Полный текст (308 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
حكم أخذ العوائد الحاصلة من وضع المال في بنك فيصل الإسلامي
السؤال
هل فوائد بنك فيصل يمكن أن تستخدم في عدة تليفون أو خط تليفون؟
الجواب
بنك فيصل من البنوك التي لوائحها تطابق الشرع، سواء مضاربة أو مشاركة أو مرابحة، لكن بعض الناس يقولون: البنك المركزي يتدخل في سياسته، نقول: نعم يتدخل لكنه مضطر، وتدخل البنك المركزي يكون بأنه يحدد نسبة من الودائع يسمونها الاحتياطي القانوني فيأخذها منه، وهو له أن يقلل السيولة وأن يكثرها؛ لأن البنك المركزي يملك سلاح التحكم في المصارف، فعموماً البنك المركزي لو أخذ من بنك فيصل نسبة من الودائع وحدد نسبة مئوية على الودائع، فهنا بنك فيصل يكون مضطراً، ودفع جزء من المنكر يجوز، فلا داعي لأن نقدح في بنوك إسلامية تضطر اضطراراً إلى بعض التعاملات المفروضة عليها، فهذه ليست بإرادتها، فعائد بنك فيصل أعتقد أنه شرعي إن شاء الله تعالى.
стр. 142
مشروعية صيام العشر من ذي الحجة
السؤال
هل من السنة صيام العشر من ذي الحجة؟
الجواب
يقول النبي ﷺ : (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام) أي: أن العمل الصالح في هذه الأيام محبب إلى الله ، ومن العمل الصالح: الصيام، لكن قد يقول قائل: إن النبي ﵊ لم يصمها، نعم لم يصمها لكن ليس هناك نهي عن صيامها، فالأصل مشروعية الصيام، (وأفضل الصيام صيام داود ﵇، فقد كان يصوم يوماً ويفطر يوماً).
إذاً: فلا مانع من أن تصومها.
стр. 143
حكم صيام يوم عرفة إذا وافق الجمعة أو السبت
السؤال
هل يصام يوم عرفة إذا وافق يوم السبت أو يوم الجمعة؟
الجواب
نعم؛ لأن القاعدة الفقهية تقول: (إذا صادف المندوب المضيق وقت كراهة قدم المضيّق)، فيوم عرفة مندوب مضيّق؛ لأنه يوم واحد، فإذا صادف وقت كراهة كصيام السبت أو الجمعة منفرداً، قدم المندوب المضيق، وهذا كصلاة الكسوف بعد الفجر، فصلاة الكسوف سنة مضيق وقتها، والصلاة بعد الفجر مكروهة، فيقدم المندوب المضيق على الوقت المكروه، وقد حقق هذا ابن حجر رحمه الله تعالى، وهو رأي جمهور العلماء، والله تعالى أعلم.
стр. 144
حكم التكبير الجماعي خلف شخص واحد في أيام العيد
السؤال
هل التكبير الجماعي أو الترديد خلف شخص من السنة؟
الجواب
ليس ذلك من السنة، وإنما يكبر كل شخص منفرداً، فيسمع نفسه ويُسمع من بجواره، وكذلك: لا ننقسم إلى فريقين: فريق يكبر، وفريق يرد عليه، أو يقول الفريق الأول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، والفريق الآخر يقول خلفه: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، فهذه كلها من البدع والمنكرات التي ما أتت عن نبينا محمد ﷺ ، وأيضاً: التلبية فيلبي كل بمفرده، فيسمع نفسه ويسمعه من بجواره، والله تعالى أعلم.
стр. 145
حكم تغسيل أحد الزوجين الآخر
السؤال
هل يجوز أن تغسل الزوجة الزوج؟
الجواب
نعم، وكذلك يغسل الزوج الزوجة، وقد ثبت هذا عن أصحاب النبي ﷺ .
стр. 146
حكم البيع بالتقسيط مع الزيادة في الثمن
السؤال
ذهبت لأشتري بضاعة، وعندما أردت أن أدفع الثمن طلب مني صاحب البضاعة تأجيل الدفع، فهل هذا يعتبر ربا؟
الجواب
هناك فرق بين الشراء والدفع نقداً، وبين ارتفاع ثمن السلعة مقابل الأجل، أي: أنني حين أشتري هذه السلعة بعشرة قروش نقداً وبعشرين أو بخمسة عشر بالتقسيط نتفق، فنتفق على نوع المعاملة، ويقول لي: آجل أم نقداً؟ فأقول مثلاً: نقداً.
إذاً: فالعقد هنا نقدي، لكن لو قال: بالتقسيط، فيُعمل بعقد القسط، وجمهور العلماء على جواز البيع بالتقسيط مع ارتفاع الثمن، لحديث بريرة عندما أعتقتها أمنا عائشة مقابل أن تؤدي قسطاً من المال في كل سنة، وجمهور العلماء على جواز البيع بالتقسيط، وقد ألفت الكتب في هذا النوع من البيوع.
стр. 147
حكم تقديم الحج على الزواج
السؤال
هل الزواج مقدم على الحج؟
الجواب
قد أجاب ابن تيمية رحمه الله تعالى عن هذا السؤال، وقال: بأن الحج مقدم على الزواج؛ لأن الحج فرض على المكلف لابد أن يسقطه إن استطاع، وأداء الحج سبب في الغناء، قال ﵊: (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر)، والله تعالى أعلم.
стр. 148
حكم الدم النازل من الفرج بسبب عملية جراحية
السؤال
هل يعامل نزول الدم لمدة يومين أو أكثر من الفرج بسبب عملية جراحية كالحيض؟
الجواب
لا، فهذا دم استحاضة ودم فساد، وعليها أن تتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها، والله تعالى أعلم.
стр. 149
سلسلة شرح صحيح البخاري [١٠]
حذر الشارع الحكيم من المنكرات التي تحدث عند الموت وبعده، فنهى عن بكاء الأهل على ميتهم، وعن لطم الخدود وشق الجيوب ودعوى الجاهلية، ورخص الإسلام في البكاء من غير نوح ولا جزع وتسخط.
стр. 150
يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النوح من سنته
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فلا زلنا مع صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى، والباب الثاني والثلاثين، قال رحمه الله تعالى: [باب: قول النبي ﷺ : (يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه).
إذا كان النوح من سنته].
يُعد هذا الباب من الأهمية بمكان، إذ إن الإمام البخاري ﵀ قد يورد في الباب الواحد أكثر من حديث، كأن يورد سبعة أحاديث في الباب الواحد.
فأما حديث الباب: (الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه)، فقد ردته السيدة عائشة ﵂، وقالت: إن الله قال: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، فكيف يعذب الميت ببكاء أهله وهو لم يفعل أو يقترف شيئاً؟! فأراد البخاري رحمه الله تعالى أن يبين أن الميت يعذب ببكاء أهله إذا كان هذا من سنته، يعني: أنه كان في حياته يوافق على هذا الفعل وما نهى عنه قبل موته، ولذلك فإن هناك أقوالاً للعلماء تقرب من سبعة أقوال في فهم هذا الحديث: فمنهم من قال: (الميت يعذب ببكاء أهله)، أي: يتألم كما يتألم النائم حينما ترفع صوتك بجواره.
ومنهم من قال: إن المراد بالحديث: أنه بمجرد أن يفارق الدنيا يدخل في المرحلة البرزخية.
وسأذكر الأحاديث جملة ثم أبدأ في شرحها إن شاء الله تعالى.
قال البخاري ﵀: [(يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه).
إذا كان النوح من سنته.
لقول الله تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:٦].
وقال النبي ﷺ : (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته).
]، أي: أن الراعي سيسأل عن رعيته وعما تفعل.
ثم قال رحمه الله تعالى: [فإذا لم يكن من سنته، فهو كما قالت عائشة ﵂: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤].
وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر:١٨].
стр. 151
ما يرخص من البكاء من غير نوح
قال البخاري رحمه الله تعالى: [وما يرخص من البكاء من غير نوح].
[وقال النبي ﷺ : (لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها).
وذلك لأنه أول من سن القتل.
] فـ البخاري رحمه الله تعالى قبل أن يأتي بالأحاديث يضع ذلك جميعاً في عنوان الباب؛ ليبين الخلاف في المسألة، وذلك لأن الصحابة قد اختلفوا، فبعضهم قال كأمنا عائشة، وبعضهم كـ عمر ﵁ كان يأخذ الحديث على ظاهره ويمنع البكاء على الميت، والبخاري هنا يبين أن البكاء يجوز ما لم يكن معه اللطم للخدود، أو الشق للجيوب، أو الدعوى بدعوى جاهلية، فالبكاء رحمة من الله ، وقد بكى النبي ﷺ في مواقف عدة.
وهنا ينبغي للمسلم إذا أصابته مصيبة ألا يسخط وألا يجزع، بل يكون حزنه قلبياً، فلا يظهر على الوجه شيء، وقد يظهر حزنه أحياناً، وذلك كما فعل النبي ﷺ يوم أن جاءه خبر استشهاد زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة وجعفر بن أبي طالب في غزوة مؤتة، فجلس ﵊ بين أصحابه وهو يبكي، وكذلك حينما قتل من حملة القرآن من قتل، فلم يظهر النبي ﷺ الحزن.
وأم سليم ﵂ حينما تزينت لزوجها أبي طلحة الأنصاري لما مات ابنها، ووقع عليها رغم أن الولد قد مات، ولم تظهر الحزن ﵂.
وأما سبب إيراد البخاري رحمه الله تعالى لهذا الحديث: (لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها) في هذا الباب؛ لأن ابن آدم هو أول من سن القتل، يعني: جعله طريقة للناس، فكل من قتل بعد ذلك في ميزان سيئاته والعياذ بالله، وكذلك من سن لطم الخدود وشق الجيوب فذلك في ميزان سيئاته، فإذا جاء بعد موته من يصنع ذلك فيعذب بسبب ذلك.
ولذا فيحزن المسلم عندما يرى أن أهل الفن والطرب قد ماتوا وأفلامهم لا زالت تعرض على الأحياء، فلا يرحمهم الله تعالى بعد موتهم، نسأل الله العافية.
وكم يسعد المسلم عندما يجد أعمالاً صالحة لأحد الناس وهو في قبره، كأن يؤلف كتاباً أو يلقي محاضرة فتسجل له، فيسمعها من جاء بعده، فيأجره الله وهو في قبره.
стр. 152
جواز الإرسال إلى أهل الفضل عند الاحتضار
ثم قال البخاري رحمه الله تعالى: [حدثنا عبدان ومحمد قالا: أخبرنا عبد الله أخبرنا عاصم بن سليمان عن أبي عثمان قال: حدثني أسامة بن زيد ﵄ قال: أرسلت ابنة النبي ﷺ إليه]، وهي: زينب ﵂، ثم قال: [إن ابناً لي احتضر فائتنا]، والمراد بالابن الذي كان يحتضر على الراجح عند العلماء، وحقق ذلك ابن حجر: أمامة بنت زينب ﵄ وأبوها هو: العاص بن الربيع ﵁، ولكنها لم تمت، بل عاشت حتى تزوجها علي بن أبي طالب ﵁، وقد تزوجها علي بعد موت فاطمة ﵂، ثم قال: [فأرسل يقرئ السلام]، وفي هذا جواز السلام من الغائب، ويؤيد ذلك: حديث جبريل ﵇ عندما جاء إلى النبي ﷺ وقال: (أقرئ خديجة السلام من ربها)، فحينما يسلم عليك الغائب ينبغي أن ترد ﵇.
كما في الحديث: أنه يجوز عند حلول المصيبة أن يرسل إلى أهل الفضل؛ ليقفوا بجوار المحتضر وليربطوا على قلبه.
ثم قال: [فأرسل لها يقول: (إن لله ما أخذ وله ما أعطى)]، أي: أن الأولاد الذين يأتون والذين يموتون ملك لله ، (وكل عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب)، فأمر النبي ﵊ للذي جاءه أن يأمرها بأن تصبر وتحتسب.
قال الشيخ ابن عثيمين في (شرح رياض الصالحين): وأفضل صيغة يعزى بها المسلم أن تقول له: اصبر واحتسب؛ لأن النبي ﷺ قال للرسول بأن يقول لها: (اصبري واحتسبي).
وهناك صيغ أخرى، كقول بعض الناس: البقاء لله، أو البقية في حياتك، وهذا اللفظ الأخير فيه اختلاف، فالعلماء يرون جوازه إن كان المقصود من هذا القول: الدعوة له ببقاء الحياة في الأعمال الصالحة، وليس معناه: أن الميت الذي مات عمره ناقص، وأنه أخذ البقية وأعطاها للحي.
وقدم الصبر على الاحتساب؛ لأن المقام مقام صبر، قال ذلك ابن حجر رحمه الله تعالى.
ثم قال: فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها، فقام ومعه: سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال، فرفع إلى رسول الله ﷺ الصبي].
وفيه جواز أن يبر المسلم قسم أخيه إذا أقسم عليه.
ثم قال: [ونفسه تتقعقع، قال: حسبته أنه قال: كأنها شن]، أي: تتحشرج، كالماء الذي يغلي في إناء معلق، [ففاضت عيناه ﷺ ]، فهذه من المواقف التي بكى فيها النبي ﵊، فـ البخاري لفقهه العالي أتى بالحديث الأول؛ ليبين جواز البكاء على الميت إن كان بكاءً ليس معه نياحة، بينما هنا أراد أن يقول: إن البكاء المشروع لا شيء فيه، فقد بكى النبي ﷺ في مواضع وهذه منها، [فقال سعد: يا رسول الله ما هذا؟ قال: (هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)، إذاً فالبكاء عند حلول المصيبة رحمة جعلها في قلوب عباده، وهذا يبين أن مذهب البخاري ﵀: جواز البكاء طالما لا يصاحبه نياحة.
стр. 153
استحباب النزول في لحد الميت لمن لم يقارف زوجته
قال ﵀: [حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا أبو عامر حدثنا فليح بن سليمان عن هلال بن علي عن أنس بن مالك ﵁ قال: شهدنا بنتاً لرسول الله ﷺ ، قال: ورسول الله ﷺ جالس على القبر]، أي: كان يدفن ابنته، وهو جالس على حافة القبر.
قال: [فرأيت عينيه تدمعان، قال: فقال: (هل منكم رجل)]، والبنت هي أم كلثوم زوجة عثمان ﵁، إذ إن النبي ﵊ قد زوج عثمان بـ رقية، ثم بعد موتها زوجه بـ أم كلثوم ﵂ وبعد أن ماتت أم كلثوم ﵂ قال النبي ﵊: (لو كانت لي ثالثة لزوجتك).
وفي هذا دليل على منزلة عثمان ﵁ عند النبي ﵊، هذا الصحابي الجليل الذي يقدح فيه الآن من لا خلق عندهم، فإن كانوا يقدحون في عثمان فيقدحون في علمائنا، والقدح في العلماء في هذه الأيام من أصحاب القلوب المريضة عظيم ومنتشر، فكل المجلات الهابطة تعرض بالعلماء وتنقب عن حياتهم الخاصة، وتريد أن تشهر بهم، فاحذروا فهذه مؤامرة خبيثة، وإن شاء الله لن ينجحوا في النيل من الإسلام ولا النقاب ولا اللحية، فالعدد بفضل الله يزداد كل يوم، كلما وجهوا الضربات زاد العدد، ولذلك صدق من قال: إن الصحوة الإسلامية ككرة السلة، كلما ضربتها أرضاً ازدادت ارتفاعاً، فاضربوا يرتفع الإسلام والمسلمين أكثر، وماذا يصنع هؤلاء الأعداء؟ لقد بدءوا الحرب على العلماء، فوجهوا لهم التهم والقذف والتنصت والدخول إلى البيوت وتتبع العورات ونشر ذلك في صحفهم الهابطة المفلسة التي تطبع، ثم تعود كما طبعت، لأنهم فشلوا في المؤامرة الأولى، فحولوا إلى المؤامرة الثانية، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١].
قال: [قال: فقال: (هل منكم رجل لم يقارف الليلة؟)]، أي: لم يجامع، وكان عثمان زوجها هو أولى الناس بالنزول معها، ولذلك ينبغي أن نتعلم هذا عندما ندفن النساء، فنقول: الزوج هو أولى بالنزول مع زوجته، وإن لم يكن زوج فواحد من المحارم، فإن لم يكن هناك أحد من المحارم نسأل: من منكم لم يقارف زوجته؟ ولعل العلة في نزول الرجل الذي لم يجامع: حتى لا يكون قريب عهد بشهوات الدنيا، وعثمان ﵁ كما قال ابن حجر رحمه الله تعالى: قد جامع أحد جواريه، ففي الحديث منقبة لـ عثمان ﵁، [فقال أبو طلحة: أنا.
قال: (فانزل).
قال: فنزل في قبرها]، وفي الحديث عند البخاري (لا ينزل في لحد الميت إلا من لم يقارف زوجته)، وهذا على سبيل الاستحباب لا الوجوب.
стр. 154
اختلاف الصحابة في فهم المراد من قول النبي: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله)
قال رحمه الله تعالى: [حدثنا عبدان حدثنا عبد الله أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة قال: توفيت ابنة لـ عثمان ﵁ بمكة، وجئنا لنشهدها، وحضرها ابن عمر وابن عباس ﵃، وإني لجالس بينهما، أو قال: جلست إلى أحدهما، ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي، فقال عبد الله بن عمر ﵄ لـ عمرو بن عثمان: ألا تنهى عن البكاء؟ فإن رسول الله ﷺ قال: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله)]، أي أن ابن عمر ﵄ كان يرى ما يراه أبوه، من أن البكاء على الميت لا يجوز، لأنه يفضي إلى النياحة، فكان ذلك من باب سد الذرائع، ولكن الراجح هو ما ذهب إليه الإمام البخاري رحمه الله تعالى.
قال ﵀: [فقال ابن عباس ﵄: قد كان عمر ﵁ يقول بعض ذلك، ثم حدَّث قال: صدرت مع عمر ﵁ من مكة، حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو بركب تحت ظل سمرة، فقال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ قال: فنظرت، فإذا صهيب فأخبرته، فقال: ادعه لي، فرجعت إلى صهيب فقلت: ارتحل، فالحق أمير المؤمنين، فلما أصيب عمر - لما طعن- دخل عليه صهيب يبكي ويقول: وا أخاه! وا صاحباه! فقال عمر: يا صهيب أتبكي علي وقد قال رسول الله ﷺ : (إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه)]، فـ عمر ﵁ نهى صهيباً أن يبكي عليه.
قال: بعضهم: إن صهيباً قد رفع صوته بالبكاء فنهاه عمر؛ لأن رفع الصوت سيفضي إلى النياحة، وهذا هو الجمع بين الأحاديث.
قال البخاري ﵀: [قال ابن عباس ﵄: فلما مات عمر ﵁ ذكرت ذلك لـ عائشة فقالت: رحم الله عمر، والله ما حدَّث رسول الله ﷺ إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله ﷺ قال: (إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه)]، أي: أن عائشة ﵂ كانت تتأول الحديث، وتقول: إن المراد بالميت الكافر، فهذه من المخالفات التي خالفت فيها عائشة بعض الصحابة.
قال ﵀: [قالت: حسبكم القرآن: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤].
قال ابن عباس ﵄ عند ذلك: والله هو أضحك وأبكى.
قال ابن أبي مليكة: والله ما قال ابن عمر ﵄ شيئاً]، فـ عائشة ﵂ حاجّت ابن عمر، أي: أسكتته بهذه الآية، وسكوت ابن عمر هل لأنه قد قبل ما قالت عائشة أم أن هذا من باب الأدب؟ في هذا خلاف.
قال رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرته: أنها سمعت عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية يبكي عليها أهلها، فقال: (إنهم ليبكون عليها، وإنها لتعذب في قبرها)]، إذاً فـ عائشة تقول: إن هذا الحديث قد قيل في واقعة عندما مر النبي ﷺ على قبر يهودية، أي: أن الحديث له مناسبة معينة.
ثم قال: [حدثنا إسماعيل بن خليل حدثنا علي بن مسهر حدثنا أبو إسحاق -وهو الشيباني - عن أبي بردة عن أبيه قال: لما أصيب عمر ﵁ جعل صهيب يقول: وا أخاه! فقال عمر: أما علمت أن النبي ﷺ يقول: (إن الميت ليعذب ببكاء الحي)].
ثم أورد ابن حجر آراء العلماء في هذه المسألة وبعض تأويلاتهم: فمنهم من ذهب إلى أنه يعذب إن كان كافراً، ومنهم من ذهب إلى أنه يتألم، ومنهم من ذهب إلى أنه إن كان ذلك من سنته، ومنهم من ذهب إلى أنه إن أوصى، وإن لم يوص بذلك أبرأ نفسه ولا يعذب إلى غير ذلك من الأقوال.
стр. 155
باب ما يكره من النياحة على الميت
قال البخاري رحمه الله تعالى: [باب: ما يكره من النياحة على الميت.
وقال عمر ﵁: دعهن يبكين على أبي سليمان، ما لم يكن نقع أو لقلقة، والنقع التراب على الرأس، واللقلقة الصوت]، فـ عمر ﵁ قد وافق على البكاء، بشرط ألا يكون منه نقع أو لقلقة.
قال البخاري ﵀: [حدثنا أبو نعيم حدثنا سعيد بن عبيد عن علي بن ربيعة عن المغيرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن كذباً علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).
سمعت النبي ﷺ يقول: (من نيح عليه يعذب بما نيح عليه)]، فعلاقة هذا الحديث بالأول: أن المغيرة أراد أن يقول: أنا لا أكذب على رسول الله؛ لأنني سمعته يقول: (إن كذباً علي ليس ككذب على أحد)، ولكنه قال: (من نيح عليه يعذب بما نيح عليه)، فهو ﵁ أراد بهذا الحديث أن يؤكد أنه قد سمعه سماعاً أكيداً من رسول الله ﷺ .
قال البخاري: [حدثنا عبدان قال: أخبرني أبي عن شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن أبيه ﵄، عن النبي ﷺ قال: (الميت يعذب في قبره بما نيح عليه)]، وهذا هو مقصود الحديث الأول، أي: أنهم فسروا البكاء بمعنى: النياحة.
تابعه عبد الأعلى: حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد حدثنا قتادة، وقال آدم عن شعبة: (الميت يعذب ببكاء الحي عليه).
ثم قال البخاري: [من طريق جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام قال: جيء بأبي يوم أحد -مات شهيداً في الغزوة ومثل به المشركون، فجدعوا أنفه ومثلوا بجثته- قد مثل به، حتى وضع بين يدي رسول الله ﷺ وقد سجي ثوباً]، أي: غطي بثوب، وفيه جواز تغطية الميت، ومشروعية كشف الوجه بعد ذلك؛ لأن جابراً قد كشف عن وجه أبيه ونظر إليه.
قال: [فذهبت أريد أن أكشف عنه فنهاني قومي، ثم ذهبت أكشف عنه فنهاني قومي، فأمر رسول الله ﷺ فرفع، فسمع صوت صائحة، فقال: (من هذه؟)، فقالوا: ابنة عمرو، أو أخت عمرو -يعني: عمة جابر - قال: (فلم تبكي؟ أو: لا تبكي، فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع)].
وفي هذا بيان من البخاري: أن بكاء المرأة على أخيها مشروع، لكن الذي يموت بهذه الطريقة يستحق الفرح لا لحزن، لا سيما وأن الملائكة تظله بأجنحتها.
قال بعضهم: ربما نهاها حتى يقطع عليها الطريق إلى النياحة، والله تعالى أعلم.
стр. 156
باب ليس منا من شق الجيوب
قال البخاري: [باب: ليس منا من شق الجيوب].
والجيب هو: ما تدخل فيه الرأس من فتحة الثوب، أي: عندما تلبس الثوب تدخل الرأس من هذه الفتحة، وتسمى: الجيب، فأحياناً عند حلول المصيبة يشق بعض الناس الجيب، فيأخذه من أوله إلى آخره.
قال البخاري: [من طريق عبد الله ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)، ولطم الخدود إشارة إلى أنه عند حلول المصيبة الغالب هو أن يلطم الرجل أو المرأة الخد، وكذلك إن لطمت المرأة الرأس، لأن لفظ (الخدود) خرجت مخرج الغالب، فالغالب من فعل النساء أن يلطمن الخدود.
قوله: (ليس منا) أي: ليس على شريعتنا وسنتنا وهدينا، لا أن المقصود بظاهر النص أن يصبح كافراً، كما هو عادة الخوارج الذين يكفرون الناس بظواهر النصوص.
وبالمناسبة فقد قرأت حديثاً عند الإمام مسلم أورده في صحيحه في معرض بيان صفات الخوارج، ومن ضمن صفاتهم: أنهم يحلقون رءوسهم.
قال القرطبي معلقاً على ذلك: لم يعهد هذا عن الصحابة ولا عن التابعين إلا عند تحللهم من الحج أو العمرة، فلننتبه إلى هذا، إلا إذا كان الحلف لعذر أو لعلاج فيجوز، والله تعالى أعلم.
وقوله: (ودعا بدعوى الجاهلية)، أي: كأن يدعو بألفاظ جاهلية لا ينبغي أن تقال أبداً، كقول بعضهم: يا رب لم عجلت بموته؟! يا رب لِمَ لمْ أكن أنا الأول؟! إلى غير ذلك من الألفاظ الممقوتة، ولذا كان الصبر عند الصدمة الأولى كما أخبر النبي ﷺ .
وبعض النساء عند المصيبة تولول وكأنها تضرب سلاماً جمهورياً، وهذا من النياحة، ولذلك لا يجوز لطم الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية، والذي لا إله إلا هو لقد مات شاب صغير وهو الوحيد لأبيه فسمعت بعضهم يقول: يا رب مستكثر علينا الولد! ولا حول ولا قوة إلا بالله! وهذا كفر ما بعده كفر، فيا عبد الله (الصبر عند الصدمة الأولى) فإذا أصبت بمصيبة فقل مباشرة: لله ما أخذ وله ما أعطى، إنا لله وإنا إليه راجعون، ولذلك المصائب تمحص المعادن، فبعض الناس مؤمن في حال السراء لكن عندما تأتيه المصيبة ينقلب على وجهه، في حال السراء شاكر عند نزول الضرر لا تعرفه.
ثم أتى المصنف رحمه الله تعالى بحديث: رثاء النبي ﷺ لـ سعد بن خولة، وبحديث ما ينهى من الحلق عند المصيبة، ثم جاء أيضاً بحديث: من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن، ومن جلس عند المصيبة لا يعرف فيه الحزن، وهذا إن شاء الله تعالى ما سنبينه في اللقاءات القادمة.
стр. 157
الأسئلة
стр. 158
حكم تخصيص يوم عرفة بالقنوت في صلاة الفجر
السؤال
ما حكم تخصيص يوم عرفة بالقنوت في صلاة الفجر؟
الجواب
بدعة، لكن إن أردت أن تقنت في الفجر -لمذهب الشافعي - فاقنت في كل يوم، لا أن تخص يوماً أو أياماً بعينها، فقد نهى النبي ﷺ أن يخص يوم الجمعة بقيام أو دعاء، فمن باب أولى أن تخصص ليلة بدعاء أو أن تخصص أياماً بعينها، ولك الدعاء المطلق في أي وقت من الأوقات، سواء عرفة أو غيره، والله تعالى أعلم.
стр. 159
حكم البيع بالتقسيط مع زيادة الثمن
السؤال
لنا صديق يحب التجارة، فنستعمله على حاجاتنا، وكل منا يسمي له حاجته فيشتريها نقداً ويبيعها بالتقسيط مقابل ربح له، وفي الفترة الأخيرة طلبت منه أن يشتري لي مجموعة من أشرطة الدروس، فاشتراها نقداً ثم باعها لي بالتقسيط مقابل نسبة من الربح، فهل هذه المعاملة تجوز؟
الجواب
هذا التعامل جائز، بشرط أن يملك السلعة، لا أن يبيعها قبل أن يمتلكها، لأن ذلك يعتبر رباً، مثال ذلك: لو أن رجلاً طلب من آخر أن يشتري له سيارة مواصفاتها كذا وكذا، ثم باعها منه بثمن جديد قبل أن يملكها، فهذا رباً لا يجوز، لأنه باع ما لا يملك، لذا كان لا بد أن يحوزها ويمتلكها ثم يبيعها للآخر، والله تعالى أعلم.
стр. 160
حكم تشمير الثياب في الصلاة
السؤال
حكم تشمير الثياب في الصلاة؟
الجواب
لا يجوز؛ لأنه من الكفت عند بعض العلماء.
стр. 161
سلسلة شرح صحيح البخاري [١١]
جاء الإسلام الحنيف بأحكام تتعلق بالجنائز حريٌ بالمسلم أن يعلمها، فأمر الإسلام بتعزية أهل الميت، كما نهى عن الحلق وضرب الخدود وشق الجيوب ودعوى الجاهلية عند المصيبة، كما بين أنه لا حرج على الإنسان أن يظهر الحزن عند المصيبة، لكن بدون رفع الصوت؛ لأن رفع الصوت من النياحة المحرمة في الشرع.
стр. 162
باب رثاء النبي ﷺ لسعد بن خولة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فلا زلنا مع صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الجنائز.
قال ﵀: [باب: (رثاء النبي ﷺ سعد بن خولة)].
وتبويب الإمام البخاري بهذه الطريقة يبين أن هناك رثاءً مشروعاً ورثاءً غير مشروع، فالمشروع: كأن تذكر أن فلاناً قد مات، ولا تزيد على ذلك شيئاً، وأما غير المشروع: فتقول مثلاً: توفي الأستاذ الدكتور رئيس قسم الجراحة، وزميل الجراحين بجامعة كاليفورنيا، والحاصل على كذا وكذا من الشهادات، أو تذكر في النعي أو في الرثاء ألقاب ومناصب دنيوية تولاها، أو أن تذكر له صلة قرابة، كابن عم العمدة، وخال النائب، وابن الزعيم والقائد فلان، فهذا كله من نعي الجاهلية الذي لا يجوز، فالألقاب والمناصب كلها زائلة بعد الموت، ولا ينفع المرء إلا ما قدم لآخرته.
هناك بعض الكلمات يأخذون عليها بعض الناس ملاحظات، وأنا أحب أن يكتبوا لنا بهذه الملاحظات، وهذه الكلمات كالقول: زوج مبارك على أخت مباركة، فلا نقطع لهما بالبركة، وإنما هذا على سبيل الدعاء والترجي والرجاء، فهذا مشروع ليس فيه شيء.
أيضاً حينما نقول: بارك الله لكما.
قال أحدهم: الحديث يقول: (بارك الله لك)، فلابد أن تلتزم بالنص، فأنا الآن أدعو له ولها، وحينما أدعو للواحد أقول: بارك الله لك، وحينما أدعو لهما أقول: بارك الله لكما، وإن كنت أدعو للجميع أقول: بارك الله لكم، فهذه أمور دقيقة يتنبه لها.
قال ﵀: [حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ﵁ قال]، فالذي يروي الحديث هو سعد بن أبي وقاص أحد المبشرين بالجنة، وله أبناء عدة، منهم عامر هذا الذي روى عن أبيه، وقد تتبع شيخنا أبو إسحاق صحيح البخاري ومسلم لينظر من الذي روى عن سعد في البخاري ومسلم من أبنائه، ولذا فـ سعد بن أبي وقاص قد ورث أبناءه العلم.
قال ﵀: [(كان رسول الله ﷺ يعودني عام حجة الوداع)]، لذا فإن من فقه الإمام البخاري أنه قد كرر وأعاد وخرج هذا الحديث إحدى عشرة مرة، فمرة في كتاب الجنائز، ومرة في كتاب الإيمان، ومرة في كتاب حجة الوداع، ومرة في كتاب الوصايا، وكل ذلك إما للطيفة في السند أو في المتن، وفي الحديث مشروعية عيادة المريض.
قال: [(من وجع اشتد بي)]، أي: من مرض اشتد بي.
ثم قال: [(فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة)]، يعني: ظن سعداً أن هذا هو مرض الموت، وفي الحديث مشروعية الشكوى، كأن يقول المريض: أنا مريض، وهذا ما قاله النبي ﷺ في حديث عندما قالت عائشة: (وا رأساه يا رسول الله، قال: بل وا رأساه أنا يا عائشة)، وقال يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦]، فجواز الشكوى مع الحمد لا تمثل شكوى، فحينما تشكو ألماً في بطنك أو وجعاً في رأسك فإن ذلك لا يخالف الشرع، بدليل هذه الأدلة التي ذكرناها، وقوله: (وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة) يعني: لم يكن له من الأولاد إلا بنتاً واحدة، فلها أن تأخذ نصف التركة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء:١١].
стр. 163
الوصية وأحكامها
قال: [(أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا.
فقلت: بالشطر؟ -بالنصف- فقال: لا.
ثم قال: الثلث -يعني: أوصي بالثلث- والثلث كبير، أو كثير)].
وهذا أخرجه البخاري أيضاً في كتاب الوصايا، من أنه يجوز للمورث أن يوصي بالثلث والثلث كثير، يعني: لم يحثنا النبي على الثلث، وإنما حثنا على الأقل من الثلث في الوصية، والوصية عند الفقهاء هي: تصرف مضاف لما بعد الموت، ولا وصية لوارث؛ لقول النبي ﷺ : (ولا وصية لوارث، فإن الله قد أعطى كل ذي حق حقه)، ولذلك أراد سعد أن يوصي بشطر ماله، يوصي بثلث ماله، فقال ﵊: (الثلث والثلث كثير).
ثم قال ﵊: [(إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)]، وفي موضع آخر عند البخاري قال: (يتكففون الناس وقال بيده هكذا)، ومعنى: (قال بيده اليد): ليمثل للمستمع ما معنى يتكففون الناس، يعني: يسألونهم، وعلى هذا قال العلماء: إن إشارة اليد تسمى قولاً.
وكذلك حركة وإشارة أي جارحة من الجوارح.
قال: [(وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها)]، في هذا إشارة إلى وجوب إخلاص العمل لله ، وقد أخرج البخاري في كتاب: الإيمان هذا الحديث من هذه الجملة: (وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها).
يقول: [(حتى ما تجعل في في امرأتك)].
يعني: أن الرجل حينما يأكل مع زوجته، فيأخذ قطعة من الطعام ويضعها في فم زوجته فله بذلك أجر.
قال: [(فقلت: يا رسول الله أخلف بعد أصحابي؟ قال: إنك لن تخلف فتعمل عملاً صالحاً إلا ازددت به درجة ورفعة، ثم لعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة)].
كان سعد بن خولة قد هاجر من مكة إلى المدينة، وكان من حسن خاتمة الرجل إذا هاجر أن يموت في المكان الذي هاجر إليه؛ لأنه جاء في الحديث: يقاس للرجل بين بلده وبين موضع هجرته، وبهذه المسافة يقاس له بها في الجنة، لكن سعد بن خولة قد عاد إلى مكة فمات بها، فهنا النبي ﷺ يرثي موته بمكة؛ لأنه من المستحب أن يموت في موضع هجرته وهي المدينة، ولذا بوب البخاري: باب: رثاء النبي ﷺ سعد بن خولة.
إذاً: هذا الحديث فيه من الدروس الكثير والكثير، وفيه مشروعية المراثي إن كانت بضوابط شرعية، لكن هناك مراثٍ جاهلية نهى عنها النبي ﷺ .
стр. 164
ما ينهى عن الحلق عند المصيبة
قال البخاري رحمه الله تعالى: [باب: ما ينهى عن الحلق عند المصيبة].
يعني: لا يكن سبب الحلق هو المصيبة.
قال رحمه الله تعالى: [قال الحكم بن موسى: حدثنا يحيى بن حمزة عن عبد الرحمن بن جابر: أن القاسم بن مخيمرة حدثه قال: حدثني أبو بردة بن أبي موسى ﵁ قال: (وجع أبو موسى وجعاً فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئاً، فلما أفاق قال: أنا بريء ممن برئ منه رسول الله ﷺ ؛ إن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة)]، والصالقة هي: التي ترفع صوتها بالبكاء عند حلول المصيبة، والبكاء مشروع، لكن بدون رفع الصوت، ولذلك كانت هذه وصية من أبي موسى ﵁؛ حتى لا يعذب بنياحتهم من بعد موته، والبخاري رحمه الله تعالى قد بوب باب: الميت يعذب ببكاء أهله إن كان نياحة، أو إن كان من هديه، أو لم ينه عنه ولم يوص بعدم فعله.
قوله: (أنا بريء)، وكلمة: (ليس منا) فيها عشرة أقوال للعلماء: فبعضهم قال: ليس منا، أي: ليس على سنتنا.
وقال بعضهم: إيمانه ناقص، أي: نفى عنه كمال الإيمان لا أصله.
وقال بعضهم: ليس منا، أي: إن فعل ذلك مستحلاً فقد كفر؛ لأن هذا الفعل حرام، فهو يحل ما حرم الله.
فهذه أقوال للعلماء في قوله ﵊: (ليس منا).
ثم قال ﵊: [(والحالقة والشاقة)].
والحالقة هي: التي تحلق شعرها، ولذلك تجد البعض قد يحلق شعره وهذا منهي عنه، جاء في صحيح مسلم أن من صفة الخوارج أنهم يحلقون رءوسهم، لذا فلا يجوز حلق الرأس إلا في حج أو عمرة، والحلق عند حلول المصيبة فيه إشعار بأنك تحزن بالحلق، وقد كانت النسوة تحلق رءوسها عند حلول المصيبة.
والشاقة هي: التي تشق جيبها، ولذلك برئ النبي ﷺ من هذه الأعمال الثلاثة، والبخاري رحمه الله تعالى قد بوب باب: (ما ينهى عن الحلق عند المصيبة)، والنهي هنا للتحريم، إلا أن يأتي صارف يصرفه للكراهة.
стр. 165
باب النهي عن ضرب الخدود ودعوى الجاهلية عند المصيبة
قال البخاري ﵀: [باب: ليس منا من ضرب الخدود].
قوله: (ليس منا) فيها أكثر من عشرة أقوال للعلماء، فبعضهم قال: (ليس منا)، أي: ليس من سنتنا أو ليس على هدينا، وهذا قول.
وقال بعضهم: (ليس منا)، أي: يخرج من الإسلام بالكلية إن استحل ذلك الفعل.
وقال بعضهم: (ليس منا)، أي: إيمانه غير كامل.
فهذه أقوال لبعض العلماء قد عدها ابن حجر في الفتح.
قال رحمه الله تعالى: [عن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ قال: (ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية)].
ثم قال البخاري رحمه الله تعالى: [ما ينهى من الويل ودعوى الجاهلية عند المصيبة].
والمعنى: أن البخاري يعيد نفس الحديث، لكن تحت تبويب آخر، فانظر إلى فقه البخاري في التبويب، فهناك يقول: [باب: ليس منا من ضرب الخدود]، وهنا يقول: باب: [ما ينهى من الويل ودعوى الجاهلية عند المصيبة].
وسند الحديث الأول قال فيه: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ ].
فشيخ البخاري هنا هو: محمد بن بشار، وشيخ البخاري في الحديث الآخر هو: عمر بن حفص، قال رحمه الله تعالى: [حدثنا عمر بن حفص حدثنا أبي حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية)].
فالمتن هو المتن، لكن اللطيفة في السند، فشيخ البخاري في الحديث الأول يختلف عن شيخه في الثاني، والسند الأول يختلف عن السند الثاني، فتعددت طرق الحديث عند البخاري رحمه الله تعالى.
ولذا قد نجد في عصرنا اليوم من يطعن في البخاري، فقد أعطاني أحدهم كتاباً كان يرغب في توزيعه، وهو رسالة صغيرة، وكاتبه لم يجد له سبيلاً للبيع فوزعه مجاناً، وحتى لو وزعوه بجائزة فلن يجدوا له أرضاً! لأن الكتاب كله طعن في البخاري ومسلم، وطعن في حد الردة، وطعن في حد الرجم، وطعن في أصول اتفقت عليها الأمة، يقول هذا في هذا الكتاب: أما البخاري فلم يجمع صحيحه إلا من مخطوطة مضى عليها أكثر من ثلاثمائة سنة! يعني: أن البخاري مات سنة ٢٥٦ هجرية، ولم يجمع إلا في سنة ٦٠٠ أو ٥٠٠ في آخر القرن الرابع أو الخامس، أي: أن هناك فترة زمنية بين المخطوطة التي تركها البخاري وبين إخراجها في صورة كتاب، فلا نأمن أن يكون البعض قد دس على البخاري، وعلى هذا ينتهي إلى أن البخاري الذي بين أيدينا ليس له من الصحة شيء.
فنقول له: أنت لا تعلم كيف تحقق المخطوطات، فالمخطوطة حتى تصبح كتاباً لا بد لها من أصول في التحقيق: أولاً: لا ينبغي أن يخرج الكتاب عن مخطوطة واحدة، بل لابد أن يكون هناك أكثر من مخطوطة، في القاهرة، وفي بغداد، وفي غيرها من البلدان، ثم بعد الحصول على هذه المخطوطات لا بد من المقارنة بينها.
ثانياً: إثبات أن هذه المخطوطة لمؤلفها.
ثالثاً: إثبات أن هذه المخطوطة قد كتبت بالخط الذي عاش في عصره المؤلف أو نقلت عنه، وهذا علم كبير يدرس الآن يسمى: علم المخطوطات.
فيا من تطعن في أصل البخاري، ما علمك بعلم المخطوطات؟ وهل هناك أحد من الأمة قال: إن البخاري قد حقق عن مخطوطة مطعون فيها؟! ثم عاد هذا الخبيث فقال: إن حديث فقأ موسى لعين ملك الموت لا نقبله! فيا هذا انظر إلى أقوال أهل العلم -إن هذا الكتاب جرثومة، وكاتبه علماني خبيث أعرفه- وأيضاً يطعن في حد الردة، ويطعن في حد الرجم فيقول: إن الرجم هذا ليس من السنة، وليس من الإسلام، ولابد أن نعيد النظر فيه! إن هؤلاء الناس بضاعتهم راكدة وليس لهم سوق، لذلك طبع هذا الكتاب وكتب عليه: يوزع مجاناً، وإن شاء الله لن يقرأه ولن يحصل عليه أحد، حتى وإن كان مجاناً.
стр. 166
باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن
قال البخاري رحمه الله تعالى: [باب: من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن]، ثم قال: [باب: من لم يظهر حزنه عند المصيبة].
وكأن البخاري رحمه الله تعالى يقول: ما الأدب الواجب على المسلم عند حلول المصيبة، أي: عندما تنزل المصيبة ويعرف في وجه العبد الحزن، أو لا يعرف في وجهه الحزن؟ وأتى هناك بحديثين وهنا بحديث؛ وذلك ليبين أن هذا مشروع وذاك مشروع أيضاً.
قال البخاري ﵀: [حدثنا محمد بن المثنى: حدثنا عبد الوهاب قال: سمعت يحيى قال: أخبرتني عمرة قالت: سمعت عائشة ﵂ قالت: (لما جاء النبي ﷺ قتل ابن حارثة وجعفر وابن رواحة، جلس يعرف فيه الحزن)]، أي: يعرف في وجهه أنه حزين؛ لما حصل من قتل هؤلاء في غزوة مؤتة.
وفي هذا مشروعية إظهار الحزن على الوجه عند حلول المصيبة، ويمكن ألا يظهر الحزن.
قال: [(وأنا أنظر من صائر الباب شق الباب، فأتاه رجل فقال: إن نساء جعفر وذكر بكاءهن)].
هذه الغزوة التي أمَّر فيها النبي ﷺ ثلاثة من أصحابه: زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، فإن مات الأول انتقلت الراية إلى الثاني، وإن مات الثاني انتقلت الراية إلى الثالث، وسميت هذه المعركة بالغزوة رغم أن النبي ﷺ لم يشهدها لسببين: السبب الأول: أنه ولى فيها أميراً.
السبب الثاني: لكثرة عدد المقاتلين فيها، فقد خرج جُلُّ الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
وقد رأى النبي ﷺ مصرع القواد الثلاثة وهو في المدينة، فقال لأصحابه: (استشهد زيد وانتقلت الراية من بعده إلى جعفر، ثم إلى عبد الله بن رواحة)، وعبد الله بن رواحة لما أخذ الراية ترددت نفسه قليلاً، فأخذ يخاطبها بأبيات شعرية: أقسمت يا نفس لتنزله لتنزلنه أو لتكرهنه قد أجلب الناس وشدوا الرنة ما لي أراك تكرهين الجنة يا نفس إلا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليت وما تمنيته فقد أعطيت إن تفعلي فعلهما هديت وسمي جعفر بن أبي طالب ﵁ في هذه الغزوة بالطيار، لأن يداه قد قطعتا في هذه الغزوة، فأبدله الله بجناحين يطير بهما في الجنة، ولذلك فإن النبي ﷺ لما أوحي إليه بموتهم حزن، فجلس يعرف في وجهه الحزن، فأتاه رجل وقال: (إن نساء جعفر يبكين)، أي: أنه كان لـ جعفر أكثر من زوجة، وفي هذا إشارة إلى تعدد الزوجات في الإسلام، خلاف الذين يطعنون في الإسلام، فقد رسم أحدهم كاريكاتيراً وضع فيه صورة رجل ملتح وبجواره عدد من الزوجات، وقسم الرسام الرجل إلى نصفين: نصف مع الأولى ونصف مع الثانية، يعني: أنه يريد أن يقول: إن زوج الاثنتين يترك نصفه الأول هناك ونصفه الثاني هنا، أي: أنه لا يحقق العدل بين الاثنتين من نسائه، لذا فإن من أمثال هؤلاء يريدون للأمة أن تضيع معالمها، ثم يدندن هذا فيقول: إن التعدد في زمننا اليوم مستحيل، وأن الذين ينادون بالتعدد واهمون، وأن من مساوئ الشريعة إباحة التعدد! وهذا كلام لا يقوله إلا حاقد على الإسلام، إذ أن الإسلام قد راعى الفطرة، وراعى ظروف الناس وواقع المجتمعات، فحينما يزيد عدد النساء على عدد الرجال إن لم يكن التعدد فالزنا، فنحن نريد من هؤلاء أن يجعلوا لكل امرأة رجلاً، إما أن يكون بالزواج الصحيح، وإما أن يكون بالعشق والعلاقات المحرمة، وهذه معادلة نريد لها التوازن وازنوها إن استطعتم، فلن تتوازن إلا بالتعدد الذي أباحه الإسلام، لكن بالضوابط التي أمر بها الإسلام، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء:٣]، وقد اختلف العلماء: هل الأصل هو التعدد أو الأصل واحدة؟ فمنهم من قال: إن الأصل واحدة؛ لأن آدم لما خلقه الله خلق له حواء ولم يخلق له أربعة، ومات عن واحدة، لكنهم عادوا فقالوا: إن اختل الميزان وجب التعدد، وبعض الناس ينظرون إلى القضية نظرة هامشية فأرجو أن ننتبه إليها.
قال: [(فأمره أن ينهاهن، فذهب)].
يعني: عندما أخبره الرجل أمره أن يعود إليهن وينههن عن البكاء.
ثم قال: [(ثم أتاه الثانية: لم يطعنه، فقال: (انههن).
فأتاه الثالثة، قال: والله غلبننا يا رسول الله)]، يعني: لم نستطع أن نمنعهن عن البكاء.
يقول: [(فزعمت أنه قال: فاحث في أفواههن التراب، فقلت: أرغم الله أنفك - عائشة تقول للرجل- لم تفعل ما أمرك رسول الله ﷺ ، ولم تترك رسول الله ﷺ من العناء)].
أي: أن الرجل ذهب وعاد عدة مرات، وهو يقول: لم أستطع أن أمنعهن م
стр. 167
باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة
قال البخاري رحمه الله تعالى: [باب: من لم يظهر حزنه عند المصيبة: حدثنا بشر بن الحكم حدثنا سفيان بن عيينة أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: أنه سمع أنس بن مالك يقول: اشتكى ابن لـ أبي طلحة]، فـ أبو طلحة الأنصاري تزوج أم سليم، وأم سليم هي أم أنس الذي دفعته لخدمة النبي ﷺ ، والابن الذي اشتكى اسمه عمير، وقد كان النبي ﵊ يداعبه ويقول له: (يا أبا عمير -يعني: يكنيه وهو صغير.
وفيه جواز الكنية لمن لم يولد له- ما صنع النغير)، والنغير هو اسم عصفور، فقد كان لـ عمير عصفور صغير يلعب به، وفي يوم بكى عمير وقال: مات النغير يا رسول الله.
وفي يوم من الأيام خرج أبو طلحة لعمله وترك ابنه مريضاً، فمات الولد في غياب أبيه، فلما رأت امرأته أنه قد مات هيأت شيئاً ونحَّته في جانب البيت، وفي الرواية الأخرى: هيأت نفسها، يعني: تزينت.
وفي الحديث مشروعية تزين المرأة لزوجها عند الموت.
وفي رواية أخرى: وتطيبت.
يعني: وضعت الطيب لزوجها وابنها ميت في البيت، ولم تُظْهِر على وجهها الحزن، وأبو طلحة لم يعلم أن ابنه قد مات.
ولما عاد إلى بيته قال: كيف الغلام؟ وفي هذا مشروعية اطمئنان الأب على أبنائه، فقالت: قد هدأت نفسه.
أي: أرادت أن نفسه قد فارقت الحياة، بينما فهم أبو طلحة ﵁ أن نفسه قد هدأت بالنوم، وهذا ما يسمى بالمعاريض، والمعاريض فيها مندوحة عن الكذب، ولا تستعمل إلا عند الضرورة، وتأملوا إلى المرأة عندما قالت: وأرجو أن يكون قد استراح، فهي ﵂ لم تجزم بأنه قد استراح، وإنما رجت رجاءً، ولذلك حينما أقول: زوج مبارك، أي: أرجو من الله أن يكون مباركاً، فهذا رجاء وليس قطعاً.
قال رحمه الله تعالى: [وظن أبو طلحة أنها صادقة، فباتا، قال: فبات، فلما أصبح اغتسل] أي: اغتسل من جماع.
وفي الرواية الأخرى للبخاري: وعرضت، أي: أنه يجوز للمرأة أن تعرض لزوجها، وكل لبيب بالإشارة يفهم.
قال: [فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات]، أي: عندما أراد الخروج قالت له: إن ولدك قد مات.
ثم قال: [فصلى مع النبي ﷺ ثم أخبره النبي ﷺ بما كان منهما]، أي: قص عليه ما حدث منهما.
قال: [فقال رسول الله ﷺ : (لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما)]، وفي رواية أخرى: (بارك الله لكما في ليلتكما) فقطع لهما بالبركة.
يقول الراوي من الأنصار: فرأيت لهما تسعة أولاد، كلهم قد قرأ القرآن.
وكل هذا بفضل دعوة النبي ﵊.
وهنا نقول: إن أم سليم لم تظهر الحزن عند حلول المصيبة، والنبي قد أظهر الحزن في بئر معونة وفي غزوة مؤتة، وعلى هذا صنف البخاري: باب: (ظهور الحزن عند حلول المصيبة)، وباب: (من لم يظهر الحزن عند حلول المصيبة).
اللهم إنا نسألك أن ترزقنا علماً نافعاً، ونعوذ بك يا رب من علم لا ينفع، ومن دعوة لا يستجاب لها.
آمين آمين.
стр. 168
الأسئلة
стр. 169
جواز قضاء سنة المغرب بعد دخول وقت العشاء
السؤال
هل يمكن أن أصلي ركعتين بعد المغرب بعد دخول وقت العشاء، لكن قبل صلاة العشاء؟
الجواب
نعم، فهذا من قضاء الرواتب الآكدة التي فعلها النبي ﷺ .
стр. 170
حكم إنكار المنكر إذا كان يؤدي إلى منكر أعظم منه
السؤال
ماذا لو رأى أحدنا شاباً وفتاة في مكان مظلم أو في طريق عام، هل يكلمهما أم يتركهما ويكون هذا من أضعف الإيمان؟
الجواب
إن كنت تعرفهما ويستمعان لقولك ولك عليهما ولاية فلا بأس أن تنكر عليهما، وإن كنت لا تعرفهما فبلغ السلطات، وإن تعذر ذلك فأضعف الإيمان أن تنكر بقلبك.
لكن قد يقول قائل: ولماذا أنكر بقلبي؟ ولماذا لا أدخل مباشرة؟ أنت الآن لا يحاسبك الله، لأنك لا تملك سلطة التغيير، وإنما الذي يملك سلطة التغيير من بيده سلطة التغيير، فإما أن ترفع الأمر إلى السلطة وتكون قد أبرأت إلى الله، وإما أن تكون لك ولاية عليهما فتدخل، وإن لم يكن لك ولاية وتغيير ذلك سيؤدي إلى منكر أشد فيجب عليك تركه.
وأحكي واقعة حدثت في بلدتي، فقد رأى أخ ملتزم مثل هذا المشهد فأراد أن ينهى عن المنكر، فجذبته البنت ثم قالت: يريد أن يساومني عن نفسي، وجاءت الشرطة وانقلبت المعايير، فدخل الأخ السجن وإلى الآن لا أدري أخرج أم لا؟! لذا كان لابد على المسلم أن يفقه واقعه، وليس معنى ذلك الدعوة إلى السلبية، وإنما خذ موقفاً إيجابياً، كأن تأتي بأربعة من الناس يشهدون، أو تبلغ السلطات، وبذلك تكون قد أمنت الفتنة على نفسك.
стр. 171
حكم بيع الحبوب الممنوعة في الصيدلية بدون ورقة من الطبيب
السؤال
كنت قبل التزامي أعمل في صيدلية، وكنت أبيع حبوباً ممنوع أن تصرف إلا بورقة من الطبيب، فما حكم عملي؟ وهل رزقي حلال أم حرام أم به شبهة؟
الجواب
طبعاً أنت تعلم أن بعض هذه الحبوب يتعاطاها المدمنون، فيقول لك أحدهم: أعطني علاج الكحة مثلاً فإذا به يشرب الزجاجة كاملة، وإذا بمنظره -والعياذ بالله- قبيح، فأنت عند ذلك تعاونه على المنكر، فأقول لك: تب إلى ربك من هذا الفعل، وظاهر حال الذي يشتري يحكم عليه، فإن كان مريضاً ويستدعي العلاج فلا بأس، أما إن كان غير ذلك فأنصحك أن تترك العمل.
ونفترض أن وزارة الصحة وضعت تعليمات أن هذا الدواء لا يباع إلا مع الروشتة فينبغي أن تلتزم بها، وهذا من المصالح المرسلة.
стр. 172
حكم حمل الرجال الأجانب لجنازة المرأة
السؤال
هل يجوز أن يحمل المرأة عند دفنها رجالاً ليسوا بمحارم لها، أي: غرباء عنها؟
الجواب
يجوز إن لم يوجد المحارم، لكن المحارم يقدمون إن وجدوا، وعثمان قد اعتذر عن النزول مع أم كلثوم، فأنزل النبي ﷺ صحابياً آخر أجنبياً للضرورة، أما في حال عدم الضرورة فالمحارم أولى.
стр. 173
حكم الصلاة على المفروشات الأرضية التي يبول عليها الصبي
السؤال
لدي صبي صغير يبول على سجاد الحجرات، وعمره خمس سنين ونصف، فهل يجوز الصلاة على هذه المفروشات الأرضية إذا كانت ناشفة، مع ذكر الدليل؟
الجواب
إذا تحققت من وجود البول على السجادة فلابد أن تغسل، والنجاسة تميز باللون أو الطعم أو الرائحة، فإذا تتبعت الرائحة ولم تجد، ولم تستطع أن تميز بالطعم أو باللون، فصل ولا حرج؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات، والواجبات تسقط بالعجز، والمشقة تجلب التيسير: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، لكن قد نجد بعض الناس عنده وسوسة، فيأخذ السجادة ويغسلها بأكملها، وقد سألني أخ فقال: كلب صعد إلى أعلى السطح ومر بلسانه على الملابس، فهل نغسل كل الملابس؟ لا.
فهو مر على أحد الملابس، وسار بجوار الملابس الأخرى، ومن صلى متلبساً بنجاسة ولم يعرف فلا بأس عليه، فقد صلى النبي ﷺ وفي نعله نجاسة، ولم يعد الصلاة؛ لأنه لم يعلم بها، والأدلة على ذلك كثيرة جداً.
стр. 174
حكم من فاته ورده من قيام الليل
السؤال
إذا كان لي ورد من قيام الليل، فنمت في ليلة بنية قيام الليل، ولم أستيقظ إلا على أذان الفجر، فهل لي أن أقضي؟
الجواب
نعم، لك أن تقضي بشرط أن تقضي الوتر شفعاً، وهذا هو اختيار علمائنا، فإن كنت توتر بثلاث فصل أربعاً، وإن كنت توتر بواحدة فصل مثنى، و (صلاة الليل مثنى مثنى)، فتقضى على الكيفية التي تصلي بها في الليل، وهي: مثنى مثنى كما ورد في صحيح مسلم، وهذا اختيار الشيخ ابن عثيمين في رياض الصالحين، والله تعالى أعلم.
стр. 175
سلسلة شرح صحيح البخاري [١٢]
إنما الصبر عند الصدمة الأولى فيجب على المسلم الصبر على القضاء والقدر وخاصة عند فقد القريب، فلا ينوح ولا يجزع، ولكن له أن يبكي ويحزن حزناً لا يصل إلى الجزع والتسخط على قضاء الله وقدره.
стр. 176
فضل صوم يوم عاشوراء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فأيها الإخوة الكرام الأحباب في بداية هذا اللقاء الطيب المبارك نذكر بأمور هامة: الأمر الأول: صيام عاشوراء، عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء، فلما سأل عن سبب صيامه أخبروه بأنه يوم أظهر الله فيه موسى ﵇ وأغرق فرعون، فقال ﷺ : نحن أحق بموسى منهم، فصام وأمر الناس بصيامه)، ولما أُخبر أن اليهود يفردونه بالصيام قال: (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر) وفي حديث أبي قتادة عن النبي ﷺ قال: (صيام عاشوراء أحتسب على الله أن يكفّر ذنوب سنة ماضية)، فلا تحرموا أنفسكم من هذا الأجر الكبير، وفي هذا اليوم ينبغي أن نبيّن لأبنائنا الصغار ما وقع من صراع بين الحق والباطل، بين موسى ﵇ وبين فرعون، وفي قصة موسى الكثير من الدروس والعبر التي ينبغي أن نقبل عليها دراسة وتحليلاً، فإن فرعون قتل لأجل موسى آلاف الذكور من بني إسرائيل، وخطط لعدم ميلاده وعدم وجوده إلا أن الله أراد أن يلقن الفراعنة درساً في كل الأزمنة والعصور، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]، فربي موسى في بيت فرعون، وترعرع تحت بصره، ووقفت امرأته تدافع عنه، وعادة الفراعنة أنهم لا يملكون صناعة القرار، إنما الذي يصنع القرار لهم هن النساء، ولكنهم يتخذون القرار، وفرق بين صناعة القرار واتخاذ القرار، فالفراعنة إن تأملت في كتاب الله تجد أن النساء يحكمنهم، قالت امرأة فرعون: (لا تقتلوه)، وهو كان قد قال من قبل (اقتلوه)، فكان صاحب القرار في الأمر هي المرأة، قال حاكياً عنها أنها قالت: ﴿لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [القصص:٩] فتُرك موسى ﵇.
وهكذا فاذكر لهم الأحداث التي وقعت في قصته في هجرته من مصر، وفي زواجه من مدين، وفي عودته من مدين إلى مصر، وفي لقائه مع فرعون، وفي لقائه مع السحرة، وفي خروجه من مصر وإغراق فرعون في يوم عاشوراء، وفي نجاة بني إسرائيل، وفي عبورهم إلى الشاطئ الآخر حيث مروا ﴿عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]، فهي دروس وعبر ما أحوجنا أن نذكر بها الأبناء، وأن تخضع لمقاييس الفهم الصحيح من الكتاب والسنة.
стр. 177
حرمة تصوير الأنبياء
الأمر الثاني: شركة مصرية تبيع كتباً في قصص الأنبياء اسمها ينابيع، وأسأل الله أن يهدي القائمين عليها، نشرت سلسلة قصص من القرآن، ومنها قصة الخضر ﵇ مع موسى ﵇ في رحلة طلب العلم، وصوروا فيها صوراً وقالوا: هذا هو الخضر وهذا هو غلام موسى يوشع بن نون، وهو نبي، فهل يجوز تصوير الأنبياء بصور كاريكاتورية تقدم للأبناء بهذه الطريقة؟ فهل يجوز أن الأنبياء يصورون صوراً فوتوغرافية؟ من الذي قال هذا؟ ومن الذي أفتاهم بهذا؟ فإن الأنبياء منزّهون، ومن ثَمَّ أُحذّر من هذه الكتب لا سيما من المخالفات الاعتقادية التي فيها.
стр. 178
حكم تمثيل الأنبياء والصحابة
الأمر الثالث: مجمع البحوث الإسلامية وافق على مسلسل سيد البشر ﷺ ، ولا أدري ماذا سيعرض فيه، ولكن تمثيل الصحابة وتمثيل الأنبياء لا يجوز بإجماع أهل العلم المعتبرين؛ لأن الصحابة لا ينبغي أن يُمثّلوا كما قلنا قبل؛ فأحذّر من هذه الكتب، وأقول: لا ينبغي تصوير الأنبياء في صور فوتوغرافية تُعرض على الأطفال، فهذا إجرام في حق أنبياء الله ورسل الله صلوات الله وسلامه عليهم.
стр. 179
خطر تأويل صفات الله
الأمر الرابع: مجلة الأزهر مجلة قيّمة نافعة فيها أبحاث طيبة، لكني فوجئت في هذا الشهر بملحق العقيدة الإسلامية كما جاء بها القرآن الكريم لشيخنا الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله تعالى، وفيها ما يناقض عقيدة السلف حيث يقول الشيخ: وجمهور العلماء على أن آيات الصفات مجازات، فالاستواء مجاز عن الاستيلاء، والعين عن البصر، واليد عن القدرة، والوجه عن الوجود، ومعنى ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] أنها تجري بالمكان الذي أحاطه الله بالكلاءة والعناية والحفظ والرعاية، ثم أخذ يعدد الصفات وأنها مجازات فهل جمهور السلف على هذه العقيدة؟ وهذا الكلام حينما ينشر على أنه معتقد السلف أليس في ذلك تدليساً على الأمة؟ فالسلف آمنوا بالصفات وأثبوتها لله بدون كيف، فقالوا: اليد معلومة وكيفيتها مجهولة، فأثبتوا لله الصفة مع تفويض الكيف، وهذه عقيدة مالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي والأوزاعي والليث وهي عقيدة الصحابة من قبلهم.
وحينما دخل من دخل على الإمام مالك وسأله عن الاستواء: ما معنى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]؟ قال مالك ﵀: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، أخرجوا هذا المبتدع، فأخرج من المسجد.
فقوله: (الاستواء معلوم)، أي: معلوم المعنى، فإن استوى بمعنى علا وارتفع، وليس استوى بمعنى استولى كما يدرس الآن، استولى عليه من من؟ ورحم الله ابن القيم حينما قال: ولام المعطّلة كنون اليهود، قال الله لهم: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة:٥٨] فقالوا: حنطة، فزادوا نوناً، وقال الله: ﴿اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فقال هؤلاء المعطّلة: استولى.
ولكنهم يلقمون حجراً حينما قال الله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] فهل هذا يعني أن يديه بمعنى قدرته؟ فإذا قالوا ذلك فقد أثبتوا لله قدرتين، وقال : ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] فهل معناها: أن قدرة الله فوق قدرتهم؟ وحينما وصل الجعد بن درهم إلى قول الله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] وفي هذه الآية إثبات صفة الكلام وهو لا يريد أن يثبتها، فقال: وكلّمَ اللهَ موسى تكليماً، فجعل موسى هو الذي تكلم مع ربه، فأراد أن يُعطّل صفة الكلام، فلما وصل إلى قول الله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] لم يستطع أن يصنع شيئاً؟ فالقرآن بيّن واضح، والكلام صفة كمال، والله له صفات الكمال، فهل تعبدون إلهاً لا يتكلم؟ فالكلام معلوم، والكيف مجهول، فلا نعلم كيف يتكلم، لكننا نثبت له صفة الكلام.
فكونه يُنشر هذا الكلام الذي فيه تأويل الصفات على أنه اعتقاد السلف فهذا ظلم وافتراء على سلف الأمة.
وقوله: إنه رأي الجمهور، والله! ما هو برأي الجمهور أبداً، وإنما هو عقيدة الأشاعرة وعقيدة المعطّلة الذين عطَّلوا آيات الصفات فقالوا: إن الله لا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال فأين الله؟ وهل يعبدون عدماً؟ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! فهؤلاء هم الجهمية، وهؤلاء هم الذين عطّلوا صفات الله ، لذلك خالد القسري كان والياً في عهد الجعد بن درهم وبعد أن صلى صلاة عيد الأضحى بالمسلمين قال: أيها المسلمون! فليذهب كل واحد منكم فليضح بأضحيته، أما أنا فسأضحي بـ الجعد بن درهم فهو ضحيتي، وذبحه عند المكان الذي خطب فيه؛ لأنه قال: ما اتخذ الله إبراهيم خليلاً، وما كلم الله موسى تكليماً، فأراد أن يجحد آيات الله، فذبحه عند المكان الذي صلى فيه.
فأقول أيها الإخوة الكرام: لا ينبغي أن يُدرّس هذا الكلام، ولا ينبغي أن ينشر على أنه اعتقاد السلف، فهذا خلط للأمور، فليتقوا الله .
وأبو الحسن الأشعري في كتابه الإبانة عاد عمّا ذهب إليه، فإن كانوا أشعرية فـ الأشعري قد عاد عن اعتقاده في الأسماء والصفات فليرجعوا إلى ما رجع إليه.
стр. 180
حرمة أعراض العلماء
الأمر الأخير: أن تجريح العلماء لا يجوز بحال، ومما ابتليت به الأمة: أن يقع العلماء بعضهم في بعض، وأن نعرّض بهم في المجالس، وأن طويلب العلم يحمل أوراقاً يوزعها بين الناس يُحذّر من علماء الأمة.
فأخونا الشيخ محمود المصري أبو عمار لا أعرف عنه إلا أنه سلفي الاعتقاد يدعو إلى الله على بصيرة، فلا يجوز الطعن في العلماء والتعريض وقول: لا تسمعوا لهذا، ولا تسمعوا لها فلمن يسمعوا إذاً؟ لن يبقى هناك أحد، فكل من على الساحة جُرِّح، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فهذا الكلام فليتق الله من يردده، فكفى أن العلماء يُضطهدون من العلمانيين، وكفى أن العلماء يُعرّض بهم من هنا وهناك، فيا أخي! علِّم الناس العلم بدلاً من أن تُفرِّغ نفسك للطعن في إخوانك.
وفي الحقيقة هذا الكلام قد يُغضب البعض، ولكني أقوله وأحتسبه عند الله ، فمثل الشيخ محمد حسان وأخونا الشيخ أبو إسحاق شيخنا، وكل من يعمل على ساحة الدعوة إلى الله ممن نثق فيهم وعقيدتهم سلفية، فإن أخطأ أحدهم في لفظ فقد يكون بلا قصد، إنما أن تظل تصطاد الأخطاء اللغوية والأخطاء في المنهج فلا، وإن سمعت شيئاً فراجعه حتى يصحح ما قال، فالمؤمن يستر وينصح، والمنافق يهتك ويفضح، فلا داعي للفضيحة، فراجعه فيما قال ويُسحب الشريط من السوق، ويصحح الخطأ بأدب دون إحداث فتنة، إنما الذي يحزننا هو أن البعض تفرغ لهذه المسألة، حتى إني رأيت بعض الطلبة يحملون أوراقاً للطعن في علماء الأمة وفيها: فلان فيه حلول واتحاد، وفلان سروري، وفلان من الخوارج، وفلان جهمي مرجئي، وما تركوا أحداً إلا وطعنوه، فلمن تستمع الأمة الآن؟ نسأل الله العافية والهداية للجميع.
следующие страницы →