وعليك بأعدائنا.
اللهم طهّر ألسنتنا من الكذب، وقلوبنا من النفاق، وأعيننا من الخيانة.
اللهم استر عوراتنا، وآمن يا رب روعاتنا، وأمّنا يا رب في بلادنا، وبدّلنا من بعد خوفنا أمناً، ومن بعد ضيقنا فرجاً.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ونسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا وجلاء همنا وغمنا، ونور أبصارنا.
اللهم اغننا بحلالك عن حرامك، واكفنا بفضلك عمن سواك، اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم مكّن لدينك في الأرض يا رب العالمين، اللهم من أرادنا والإسلام بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا والإسلام بشر فاجعل كيده في نحره، اللهم عليك بالعلمانيين وبالمنافقين، اللهم عليك بمن يريدون أن تشيع الفاحشة في المؤمنين يا رب العالمين.
اللهم أصلح حالنا فإنك على كل شيء قدير، وأنت حسبنا ونعم الوكيل، وأنت بكل جميل كفيل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 83
تفسير سورة القلم [٧]
شرع الله لنا الزواج، وجعل حقوقاً للزوج وحقوقاً للزوجة؛ حتى يعيش الزوجان حياة سعيدة، وهذا من مزايا الدين الإسلامي، فالأسرة هي أصل المجتمع؛ إذا صلحت صلح المجتمع، وإذا فسدت فسد المجتمع، وجعل النبي ﷺ خير الرجال خيرهم لأهله، وكان ﷺ خير الناس لأهله، وإذا كان الرجل متزوجاً بأكثر من امرأة فقد أوجب الإسلام عليه أن يعدل بينهن في حسن العشرة والنفقة وغير ذلك، ولا جناح عليه في الأمور القلبية.
стр. 84
حقوق الزوجة على زوجها
الحمد لله رب العالمين، الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سللاة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون.
خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة في قرار مكين، ثم خلق النطفة علقة سوداء للناظرين، ثم خلق العلقة مضغة بقدر أكلة الماضغين، ثم خلق المضغة عظاماً كأساس لهذا البناء المتين، ثم كسا العظام لحماً هي له كالثوب للابسين، ثم أنشأه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين، ثم إنكم بعد ذلك لميتون، ثم إنكم يوم القيامة تبعثون.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، يغني فقيراً، ويفقر غنياً، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، فهو مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيف شاء وحسبما أراد.
فاللهم يا مثبّت القلوب ثبت قلوبنا على دينك.
وأشهد أن نبينا ورسولنا وشفيعنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
ثم أما بعد: فيا أيها الإخوة الكرام الأحباب! تحدثنا في اللقاءات السابقة عن التدابير والوسائل والسبل التي وضعها الإسلام ليغلق على الناس تلك الجريمة ألا وهي جريمة الزنا، ومن التدابير والسبل التي ذكرناها: تيسير أمر الزواج، والزواج كما بينا في اللقاء السابق سنة ربانية وحتمية طبيعية؛ لأن الإنسان لا يمكن بحال أن يعيش منعزلاً أو منفرداً بدون زوجة، ولذلك لما خلق الله آدم خلق له حواء، كما قال ربنا سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء:١]؛ ليطمئن إليها، ويسكن إليها، وجاءت الأحاديث وأقوال الصحابة تبين ذلك.
يقول ابن مسعود ﵁: لو لم يبق من حياتي في الدنيا إلا عشرة أيام وكان بي مقدرة على الزواج لتزوجت.
وقال عمر لرجل عزف عن الزواج واعتزل النساء: لا يمنعك من الزواج إلا عجز أو فجور.
وقال الصديق ﵁: أيها الناس أطيعوا الله فيما أمركم، ينجز لكم ما وعدكم.
كما قال تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]، والمعنى: أطيعوه في أمر الزواج ينجز لكم ما وعدكم في أمر الغنى.
وقد وضع الإسلام كما بينا أسساً لاختيار الزوجة، وأسساً لاختيار الزوج، وكان العرب قبل بعثة النبي ﵊ يقولون: لا تأخذ الأنانة ولا المنّانة ولا الحنّانة ولا الحدّاقة ولا البرّاقة ولا الشدّاقة، ما معنى ذلك؟ الأنانة: كثيرة الشكوى والأنين، كل ساعة تشكو بحق أو بغير حق.
أما المنّانة: فهي التي تمنّ على زوجها بمالها أو بحسبها أو بجمالها وتعيره.
الحنّانة: التي تحن لغير زوجها.
والحدّاقة: التي تنظر إلى كل شيء فتشتهيه، فتكلف الزوج ما لا قبل له به، كلما رأت اشتهت.
والبرّاقة: التي يهمها بطنها بمفردها، ولا شأن لها بزوجها ولا أولادها.
والشدّاقة: أي الثرثارة كثيرة الكلام.
ينتظر الجميع أن نتحدث عن حقوق الزوج وهذا أمر هام، لكني آثرت أن أتحدث اليوم عن حقوق الزوجة، فقبل أن نعرف ما لنا، ينبغي أن نعرف ما علينا، فالجميع يفرط في حقوق زوجته، ثم يطلب ما له من واجبات، وإن فتشت في صحيفته تجد الصحيفة مخازي، تجدها مليئة بالانحراف عما أمر الله، أو عما بين النبي ﵊، ولذلك سأبين في هذا اللقاء حق الزوجة على زوجها، وهي سبعة حقوق نذكرها إجمالاً ثم نفصلها، ثم ننزلها على أرض الواقع، وكل إنسان منا مطالب أن يفتش في صحيفته: هل أنا أَفِيْ بحق الزوجة حتى أطالب بحقوقي بعد ذلك، أم أنا مضيع، أضرب الوجه، وأقبح القول، وأمنع النفقة، وأسيء العشرة، ثم بعد ذلك أقول: الحقوق.
للزوجة على زوجها سبعة حقوق: الحق الأول: المهر.
الثاني: النفقة.
الثالث: حسن المعاشرة.
الرابع: العدل في حال التعدد، ولنا معه وقفة؛ لأن أعداء الدين يشيرون إلى مسألة التعدد بأنها من مساوئ شريعتنا، فنقول: كلا وألف كلا؛ فإن سليمان بن داود ﵇ تزوج ما يقرب من ثلاثمائة امرأة، ونبينا ﵊ من أقل الأنبياء زواجاً، فالجمع بين أكثر من زوجة كان أمراً معتاداً، وانظروا إلى سير الأنبياء واعقدوا مقارنة بين عدد زوجات الأنبياء؛ لتعلموا أن المستشرقين يطعنون في أمر غفلوا عنه.
ثم انظروا إلى عادة العرب قبل بعثة النبي عليه ال
стр. 85
المهر
أولاً: المهر، وقد تحدثنا عنه في اللقاء السابق، وخلاصة القول فيه أن الإسلام رفع شأن المرأة وجعل لها ذمة مالية منفصلة، وجعل لها حقوقاً بعد أن كانت المرأة تقتل، وبعد أن كانت تورث كمتاع، وبعد أن كانت المرأة مهيضة الجناح لا اختيار لها، جاء الإسلام ورفع من قدرها، وبين أن لها حقاً في الميراث، وحقاً في الاختيار، وهناك خطأ يقع فيه الكثير بأخذ الأولياء صداق مولياتهم، مع أن الصداق حق للمرأة لا بد أن تملكه، ولا يكون لولي الأمر كما يفعل البعض الآن، وأما إذا تنازلت المرأة عن جزء منه لوليها أو لزوجها فلا بأس، لكن لا بد أن تتملك المهر، قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء:٤]، فلا بد أن تأخذ المرأة المهر، والإسلام كره المغالاة في المهور، نعم، لم يضع الإسلام حداً للمهر لا أدنى ولا أقصى، ولكن بينا في اللقاء السابق أن المهر إما أن يكون مالاً، وإما أن يكون منفعة مادية أو منفعة معنوية، يعني: يمكن أن يكون المهر ما معك من القرآن، ففي الحديث الصحيح: (أن النبي ﷺ جاءته امرأة تريد أن تهب نفسها له، فسكت النبي ﷺ ، فقال رجل من الصحابة: يا رسول الله إن لم يكن لك بها رغبة فزوجنيها، قال رسول الله ﷺ : تزوجها على ما معك، قال: لا أملك يا رسول إلا إزاري هذا، فقال رسول الله ﷺ : تعطها إزارك وأنت لا تملك غيره! التمس ولو خاتماً من حديد، فذهب الرجل ثم رجع وقال: يا رسول الله لم أجد حتى خاتماً من حديد، فقال ﷺ : ما معك من القرآن؟ قال: معي سورة كذا وكذا وكذا، وعدد ما يحفظ، فقال له النبي ﷺ : زوجتك إياها على ما معك من كتاب الله).
وتزوج رجل امرأة بنعلين.
وتزوجت أم سليم أبا طلحة بإسلامه، اشترطت عليه أن يسلم، فالمهر إما أن يكون مالاً وإما أن يكون منفعة مادية أو معنوية، والإسلام نهانا عن المغالاة في المهور التي تكبل الشباب، فيا ليت ولي الأمر يدرك أنه إذا عطل على المرأة الزواج بسبب ثلاجة أو صالون أو سخان أو غسالة فقد عطل حدود الله، وعرض المجتمع للفاحشة، فليتق الله في نفسه، ولييسر حتى ييسّر الله عليه.
وبعض الأزواج يأكل المهر، فإن كان المهر مؤخراً أعضلها حتى تتنازل عن المؤخر، أو يجبرها على التنازل عنه ويضيق عليها بعد أن أفضى إليها بما أحل الله له، ويراوغ ويتحايل ويتملص، والله يقول: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء:٢١]، فليتق الله الذين ينتسبون إلى الإسلام، بل أحياناً إلى الالتزام، ويحاولون أن يتملصوا من حقوق المرأة بالمراوغة وبالحيل الشرعية وغير الشرعية، والبعض يجبرها على التوقيع على ورقة، ويقول لها: وقعي على التنازل عن حقك، يا عبد الله أما تتقي الله في نفسك، أما تعلم أنك تأكل في بطنك ناراً، الصداق حق المرأة بما استحللت من فرجها، كما قال ربنا سبحانه.
стр. 86
النفقة
الحق الثاني للمرأة: النفقة.
قال خير الأنام محمد ﵊ في أكبر تجمع بعد أن بين ما للرجال على النساء قال: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)، ومعنى النفقة: أن تنفق على حسب قدرتك: مسكن ملبس خادم أو خادمة إن كانت محتاجة إلى خدمة تعينها، ولذلك انظر إلى النبي ﵊ كيف كان في بيته؟ وهو القائل ﵊: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي).
وجاءته هند زوجة أبي سفيان فقالت: (يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح) وبعض الرجال عنده الآلاف المؤلفة والقناطير المقنطرة وفي الإنفاق على الولد والزوجة يقتر تقتيراً.
نستطيع أن نقول الآن إن سوق الزواج كسد، وسوق الزنا راج بسببنا، جنينا هذا بأيدينا وحدِّث ولا حرج، ثم قالت: (يا رسول الله غير أني آخذ من ماله دون أن يعلم؟ هل يجوز أن آخذ من مال زوجي لأنفق على نفسي وعلى أولادي؟ قال لها النبي ﷺ : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف).
والمقصود أن النفقة حق للزوجة، فإن دفعها الزوج وإلا يمكن لها أن تأخذ هذا الحق من ماله، لكن بالمعروف، وأما أن تأخذ من ماله لأجل أن تشتري كماليات، أو تذهب إلى المصيف، فهذا ليس بالمعروف هذا بالباطل، وهكذا لا تأخذ في شراء سلع كمالية، أو الذهاب إلى كوافير، أو شراء حذاء من الأحذية الغالية الثمن، ولكن تأخذ بالمعروف، وفي الحدود المتعارف عليها، كما قال نبينا ﷺ .
فالنفقة واجبة على الزوج، وإذا غضبت الزوجة لا ينبغي لها أن تخرج من بيت الزوج، وإن خرجت إلى بيت أبيها ربما تمكث سنة كاملة دون أن يرسل لها جنيهاً واحداً، وحق نفقتها على الزوج، وهي غير مطلقة، والواجب على الرجل أن يلتزم بالشرع، حتى لو أن هناك خلافاً، فطالما هي في عصمتك فنفقتها عليك أيها الزوج، فيا ليت أن الزوج يخرج مصروفاً شهرياً للزوجة؛ حتى تلين، ولكنه يغيب مدة طويلة ولا يرسل بشيء ولا يتقي الله، ويتناسى حق النفقة للزوجة.
كذلك ينبغي على الزوجة ألا تكبل الزوج بنفقات لا طاقة له بها، فقد كانت المرأة من السلف تقول لزوجها في الصباح وهو يخرج إلى طلب الرزق: اتق الله فينا ولا تأتنا برزق من حرام؛ فإنا نصبر على الجوع في الدنيا ولا نصبر على نار جهنم يوم القيامة.
стр. 87
حسن المعاشرة
الحق الثالث: حسن المعاشرة.
قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، فمن حسن المعاشرة ألا تضرب وجهاً، والبعض يمسك عصاً غليظة ويضرب بها على رأس المرأة، أو يضربها بقدمه في بطنها، أو يضربها في وجهها، وهذا سوء خلق، وعدم أدب، وهذا رجل لا يحترم نفسه، ولا يعرف الشرع وإن ادعى أنه مسلم؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا تضرب الوجه، ولا تسئ القول) , تقول عائشة أم المؤمنين ﵂: (كان النبي ﷺ في بيته يخصف نعله -يعني: يخيط الحذاء- ويقوم على خدمة أهله)، فمن منا يفعل هذا؟ وأنت لو فعلت هذا للمرأة، فإنها ستحملك على رأسها ذهاباً وإياباً، أما أن تجلس متكئًا وتصدر الأوامر، وهي تقول لك: أنا مريضة، فترد عليها بقولك: مالي ومال مرضك، نفذي رغم إرادتك، أنا هنا الآمر وأنت المأمورة، طاعتي من طاعة الله، ويحمل النصوص ما لا ينبغي أن تتحمل.
يقول ﷺ لـ عائشة: (إني أعلم رضاك من غضبك)، قالت: كيف يا رسول الله؟ قال: (إن قلت: لا وإله محمد علمت أنك راضية، وإن قلت: لا وإله إبراهيم، علمت أنك غاضبة)؛ لأنها لا تريد أن تذكر الاسم، ومن حسن المعاشرة، ما جاء في سنن أبي داود: أن النبي ﷺ كان يسابق عائشة، يجري وتجري بجواره فسبقها مرة وسبقته مرة، فقال واحدة بواحدة.
وجاء في الأثر: أن عائشة تقول: كنت أحمل الإناء لأشرب، فيأخذ النبي ﷺ مني الإناء ليشرب فيشرب من ذات المكان الذي شربت منه، والله إني لأعلم أنه لا يريد أن يشرب ولكن يريد أن يطمئن بالي ويرضي خاطري، ومن حسن المعاشرة أنك إذا جئت إليها تقول لها: وأنا في الطريق ذكرتك وذكرت الأبناء فاشتريت لك هذا، ومن سوء العشرة ما يفعل البعض حين يدخل إلى البيت فظاً غليظاً لا يلقي السلام، أين حسن المعاشرة؟ وبعد ذلك يقول: أريد حقي يا شيخ كيف تريد حقك، أنت مهدر لحقك يا عبد الله، أنت مضيع للحق الذي أمرك الله به.
стр. 88
حق الفراش والوطء
الحق الرابع: حق الفراش، يقول العلامة ابن حزم رحمه الله تعالى: وللمرأة على زوجها أن يطأها بعد كل طهر مرة.
يعني: أن ابن حزم يرى وجوب الوطء في كل طهر مرة؛ لأن الله قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢]، فأمر بإتيان المرأة بعد تطهرها، ووجوب وطء المرأة عند الجمهور كما عند ابن حزم، ولكن الخلاف على المدة التي يجوز للزوج أن يترك الفراش فيها.
قال أحمد: أربعة أشهر ولا يزيد؛ لأن الإيلاء في القرآن أربعة أشهر، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة:٢٢٦]، يعني: يجوز للزوج أن يحلف ألا يقترب من الزوجة أربعة أشهر ولا يزيد، فإن زاد تطلق للضرر، قال تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٦ - ٢٢٧]، فقال أحمد ﵀: لا ينبغي أن يترك الفراش أكثر من أربعة أشهر، وإن كان في سفر لا يزيد عن ستة أشهر، واستدل بما وقع مع عمر ﵁ حيث كان يسير في طريق من طرق المدينة فسمع امرأة تنشد مع نفسها وتقول ما معناه: ولولا الحياء والخوف من الله لحرك من هذا السرير جوانبه.
فقد طال الليل عليها وزوجها غائب عنها، ولولا أنها تخاف من الله لحركت السرير بعشيق، فسمع عمر وسأل عنها فقالوا: زوجها خرج للجهاد في سبيل الله، فأرسل إلى ابنته حفصة وقال لها: يا حفصة أخبريني عن المدة التي تستطيع الزوجة أن تفارق الزوج؟ قالت: يا أبي مثلك يسأل عنها! قال: نعم، فقالت: خمسة أشهر أو ستة لا تزيد، عند ذلك أصدر عمر مرسوماً في قانون الغزو: ألا يزيد غياب الزوج المجاهد عن أهله عن ستة أشهر، شهر ذهاب وشهر إياب وأربعة أشهر للجهاد في سبيل الله سبحانه، إلا إذا وافقت الزوجة على طول المدة فهذا أمر آخر، ولكن ماذا نقول لمن يمكث عشرات السنين يجمع المال وينسى حق الزوجة، ويرسل لهم الأموال من الخارج؟ هم لا يريدون مالاً، هم يريدونك أنت.
وقد قال العلماء: أكبر مدة يجوز للزوج أن يهجر فيها الزوجة: هي أربعة أيام؛ لأن الله أباح له أن يتزوج بأربع، فمعنى ذلك أنه يبيت عند الثلاث، ثم يأتي في الليلة الرابعة إلى الرابعة، وهذا قضاء كعب بن سوار ﵁ لما كان يجلس عند عمر فجاءت امرأة تشكو زوجها إلى عمر، تقول: يا أمير المؤمنين زوجي يصوم الدهر ويقوم الليل، فقال: نعم الزوج، فهم أنها تمدح فيه، فقال كعب: يا أمير المؤمنين! إنها تشكو زوجها، قال: كيف يا كعب؟ قال: تشكو من قلة جماعه، ومن عدم إعطائها لحقها، قال: طالما فطنت فاقض بينهما أنت، فجاء كعب بالمرأة وسألها، قالت عن الرجل: يا أيها القاضي الحكيم برشده ألهى خليلي عن فراشي مسجده نهاره وليله ما يرقده فلست في أمر النساء أحمده هذه المرأة تشكو.
وكما كان حال عبد الله بن عمرو لما زوجوه امرأة ذات حسب فظل يصلي وتركها، فقال له النبي ﷺ : (يا عبد الله ليس هكذا إن لها عليك حقاً).
وهناك رجل يصوم الدهر ويقوم الليل، قال: خفت من سورة النحل والسبع الطوال, فأنا أقوم الليل بالقرآن وأصوم النهار، فقال أبي: اعلم أن لها عليك حقاً أن تبيت بجوارها.
يعني: أن تأتيها كل أربعة أيام، واستدل بما ذكرت قبل.
لكن الواقع أن للزوجة حقاً على الزوج أن يطأها متى كانت راغبة إلا من عذر شرعي، كما قال ﷺ : (إذا رأى أحدكم امرأة فوقعت في نفسه فليذهب إلى زوجته)، كذلك الزوجة لا تترك الفراش إلا في باب العذر الشرعي: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء:٣٤]، فجعل الهجر في المضاجع أحد سبل علاج النشوز.
стр. 89
الاعتدال في الغيرة
الحق الخامس من حقوق الزوجة على زوجها: الاعتدال في الغيرة، فهناك غيرة قاتلة بريبة، وهناك غيرة مطلوبة، وهي الغيرة بغير ريبة، كما قال نبينا ﷺ .
стр. 90
تعليم الزوج لزوجته أمور دينها
الحق السادس: أن يعلمها أمور دينها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦]، من منا يجلس مع زوجته فيعلمها الطهارة من الحيض، ويعلمها كيف تصلي، ويعلمها أحكام الصيام، ويعملها الأحكام الشرعية وعقيدة أهل السنة؟ أنت مأمور بهذا يا عبد الله، فهل أديت هذا الحق؟ أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 91
العدل بين الزوجات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فالحق السابع من حقوق الزوجة على زوجها: العدل، إن جمع بين أكثر من امرأة، ففي الحديث أن من جمع بين أكثر من امرأة ومال لإحداهن وظلم الباقي يأتي يوم القيامة وشقه مائل.
يعني: يأتي يوم القيامة أعوج؛ لأنه لم يعدل في القسمة بينهن، والإسلام أباح التعدد لحكمة شرعية، ولم يبح التعدد بدون ضوابط، وإنما أباحه بضوابط.
قد تختلف المعادلة فيزداد عدد النساء عن عدد الرجال، فكيف نعالج هذه المشكلة؟ لا بد من معالجة، إما أن تعالج بالعشق والزنا، وإما أن تعالج بالزواج الشرعي، ولذلك الإسلام حينما أباح التعدد وضع شرطاً له، قال ﵎: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء:٣]، والعدل هنا في المسكن وفي الملبس وفي النفقة وفي المبيت، أما في الميل القلبي فهذا لا يملكه الإنسان؛ لأنه بيد الله سبحانه، وقد كان النبي ﷺ يميل إلى عائشة على سائر زوجاته، حتى إنه كان في آخر حياته وفي حال مرضه يحمل من حجرة إلى حجرة ﵊، يتنقل بين حجرات زوجاته إحياءً للعدل، وكان يسألهن: (أين أنا غداً؟)، ففطن إلى أنه يبحث عن ليلة عائشة فأذنّ له أن يمرض في حجرتها ﵊.
فانظروا إلى العدل في المبيت، وإن ضاعت على إحداهن ليلة لا بد أن يقضيها كما قال العلماء، لكن أن تعدد وتترك الحابل هكذا دون حقوق، تأتي بأولى ثم بثانية، ظلمت الأولى وظلمت الثانية، وازددت ظلماً على ظلم: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء:٣].
стр. 92
حكم تعدد الزوجات
من محاسن شريعتنا التعدد، في بلاد الغرب يدرسون موضوع إباحة التعدد للرجل؛ لأن هناك حالات تستلزم التعدد، امرأة مريضة، امرأة عقيمة، امرأة لا قبل لها بالرجال، لا بد للزوج أن يعدد، نحن لا نضع شرطاً لهذه الشروط، وإنما نقول: الشرط الوحيد في الآية هو العدل، وقد افترق الناس في مسألة التعدد إلى ثلاثة فرق: الفرقة الأولى: العلمانية العفنة تقول: لا تعدد في القرآن ولا في السنة؛ لأن التعدد إباحية جنسية ورغبة شهوانية، أغلقوا الباب، وقيدوا عقد الزواج بشرط موافقة الزوجة الأولى، من قال: إن الزوجة الأولى لا بد أن توافق للزوج على أن يفعل أمراً أباحه الله له؟ أتقيدون أمراً أباحه الله؟ فهؤلاء كمن تمخض الجبل فولد فأراً، أو كمن سكت دهراً فنطق كفراً، كما كتبت إحداهن: الإسلام لا يبيح التعدد؛ لأن الله قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء:٣]، ثم قال: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء:١٢٩].
نقول لها: افقهي النصوص قبل أن تتحدثي: فإن المراد بقوله: (ولن تعدلوا) يعني: الميل القلبي وميل العواطف، أما العدل المطلوب فهو في المسكن والملبس والنفقة كما بينا، وفعل الصحابة وفعل خير الأنام ﵊ يبين هذا، وكان العرب قبل الإسلام لا تجد رجلاً إلا ومعه أكثر من زوجة، فكيف نقبل أن يكون للرجل عشيقة ولا نقبل أن يكون له زوجة ثانية؟ لأن المرأة تقول: أنا لا أحب الشريكة، يا أمة الله طالما حقك الشرعي مكفول بضوابط الشرعية لا بد أن تقبلي.
فريق آخر رفض التعدد، وفريق ثان فتح الباب على مصراعيه، وبحجة التعدد كل شهر يغير، فيتزوج في السنة ما يقرب من اثنتي عشرة امرأة، ولا يجمع إلا بين أربع بحجة التعدد، لا، التعدد له شروط يا عبد الله، أنت أخذت الإباحة ولعبت بها.
أما الفريق الوسط فهو فريق أهل السنة الذين قالوا بجواز التعدد مع وجوب العدل، والموضوع طويل وفيه أبحاث.
اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا.
اللهم ارزقنا علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، وجسداً على البلاء صابراً.
اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، وجلاء همنا وغمنا ونور أبصارنا، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.
يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك، يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك.
اللهم عليك بأعدائنا، اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا، لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا.
اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، وبعد الموت جنة ونعيماً.
اللهم بيض وجوهنا يوم تسود وجوه.
اللهم ثبت أقدامنا على الصراط، وأمنا عند الفزع الأكبر.
اللهم احفظ أعراضنا، وأمنا في بلادنا، وبدلنا من بعد خوفنا أمناً، ومن ضيقنا فرجاً، ومن بعد عسر يسراً.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وانصر عبادك المستضعفين في كل مكان يذكر فيه اسمك يا رب العالمين.
اللهم عليك باليهود ومن والاهم، اللهم فرق جمعهم، واجعل الدائرة عليهم، وزلزل الأرض من تحت أقدامهم، وجمد الدم في عروقهم، وأرنا فيهم آية، فإنهم لا يعجزونك.
اللهم إنا نشكو إليك ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا وهواننا على الناس، يا أرحم الراحمين برحمتك نستغيث.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 93
تفسير سورة القلم [٨]
الإسلام شريعة كاملة وافية، جاء بكل ما يصلح المجتمع، ومن ذلك الأمور التي ترتب وتنظم الحياة الزوجية، فشرع حقوقاً للزوج على زوجته وحقوقاً للزوجة على زوجها، فإذا أدى كل منهما ما عليه من حق عاشا حياة سعيدة وهانئة.
стр. 94
حق الزوج على زوجته
الحمد لله رب العالمين، الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون.
خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة في قرار مكين، ثم خلق النطفة علقة سوداء للناظرين، ثم خلق العلقة مضغة بقدر أكلة الماضغين، ثم خلق المضغة عظاماً كأساس لهذا البناء المتين، ثم كسا العظام لحماً هي له كالثوب للابسين، ثم أنشأه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين، ثم إنكم بعد ذلك لميتون، ثم إنكم يوم القيامة تبعثون.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، يغني فقيراً، ويفقر غنياً، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وهو مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيف شاء وحسبما أراد.
فاللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك.
وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
ثم أما بعد: فنواصل رحلتنا مع الحقوق التي بدأناها، ونستكمل موضوع حسن الخلق، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] يعني: وإنك لعلى دين عظيم، فمن زاد في الخلق زاد في الدين.
وموضوعنا اليوم: حق الزوج على زوجته، تحدثنا في اللقاء السابق عن حق الزوجة على الزوج، وقلنا: إن كل واحد منا لا بد أن يراجع نفسه، وينظر هل أدى الحقوق التي ألزمه الله بها؟ وهي لأنها حقوق وواجبات، سيسألك رب العالمين عنها يوم القيامة، وحتى نربط بين الموضوعين، ذكرنا أن حقوق الزوجة سبعة: أولاً: الصداق.
ثانياً: حسن المعاشرة.
ثالثاً: النفقة.
رابعاً: الاعتدال في الغيرة.
خامساً: أن يعلمها أمور دينها.
سادساً: حق الفراش والوطء.
سابعاً: العدل بين الزوجات إن تعددن.
نذكر الآن حق الزوج.
стр. 95
حسن الطاعة
أول حق للزوج على زوجته: حسن الطاعة، وقد دل ﷺ وبين في أكثر من حديث أن المرأة ينبغي عليها أن تطيع زوجها طاعة مقيدة وليست مطلقة، مقيدة بطاعة الله؛ لأن الطاعة لا تكون إلا في معروف، كما قال النبي ﷺ : (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما الطاعة في المعروف)، واسمع إلى ما قال النبي ﵊: (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وأطاعت زوجها، قيل لها يوم القيامة: ادخلي من أي أبواب الجنة شئت)، فطاعة الزوج مهمة، ولذلك في الحديث الآخر: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها)، وهذا الحديث فيه ضعف عند البعض وحسنه البعض.
فإن أمر الزوج زوجته بأمر مشروع فلا ينبغي لها أبداً أن نعصيه، أما إن أمرها بأن تخلع حجابها، أو أن تختلط بالرجال، أو أن تخرج إلى الملاهي العامة ليفتخر بها، فلا؛ لأن بعض الناس الآن ليس عنده كرامة، ديوث لا يغار على عرضه، يفتخر عند خروجه مع زوجته أنها تكشف الوجه والذراع، وتكشف اليد، وتكشف القدم، ويفتخر على الناس بجمالها، وأقسم بالله! لو كان من الأنعام لغار، فذكور الأنعام تغار على إناثها، لكن من الناس الآن من يقدم لحمه للذئاب البشرية لتنهش فيه وهو يستمتع، وإلا بالله عليك ما تقول في رجل يدفع زوجته إلى شاطئ تلبس لا شيء، وهو يجلس متكئاً والناس جميعاً ينظرون إلى عورته؟ فهل هذا عنده غيرة؟ وهل فقد أسباب الغيرة؟ هذا لم يفقد الغيرة فقط، بل فقد الحياء.
فعلى المرأة حسن الطاعة، فإن أمركِ الزوج بأمر فقولي: سمعاً وطاعة؛ لأن النبي ﷺ بين أنه لا بد أن تطيع المرأة الزوج، ولو كانت على ظهر بعير طالما أن الأمر ليس فيه معصية.
وفي الحديث: (أن النبي ﷺ أمَّر رجلاً على جيش، وقال: من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله) فالأمير انطلق بالجيش، وإذا به يصدر الأوامر، فأمرهم بجمع الحطب فقالوا: سمعاً وطاعة طاعتك من طاعة رسول الله ﷺ ، ثم قال: أوقدوا في الحطب ناراً، فأوقدوا فيه ناراً، ثم قال: ألقوا أنفسكم في النار، فتوقفوا وقالوا: ما تبعنا النبي ﷺ إلا لننجو من النار، أنطيعك في هذا؟! فوصل الأمر إلى رسول الله ﵊ فقال: (لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، إنما الطاعة في المعروف، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).
فإذا أمركِ الزوج أن تكشفي الوجه، فلا سمع ولا طاعة، وإذا أمرك الزوج أن تخالطي الرجال فلا سمع ولا طاعة، وإذا أمرك الزوج أن تتركي الصلاة فلا سمع ولا طاعة، وإذا أمرك الزوج أن تخرجي متعطرة فلا سمع ولا طاعة، إنما الطاعة فيما شرع الله سبحانه.
стр. 96
شكر فضل الزوج وإحسانه
الحق الثاني للزوج على زوجته: أن تشكر فضله وإحسانه، وهذا موضوع هام؛ لأن كفران العشير من صفات غالب النساء، أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان: باب كفران العشير، وكفر دون كفر، ثم ذكر حديث النبي ﷺ : (أريت النار فوجدت أكثر أهلها النساء، قلنا: يا رسول الله! يكفرن بالله؟ قال: لا، بل يكفرن العشير والإحسان، إن أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً تقول: والله! ما رأيت منك خيراً قط)، يعني: أن على الزوجة أن تذكر فضل الزوج، وأن تذكر إحسانه، وأن تشكره، ولكن الغالب من النساء لا يفعلن ذلك، ففي حديث أم زرع الذي رواه البخاري في صحيحه: أنه جلست إحدى عشرة امرأة يذكرن ما لأزواجهن وما عليهن، فثمان منهن ذكرن المصائب، وثلاث فقط ذكرن المزايا، فهذا يبين لك أن الغالب لا يعترفن بالإحسان وبالفضل، قالت إحداهن: زوجي إن أكل لف، وإن شرب اشتف، وإن اضطجع التف، ولا يبسط الكف؛ ليعرف البث.
والمقصود أنها تقول: زوجي إذا أكل يأتي على الطعام ولا يبقي منه شيئاً، فهو أكول، وإذا شرب يأتي على الماء فلا يبقي منه شيئاً، وإذا نام التف، أي: يلتف في لحافه ولا يسأل عنها، ولا يبسط يده ليطمئن على حال زوجته، وهذا ذكر مساوئ.
والثانية ذكرت المساوئ أيضاً فقالت: زوجي إن دخل فهد، أي: أنه إذا دخل البيت فهد، وإن خرج أسد، أي: وفي الخارج أسد، لكنه لا يسأل عما عهد، يعني: لا شأن له بحال البيت.
وقالت الثالثة: زوجي العشنق، يعني: لا عقل له، إن أسكت أعلق، وإن أنطق أطلق، أي: إن سكتُّ يعلقني لا طلاق ولا إبقاء، وإن نطقت طلقني.
انظروا إلى ذكر المساوئ، فينبغي على الزوجة أن تذكر محاسن الزوج، وأن تغض الطرف عن عيوبه، هذا هو الأصل، ولذلك قال العلماء: أن تذكر فضله وإحسانه؛ لأن النبي ﷺ حذرهن من ذلك.
стр. 97
عدم منع الزوجة نفسها عن زوجها إلا لسبب شرعي
الحق الثالث: ألا تمنعه نفسها إلا لسبب شرعي، ولو كانت على ظهر بعير؛ لأن الرجل ينبغي عليه أن يحصن فرجه بزوجته، فإن أبت الزوجة وتمنعت فماذا يصنع؟ اسمعوا إلى حديث رسول ﷺ : (أيما امرأة دعاها زوجها إلى فراشه فتمنعت عليه باتت تلعنها الملائكة).
وفي الحديث الآخر: (باتت والذي في السماء ساخط عليها)، فلا تمنعه نفسها إلا لعذر شرعي، حيض، أو نفاس، أو مرض شديد، أما ما سوى ذلك فلا ينبغي أن تأبى على زوجها، فله حق الفراش قولاً واحداً.
стр. 98
عدم الخروج من بيت الزوج إلا بإذنه
الحق الرابع: ألا تخرج من بيته إلا بإذنه، وجاء ذكر البيت في القرآن في مواضع، منها: قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣].
وقال تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١]، فنسب البيوت هنا إلى المرأة رغم أن البيت ملك للزوج، قال العلماء: هي ملكية مصاحبة؛ لأن المرأة تكون في بيتها ملاصقة به، فما ينبغي أن تخرج من بيتها أبداً، إلا للضرورة الشرعية، فإياكِ إياكِ أيتها المرأة أن تكوني خراجة، ولاجة، كالتي تخرج من بيتها ليل نهار؛ فالمرأة بيتها حجابها، وبيتها خمارها، وبيتها سترها، وبيتها عفافها، وحينما أخرجوا المرأة إلى الأندية وإلى الفنادق وإلى المنتزهات العامة انظروا ماذا حدث يا عباد الله؟ قال : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣]، فلا تخرجي من بيتك.
وعند البخاري في كتاب الأذان قال ﷺ : (إذا استأذنكم النساء للصلاة فأذنوا لهن)، والحديث بين، قال النووي: إن للزوج ألا يأذن لها بالخروج للصلاة؛ لأن الإذن معناه قبول أو رفض، فتستأذن قبل أن تخرج، فإن أذن لها تخرج وإن لم يأذن لا تخرج، فهل هذا يوجد بيننا الآن؟ وهل يوجد من لا تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه؟
стр. 99
عدم الاستطالة عليه بلسانها
الحق الخامس: ألا تستطيل عليه بلسانها، وأن تحفظه بعد موته وحال حياته، لذلك الإسلام جعل العدة للمرأة التي مات عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام لا تخرج فيها من بيتها، ولا تكتحل إلا لمرض، ولا تلبس معصفراً، ولا تتعطر في بيتها؛ لحق الزوج الذي مات، وفاءً له، دخلت أم الدرداء على أبي الدرداء وهو يحتضر فقالت له: لقد خطبتني من أهلي في الدنيا، وأنا أخطبك إن شاء الله يوم القيامة، وأريد أن أكون لك زوجة في الجنة، قال: إن أردت ذلك فاعلمي أن النبي ﷺ قال: (المرأة لآخر أزواجها في الدنيا)، فجاء معاوية يخطبها لنفسه، فأخبرته بما قال أبو الدرداء، فقال لها: صومي حتى تكوني له في الجنة.
والنبي ﵊ تزوج خديجة، وما أدراك ما خديجة؟ المرأة التي وقفت بجوار النبي ﵊ في حال بعثته حين تخلى عنه الجميع، ولذلك جاء جبريل من السماء يقول: (يا رسول الله! إني رسول الله إليك أخبرك أن الله يقرئ خديجة السلام، فأخبرها أن الله يقرئها السلام، وأخبرها أن لها بيتاً في الجنة من قصب لا نصب فيه ولا وصب)، لذلك ذكر النبي ﵊ يوماً خديجة فغارت عائشة وقالت: (يا رسول الله! لا تزال تشكر عجوزاً من عجائز قريش -يعني: كان عمرها أربعين سنة يوم أن تزوجتها- فقال: والله! ما أبدلني الله خيراً منها، لقد أعطتني حين حرمني الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، ورزقني الله منها الولد)، وكان يقول عن بعض النسوة حينما يأتين إليه في المدينة: (كانت تأتينا أيام خديجة)، وفاءً لزوجته ﵂.
فعلى المرأة أن تذكر فضله وإحسانه، وأن تستر عليه بعد موته، فلا تكشف سره، ولا تفضح أمره.
стр. 100
التزين للزوج كل ليلة
الحق السادس: أن تتزين له في كل ليلة، وأن تعرض نفسها عليه، فهل من نسائنا من يفعل ذلك؟ فهذه امرأة تسمى أمامة بنت الحارث كانت في زمن الجاهلية قبل بعثة النبي ﵊ توصي ابنتها في ليلة زفافها بعشر وصايا، تقدم لها فيها كيف تمارس عملها؟ وكيف تعامل الزوج في بيته؟ وسنذكر هذه الوصية بعد قليل إن شاء الله.
стр. 101
عدم صيام النافلة إلا بإذن الزوج
الحق السابع: ألا تصوم صيام نافلة إلا أن يأذن لها زوجها، والمراد صيام النافلة المشروع، أما غير المشروع، فلا، والبعض يخص شهر رجب بصيام، وهذا من البدع المحدثة؛ لأن النبي ﷺ ما ثبت عنه في فضل صيام رجب حديث صحيح، الأمر الذي دفع العلامة ابن حجر أن يكتب كتاباً سماه: (تبيين العجب فيما ورد في فضل رجب) فضلاً عن أن ليلة السابع والعشرين التي يحتفلون بها بالإسراء والمعراج ليس لها أصل في الشرع ألبتة، وقد جاء عن ابن عمر أنه قال عن شهر ربيع الأول: (ذاك شهر ولد فيه النبي ﷺ ، وبعث فيه، وقبض فيه، وهاجر فيه، وأسري به فيه) صححه الألباني رحمه الله تعالى، فعلم أن الإسراء كان في شهر ربيع الأول، وهذا القول هو الراجح عند علماء الأمة.
وحتى ولو كان الإسراء في ليلة السابع والعشرين من رجب فلم يثبت في فضل صيامها ولا في فضل قيامها حديث صحيح إلى النبي ﷺ ، لذلك الأصل في العبادة التوقف حتى يأتي الدليل، فمن عنده دليل فليأتنا به، فالمرأة لا تصوم صيام النافلة كالخميس والإثنين وأيام البيض وعاشوراء وعرفة وأيام ذي الحجة إلا أن يأذن لها الزوج.
стр. 102
استقبال الزوج حال قدومه وتوديعه حال خروجه
الحق الثامن: عند قدوم الزوج تقوم الزوجة وتستقبله، وعند خروجه تقوم وتودعه، وأن تكون في بيته تحفظ ماله، وتحفظ أبناءه، وإذا خرجت لعمل لها تخرج مستترة تفلة غير متعطرة، ولا تظهر عورتها، وتتقي ربها في زوجها.
أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 103
عدم إذنها في بيته إلا بإذنه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.
وبعد: فالحق التاسع من حقوق الزوج: ألا تأذن لأحد يكرهه أن يدخل بيته، ففي أكبر جمع عرفه الإسلام ما نسي النبي ﷺ في حجة الوداع أن يوصي الرجال بالنساء، وأن يوصي النساء بالرجال، فقال ﵊: (استوصوا بالنساء خيراً)، ثم قال: (ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه)، والمقصود: ألا تدخل المرأة البيت أحداً يكرهه الزوج؛ فإن هذا من حقه عليها.
стр. 104
وصية امرأة جاهلية لبنتها ليلة زفافها
هذه وصية امرأة لابنتها تعلمتها من الفطرة ومن معترك الحياة، فالفطرة لا تصادم الشرع، والإسلام دين الفطرة، فإن قال قائل: هذه امرأة جاهلية فكيف توصي بتلك الوصية التي تستقيم مع الشرع؟ فنقول: إسلامنا دين فطرة، تقول أمامة بنت الحارث لبنتها في ليلة زفافها: أي بنية! احفظي عني عشراً تكون لك حرزاً: الصحبة بالقناعة، وحسن المعاشرة بالسمع والطاعة، والتعهد لموضع عينه، ولموضع أنفه، فلا يشم منك إلا أطيب ريح ولا تقع عينه على قبيح، والكحل من أطيب الطيب، والماء أحسن الحسن، ولا تفشي له سره، ولا تعصي له أمره، فإن أفشيت سره أوغرت صدره، وإن لم تطيعي أمره لم تأمني غدره، والتعهد لوقت طعامه، والهدوء عند منامه؛ فإن حرارة الجوع ملهبة، وإن تنغيص النوم مغضبة.
ثم قالت لها: قومي على حفظه وحفظ أبنائه، واحفظي له ماله.
ثم تقول: كوني له أرضاً يكن لك سماءً، كوني له مهاداً يكن لك عماداً، كوني له أمة يكن لك عبداً، لا تلتصقي به فيكرهك، ولا تبتعدي عنه فينساك، لا يشم منك إلا طيباً.
فهذه امرأة جاهلية تعلم بنتها حق الزوج على زوجته، وحق الزوجة على زوجها، فيا ليتنا نعلم بناتنا تلك الوصايا، بل تجد الآن من يوصي بنته ويقول لها: اذبحي له ليلة الدخلة قطة سوداء، وكوني معه عنيفة، وإن أمرك لا تطيعي أمره، وآخر أمر في زمن الإحن وزمن الرويبضة يخرج علينا من يقول في أجهزة مسموعة ومقروءة ومكتوبة: الإسلام أعطى المرأة نصف الميراث، وجعل شهادتها نصف شهادة الرجل فهذه من الجاهلية، أما الآن فالمرأة قد خرجت وتعلمت، وزاحمت الرجال، وعملت مثله، فلا بد أن تحصل على كامل الميراث، ولا بد أن تكون شهادتها كشهادة الرجل تماماً بتمام! وهذا كفر يناقض صريح القرآن، ورب العالمين يقول: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١].
ويقول: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢]، لكن في هذا الزمن يقولون للمرأة: لا فرق بينك وبين الرجل؛ فأنت وهو سواء بسواء، فضيعوا عفافها، ونزعوا خمارها، ونزعوا جلبابها، وأقحموها في الحياة حتى عمت الفوضى والبلاء، وساد الزنا، نسأل الله العفو والعافية.
إخوتي الكرام! بعد أن عرفنا حقوق كل طرف على الآخر هيا بنا نعلمه الزوجات لننجو بأنفسنا يوم العرض على رب البريات، فربنا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦].
ويقول ﷺ : (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته).
стр. 105
الرد على من يحلل الغناء
في ختام هذا اللقاء أعلق على مقال لأحد مفكري الإسلام، هذه المقال يتعدى السبع الصفحات، يبين فيه أن الغناء مشروع ولا شبهة فيه، وأن علماء الجمود والتقليد وفقهاء التقليد وفقهاء الجمود والتحجر هم الذين يحرمون الغناء! فنقول له: لقد وقعت في المحظور، فهل تريد للأمة أن تبيح الغناء وأن تبيح الرقص والطرب؟ وماذا حصدنا من ذلك؟ وهكذا بالأمس القريب خرج علينا طبيب بيطري لا علاقة له بالعلم الشرعي، وإنما علاقته بالسموم البيطرية، لكنه أراد أن ينشر سمومه في الأمة، فألف كتاباً في أكثر من مائتي صفحة سماه: (تذكير الأصحاب بتحريم النقاب)، ثم قال: تبرج المرأة أقل حرمة من لبسها للنقاب، الله أكبر! هكذا نحن في هذا الزمن، ولكني أقول لهم: ستدري إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أم حمار اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا.
اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، واحفظ يا رب أعراضنا، اللهم احفظ أعراضنا، اللهم احفظ أعراضنا، واستر نساءنا، وعليك بأعدائنا.
نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، وجلاء همنا وغمنا، ونور أبصارنا.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأيد عبادك المستضعفين.
اللهم عليك باليهود ومن والاهم.
اللهم احفظ العراق من كيد المعتدين، ومن تخطيط الظالمين، واجعل كيدهم في نحرهم، إنك على كل شيء قدير، وأنت حسبنا ونعم الوكيل.
اللهم إنا نشكو إليك ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، وهواننا على الناس، يا أرحم الراحمين! برحمتك نستغيث، يا أرحم الراحمين! برحمتك نستغيث.
اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً.
اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعوة لا يستجاب لها.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 106
الأسئلة
стр. 107
حكم حلق اللحية من أجل الوظيفة
السؤال
رجل أتت إليه وظيفة في مكان لا بأس به، ولكن يريدون منه أن يحلق اللحية، فهل يجوز له حلقها، مع العلم أن هذه الرجل يشكو إلى الله الفقر، أرجو الإفادة؟
الجواب
لا يجوز قولاً واحداً، ولا تطلب وظيفة بمعصية الله، فمن طلب رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، وسأضرب لك مثلاً حتى تطمئن: الرزاق هو الله، جاءت بعثة إلى إحدى دول أوروبا للعاملين في التربية والتعليم، فكان لي صديق مدرس ملتح، فرشح لهذه البعثة، فقال: يا شيخ! أنا سأحلق اللحية؛ لأن أحد شروط البعثة حلق اللحية، فنهيته، فأبى وحلقها، ثم ذهب بعد الفجر متستراً إلى السفارة لينهي الإجراءات ويسافر، فإذا به يفاجأ: أننا نعتذر عن السفر هذا العام، فعاد يجر ذيل الهزيمة، وظل شهراً في بيته متستراً بعمامته ولم يخرج حياءً من الناس.
فلا تطلب الرزق بسخط الله، ولا يجوز يا عبد الله أن تقبل وظيفة يكون هذا أحد شروطها، فالأئمة الأربعة ذهبوا إلى أن حلق اللحية حرام، وحالقها عاص وآثم، وعد الذهبي حلقها في الكبائر، ولا تكن كمن يقول ما لا يعرف: اللحية سنة، من أعفاها أثيب، ومن حلقها فليس عليه شيء، فإن كلمة السنة لها معنى عند المحدثين، ولها معنى عند الفقهاء، ومن التدليس الخلط بين المعنيين، أما عند الفقهاء فتحمل الأحكام التكليفية الخمسة على السنة، يعني: من السنة ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب، ومنها ما هو مكروه، ومنها ما هو محرم، ومنها ما هو مباح، خمسة أحكام تكليفية، فمثلاً لبس الذهب للرجال حرام بالسنة وليس بالقرآن.
إذاً: السنة تحرم، والسنة تبيح، والسنة تقرر، يعني: أن السنة مصدر تشريع، وليس معنى السنة أن من فعلها أثيب ومن لم يفعلها فليس عليه شيء، فهذا خلط بين المسائل.
стр. 108
حكم من عليه قضاء صيام خمس سنوات ماضية بسبب المرض
السؤال
زوجة عليها صيام خمس سنوات قديمة مع العلم أنها مريضة فماذا تعمل؟
الجواب
إذا كان على المرأة قضاء أيام من رمضان بسبب النفاس أو الحيض أو المرض فيجب عليها القضاء؛ لأن عائشة تقول: (أمرنا بقضاء الصيام ولم نؤمر بقضاء الصلاة) فإذا حاضت المرأة أو نفست تفطر ثم تقضي، لكنها إذا حاضت وأفطرت ومرت سنة كاملة دون قضاء وجاء عليها رمضان الآخر ولم تقض، يقول العلماء: عليها قضاء وكفارة بعد رمضان الثاني، القضاء شرعاً والكفارة تعزيراً؛ لأنها فرطت وأهملت، فإن كان عليك أيام من رمضان خمس سنوات بسبب المرض، فإن كان مرضاً مزمناً فعليك أن تطعمي عن كل يوم مسكيناً، وإن كان مرضاً يرجى شفاؤه فانتظري حتى يتم لك الشفاء ثم اقضي بعد ذلك فقط؛ لأن الله قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].
стр. 109
حكم الصلاة أمام الإمام للضرورة
السؤال
قلت: إنه يجوز أن تصلي أمام الإمام للضرورة، فما هي الضرورة؟
الجواب
الضرورة أن يضيق المكان، فإذا كان المكان ضيقاً وليس هناك مكان على الإطلاق إلا أمام الإمام ففي هذه الحالة قال العلماء: يجوز أن يقف أمامه للضرورة، فالمشقة تجلب التيسير، قال : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، والله تعالى أعلم.
стр. 110
حكم الصلاة للميت
السؤال
هل يجوز وهب صلاة لوالدي المتوفى؟
الجواب
لا يجوز أن تهب الصلاة للميت، فما يصل إلى الميت لا بد أن يكون عليه دليل، كالحج، وكالصيام، كما قال ﷺ : (من مات وعليه صوم صام عنه وليه)، وكالزكاة إذا كانت في رقبته، وكالصدقة الجارية، أما الصلاة فلا يجوز أن تصلي لميت.
следующие страницы →