← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37771

شرح صحيح البخاري - أسامة سليمان

أسامة سليمان

Полный текст (308 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فضل صوم يوم عاشوراء الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فأيها الإخوة الكرام الأحباب في بداية هذا اللقاء الطيب المبارك نذكر بأمور هامة: الأمر الأول: صيام عاشوراء، عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء، فلما سأل عن سبب صيامه أخبروه بأنه يوم أظهر الله فيه موسى ﵇ وأغرق فرعون، فقال ﷺ : نحن أحق بموسى منهم، فصام وأمر الناس بصيامه)، ولما أُخبر أن اليهود يفردونه بالصيام قال: (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر) وفي حديث أبي قتادة عن النبي ﷺ قال: (صيام عاشوراء أحتسب على الله أن يكفّر ذنوب سنة ماضية)، فلا تحرموا أنفسكم من هذا الأجر الكبير، وفي هذا اليوم ينبغي أن نبيّن لأبنائنا الصغار ما وقع من صراع بين الحق والباطل، بين موسى ﵇ وبين فرعون، وفي قصة موسى الكثير من الدروس والعبر التي ينبغي أن نقبل عليها دراسة وتحليلاً، فإن فرعون قتل لأجل موسى آلاف الذكور من بني إسرائيل، وخطط لعدم ميلاده وعدم وجوده إلا أن الله أراد أن يلقن الفراعنة درساً في كل الأزمنة والعصور، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]، فربي موسى في بيت فرعون، وترعرع تحت بصره، ووقفت امرأته تدافع عنه، وعادة الفراعنة أنهم لا يملكون صناعة القرار، إنما الذي يصنع القرار لهم هن النساء، ولكنهم يتخذون القرار، وفرق بين صناعة القرار واتخاذ القرار، فالفراعنة إن تأملت في كتاب الله تجد أن النساء يحكمنهم، قالت امرأة فرعون: (لا تقتلوه)، وهو كان قد قال من قبل (اقتلوه)، فكان صاحب القرار في الأمر هي المرأة، قال حاكياً عنها أنها قالت: ﴿لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [القصص:٩] فتُرك موسى ﵇. وهكذا فاذكر لهم الأحداث التي وقعت في قصته في هجرته من مصر، وفي زواجه من مدين، وفي عودته من مدين إلى مصر، وفي لقائه مع فرعون، وفي لقائه مع السحرة، وفي خروجه من مصر وإغراق فرعون في يوم عاشوراء، وفي نجاة بني إسرائيل، وفي عبورهم إلى الشاطئ الآخر حيث مروا ﴿عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]، فهي دروس وعبر ما أحوجنا أن نذكر بها الأبناء، وأن تخضع لمقاييس الفهم الصحيح من الكتاب والسنة.

стр. 177

حرمة تصوير الأنبياء الأمر الثاني: شركة مصرية تبيع كتباً في قصص الأنبياء اسمها ينابيع، وأسأل الله أن يهدي القائمين عليها، نشرت سلسلة قصص من القرآن، ومنها قصة الخضر ﵇ مع موسى ﵇ في رحلة طلب العلم، وصوروا فيها صوراً وقالوا: هذا هو الخضر وهذا هو غلام موسى يوشع بن نون، وهو نبي، فهل يجوز تصوير الأنبياء بصور كاريكاتورية تقدم للأبناء بهذه الطريقة؟ فهل يجوز أن الأنبياء يصورون صوراً فوتوغرافية؟ من الذي قال هذا؟ ومن الذي أفتاهم بهذا؟ فإن الأنبياء منزّهون، ومن ثَمَّ أُحذّر من هذه الكتب لا سيما من المخالفات الاعتقادية التي فيها.

стр. 178

حكم تمثيل الأنبياء والصحابة الأمر الثالث: مجمع البحوث الإسلامية وافق على مسلسل سيد البشر ﷺ ، ولا أدري ماذا سيعرض فيه، ولكن تمثيل الصحابة وتمثيل الأنبياء لا يجوز بإجماع أهل العلم المعتبرين؛ لأن الصحابة لا ينبغي أن يُمثّلوا كما قلنا قبل؛ فأحذّر من هذه الكتب، وأقول: لا ينبغي تصوير الأنبياء في صور فوتوغرافية تُعرض على الأطفال، فهذا إجرام في حق أنبياء الله ورسل الله صلوات الله وسلامه عليهم.

стр. 179

خطر تأويل صفات الله الأمر الرابع: مجلة الأزهر مجلة قيّمة نافعة فيها أبحاث طيبة، لكني فوجئت في هذا الشهر بملحق العقيدة الإسلامية كما جاء بها القرآن الكريم لشيخنا الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله تعالى، وفيها ما يناقض عقيدة السلف حيث يقول الشيخ: وجمهور العلماء على أن آيات الصفات مجازات، فالاستواء مجاز عن الاستيلاء، والعين عن البصر، واليد عن القدرة، والوجه عن الوجود، ومعنى ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] أنها تجري بالمكان الذي أحاطه الله بالكلاءة والعناية والحفظ والرعاية، ثم أخذ يعدد الصفات وأنها مجازات فهل جمهور السلف على هذه العقيدة؟ وهذا الكلام حينما ينشر على أنه معتقد السلف أليس في ذلك تدليساً على الأمة؟ فالسلف آمنوا بالصفات وأثبوتها لله بدون كيف، فقالوا: اليد معلومة وكيفيتها مجهولة، فأثبتوا لله الصفة مع تفويض الكيف، وهذه عقيدة مالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي والأوزاعي والليث وهي عقيدة الصحابة من قبلهم. وحينما دخل من دخل على الإمام مالك وسأله عن الاستواء: ما معنى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]؟ قال مالك ﵀: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، أخرجوا هذا المبتدع، فأخرج من المسجد. فقوله: (الاستواء معلوم)، أي: معلوم المعنى، فإن استوى بمعنى علا وارتفع، وليس استوى بمعنى استولى كما يدرس الآن، استولى عليه من من؟ ورحم الله ابن القيم حينما قال: ولام المعطّلة كنون اليهود، قال الله لهم: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة:٥٨] فقالوا: حنطة، فزادوا نوناً، وقال الله: ﴿اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فقال هؤلاء المعطّلة: استولى. ولكنهم يلقمون حجراً حينما قال الله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] فهل هذا يعني أن يديه بمعنى قدرته؟ فإذا قالوا ذلك فقد أثبتوا لله قدرتين، وقال : ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] فهل معناها: أن قدرة الله فوق قدرتهم؟ وحينما وصل الجعد بن درهم إلى قول الله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] وفي هذه الآية إثبات صفة الكلام وهو لا يريد أن يثبتها، فقال: وكلّمَ اللهَ موسى تكليماً، فجعل موسى هو الذي تكلم مع ربه، فأراد أن يُعطّل صفة الكلام، فلما وصل إلى قول الله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] لم يستطع أن يصنع شيئاً؟ فالقرآن بيّن واضح، والكلام صفة كمال، والله له صفات الكمال، فهل تعبدون إلهاً لا يتكلم؟ فالكلام معلوم، والكيف مجهول، فلا نعلم كيف يتكلم، لكننا نثبت له صفة الكلام. فكونه يُنشر هذا الكلام الذي فيه تأويل الصفات على أنه اعتقاد السلف فهذا ظلم وافتراء على سلف الأمة. وقوله: إنه رأي الجمهور، والله! ما هو برأي الجمهور أبداً، وإنما هو عقيدة الأشاعرة وعقيدة المعطّلة الذين عطَّلوا آيات الصفات فقالوا: إن الله لا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال فأين الله؟ وهل يعبدون عدماً؟ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! فهؤلاء هم الجهمية، وهؤلاء هم الذين عطّلوا صفات الله ، لذلك خالد القسري كان والياً في عهد الجعد بن درهم وبعد أن صلى صلاة عيد الأضحى بالمسلمين قال: أيها المسلمون! فليذهب كل واحد منكم فليضح بأضحيته، أما أنا فسأضحي بـ الجعد بن درهم فهو ضحيتي، وذبحه عند المكان الذي خطب فيه؛ لأنه قال: ما اتخذ الله إبراهيم خليلاً، وما كلم الله موسى تكليماً، فأراد أن يجحد آيات الله، فذبحه عند المكان الذي صلى فيه. فأقول أيها الإخوة الكرام: لا ينبغي أن يُدرّس هذا الكلام، ولا ينبغي أن ينشر على أنه اعتقاد السلف، فهذا خلط للأمور، فليتقوا الله . وأبو الحسن الأشعري في كتابه الإبانة عاد عمّا ذهب إليه، فإن كانوا أشعرية فـ الأشعري قد عاد عن اعتقاده في الأسماء والصفات فليرجعوا إلى ما رجع إليه.

стр. 180

حرمة أعراض العلماء الأمر الأخير: أن تجريح العلماء لا يجوز بحال، ومما ابتليت به الأمة: أن يقع العلماء بعضهم في بعض، وأن نعرّض بهم في المجالس، وأن طويلب العلم يحمل أوراقاً يوزعها بين الناس يُحذّر من علماء الأمة. فأخونا الشيخ محمود المصري أبو عمار لا أعرف عنه إلا أنه سلفي الاعتقاد يدعو إلى الله على بصيرة، فلا يجوز الطعن في العلماء والتعريض وقول: لا تسمعوا لهذا، ولا تسمعوا لها فلمن يسمعوا إذاً؟ لن يبقى هناك أحد، فكل من على الساحة جُرِّح، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فهذا الكلام فليتق الله من يردده، فكفى أن العلماء يُضطهدون من العلمانيين، وكفى أن العلماء يُعرّض بهم من هنا وهناك، فيا أخي! علِّم الناس العلم بدلاً من أن تُفرِّغ نفسك للطعن في إخوانك. وفي الحقيقة هذا الكلام قد يُغضب البعض، ولكني أقوله وأحتسبه عند الله ، فمثل الشيخ محمد حسان وأخونا الشيخ أبو إسحاق شيخنا، وكل من يعمل على ساحة الدعوة إلى الله ممن نثق فيهم وعقيدتهم سلفية، فإن أخطأ أحدهم في لفظ فقد يكون بلا قصد، إنما أن تظل تصطاد الأخطاء اللغوية والأخطاء في المنهج فلا، وإن سمعت شيئاً فراجعه حتى يصحح ما قال، فالمؤمن يستر وينصح، والمنافق يهتك ويفضح، فلا داعي للفضيحة، فراجعه فيما قال ويُسحب الشريط من السوق، ويصحح الخطأ بأدب دون إحداث فتنة، إنما الذي يحزننا هو أن البعض تفرغ لهذه المسألة، حتى إني رأيت بعض الطلبة يحملون أوراقاً للطعن في علماء الأمة وفيها: فلان فيه حلول واتحاد، وفلان سروري، وفلان من الخوارج، وفلان جهمي مرجئي، وما تركوا أحداً إلا وطعنوه، فلمن تستمع الأمة الآن؟ نسأل الله العافية والهداية للجميع.

стр. 181

باب الصبر عند الصدمة الأولى توقفنا عند قول المصنف ﵀: [باب الصبر عند الصدمة الأولى]. ومما ينبه إليه: أن معرفة الإحالات في كتاب البخاري علم مهم، فعلى طالب العلم الذي يريد أن يجتهد في الطلب أن يبحث ويتتبع أطراف الحديث، أي: أن هذا الحديث أخرجه البخاري في عدة مواضع، وهذا يشير إلى الفقه وإلى تعلم الفقه، فإن أردت أن تستفيد فتابع أطراف الحديث في الرواية كما أخرجها البخاري رحمه الله تعالى. قال البخاري: [باب الصبر عند الصدمة الأولى. وقال عمر ﵁: نعم العدلان ونعم العلاوة]. يعني بذلك قول الله : ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٦]. فالذين إذا نزلت بهم مصيبة قالوا: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦] فجزاؤهم: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٧]. فقوله: فنعم العدلان ونعم العلاوة، العدلان في قوله تعالى: ((أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ)) هذا واحد ((وَرَحْمَةٌ)) وهذه العدل الثاني، والصلوات والرحمة في مقابل صبرهم على المصيبة وقولهم: إنا لله وإنا إليه راجعون، وزيادة على ذلك: ((وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ))، وهذا هو العلاوة. ثم أورد البخاري ﵀ قول الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥]. ثم ذكر حديث أنس من طريق محمد بن بشار، وهذا الحديث أخرحه الإمام البخاري في كتاب تفسير القرآن، وأخرجه في كتاب الأحكام في بيعة النساء، وهو قوله ﷺ : (إنما الصبر عند الصدمة الأولى). وقد ذكرنا أن الصبر لغة: هو الحبس. واصطلاحاً هو: حبس النفس على الطاعة، أو عن المعصية، أو على أقدار الله المؤلمة. فالصبر إما حبس على طاعة، وإما حبس عن معصية، وإما حبس على أقدار الله المؤلمة، فالصبر يحمل هذه المعاني كلها، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥].

стр. 182

باب قول النبي ﷺ : (إنا بك لمحزونون) قال ﵀: [باب قول النبي ﷺ : (إنا بك لمحزونون). وقال ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : (تدمع العين ويحزن القلب)]. فللعين البكاء، وللقلب الحزن، (ولا نقول إلا ما يرضي ربنا . ثم أتى بحديث أنس بن مالك الذي هو عند البخاري برقم (١٣٠٣). قال: [حدثنا الحسن بن عبد العزيز حدثنا يحيى بن حسان حدثنا قريش بن حيان عن ثابت عن أنس بن مالك ﵁ قال: (دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القيّن)]. وأبو سيف القين هو زوج من أرضعت إبراهيم بن النبي ﵊، والقيّن هو الحداد، فقد كان يعمل حداداً. قال: [(دخلنا على أبي سيف القين وكان ظئراً لـ إبراهيم)]. الظئر هو: زوج المرضعة، فهو صاحب اللبن. قال: [(وكان ظئراً لـ إبراهيم ﵇، فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبّله وشمه)]. الشم عموماً يجوز، فلو أن امرأة تشك أن ولدها يدخن، فلها عند نومه أن تشم ما يخرج منه من رائحة. قال: [(فقبّله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان -تدمعان- فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁: وأنت يا رسول الله؟)] أي: أن ابن عوف يقول: وأنت يا رسول الله! أيضاً تبكي؟ وهذه من المواضع التي بكى فيها النبي ﷺ . قال: [(فقال: يا ابن عوف! إنها رحمة، ثم أتبعها بأخرى -أي: بدمعة أخرى- فقال ﷺ : إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم! لمحزونون)]. والمقصود: أن الحزن عند نزول المصيبة لا بأس به، والحزن للقلب والدمع للعين، لكن لا تتسخّط على قدر الله، فبكاء العين من رحمة الله ، وقد بكى النبي ﷺ على ولده إبراهيم، وإبراهيم ﵇ هو ابن النبي ﷺ من مارية القبطية، ومات إبراهيم وهو يرضع قبل أن يتم الحولين، مات وهو ابن أربعة عشر شهراً على اختلاف بين العلماء، ولذلك قال ﷺ : (إن ابني مات على الثدي، إن له مرضعة في الجنة، وإن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا إبراهيم! لمحزونون).

стр. 183

باب البكاء عند المريض قال البخاري ﵀: [باب البكاء عند المريض]. البخاري ينوع التبويب، فهنا تارة يبوّب البكاء عند الاحتضار والبكاء عند المريض، ثم أتى بحديث عبد الله بن عمر فقال: [حدثنا أصبغ عن ابن وهب إلى أن قال: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتاه النبي ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص)]. وفي الحديث مشروعية عيادة المريض، وحينما أذكر سعد بن أبي وقاص أذكر اليوم أن قوات الاحتلال الأمريكي دخلت إلى مسجد سعد بن أبي وقاص وعبثت به، والغريب في الخبر أنه يقول: وألقوا المصاحف على الأرض، وهذا ما يصنعه الكفار بكتاب ربنا ، فالعبث بكتاب الله يدل على حقد دفين في قلوبهم، والأمة لا تزال غافلة، نسأل الله العافية. قال: [(وعبد الله بن مسعود ﵃]. وفي الحديث مشروعية عيادة المريض جماعة؛ لأن النبي ﷺ زار سعد بن عبادة في جماعة من أصحابه. قال: [(فلما دخل عليه وجده في غاشية أهله -أي: في كرب وشدة- فقال: قد قضى؟ قالوا: لا يا رسول الله! فبكى النبي ﷺ ] وهذا الموضع الثاني لبكاء النبي ﵊، فإنه بكى عند موت ابنه إبراهيم وبكى عند مرض سعد بن عبادة. قال: [(فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ بكوا)] أي: حينما رأوه بكى ﷺ بكوا، وهذا يسمى عند العلماء بكاء المجاورة، أي: أني رأيتك تبكي فبكيت، وكل دمعة للعين تختلف؛ فدمعة الحزن تختلف عن دمعة الفرح، وتختلف عن دمعة الخوف، وتختلف عن دمعة النفاق، وتختلف عن دمعة المجاملة أو المجاورة، وابن القيم أورد هذه الأنواع من أنواع البكاء، وذُكر لـ شيخ الإسلام أن رجلاً يقع في الصلاة من شدة البكاء، يصلي خلف الإمام فيسمع مثلاً: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر:٨] فيبكي ويقع، قال: ائتوني به وضعوه على حائط، واقرءوا عليه نفس الآيات التي قرئت في الصلاة، فإن وقع فهو صادق، فلما جاءوا به وضعوه على حائط، وقرءوا نفس الآيات فلم يتحرك. إذاً: هو إنما وقع نفاقاً وليس صادقاً، أعاذنا الله من ذلك، وهذا كما يفعل البعض في الصلاة يبكي، فإذا سألته: لم تبكي؟ قال: تذكرت أبي ﵀، وإذا سألت آخر: لم تبكي؟ قال: من بجواري بكى فأبكي لبكائه! ولا يجوز رفع الصوت بالبكاء، ففي مساجد السنة نرى في رمضان العجب، فالبعض ينوح في الصلاة، وهذا مخالف للسنة، فقد كان ﷺ يبكي دون أن يسمعه أحد، وإنما كان لصدره أزيز كأزيز المرجل، وكان السلف يوارون الدمعة، حتى كان بعضهم إذا غلبته العبرة يقول: ما أشد الزكام، أي: أنه يريد أن يداري أنه بكى من خشية الله، حتى لا يدخله العجب ولا الرياء. فلا بد أن نراعي هذه النقطة، فلا ترفعوا أصواتكم بالبكاء، ولا حرج أن تبكي لكن ابك دون أن ترفع صوتك بالبكاء. قال: [(فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ بكوا فقال: ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يُعذّب بهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم)] يُعذِّب باللسان إن قال شراً، ويرحم إن قال خيراً. قال ﷺ : (وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه). وكان عمر ﵁ يضرب فيه بالعصا ويرمي بالحجارة ويحثي بالتراب. أي: أن عمر ﵁ كان يمسك بعصا، فمن يبكي بنياحة أو بشق للجيوب كان يضربه بالعصا أو يرميه بالحجارة، أو يحثو على رأسه التراب، وغالب الناس في غالب الأحيان يبكي بشكل غير شرعي، ولذلك نحذر من هذا، ولا سيما النساء.

стр. 184

باب ما ينهى من النوح والبكاء والزجر عن ذلك قال البخاري ﵀: [باب ما ينهى عن النوح والبكاء والزجر عن ذلك]. ثم أتى بحديث فقال: [حدثنا محمد بن عبد الله إلى أن قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: (لما جاء قتل زيد بن حارثة وجعفر وعبد الله بن رواحة جلس النبي ﷺ يُعرف فيه الحزن، وأنا أطّلع من شق الباب فأتاه رجل فقال: يا رسول الله إن نساء جعفر وذكر بكاءهن، فأمره بأن ينهاهن، فذهب الرجل)]. البكاء الذي نهي عنه هو البكاء الذي فيه رفع الصوت وفيه نياحة، فحينما مات جعفر بن أبي طالب بكته نساؤه، فأمره أن ينهاهن. قال: [(فذهب الرجل ثم أتى فقال: قد نهيتهن، وذكر أنهن لم يطعنه، فأمره الثانية أن ينهاهن، فذهب وقال: والله! لقد غلبنني أو غلبننا) الشك من محمد بن حوشب، فزعمت أن النبي ﷺ قال: (فاحث في أفواههن التراب، فقلت: أرغم الله أنفك، فوالله! ما أنت بفاعل وما تركت رسول الله ﷺ من العناء)]. ثم أتى بحديث آخر من طريق أم عطية قالت: (أخذ علينا النبي ﷺ عند البيعة ألا ننوح)] وبيعة النساء ذكرها الله في سورة الممتحنة بكسر الحاء وبفتحه، تسمى سورة الممتحَنة، أو سورة الممتحِنة، فيها ذكر بيعة النساء حينما جئن لمبايعة النبي ﷺ ، وكانت معهن زوجة أبي سفيان واسمها هند، وكانت تلبس النقاب، فلم يعرفها النبي ﷺ إلا من صوتها، وهذا فيه مشروعية النقاب، وكانت تراجع النبي ﵊، فلما قال لهن: (ولا تزنين) قالت: أوتزني الحرة؟ أي يستحيل أن تزني المرأة الحرة، فتجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، ومعناه: أن المرأة الحرة لا تطلب الرزق بالرضاعة، يعني: لا تأخذ على الرضاعة أجراً، فعرفها النبي ﷺ من صوتها فقال: (أنتِ هند، فقالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح لا ينفق عليّ ولا على أولاده، أفآخذ من ماله يا رسول الله؟! قال: خذي ما يكفيك وولدكِ بالمعروف) ولما ذكر ﷺ قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء:٣١] قالت: (يا رسول الله ربيناهم صغاراً وقتلتموهم كباراً، فضحك عمر حتى استلقى على قفاه ﵁ ففي الحديث أن هند لم يعرفها النبي ﷺ إلا من صوتها، ولم يعرفها من وجهها، ففيه مشروعية النقاب، ولكن تجد من يقول: النقاب عادة جاهلية وليس من شريعة رب البرية. فنقول لهم: ماذا تقولون في هذا الحديث؟ وأنا لا أعرف هؤلاء كيف لا يتقون ربهم في هذه النصوص الواضحة البيّنة؟ فقولهم ليس من دين الله في شيء وإنما هو من الجاهلية الأولى، هذا إجرام والله الذي لا إله غيره، إجرام في حق الشرع، وإجرام في حق العلم، ومن العجيب أن هذا يقوله بعض الذين ينسبون إلى العلم ظلماً وزوراً؛ لأنهم خانوا العلم، وقبل ذلك خانوا ربهم . قالت أم عطية: (أخذ علينا النبي ﷺ عند البيعة ألا ننوح) أي: أنه أخذ عليهن عند البيعة عدم النياحة. قالت أم عطية: فما وفت منا غير خمس نسوة أي: ما وفّت بهذه البيعة إلا خمس، والباقي لم يوفين. قالت: (أم سليم وأم العلاء وابنة أبي سبرة امرأة معاذ وامرأتين، أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ وامرأة أخرى). وفي الحديث أن غالب النساء ينحن، إلا من رحم الله، وأم عطية تقول: فما وفّت منا إلا خمس، والباقي لم يوفين بعدم النياحة، لذلك الإنسان عند موت قريبه يحتاج إلى صبر.

стр. 185

باب القيام للجنازة قال البخاري ﵀: [باب القيام للجنازة]. فقه الجنائز من أهم أنواع الفقه؛ لوجود موضوعات هامة فيه، منها رفع اليد، ورفع اليد في التكبيرات الأربع مشروع، وهو الذي عليه عمل الصحابة؛ لأني أجد في بعض مساجد السنة يقول الإمام -وهو يحسب أنه يُحسن صنعاً-: لا ترفعوا أيديكم إلا في التكبيرة الأولى! فمن أين جئت بهذا الكلام؟ وكيف تأمر الناس به؟ قال الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى في تعليقه على فتح الباري لـ ابن حجر: إن الرفع هو الأصل من عمل الصحابة. وذكر ابن باز ﵀: أن حديث رفع اليدين في صلاة الجنازة أخرجه الدارقطني في العلل بإسناد جيد عن ابن عمر مرفوعاً وصوب وقفه؛ لأنه لم يرفعه سوى عمر بن شبة، والأظهر عدم الالتفات إلى هذه العلة؛ لأن عمر المذكور ثقة فيُقبل رفعه، ويكون ذلك دليلاً على شرعية رفع اليدين في تكبيرات الجنازة. ثم الصلاة على الجنازة داخل المسجد وخارج المسجد، وهكذا القيام للجنازة والصلاة على الغائب، كل ذلك من فقه الجنائز. أسأل الله أن يتقبل منا ومنكم.

стр. 186

سلسلة شرح صحيح البخاري [١٣] لقد كرم الإسلام الإنسان حياً وميتاً فشرع للأحياء غسل الأموات وتكفينهم ودفنهم وتشييعهم والإسراع في المشي بالجنازة.

стр. 187

من آداب طالب العلم مع شيخه الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله. أما بعد: فأيها الإخوة الكرام الأحباب! هنا نقطتان هامتان ننبه عليهما: الأولى: أنه ينبغي على طالب العلم إذا أشكل عليه شيء مما سمعه أن يراجع الشيخ؛ ليفهم المراد، بدلاً من أن ينقل نقلاً خاطئًا مغلوطاً ويشيع الفتنة، ويتناقل أن الشيخ قال كذا وكذا. فهذا ليس من آداب طلب العلم، وإنما ينبغي عليه أن يراجع ويفهم المقصود، وإن أخطأ الشيخ فلا بأس أن يصحح، فكل يؤخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم ﷺ . لذلك ما أحوجنا إلى أن ندرس كتاب: حلية طالب العلم للدكتور بكر أبو زيد! وكان ينبغي أن نخصص له مجالس لنتعلم سوياً آداب طلب العلم. ذكرنا قبل أنه لا يجوز أن نشتري علبة السمن مغلقة، فأحدث هذا جدلاً عند البعض، لكنه لو صبر قليلاً لعلم أن المخرج أن يشتري بالخيار، والبائع والمشتري بالخيار ما لم يتفرقا؛ أي: تتفرق الأبدان، هذا قول جمهور الصحابة، فإن قلت للبائع: أشتريها منك بشرط إن كان بها عيب أن تعود إليك في مدة كذا، وقبل، فأنت بالخيار أن تعيد السلعة إليه. فالمخرج أن تشتري بالخيار، ومعنى الشراء بالخيار: أنك تشترط عليه: أنه إذا بدا فيها عيب أن تردها إليه، أما أن تردها وإما أن تحصل على فرق يسميه العلماء: الأرش. ومعنى الأرش: الفرق بين السلعة وهي صحيحة والسلعة وهي معيبة، فإذا كانت السلعة صحيحة بعشرة ومعيبة بخمسة، فيكون الفرق خمسة، فمن حقك إما أن ترد السلعة أو أن تحصل على أرش يسمى عند العلماء أرش العيب. فكان من الممكن أن الأخ ينتظر إلى أن نأتي إلى باب الخيار في فقه البيوع ولا يشغل نفسه بقضية السمن، ويتصل يميناً ويساراً وشرقاً وغرباً، ويراجع العلماء والشيخ قال: السمن، فما هذا يا عبد الله؟! النقطة الثانية: هناك قضايا تعرض علينا بين الزوجات والأزواج فننظر إلى الواقع وبناءً على الواقع نتحدث، فمثلاً: أمر النقاب ربما يكون فيه إما الطلاق وإما النقاب، فنحاول أن نهدئ من الروع وأن نحل المشكلة، وليست فتوى وإنما هي حل لمشكلة، فالبعض يأخذ هذا الكلام على أنه فتوى، يعني: المشكلة عندنا الآن إما أن نحضر المأذون وأن نطلق في الحال أو نهدي ونحاول أن نصلح صلحاً يسيراً لعل الأمور تمر، فهذا يصر على رأي وهي تصر على رأي، فهل من الحكمة أن نقف مع أحد الطرفين قولاً واحداً ثم يقول: سأطلِق وتقول: طلق. هل من الحكمة أن نرسل إلى المأذون ليطلق قولاً واحداً؟ هذه ليست فتوى. والبعض أيضاً يراجعنا في هذه الأسئلة: أنت قلت كذا وقلت كذا في مشكلة كذا، فأقول: هناك فرق بين الفتوى والقضاء، لكن لا أدري، يبدو أن القاهرة الكبرى تعلمت الفتن وتمرغت فيها فتجد النقص والطعن وقلب الحقائق، وهذا ليس من الأدب مطلقاً. فينبغي أن تراجع في المسألة من تكلم فيها، ولا تخبر أحداً بها إلا بعد أن تراجع الشيخ، وتسأله: ماذا تقصد؟ ماذا تريد؟ لكننا الآن نسمع ونبلغ، فتبلغ الكلمة الآفاق، وربما يسمع خطأً ويبلغ خطأً وتحدث مشكلة بدون مشكلة. وحينما يتصل أحد الإخوة ويقول: قال العالم الفلاني كذا، أقول له: لابد أن أتثبت من قولك من ذات العالم؛ لأن هذا الكلام عادة ينقل إما خطأً في السماع، وإما يُفهم فهماً خاطئاً، وهذا كثير، وحدث عنه ولا حرج، بل هو الغالب الأعم.

стр. 188

باب القيام للجنازة قال الإمام البخاري: [باب القيام للجنازة]. هناك فرق بين القيام للشيء، والقيام إلى الشيء، والقيام على الشيء، وهذا مهم جداً، وابن تيمية يفرق كما في مجموع الفتاوى، فتجد بعض الناس إذا جاء يسلم عليه أحد الناس يسلم عليه وهو جالس متكئ ويقول: قال رسول الله ﷺ : (من أحب أن يتمثل الناس له قياماً فليتبوأ مقعده من النار)، وهذا فهم سقيم، فيسلم على العالم ويسلم على الأب بهذه الطريقة وهو جالس، ويفهم أن النص معناه: ألا يقوم لأحد وألا يسلم عليه، فهناك فرق كبير بين القيام للشيء والقيام إلى الشيء والقيام على الشيء. والنبي ﷺ قال: (من أراد أن يتمثل الناس له قياماً)، والمعنى: أن أجلس على كرسيي هذا وأتلذذ بوقوفك، وحينما تريد أن تجلس أقول: أأمرتك أن تجلس؟ قف. هذا هو المنهي عنه: أن يقوم الرجل وأنا آمره بالقيام وأنا جالس وإذا أراد أن يجلس أمنعه من الجلوس. أما إذا جاء من سفر بعيد فهل يجوز أن أقوم له أم لا؟ أقوم له لا بأس، أو دخل شيخ عالم جليل فأقوم من مجلسي لأصافحه، ليس فيها مخالفة أبداً، أو جاء رجل كبير وقدم إلينا لا بأس أن نقوم ونسلم عليه، ففقه الحديث مهم. قال البخاري: [باب القيام للجنازة: حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان حدثنا الزهري عن سالم عن أبيه عن عامر بن ربيعة: عن النبي ﷺ قال: (إذا رأيتم الجنازة فقوموا حتى تخلفكم)]. يعني: تكون وراء ظهوركم أو توضع. ومعنى الحديث: أن النبي ﵊ يأمر من لم يمش مع الجنازة ومرت عليه جنازة وهو جالس من السنة أن يقوم لها، ولذلك البخاري بوب: باب القيام للجنازة. ثم ذكر حديث عامر بن ربيعة ﵁: عن النبي ﷺ قال: (إذا رأى أحدكم جنازة فإن لم يكن ماشياً معها فليقم حتى يخلّفها أو تخلّفه أو توضع من قبل أن تخلفه)]. والمعنى: إن من لم يكن ماشياً مع الجنازة فمن السنة أن يقوم لها، وقد قام النبي ﷺ لجنازة يهودي وقال: (أليست نفساً؟). ومعنى ذلك كما قال ابن حجر في الفتح معلقاً: والقيام للجنازة إما لتعظيم الموت -يعني: لعظم مصيبة الموت وتذكر الموت- وإما لعظم الملك الذي نزل بأمر الموت تعظيماً لأمره. قال البخاري ﵀: [عن سعيد المقبري عن أبيه قال: (كنا في جنازة فأخذ أبو هريرة ﵁ بيد مروان فجلسا قبل أن توضع، فجاء أبو سعيد ﵁ فأخذ بيد مروان وهو جالس فقال: قم، فوالله! لقد علم هذا أن النبي ﷺ نهانا عن ذلك)]. فلماذا جلس أبو هريرة رغم علمه؟ جلس ليبين أنها سنة وليست على الوجوب وإما أن يكون قد نسي، وهذا وارد، والذاكر حجة على الناسي كما يقول علماء الأصول، لذلك أبو سعيد ﵁ أخذ بيد مروان فقال: (قم، فوالله! لقد علم هذا أن النبي ﷺ نهانا عن ذلك)، أي: نهانا أن نجلس قبل أن توضع الجنازة. وأين توضع: في القبر أم على الأرض؟ الراجح أن المراد توضع على الأرض؛ لأنني سمعت من البعض يقول: قبل أن تدخلها القبر، وهذا موجود في بعض كتب الفقه، لكن الراجح: قبل أن توضع على الأرض. وفي الحديث: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن أبا سعيد رأى أمراً يخالف السنة فذكر الناس به وقام إلى مروان وأخذ بيده وجذبه حتى أقامه، وقال: والله! لقد علم هذا أن النبي ﷺ نهانا عن أن نجلس قبل أن توضع الجنازة. وفي الحديث: مشروعية الجلوس بعد وضع الجنازة على الأرض.

стр. 189

باب من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال فإن قعد أمر بالقيام قال البخاري ﵀: [باب من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال فإن قعد أمر بالقيام]. وقوله: (عن مناكب الرجال) معناه: أن الذي يحمل الجنازة هم الرجال وليس النساء. ويذكرني ذلك بمخالفة شرعية رأيتها في بور سعيد وهي: أنهم يحملون الجنازة في سيارة، لا لعلة وإنما هذا دأبهم، فتحمل الجنازة في سيارة والناس تسير من طريق والجنازة من طريق ويلتقون في المقبرة، فلا تشييع لجنازة ولا شيء، ثم في المقابر ترى العجب! وهذا موجود الآن في بعض البلدان أيضاً، فالقبر له باب حديد وقفل فيفتحون الباب ثم يضعون الميت ثم يغلقون وينصرفون!! فالمطلوب أن نسير خلف الجنازة؛ لأن اتباع الجنازة يذكرنا الموت. فقوله: (حتى توضع عن مناكب الرجال) فيه أن الجنازة تحمل على مناكب الرجال، إلا أن تكون هناك علة، كأن تكون المسافة طويلة جداً، أو يكون الميت بديناً لا يقوى أحد على حمله أو غير ذلك، أما أن تحمل بغير علة بهذه الطريقة فهذا يخالف السنة. ثم ذكر البخاري حديث: (إذا رأيتم الجنازة فقوموا فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع).

стр. 190

باب من قام لجنازة يهودي قال البخاري ﵀: [باب من قام لجنازة يهودي: حدثنا معاذ بن فضالة إلى أن قال: عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (مر بنا جنازة فقام لها النبي ﷺ فقمنا معه فقلنا: يا رسول الله! إنها جنازة يهودي؟ قال: إذا رأيتم الجنازة فقوموا)]. ثم أتى بحديث آخر: حديث [عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: (كان سهل بن حنيف وقيس بن سعد قاعدين بالقادسية فمروا عليهما بجنازة فقاموا، فقيل لهما: إنهما من أهل الأرض، أي: من أهل الذمة. فقالا: إن النبي ﷺ مرت به جنازة فقام فقيل له: إنها جنازة يهودي. فقال: أليست نفساً؟)]. ثم قال: [وقال زكرياء عن الشعبي: كان ابن مسعود وقيس يقومان للجنازة. ] كل هذا أورده الإمام البخاري ليستدل على مشروعية القيام للجنازة. وبعض العلماء قالوا: إن القيام للجنازة منسوخ، يعني: أن حكمه نسخ، يعني: أزيل، ومعرفة النسخ مهم جداً. والبعض يظن أن النسخ يعني البداء، يعني: أن الله كان لا يعلم ثم علم، وهذا قول اليهود، فاليهود يقولون بعدم النسخ؛ لأن النسخ يعني: البداء، يعني: عدم العلم، فقالوا: إن النسخ لا يمكن أن نقبله على اعتبار أن الله يعلم، وعلم الله أزلي، فمعنى أن نقول: إنه نسخ، أننا نتهم الله بعدم العلم. وعلى النقيض من اليهود الشيعة الرافضة قالوا بجواز البداء على الله، وأن الله كان لا يعلم ثم علم، وللأسف رأيت في أخبار اليوم مقالاً للدكتور عمارة يدندن فيه على أنه لا فرق بين الشيعة والسنة، وهذا كلام خطير جداً، ويقول: شيعة حنابلة شافعية مالكية كلنا واحد، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فوضع الشيعة مع الاختلاف المذهبي، مع أن اختلافنا مع الشيعة اختلاف في غالب الأصول: عقيدة الرجعة، عقيدة المهدي المنتظر، يطعنون في القرآن الذي بين أيدينا اليوم، يسبون أصحاب النبي ﷺ ، وحدث ولا حرج عن عقائدهم الفاسدة. وليس معنى ذلك أننا نفرّق الأمة، بل نحن نقول بوحدة الأمة في مواجهة العدو، لكن مع الحفاظ على الفروق، يعني: إن جاء عدو إلى بلادنا نتحد جميعاً في دفعه سنة وشيعة، لكننا نؤمن إيماناً جازماً أن هناك فرقاً بيننا وبينهم؛ لأن بعض الناس يقولون: أنتم تفرقون، والأمة الآن في حاجة إلى تجميع لصد العدوان، وهذه كلمة أريد بها باطل. ولما قامت ثورة الخميني أقاموا لها الدنيا، وأنا أذكر أنهم صوروه لنا على أنه مخلص جاء ليخلص الأمة، وإذا عدت إلى كتابه: (الحكومة الإسلامية) تجد أنه كتب فيها بالحرف الواحد: زيارة قبر الإمام عندنا تعدل حج البيت سبعين مرة. وهذا كلام لا يمكن أبداً أن يقبل. وكذلك عندهم العصمة للأئمة، فالإمام له العصمة أكثر من الأنبياء، فالأئمة أفضل من الأنبياء كما يزعمون، وهذا الكلام ليس هذا محله، لكنني أردت أن أنبه للخلط المقصود المتعمد من البعض. فدعوى النسخ تحتاج منا إلى دليل، والدليل هو معرفة المتقدم والمتأخر، يعني: معرفة التاريخ، ولذلك هناك مبحث في النسخ اسمه: كيف يعرف النسخ؟ والنسخ يعرف إما بطريق توقيفي، بخبر ظاهر يدل على النسخ مثل قوله ﷺ : (ألا إني كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزورها)، فهذا واضح في نسخ عدم الزيارة، وإما بعلم التاريخ، فمن ادعى النسخ فلابد أن يأتي بتاريخ يدلل به على أن هذا متقدم على هذا بالتاريخ، فدعوى النسخ لا تقبل إلا بهذه الطريقة.

стр. 191

باب حمل الرجال الجنازة دون النساء قال البخاري ﵀: [باب حمل الرجال الجنازة دون النساء]: وأتى بحديث لـ أبي سعيد ﵁ فيه: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها! أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعه صعق). وهل تقول الجنازة هذا بلسان الحال أم بلسان المقال؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: هو كناية عن عمله الصالح. ومنهم من قال: إنه يتكلم بالفعل دون أن يسمعه الإنسان؛ لقوله: (يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان)، وعذاب القبر يسمعه كل شيء إلا الثقلين. والأصل في النساء التستر، وحمل المرأة للجنازة يتنافى مع البراءة الأصلية، ويتنافى مع أصل تستر المرأة؛ فإنه يجب على المرأة أن تستر نفسها، لذلك إذا حملت الجنازة قد تظهر مفاتنها، فهنا نقول: إن حمل الجنازة يكون للرجال دون النساء.

стр. 192

باب السرعة بالجنازة قال البخاري ﵀: [باب السرعة بالجنازة: وقال أنس ﵁: أنتم مشيعون، وامش بين يديها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها. وقال غيره: قريباً منها]. ثم أتى بحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن يك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم). من السنة أيضاً عند حمل سرير الجنازة: الإسراع بها، والجنازة تحمل في سرير وليس في تابوت مغلق كالذي نراه الآن في بعض القرى حيث يعدون نعشاً ثم فوق النعش صندوق له غطاء خشبي، ثم فوق الغطاء مفرشاً، كل هذا ليس من شرع الله سبحانه، إنما يحمل الميت على سرير. ومن الموضوعات الخلافية: هل نمشي أمام الجنازة أم خلفها أم عن يمينها أم عن يسارها؟ الجمهور على أن المشروع هو المشي أمامها، ولكن الراجح من أقوال العلماء: أنه يجوز أن تمشي أمامها أو خلفها أو عن يمينها أو عن يسارها؛ لأن الكل مشيع، وهذا كله يجوز؛ لأنه ثبت ذلك عن أصحاب النبي ﷺ . وابن حجر يقول: الجمهور على أن المشي أمامها أفضل. وهناك طالب علم في دار العلوم تتبع مسائل الإجماع عند ابن حجر في الفتح، وكلما قال: أجمع العلماء، استخرج هذا الإجماع، فكل الإجماعات في فتح الباري نقلها ثم تتبعها بعد ذلك وبحث هل دعوى الإجماع هذه صحيحة أم غير صحيحة، وهذا جهد كبير؛ فإن الفتح ثلاثة عشر مجلداً يلزمه أن يقرأها جميعاً بتأن، ثم كلما قال ابن حجر: وأجمع العلماء على كذا، ينقل ذلك. ولذلك هذا الكتاب فيه رسائل جامعية عديدة منها: المسال الاعتقادية عند ابن حجر، وهذا يحتاج إلى جهد لا سيما أنه يؤول بعض الصفات في مواضع ويخالف منهج السلف، والفتح في ثلاثة عشر مجلداً وذلك يتطلب منك أن تتبع عقيدة ابن حجر في شرح كل حديث أشار فيه إلى مسألة عقدية، وهكذا في مسائل الإجماع تبحث أيضاً، وفي مسائل الجمهور تبحث أيضاً، فانظر إلى هذا الجهد المبذول من طلاب العلم، هؤلاء هم طلاب العلم. ثم قال البخاري ﵀: [باب قول الميت وهو على الجنازة: قدموني]. ثم جاء بالحديث الذي ذكرناه وبعد ذلك جاء بباب: [من صف صفين أو ثلاثة على الجنازة]، وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.

стр. 193

الأسئلة

стр. 194

حكم الدفن وزيارة القبور ليلاً السؤال هل يجوز أن ندفن بالليل أو نذهب إلى زيارة القبور بالليل؟ الجواب يجوز أن ندفن بالليل؛ لأنه ثبت أن بعض الصحابة دفنوا بالليل، وهذا ليس فيه مخالفة، أما الذهاب إلى القبور في الليل فقد ثبت أيضاً أن بعضهم كان يذهب لزيارة القبور ليلاً، وليس فيه نهي.

стр. 195

حكم وضع العدسات الملونة في العين للرجل السؤال ما حكم أن يضع الرجل العدسات الملونة في عينه دون ضرورة؟ الجواب هل الرجل يضع في عينه عدسات ملونة؟ يعني: أنا أرى أن التعبير بالرجل فيه مجاز؛ لأن الرجل لا يغير لون عينه. وأحياناً أرى بعض الرجال عند بعض الحلاقين يأمر الحلاق أن يستخدم الفتلة في ترفيع حاجبه، فلما تكلمه يقول لك: النبي ﷺ قال: (لعن الله النامصة والمتنمصة)، ولم يقل: النامص، فالأمر للنساء! فنقول: الأمر خرج للنساء؛ لأن النساء يحتجن إلى التزيين، فإذا نهى النساء عن النمص فمن باب أولى الرجل. ويذكرني ذلك بأحد الخلفاء العباسيين لما أرسل إلى امرأة تدعي أنها نبية، فقال لها: ألا تعلمي أنه لا نبي بعد النبي ﷺ ؟ فقالت: نعم، فهو القائل: (لا نبي بعدي)، ولم يقل: لا نبية بعدي، فضحك الخليفة واستلقى على قفاه وعلم أنها مخبولة؛ لأن الله لا يرسل الأنبياء إلا رجالاً، فكونها تحمل هذا اللفظ بهذه الطريقة إذاً هي لا تفهم. فأقول: طالما أننا حرمنا العدسات الملونة على النساء فمن باب أولى على الرجال.

стр. 196

حكم استخدام الجن في معالجة المس والسحر وتعيين مكان الضائعة السؤال هل يجوز تسخير الجن لمعالجة المس والسحر ومعرفة مكان عمل السحر لإبطاله وأماكن الأشياء المفقودة؟ الجواب لا، وقد أشار إلى ذلك كثير من العلماء، وذكروا أن استخدام الجن لا يجوز؛ لأنها خاصية لا تكون إلا لنبي الله سليمان الذي قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥].

стр. 197

شرح حديث: (اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد) السؤال ما معنى حديث: (اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد)؟ الجواب الماء معروف، والثلج: هو الماء المجمد، والبرد: هو الثلج الذي ينزل مع المطر، والحديث في البخاري: قال ابن حجر في الفتح معلقاً على هذا الحديث: لماذا جمع الثلاثة في قوله: بالماء والثلج والبرد؟ قال: لأن المعاصي لها حرارة، فالماء يطفئها، والثلج أشد في إطفائها يذهبها, والبرد كذلك أيضاً، فجمع النبي ﷺ بين الثلاثة في إطفاء حرارة المعصية.

стр. 198

حكم أخذ الشعر الذي ينبت تحت العين وفوق اللحية السؤال ما حكم أن يأخذ الرجل من الشعر الذي ينبت تحت عينه وليس من اللحية؟ الجواب لا بأس؛ لأن الشعر الذي ليس من اللحية ليس في أخذه شيء.

стр. 199

حكم صلاة الوتر قبل قيام الليل السؤال هل يجوز لي أن أصلي الوتر قبل قيام الليل؟ الجواب إن صليت الوتر في أول الليل فلا يجوز لك أن توتر مرة ثانية.

стр. 200

حكم قراءة القرآن في قيام الليل من المصحف السؤال هل يجوز لي أن أختم القرآن قراءة من المصحف في القيام؟ الجواب نعم، يجوز.

стр. 201

حكم الإشارة بالسبابة عند مرور الجنازة السؤال هل الإشارة بالسبابة عند مرور الجنازة أو عند دخولها المسجد من السنة؟ الجواب لا. ليست من السنة.

стр. 202

حكم الإشارة بالسبابة في الصلاة عند ذكر لفظ الجلالة السؤال هناك من يشير بالسبابة داخل الصلاة وهو واضع يديه اليمنى على اليسرى وهو قائم عند ذكر لفظ الجلالة أثناء قراءة القرآن، فهل هذا من السنة؟ الجواب هذا ليس من السنة، فكون بعض الناس حين يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، يشير بالسبابة، أو حين تمر الجنازة يشير بالسبابة، هذا ليس من السنة.

стр. 203

سلسلة شرح صحيح البخاري [١٤] يشرع في صلاة الجنازة تكثير الصفوف عليها وتكثير المصلين، كما أنه يجوز صف الصبيان في صلاة الجنازة بجانب الرجال، ولا حرج في ذلك.

стр. 204

أهمية تهذيب سلوك المسلم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين. ثم أما بعد: هناك أمور كثيرة يجب أن نبينها قبل أن نشرع في درس صحيح البخاري في باب الصلاة على الغائب وما بعده: الأمر الأول: أن العبادات -الصلاة والصيام والزكاة والحج- شرعت لتهذيب سلوك المسلم، فالمسلم ينبغي أن يتحلى بالسلوك الحسن ويعرف به، في أسرته، في معاملته لزوجته، في طريقه العام، في مشيته، حتى يعرف بسلوكه ويقال: هذا مسلم من سلوكه، وبعضهم تجد أن سمته الخارجي التزامي، وسمت السلوك لا يترجم عن هذا الالتزام بحال، لذلك أحببت أن أذكر بهذا لأهميته؛ فإن السلوك الحسن مطلوب حتى مع العصاة، وانظروا إلى النبي ﷺ كيف كان يعامل العصاة، قال : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]، وبعض الإخوة حينما يرون امرأة متبرجة تجد أحدهم ينظر إليها وقد قطب جبينه، ثم يرفع صوته ويقول: لعنة الله عليك يا فاسقة. فيزرع في قلبها الحقد والحسد والضغينة، ولا يتذكر قول الله : ﴿كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٩٤]، فمن منا ولد من بطن أمه على الالتزام؟ لا أحد. فينبغي علينا أن ننظر إلى العصاة نظرة رحمة ونظرة رفق، ولذلك كان النبي ﷺ يعامل العصاة برفق ورحمة، فهذا الرجل الأعرابي الذي دخل المسجد وتبول فيه عامله برفق، وكم أكرر: لو أن رجلاً الآن دخل إلى المسجد وتبول فيه ماذا سنصنع به؟ سننهال عليه بالأحذية والخشب وكل ما نجد، لكن النبي ﷺ قال: (لا تقطعوا عليه بوله) ثم قال: (أريقوا عليها سجلاً من ماء)، ففي هذه القصة يعلمنا الحبيب الحكمة وعدم الغلظة في التعامل مع الناس. ثم أيضاً من الأمور الهامة أنني قد أكون ملتزماً وزوجتي غير ملتزمة أو زوجتي التزمت وأنا غير ملتزم، يعني: عندي تقصير في بعض الواجبات الشرعية، فينبغي أن يحرص بعضنا على بعض، فبعد التزامي وزوجتي لا تزال على أول عهدها لا أقول: أنت إلى جهنم! أو اخرجي يا فاسقة! أو نحو ذلك؛ إذ لا يصح التعامل مع الزوجة بهذا الأسلوب، وإنما آخذ بيدها إلى الطاعة، وأحببها في الطاعة. وهكذا قد تجد أختاً التزمت وكانت قبل الالتزام تتجمل لزوجها وتبتسم له وتحسن التبعل في حال التبرج، وبعد أن منَّ الله عليها بالالتزام إذا كلمها ترد عليه: أنت لا تتكلم معي؛ لأنك مبتدع ضال! ونحو ذلك، فليس معنى أن الزوج إذا كان في معصية ألا تحسني معاشرته وألا تحسني معاملته؛ فالإسلام يعلمنا السلوك، ولذلك تأتيني شكاوى كثيرة بهذا الشأن. فأقول: ينبغي على المسلم إذا سئل عنه جاره أن يقول: نعم الجار، يعودني إذا مرضت، ويعطيني إذا احتجت ويقف بجواري إذا كنت في أزمة، ويلقي علي السلام في ذهابه وإيابه، أما أن يمر وهو مكشر ويرجع وهو مكشر ويعامل الناس بهذه الغلظة فهذه ليست دعوة، بل هي تنفير للناس، ففي البخاري: (أن رجلاً قال: يا رسول الله! لا أكاد أدرك صلاة الجماعة في الفجر؛ لأن فلاناً يطول بنا)، يعني: يقرأ طويلاً والرجل لا يتحمل هذه الإطالة فيتخلف عن الجماعة، قال: (فغضب النبي ﷺ واحمر وجهه، وقال: إن منكم لمنفرين)، وصلاتنا الآن وسط في كل مساجدنا، وإنما الإطالة أن الرجل قرأ بالبقرة وآل عمران وأطال كثيراً، فلا يفهم أحد أن الإطالة على مفهومه هو. وحزب المنفرين منتشر، ولذلك أريد أن نبتسم في وجه الناس جميعاً، وأن نلقي السلام، وأن نساعدهم في مشاكلهم، فالالتزام ليس معناه أن تكون في عزلة وتغلق على نفسك، فأصحاب السجن قالوا ليوسف ﵇: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٣٦]، فكيف تعرف أصحابه في السجن على سلوكه، وكيف شهدوا له أنه محسن؟ من المؤكد أنه تحبب إليهم وحببهم في دعوته، فقد كان يخاطبهم: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف:٣٩]، يعني: يا أصحابي في السجن! فانظروا إلى لغته كيف يتحبب إليهم بهذا اللفظ ثم يدعوهم إلى الله: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٣٩ - ٤٠] وبعد أن بين لهم التوحيد قال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ﴾ [يوسف:٤١] ولم يحدد الأول والثاني باسمه، حتى يراعي شعور ساقي الملك، مع أن الملك هو الذي وضعه في السجن، فيا لها من دعوة! ويا ليتنا نتعلم الرأفة والرحمة والحكمة في الدعوة إلى الله

стр. 205

الرد على من يتهكمون بالدعاة إلى الله جاءتني ورقة من جريدة هابطة عرفت بمستواها الهابط، ولا أدري لماذا نروج لهذه الصحف، يقول الكتاب فيها: صانع المتطرفين في مصر، ويتهم الشيخ محمد حسين يعقوب بأنه صانع المتطرفين! ونحن نقول: وأنتم صناع الدعارة، ولا أقول لكم إلا قول النبي ﷺ : (إذا لم تستحي فاصنع ما شئت)، فالدعاة يحاربون بالأقلام المسمومة، ويكفي أن يحارب الدعاة من هؤلاء، لكننا الآن نحارب الدعاة من بيننا، وهذه مصيبة كبيرة أخرى.

стр. 206

حكم الموسيقى الأمر الأخير: أرسل أحدهم ورقة فيها أن هناك فتوى نشرت: أن الموسيقى الهادئة حلال، فهذا المفتي أفتى أن الموسيقى الهادئة حلال، والعجيب في الفتوى أنه ذكر أنها تهدئ الأعصاب! وأقول: شر البلية ما يضحك، فالموسيقى التي أجمع العلماء على تحريمها تقول فيها: إنها حلال! ماذا أقول؟ لا أقول إلا: إن الأمر قد وسد إلى غير أهله.

стр. 207

باب من صف صفين أو ثلاثة على الجنازة خلف الإمام قال البخاري ﵀: [باب من صف صفين أو ثلاثة على الجنازة خلف الإمام]. فلازلنا مع كتاب الجنائز، وكتاب الجنائز في البخاري من أهم الكتب، وقوله: (من صف صفين أو ثلاثة على الجنازة خلف الإمام) يعني: أن من السنة أن نقف صفوفاً عند الصلاة على الجنازة. قال: [حدثنا مسدد: إلى أن قال: عن جابر بن عبد الله ﵄: (أن رسول الله ﷺ صلى على النجاشي فكنت في الصف الثاني أو الثالث)]. جابر يقول: كنت في الصف، والنجاشي هو ملك الحبشة، مات بأرض كفر، فصلى عليه النبي ﷺ صلاة الغائب، وعلى هذا قلنا: إن العلماء قد اختلفوا في صلاة الغائب إلى فريقين، فلو أن رجلاً من مصر مات بالأردن ودفن بالأردن، فهل نصلي عليه في مصر أم لا نصلي؟ الحنابلة والشافعية على جواز الصلاة، والمالكية والأحناف على عدم الصلاة، والراجح: أن من صلي عليه في أرض لا يصلى عليه مرة ثانية؛ والنبي ﷺ صلى على النجاشي لأن النجاشي مات في أرض كفر، ولم يصل عليه من المسلمين أحد، فلذلك صلى عليه النبي ﷺ ، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وانتصر له شيخنا الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع وذكر أن من مات غائباً عن بلده وصلي عليه لا يصلى عليه مرة ثانية.

стр. 208

باب الصفوف على الجنازة قال البخاري ﵀: [باب الصفوف على الجنازة]. يعني: هل يصف صفاً واحداً أو صفين أو ثلاثة، وأقل الصفوف في الجنازة تكون صفين، فإن كنا مثلاً نصلي على جنازة ونحن أربعة نقيم صفين، هذا معنى تبويب البخاري، ولذلك قال: باب الصفوف على الجنازة. ثم ذكر أبو هريرة: (نعى النبي ﷺ إلى أصحابه النجاشي) يعني: أخبرهم بموته، والنعي هنا ليس كنعي الجاهلية، فمن المبكي أن نستخدم البدع في الأمور الشرعية. بعض الإخوة أرسل لي ورقة يقول فيها: بعض الإخوة الذين ينتسبون إلى بعض الحركات الإسلامية أقاموا عزاءً في سرادق رابعة العدوية ليستقبلوا العزاء للشيخ أحمد ياسين! فعملوا سرادق، وأتوا بشيخ يقرأ، فهل هذا من الإسلام؟ أليس ذلك من البدع؟ وكيف نروج للبدع باسم الدين؟ وهل نوافق على إقامة سرادق لرجل قتل في سبيل الله أو غير ذلك؟ فباسم الدين يقام السرادق ويأتي أصحاب الكرفتات، وكل طائفة لها كراسي، فأصحاب الكرفتات والمناصب لهم كراسي، وأصحاب القمصان على كراسي أخرى بالخارج، والمقرئ الذي يقرأ يتقاضى مبلغاً من المال نحو عشرة آلاف، فمن جيوب من هذا؟ أليس أكلاً للمال بالباطل؟ فكيف تقرون البدع وتنتسبون إلى دين رب العالمين، وتنسبونها إلى الشرع؟ أقول هذا الكلام وهو ممزوج بمرارة. وتجد البعض الآخر يقول: والآن نقف دقيقة حداداً على روح الشهيد فلان! ما هذا الذي تفعله؟ وفي أي شرع هذه الدقيقة الحداد؟! جاءتني بعض الأخوات من جامعة الزقازيق منتقبات يسألن: أن بعض الأخوات يقلن لهن: من لم تخرج في المظاهرة فهي آثمة؟ لا إله إلا الله! فتوى من شيخة الإسلام؟! ويقلن: الخروج في المظاهرة جهاد، يعني: جعلوا المظاهرة هي الجهاد، فما هذا الهراء الذي تقولون؟ هذا مع ما يحصل من اختلاط بين الرجال والنساء، وترك لصلاة الجماعة، وتدمير لطاقة الشباب وغير ذلك من المفاسد المترتبة على هذا الفعل وهي كثيرة وعديدة، فما هذا الذي تقولون يا قوم؟! أليس منكم رجل رشيد؟! فتنظر وتلقى البنت تلبس البنطال وتهتف: بالروح بالدم نفديك يا ياسين! وتجد بجانبها الرجل: بالروح! تعالي يا أختي معي، فتكون الأخت بجوار الأخ! وتجد الظهر يؤذن له ولسان حالهم: لا دخل لنا نحن في جهاد! فعلموهم أن هذا هو الجهاد، وعلموهم أن الخروج في المظاهرة جهاد، فمن الذي قال ذلك؟ ثم تجدهم يلوون النصوص لياً. ويقولون: إن حمزة خرج في مظاهرة هو وعمر بن الخطاب! فهل سمعتم في يوم أن النبي ﷺ جاء بكل أصحابه يهتفون: يسقط أبو لهب تعيش مكة؟! فما هذه الخربطة، وما هذا الذي يحدث يا أمة ضحكت منها الأمم؟ فمنذ ٤٨ إلى ٦٧ وإلى سقوط بغداد ونحن نهتف حتى تبح الأصوات وتعود الأمور إلى طبيعتها، وبعد ذلك الأخ ممكن أن يتعرف على الأخت في المظاهرة، وتكون زميلة المظاهرة ورفيقة رحلة الجهاد! نسأل الله العافية! أيها الإخوة! هذا الكلام والله ممزوج بمرارة، فلا يجوز أن نخرج عن الكتاب والسنة في كل وقت وحين؛ فهما النجاة والعصمة. قال: [(نعى النبي ﷺ إلى أصحابه النجاشي، ثم تقدم فصفوا خلفه فكبر أربعاً). ثم جاء بحديث آخر: (أن النبي ﷺ أتى على قبر منبوذ فصفهم وكبر أربعاً) قلت: يا أبا عمرو من حدثك هذا؟ قال: ابن عباس. يجوز الصلاة على قبر الميت إن لم تكن قد صليت عليه. وهل يجوز الصلاة على الشهيد؟ الراجح: أنه لا يصلى عليه؛ لحديث جابر بن عبد الله: (أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجل والرجلين من شهداء أحد في ثوب واحد -يعني: يكفن الاثنين بثوب واحد- ثم يسأل: أيهم أكثر أخذاً للقرآن الكريم؟) يعني: أيهم يحفظ القرآن وأكثر من الآخر، فيقدم من يحفظ القرآن في قبره، فحامل القرآن يقدم في حياته ويقدم بعد موته، فأين حملة القرآن اليوم هل نقدمهم أم نسخر منهم؟ ففي مسلسل الأيام الذي أنتزع من صاحبه طه حسين جاء مشهد فيه: أن المقرئ كان يحفظ غلاماً اسمه طه القرآن، فإذا جاء يقول له: هل أرسلت أمك البطة يا طه؟! فيصور للناس أن حامل القرآن يبحث عن الطعام والشراب، هكذا الريادة في مجتمعات الضلال! فالنبي ﷺ في غزوة أحد كان يسأل أولاً عن أكثرهم أخذاً للقرآن، ثم يقول جابر: (فقال ﷺ : أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، ودفنهم بدمائهم وما صلى عليهم). وفي حديث عقبة بن عامر: (أنه خرج ﷺ إلى شهداء أحد في قبورهم وصلى عليهم صلاته على الميت، ثم عاد وجلس على المنبر وقال لأصحابه: إني فرط لكم، وإني أنظر إلى حوضي من مكاني هذا)، وهذا الكلام كان في السنة (١١) من الهجرة، في العام الذي مات فيه. يقول علما

стр. 209

باب صفوف الصبيان مع الرجال في الجنائز قال البخاري ﵀: [باب صفوف الصبيان مع الرجال في الجنائز]. مذهب البخاري أن الصبي يقف بجوار الكبير في صلاة الجماعة وفي صلاة الجنائز، هذا الراجح، والبخاري في كتاب الصلاة في هذا الموضوع ساق أكثر من خمسة أحاديث ليدلل على هذا؛ منها أن ابن عباس قال: جئت وأنا غلام صغير أقترب من الحلم -يعني: لم يبلغ الحلم- والنبي ﷺ يصلي في منى إلى غير جدار، فاخترقت الصفوف وأنا أركب الأتان -والأتان: أنثى الحمار- فـ ابن عباس ركب الحمار ودخل بين الصفوف ووقف مع صفوف الرجال، فلم ينهه النبي ﷺ رغم أنه صبي. ثم ذكر حديث أنس قال: (صليت خلف النبي ﷺ أنا وغلام يتيم ومن خلفنا امرأة) فالغلام وقف بجوار أنس، فهذه أحاديث ساقها البخاري في التدليل على أن الصبي يقف بجانب الكبير، وهذا هو الراجح؛ فإنه لا يتعلم الصبي الصلاة إلا من الكبير، ولكن الصف الأول لأولي الأحلام والنهى والحفظة، والصبي يقف في الصف الثاني والثالث، وأما حينما نجعل صفوف الصبية في الخلف فإن الصبية يلعبون فقط، ويفسدون علينا الصلاة، لكن إذا وقف بجانب الكبير يحترمه، وكلما ركع يركع مثله، ويعمل مثله، وهكذا في صلاة الجنازة الصبي يقف بجانب الكبير. أيها الإخوة! لابد من تعليم الصبي الصلاة برأفة وحكمة. ثم ذكر حديث ابن عباس: (أن رسول الله ﷺ مر بقبر قد دفن ليلاً، فقال: متى دفن هذا؟ قالوا: البارحة. قال: أفلا آذنتموني، قالوا: دفناه في ظلمة الليل فكرهنا أن نوقظك، قام فصففنا خلفه، قال ابن عباس: وأنا فيهم). وفي الحديث: مشروعية الدفن بالليل، وابن عباس وقف مع صفوف الرجال وهو صغير، وهذا يسمى في علم النفس شعور للصبي بالمسئولية وتشجيعه وأنه أصبح في عداد الكبار، فيشعر أن له قيمة، وطبعاً لا يدخل المسجد إلا الصبي المميز لا غيره، فلا يصطحب الرجل الأولاد الصغار الذي يظن أنهم سيلوثون المسجد إما ببول أو غائط أو ريح أو ما أشبه ذلك، هذا لا يجوز، وهذا ليس معناه أن نفصل هؤلاء في مكان، فلا نحرم الأخت التي عندها طفل صغير من الدرس، فالطفل المميز والغلام المميز يقف بين الصفوف مع الرجال، وابن عباس كان غلاماً صغيراً فوقف بين الصفوف في صلاة الجنازة.

стр. 210

باب سنة الصلاة على الجنازة قال البخاري ﵀: [باب: سنة الصلاة على الجنائز. وقال النبي ﷺ : (من صلى على الجنازة)، وقال: (صلوا على صاحبكم)، وقال: (صلوا على النجاشي) سماها صلاة وليس فيها ركوع ولا سجود، ولا يتكلم فيها، وفيها تكبير وتسليم. وكان ابن عمر لا يصلي إلا طاهراً، ولا يصلي عند طلوع الشمس ولا غروبها، ويرفع يديه. وقال الحسن: أدركت الناس وأحقهم على جنائزهم من رضوهم لفرائضهم، وإذا أحدث يوم العيد أو عند الجنازة يطلب الماء ولا يتيمم، وإذا انتهى إلى الجنازة وهم يصلون يدخل معهم بتكبيرة. وقال ابن المسيب: يكبر بالليل والنهار والسفر والحضر أربعاً. وقال أنس: تكبيرة الواحدة استفتاح الصلاة. وقال : ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة:٨٤] وفيه صفوف وإمام]. أراد البخاري بهذه الأقوال أن يبين أن صلاة الجنازة ينطبق عليها ما ينطبق على صلاة الجماعة. وبعض الناس يقول: المقصود بالصلاة الدعاء، يعني: ندفن الميت مباشرة، ورأيت بعض الناس لا يصلي الفروض في جماعة، فقلت له: لماذا لا تصلي؟ قال: أنت لا تفهم أن الصلاة هي الدعاء، وأنا أدعو الله ويكفي، فلا فجر ولا ظهر ولا عصر ولا مغرب ولا عشاء، فرد معنى الصلاة إلى المعنى اللغوي لا إلى المعنى الشرعي، فالنبي ﷺ يبين أن الميت يصلى عليه صلاة بغير ركوع ولا سجود، ويشترط فيها استقبال القبلة والطهارة من الحدثين وستر العورة والتكبير ورفع اليدين والتسيلم. ثم ذكر حديث الشعبي قال: (أخبرني من مر مع نبيكم ﷺ على قبر منبوذ فأمنا فصففنا خلفه، فقلنا: يا أبا عمرو! من حدثك؟ قال ابن عباس ﵄. وهنا مسألة: من الأحق بصلاة الجنازة؟ هل هو الولي أم الوالي؟ والوالي هو الإمام الراتب، يعني: من عينه الوالي، أم الولي وهو قريبه من العصبة، والبخاري هنا ينتصر إلى أن الوالي يستحق الصلاة، أي يقدم على الولي، وهذا مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة، والأوزاعي وإسحاق، فإنهم يرون أن الوالي يقدم على الولي، ولذلك هنا أورد البخاري قول الحسن: أدركت الناس وأحقهم على جنائزهم من رضوهم لفرائضهم. يعني: أن الذي يصلي الفرائض هو الذي يصلي الجنازة. ولماذا يقدم الإمام الراتب على الولي؟ يقدم لأن الناس يؤمهم أقرأهم لكتاب الله، وبعض الناس يصر على أن يقدم ابن الميت فيقول: أين ابن الميت؟ تعال فصل على أبيك، وابنه قد يكون لا يعرف صلاة جنازة فتلتبس عليه الأمور وتكون حالته سيئة. والبخاري جاء بهذا القول، ثم دلل بفعل الصحابة أنهم كانوا في المدينة يصلون خلف الإمام مع وجود العصبات، فالوالي يقدم على الولي. لكن هب أن الوالي الذي هو الإمام الراتب عين رغم إرادتنا ولا يعلم من الشرع شيئاً، ويلعب طاولة وضمنة بعد الصلاة في الطريق العام ويدخن وقال لابن الميت الملتزم: صل على أبيك، ففي هذه الحالة يصلي ابن الميت؛ لأننا في هذه الحالة ندعو للميت بالمغفرة، فنقدم الأقرب إلى الإجابة. فتقديم الوالي على الولي هذا هو الراجح من أقوال العلماء، وهذا هو الذي ساقه البخاري وذكره في كتابه.

стр. 211

باب فضل اتباع الجنائز قال البخاري ﵀: [باب: فضل اتباع الجنائز]. وجاء بحديث أبي هريرة: (من تبع جنازة فله قيراط)، وحديث عائشة وحديث أبي هريرة أيضاً، وقول ابن عمر: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. يعني: ضيعنا قراريط كثيرة. وبعض الناس إذا رأى جنازة يقول: هذه جنازة من؟ يسأل عنها، فإن قيل له: جنازة فلان، يقول: لا أعرفه، ويترك الصلاة عليه، والقاعدة عنده أن من يعرفه يصلي عليه ومن لا فلا، وهذا أبطل حق المسلم على المسلم أن يتبع جنازته إذا مات، فهذا حق الإسلام، وليس شرطاً أن تعرف الميت طالما أنه مسلم، فهل منا أحد يتبع الجنازة وهو لا يعرف صاحبها؟ من يفعل ذلك موجود بقلة، لكن الغالب أنهم لا يتبعون، والحكم للغالب. فأقول: لا تفرطوا في الأجر، فالدنيا ساعة فاجعلوها لله طاعة، والنفس قد يعود ولا يخرج، وقد يخرج ولا يعود، ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤]، وحياتنا قصيرة، وصدق من قال: أنفاسنا تعد، ورحالنا تشد، والتراب من بعد ذلك ينتظر الخد. فيا عبد الله! عجل بتوبة صادقة إلى ربك ، وأصلح ما فرطت من عمرك، واعلم أن الله يتوب على من تاب ويقبل التوبة ويتجاوز عن السيئات، شريطة أن تصدق مع الله . أسأل الله أن يرزقنا قبل الموت توبة، وعند الاحتضار شهادة، وبعد الموت جنة ونعيماً. اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.

стр. 212

الأسئلة

стр. 213

حكم العطور التي بها كحول السؤال ما حكم وضع الروائح التي يوجد بها كحول، مع العلم أنها توضع في البيت للزوج، أرجو التعليق على هذا الموضوع؟ الجواب هذا الموضوع كتبت فيه بحوث من علمائنا، فإذا كانت نسبة الكحول لا تتعدى ٥% فيجوز عند بعضهم، وهذا اختيار علمائنا، والورع إذا كانت نسبة الكحول زائدة أن تتركها.

стр. 214

أهمية مساعدة الشباب المقبلين على الزواج السؤال أنا شاب مقبل على الزواج إن شاء الله، ودخلي محدود، وأدخل به كله جمعيات؛ لتجديد الشقة، ولا يتبقى منه إلا القليل، وأساعد أهلي بقدر بسيط من المال، وهم يقولون: إنك تهتم بنفسك فقط، وأنا لا أقدر إلا على ذلك، فهل أنا عاق لوالدي؟ الجواب لا، قال : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، فأنت تفعل ما في طاقتك، والمطلوب أن يساعدك الأب في أمر الزواج، فمن المشروع مساعدة طلبة العلم، ومساعدة المقبلات على الالتزام، ومساعدة الشباب المقبلين على الزواج، فبدلاً من أن تذهب وتحج نافلة بعشرين ألف جنيه وقد حججت وأسقطت الفريضة، خذ شاباً وزوجه، فتكون بذلك عملت خيراً، وهو لا يريد منك أموالاً، لكن اذهب إلى النجار وقل له: اعمل غرفة نوم لهذا الشاب، وهو لا يريد غرفة مكلفة، إنما يريد غرفة متواضعة تسد الحاجة، وهكذا بدلاً من أن تنفق خمسين ألفاً على حفلة رقص غنائي زوج أربعة من الشباب المسلم، فوالله الذي لا إله غيره إنه يوجد كثير يملكون هذا، لكنهم عند الإنفاق للشيطان تجدهم ينفقون ببذخ، وعندما يطلب منهم الإنفاق للرحمن جل وعلا يبخلون، وكما ترون هذا شاب لا يجد إلا مرتبه فيدخل بمرتبه جمعيات وتلقى أصهاره يريدون منه الانتهاء، ويقولون له: طالما لا تستطيع فلماذا تريد الزواج؟ فيشددون عليه، وقد أرسل لي بعضهم أوراقاً كثيرة، فالشباب في أزمة وفي محنة، فيجب أن ننظر إليهم بعين الاعتبار، جزاكم الله خيراً.

стр. 215

حكم وضع الصور في كتب الأطفال السؤال هل يجوز أن تحتوي كتب وقصص الأطفال على صور ورسومات للأشخاص؟ الجواب لا، الأولى أن تعرض بدون صور، ولكن إذا كانت صورة ليس فيها شكل حي فلا بأس، لبيان الأمر.
следующие страницы →