Полный текст (308 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
إشكال حول نفع النطق بالشهادتين للصبي اليهودي مع أنها لا تنفع عند الموت
السؤال
إذا كانت الشهادة عند الموت لا تنفع فكيف نفعت الصبي اليهودي؟
الجواب
الصبي اليهودي حتى وإن مات على كفره فإنه يختبر في الآخرة، وقد اختلف العلماء في حكم أبناء المشركين إلى خمسة عشر قولاً، ذكرها ابن القيم ﵀، وهذه من شفاعات النبي ﷺ .
وإذا سمع الإنسان بالإسلام فإنه يحاسب، وإن لم يعرف ولم يصله فلا حساب عليه.
стр. 247
حال بعض طرق الصوفية والمتصوفة
السؤال
تنتشر في مصر الطرق الصوفية المتعددة، مثل: البرهانية، والشاذلية الجعفرية، والخليلية الخلواتيه، وغيرها من الطرق الأخرى، وبعض هذه الطرق يأخذ مشايخها العهد من الأتباع، ويلتزمون بقراءة الأوراد وإقامة حلقات الذكر، ويفسرون القرآن بطريقة لم نسمعها من سواهم، ويختلط الأمر عند بعض المسلمين عندما يسمعون أن بعض مشايخ هذه الطرق لهم كرامات، وقد تكون لاتصالهم بالجان، فهل يوجد من كتب السنة والتوحيد ما يشرح مخالفاتهم بالدليل؟
الجواب
هناك كتب كثيرة جداً، منها: كتاب الشيخ عبد الرحمن الوكيل هذه هي الصوفية، وكتاب الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة، وكتاب الشيخ ربيع بن هادي المدخلي الصوفية، وكتب عنها أيضاً محمود المراكبي وكان شيخ طريقة.
والطرق الصوفية من صنع أعداء الإسلام، وهناك التقاء بينهم وبين الشيعة، ومن مبادئ وأسس أهل التصوف: إيمانهم بالعلم الباطن ويسمونه العلم اللدني، وإيمانهم بعلم الخرق، وعلم المنامات، فلا تجد صوفياً يقرأ في البخاري، بل يقول: إن الذين يقرءون البخاري هم أناس مشعوذون، وأنا لست محتاجاً للبخاري، فأنا أتلقى العلم من الله بوحي منامي وإلهامات، ولذلك لما قيل لرجل منهم: ألا ترحل لتسمع الحديث من عبد الرزاق؟ قال: وماذا يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يتلقى من الخلاق؟ حتى إن بعضهم يقول لك: لقيت الشيخ في منامي فقال لي: الشاي حرام والقهوة حرام.
ويحرمون بالمنامات.
وبعض الناس يقوم من النوم ويطلق زوجته، ويقول: جاءني الوحي أمس وقال لي: طلق زوجتك! ويؤمن بهذا! حتى أنه اتصلت بي أخت فاضلة أخوها يدعي أنه يلهم ويأتيه الوحي، تقول: إنه جاء إليها في الصباح وقال لها: جاءني الوحي وقال لي: لا تزوري أمك وقاطعيها.
يعني: أن الوحي يأمر بقطيعة الرحم.
ويؤمنون بأن الأولياء أعلى مرتبة من الأنبياء، وبأنهم يعلمون الغيب.
وفي إحدى القرى كان الشيخ قاعداً والناس حوله -والشيخ لا أحد يقترب منه- فقال الشيخ في الساعة الثانية مساءاً في رمضان في الوقت الذي يبدأ الناس يتسحرون فيه للمضيف صاحب البيت: لا تأتي بزبادي، غيّر الزبادي الذي أعددته وائتنا بشيء آخر، فالشيخ يعرف الغيب، فقد عرف أن داخل البيت زبادي، ويضحك بذلك على عقول المغفلين.
وشخص تقاعد من الجيش بسبعين ألف جنيه مكافأة فانضم إلى الطريقة، فكانت تأتي إليه الشلة كل ليلة حتى فني ماله فطردهم، ثم يتواعدون غداً بعد العشاء عند فلان، وبعد غد عند فلان، وهذا موجود الآن في واقعنا، حتى أنني استعديت لشهادة في محكمة لامرأة أفسدها شيخ من هؤلاء الشيوخ على زوجها حتى طلبت منه الطلاق، فقد أمرها الشيخ أن تطلق نفسها، وقالت: إن الشيخ قد عينها نقيبة، وأن سيدنا الخضر أتى إلى الشيخ وقابله، وقد باعت الذهب والسيارة على الشيخ، فهو من أولياء الله الصالحين، ومن غلط عليه وقع في مصيبة، والشيخ لا يصلي الجمعة ولا الفجر، ويشرب السجائر، نسأل الله العافية.
فالمصيبة كبيرة، وطالما المغفل موجود النصاب بخير، والمغفلون كثر، فقد باع أحد الناس عندنا مزرعة ليمون بأكثر من عشرين ألفاً، فأخذ عشرة آلاف ووضعها في حجر الشيخ؛ لينفقها على الساحات الشعبية.
ولما رأيت ورد الطريقة البرهانية وجدت فيها ألفاظاً صبيانية: كدٍ كدٍ كدٍ بدرد، هيهات هيهات، هو هو، فقلت لأحدهم: ما هذا؟ قال: هذا تعليم شيخنا، وانتبه تعترض فتنطرد.
ويقولون: حينما تدخل على شيخك فاخلع عقلك كما تخلع الحذاء، واحذر أن تعترض، فالشيخ يرى ما لا ترى، وبعضهم أغلق على نفسه باب الحجرة ولم يخرج منذ أكثر من عشرين سنة، لا يصلى جمعة ولا جماعة، ويعيش في الظلام، فقد لعبت به الجن.
وقد قابلت أحدهم في الفجر فقال: اللبن ما زال في لساني.
قلت له: لبن ماذا؟ قال: حبيبي جاءني وسقاني اللبن.
فهم مخابيل.
نسأل الله العافية.
وهؤلاء يعتبرون من أسباب تأخر المسلمين، فبلاد المسلمين كلها غارقة في هذه الخرافات، فعلينا أن نوضح للمجتمعات هذه القضية، فنكتب الكتب، ونسجل الأشرطة، ونستخدم كل الوسائل المتاحة لذلك.
والمصيبة الثانية: أن الإذاعات والقنوات لا تفتح إلا لهؤلاء، ولا يرتقي المناصب إلا هم؛ لأن الصوفية تنزع من الإسلام الجهاد، والجهاد عندهم جهاد مسبحة وتوكل، وهذه مصيبة كبيرة طبعاً.
نعم.
والشيعة والصوفية صنوان يسقى بماء واحد، فالصوفية من عباءة التشيع خرجت، وهناك أناس كثر في هذه الطرق، وحينما تحدثهم بالحديث والسنة يقولون: نحن لنا علم الخرق وأنتم لكم علم الورق، والورق تبغض الأولياء، ولقد سمعت رئيس جامعة الأزهر السابق في مولد البدوي يقول في المكبر: لا يبغض الأولياء إلا السفهاء.
وقال في أحد برامجه التي قدمها في إذاعة القرآن: إن سيدي البدوي ذهب إلى الروضة المباركة في المدينة فأخرج له النبي ﷺ يده وصافحه.
فالنبي صلى الل
стр. 248
سلسلة شرح صحيح البخاري [١٩]
شدد الإسلام على حرمة الدماء، وعظم جريمة قتل المسلم بغير حق، وتوعد فاعل ذلك بأنواع العقوبات في الدنيا والآخرة، سواء قتل القاتل نفسه أو قتل غيره.
стр. 249
باب ما جاء في قاتل النفس
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد.
قال البخاري ﵀: [باب ما جاء في قاتل النفس].
أي: ما جاء في شأن قاتل النفس، وقاتل النفس إما أن يكون قتل غيره أو نفسه.
ولم يجزم البخاري ﵀ فيه بحكم؛ لأن ابن عباس من الصحابة كان يرى أن قاتل النفس مخلد في جهنم، وخالف بذلك جمهور الصحابة، ودليله: أن الله قال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣] وليس في القرآن وعيد كهذا الوعيد، فقد جمع بين كل أنواع الوعيد، فقال: ((وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا))، هذا الجزاء الأول، والثاني ((وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ))، ثم ((وَلَعَنَهُ))، فجمع له بين الغضب واللعن، ثم ((وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا))، وهذا لبيان شدة إثم هذا الفعل، وهو قتل النفس، وأول جريمة قتل وقعت على ظهر الأرض ارتكبها أحد ابني آدم، كما قال في سورة المائدة: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة:٢٧] فهذه أو جريمة قتل وقعت على الأرض، وفي حديث البخاري قال ﷺ : (لا تُقتل نفس ظلماً) يعني: أي نفس تُقتل بظلم على الأرض، (إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل).
فكل نفس تُقتل مظلومة في ميزان ابن آدم، فهو يحمل وزر قتلها على اعتبار أنه ابتدع بدعة سيئة، وكل أوزار المتبرجات في مصر في كفة قاسم أمين الذي أراد أن يحرر المرأة من الحجاب والحشمة إلى العري والخلاعة، فهذا في ميزانه إن شاء الله إلى يوم القيامة؛ لأن المرأة في مصر كانت إلى عهد قبل الثورة ترتدي النقاب إلى أن جاء قاسم أمين والثورة فحررت المرأة بزعمهم، وكان التحرر هو أن تكشف عن محاسنها، وسمي ذلك بتحرير المرأة المسلمة، وكان ميدان التحرير يسمى ميدان الإسماعيلية، ثم سُمي بميدان التحرير؛ لأن فيه تحررت المرأة، ولا أدري من أي شيء حررت.
نسأل الله العافية.
ثم أورد البخاري الحديث الأول: [من طريق ثابت بن الضحاك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من حلف بملة غير الإسلام كاذباً متعمداً فهو كما قال، ومن قتل نفسه بحديدة عُذِّب بها في نار جهنم)].
ومن صنيع البخاري ﵀ أن يأتي بالحديث في أكثر من باب، والذي يهمنا هنا هو المقطع الأخير؛ لأن له علاقة بالتبويب، وسنعود إلى المقطع الأول في كتب أخرى.
تنازع قوم في البخاري ومسلم لدي وقالوا أي ذين تقدم فقلت لقد فاق البخاري صحة كما قد فاق في حسن الصياغة مسلم والمعنى: أن البخاري في الصحة أعلا من مسلم، وأما في التبويب فـ مسلم لا يأتي بالحديث إلا في موضع واحد، والبخاري يأتي به في أكثر من موضع، لعلة في السند أو في المتن، أي: أن البخاري لا يكرر الأحاديث عبثاً، وإنما يكررها لعلة في سنده أو في متنه، فإن أعاده بنفس المتن فانظر إلى السند، فستجد خلافاً في سند الرجال.
стр. 250
بيان أن الكلام إذا خرج مخرج الغالب فليس له مفهوم مخالفة
وإن قال قائل: أنا لن أقتل نفسي بحديدة، وسأقتلها غرقاً، والوعيد إنما جاء لمن قتل نفسه بحديدة، قلنا له: افهم مقصود الكلام؛ لأن الكلام له منطوق ومفهوم.
فالمنطوق: هو ما دل عليه اللفظ في محل النطق.
والمفهوم: ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، وهو قسمان: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة.
ومفهوم الموافقة يسمى لحن الخطاب، وفحوى الخطاب، وهو مثل قول الله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠].
فهذه الآية نص في منطوقها، وهي تدل على حرمة أكل مال اليتيم.
فلو قال رجل: أنا لن آكل مال اليتيم وإنما سأتلفه بحرقه، والله إنما نهاني عن أكله ولم ينهني عن حرقه.
قلنا: إن الله ينهى عن الأكل وعما ساوى الأكل، سواء بالحرق أو بالإتلاف أو بالإغراق، فالكلام له منطوق ومفهوم، فمنطوقه عدم أكل مال اليتيم، ومفهومه عدم إتلافه بأي طريقة.
وإذا قال قائل: أنا أصلي -والحمد لله- الفجر بوضوء العشاء، فمنطوق الكلام أنه يصلي بوضوء العشاء، ونفهم من الكلام أنه لا ينام؛ لأنه ما أحدث، فهو يحافظ على وضوئه من العشاء إلى الفجر.
وحينما يقول قائل: أنا لم أر قفا مصل في حياتي.
نفهم منه: أنه يصلي دائماً في الصف الأول، فالكلام له منطوق ومفهوم، وحينما قال ﷺ كما في مسلم: (اليد تزني وزناها اللمس) مفهوم الكلام أن لمس اليد أحد أسباب الزنا.
وهذا مفهوم الكلام.
إذا قتل نفسه بسُمّ أو غرقاً فهو كمن قتل نفسه بحديدة، وإنما نص على الحديدة في قوله ﷺ : (من قتل نفسه بحديدة) لأن الحديدة هي غالب المعدن الذي يستخدم في قتل الإنسان، فخرج الكلام مخرج الغالب، وإذا خرج الكلام مخرج الغالب فليس له مفهوم مخالفة.
ولو قال قائل في قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ [الأنعام:١٥١]، أي: من فقر، فالآية تحرم قتل الولد من الفقر فأنا سأقتل ولدي من غنى.
قلنا له: إن الكلام خرج مخرج الغالب، فغالب الفعل أنهم كانوا يقتلون أولادهم من فقر، وليس له مفهوم مخالفة.
وكذلك في قول الله تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] إذا قال قائل: إن الله حرم الربا أضعافاً مضاعفة، فأنا لن آكل الربا المضاعف أضعافاً مضاعفة، وسآكل قليلاً.
قلنا له: إن الكلام خرج مخرج الغالب.
وكذلك إذا خرج الكلام لبيان واقع، ليس له مفهوم مخالفة، مثل قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء:٢٣].
فإذا تزوجت امرأة لها بنت فهذه البنت تسمى ربيبة، وهذه الربيبة تحرم على زوج الأم بمجرد أن يدخل بأمها، كما قال تعالى: ((مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ)).
وكلمة في حجوركم بمعنى أنها تتربى مع الرجل في بيته، فلو أن ربيبة تقيم في القاهرة وتزوجت أمها في الإسكندرية فإنها تحرم على الزوج، فكلمة في حجوركم لبيان الواقع، أي: أن الربيبة تكون في الواقع مع أمها، ونادراً ما تبعد عن أمها، فلا يشترط أن تكون في الحجر حتى تحرم، ولا يفهم من الكلام أن الربيبة إن لم تكن في الحجر أنها تجوز.
كما لا يفهم من قوله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣] على أن الشريعة الإسلامية لم تحرم الزنا إذا كان برضا المرأة؛ لأن الله قال: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور:٣٣] وإذا لم تكره فلها أن تزني كيفما شاءت، بل إن الكلام خرج لبيان واقع، فالواقع أنهم كانوا يكرهون فتياتهم على البغاء، فقال: ((وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ))، وليس معنى ذلك أنه يجوز برضاها.
стр. 251
بعض تفسيرات العلمانيين لنصوص الدين
هناك جريدة شيوعية حمراء تصدر في السوق، كتب مؤسسها المعروف بشيوعيته مقالاً يقول فيه: إن السلفيين يريدون أن يعودوا إلى عصور الظلام، فيركبون الحمير والجمال، ويمزقون الشهادات الجامعية، ويأكلون على الأرض، ويسافرون على الخيول، ويحاربون بالسيوف، ويفهمون الآيات فهماً عقيماً.
ويقول في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١]: يقول: حدّث معناها ابتكر، فالتحديث هنا بمعنى الابتكار.
ثم قال في قوله ﷺ : (بدأ الإسلام غريباً) معناه: أنه بدأ غريباً بأن نبيه أمي، وتكلم وكتب وهو لا يجيد القراءة ولا الكتابة، (وسيعود غريباً) بفتوى علماء السعودية مهبط الوحي في فتواهم الغريبة.
فقد تمخّض الجبل فولد فأراً.
فهؤلاء القوم أصحاب علمانية قذرة نتنة، يقطرون حقداً وحسداً على الموحدين.
وحفاظ الأمة من السلف كـ الطبري وابن كثير والسيوطي من علماء التفسير لم يقل أحد منهم بهذا القول، ثم جاء هذا الجهبذ فتمخض وفهم الآية والحديث فهماً جديداً، وهذه مصيبة ما بعدها مصيبة! وكتب أحد العلمانيين أن الأصل في المرأة في الإسلام أن تتبرج، ويستدل بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]، يقول: كيف أغض بصري إذا كانت المرأة محجبة؟ فلا بد أن تتعرى المرأة لأغض بصري.
فهؤلاء عقولهم قد تعفّنت، وأنت لست حراً في أن تفهم القرآن بفهمك، فهناك ضوابط لفهم القرآن، ولم يفهم هذا المعنى الصحابة ولا التابعين ولا المفسرين، فالقرآن والسنة يفسران بفهم سلف الأمة.
وفي مجمع البحوث الإسلامية قال أحد أعضائه: إن حد الردة في الإسلام لا أصل له، وأنه يجب أن يلغى، وقدم هذا الاقتراح الدكتور عبد الصبور شاهين، مستدلاً بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة:٢١٧].
قال: وهذا معناه: أنه يترك حتى يموت كافراً لا أن يقتل.
وقال: إن حديث البخاري (من بدّل دينه فاقتلوه)، وحديث (لا تحل نفس امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة) خبر آحاد، وأن حديث معاذ بن جبل مع أبي موسى الذي في البخاري أنهما قتلا مرتداً في اليمن لا يُعمل به.
فليس عنده اعتبار للسنة، وأخبار الآحاد لا يعمل بها في العقيدة، وهذه طامة ومصيبة، فقد قال علماء الأمة الشافعي ومالك وأبو حنيفة وابن حنبل والأوزاعي والثوري وغيرهم من علماء الأمة الأفذاذ بقتل المرتد ثم جئت أنت لتأتي بحكم جديد، فلا بد أن يكون لك سلف في قولك، فأنت لست حراً.
والدكتور أحمد وافي في دار العلوم قام ببحث طيب، فقد جمع آراء ابن تيمية التي خالف فيها المذاهب الأربعة وحققها ونسبها إلى عصر الصحابة، وأثبت أن ابن تيمية لم ينفرد بقول، وإنما له سلف في هذه الأقوال، فلا بد أن يكون لك سلف في قولك من الصحابة أو التابعين أو أتباع التابعين، فأنت لست حراً في أن تبتكر فهماً جديداً في النصوص الشرعية.
ونحن لا نريد أن نتتبع كل ما يُكتب، فإن الكتابة الآن قد فتحت على مصراعيها، ويسمونها حرية فكر، ونحن نسميها حرية كفر، وفرق بين حرية الفكر وحرية الكفر، فهم الآن يكتبون ما يشاءون، ويطعنون في القرآن وفي السنة، وفي الصحابة وفي الأشخاص، وفي الثوابت وفي كل شيء، ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:١٠].
стр. 252
تتمة باب ما جاء في قاتل النفس
الحديث الثاني: [حديث جندب ﵁ في هذا المسجد فما نسينا وما نخاف أن يكذب جندب على النبي ﷺ قال: (كان برجل جراح فقتل نفسه، فقال الله: بدرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة)].
فهذا النص يبين أن المنتحر يخلد في جهنم، ولا بد أن نفهم النصوص فهماً صحيحاً، فقد انحرفت فرقة التكفير بأخذ بعض النصوص دون بعض، وكذلك انحرف من خرج على الحكام وأصل للمسائل البدعية بأخذ بعض النصوص دون بعض، ففهم النصوص على غير وجهها هو الذي فرق الأمة.
فقوله: (حرمت عليه الجنة) لها معان عند العلماء: فإما أن يكون حرمت عليه الجنة إن استحل أن يقتل نفسه، وإما أن يكون (حرمت عليه الجنة) ابتداءً، يعني: أنه يدخل النار أول الأمر ولكنه يخرج من النار بشفاعة النبي ﷺ ؛ لأنه قال (شفاعتي لأهل الكبائر).
وهذه النصوص تُفهم عند الفرق الضالة أفهاماً عقيمة وشاذة، ومن الفقه في الدين أن تجمع النصوص في المسألة الواحدة، والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
فكل من لم يشرك بالله فهو في مشيئة الله، إلا ما جاء مقيداً ومنصوصاً عليه.
قال البخاري ﵀: [حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعنها يطعنها في النار)].
أي: أن من قتل نفسه فإنما يقودها إلى النار ويتردى في جهنم، كما قال ﷺ ، وفي الحديث أيها الأحباب: زجر ووعيد لقاتل نفسه إن استحل ذلك، وأما إن لم يستحل ذلك فيدخل جهنم للتطهير لا للخلود، ومنهج السلف يقول: لا يدخل الجنة مشرك ولا يخلد في النار موحد.
وفي الحديث القدسي: (أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله، وعمل من الخير ما يزن ذرة، برة، شعيرة).
стр. 253
باب ما يكره من الصلاة على المنافقين والاستغفار للمشركين
قال البخاري ﵀: [باب ما يكره من الصلاة على المنافقين والاستغفار للمشركين].
والنفاق المقصود به هنا: النفاق الاعتقادي.
ثم جاء بحديث عمر ﵁ أنه قال: (لما مات عبد الله بن أبي بن سلول)، وعبد الله بن أبي هو رأس المنافقين في المدينة.
وقد ظهر النفاق في المدينة بعد غزوة بدر، فمكة لم يكن فيها نفاق، فقد كان المؤمنون في مكة يؤذون ويضطهدون ويخرجون ويعذبون، ثم بعد غزوة بدر ظهر النفاق في المدينة، وقد حذر ربنا من أهل النفاق في القرآن الكريم، وكان عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق وصاحب حادثة الإفك، وهو الذي قال: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨]، ويقصد بذلك النبي ﷺ ، أي: ليخرج من المدينة الأعز ذليلاً، فلما وصلت هذه الكلمة إلى النبي ﷺ قال له ولده عبد الله بن عبد الله ﵁ فابنه صحابي كـ أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط صحابية وأبوها كافر: (يا رسول الله! مرني أن أقتل أبي إن شئت، حتى لا يقتله غيري فأعيّر به فأقتله، فأكون قد قتلت مسلماً بكافر).
فإن أردت أن تقتله فمرني أنا فآتيك برأسه، وهذا ولاء وبراء.
(قال: لا نريد أن نقتله.
قال: يا رسول الله! والله لن يدخلها -أي: المدينة- حتى يعلم من الأعز ومن الأذل).
ثم وقف على باب المدينة إلى أن جاء أبوه، فقال: دعني أدخلها.
قال: لن تدخل المدينة إلا أن تقول: أنا الأذل ورسول الله الأعز.
فقال عبد الله بن أبي: أنا الأذل ورسول الله الأعز، فسمح له بدخولها.
وموقف الابن هنا عزة وكرامة للإسلام، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨].
واليوم العزة والكرامة ضاعت في بلاد المسلمين؛ لأنهم تخلوا عن دينهم وعن عقيدتهم، وقد نشرت جريدة الجمهورية امرأة أمريكية كافرة تشير إلى مقتول عراقي وهي فرحة كأنها حققت نصراً بقتله، ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨].
ففيهم حقد دفين وحسد على الإسلام والمسلمين، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩].
وهؤلاء لا يمكن أن يرقبوا في مؤمن إلاً ولا ذمة.
وقال بوش في آخر تصريحاته: لن يهدأ لي بال إلا باختفاء اللحية والنقاب من جميع البلاد الإسلامية.
فالأصولية هذه لا بد أن تنعدم، والمظهر الإسلامي يقلق مضجعه؛ لأنه يعرف التاريخ، ويعرف أنه إن استيقظ هذا المارد فسيدخل هو وأتباعه إلى الجحر: فهم كالنمل، ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨].
ولما مات عبد الله بن أبي دعي رسول الله ﷺ ليصلي عليه قال عمر: (فلما قام رسول الله ﷺ وثبت إليه -أي: أن عمر قفز بين يديه- فقلت: يا رسول الله! أتصلي على ابن أُبي وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ وأعدد عليه قوله، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: أخر عني يا عمر! إني خيرت فاخترت) أي: في قول الله سبحانه: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠]، (ولو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها).
فالعدد في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠] ليس مقصوداً لذاته ولا مفهوم له، وإنما هو لبيان الكثرة، فالعدد لا مفهوم له إلا في نصوص قليلة توضح أن له مفهوماً.
فهنا لو أن النبي ﷺ استغفر له إحدى وسبعين مرة فلن يُغفر له، فالسبعون ليست مقصودة بذاتها، وإنما مقصودة لكثرتها.
(فصلى عليه رسول الله ﷺ ثم انصرف).
وانظروا إلى هذا الحلم، فالنبي ﷺ صلى على رجل قال عن زوجته: إنها وقعت في الزنا، وادعى أنه الأعز ورسول الله ﷺ الأذل، وعاد بثلث الجيش في أحد، وأحدث بين الصحابة ما أحدث، وفعل كذا وكذا في بداية الإسلام.
(فمكث النبي ﷺ يسيراً فنزلت الآيتان من براءة: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤])؛ لأنه مكث على قبره وجلس فوق قبره، وألبسه قميصه وتفل عليه، لعل
стр. 254
باب ثناء الناس على الميت
قال البخاري ﵀: [باب ثناء الناس على الميت: وفي حديث أنس بن مالك ﵁: (مرت جنازة فأثنوا عليها خيراً فقال النبي ﷺ : وجبت.
ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شراً فقال: وجبت.
فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض)].
وهذا الحديث في فضل أصحاب النبي ﵊، وليس معنى ذلك أن من ذُكر بخير في أي مجتمع وجبت له الجنة، فالراقصون يُذكرون بخير في مجتمع الراقصين، والممثلون يُذكرون بخير في مجتمع الممثلين، ولاعبو الكرة يُذكرون بخير في مجتمع اللاعبين، وليس معنى هذا أنهم وجبت لهم الجنة.
ويوم أن مات سراج الدين رئيس حزب الوفد خرجت صحيفة الوفد في اليوم التالي تقول: إلى جنة الخلد يا سراج! وإنا لله وإنا إليه راجعون، فهل جزمتم أن له الجنة؟ وكان الأصل أن يقال: نسأل الله له الجنة، وأما الجزم بأن له الجنة فهذه مصيبة.
ويحدث هذا كثير جداً، فعندما يموت لاعب الكرة في الملعب، قالوا: فلان شهيد الكرة! وإذا مات المطرب الخليع وهو يرقص قالوا: مات شهيداً، فهو يؤدي عملاً وطنياً وواجباً قومياً، ويوم أن تموت الراقصة وهي ترقص أيضاً يقولون عنها: شهيدة الفن والطرب والإغراء، ولا شك أن هذا مصيبة.
نسأل الله العافية.
فالحديث في فضل أصحاب النبي ﷺ .
فإذا مرت جنازة فلنقل: رحمك الله، كم كنت تصلي معنا، كم كنت تصوم، كم كنت تقرأ القرآن، كم كنت تصلح بين الناس، ونذكره بخير.
ومن حسن خاتمة المسلم ومن عاجل شراه: أن يثني عليه أهل الصلاح، ولذلك قال الإمام أحمد: بيننا وبينكم الجنائز، وهذه الكلمة يفهمها الكثير خطأً، فـ ابن حنبل يقول للظلمة: بيننا وبينكم الجنائز.
وقد يفهم البعض أن معنى بيننا وبينكم الجنائز كثرة عدد المشيعين في جنازة الموحدين، وقلة العدد في جنازة غير الموحدين، ولكن ليس هذا هو المقصود، وإنما بيننا وبينكم الجنائز، معناها أن تنظر في جنازة الصالح فلا تجد إلا الصالح، وأن تنظر في جنازة الظالم فلا تجد إلا الظالم، يعني: لا يشيع جنازة الصالح إلا أهل الصلاح، وليس المقصود العدد؛ لأنه يوم أن مات العندليب الأسمر شيّع جنازته مائتي ألف أو ثلاثمائة ألف، وكلهم يبكي، ولكن الذي مشى خلفه هم الملحنون والهابطون والراقصون والممثلون، وكل أهل الظلم والفسق، وما وجدت رجلاً ملتحياً صالحاً يسير خلفه، وهذه مصيبة كبيرة جداً، ويوم أن يموت العالم تجد في جنازته العلماء والأئمة وأهل القرآن والصلاح، فجنازة أهل الصلاح لا يسير فيها إلا أهل الصلاح، وجنازة الظلمة لا يسير فيها إلا الظلمة، فليس المقصود كثرة العدد، وهناك جنازات كبيرة للظلمة يسير فيها الملايين، ولكن الذين يشيعونها لا علاقة لهم بالدين من بعيد ولا من قريب.
قال البخاري ﵀: [من حديث بريدة عن أبي الأسود قال: (قدمت المدينة وقد وقع بها مرض، فجلست إلى عمر بن الخطاب ﵁ فمرت بهم جنازة فأثني على صاحبها خيراً فقال عمر: وجبت)].
ففي الحديث الأول الذي قال وجبت هو النبي ﷺ ، والذي قال هنا هو عمر.
(ثم مر بأخرى فأثني على صاحبها خيراً فقال عمر: وجبت، ثم مر بالثالثة فأثني على صاحبها شراً فقال: وجبت، فقال أبو الأسود: فقلت: وما وجبت يا أمير المؤمنين؟! قال: قلت كما قال النبي ﷺ : أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة، فقلنا: وثلاثة؟ قال: وثلاثة، فقلنا: واثنان؟ قال: واثنان، ثم لم نسأله عن الواحد).
فهذا إذا أثنى عليه أربعة من السلف وأصحاب العقيدة والتقوى، وأما أن يشهد أحد الحزبيين لحزبي أو أحد أهل البدع والأهواء لآخر أو أحد الأقطاب والأوتاد فهذه شهادة لأهل البدعة، وشهادة أهل البدع مردودة عند الناس وعند الله، فالقرآن والسنة بفهم سلف الأمة دون حزبية ولا تعصب.
стр. 255
باب ما جاء في عذاب القبر
قال البخاري ﵀: [باب ما جاء في عذاب القبر].
وهذا الباب نجعله في وجوه أهل الضلال الذين ينكرون عذاب القبر، حتى كتب أحدهم يقول: خدعوك عندما قالوا: عذاب القبر.
حتى استهزأ بعضهم من عذاب القبر.
أسأل الله أن يريه عذاب القبر، فهذا استهزاء بالشرع، ولذلك بوب البخاري في صحيحه ما جاء في عذاب القبر، ولفقهه العام جاء بآيات من القرآن قبل الأحاديث ليبين أن عذاب القبر ثبت بالقرآن، وهؤلاء يقولون: لا يوجد في القرآن عذاب القبر، ونحن نؤمن إيماناً جازماً بقول نبينا ﷺ ، فقد كان يستعيذ في كل صلاة من عذاب القبر.
قال البخاري ﵀: [﴿إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام:٩٣]، قال: هو الهوان، ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١]].
قال المفسرون: سنعذبهم مرتين، مرة في الدنيا ومرة في القبر، ثم يردون إلى عذاب عظيم في الآخرة.
قال البخاري ﵀: [﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥ - ٤٦]].
ولم يأت البخاري هنا بقوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة:٢١].
و (من) بمعنى البعض، فهنا سيذوقون بعض العذاب الأدنى، والبعض الآخر في القبر، وسيكون العذاب الأكبر في الآخرة، ولذلك كان ﷺ يقول: (اللهم إني أعوذ بك من فتنة المحيا، ومن فتنة الممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال، ومن عذاب جهنم وعذاب القبر).
فكان يستعيذ في كل صلاة من عذاب القبر، وقد مر على قبرين فقال: (هذان يعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة بين الناس).
وقال: (لولا ألا تدافنوا -أي: يدفن بعضكم بعضاً- لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر).
فالأدلة على عذاب القبر لا حصر لها من القرآن والسنة.
وهؤلاء الذين يكتبون في إنكار عذاب القبر كتبهم تباع في الأسواق، ولقد رأيت كتاباً يباع مع موزع الأهرام عنوانه: هذا عذاب القبر خرافة.
والأمة لا ترد على هذا الكتاب، وكيف أعطي ترخيصاً بالطبع وهذا الكلام يناقض القرآن والسنة وأقوال العلماء من سلف الأمة؟ ولكن مؤلف الكتاب يفهم بطريقته الخاصة.
قال البخاري ﵀: [من حديث البراء ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا أُقعد المؤمن في قبره، أوتي ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم:٢٧]).
وفي حديث ابن عمر ﵄ قال: (اطّلع النبي ﷺ على أهل القليب فقال: هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فقيل له: تدعو أمواتاً؟ فقال: وما أنتم بأسمع منهم ولكن لا يجيبون).
ومن حديث عائشة ﵂ قالت: إنما قال النبي ﷺ : (إنهم ليعلمون الآن أن ما كنت أقوله حق، وقد قال الله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠])].
ومن حديث عائشة ﵂: (أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة ﵂ رسول الله ﷺ عن عذاب القبر؟ فقال: نعم عذاب القبر.
قالت عائشة ﵂: فما رأيت رسول الله ﷺ بعدما يصلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر).
زاد غندر: (عذاب القبر حق)].
أي أن امرأة يهودية قالت لـ عائشة: أعاذك الله من عذاب القبر، فقد كانت اليهودية تعلم أن في القبر عذاباً وعائشة لا تعلم أن في القبر عذاباً، فسألت عائشة رسول الله عن عذاب القبر.
فقال: عذاب القبر حق.
قالت عائشة: (فما رأيته صلى صلاة إلا واستعاذ بالله من عذاب القبر).
ﷺ .
اللهم إنا نسألك أن تؤمننا من عذاب القبر يا رب العالمين!
стр. 256
الأسئلة
стр. 257
الحكمة من عذاب القبر ثم عذاب الآخرة
السؤال
ما الحكمة من عذاب القبر ثم العذاب في الآخرة؟
الجواب
الحكمة التطهير، فإن عُذّب المؤمن في قبره خفف عنه في الآخرة.
стр. 258
حكم الصداق المؤخر
السؤال
سألت شيخاً عن مهر الزوجة المؤخر فقال: إنه دين على الزوج مدى الحياة طلقها أم لا؟ وقال لي: إذا طلقها ولم ترد الرجوع إليه تركت كل شيء حتى هذا الدين، فهل هذا صحيح؟
الجواب
مؤخر الصداق يستحق للزوجة ديناً على الزوج، ويستحق إما بموته أو بطلاقها أو بطلبها، فهو دين في ذمة الزوج للزوجة، فإن خلعت المرأة نفسها من الزوج فإنها تتنازل عن هذا الصداق، وترد عليه ما أخذته من صداق، فترد المقدم وتتنازل عن المؤخر، هذا الصحيح.
стр. 259
حكم تأخير صلاة الجنازة
السؤال
هل يجوز تأخير صلاة الجنازة حتى حضور عدد أكبر من المصلين، وما هو حد التأجيل؟
الجواب
نعم، يجوز إن كان من أهل الفضل، فيجوز أن تؤخر الصلاة حتى يحضر أهل الفضل كالعلماء والأئمة وحفظة القرآن؛ لينالوا شرف الصلاة عليه، أو لينال هو شرف صلاتهم عليه.
стр. 260
حكم الباروكة والرموش الصناعية
السؤال
حديث النامصة والمتنمصة هل يدخل فيه الباروكة والرموش؟
الجواب
نعم.
يدخل فيه الباروكة والرموش الصناعية التي تجعل العين في الصباح مثلاً خضراء، ثم في الظهر بنية، ثم في العصر زرقاء، وفي آخر النهار بيضاء، فهم يركبون رموشاً حديثة في هذه الأيام، كل ساعة برموش جديدة.
نسأل الله العافية.
стр. 261
حكم زواج المسلم بغير المسلمة
السؤال
هل يجوز للمسلم أن يتزوج غير مسلمة، وما الدليل من القرآن والسنة؟
الجواب
يجوز من أهل الكتاب، وحذيفة تزوج بغير مسلمة، ولكن المسلمات الآن يبلغن الأربعين من العمر ولم يتزوجن، فهل ضاق الأمر في وجهك يا عبد الله؟! فمع قولنا بالجواز إلا أن المسلمة أولى.
وأما قوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة:٢٢١] فهذه الآية عامة، خصصتها ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة:٥]، فهذه تخصيص، فالمرأة من أهل الكتاب يجوز أن تنكح.
ومن الخطورة بمكان الاستدلال بالعام في مسألة خاصة، مثل أن تسألك امرأة حامل: زوجي طلقني فما عدتي؟ فإذا قلت لها: عدتك ثلاث حيض فقد أخطأت؛ لأنك استدللت بدليل عام في حكم خاص، ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤].
وهذه المسألة تماماً كهذه المسألة، فقوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة:٢٢١] هذه آية عامة، خصصها قول الله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة:٥].
стр. 262
حكم إتيان المسجد لمن أكل ثوماً أو بصلاً
السؤال
من أكل ثوماً أو بصلاً يوم الجمعة، هل يعتزل المساجد؟
الجواب
هذا الحديث في البخاري، (من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً فليعتزل مسجدنا).
وله روايات متعددة، وهذا النهي قال بعضهم: إنه على الكراهة والزجر، وأن الأولى ألا يأتي إلى الجماعة إلا وقد غيّر رائحة فمه؛ لأن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، حتى قال ابن حجر: حتى وإن لم يصل في جماعة؛ لأنه يؤذي الملائكة برائحة الثوم أو البصل، يعني: حتى وإن كان سيصلي منفرداً فلا يدخل إلى المسجد، فليست العبرة في تركه للجماعة وإنما العبرة في أنه يؤذي الملائكة.
وقياساً على الثوم والبصل والكراث السجائر، بل إن الملائكة تتأذى من السجائر أشد؛ لأن البصل والكراث والثوم أباح الله أكله، وأما هذا فحرم الله شربه، ومن العجيب أني رأيت فتوى في جريدة النبأ لأكبر لمفتٍ في مصر يقول فيها: إن شرب السجائر حلال للأغنياء حرام على الفقراء! وإنا لله وإنا إليه راجعون! فاتصلت حتى أتحقق من ذلك، فربما وصل الكلام إلى الرجل خطأ، فقيل لي: إنه قال: أنه يجوز للغني أن يدخن سجارتين أو ثلاثاً في اليوم وليس عليه إثم، والفقير حرام عليه أن يدخن.
فهذا المفتي يستحق أن يحجر عليه -نسأل الله العافية- فإن كان قال ذلك فالحجر عليه أولى.
стр. 263
حكم قص اللحية
السؤال
ما حكم الرجل الذي يأخذ من لحيته أو يحددها؟
الجواب
لا يجوز الأخذ من اللحية.
стр. 264
حالات قصر الصلاة وبيان مسافة القصر
السؤال
متى تقصر في الصلاة؟ ومتى تكون المسافة مسافة قصر؟
الجواب
تقصر الصلاة في السفر، والمسافة غير محددة بنص، فمطلق السفر فيه القصر، وما يطلق الناس عليه سفراً في عرفهم يخضع لهذا.
стр. 265
حكم التجارة بالدولار
السؤال
هل التجارة بالدولار حرام أم حلال؟
الجواب
حرام، لا تجوز إلا في المصارف المعروفة أو في المحلات التي معها تراخيص، وأما التجارة في السوق السوداء فإنه يضر بالاقتصاد القومي ويرفع سعر العملة الأجنبية على حساب العملة المحلية، وهذا فيه ضرر على الأمة جميعاً.
وهذا ما حدث، فها هو الآن كتاب فتح الباري كنت تشتريه بـ١٢٠ جنيهاً منذ سنتين، والآن بـ٣٥٠ جنيهاً، بسبب سعر الورق وارتفاع سعر الدولار في مواجهة العملة المحلية، وبعض المصريين للأسف حينما ارتفع سعر الدولار حوّل ودائعه إلى الدولار، بمعنى أنه قوى العملة الأمريكية على حساب العملة المحلية، ولا ينبغي أن يكون هذا، المفروض أن يكون لدينا بعد نظر للمصلحة العامة للبلاد، إنما حينما أدمر الاقتصاد وأقول: ما الذي يعملوه هم؟ هذا كلام ليس له وقت، والله تعالى أعلم.
أكتفي بهذا القدر إن شاء الله.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، نسألك علماً نافعاً، ونعوذ بك من علم لا ينفع! آمين آمين! وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 266
حكم تكرار العمرة في السفر الواحد
السؤال
عندما يذهب الفرد إلى أداء العمرة ينزل إلى المدينة قبل مكة، وليحرم من أبيار علي -أي: ذي الحليفة، وهو الاسم الشرعي لها- ثم يذهب إلى مكة، فهل يجوز للإنسان بعد أداء العمرة أن يقوم بعمرة أخرى من التنعيم؟
الجواب
عمرة التنعيم للحُيّض ولأصحاب الأعذار؛ فإن النبي ﷺ حينما حاضت عائشة أمر أخوها عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم حتى تحرم منها، ولم يحرم عبد الرحمن معها، ولا تجد من يكرر العمرة إلا المصريين، فتجد أحدهم يقول: اعتمرت عشر عمرات.
وهذا هو فقه أهل مصر.
стр. 267
سلسلة شرح صحيح البخاري [٢٠]
أثبت القرآن الكريم حياة القبر، وتواترت النصوص من السنة على إثباته بتفصيل أكثر، من حيث ذكر النعيم فيه وأنواعه، والعذاب فيه وأنواعه، وأسباب كل من النعيم والعذاب، كما بينت السنة مصير أولاد المسلمين والمشركين الذين ماتوا قبل البلوغ، فأولاد المسلمين في الجنة، وأولاد المشركين اختلف فيهم أهل العلم على أقوال.
стр. 268
تلازم الكتاب والسنة في الدلالة على الدين وحفظ الله لهما
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: فلا زلنا مع الإمام البخاري شيخ المحدثين، وطبيب الحديث في علله، في كتابه الجامع الصحيح، ومع كتاب الجنائز، وباب: ما جاء في عذاب القبر.
سبق أن من منهج الإمام البخاري في صحيحه: أنه يستدل بآيات من القرآن الكريم قبل الأحاديث ليجزم بالحكم الذي يريد، فهو قد علم سلفاً أنه سيخرج في الأمة من ينكر عذاب القبر، ويدعي أنه لم يصح فيه حديث عن النبي ﷺ ، أو أنه من خبر الآحاد الذي يرد، فأراد أن يحسم القضية فجاء بالآيات القرآنية الدالة على عذاب القبر؛ ليبين أن عذاب القبر يثبت بالكتاب قبل السنة، وإن كان الكتاب والسنة هما مصدرا التشريع، والشيخ الألباني -وهذا رأي له اعتباره وقيمته وصحته- يرى أن القرآن والسنة يحتلان المصدر الأول للتشريع، ليس القرآن ثم السنة كما يقول البعض: المصدر الأول القرآن، والمصدر الثاني السنة، إنما القرآن والسنة هما مصدرا التشريع؛ لأن الذي ينظر في الحكم الفقهي ينبغي أن ينظر في القرآن ثم ينظر في السنة؛ لأن السنة تقيد المطلق، وتخصص العام، وتوضح المجمل وقد تنفرد بحكم إلى غير ذلك، ولذلك قال بعض السلف: (حاجة القرآن إلى السنة أكثر من حاجة السنة إلى القرآن)؛ لأن القرآن بلا سنة يصبح كتاباً مبهماً في كثير من جوانبه، مثل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، كيف؟ من الذي وضح الصلاة؟ السنة، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] إجمال، فلابد لنا أن ننظر إلى السنة لنعرف كيف نقيم الصلاة، وكيف نؤتي الزكاة، وكيف نحج البيت، فمعنى ذلك: أن السنة تفصل القرآن وتبين مجمله، فلا غنى للقرآن عن السنة بحال، ولذلك قال رسول الله ﷺ : (ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض)، والذي ينادي بعزل السنة والاكتفاء بالقرآن في واقع الأمر إنما ينادي بنزع الدين من الأمة؛ لأن القرآن بلا سنة لا معنى له إلا في القليل، ولذلك في السارق يقول الله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة:٣٨]، السرقة لها نصاب يوجب القطع، وهناك شروط للسارق حتى يتم القطع، وشروط في المكان المسروق منه، من الذي حدد ذلك؟ إنها السنة، ولذلك يقول ربنا: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، (يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته)، وقوله: (شبعان) يشير إلى أنه من أهل الترف، يأكل ما لذ وطاب (متكئ على أريكته) يشير إلى أنه من أهل الخمول، قابع في بيته لا يسافر إلى طلب العلم ولا لطلب الرزق، وإنما (متكئ على أريكته، يأتيه الأمر من أمر النبي ﷺ ، فيقول: ما وجدنا هذا في كتاب الله)، وهذا موجود الآن بيننا، ثم يقول ﷺ : (ألا إن ما حرم رسول الله مثلما حرم الله، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض)، لذلك حفظ الله القرآن والسنة، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، من كمال حفظ القرآن أن يحفظ الله السنة؛ لأنه بدون حفظ للسنة يضيع القرآن، ومن هنا كان علم الجرح والتعديل، وكان علماء الحديث يقفون للأحاديث الموضوعة والضعيفة بالمرصاد فيبينون الضعيف من الصحيح، وكان ما كان من جهدهم في بيان هذا.
стр. 269
باب ما جاء في عذاب القبر
قال البخاري ﵀ بعد أن استدل بآيات من كتاب الله على عذاب قبر، قال: [أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع أسماء بنت أبي بكر ﵄].
حينما تقول: أسماء بنت أبي بكر تقول: ﵄، عن أسماء وعن أبيها.
[(قام رسول الله ﷺ خطيباً بين الناس، فذكر فتنة القبر التي يفتتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك ضج المسلمون ضجاً)]، من هدي النبي ﷺ أنه كان يخطب الناس خطباً راتبة وخطباً عارضة، والراتبة هي الجمعة، تتكرر في كل أسبوع، وخطبة العيد في كل سنة في الفطر والأضحى، والخطب العارضة هي التي ليس لها صفة الاستمرارية كخطبة الكسوف، فهو يخطب إذا انكسفت الشمس، وخطبة الاستسقاء، وفي حجة الوداع خطب في عرفة وفي يوم النحر، وأيام التشريق ﷺ أربع أو خمس خطب كما تروي كتب السنة، وكان يخطبهم أحياناً بين الحين والآخر في القبور، وكان متكئاً فجلس، وخط خطاً بيمينه على الأرض ثم بين لأصحابه، وكان يخطب وهو يركب الناقة ﵊ يعظ من خلفه ﵊ إلى غير ذلك.
ومن هذه الخطب العارضة أنه قام خطيباً ﵊ مرة فذكر فتنة القبر، وبين أن المؤمن يفتن في قبره، فلما ذكر ذلك ضج المسلمون في المسجد خوفاً من عذاب القبر ومن فتنة القبر.
ثم روى البخاري ﵀ من طريق أنس بن مالك ﵁ أنه حدثهم: أن رسول الله ﷺ قال: (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم).
وفي هذا حجة لمن استدل على أن النعال لا تخلع في المقابر؛ لأن بعض العلماء قالوا: لابد من خلع النعال في المقابر ولهم أدلة، فرد الفريق المخالف واستدل بحديث البخاري وفيه: (أنه يسمع قرع النعال)، وهذا يشير إلى أن الميت يسمع صوت النعال على الأرض.
[(أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان)].
من مات محروقاً أو غريقاً أو في طائرة أو على فراشه كلهم سواء؛ لأن القبر مستقر الروح، فليس شرطاً أن يقبر في الأرض؛ لأن البعض يقول: كيف يسأل من يموت في الهواء؟ لا.
القبر هو المستقر النهائي له، سواء مات في الهواء أو في الأرض.
قال: [(أتاه ملكان فيقعدانه، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد ﷺ ؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله.
فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار)].
يرى مقعده من النار وهو في قبره ويعاين المقعد، ثم يقال له: [(قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة، فيراهما جميعاً)].
يعني: يرى مقعده في النار ويرى مقعده في الجنة.
[قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره -ثم رجع إلى حديث أنس -: (وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس.
فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين)].
والحديث دليل على أنه يفتن في قبره، أما المؤمن فيجيب: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم:٢٧] يجيب بثبات، أما المنافق فلا يدري ما يقول، ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]، فتضربه الملائكة ضربة.
قد يقول بعض الناس: مازلتم تحدثون الناس عن عذاب القبر ويهزءون بعذاب القبر، لذلك عذاب القبر من الدين ومن عقيدة المؤمن، ولذا قام النبي ﷺ خطيباً بعذاب القبر، فنحن حينما نتحدث عنه إنما أسوتنا النبي ﵊، تجد أن البعض الآن يهزأ من هذا، ويقول: العلماء ليس لهم حديث إلا عذاب القبر والثعبان الأقرع، ويحضرون صورة جمجمة ويهزءون بها، واقع الأمة مرير وهم يتحدثون عن عذاب القبر! يا عبد الله! وظيفة الأنبياء هي الترغيب والترهيب، وبدون الترهيب لا يمكن للمؤمن أن يعمل، فهذا حافز للعمل.
стр. 270
باب التعوذ من عذاب القبر
يقول البخاري ﵀ بعد أن دلل على عذاب القبر بالقرآن والسنة، عاد ليقول: [باب: التعوذ من عذاب القبر].
التعوذ يعني: الاستعاذة.
من حديث أبي أيوب: (خرج النبي ﷺ وقد وجبت الشمس -يعني: إلى الغروب- فسمع صوتاً، فقال: يهود تعذب في قبورها).
وفي الحديث: (أنها سمعت النبي ﷺ وهو يتعوذ من عذاب القبر).
وحديث أبي هريرة العمدة في الباب: (كان رسول الله ﷺ يدعو: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) كان يتعوذ في كل صلاة من هذه الخمس.
стр. 271
باب عذاب القبر من الغيبة والبول
قال البخاري ﵀: [باب: عذاب القبر من الغيبة والبول].
بعد أن أثبت البخاري عذاب القبر بالأدلة بدأ يذكر أسباباً له، فقال: (باب: التعوذ من عذاب القبر.
وباب: عذاب القبر من الغيبة والنميمة)، يعني: ما هي الأسباب المؤدية لعذاب القبر.
والغيبة: أن تذكر أخاك بما يكره، وكذلك البول.
ومعنى البول: عدم الاستنزاه من البول أو الاستتار كل هذا من أسباب عذاب القبر.
ثم روى البخاري ﵀ من طريق ابن عباس: (مر النبي ﷺ على قبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى) يعني: بلى إنه لكبير، حتى لا يفهم البعض أنه ليس من الكبائر.
قال ابن القيم ﵀: يعني: أي: يعذبان في أمر كان من اليسير عليهما أن يتجنباه.
يعني: لا يعذبان في أمر كبير شاق عليهما، وإنما يعذبان في أمر كان من اليسير عليهما أن يتجنباه، وإنما هو كبير عند الله .
[(أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله.
قال: ثم أخذ عوداً رطباً فكسره باثنتين، ووضع كل واحدة منهما على قبر، ثم قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا)].
وقد شرحت هذا الحديث من قبل، وبينت أن هذه الخاصية للنبي ﷺ ، وخاصية لهذين القبرين؛ إذ لم يؤثر عنه أنه كان يضع الجريد على كل القبور، ولم يؤثر عن الصحابة أنهم كانوا يضعون الجريد على القبور، هذا أولاً.
ثانياً: أن الله أطلعه بهذين القبرين أنهما يعذبان، ولذلك جاء بجريدة وشقها إلى نصفين تبركاً بفعله ﵊.
ولعل هناك من يسأل: أنا لن آتي بجريدة وإنما سآتي بنخلة وأضعها على قبر أبي، فهل تشفع له النخلة؟ حتى لو جئت بشجرة، فرق بين يدك وبين يدي النبي ﵊.
ثالثاً: أن الله أوحى إليه أنهما يعذبان، فلذلك من يضع الجريدة على قبر كأنه يعلن للناس أن القبر يعذب، وهذا سوء ظن بالميت، فأقول: هذه خاصية للنبي ﵊ لاسيما أنه لم يكرر هذا الفعل إلا مع هذين القبرين.
وفي الحديث: أن من أسباب عذاب القبر الغيبة وعدم الاستتار من البول، والنميمة والغيبة صنوان، ومع هذا بينهما عموم وخصوص، وربنا يقول: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١٠ - ١١]، ينم وينقل الكلام من جهة إلى جهة بغرض الإيقاع بين الناس، وإيغار الصدور، وهذه مشكلة ومرض خطير.
قال رجل لـ عمر بن عبد العزيز: (فلان وقع في عرضك وقال عنك كذا.
فقال: أيها الرجل! إن كنت كاذباً فيما تقول فأنت من الذين قال الله فيهم: ((هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ))، وإن كنت صادقاً فيما تقول، فأنت من الذين قال الله فيهم: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] فأنت في الحالتين كاذب.
فقال: العفو يا أمير المؤمنين)، فهذا معناه أنه حينما يأتيك أحد يقول لك: فلان يقول فيك كذا، لابد أنه كما قال لك قال لغيرك، لابد أن يتعلم الأدب في عدم نقل الحديث من طرف إلى طرف، وهذا مرض ينتشر بيننا.
بعض الناس هذه وظيفته ليل نهار، حتى أن الصدور تضيق بالنقل، فلا تفعل هذا، هذه نميمة حتى وإن كنت صادقاً فلا يحسن بك أن تنقل الكلام لغرض الوقيعة وإيغار الصدور، هذه نميمة يا عبد الله فضلاً عن الغيبة، ولذلك كانت أحد أسباب عذاب القبر.
стр. 272
باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي
قال البخاري ﵀: [باب: الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي].
من طريق ابن عمر: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة)].
يعني: يعرض عليه المقعد وهو في قبره للجنة أو للنار؛ لأن الله خلق لكل مخلوق مقعده في الجنة ومقعده في النار.
يعني: النار على حسب عدد البشر والجنة كذلك.
هل المشركون سيدخلون النار أو الجنة؟ هناك فتوى تقول: من مات في كنيسة فلسطين من أهل الكتاب مات شهيداً! وربنا يقول: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة:٧٢].
وهو يقول: يموت شهيداً؟! إذاً: المشركون في النار، وسيتركون أماكنهم في الجنة ليرثها المؤمنون: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣]، الميراث في الجنة على قدر العمل، ودخول الجنة ابتداءً برحمة الله، لذلك وفق شيخ الإسلام ابن تيمية بين النصوص، فقال في حديث: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله): الباء هنا باء مقابلة وعوض -يعني: عوض عن عمله الجنة- إنما الباء في قوله: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣] باء سببية.
والمعنى: أن الباء هنا لها معنى، والباء هناك لها معنى آخر.
دخول الجنة ابتداء برحمة الله، والميراث فيها بقدر العمل، فلا تناقض بين النصوص أبداً، قال ﷺ : (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله)، يعني: لن يصل به العمل إلى أن يكون عوضاً له الجنة، وإنما الجنة برحمة الله، لذلك يقول علماء السنة: إن أدخلنا الجنة بفضله وإن أدخلنا النار بعدله، لذلك في مقام الحسنات يعاملنا سبحانه بالفضل، وفي مقام السيئات يعاملنا بالعدل: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:١٦٠] فضل أم عدل؟ فضل: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام:١٦٠] فضل أم عدل؟ عدل.
لا توجد سيئات فهو عدل، وفي الحسنات فضل، ولذلك قال النبي ﷺ في هذا المقام: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله)، أي: أن العمل لا يساوي الجنة، والله لو ظللت ساجداً طوال عمرك لله راكعاً مستغفراً لن توازي النعم التي أسداها لك.
وفي ذلك يقال: لا كبيرة إذا قابلك فضله، ولا صغيرة إذا قابلك عدله.
والمعنى: أنه إذا عاملك بالفضل فإن الكبيرة تغفر، وإذا عاملك بالعدل فإن الصغيرة تحاسب عليها.
стр. 273
باب كلام الميت على الجنازة
قال البخاري ﵀: [باب: كلام الميت على الجنازة].
معناه: أن الميت يتكلم، ولكن يتكلم بلسان الحال أم بلسان المقال؟ هذا اختلاف بين العلماء، هل يتكلم بكلام حقيقي دون أن يسمع؟ فهناك من يتكلم ولا نسمعه، كحديث: (ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي ملكان: اللهم أعط منفقاً خلفاً، اللهم أعط ممسكاً تلفاً)، فهل تسمع هذا النداء؟! وحينما ينادي في القبر لا تسمعه، فهناك كلام لا نفقهه، ولذلك هل كلام الميت بلسان الحال أم بلسان المقال وبالفعل؟ خلاف بين العلماء.
منهم من قال: يتكلم لكن الحي لا يسمعه.
ومنهم من قال غير ذلك.
قال: [من طريق أبي سعيد قال ﷺ : (إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم)].
هذا الحديث يكرره البخاري، وقد أورده البخاري في كتاب الجنائز في باب: حمل الرجال للجنازة دون النساء.
إذاً: فالذي يحمل الجنائز هم الرجال، والنساء لا يحملن، ولابد أن يحملها الرجال، وقد كنت في بعض بلادنا فرأيتهم لا يضعون الجنازة على أعناق الرجال، إنما توضع في السيارة ويغلقون أبوابها، فإذا بالسيارة من جهة والمشيعون من جهة ويلتقون إلى المقبرة، فبمجرد أن تنزل الجنازة إذا بهم يدفنونها سريعاً لأننا في عصر السرعة، فلا أحد عنده وقت ليقف على القبر أو ليتعظ، ففي ثلاث دقائق تنطلق السيارة ويفتح القبر، ويغلق الباب، ويوضع القفل، شكر الله سعيكم! هكذا في بعض البلاد.
لا متابعة للجنازة، ولا يحملها الرجال، عصر السرعة في كل شيء! ولذلك قال البخاري: [(إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني.
وإن كانت غير صالحة، قالت: يا وليها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق)].
والمعنى: أن الجنازة تتكلم بلسان المقال أو بلسان الحال، وقول النبي ﷺ : (يسمعها كل شيء)، يثبت أنها تتكلم، وكذا قوله: (ولو سمعها الإنسان لصعق).
стр. 274
باب ما قيل في أولاد المسلمين
قال البخاري ﵀: [باب: ما قيل في أولاد المسلمين].
قال أبو هريرة ﵁: عن النبي ﷺ : (من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كانوا حجاباً من النار أو دخل الجنة).
ثم قال: قال ﷺ : (ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم).
لما توفي إبراهيم ﵇ قال ﷺ : (إن له مرضعاً في الجنة)].
يريد البخاري أن يحسم هنا أن أطفال المسلمين الصغار الذين يموتون قبل التكليف في الجنة، مات وعنده سنة أو سنتان أو ثلاث أو قبل أن يفطم أو قبل أن يبلغ، فلابد أن تعلم أنه في الجنة، قال ﷺ لما مات إبراهيم، وقد مات وعمره ستة عشر شهراً على الراجح قال: (إن له مرضعاً في الجنة).
فأولاد المسلمين لا خلاف بين العلماء أنهم في الجنة، لذلك يقول ﷺ : (ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد) والولد يشمل الذكور والإناث، وفي حديث (قالوا: واثنان؟ قال: واثنان)، وفي حديث: (ولو سئل عن الواحد لقال: نعم) يقول: [قال ﷺ لما مات إبراهيم: (إن ابني مات على الثدي)].
يعني: مات وهو في مدة الرضاعة.
[(وإن له مرضعاً في الجنة)].
يعني: له مرضعة في الجنة، وهذا يدل قولاً واحداً على أن إبراهيم في الجنة، وكل أولاد المسلمين الذين ماتوا قبل التكليف في الجنة.
стр. 275
باب ما قيل في أولاد المشركين
قال البخاري ﵀: [باب: ما قيل في أولاد المشركين].
بعد أن حسم مسألة أولاد المسلمين جاء بأولاد المشركين، لكن انتبه من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث وهو سن البلوغ؛ وسن البلوغ هو الحنث لأنه بمعنى الإثم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٤٦]، معناه: أن الولد لم يبلغ الحنث.
يعني: دون التكليف، فيكلف في البلوغ.
السؤال
قبل البلوغ ما الذي يجري من الأقلام: أقلم السيئات أم قلم الحسنات؟ الحسنات فقط، أما السيئات فلا.
ومنه قوله ﷺ : (علموا أولادكم الصلاة لسبع)، فإن صلى الولد وهو ابن سبع سنين يثاب، لكن إن ترك الصلاة لا يعاقب، ولذلك قال ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ)، والقلم هنا قلم السيئات، رفع القلم عنه حتى يحتلم، والمعنى: أنه إن جاء قبل الحلم بشيء أو بمعصية لا يأثم؛ لأن هذا دون التكليف، إنما هو محاسب بعد التكليف.
وعلامات البلوغ عند الرجال تختلف عن علامات البلوغ عند النساء، فيبلغ الصبي بثلاثة أمور: الاحتلام، وإتمام خمسة عشر سنة، وظهور الشعر الخشن حول القُبل، وتزيد المرأة بشيء رابع وهو الحيض، والحيض أقله تسع سنين، إنما ممكن أن تحيض على أكثر، ممكن أن تحيض بعد الخامسة عشر.
الشافعي يقول: رأيت جدة في مصر -عندما نزل مصر- عمرها إحدى وعشرين سنة.
قالوا: حاضت في تسع، ثم تزوجت بعد حيضها.
أما نداءات: لا للزواج المبكر.
فيقال لهم: نعم للزواج المبكر، ماذا تريدون للأمة بعد ذلك؟ وهل يجد أي شخص أن يتزوج؟ وهؤلاء يقولون: لا للزواج المبكر! أقول: تزوجت في سن تسع بعد حيضها، ثم حملت وأنجبت بنتاً، حاضت هي الأخرى لتسع، فأصبحت بنت الأم عمرها تسع سنوات، وعمر الأم ثمانية عشر، والبنت حاضت، ثم تزوجت وأنجبت هي الأخرى فأصبحت جدة وعمرها واحد وعشرون سنة، وأخرى عمرها واحد وأربعون عاماً ولم تتزوج إلى الآن هذا هو واقع الأمة المؤلم.
ويقال: لا تحيض لستين إلا قرشية.
تظل تحيض إلى ستين سنة؛ ولذلك تلد بعد الخمسين، تبلغ خمسة وخمسين ومازالت تلد، ولهذا في إسرائيل جن عقل شارون فهو يقتل للمرأة الفلسطينية ثلاثة وأربعة أولاد وهي مازالت تنجب، هو ينهي وهي تلد، والجيل اليهودي ينقرض، والجيل الفلسطيني المسلم يزيد، المرأة الفلسطينية ولادة، وهذا معناه أنك لا تستذل هؤلاء، السكان عندنا مشكلة لابد أن تواجه! وهم في الحقيقة ثروة يجب أن تسخر وتستغل، ولذلك يقول الله : ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر:١١ - ١٣]، إن البنين عز فهو يمشي وحوله عشرة، يا محمد يا إبراهيم يا علي يا محمود يا أحمد.
عز وهو يمشي وحوله عشرة، أما الآخر حسنين ومحمدين، مات حسنين بقي محمدين أرأيتم المصيبة، لكن انظر إلى كثرة الأولاد طالما تستطيع أن تربيهم تربية صحيحة وتستغلهم استغلالاً حميداً، ولو أن عدد مصر مائة مليون افتحوا الصحراء لزراعة القمح وعمروها بدلاً من استيراد القمح، حتى نملك القرار، اجعلوا الشباب ينتج، المورد البشري لابد من استغلاله أفضل استغلال، اكتفينا فقط ببطالة مقعنة، خمسة على مكتب.
هذا ليس من العدالة في التوزيع.
قال: [باب: أولاد المشركين].
أما أولاد المشركين ففيهم آراء: الرأي الأول: أنهم يمتحنون في الآخرة، وهذا ما مال إليه ابن القيم، أي: أن الله ينشئ لهم ناراً فيأمرهم بدخولها، فإن دخلوها أدخلهم الله الجنة، وأولاد المشركين كشأن من لم يسمع بالدعوة كأهل الفترة.
الرأي الثاني: أنهم خدم لأهل الجنة، الحديث صح عند البعض: (إن أولاد المشركين خدم أهل الجنة)، أو كما قال النبي ﷺ .
الرأي الثالث: أنهم في النار تبعاً لآبائهم؛ لحديث: (الله أعلم بما كانوا يعملون).
لكن الراجح من أقوال العلماء أنهم يمتحنون في الآخرة أو أنهم من أهل الجنة، وهذا اختيار النووي وغيره؛ لحديث: (سئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: الله إذا خلقهم أعلم بما كانوا عاملين)، وفي الحديث الآخر قال: (سئل النبي ﷺ عن ذراري المشركين، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين).
ثم: (كل مولود يولد على الفطر)، معنى هذا: أن البخاري لم يحسم المسألة برأي، إنما لمح فيها برأي: أن أولاد المشركين يولدوا على الفطرة، يعني: على التوحيد، فإن مات مات موحداً.
(فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها من جدعاء؟)، ثم أورد ابن حجر عشرة آراء للعلماء في أبناء المشركين، بعضهم اختار الجنة، والبخاري توقف في المسألة، لك
стр. 276
باب في أبناء المشركين
قال البخاري ﵀: [باب].
ولم يضع عنواناً للباب، فمن منهج البخاري في التبويب إما أن يعقب المسألة بحكم، فيقول: باب وجوب كذا، باب استحباب كذا، وإن لم ير فيها حكماً يتوقف، فيقول: باب ما قيل في أولاد المشركين، هل حسم المسألة؟ لا؛ لأنها عنده لم تحسم المسألة.
فقوله: [باب] بدون ذكر عنوان له كأنه لم ير في هذا حكم ينتهى إليه لا بالوقوف ولا بغير الوقوف ولا بالتبويب، وأبواب البخاري وضعها وهو في روضة النبي ﷺ ، وكان يصلي قبل كل تبويب ركعتين، فبمجموع الأبواب يكون عدد الركعات ٣١٥٠ ركعة، قبل أن يضع عنوان الباب يصلي لله ركعتين في الروضة المباركة، ثم يفتح الله عليه فيضع عنوان الباب، هؤلاء هم الرجال! قال: [عن سمرة بن جندب: (كان النبي ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه)].
وهذا من فقه الإمام بعد كل صلاة، أن يقبل على الناس بوجهه.
[(ثم يقول: من رأى منكم الليلة رؤيا؟)].
في صلاة الفجر، والحديث أيضاً أعاده البخاري في كتاب التعبير؛ لأن من رأى الرؤيا يكون عنده في الفجر صفاء ما زال يذكر، وصفاء للمعبر، فالفجر أقرب الأوقات إلى الرؤيا، فبعد صلاة الفجر كان يسألهم ﵊: (من رأى منكم الليلة رؤيا؛ فإن رأى أحد قصها، فيقول: ما شاء الله، فسألنا يوماً فقال: هل رأى أحد منكم رؤيا؟ قلنا: لا.
قال: لكني رأيت الليلة رجلين)].
هو رأى رؤيا ﵊.
[(أتياني فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة)] وأتى بحديث طويل فيه بيان أن أبناء المشركين في الجنة، هذا الحديث طويل سوف أختصره؛ لأنه سيمر بنا مرة أخرى في كتاب التعبير، النبي ﷺ رأى مشاهد عجيبة، كل مشهد فسره حسبما رآه ﷺ ، ومن ضمن ما رأى: رأى إبراهيم ﵇ وحوله أطفال، فلما سئل عنهم، قيل له: هؤلاء أطفال المسلمين، ومن مات قبل بعثة النبي ﷺ مات على فطرة الإسلام بدون أدنى شك، فـ البخاري يلمح إلى أن أولاد المشركين في الجنة.
стр. 277
باب موت يوم الإثنين
[باب: موت يوم الإثنين] يوم الإثنين هو اليوم الذي مات فيه النبي ﷺ .
[باب: موت يوم الإثنين.
قالت عائشة ﵂: دخلت على أبي بكر ﵁، فقال: في كم كفنتم النبي ﷺ ؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة.
وقال لها: في أي يوم توفي رسول الله ﷺ ؟ قالت: يوم الإثنين.
قال: فأي يوم هذا؟ قالت: يوم الإثنين، قال: أرجو فيما بيني وبين الليل، فنظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه به ردع من زعفران - يعني: طيب- قال: اغسلوا ثوبي هذا، وزيدوا عليه ثوبين، فكفنوني فيهما.
قلت: إن هذا خلق -يعني: رديء أصابه البلاء- قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة، فلم يتوف حتى أمسى من ليلة الثلاثاء، ودفن قبل أن يصبح].
وفي الحديث أن النبي ﷺ توفي يوم الإثنين، وأبو بكر له مواقف عديدة في موت النبي ﵊.
стр. 278
الأسئلة
стр. 279
الجمع بين إثبات السمع ونفيه للموتى
السؤال
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠]، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢]، وهذا الحديث فيه: أن الميت يسمع قرع نعال أصحابه، فما القول الفصل؟
الجواب
هذه المسألة من المسائل الخلافية بين العلماء، لكن الراجح ما ذهب إليه ابن القيم من أن السماع في الآية يختلف عن السماع في الحديث، والمعنى: أن الميت يسمع، لكنه لا يملك إجابة، يسمع قرع النعلين هذا سمع لإدراك الصوت: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، معنى الآية: تشبيه لحال المشركين بإعراضهم عن الإجابة بحال الأموات لعدم استجابتهم للداعي، ولذا قال العلامة ابن القيم: فالسماع في القرآن يأتي بمعان ثلاثة: الأول: سمع بمعنى إدراك الصوت: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١]، الثاني: سمع بمعنى الإجابة: كقولنا: سمع الله لمن حمده، فمعناه استجاب، وكقول ربنا في سورة الملك: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ [الملك:١٠] فالسمع هنا بمعنى الإجابة؛ لأنه: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠].
هل المشركون لا يسمعون أم يسمعون؟ يسمعون لكنهم لم يستجيبوا، فمثل الذي يسمع ولا يستجيب كمثل الذي لا يسمع.
هذا المقصود، يعني: ((وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ)) [فاطر:٢٢]، ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠]، والمعنى: كرجل قام يعظ في الناس ويأمرهم وينهاهم، فجاء إليه آخر وقال: أنت تعظ في أموات: لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي فالمعنى المقصود في الآية هو سماع الإجابة، والمعنى المقصود في الحديث هو سماع الصوت وإدراكه فقط دون إجابة.
الثالث: يأتي السمع في القرآن بمعنى الفهم: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال:٢٣] إلى غير ذلك.
فمن إعجاز القرآن اللغوي: أن الكلمة الواحدة تأتي بأكثر من معنى، ولعل هذا خلاف بين سلفنا الصالح.
стр. 280
حكم جعل الأم ميراثها من ولدها المتوفي لأولاده
السؤال
أم توفي ابنها وورثت منه، وتريد أن تعطي المال كله لأولاده، فهل هذا يجوز لها، وماذا لو توفيت هذه الأم والمال عندها، وقد أوصت بهذا، هل تنفذ الوصية؟
الجواب
لا يجوز؛ لأن هذا حرمان أبنائها من ميراثهم، وهذا لا يجوز.
стр. 281
حكم تخصص الرجال في طب النساء
السؤال
أنا من الفرقة الثالثة في كلية الطب وأسأل عن تخصص النساء والولادة بالنسبة للرجال، هل هناك شبهة أم تحريم؟
الجواب
الأولى إن وجد في الطب نساء يقمن بهذا العمل، فتخصص في غيره طالما أن الطب يمتلئ بالنساء المتخصصات، وإلا لماذا يذهبن إلى الكلية؟ ليتعلمن، ومن أجل أن يكشفن على النساء، أما أن الرجال يكشفوا على النساء فهذا لا يجوز إلا في حالات اضطرارية، وكذلك إذا ماتت المرأة بين جماعة الرجال فإنها تيمم ولا تغسل حتى بعد الموت.
فأقول لك: تخصص في طب يناسب طبيعة الرجال، واترك تخصص النساء للنساء، طالما أنه يوجد نساء.
стр. 282
بيان ما يحرم من الرضاع
السؤال
هل يجوز لخطيب أختي أن يعقد عليها علماً بأن أخي الصغير رضع معه، أي مع خطيب أختي؟
الجواب
إن كان خطيب أختك رضع من أمك، فلا يجوز له أن يتزوج الأخت، وإن كان أخوك هو الذي رضع من أم خطيب أختك فيحرم عليه كل أخوات خطيب أختك، ولا علاقة لأختك بهذا الموضوع.
стр. 283
حكم إلقاء السلام في دورات المياه وأماكن الوضوء
السؤال
إلقاء السلام في أماكن الوضوء ودورة المياه في المساجد هل هو من السنة كما في الطرقات أم مكروه أم غيره؟
الجواب
في دورة المياه لا يجوز، من أماكن عدم رد السلام وإلقائه: أن تلقي السلام على من يقضي الحاجة، طالما يقضي الحاجة فلا تلقي ﵇، فإن ألقيت عليه فلا يرد عليك.
هذا الأولى.
الثانية: أما الوضوء ففيه خلاف، فعلى الاستحباب لا يجوز أن يرد السلام إلا وهو على طهارة؛ لأن النبي ﷺ كان يتوضأ فألقى عليه رجل السلام فلم يجبه إلا بعد وضوئه، فلا يجوز أن يلقي السلام على مجلس تلاوة قرآن، نعم ترد لكن تعلمهم الحكم، واحد فقط يرد، لذلك يكره إلقاء السلام على من يتلو القرآن؛ لأنك بذلك تقطع تلاوته للقرآن فيكره.
أما درس العلم فعلى حسب الحال، الشيخ الألباني يرى أن يلقي السلام على كل المجلس، وفي كل أشرطة شيخنا الألباني يرد السلام على الداخل، وهذا مذهبه، والله تعالى أعلم.
стр. 284
حكم طلب الزوجة لمؤخر الصداق
السؤال
أنا متزوج وأردت الزواج من أخرى، فقالت لي الزوجة الأولى قبل العقد على الثانية: أعطني مؤخر صداقي بقصد التعجيز، فهل لها الحق في هذا؟ ومتى يحق مؤخر الصداق على الزوج؟
الجواب
بقصد التعجيز، ألست تملك مالاً؟ هي الآن تطالب صداقها المؤخر، ويجوز لها أن تطلبه متى شاءت؛ لأن هذا دين عندك، إن قصدت التعجيز تحاسب أمام الله ، إنما أنت مأمور أن تؤدي هذا الدين لها، تريد أن تتزوج بأخرى ولا تستطيع أن تدفع مؤخر صداق القديمة، إذاً: لماذا ستتزوج؟ مؤخر الصداق دين على الزوج لزوجته، يستحق بموته أو بطلاقها أو بمطالبة الزوجة له.
مداخلة: أنا كتبت عشرين جنيه في أربعين سنة مؤخر، تريد أن تجعل العشرين جنيهاً عشرين ألفاً؟ الشيخ: المكتوب بين الطرفين كدين، عندك عشرون جنيهاً لي سنة ١٩٨٠م، لماذا آخذهم الآن عشرين جنيهاً؟ ستقول: إن المبلغ هذا لا يخصني، إذاً باقي مؤخر الصداق كيلو لحمة!.
ولو سامحت لا شيء عليك، والله يقول: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء:٤] كله ولا حرج طالما هي التي تنازلت بطيب نفس منها، المهم أنها حرة تطلب مؤخر الصداق متى شاءت.
стр. 285
المنهج العلمي الصحيح لطلب العلم الشرعي
السؤال
ما المنهج العلمي الصحيح لطلب العلم الشرعي؟
الجواب
باختصار شديد: علم السلف، وإياك والجماعات؛ فإن الجماعات بدعة عصرية، ولذلك قيل: جماعة واحدة لا جماعات، وصراط واحد لا عشرات، وما ضاعت الأمة إلا بسبب التعصب للجماعات، جماعة وبيعة، كل واحد يعمل له جماعة ويدعي أنه الجماعة الأم، وكل هذا تفريق للأمة! المسلمون جميعاً جماعة واحدة.
قلت هذا الكلام في مركزي فأرسل حزبي مبتدع يقول: إنك في أنصار السنة، قلت: أنصار السنة جمعية خيرية وليست جماعة، تؤدي كفالة الأيتام، الجماعة يعني الحزبية، يعني: الانتماء إليها، يعني: البيعة لأميرها، يعني: السلم الهرمي التنظيمي، يعني: الأسر، يعني: العمل تحت الأرض، يعني البيعة، جماعة أخرى في قرية صغيرة عملوا جماعة ونصبوا لهم أميراً فاختلف معه بعض الإخوة، فقال له: من شذ عن جماعتي شذ في النار! أصل جماعتي جماعة المسلمين، يفهم هذا المسكين ويدعي أن جماعته هي الجماعة الحق، المسلمون جميعاً جماعة واحدة، هذه الحزبية قضت على الأمة، فما ضاعت الأمة إلا بسبب الجماعات، يقول: لا تحضر لهذا الشيخ لأنه ليس من جماعتنا، ويذهب إلى الشيخ الآخر صاحب الجماعة مثل طرق الصوفية والأوراد بالطريقة الشاذلية الأحمدية والنقشبندية البيومية والرفاعية السرورية كل واحد له طريقة وأتباع وأوراد، وهذه الجماعة لها أمير وهذه لها أمير، وهذه لها مسئول، وهذه لها منهج وتنظيم مصيبة كبيرة.
قلت لمن يقول لبيعته جماعة: أعطاك ولي الأمر في مصر الحاكم أمراً بعدم المرور من الإشارة إذا كانت حمراء، فإذا قال لك أميرك: مر ولا تعبأ بالإشارة الحمراء، لمن تستمع لولي الأمر العام أم لمن بايعت؟ قال: لولي الأمر العام.
قلت: إذاً: أنت الآن بين رجلين، كيف تبايع لأمير في وجود أمير عام.
هذه مصيبة وطامة.
هذا الذي أجهد الأمة، وإلى الآن تجد في الجماعات المصرية غليان وفوران، هذه الجماعة تطعن في هذه الجماعة، والحزبيون أجارك الله -أسأل الله أن يخلصنا منهم- هؤلاء يضعون شعارات ضد هؤلاء، والتمزق والتحزب والحمية والولاء والبراء على اسم الجماعة، يعني: إذا مرضت أنت فلا أعودك لأنك لست من جماعتي، وإن مرض هذا الرجل أعوده لأنه من الجماعة، وصلت المقاطعة إلى هذه الدرجة، لدرجة أنهم في دروسنا يحذرون أعضاءهم من الحضور، لا تحضرون للشيخ فلان، لماذا؟ لأنه ليس في الجماعة، ويهاجم الجماعة! جماعة من يا أخي؟ من الذي أعطاك حق الجماعة، أنت نصبت نفسك جماعة؟ أليس هذا مزايدة باسم الإسلام، الإسلام لا يعرف الجماعات، من ينتمي إلى جماعة فقد ابتدع، هذا هو الدين، إنما الإسلام يعلم القرآن والسنة بفهم السلف الصالح، السلفية منهج وفهم وليست جماعة، التعصب لمذهب معين ممقوت، إنما دراسة المذهب جائزة، دراسة دون تعصب، دراسة مفتوحة.
следующие страницы →