Полный текст (308 стр.). Показаны 281–308 · переход к 286.
стр. 281
حكم تخصص الرجال في طب النساء
السؤال
أنا من الفرقة الثالثة في كلية الطب وأسأل عن تخصص النساء والولادة بالنسبة للرجال، هل هناك شبهة أم تحريم؟
الجواب
الأولى إن وجد في الطب نساء يقمن بهذا العمل، فتخصص في غيره طالما أن الطب يمتلئ بالنساء المتخصصات، وإلا لماذا يذهبن إلى الكلية؟ ليتعلمن، ومن أجل أن يكشفن على النساء، أما أن الرجال يكشفوا على النساء فهذا لا يجوز إلا في حالات اضطرارية، وكذلك إذا ماتت المرأة بين جماعة الرجال فإنها تيمم ولا تغسل حتى بعد الموت.
فأقول لك: تخصص في طب يناسب طبيعة الرجال، واترك تخصص النساء للنساء، طالما أنه يوجد نساء.
стр. 282
بيان ما يحرم من الرضاع
السؤال
هل يجوز لخطيب أختي أن يعقد عليها علماً بأن أخي الصغير رضع معه، أي مع خطيب أختي؟
الجواب
إن كان خطيب أختك رضع من أمك، فلا يجوز له أن يتزوج الأخت، وإن كان أخوك هو الذي رضع من أم خطيب أختك فيحرم عليه كل أخوات خطيب أختك، ولا علاقة لأختك بهذا الموضوع.
стр. 283
حكم إلقاء السلام في دورات المياه وأماكن الوضوء
السؤال
إلقاء السلام في أماكن الوضوء ودورة المياه في المساجد هل هو من السنة كما في الطرقات أم مكروه أم غيره؟
الجواب
في دورة المياه لا يجوز، من أماكن عدم رد السلام وإلقائه: أن تلقي السلام على من يقضي الحاجة، طالما يقضي الحاجة فلا تلقي ﵇، فإن ألقيت عليه فلا يرد عليك.
هذا الأولى.
الثانية: أما الوضوء ففيه خلاف، فعلى الاستحباب لا يجوز أن يرد السلام إلا وهو على طهارة؛ لأن النبي ﷺ كان يتوضأ فألقى عليه رجل السلام فلم يجبه إلا بعد وضوئه، فلا يجوز أن يلقي السلام على مجلس تلاوة قرآن، نعم ترد لكن تعلمهم الحكم، واحد فقط يرد، لذلك يكره إلقاء السلام على من يتلو القرآن؛ لأنك بذلك تقطع تلاوته للقرآن فيكره.
أما درس العلم فعلى حسب الحال، الشيخ الألباني يرى أن يلقي السلام على كل المجلس، وفي كل أشرطة شيخنا الألباني يرد السلام على الداخل، وهذا مذهبه، والله تعالى أعلم.
стр. 284
حكم طلب الزوجة لمؤخر الصداق
السؤال
أنا متزوج وأردت الزواج من أخرى، فقالت لي الزوجة الأولى قبل العقد على الثانية: أعطني مؤخر صداقي بقصد التعجيز، فهل لها الحق في هذا؟ ومتى يحق مؤخر الصداق على الزوج؟
الجواب
بقصد التعجيز، ألست تملك مالاً؟ هي الآن تطالب صداقها المؤخر، ويجوز لها أن تطلبه متى شاءت؛ لأن هذا دين عندك، إن قصدت التعجيز تحاسب أمام الله ، إنما أنت مأمور أن تؤدي هذا الدين لها، تريد أن تتزوج بأخرى ولا تستطيع أن تدفع مؤخر صداق القديمة، إذاً: لماذا ستتزوج؟ مؤخر الصداق دين على الزوج لزوجته، يستحق بموته أو بطلاقها أو بمطالبة الزوجة له.
مداخلة: أنا كتبت عشرين جنيه في أربعين سنة مؤخر، تريد أن تجعل العشرين جنيهاً عشرين ألفاً؟ الشيخ: المكتوب بين الطرفين كدين، عندك عشرون جنيهاً لي سنة ١٩٨٠م، لماذا آخذهم الآن عشرين جنيهاً؟ ستقول: إن المبلغ هذا لا يخصني، إذاً باقي مؤخر الصداق كيلو لحمة!.
ولو سامحت لا شيء عليك، والله يقول: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء:٤] كله ولا حرج طالما هي التي تنازلت بطيب نفس منها، المهم أنها حرة تطلب مؤخر الصداق متى شاءت.
стр. 285
المنهج العلمي الصحيح لطلب العلم الشرعي
السؤال
ما المنهج العلمي الصحيح لطلب العلم الشرعي؟
الجواب
باختصار شديد: علم السلف، وإياك والجماعات؛ فإن الجماعات بدعة عصرية، ولذلك قيل: جماعة واحدة لا جماعات، وصراط واحد لا عشرات، وما ضاعت الأمة إلا بسبب التعصب للجماعات، جماعة وبيعة، كل واحد يعمل له جماعة ويدعي أنه الجماعة الأم، وكل هذا تفريق للأمة! المسلمون جميعاً جماعة واحدة.
قلت هذا الكلام في مركزي فأرسل حزبي مبتدع يقول: إنك في أنصار السنة، قلت: أنصار السنة جمعية خيرية وليست جماعة، تؤدي كفالة الأيتام، الجماعة يعني الحزبية، يعني: الانتماء إليها، يعني: البيعة لأميرها، يعني: السلم الهرمي التنظيمي، يعني: الأسر، يعني: العمل تحت الأرض، يعني البيعة، جماعة أخرى في قرية صغيرة عملوا جماعة ونصبوا لهم أميراً فاختلف معه بعض الإخوة، فقال له: من شذ عن جماعتي شذ في النار! أصل جماعتي جماعة المسلمين، يفهم هذا المسكين ويدعي أن جماعته هي الجماعة الحق، المسلمون جميعاً جماعة واحدة، هذه الحزبية قضت على الأمة، فما ضاعت الأمة إلا بسبب الجماعات، يقول: لا تحضر لهذا الشيخ لأنه ليس من جماعتنا، ويذهب إلى الشيخ الآخر صاحب الجماعة مثل طرق الصوفية والأوراد بالطريقة الشاذلية الأحمدية والنقشبندية البيومية والرفاعية السرورية كل واحد له طريقة وأتباع وأوراد، وهذه الجماعة لها أمير وهذه لها أمير، وهذه لها مسئول، وهذه لها منهج وتنظيم مصيبة كبيرة.
قلت لمن يقول لبيعته جماعة: أعطاك ولي الأمر في مصر الحاكم أمراً بعدم المرور من الإشارة إذا كانت حمراء، فإذا قال لك أميرك: مر ولا تعبأ بالإشارة الحمراء، لمن تستمع لولي الأمر العام أم لمن بايعت؟ قال: لولي الأمر العام.
قلت: إذاً: أنت الآن بين رجلين، كيف تبايع لأمير في وجود أمير عام.
هذه مصيبة وطامة.
هذا الذي أجهد الأمة، وإلى الآن تجد في الجماعات المصرية غليان وفوران، هذه الجماعة تطعن في هذه الجماعة، والحزبيون أجارك الله -أسأل الله أن يخلصنا منهم- هؤلاء يضعون شعارات ضد هؤلاء، والتمزق والتحزب والحمية والولاء والبراء على اسم الجماعة، يعني: إذا مرضت أنت فلا أعودك لأنك لست من جماعتي، وإن مرض هذا الرجل أعوده لأنه من الجماعة، وصلت المقاطعة إلى هذه الدرجة، لدرجة أنهم في دروسنا يحذرون أعضاءهم من الحضور، لا تحضرون للشيخ فلان، لماذا؟ لأنه ليس في الجماعة، ويهاجم الجماعة! جماعة من يا أخي؟ من الذي أعطاك حق الجماعة، أنت نصبت نفسك جماعة؟ أليس هذا مزايدة باسم الإسلام، الإسلام لا يعرف الجماعات، من ينتمي إلى جماعة فقد ابتدع، هذا هو الدين، إنما الإسلام يعلم القرآن والسنة بفهم السلف الصالح، السلفية منهج وفهم وليست جماعة، التعصب لمذهب معين ممقوت، إنما دراسة المذهب جائزة، دراسة دون تعصب، دراسة مفتوحة.
стр. 286
حكم تسمية الرسول ﷺ بالرءوف
السؤال
هل يجوز تسمية الرسول ﷺ بالرءوف؟
الجواب
هذه صفة له وليست اسماً: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، فرأفته ورحمته بالمؤمنين، وهذه خاصية للنبي ﷺ .
стр. 287
تنبيه وتحذير من الاختلاط بين الرجال والنساء في صلاة الجماعة
السؤال
نرجو من شيخنا التنبيه على موضوع الاختلاط في صلاة الجمعة، فإن هذا لا يليق بكم، وأقترح على شيخي أن يضرب طريقاً للنساء يميناً وشمالاً؟
الجواب
هذه فوضى، نحن نعيش الآن في فوضى، الإسلام سلوك والتزام، أما أن تكون الجمعة كمولد أحمد البدوي، هذه مصيبة، هذا ليس التزاماً، وبعد ذلك تخطي الرقاب والتزاحم والضجر، ما الذي يحدث للأمة؟ إنا لله وإنا إليه راجعون، (وإذا أقيمت الصلاة فلاتأتوها وأنتم تسعون وأتوها وأنتم تمشون عليكم السكينة)، فأين السكينة؟ أين الوقار؟ هذه فوضى، هذا سوق، ولذلك هذا الذي يحدث أنا لا أوافق عليه بحال الاختلاط بين النساء والرجال في المصلى، تخطي الرقاب، عدم احترام الآداب الإسلامية، عدم تقدير الصغير للكبير، فقد تجد بعض الصغار قد يجد رجلاً مثل والده يقفز من فوقه، والضعيف لا يقدم، والقوي يأخذ مكان الضعيف، هذه أمور مختلطة، وهذا ما دعانا إلى عقد درس الأخلاق؛ لأن الأخلاق هي ثمرة هذا الدين وتسري في روحه في مجال العقيدة والعبادة والمعاملات.
стр. 288
حكم الحلف بالمصحف
السؤال
هل الحلف بالمصحف جائز؟
الجواب
نعم يجوز؛ لأن المصحف هو كلام الله، أما الكعبة فلا يجوز، إنما تقول: ورب الكعبة؛ لأن الكعبة ليست من صفات الله ولا من أسمائه، فالمصحف باتفاق أهل العلم يجوز؛ لأن المصحف كلام الله.
стр. 289
معنى صيام الهواجر
السؤال
ما هو صيام الهواجر؟
الجواب
الهواجر هي الأيام شديدة الحر، والهواجر من الهجير، والهجير هي شدة الحر، يعني: تخير اليوم شديد الحرارة وصمه كما كان يفعل السلف، ولذلك كان بعض السلف إذا طرق بابه سائل قال: أعطوه سكراً؛ فإني أحب السكر: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]، ينظر إلى ما يحب وينفقه في سبيل الله .
стр. 290
حكم تغسيل الزوج لزوجته المتوفية
السؤال
هل يجوز للزوج أن يغسل زوجته؟
الجواب
طبعاً يجوز، والله تعالى أعلم.
стр. 291
حكم العمل في المحاماة
السؤال
جاءتني فرصة عمل في مكتب محامي فترة الصيف، وإني أجد في نفسي من الحرج والشك نحو هذا العمل، فهل يوجد فيه إثم؟
الجواب
إذا كان بقانون وضعي وباختلاط فيوجد فيه إثم، إذا كان عملاً مشروعاً، فالمحاماة محرمة بوصفها، إذا كان العمل حلالاً فهي حلال، يعني: في الأحوال الشخصية في الخلع والطلاق والحقوق جائز، أو نزاع شخصي والعقارات والملكية جائز، وأما الجنايات التي فيها حدود غير حدود الله فحرام، فالعمل فيها حسب وصف طبيعة العمل، فإن رأيت أن هذا العمل فيه مخالفات شرعية فلا يجوز، وهذا يتضح بالاحتكاك محاميات في محامين في سكرتيرات في مصيبات وساقطات، والسرقة والدجل وكل شيء ستجده، سوق ليس له ضوابط شرعية، يخرج موكل ولا يعرف كيف خرج، المهم يأكل ما لذ وطاب من الأموال، فهذه طرق نعرفها، لكن حاول أن تجتهد في أن تبحث عن عمل الأصل فيه الحل.
стр. 292
حكم تقديم صيام التطوع على الكفارات
السؤال
هل يجوز أن يصوم أحد تطوعاً وعليه صوم كفارات؟
الجواب
الأفضل أن يقدم الكفارات؛ لأن قضاء الدين أفضل من الصدقة، أنا مديون فهل أتصدق؟ لا، بل أسدد الدين قبل أن أتصدق، فالكفارات دين وصيام النوافل صدقة تطوع، فالأفضل أن توفي الدين قبل أن تتصدق، وإن صام لا إثم عليه، لكن الأفضل أن يبدأ بالكفارات.
مداخلة: هل يجوز أن يجمع بين النيتين؟ الشيخ: لا يجوز أن يجمع بين النيتين؛ لأن هذه لها ضوابط، وهذه لها ضوابط.
стр. 293
وقت إجازة الصبي للقتال
السؤال
يقول عبد الله بن عمر: (عرضت على النبي ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربعة عشر فلم يجزني، وعرضت يوم الخندق وأنا ابن خمسة عشر فأجازني؟
الجواب
هذا يبين أنه يجوز أن يجاز بعد البلوغ.
стр. 294
حكم العمل في شركة أمريكية
السؤال
أنا أعمل في شركة أمريكية تعمل في مصر، هل هذا حرام؟
الجواب
لا، ليس حراماً، عملك مشروع طالما أن الأصل فيه الحل.
стр. 295
حكم اختلاف نية الإمام والمأموم
السؤال
فاتتني صلاة الظهر واستيقظت وهم يصلون العصر، فهل يجوز لي أن أدخل مع الإمام بنية الظهر؟
الجواب
نعم، يجوز أن تدخل العصر بنية الظهر.
стр. 296
حكم من لم يقض الكفارات
السؤال
ما هو عقاب من لم يؤد الكفارات بعذر أنها تكاثرت عليه؟
الجواب
لا، الكفارة واجبة، لابد من أدائها كيفما استطاع، ويعاون من لا يستطيع الكفارة يعاونه الناس بصدقتهم.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا! اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، اللهم نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 297
سلسلة شرح صحيح البخاري [٢١]
توفي النبي ﷺ في يوم الإثنين، ودفن في حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها، وكان قد أوصى ﵊ ألا تتخذ القبور مساجد؛ حتى لا تعظم أو تعبد من دون الله .
стр. 298
تابع باب ما جاء في أولاد المشركين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فلا زلنا مع كتاب الجنائز في صحيح الإمام البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم رحمه الله تعالى، وقد توقفنا عند باب: ما جاء في أولاد المشركين.
стр. 299
من منهج الإمام البخاري في التبويب
يقول البخاري ﵀: [باب] ولم يضع عنواناً للباب.
والبخاري له منهج وأسلوب في صحيحه، ومن خلال الاستقراء نستطيع أن تحدد الأسس التي رسمها لنفسه في الصحيح: فإن أعاد الحديث يعيده للطيفة في سنده أو متنه، ولا يمكن أن يعيد الحديث بنفس السند والمتن، فـ البخاري رحمه الله تعالى حينما يقول: [باب] ولا يضع عنواناً للباب معنى ذلك أنه لم ينته إلى عنوان لهذا الباب، والحديث ثبت عنده على شروطه؛ فيضع الباب بدون عنوان.
كما قال الأئمة: فقه البخاري في تبويبه، فعنوان الباب يمثل حكماً فقهياً.
قال: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جرير بن حازم إلى أن قال: عن سمرة بن جندب قال: (كان النبي ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه)].
هذا الحديث يرويه البخاري مرة أخرى في كتاب تعبير الرؤى، وعلم الرؤية علم له رجالاته وله أهله، ومن المميزين بتعبير الرؤى من التابعين محمد بن سيرين، ومن الصحابة الصديق ﵁، وعمر ﵁، يقول ﷺ : (لم يبق من النبوة إلا المبشرات.
قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له)، ولكن تفسير الرؤى لا بد أن يكون بضابط الكتاب والسنة، ولذلك وضع الإمام البخاري لهذا العلم كتاباً خاصاً سماه كتاب التعبير.
стр. 300
أمثلة لتعبير الرؤى
جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁ وقال: يا إمام! إني رأيت القمر والشمس يقتتلان.
قال: مع أي الفريقين كنت؟ قال: كنت مع القمر، فعلم عمر أن أجل الرجل قد اقترب وأنه سيموت، واستدل بقول الله : ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء:١٢]، فهذا يدل على أن الرجل سيختفي من الحياة كالقمر حينما يختفي من السماء في الليل، فـ عمر ﵁ علم هذا المعنى من القرآن.
وهكذا بعض علماء السلف يربطون بين الرؤيا والقرآن والسنة، وهذا هو المهم.
النبي ﵊ كان بعد كل صلاة يقبل بوجهه على الناس، ولذلك من فقه الإمام بعد الصلاة أن يستدير بوجهه ولا يجلس في مكانه، حتى يعلم الداخل أن الصلاة قد انقضت.
هذه واحدة.
الثانية: حتى ينظر في أمر المصلين، يا فلان أعد الصلاة.
يا فلان أدركت الركوع.
هذا من عمل الإمام.
كان يقبل بوجهه على أصحابه ﷺ ، لكنه بعد الفجر في الغالب يسألهم [(من رأى منكم الليلة رؤيا؟)]، لماذا يسألهم في الفجر؟ لأن الفجر يكون ذهن الرائي صافياً لم يختلط بأعمال اليوم، ويكون ذهن المعبر صافياً، ولا ينبغي أن تقص رؤياك إلا على أهل الإيمان والطاعة، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف:٥].
قوله: (لا تقصص)، هذا تحذير من يعقوب ﵇ ليوسف ألا يقصص رؤياه على إخوته، ومن هنا استنبط العلماء أن الرؤيا لا تقصص إلا على أهل الإيمان، ومن يحب لك الخير، فكان النبي ﵊ يقول لأصحابه: (من رأى منكم الليلة رؤيا؟)، حتى تمنى عبد الله بن عمر أن يرى رؤيا، حتى ينال شرف قصها على النبي ﷺ ، وقد رأى رؤيا لكنها لم تأت على حسب ما تمنى، رأى ابن عمر: أنه في منامه أتاه ملكان وأخذاه من منامه، وطارا به حتى وصلا إلى حافة جهنم، يقول: فنظرت إليها ففزعت.
فقالا: لا تخف أنت لست من أهلها، وبها أناس أعرفهم، ثم عادا بي إلى فراشي.
هذه رؤية يقول: فاستحييت أن أقصها على النبي ﷺ ، فأخبرت بها حفصة زوجة النبي ﵊ حتى تقصها على رسول الله ﷺ ، فقصتها عليه فقال: (نعم العبد عبد الله بن عمر لو كان يقوم الليل)، يعني: هذه رؤيا تحذيرية؛ لأن ابن عمر كان لا يواظب على قيام الليل، فجاءت هذه الرؤية تحذره، يقول ابن عمر: فما تركت قيام الليل بعدها.
وهذا معناه: أن الرؤيا تأتي أحياناً لتنشط صاحبها.
стр. 301
ما رآه النبي ﷺ في منامه
قال: [(فإن رأى أحد قصها.
فيقول ما شاء الله.
فسألنا يوماً فقال: هل رأى أحد منكم رؤيا؟ قلنا: لا.
قال: لكني رأيت الليلة رجلين)].
أي أن الذي رأى هو النبي ﷺ ، ورؤيا الأنبياء وحي وحق: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢]، والنبي إن رأى في منامه شيئاً لا بد أن يمتثله؛ لأن الأنبياء يوحى إليهم في المنام، لذلك قال الله تعالى في شأن دخول المسجد: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧]، فهذه الآية رآها النبي ﷺ في رؤيا.
يقول: [(لكني رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة)] هذا الحديث على طوله أعاده البخاري في كتاب التعبير، من ضمن ما رأى يقول: [(فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كلوب من حديد يدخله في شدقه حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك، ويلتئم شدقه هذا فيعود فيصنع مثله.
قلت: ما هذا؟)].
في المشهد الأول: رأى النبي ﷺ رجلاً، ثم رأى آخران يقومان على رأسه بكلوب من حديد -والكلوب يشبه الخطاف- يفتحان شدقه إلى شحمة أذنه من فمه إلى شحمة أذنه، ثم يعودان يفتحان الناحية الأخرى، فإن فتح اليسرى أغلقت اليمنى، فعادا يصنعان به مثل الأول، يعني: يفتحان ثم يعودان، يفتحان ثم يعودان، فقال ﷺ : [(ما هذا؟ قالا: انطلق.
فانطلقنا)].
المشهد الثاني: [(فانطلقا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه بصخرة فيشدخ بها رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر -يعني: تدحرج الحجر- فانطلق إليه ليأخذه، فلا يرجع إليه حتى يلتئم رأسه كما هو فعاد إليه فضربه.
قلت: من هذا؟ قالا: انطلق انطلق)].
إذاً: المشهد الثاني: رجل وآخر يضرب رأسه بصخرة فتنفلق رأسه، ثم يميل إلى الحجر ليأخذه مرة ثانية فتعود الرأس سليمة فيضربه مرة أخرى، وهكذا يأتي بالحجر يضرب رأسه فتنفلق رأسه ثم يعود إلى الحجر.
قال: [(فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع)]، التنور مثل الموجود في شبرا الخيمة الصوامع العالية، أعلاها ضيق وأسفلها واسع.
[(فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع، فيه رجال ونساء عراة، فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا فيها.
فقلت: من هؤلاء؟ قالا: انطلق انطلق)].
المشهد الثالث الذي رآه النبي ﷺ : رأى تنوراً به نار تؤجج، ورجال ونساء النار تلتهم فروجهم وهم يصطرخون في التنور، فإذا قفزوا إلى أعلى أدركتهم النار.
قال: [(فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم على وسط النهر بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان)].
يعني: رجل يسبح في بحر من الدم، وآخر على الشاطئ كلما وصل إليه من يسبح في بحر الدم ألقمه حجراً في فمه فيبلعه ويعود يسبح، فإذا ما أراد أن يخرج وصل إلى الشاطئ ألقمه حجراً فعاد يسبح.
[(قالا: انطلق انطلق، فانطلقنا حتى انتهيا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة، وفي أصلها شيخ وصبيان، وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها، فصعدا بي في الشجرة وأدخلاني داراً لم أر قط أحسن منها، فيها شيوخ وشباب ونساء وصبيان، ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة، فأدخلاني داراً هي أحسن وأفضل فيها شيوخ، قلت: طوفتماني الليلة فأخبراني عما رأيت)].
هذه المشاهد الخمسة تأويلها في الرؤيا، البخاري يخرج هذا الحديث في باب ما قيل في أولاد المشركين ليدلل على أن أولاد المشركين في الجنة، هذا ما أراده البخاري من المشهد الخامس.
стр. 302
تعبير رؤيا النبي ﷺ في المنام
يقول: [(أخبراني عما رأيت.
قالا: نعم.
أما الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يحدّث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة)].
إذاً: المشهد الأول هو الكذاب الذي يفتح فمه من شدقه الأيمن إلى شحمة أذنه، ومن شدقه الأيسر إلى شحمة أذنه اليسرى يحدث بالكذب والناس تسمع منه الكذبة فتبلغ الآفاق، ولا يستطيع أن يعود فيها.
أما الآخر قالا: [(والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علّمه الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار)]، يعني: الذي ينام عن القرآن وعن الصلاة وعن الطاعة؛ فإن الجزاء من جنس العمل.
هذا المشهد الثاني.
[(والذي رأيته في التنور فهم الزناة)] فإن الجزاء من جنس العمل، استمتعوا بفروجهم هنا فتحرق بنار الله يوم القيامة، وهم يصطرخون فيها.
هذا المشهد الثالث.
المشهد الرابع: الرجل الذي يسبح في نهر الدم هو آكل الربا، يقول ابن عباس: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥]، يقول: (يبعث آكل الربا يوم القيامة وبطنه بين يديه كالمرأة الحبلى، يقوم فيقع) يقوم فيقع، لماذا يسبح في بحر الدم؟ لأن غالب الربا في الذهب والفضة، ومن هنا اللون الأحمر، يسبح في بحر دم ثم يصل إلى الشاطئ، وهكذا.
[(والشيخ في أصل الشجرة: إبراهيم ﵇، والصبيان حوله: أولاد الناس، والذين يوقدون النار: مالك خازن النار، والدار الأولى: دار عامة المؤمنين، وأما الدار الثانية: فدار الشهداء، وأنا جبريل وهذا ميكائيل)].
إذاً: قوله: (فهم: أولاد الناس) إذاً عامة أولاد الناس من المشركين والمؤمنين كلهم في الجنة، فـ البخاري يريد أن يذهب إلى مذهب معناه: أن أولاد المشركين في الجنة؛ لأنهم لم يفعلوا شيئاً قبل أن يموتوا: هذا المشهد الخامس.
стр. 303
باب موت يوم الإثنين
قال البخاري: [باب: موت يوم الإثنين].
يعني: فضل من مات في يوم الإثنين، ولقد مات نبينا ﷺ في يوم الإثنين، وما أدراك ما يوم الإثنين؟! يقول البخاري ﵀: [من طريق عائشة: دخلت على أبي بكر ﵁ فقال: في كم كفنتم النبي ﷺ ؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة.
قال لها: في أي يوم توفي رسول الله ﷺ ؟ قالت: يوم الإثنين.
قال: فأي يوم هذا؟ قالت: يوم الإثنين.
قال: أرجو فيما بيني وبين الليل.
فنظر إلى ثوب عليه كان يمرّض فيه به ردع من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين فكفنوني فيها.
قلت: إن هذا خلق؟ قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت، فلم يتوف حتى أمسى من ليلة الثلاثاء، ودفن قبل أن يصبح].
يشير البخاري هنا: إلى واقعة موت النبي ﷺ ، وحياة الأنبياء في قبورهم حياة برزخية، والإمام البيهقي له كتاب اسمه: حياة الأنبياء في قبورهم، حياة برزخية لا نعلم عنها شيئاً، إنما نستطيع أن نجزم الآن: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]؛ لأن البعض يقولون: هل مات رسول الله ﷺ ؟ رسول الله ما مات.
قلنا: مات بنص القرآن، ولكن حياته في القبر حياة برزخية، وقد ثبت في الحديث: (إذا كان يوم الجمعة فأكثروا من الصلاة علي فإن صلاتكم تعرض علي.
قالوا: كيف تعرض عليك يا رسول الله وقد أرمت؟ قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)، ولقد مر النبي ﵊ بموسى ﵇ وهو يصلي في قبره، والحديث صحيح، وليس معنى يصلي في قبره أي يركع ويسجد كما يفهم البعض، ولكن الحياة البرزخية لها قانون يحكمها، فنبينا ﵊ حي حياة برزخية، أما في واقع الحياة فقد جاء في البخاري وغيره: أن النبي ﵊ لما عاد من زيارته لموتى البقيع شكا من ألم في رأسه، قال: (وا رأساه يا عائشة!)، وبقي في حجرتها يطبب إلى أن قال بعد أن عجز عن القيام للصلاة في جماعة، قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس.
قالت عائشة: يا رسول الله مر عمر؛ فإن أبا بكر رجل أسيف، إذا قرأ القرآن بكى، وإذا بكى لم يسمع؟ قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، إنكن صواحب يوسف)، يقول العلماء: لأنها عرضت بشيء وتريد شيئاً آخر، احتجت بأن أبا بكر رجل أسيف إذا قرأ يبكي، وإذا بكى لم يُسمع.
نعم هذا عذر لكنها كانت تريد لأبيها ألا يؤم الناس فيموت النبي ﷺ وأبوها يؤم الناس، فيربط الناس بين إمامة الصديق وبين موت النبي ﵊.
صلى الصديق بالناس أياماً ﵁، وخرج النبي ﵊ قبل موته في الفرض الأخير، ورفع الستار من حجرة عائشة ونظر إلى أصحابه وهم يصلون، وابتسم ضاحكاً وعاد وقد حدثت ضجة في المسجد لسعادتهم بقدوم النبي ﵊، فأشار إليهم أن ابقوا على مكانكم، ثم عاد إلى حجرة عائشة وألقى رأسه على صدرها.
ومن فضل الله على أمنا عائشة أن مات رسول الله بين سحرها ونحرها.
والسحر: هو الصدر.
والنحر: هو الرقبة.
أي: أن النبي ﵊ كان ينام على صدرها ورقبتها قبل موته.
ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر أخو عائشة وبيده سواك فأشار النبي ﷺ إلى السواك فأخذت عائشة السواك من أخيها ولينته بريقها.
وفي هذا بوب البخاري أن الرجل يلين السواك لأخيه، كسرت الجزء المستخدم ثم لينت جزءاً آخر بريقها للنبي ﵊، ودفعت السواك إليه فاستاك قبل أن يموت، فكان آخر ريق مس ريقه هو ريق عائشة ﵂، وكان يقول: (بل الرفيق الأعلى بل الرفيق الأعلى)، أي: أختار الرفيق الأعلى.
﵊ وكان هذا في يوم الإثنين، والبخاري يبوب بذلك فيقول: [باب: موت يوم الإثنين].
وقد بوب في أول الجنائز أنه يجوز أن تدخل على الميت بعد موته، وأن تقبله في جبهته قبل تكفينه، وهذا ما صنعه الصديق مع النبي ﵊، ومع عبد الله بن حرام لما مات في غزوة أحد.
دخلوا عليه بعد موته وقبّله الصديق في جبهته، وقال: (طبت حياً وميتاً يا رسول الله، لن يجمع الله عليك موتتين، إلا الموتة التي متها في الدنيا لن تموت بعدها أبداً)؛ لأنه (يؤتى بالموت يوم القيامة على هيئة كبش أملح ويذبح بين الجنة والنار، وينادى: يا أ
стр. 304
باب موت الفجأة
قال البخاري ﵀: [باب: موت الفجأة].
يعني: البغتة ومن علامات الساعة أن ينتشر موت الفجأة، وموت الفجأة من علامات سوء الخاتمة إلا من رحم الله؛ لأن موت الفجأة لا يعطي العبد فرصة أن يتوب أو يسترجع ويوصي ويتحلل من ديونه، يقول ربنا سبحانه في هذا المعنى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]، ويقول في سورة يس: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس:٤٩]، يعني: يختصمون، الرجل يبيع إلى الرجل ويختصم معه في السعر، فإذا بالنفخة تأتي عليهم: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر:٦٨]، فموت الفجأة موت البغتة.
[من طريق عائشة ﵂: أن رجلاً قال للنبي ﷺ : (إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها من أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم)].
والمعنى: أن الموت جاء لأمه بغتة، وهو يعلم أن أمه لو تكلمت أمرت بصدقة، وهذا معناه: أن موت الفجأة يدخل على العبد ولا يمهله.
كل امرئٍ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله (إن أمي افتلتت نفسها)، ولذلك أبو داود يروي: (موت الفجأة أخذة أسف).
وفي إسناده مقال، لكنه هنا يقول: موت الفجأة راحة للمؤمن، وأسف على الفاجر الذي لا يستطيع أن يوصي.
стр. 305
باب ما جاء في قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر
قال البخاري: [باب: ما جاء في قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄] ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس:٢١]، أقبرت الرجل إذا جعلت له قبراً وقبرته: أي دفنته.
يقول : ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً ?وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات:٢٥ - ٢٦].
]، ومعنى الآية: أنهم يكونوا فيها أحياء، ويدفنون فيها أمواتاً، فالأرض تكفيهم في حياتهم وبعد موتهم، فمكان القبر على المعتاد في الأرض، ولكن انظر إلى قبر النبي ﷺ وإلى قبر أبي بكر وعمر وكل قبر الصحابة ستجد أن قبورهم تسوى بالأرض ولا ترتفع إلا لتميز ويعرف أنها قبر، أما الآن فحدث ولا حرج عن قبور المسلمين، قبور من ثلاث طوابق، وقبور بالسيراميك، وقبور بدخلها تكييف، وهذا لن ينجيهم أبداً من سؤال الملكين مهما صنعوا وفعلوا.
جاء من حديث عائشة قالت: (إن كان رسول الله ﷺ ليتعذر في مرضه أين أنا اليوم؟ أين أنا غداً؟ استبطاءً ليوم عائشة، فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري، ودفن في بيتي ﷺ ، وهذا نص على أنه دفن في حجرة عائشة لا كما يقول القائل: إنه دفن في مسجده، فهذا وهم، ولذلك كان يسأل: أين أنا غداً؟ يستعجل يوم عائشة لحبه لها، ولا بأس أن يحب الرجل زوجة بخلاف الأخرى، وكن زوجاته يفهمن ما يريد، فسمحن له وأذنّ له أن يطبب في حجرة عائشة كل امرأة تريد الزوج لنفسها، لكن زوجات النبي ﷺ يفعلن ما يستريح إليه، ولذلك في آية التخيير بين الدنيا والآخرة: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٩]، ثم خيرهن قبل ذلك بعطاء الدنيا.
أقول: من حديث أمنا عائشة ﵂ قال ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً) وفي هذا دليل واضح على عدم جواز ارتفاع القبور، ودليل أوضح على عدم اتخاذ القبور في المساجد، ولا يحدث هذا إلا في البلاد التي يعم فيها الجهل، أما البلاد التي فيها التوحيد فلا تجده، فالمساجد لا تجتمع مع القبور أبداً، (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، إني أنهاكم عن ذلك، لا تتخذوا القبور مساجد)، رغم وضوح الأدلة إلا أن البعض يقول بغير ذلك، وهم ينتسبون إلى العلم ويسألون: ما رأيكم في مقام الحسين في قبره؟ فيجيبون: لا بأس الصلاة فيه صحيحة! وهو يعلم ويكتم العلم.
يا عبد الله! إن قلنا هذا قالوا: متشددون رجعيون متحجرون يبغضون أهل البيت.
يا أيها الناس! هذا دين الله، وهذا قول النبي محمد ﷺ .
ثم من طريق أمنا عائشة أنه حدثه: أنه رأى قبر النبي ﷺ مرتفعاً، يقول: لما سقط عليهم الحائط في زمان الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه فبدت لهم قدم.
يعني: لما أخذوا في بناء المسجد النبوي وإعادة توسعته حفروا فخرجت لهم قدم من الأموات، إما قدم النبي ﷺ وإما أبو بكر أو عمر ففزعوا، وذلك في زمن الوليد بن عبد الملك، [فبدت لهم قدم ففزعوا وظنوا أنها قدم النبي ﷺ ، فما وجدوا أحداً يعلم ذلك حتى قال لهم عروة: لا والله ما هي قدم النبي ﷺ إن هي إلا قدم عمر ﵁].
عند ذلك اطمئنوا، لكن الكلام يشير إلى أنهم لم يبرزوا القبور، وإنما كانت مستوية في الأرض حيث كانت، فخرجت القدم، ومعنى ذلك: أنهم لم يحفروا مكاناً مرتفعاً إنما كانت على سطح الأرض، والآن حدث ولا حرج عما يصنعه المسلمون اليوم في القبور من بدع محدثة.
يقول: من طريق عائشة: [أنها أوصت عبد الله بن الزبير ﵄: لا تدفني معهم وادفني مع صواحبي بالبقيع، لا أزكى به أبداً].
أي: أن أمنا عائشة ﵂ تقول لـ عبد الله بن الزبير هنا: لا تدفني مع أبي بكر وعمر والنبي ﷺ ، ولكن ادفني مع زوجات رسول الله ﷺ في البقيع، (لا أزكى به أبداً) يعني: لا أزكى بهذا الموضع، لكن الحديث فيه إشكال واضح، وهو: أن عمر بن الخطاب ﵁ أرسل إلى أمنا عائشة وأخبرها أنه يريد أن يدفن بجوار النبي ﵊، فلما جاء عبد الله بن عمر وأخبرها الخبر وافق
стр. 306
باب ما ينهى من سب الأموات
قال البخاري: [باب: ما ينهى من سب الأموات.
وباب: ذكر شرار الأموات] أما ما ينهى عن سب الأموات فجاء: من طريق عائشة ﵂ قالت: [قال ﷺ (لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا)].
ثم جاء بالحديث الأخير في كتاب الجنائز قال: [قال أبو لهب عليه لعنة الله للنبي ﷺ : تباً لك سائر اليوم فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]].
البخاري يريد أن يقول بأن الحديث الأول يعارض الثاني سب الأموات: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]، فيه سب أم لا؟ فيه.
ثم في الحديث الأول: (لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا)، كيف نجمع بين النصين؟ إما أن يكون السب للمشركين والكفار بعد موتهم وهذا لا بأس به، كمقام الغيبة في أحوالها الستة جائزة: القدح ليس بغيبة في ستة متظلم ومعرف ومحذر ولمظهر فسقاً ومستفتٍ ومن طلب الإعانة في إزالة منكر فالحديث الأول ينهى عن سب الأموات من المسلمين، والحديث الثاني يشير إلى سب الأموات من الكفار والمشركين، هذا ما انتهى إليه البخاري من أقوال العلماء، وذلك يحتمل أجوبة: أن الذي كان يحدث عنه بالشر كان مجاهراً به فيكون من باب (لا غيبة لفاسق)، أو منافقاً، والمعنى: لما مرت جنازة على النبي ﷺ وقال الصحابة لها: (وجبت)، ثم قال للثانية أيضاً: (وجبت)، فلما سألوه عن ذلك، قال: (أما الأولى ذكرتموها بالعمل الصالح والخير فوجبت لها الجنة، وأما الثانية ذكرتموها بالشر فوجبت لها النار).
يقول ابن حجر: ذكر الثانية بشر وذكر الأولى بخير، وهذا يشير إلى ما قلت: أن ذكر محاسن الأموات بالنسبة للمسلم أصل، وذكر شرار الأموات بالنسبة للمشركين جائز، ولذلك قول أمنا عائشة: (لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا)، تشير إلى أموات المسلمين، و ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]، تشير إلى موتى المشركين.
وإلى هنا انتهى البخاري رحمه الله تعالى في ثمانية وتسعين باباً من كتاب الجنائز.
نسأل الله أن يعلمنا من ديننا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل وفي السر والعلن؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 307
الأسئلة
стр. 308
الرد على عبد الصبور شاهين في دعواه أن لآدم أباً وأماً وأن عيسى رفع بروحه
السؤال
هناك برنامج على الفضائيات جاء فيه الدكتور: عبد الصبور شاهين وقال فيه عن مسألة خلق آدم: إن الله خلق بشراً في بادئ الأمر، ثم اصطفى من هؤلاء البشر آدم، فآدم خلق من أب وأم؟
الجواب
عاد مرة أخرى إلى ما ألف، هذا الكلام قديم.
ثم قال: إن آدم خلق من أب وأم.
وأيضاً قال: إن حواء لم تخلق من ضلع آدم، وأن عيسى رفع رفع منزلة لمدة خمسة وثلاثين سنة وهو لم يرفع بجسده ولا بروحه؟ الجواب: هذا الكلام في الحقيقة مردود عليه بأدلة دامغة، وقد أصدر الدكتور حفظه الله كتاباً في هذا الموضوع يسمى كتاب: أبي آدم.
مؤلفه الدكتور: عبد الصبور، وقد حاجه الدكتور المطعني ورد عليه بكتاب يفند فيه تلك الآراء ويبطلها، وحسب علمي: أن علماء دار العلوم قاطبة قد أعدوا للدكتور أدلة دامغة، وكان منهم الدكتور البلتاتي ﵀ الذي مات منذ شهر أو شهرين أو أقل، والدكتور عبد الحميد مدكور وعلماء السلف في دار العلوم أعدوا الأدلة الدامغة، وهذا ينكر صريح نص القرآن، ربنا يقول عن آدم ﵇: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة:٧]، ويقول: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر:٢٩]، ويقول في قضية خلق آدم: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩]، هذه الآيات وغيرها الكثير والكثير.
ولا أجد من السلف من قال بهذا القول وليس من سلف الأمة من قال بهذا القول، فلماذا هذا الإبداع والابتداع، والمخالفة لجمهور المفسرين، مَن مِن المفسرين قال هذا؟ هل الطبري؟ هل ابن كثير؟ هل الشاطبي؟ هل القاسمي؟ مَن مِن مفسري السلف قال بهذا القول حتى نقول بقوله، الدكتور ليس له سلف في هذا القول، ولا بد أن يتراجع عن قوله؛ لأننا نحب له الخير، وكم وكم وكم من هذه الأقوال.
فأقول: الكتاب طبع وبيع ونفذ، ما الفائدة أن نعاود هذا الكلام على القناة الفضائية؟ ما الفائدة أن نطعن في علم السلف ونقول: إن حواء لم تخلق من ضلع آدم، والقرآن يقول: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء:١].
عموماً القضية طرحت للمناقشة، وسآتي بالكتابين معاً في محاضرة قريبة، كتاب الدكتور عبد الصبور وكتاب الدكتور عبد العظيم المطعني لأبين فيه الحجج.
والكتاب الثاني على ما أذكر يحمل هذا الاسم: آدم بين الخيال الفاضح والهوى المتبع للدكتور المطعني، والكتابان موجدان عندي وسأحضرهما، وليس الدكتور المطعني فقط هو الذي رد، وإنما الردود من دول عربية شقيقة، وتوجد كتب أخرى سأصطحبها معي ثم أذكر أدلة الدكتور شاهين الواهية التي لا تستقيم مع كتاب ولا سنة، ثم الردود على هذا حتى يعلم الجميع أن آدم هو أبو البشر، وأن آدم خلق من طين الأرض، وليس له أب وليس له أم.
وأن وفد نجران الذي جاء من اليمن يجادل في قضية خلق عيسى، أنزل الله رداً عليهم في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩]، فضلاً عن الأحاديث الصحيحة التي ثبت عن نبينا ﷺ ، لكن الدكتور على ما يبدو لا يقر بأحاديث الآحاد في شأن العقيدة؛ لأن البخاري ومسلم وكتب السنة فيها من الأحاديث ما يبين أن آدم خلق من تراب، لكن ثبت الأول قضية عنده وهي أن خبر الآحاد لا يمكن أن تستقى منه عقيدة، وهذا الكلام الباطل الذي رد عليه علماء السلف: أن خبر الآحاد يمكن أن ينشئ منه اعتقاد، وللحديث بقية في هذا الأمر إن شاء الله تعالى.
أما قضية رفع عيسى فسبقك بها يا دكتور الذي قال: إن عيسى لم يرفع، ورد عليه الدكتور: محمد خليل هراس في كتابه: فصل المقال في رفع عيسى ﵇ وقتله للدجال، لعل الذي سبق بهذا القول الدكتور: محمود شلتوت ﵀ هو الذي قال بعدم الرفع، وأنه رفع منزلة، أو رفع بروحه ولم يرفع بجسده، هذا الكلام رده الدكتور هراس وأتى بأكثر من عشرة أدلة من القرآن والسنة على أنه رفع بالروح والجسد، وربنا يقول: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف:٦١]، وقول جمهور المفسرين: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]، ولم يقل: و