Полный текст (888 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
آدم في الجنة
أراد الله سبحانه لآدم وذريته الابتلاء على وجه الأرض، فاستخلفه فيها بعد أن كان في الجنة هو وزوجته يأكلان منها حيث شاءا، وحذره من إبليس وخططه في إغوائه له ولذريته، وجعل الفوز والسعادة في الدنيا والآخرة باجتناب خطوات إبليس.
стр. 2
قضاء الله في إخراج آدم من الجنة وذكر ما ترتب على خطيئته
الحمد لله رب العالمين، ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة:٧ - ٩] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:٣].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، والملأ الأعلى إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة الكرام الأحباب! حديثنا يحمل عنوان: آدم في الجنة.
يعتقد البعض أن الله صلب ولده ليكفر عن خطيئته، وهذا اعتقاد باطل ينافي عقيدة المؤمن؛ لأن الله في سورة النساء فضح اليهود وبيّن قولهم في مريم، وكفرهم بالمسيح ﵇، قالوا في مريم: أنها حملت من الزنى وهي المبرأة التقية الورعة، ونسبوا إلى أنفسهم أنهم صلبوا ولدها عيسى، وصور هذا لبعض المسلمين اليوم، واأسفاه! أقلام مسلمة تصدق هذا، وتدندن حول هذا المعنى، وتقول: هم قتلة الأنبياء، نعم لا بأس بهذا، لكن في قضية قتل المسيح وصلبه قال الله : ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [النساء:١٥٧]، استهزاءً، يقول الله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]، ثم عادت الآيات تؤكد هذا المعنى، يقول الله سبحانه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٧ - ١٥٨]، هذا الكلام مهم جداً في هذا الزمن؛ لأن البعض شاهد فيلماً بعنوان: آلام المسيح؛ لأن اليهود صلبوه وفعلوا به كذا وكذا، يا عبد الله! مع إيماننا الجازم أنهم قتلة الأنبياء، وأنهم قتلوا يحيى ﵇، وحاولوا قتل زكريا ﵇، ووضعوا السم لسيد البشر محمد ﷺ ، وحاولوا قتل المسيح ﵇ وصلبه، لكن الله برأه منهم ونجاه من أيديهم.
стр. 3
أسباب عدم سجود إبليس لآدم
توقفنا عند قول ربنا : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]، وفي سورة الأعراف قال: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الأعراف:١١]، والسؤال هنا: ما الذي دفع إبليس لعدم السجود لآدم، فالأمر من الله أمر صريح لا يحتاج إلى إعمال القياس والعقل والفكر، فلا قياس في وجود النص: ((اسْجُدُوا لِآدَمَ))، أمر صريح؟ بين القرآن أسباب ذلك: السبب الأول: الكبر، وهذه صفة في الإنسان أن يتكبر، إما بأصله وإما بحسبه وإمام بنسبه وإما بماله وإما بعلمه، فالتكبر أنواع، فكلما ازداد العالم علماً ازداد تواضعاً، فالمتكبر ينتهي، وانظروا إلى ماذا صنع الكبر بإبليس.
قال الأحنف بن قيس: عجباً لابن آدم! يتكبر على الأرض وقد خرج من مجرى البول مرتين! أي: من مجرى بول أبيه، ومن مجرى بول أمه! والآيات في ذم الكبر كثيرة: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف:١٤٦]، وقال رسول الله ﷺ : (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر).
السبب الثاني: أنه اعتز بأصله وبأصل خلقته، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢].
يا إبليس! حتى لو سلمنا جدلاً أنك خير من آدم، فإن الأمر من الله لا يحتاج إلى مناقشة، ولا إلى مجادلة، ولا إلى أن ترد الأمر على خالقك، فإبليس عند معصيته رد الأمر على الله، واتهم الله بالظلم وعدم العلم؛ لأنه قال: ((أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ))، وكأنه يقول: لم تأمرني بذلك؟ ليس من العدل أن أسجد له، لكن العبد حينما يعصي الله يقر بمعصيته ويندم ويعترف، فهل إبليس اعترف بخطيئته؟ هل إبليس أقر بذنبه؟ من كتابنا من يكتب: إن الله قد ظلم إبليس! إنا لله وإنا إليه راجعون، في زمن فيه حرية الكفر فتحت الأبواب لمن هب ودب، كل يكتب على حسب هواه حتى وإن ناقض أصل الدين، وأصول المعتقدات عند المسلمين.
السبب الثالث: بسبب قياسه الفاسد، والقياس مع النص لا أصل له، إلا أن القياس لا ننكره كأصل من أصول التشريع، لكن القياس نلجأ إليه في حالة عدم وجود النص مع اتفاق العلة، فما أحدثه الناس اليوم من المخدرات حرام قياساً على الخمر؛ لأن العلة هي السكر.
قال ﷺ : (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه)، قاس العلماء الإيجار، أي: لا يستأجر أحدكم على إيجار أخيه؛ لأن العلة واحدة.
وهنا النبي ﷺ يقرب المعنى إلى الأذهان بالقياس، وذلك حينما جاءه رجل من أصحابه يتهم زوجته بالزنى؛ لأنها ولدت ولداً أسود، فالأب أبيض والزوجة بيضاء والناتج زنجي أسود، هذا عطاء الله سبحانه، فاعترض الرجل، فذهب إلى النبي ﷺ يقول: يا رسول الله! إن امرأتي ولدت ولداً ليس من لوني.
والألوان ليس لها قيمة عند الله، قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، لكن الرجل أراد أن يلاعن زوجته من طرف خفي، فقال له النبي ﷺ : (أعندك إبل؟ قال: نعم.
قال: ما لونها؟ قال: حمر.
قال: أفيها أورق؟ -هل فيها واحد مخالف للمجموعة؟ - قال: فيها أورق، قال: ما تقول فيه؟، قال: لعله نزعه عرق، قال: كذلك ولدك لعله نزعه عرق)، يقرب المعنى إلى الأفهام بالقياس، وقال: (وفي بضع أحدكم صدقة، فقال الصحابة: يا رسول الله! أيضع أحدنا شهوته ويكون له أجر؟! قال: أرأيت إن وضعها في حرام أكان عليه وزر؟، قالوا: نعم، قال: كذلك إن وضعها في حلال فله أجر)، هذا أيضاً قياس، والقياس عند الأصوليين معتبر، لكن قياس إبليس قياس فاسد؛ لأنه قاس مع وجود النص.
ونحن لا نسلم لإبليس بما قال، قال ابن كثير: الطين أفضل من النار، فالطين من طبيعته: الرزانة والعطاء والأناة، وإن شئت فانظر إلى الطين وهو يعطي الثمرة، والنار من طبيعتها: الدمار والحرق، فلا نسلم له أصلاً بهذا القول، لكن هذا أمر الله .
стр. 4
خطط إبليس في إغوائه بني آدم بعد لعن الله له وإمهاله
لما امتنع إبليس من السجود بصده وإعراضه واستكباره وعدم إقراره بذنبه ورده لأمر خالقه كانت النتيجة: الجزاء من جنس العمل: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا﴾ [الأعراف:١٨]، أي: من الجنة، وانظر إلى قول ربنا: ﴿إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف:١٣]، والصغار أقصى مراتب الذل، استكبر فأذله الله، فالجزاء من جنس عمله: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف:١٨]، فخرج إبليس من الجنة، وطرده الله سبحانه ومسخ صورته ولعنه، وكتب عليه الذل والصغار.
وبعد خروجه من الجنة، واستعلائه عن أمر ربه أمر الله آدم بالسجود، لكن إبليس سأل الله مسألة وهي: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر:٣٦]، فإبليس يقر لله أنه رب، أي: يقر بتوحيد الربوبية أي: خالقي، لكنه كفر بمقام توحيد العبودية والألوهية، قال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر:٣٦]، أي: إلى يوم القيامة أمهلني وأجلني، ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر:٣٧ - ٣٨]، هذا قدر الله سبحانه، أمهله الله ، والآية واضحة كوضوح الشمس.
هناك من أهل الجهل والسفه -ويصدقها الكثير- يوزعون ورقة عن معاذ بن جبل -كما يدعون-: (أن النبي ﷺ كان يجلس مع أصحابه، فطرق الباب طارق، فقال: أتدرون من بالباب؟ قلنا: الله ورسوله أعلم.
قال: ذلك الشيطان الرجيم إبليس، فقال عمر: يا رسول الله! دعني أضرب عنقه).
فمن أول الحديث عرفنا أنه كذب؛ لأن عمر لا يجهل أن إبليس منظر، وهذا فيه اتهام للصحابة بالجهل بالقرآن الكريم.
كذلك مما يروجونه وصية الشيخ أحمد إلى المسلمين في بقاع الأرض: بينما أنا نائم في حضرة النبي ﵊، إذ جاء النبي في منامي وأنا نائم بجوار قبره، فقال لي: يا أحمد! إن المسلمين قد تركوا أمر الله وو إلى آخره، وفي آخرها: لا بد أن تصورها وأن توزعها، وأقل عدد عشرين صورة، ولم يصورها فلان ففصل من عمله، ولم تصورها فلانة فلم تتزوج إلى الآن، وصورها فلان وفلان فقضى الله عنه الديون.
الورقة تسدد الديون! وتفرج الكروب! وتحصل بها على وظيفة! ومع تيه المسلمين تقع في أيديهم ويصورونها مئات الصور إلى اليوم! فهذا شرك من أوسع الأبواب إن اعتقد صحة ما فيها، أقول: مزقها أو أحرقها، وإني على يقين أنك لن تصاب بأذى، فالذي يملك جلب النفع ودفع الضر هو الله .
فكل من شاء الآن يكتب، عندنا إباحية في مسألة الكتابة، فنحن الآن نسمع العجب، ولا بد من الضابط الشرعي في القبول عند السماع.
أيها الإخوة الكرام! لما أمهل الله إبليس، بيّن إبليس خططه، وبيّن ما يصبو إليه في إفساد البشرية، قال لربه سبحانه: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧]، حصار من الجهات الأربع، وقال: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء:١١٩]، هذا من مخطط الشيطان في الإفساد في الأرض.
ثم أيضاً قال الله سبحانه: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء:٦٤]، وصوت الشيطان: هو الغناء، استخفهم إبليس بالغناء، أين تذهب هذا المساء؟ قال: في حفلة غنائية راقصة، هذه الليلة سأرقص إلى الفجر، والأمة تزحف بالآلاف المؤلفة إلى العته والجنون، ومقدساتها تدك، وأطفالها تداس، وبطون نسائها تحمل من الزنى قهراً واغتصاباً، أي كرامة للأمة هذه؟ أمة عابثة.
في يوم الإثنين الماضي تدك الفلوجة بأيدي إخوان القردة والخنازير، إنا لله وإنا إليه راجعون، والله إنه للعار وإنه للدمار والشنار، لكن: لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي.
أسأل الله أن ينصر الإسلام، وأن يمكن لدينه في الأرض، جسد مات! أسأل الله أن يعطيه الحياة.
فإبليس بيّن عن مقصوده وبيّن عن خططه في إفساد الخلق وإفساد البشرية، قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء:٦٤]، أي: اركب واستخدم كل الوسائل، فالخيل إشارة إلى ركوب الخيل، والرجل إشارة إلى الترجل، استخدم كل الوسائل التي تستطيع يا إبليس! ﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ [الإسراء:٦٤]، بالربا والرشوة، وأكل المال بالباطل، والأولاد بتسميتهم، ينسبوهم إلى غير الله، أو أن يعبدوهم لغير الله سبحانه كعبد العزى وغير ذلك، قال تعالى: ﴿وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا
стр. 5
إقامة آدم وزوجته في الجنة بعد خروج إبليس منها
وبعد أن بيّن مقصوده قال: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦]، أخبر أنه سيأتي أحدكم في جهاده وفي إنفاقه وفي صلاته، وفي كل وقت ليزين له المعصية، يقول ربنا سبحانه: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف:١٩]، طرد إبليس من الجنة، ثم سكن فيها آدم وزوجته، لكن هل هي جنة الخلد؟ هذا رأي الجمهور، أم هي جنة أرضية للاختبار والابتلاء والامتحان؟ هذا رأي آخر، وابن القيم في مفتاح دار السعادة ما استطاع أن يحسم النزاع؛ لأن كل فريق له أدلته: فالذين قالوا: إنها جنة أرضية قالوا: إن آدم قد تعرى فيها، وجنة الخلد ليس فيها تعرية، وإن آدم قد كلف فيها بعدم الأكل من الشجرة، وجنة الخلد ليس فيها تكليف، وإن آدم قد أصابه فيها الحزن، وجنة الخلد ليس فيها حزن.
ورد الفريق الآخر بسبعين دليلاً عدها ابن القيم منها: إن آدم يذهب إليه الخلائق يوم القيامة فيقولون: اشفع لنا عند ربك أن يصرفنا إلى الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا أنا؟ وهل أخرجكم من هذه الجنة إلا أنا؟ فالجنة هنا هي جنة المأوى.
عموماً اختلف العلماء في الجنة، لكن آدم سكن هو وزوجته حواء، وفي هذا إشارة إلى تبعية المرأة والرجل، وسترى أن الخطاب في الآيات أحياناً لآدم بمفرده، وأحياناً لآدم وحواء، فإن كان لآدم بمفرده تدخل فيه حواء بالتبعية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ [طه:١١٨]، لا يجوع هو وحواء؛ لأنها تدخل بالتبعية، فالمرأة تبع لزوجها، فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله، هذا معناه: أن المرأة تتبع الرجل الذي يقوم على ولايتها، وله القوامة عليها.
قال تعالى: ﴿وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة:٣٥]، أي: كلا من الجنة ما شئتما إلا شجرة أحذرك يا آدم! أن تقترب منها، قال: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٣٥]، والحرمة بعدم القرب أبلغ من ألا تأكلا، وعندنا من يقول: الإسلام لم يحرم الخمر؛ لأن الله قال: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠]، وكلمة: ((فَاجْتَنِبُوهُ)) لا تعني: التحريم، يا له من فيلسوف! ولم يحرم الزنا تحريماً مباشراً؛ لأن الله قال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢]، هذه عقول لا أدري بأي حق تتحدث أو تكتب، وإن لم تستح فاكتب ما شئت، أو فاصنع ما شئت، أو فقل ما شئت، فإن التحريم بعدم القرب أبلغ.
стр. 6
أسباب وقوع آدم وزوجته في الخطيئة وخروجهما من الجنة
حذر الله آدم من إبليس فقال له: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ [طه:١١٧]، أي: إبليس: ﴿عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه:١١٧]، انتبه يا آدم! أحذرك من إبليس؛ لن يتركك دون وسوسة ودون محاولة للإغراء، فإنه قال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف:١٦]، يقسم لربه سبحانه أنه بسبب إغوائه سيحاول أن يضل البشرية.
وسكن آدم الجنة، لكن الآيات لم توضح نوع الملابس التي كان يلبسها، وإنما بينت أنه كان يلبس، فلا بد أن نؤمن إيماناً جازماً أن العورة كانت مستورة، وهذا من الفطرة، فالفطرة أن تستر العورة، لكن في زماننا الآن خرجنا عن الفطرة، فالعورات قد ظهرت باسم المدنية والتحضر.
وآدم لم يهبط إلى الأرض إلا وهو يعلم أن عدم إظهار العورة من الفطرة، لكن من استقامة الطبع عندنا الآن أن من تسير في طريق عام تظهر العورة وتتبجح، وعندنا من الرجال من يظهر العورة ويبتسم، هذا معناه: أن الحياء قد نزع من قلوبهم، وحدث عنه ولا حرج.
جاء إبليس عن طريق الوسوسة؛ لأن القرآن قال: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف:٢٠]، لا نقول: دخل إليهما عن طريق الحية كما في التوراة المحرفة؛ فالنص واضح عن طريق الوسوسة، آدم في الجنة وإبليس خارج الجنة، وسوس لهما فقال: ﴿يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠]، أتى بوسائل الإغراء: هل تحب أن تكون خالداً في الجنة؟ كل هذه الشجرة يا آدم! هل تكره أن تكون ملكاً؟ يا آدم! أقسم لك بالله إني لك لناصح؟ وظل خلفه يوسوس له ويزين له، وهذا دأب الشيطان مع أوليائه، يزين لهم المعاصي ويحببهم فيها، ويقربهم منها حتى إذا وقعوا: ﴿قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر:١٦]، فالشيطان عداوتنا معه واضحة.
اقترب آدم من الشجرة قليلاً ومعه زوجته حواء، وإذ به يقطف من ثمارها ويذوق هو وزوجته، فلما ملآ بطنيهما طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، لا تنس أن آدم خرج من الجنة بمعصية صغيرة، فيا ليت الذين يتجرءون على المعاصي الصغيرة ويقولون: إنها صغائر ينظرون إلى هذا المشهد، أكل آدم من الشجرة، ذاقها وبمجرد التذوق بدت لهما سوءاتهما، ونزلت الملابس من على جسديهما، لكن ليس من الفطرة أن ينظر إلى العورة كما قلت، ولم يتوقع آدم هذا المشهد، فطفقا إلى أوراق الجنة يخصفان منها، أي: يأخذان من شجرها ويواريان العورة، ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف:٢٢]، ألم أحذرك يا آدم! قبل أن تسكن الجنة وبعد أن سكنت فيها من إبليس؟ قوله: ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف:٢٢]، أي: واضح العداوة، ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]، إقرار بالخطأ واعتراف بالذنب وعدم كبر، طلب العفو والمغفرة، فرق كبير بين معصيته ومعصية إبليس، فإن آدم لما ارتكب الخطيئة تاب فتاب الله عليه، ونص القرآن على ذلك، وكان توبة الله عليهما قبل أن يهبطا إلى الأرض.
стр. 7
الرد على من زعم أن عيسى صلب تكفيراً لذنب أبيه آدم
يخرج علينا الآن من لا عقول عندهم، يقولون: إن الله أراد أن يكفر عن ذنب بني آدم؛ لأن أباهم قد ارتكب ذنباً، فصلب ولده! يا له من عجب! ما ذنب الابن إذا ارتكب الأب معصية؟ أنا الذي ارتكبت الذنب، إذاً: أنا الذي أتوب، أما أن يحاسب غيري لأجل ذنبي فهذا ليس من المعقول ولا من المنقول، والله يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، فهل للابن ذنب؟ وحاشا لله سبحانه أن يتخذ ولداً: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:٥]، ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ [مريم:٨٩]، يعني: عظيماً، ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٠ - ٩٥].
أيها الإخوة الكرام الأحباب! بعد أن أكل آدم من الشجرة هو وزوجته، وظهرت السوءة والعورة طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وجاءت التوبة في الحال بعد الندم والإقلاع والعزم وعدم الإصرار عليها: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:٣٧]، فقبل أن يهبط آدم إلى الأرض تاب الله عليه، فلا حاجة لما قالوه ولا لما نسجوه من وحي الخيال: أن عيسى صلب تكفيراً لذنب أبيه آدم، والله قال: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]، رافعك بالروح والجسد لا كما يقول البعض: رفع روحاً بغير جسد، فهذه أكذوبة واختلاق.
قال العلماء والمفسرون: دل عليه أحد حوارييه ليقتلوه ويصلبوه، فألقى الله شبهه عليه، فشبه لهم أن هذا الحواري هو عيسى، فأخذوه وصلبوه، وهكذا رفع عيسى آمناً عند ربه سبحانه، وسينزل قبل قيام الساعة؛ ليعرف كل الناس أن عيسى قد رفع إلى ربه ولم يصلب، فالله يقول: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ [النساء:١٥٧].
إن البعض الآن وللأسف يدندن بقلمه وهو مسلم: أن عيسى صلب، وكما قتل الشيخ أحمد ياسين فإنهم قد صلبوا عيسى وقتلوه.
أقول: يمكن أن نقول: إنهم قتلوا يحيى وأرادوا قتل زكريا، أما أن تكتب عقيدة مخالفة لنص قرآني فهذا من الجهل ومن التعاطف في قضية لا ينبغي أن تتعاطف فيها؛ لأن المسلم عقيدته من كتاب ربه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧].
اللهم إنا نسألك أن تجعل القرآن ربيع قلوبنا، وجلاء همنا وغمنا ونور أبصارنا، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، اللهم ارزقنا قبل الموت توبة.
اللهم تب علينا من الذنوب والمعاصي، اللهم طهرنا من الخطايا يا رب العالمين! اللهم اغفر لنا ذنوبنا، خطأنا وعمدنا، هزلنا وجدنا، وكل ذلك عندنا، اللهم استرنا ولا تفضحنا، اللهم كن لنا ولا تكن علينا.
اللهم انصر أطفال فلسطين المغتصبة، اللهم عليك باليهود ومن والاهم، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، اللهم أرنا فيهم آية فإنهم لا يعجزونك، اللهم إنا نسألك أن تنصر الإسلام وأن تعز المسلمين، وأن تذل الشرك والمشركين يا رب العالمين! اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، وأمّنا في أوطاننا، بدلنا من بعد خوفنا أمناً، ومن بعد ضيقنا فرجاً، ومن بعد عسرنا يسراً.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وعند الاحتضار شهادة، وبعد الموت جنة ونعيماً.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا وقرارنا، اللهم اغننا بحلالك عن حرامك، واكفنا بفضلك عمن سواك، اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا.
يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك! يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك! اللهم إنا نعوذ بك من السلب بعد العطاء، ومن الذل بعد العز، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم استرنا ولا تفضحنا، اجبرنا يا رب العالمين! اجبر كسرنا.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم اهدنا واهد بنا، اللهم إنا نسألك العفاف والتقى والهدى والغنى، إنك على كل شيء قدير، اللهم أعنا على ذكرك، وأعنا على شكرك، وأعنا على حسن عبادتك، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم اغفر لأبوينا، إنك نعم المولى ونعم النصير.
آمين آمين آمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 8
بقرة بني إسرائيل
قص الله علينا في كتابه العزيز قصة بقرة بني إسرائيل، هذه القصة التي كشفت لنا حقيقتهم وما اتصفوا به من صفات سيئة وقبيحة، من الكبر والعناد وقسوة القلب واستهزائهم بآيات الله وأنبيائه والقتل وإلصاق التهمة بالآخرين؛ وذلك حتى نعرف أعداءنا وصفاتهم، فلا نسلك مسلكهم، فنضل ونشقى في الدنيا والآخرة.
стр. 9
صفات بني إسرائيل في القرآن
الحمد لله رب العالمين ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة:٧ - ٩].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:٣].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا ند له: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، ما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، والملأ الأعلى إلى يوم الدين.
أما بعد: فما زلنا مع القصص القرآني بأنواعه الثلاثة، واليوم لقاؤنا مع قصة وردت في سورة البقرة، وهي الثانية في الترتيب بعد قصة آدم، ألا وهي: قصة بقرة بني إسرائيل، وبنو إسرائيل قد جلاهم لنا القرآن الكريم، وبين لنا صفاتهم التي لا ينبغي لنا أن نغفل عنها طرفة عين، فهم يلحدون في العقائد، يعني: نستطيع أن نقول: مقومات الشخصية اليهودية في كتاب رب البرية، الكتاب الذي: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢].
إذاً كيف نتعرف على أعدائنا؟ من كتاب ربنا : ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ [النساء:٤٥]، فمن هم بنو إسرائيل؟ لقد كشف الله سرهم وجهرهم في كتابه، فهم يلحدون في العقائد، وهي أول صفة من صفاتهم، والإلحاد يعني: الانحراف، ففي عقيدتهم إلحاد بربهم، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤]، وقال الله على لسانهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]، وقالوا: إن الله خلق السماوات والأرض ثم مسه التعب واللغوب، فأراد أن يستريح فاستراح في يوم السبت: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:٥].
وكذلك إلحادهم في أنبيائهم، وفي الملائكة، وفي الجنة، وفي النار، وأيضاً علاقتهم بالمؤمنين ينبغي أن لا نغفل عنها.
أيضاً من صفاتهم: الكبر والعناد وقسوة القلب، ثم القتل وإلصاق التهمة بالآخرين، وفي قصة البقرة هذا المعنى، والمادية؛ لأنه كان يمكن أن يبعث الله القتيل بدون بقرة، فلماذا جاءت قصة البقرة؟ لأن بني إسرائيل لا يؤمنون إلا بالمادي، ولذلك قالوا: يا موسى ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء:١٥٣]، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الذاريات:٤٤].
стр. 10
القاسم المشترك في قصص بني إسرائيل
نسق القصص في بني إسرائيل له قاسم مشترك، فكل قصة من قصص بني إسرائيل في القرآن قاسمها هو: أن الله يذكرهم بنعمه عليهم، فأول أمر: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٢٢]، هذا التفضيل تفضيل زماني في وقتهم، أو هو تفضيل مشروط له شروط، وهي أن يمتثلوا أمر ربهم، وأن يستجيبوا لأمر خالقهم، وأن يؤمنوا بالنبي محمد ﷺ ، فهل وفوا بهذه الشروط؟ لا، إذاً فقدوا الأفضلية، ولذا فأول ملمح من قصص بني إسرائيل تذكير بالنعمة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة:٤٩]، وقوله: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة:٥٠]، وكلها تذكير بنعم الله عليهم، لكن هؤلاء الناس قابلوا النعمة بالكفر والجحود، فأنزل الله بهم العقوبات تلو العقوبات، ثم التوبة منهم، ثم رحمة الله بهم، فعلى هذا الترتيب في قصص بني إسرائيل نجد هذا المعنى: نعمة، ثم كفران، ثم عقوبة، ثم رحمة، وهذه القصة قد جاءت على غير المألوف، إذ إن النعمة كانت في آخرها، فقد قتلوا قتيلاً، والقتل عند بني إسرائيل هين، وانظروا إلى ما يفعلونه في فلسطين، من قتل للأطفال، وهدم للبيوت والديار، واغتصاب للنساء، وهذا هو شأنهم أبداً، فالقوم يضحكون عليكم ويوالونكم، لكن لا عهد لهم ولا سلام، فإنهم ﴿َيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة:٣٣]، و ﴿كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٠٠]، هذا كلام الله يا قوم! فافقهوا عن ربكم.
فما هي قصة البقرة؟ قتل رجل منهم آخر، وكان فريق منهم يعرف ذلك؛ ولذلك يقول الله في آخر القصة: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة:٧٢]، فالقاتل واحد ونسب القتل إلى المجموعة؛ لأن هناك فريقاً أيد ذلك، فأصبح الحكم للجميع، ولذلك لما قتلوا القتيل منهم جاءوا إلى موسى ﵇ يسألونه ليأتيهم بآية من ربه، ليعرفهم من الذي قتل، وهذا يشير إلى معنى: أن بني إسرائيل يقتلون المرء ويقفون لتقبل العزاء فيه! يقتلون وينصبون دائرة المفاوضات للسلام! يقتلون ويقولون للناس: نحن نبحث عن السلام الآمن، ثم يأتي هؤلاء القوم من جلدتنا ويصدقون هذا الكلام! فنقول لهم: يا قوم اعقلوا عن ربكم، فلا سلام مع هؤلاء، وإنما هم يريدون الانتقام من الأمة؛ لأن الحقد والحسد ملأ قلوبهم، وانظروا إلى ما حدث في سجن أبي غريب في العراق، فهذا نموذج يشير إلى الحقد الدفين في قلوبهم، فقد أتوا بعلماء الأمة من أهل السنة، وأئمة المساجد الذين يعظون الناس، فألبسوهم ملابس داخلية نسائية، ثم أدخلوهم زنزانة مع بعض النساء الهابطات، والأمة نائمة ومخدرة، بل وضائعة.
стр. 11
حال بني إسرائيل مع أوامر الله
стр. 12
تردد بني إسرائيل في متابعة طالوت حين ملكه الله عليهم
إن أول ملامح النصر للأمة: أن يبعث الله لها قائداً مسلماً، وهذا الذي كان في قصة طالوت وجالوت التي سنذكرها فيما بعد، وسنبين كيف أن الله سلط على بني إسرائيل العماليق فأذاقوهم سوء العذاب: فأخذوا منهم التابوت، وأسروا النساء والأبناء، وأخرجوهم من ديارهم، وهذا هو واقع أمة محمد ﷺ اليوم، لكن عندما ننظر إلى جماعة الأشراف من بني إسرائيل الذين دب فيهم روح القتال، واجتمعوا إلى نبي لهم فقالوا: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ﴾ [البقرة:٢٤٦].
فقال لهم نبيهم: عهدي بكم أنكم لا عهد لكم ولا ميثاق، ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة:٢٤٦]، فأنت ترى الذل والهوان الذي نحن فيه، لكن هذه الروح الحماسية وروح المظاهرات والشعارات لا ينبغي للحاكم المسلم أن ينخدع بها، بل لابد من الاختبار، وهذه الروح الحماسية روح عاطفية مؤقتة، قال لهم نبيهم: أخشى إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا، أي: أخشى أن يكتب عليكم القتال فلا تقاتلوا، ثم قال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة:٢٤٧]، فهم يريدون قائداً، وهذا هو أول أسباب النصر في الغزوات، القائد المؤمن الذي يقود الرعية لتحرير المقدسات، فـ طالوت هو الذي يقودهم إلى هذا، لكن: ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة:٢٤٧]، لا هو من العائلة المالكة، ولا هو من الأغنياء، وشروط الملوك عندنا: أن يكون من العائلة المالكة، وأن يكون من الأغنياء، ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧]، زاده بسطة في العلم، لذا لا مخرج للأمة إلا بالعلم، وعليه فلا تسمعوا لأصحاب المظاهرات الذين يقولون: إن أهل السنة يعلمون الناس العلم ولا شأن لهم بجهاد، لا، فطريق الجهاد هو العلم، وهؤلاء يقولون كلاماً غير واقعهم، وانتبهوا يا قوم! فالقائد المسلم هو الذي يختبر الرعية في حماسها.
فماذا صنع طالوت؟ جاء دور التصفية للتضخم الكمي الذي لا عبرة له، فقال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]، استثناء: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [البقرة:٢٤٩]، قال البراء بن عازب كما عند البخاري: كنا نعد أصحاب طالوت كأصحاب النبي ﷺ في يوم بدر.
ثلاثمائة وثلاثة عشر من مائة ألف، يعني: مائة ألف يرفعون الأعلام: بالروح بالدم نفديك يا أقصى، وأول اختبار ستجد أن ٩٠% من هذا العدد ولى مدبراً ولم يعقب، فيا قوم روح الحماس لا تصنع أمة، وهذا هو شعار القائد المسلم، وتأمل لو أن هناك محاضرة بعد صلاة الفجر، فستجد أن المسجد فارغ من الناس، لأن الناس نائمون، فهؤلاء القوم سقطوا في الاختبار والابتلاء، ولذلك الحاكم المسلم هو الذي يختبر الرعية، فيقيس درجة الإيمان عندهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البقرة:٢٤٩]، قيل للشافعي: أيهما أولى للمؤمن أن يمكن أو يبتلى؟ فأجاب ﵀: لا يمكن حتى يبتلى، إذاً: لا تمكين في الأرض إلا بعد ابتلاء، فيا ليتنا نفهم المراد من الله .
стр. 13
مماطلة بني إسرائيل في ذبح البقرة وتشديدهم على نبيهم في وصفها
قال لهم نبيهم بعد أن جاءوا إليه في جماعة منهم وأخبروه بالواقعة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧]، ما علاقة البقرة بقصة القتيل؟ القصة سارت على غير ترتيب البلاغيين وأصحاب القصص، فسببها جاء في الآخر، ومقدمتها في الأول، والخلاص في وسطها؛ وذلك ليشد انتباه السامع، وكان ينبغي لهم طالما أن الأمر من الله أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، وهذا كحال بعض المسلمين اليوم عندما تقول له: إن الله يأمر بكذا، فيتلكأ ويتباطأ، فمثلاً تقول للمتبرجة: إن الله يأمرك بالحجاب، فتقول: أعطني فرصة حتى أتخلص من ملابسي، وكذلك الذي يلبس الذهب من الرجال، والذي يدخن السيجارة تقول له: إن الله يأمرك أن تترك هذا المنكر، فيقول: دعني أجاهد نفسي وأقلل المعدل، ونسي أنه ربما قد يموت والسيجارة في فمه، فماذا سيقول لربه ؟ وربما قد تموتين وأنت على هذه الهيئة، إذاً: التباطؤ من صنيع بني إسرائيل، وقد جاء الله بـ (إن) الفورية في الأمر ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ [البقرة:٦٧]، وجاء بلفظ الدلالة؛ ليفيد عظم الأمر، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧]، والبقرة نكرة فأفادت العموم؛ لأن كتمان البيان عند الحاجة لا يجوز، يعني: في شهر رمضان ينبغي أن نتحدث عن أحكام الصيام، لا أن نتحدث عن الجنائز، وفي الحج كذلك نتحدث عن أحكام الحج؛ وهذه قاعدة أصولية، والمعنى: أنه ينبغي أن تبين عند الحاجة، فجاء بلفظ البقرة نكرة، إذاً: غير مقصود صفات البقرة، وإنما أي بقرة، فماذا قالوا لنبيهم؟ ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة:٦٧]، وهذا سوء أدب منهم كعهدهم دائماً، يقول العلماء: ولم يقولوا: (أتهزأ بنا)، وإنما (أتتخذنا) وكأن عادة موسى أن يصاحبه الاستهزاء! ولذا كان الاستهزاء بأمور الدين كفر وردة ونفاق، وحدث ولا حرج عن الذين يستهزئون بالله وبرسوله وبآياته، فمنذ حوالي أربعة أسابيع يرسم كاريكاتير في مجلة حمراء معروفة بهويتها: امرأة منتقبة تسأل العالم فتقول له: هل يجوز أن أغتسل وأنا ألبس النقاب أم لابد من خلعه؟! استهزاء منها، وبجوارها أيضاً امرأة تصافح رجلاً وتسأل العالم: هل بذلك يقام علي الحد؛ لأن أهل السنة يقولون: (اليد تزني وزناها اللمس)، استهزاء بالحديث، فهؤلاء القوم يكفرون من حيث لا يشعرون، ووالله الذي لا إله غيره إنهم يطعنون في القرآن، فيصعد الهابط إلى خشبة المسرح فلا يجد ما يضحك الناس إلا القرآن والسنة، فيعرض بحديث، أو يعرض بآية، أو يركب فوق الكعبة، أو ترقص راقصة وهي عارية فوق الكعبة، ولم يكفهم أن يستهزئوا بالموحدين وبأصحاب السنة، بل يأتون بالرجل له لحية وجلباب وقميص قصير، ويحمل سواكاً في جيبه على أنه مدفع! فيا قوم الاستهزاء أنواع، وسلاح الاستهزاء قديم، ولذلك نجد المنافقين في غزوة من غزوات النبي ﷺ كانوا مع حملة القرآن في طريق العودة إلى المدينة، فقالوا لحملة القرآن: ما نراكم إلا أكبرنا بطوناً، وأجبننا عند اللقاء، وأكذبنا ألسنة، يعني: أن المنافقين يستهزئون بحفظة القرآن، حتى يأتي طه حسين ويصور معلم القرآن في الكتاب بقوله: سيدنا يجلس وينادي: يا طه هل أرسلت أمك البطة أم لم ترسلها؟ إذاً حامل القرآن يبحث عن ملء بطنه، فيصورون للناس حامل القرآن بهذه الصورة السيئة، وقد أنزل الله قرآناً يتلى في كتابه في شأن من استهزأ بحملة القرآن، فقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة:٦٥]، فجاءوا إلى النبي ﷺ وقالوا: يا رسول الله! كنا نخوض ونلعب، ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، قولوا للقوم: إن الاستهزاء بآيات الله والاستهزاء بالقرآن والاستهزاء بالسنة والاستهزاء بأي شعيرة إسلامية كفر وردة، لكن الصحف تكتب ويخرج الاستهزاء بالقرآن والسنة والشعائر الإسلامية عياناً بياناً، واضحاً جلياً، ولا أحد يحرك ساكناً.
قال تعالى: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة:٦٧]، أي: ألجأ إلى الله من هذه السخرية، فأستعيذ بربي من أن أكون من الجاهلين بأمره.
стр. 14
تشديد الله على بني إسرائيل في صفات البقرة التي أمروا بذبحها
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة:٦٨]، ولم يقولوا: ادع لنا ربنا.
﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة:٦٨]، أي: صفات البقرة من اللون وغيره، يقول العلماء: إذا خرج الأمر أفاد الوجوب والفورية.
قال عمر بن عبد العزيز لأحد مواليه: أعط السائل ماعزاً، فأرسل المولى يسأله: ضأناً أم ماعزاً؟ قال: ماعزاً، قال: أنثى أم ذكراً؟ قال: ذكراً، قال: سوداء أم بيضاء؟ فقال: أيها الرجل! يا متنطع! حينما آمرك أن تخرج فأخرج طالما لم أحدد لك الصفة على النحو الذي قلت، فهذا تنطع كتنطع بني إسرائيل في أحكام الله، ومنا من يفعل ذلك في أحكام الله سبحانه، فيتنطع ويتلكأ ويتباطأ ويجادل، وهذا ما ينبغي أن يكون لمسلم أبداً، ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ﴾ [البقرة:٦٨]، قوله: (لا فَارِضٌ): يعني: غير مسنة، وقوله: (وَلا بِكْرٌ): يعني: ولا صغيرة لم تلد، وإنما خير الأمور الوسط، وهذا مثل عربي صحيح، وكل الأمثلة الصحيحة مستقاة من القرآن، فالمثل: (في الحركة بركة) من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء:١٠٠]، و (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) من قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف:٦٤]، والمثل (الجزاء من جنس العمل) من قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] وكل الأمثلة الصحيحة في حياتنا تعود إلى القرآن.
ثم قال الله : ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة:٦٩]، واسألوا أهل اللغة: فالأصفر فاقع، والأسود حالك، والأخضر ناضر، والأحمر قانن، وهكذا بقية الألوان، لذلك يقول علي بن أبي طالب ﵁: إن نعل الرجل الأصفر يجذب همه، وكان يأبى أن يلبس نعلاً أسود؛ لأنه يدخل الهم إلى القلب، وهو قول الزبير أيضاً، ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ﴾ [البقرة:٦٩]، والسرور من الإسرار، وسرور القلب يختلف عن الحبور ويختلف عن الفرح، ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة:٦٩]، إذا نظر إليها سرته وأدخلت السرور إلى قلبه، ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:٧٠].
قال النبي ﷺ : (لو لم يقولوا: إن شاء الله لما هداهم الله إليها)، ولذلك يقول الفقهاء: فلتكن هذه الكلمة -أي: إن شاء الله- على لسانك في كل أمر مستقبل، وقد قال الله لنبيه ﵊: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]، وقال موسى للخضر: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف:٦٩]، وقال الفقهاء: إن حلف الرجل على فعل شيء ثم قال: إن شاء الله ولم يفعل فلا كفارة عليه، وقسموا المشيئة إلى قسمين، إن شاء الله تعليقاً، وإن شاء الله تحقيقاً، ففي قوله : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح:٢٧]، تحقيقاً لا تعليقاً، فإن شاء الله تعليقاً للحكم، وإن شاء الله لتحقيق الحكم.
وهنا قال الله على لسانهم: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:٧٠]، فجاءت الصفات الثلاث للبقرة، من اللون وصفتها وطبيعتها، وهذا حصر لكل الصفات، وهذا من بلاغة القرآن الكريم، والإعجاز البلاغي واللغوي في القرآن له موضوع طويل، ولذلك قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ [البقرة:٧١]، يعني: غير مذللة في إثارة الأرض، فلا تحرث الأرض، ولا تسقي في الحرث الزرع، ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ [البقرة:٧١]، أي: سليمة من العيوب ﴿لا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة:٧١]، أي: لا لون فيها إلا الأصفر، ولو أن فيها شعرة واحدة بيضاء لا تجزئ، ثم قال الله على لسانهم: ﴿قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة:٧١]، أي: يا موسى الآن فقط جئت بالحق! وهذا يدل على أن هؤلاء أناس أصحاب جدل ونفاق.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقر
стр. 15
الإعجاز البلاغي واللغوي في القرآن الكريم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فبعد الجدل والمماطلة والمراء مع نبيهم، واستهزائهم بأمر ربه قال الله لهم: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة:٧٢]، وهذه الآية من السياق في القصص العادي هي أول آية؛ لأن ذبح البقرة كان من أجل إحياء القتيل، لكن القرآن ينوع في قصصه؛ ليشد انتباه السامع، وهذا من إعجاز القرآن اللغوي، لكن تجد بعض الناس -القردة والخنازير- في هذه الأيام يتطاولون على القرآن الكريم، ووالله إن مشركي العرب الأوائل كانت عندهم عقول هي أفضل من عقول هؤلاء، فقد قالوا عن النبي ﷺ : ساحر، مجنون، يعلمه بشر، أبتر، لكنهم ما استطاعوا أن يطعنوا في القرآن وهم أرباب البلاغة؛ لأنهم نظروا في القرآن فأعجزهم، حتى التقديم والتأخير فيه لمعنى عظيم، يقول الله : ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء:٣١]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام:١٥١]، فهنا (نرزقكم)، وهناك (نرزقهم)، فهذا التقديم والتأخير لعلة، ففي الآية الأولى (نرزقهم) أي: عندما يكون الرجل غنياً وامرأته حامل، فيخشى إن أتى الولد أن يكون سبباً في فقره، فالله يقول له: إن الولد يأتي برزقه فلا تقتله خشية الفقر، فنحن نرزقهم في حال الغنى، وفي حال وجود الفقر الحقيقي، فهذا إعجاز بلاغي ولغوي، وكذلك تأمل في سورة يوسف عندما قالت النسوة: امرأة العزيز، ولم يسموها باسمها، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف:٣٠]، وهذا يشير إلى أربعة معان: الأول: يشير إلى أنها متزوجة.
الثاني: تزداد المصيبة أنها متزوجة.
الثالث: قولهم: تراود، ولم يقلن: راودت، أي: لا زالت تراود مراودة، وتعرض نفسها عليه بكلام، وبفعل، وبإيماء، وحركات.
الرابع: أنها راودت فتاها، ويا ليتها راودت غير فتاها.
أيضاً: إتيان القرآن باسم المسيح بعدة أسماء، حتى قال قائلهم: إن القرآن متعارض متضارب؛ لأنه مرة يقول: المسيح، ومرة يقول: ابن مريم، ومرة يقول: عيسى بن مريم! ونسى هذا المغفل أن هذا من التفنن البلاغي في القرآن، وكذلك القرآن مرة يرفع في قوله: ﴿الصَّابِئُونَ﴾ [المائدة:٦٩]، ومرة ينصب في: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ [البقرة:٦٢] ثم يقول: ومعنى ذلك أن القرآن متعارض، فيا قوم إن القرآن معجزة أعجزت البلغاء، وأعجمت صناع اللغة وأرباب البيان عن أن يأتوا بمثله، وفي عصرنا الآن من ليس لهم علاقة بالإعجاز يتحدثون في القرآن.
стр. 16
عدم انتفاع بني إسرائيل بما يسوقه الله إليهم من آيات ومعجزات
والمهم أن الله قال لهم: اضربوا القتيل ببعضها: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ﴾ [البقرة:٧٢] وهذا يشير إلى أن القتل عندهم أمر مشهور، وكما ترى وتشاهد، قوله (فَادَّارَأْتُمْ)، أي: اختلفتم، فكل يدفع عن نفسه التهمة، ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة:٧٣]، أي: اضربوا القتيل ببعض البقرة، فأحياه الله أمام أعينهم، لكن القوم لا تنفع معهم الآيات، فقلوبهم قاسية، فقام القتيل يقطر دماً فقال له موسى ﵇ من الذي قتلك؟ فقال: ابن أخي هذا، ثم عاد قتيلاً كما كان، فالذي كان يسعى لمعرفة القاتل اتضح أنه القاتل، وفي هذا إشارة إلى أن اليهود يسفكون الدماء ويتنصلون من القضية؛ ولذلك قال الله لهم: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ [البقرة:٧٤]، يقول الخازن في تفسيره: شبه قلوبهم بالحجارة ولم يشبها بالحديد؛ لأن الحديد إذا دخل في النار لان، أما قلوب اليهود فلا ينفع معها نار، فهي أقسى من الحجارة، وحدث ولا حرج عن أفعالهم، فقد قتلوا أبناءنا في بحر البقر وقتلوا الأطفال الصغار في المخيمات، ودفنوا النساء أحياء في فلسطين وفي غيرها، وهذا هو الشرق الأوسط الكبير الذي صنعته الديمقراطية، فيا من يدعي محاربة الإرهاب، والله إنكم أنتم من تصدرون الإرهاب للعالم، ووالله إن الحقد الدفين ينبع من قلوبكم ونحن نعرف ذلك علماً يقيناً؛ لأن الذي أخبرنا به الله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]، ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٧٤].
والخلاصة: أن قصة بقرة بني إسرائيل تبين جانباً من صفاتهم: الكبر، والعناد، والمكابرة، واستهزائهم بأنبياء الله ورسله.
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، وجلاء همنا وغمنا، ونور أبصارنا، اللهم اجعل القرآن شفيعاً لنا يوم أن نلقاك، اللهم اجعلنا من أهل القرآن، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.
اللهم استر عوراتنا، وحجب نساءنا، واهد شبابنا.
اللهم كن لنا ولا تكن علينا.
اللهم انصر دينك في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم انصر دينك في كل مكان يا رب العالمين، اللهم ارفع راية الإسلام فوق رءوس الجميع، اللهم نصرك الذي وعدتنا، اللهم نصرك الذي وعدتنا، فرج كرب المكروبين، ارفع الذل عن عبادك المستضعفين.
نسألك رضاك والجنة، نعوذ بك من سخطك والنار.
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات، نسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربنا إلى حبك.
اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا.
اللهم ارحم ضعفنا، وعليك بأعدائنا، اللهم استجب لدعائنا، ولا تخيب فيك رجاءنا، يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث.
اللهم إن اليهود ومن شايعهم طغوا وبغوا، اللهم أرنا فيهم آية، اللهم أرنا فيهم آية، اللهم أرنا فيهم آية، اللهم انتقم منهم شر انتقام، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، دعوناك ونحن مستضعفون فاستجب لنا يا عزيز يا كريم، ارحم ضعفنا، اجبر عجزنا، عليك بأعدائنا.
ول أمورنا خيارنا، ولا تول أمورنا شرارنا، ولا تؤاخذنا بما فعله السفهاء منا، اللهم لا تؤاخذنا بما فعله السفهاء منا.
اللهم استر عورتنا، وآمن روعتنا، وأمنا في بيوتنا وفي أوطاننا، إنك على كل شيء قدير.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا يا ربي من الراشدين، ربنا افرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
آمين، آمين، آمين.
وآخر دعوانا: أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 17
عجل بني إسرائيل
واعد الله نبيه موسى ﵇ ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، وفي خلال هذه المدة افتتن بنو إسرائيل بعبادة العجل الذي أخرجه لهم السامري، فعاد موسى إلى قومه غضبان أسفاً، ثم تاب الله على بني إسرائيل بأن يقتلوا أنفسهم، وهذا إن دل فإنما يدل على خبث ومكر هؤلاء القوم.
стр. 18
تمكين الله لبني إسرائيل في مصر في زمن يوسف ﵇
الحمد لله رب العالمين، ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة:٧ - ٩]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:٣].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ند له، ولا مثيل ولا نظير له، مستو على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيف شاء وحسبما أراد، فاللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك.
وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، ما من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، والملأ الأعلى إلى يوم الدين.
أما بعد: فما زلنا مع قصص القرآن في سورة البقرة، وحديثنا عن قصة تحمل عنوان: عجل بني إسرائيل، فبعد بقرة بني إسرائيل نعيش مع عجلهم.
إن الناظر في تاريخ القوم في عجالة سريعة يجد أن حياة التمكين والعز كانت لهم في أول الأمر، وذلك يوم أن جاءوا من الشام إلى مصر في عهد الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم جميعاً الصلاة والسلام.
يوسف ﵇ الذي أدار شئون مصر الاقتصادية، وقال لملكها ولعزيزها: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ﴾ [يوسف:٥٥]، وقد كانت كل البلاد من حول مصر تعاني من مجاعة عظيمة، إلا مصر بفضل يوسف ﵇، فجاء الجميع إلى مصر ليأخذوا من قمحها وأرزها وطحينها، وهبّت مصر لتوزّع على الدنيا بأسرها.
فأين أنت اليوم يا مصر؟! بتّ تستوردين رغيف الخبز من إخوان القردة والخنازير، نسأل الله أن يمكن دينه.
يوسف الصدّيق طلب من العزيز أن يجعله على خزائن الأرض وبرر ذلك بقوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥]، أي: أن مقومات القائد الذي يتولى الاقتصاد: الحفظ والأمانة، فلا تسريب للمليارات من جيوب هذا الشعب الكادح المسكين المعاني، وانظروا إلى مصر وإلى تاريخها، وممن جاء إلى مصر أبوه وأمه، وإخوته العشرة بخلاف بنيامين ﵇، فنظر يوسف ﵇ إلى إخوته عندما جاءوا إليه جميعاً يشكون الجوع والقحط في أرض الشام: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف:٨٨]، أي: من خيرات مصر، يقول ربنا: ﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [يوسف:٥٨].
من هنا نستطيع أن نقول: إن المؤمن يرى بنور البصيرة، فقد رآهم بنور طاعته وعبادته وتوحيده، وهم لم يعرفوه بظلمة معصيتهم، لأنهم قديماً قد مكروا به وكادوا له، والحسد والكبر والقتل من مقومات الشخصية اليهودية، فهذا هو تاريخهم الأسود، مكروا بأخيهم، فأخذوه طفلاً لا قوة له، وما منعهم بكاؤه واستنجاده بهم، فقد جردوه من قميصه، وهذا هو خلق اليهود ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:١٠] فإن كان هذا مع الأخ، فما بالك مع أطفال فلسطين؟! وما بالك مع أطفال الموحدين؟ هذا هو تاريخهم.
والحاصل أنهم جاءوا إلى يوسف فأعطاهم وتصدق عليهم وأوفى لهم الكيل، وبنور بصيرته عرفهم، ولذلك دخل على عثمان ﵁ رجل نظر إلى امرأة نظرة محرمة لا تحل له فقال: أتدخلون على أمير المؤمنين وأثر الزنا في وجوهكم؟! فقالوا: أوحي بعد رسول الله يا عثمان؟! ما هذا الذي نسمع؟ أيوحى إليك؟ قال: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله.
فهذا نور البصيرة.
وعمر بن الخطاب بينما هو يخطب في المدينة على المنبر، وقد أرسل إلى نهاوند -تبعد عن المدينة آلاف الكيلو مترات- جيشاً وأمّر عليه سارية، فينظر إلى أرض المعركة بنور البصيرة، فإذا بـ سارية يقترب من النصر إلا أنه قد تخلى عن الجبل، كحال الصحابة في يوم أحد، فيستدير العدو ليحيط به من خلف الجبل، فإذا بـ عمر ينادي وهو يخطب: يا سارية الجبل الجبل، ومن استرعى الذئب ظلم، فإذا بالحضور يتعجبون من عمر، ينادي من؟ ويخاطب من؟ وإذا بصوت عمر يصل إلى أذن سارية بنور البصيرة، فيلزم الجبل
стр. 19
استضعاف فرعون لبني إسرائيل وخروجهم من مصر مع موسى ﵇
عاش بنو إسرائيل على هذا النحو إلى أن ذهب الملك وجاء بعده فرعون، وهو لقب لحاكم مصر، فأذاقهم سوء العذاب، وجعلهم عبيده، وسخّرهم في خدمة البيوت، وأذلّهم ذُلاً ما بعده ذُل، حتى أنهم كانوا في مصر يُسمونهم بالعبيد، يقول موسى لفرعون: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء:٢٢]، يعني: جعلهم عبيداً بعد حياة التمكين والرفعة، وهذه سنة الله في الذي كفر بنعمته، فالله يعطي النعم ويسبغها على العباد ليشكروه لا ليكفروه، لكن شأن هؤلاء القوم أنهم كفروا بنعم الله .
يقول ربنا سبحانه -وهو موضوع اللقاء-: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:٥٤]، تبدأ قصة عجل بني إسرائيل بعد أن خرجوا من مصر، من ذُل فرعون واستهانته، وبعد أن أرسل الله إليهم موسى ﵇، فأخذهم وخرج بهم من مصر في معجزة سجلها القرآن: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة:٤٩]، ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة:٥٠]، وفي سورة الشعراء: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ [الشعراء:٥٢]، والمراد (بعبادي): بنو إسرائيل، والإسراء هو: السير ليلاً، فخرج بهم موسى بسحر وفرعون نائم، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الشعراء:٥٢]، فاستيقظ فرعون في الصباح فوجد البلاد خالية من بني إسرائيل، إذاً نستعبد من؟ ومن سيخدمنا؟ ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ [طه:٧٨]، وقال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء:٦٠]، أي في الصباح بعد شروق الشمس، ثم قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الشعراء:٥٣]، فالفراعنة في كل الأزمنة والعصور لغتهم واحدة، وقاسمهم المشترك واحد، فأرسل فرعون إلى زبانيته وبطانته: أن اجمعوا الجنود، واجمعوا القوة، ثم قام فيهم خطيباً: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء:٥٤]، أي: فئة قليلة خرجت عن الشرعية، وحفنة تريد أن تشرّع للأمة شرعاً غير شرع الأسياد، غير مشروع الشرق الأوسط الكبير، أتدرون أن أمريكا تعد قرآناً جديداً للأمة يسمى: (الفرقان الأمريكي) وهو باللغة اللاتينية، إنهم يريدون أن يبدلوا كلام الله، والأمة لا زالت في حالة سبات وغفلة، نسأل الله العافية.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء:٥٥ - ٥٦].
ويقول ربنا سبحانه: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء:٦٣]، فأحاط بهم فرعون وجنوده من كل جانب، يميناً ويساراً وخلفاً، وأيقنوا بالهلاك، فجنود فرعون عن يمينهم وعن يسارهم ومن خلفهم، والبحر من أمامهم، قال تعالى حاكياً عنهم: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، أي: سيدركنا فرعون وجنوده، وهنا يقول الواثق بربه: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، إيمان وثقة ويقين بنصر الله، وهذا هو الذي ينقص الأمة اليوم، إذ تعلم أن ربها لا يغفل ولا ينام سبحانه، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٣٦]، شرق أوسط كبير، شرق أوسط صغير، أنفقوا الملايين بل البلايين، ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]، فهذا الدين منتصر بنا أو بغيرنا، لكن مصيبتنا فيمن يتحدثون بألسنتنا، فيمن ينتسبون إلى جلدتنا، واسمع ولا حرج: استضاف مقدم برنامج ديني أستاذة في جامعة الأزهر وسألها: ما رأيُكِ في البنطال للمرأة؟ قالت: هو أستر لها من الحجاب ولا بأس به؛ لأنه ييسر لها الحركة! وأخرى تسأل: ما رأيكِ في المساحيق للمرأة؟ فتقول: لا بأس أن تضع المسحوق الخفيف، و (البرفانات) لتخرج بها، والسجائر غير محرّمة، ثم الاحتفال بشم النسيم جائز، وهم ينفخون فيها ويقولون لها: مفتية العصر! لا إله إلا الله، سكت دهراً ونطق كفراً، ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل:١٨]، تتقدم بالفتوى على سلف الأمة، وتظن أنها تحسن صنعاً.
وحين دخلت المسجد أعطاني أخ ورقة فقرأت فيها: أن عدم قراءة الفاتحة في الصلاة لا يبطلها! والنبي ﷺ يقول: (من لم يقرأ بفات
стр. 20
النهاية المخزية للظالمين
ثم بعد أن ضرب موسى بعصاه البحر انشق البحر، قال بعض المفسرين: انشق البحر إلى شقين، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه:٧٧]، أي: بدون ماء، ﴿لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ [طه:٧٧]، فنزل موسى مع بني إسرائيل البحر يريدون أن يفروا من فرعون إلى الشاطئ الآخر في معجزة خالدة رأوها بأعينهم، فجاء فرعون بجنوده ونزلوا بكل ما يملكون من عدة وعتاد، وقال فرعون لجنوده: لا تأبهوا به، فإنه ساحر يخيل إليكم أن البحر قد انفلق أو أن هناك بحراً، فهيا بنا، والرعية تصدّق، وهذه مشكلة، ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف:٥٤]، أي: يقول لهم: لا بحر، فيقولون: نعم لا بحر، فنزلوا، يقول ربنا سبحانه: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه:٧٨]، فجاء الموج الذي ارتفع كالحائط عالياً وأطبقه الله على فرعون وجنوده، فأغرقهم ولم ينج منهم أحداً، ونادى فرعون: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠]، ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ﴾ [يونس:٩١] فاتعظوا يا فراعنة الأرض بما حصل لفرعون الأكبر.
وحال بني إسرائيل أنهم لم يصدقوا أن فرعون قد غرق، فقال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٢]، فأمر البحر فألقاه خارجاً في مكان مرتفع، ثم نظروا إليه فإذا به فرعون، ثم بعد عبورهم دخلوا إلى سيناء، ولا زالت أقدامهم مبتلة بالماء لم تجف بعد، فمروا على قرية فيها أقوام يعكفون على أصنام لهم، فقالوا: ﴿يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]! فهذا هو دأب بني إسرائيل.
стр. 21
تعجيل المؤمن بالطاعة
ثم أمرهم الله بدخول الأرض المقدسة التي كتب الله لهم دخولها مع موسى، ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا﴾ [المائدة:٢٤]، فيها قوم من العماليق جبّارين، ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ [المائدة:٢٤]، فوعظهم فإذا بهم يقولون: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، فكتب الله عليهم أن يتيهوا في الأرض أربعين سنة لا يعرفون مخرجاً، وتاهوا في التيه العظيم، ثم من الله عليهم بالمن والسلوى.
وبعد عبورهم إلى سيناء وعد الله موسى ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف:١٤٢]، وفي سورة البقرة: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة:٥١].
فخرج موسى إلى جبل الطور بوعد من الله بعد صيام واعتكاف وطاعات وقرب، فقال الله له: تعال يا موسى مع قومك من بني إسرائيل، هم يقتربون من جبل الطور وأنت تصعد إلى أعلى الجبل، حتى يكلمك ربك ويوحي إليك بالتوراة التي فيها هدى ونور لإصلاح بني إسرائيل، ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٤٥]، وكان موسى قد قال لقومه: سأذهب للقاء ربي ثلاثين يوماً -ولم يقل: أربعين؛ لأن الله زاده عشرة بعد أن ضرب له ثلاثين- ثم أنتم تأتون في أثري مع أخي هارون، فقال الله له: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٨٣]، أي: لماذا تركت وتعجلت قبل بني إسرائيل؟ فهم إذا غبت عنهم ينحرفون عن الطريق السوي، فقال: ﴿هُمْ أُوْلاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ [طه:٨٤]، أي: هم سيقدمون خلفي مع أخي هارون، ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤]، إنه تعجيل بالطاعة، لكن حال بعض الناس أنه يسوف، فإذا قلت له: صل، رد عليك: بعد أن أنتهي من التعليم، وإن قلت لامرأة كاشفة: تحجبي، ترد عليك: بعد أن أُخطب أو بعد الزواج أو بعد الإنجاب! تسويف، فالشيطان يسوّف للإنسان ويمهله، ولا يدري متى سيموت؟ فعجّل بالطاعة على التو، ولا تسوف أبداً.
أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الزكاة: أن النبي ﷺ كان يصلي العصر بأصحابه يوماً، فسلّم ثم تخطى الرقاب مسرعاً، وكان عادته أن يجلس بعد الصلاة قليلاً ليقول أوراد ما بعد الصلاة، وفي هذه المرة لم يجلس وإنما قام مسرعاً وتخطى الرقاب ودخل إلى حجرته، ثم أتى بعد قليل والقوم يتعجبون فقال: (لعلكم تتساءلون ما الذي صنعت؟ إني وأنا أصلي تذكرت تبراً -يعني: ذهباً- من مال الصدقة فخشيت أن أُقبض فيسألني ربي عنه).
فتأمل إلى فعل النبي ﷺ ، إذ إنه لم يؤجل حتى يأتي بأوراد الصلاة التي تأخذ وقتاً قليلاً جداً، ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٧٨] فالنبي خرج مسرعاً ليأتي بالذهب الذي جمعه من مال الصدقة لينفقه على الفقراء، وحالنا اليوم مجرد شعارات.
وجاء في الحديث الصحيح أنه (كان يمر على النبي ﷺ الهلال والهلالان -يعني: الشهر والشهران- ولا يوقد في بيته نار)، أي: أن طعامه التمر والماء، ونحن اليوم نتحدث عن الزهد وبيوتنا ملأى بالطعام، وليس معنى ذلك عدم الجواز، ولكن انظر: فقد دخل عليه عمر وهو ينام على الأرض ﵊، فرأى الحصير قد أثر في جنبه، فقال: (يا رسول الله! ملوك الفرس والروم ينامون في بروج مشيدة وأنت تلتحف الأرض يا حبيب الله، فقال: يا عمر! هؤلاء قوم عُجّلت لهم طيباتهم في الدنيا، ونحن أُجّلت لنا طيباتنا إلى يوم القيامة)، إنه التقلل من متاع الدنيا الزائل، والتقلل من زخرفها، وهذا هو صنيعة الأتقياء، وهذا هو طريق الزهاد الأوائل.
يا عبد الله! حينما نقول هذا قد يغضب البعض، لكن ليغضب من يغضب، فهذا هو الدين، وهذا هو الإسلام، وهذه هي النصوص الصحيحة التي ترسم لنا حياة النبي محمد ﷺ .
стр. 22
السامري والعجل
وبينما موسى ﵇ على جبل الطور في الميقات يكلم الله ويكلمه الله -والكلام معلوم والكيف مجهول- وكان بنو إسرائيل عند خروجهم من مصر قد أخذوا الذهب من المصريين القدامى، وكان أمانة عندهم، فمن متى هؤلاء أمناء؟! فهم يستحلون الأموال والنهب والسرقة، إذ فكر السامري بفكرة شيطانية، ففكر أن يجمع منهم هذا الذهب، وأن يجعله في حفرة حتى يتخلصوا من هذه الأوزار، ثم يوقد عليه ناراً، ثم يأتي بتراب من أثر جبريل ﵇ كما يقول جمهور المفسرين، فيلقيه على الذهب المصهور في النار، ويصنع لهم بذلك عجلاً، ولذلك ربنا يقول: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ [طه:٨٧]، أي: حُمّلنا أوزاراً من ذهب المصريين القدامى، فأردنا أن نتخلص منه، وكان هذا العجل يدخل الهواء من فمه ويخرج من دبره فيحدث صوتاً مرتفعاً أشبه بالخوار.
ثم قال لهم السامري: هذا هو إلهكم، وهم يهتفون ويسجدون ويركعون عنده، فهؤلاء هم اليهود، وهذا هو تاريخهم، وانقسم بنو إسرائيل إلى فريقين: فريق لا يعبد إلا الله وحده، فقاموا بالنصح والإرشاد للفريق الآخر، وفريق قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، ليبين لنا حقيقة هذا العجل.
ونبي الله هارون ﵇ ضعيف بين هؤلاء القوم، ولذلك لما جاء موسى وأخذ برأسه وبلحيته وقال: لماذا لم تتبعن إذ رأيتهم ضلوا؟ لِم لم تُنكر عليهم ما فعلوا؟ فرد عليه هارون قائلاً: ﴿ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ﴾ [الأعراف:١٥٠]، أي: يا موسى أنا لم أسلم لهم بذلك، بل قد أنكرت عليهم، وكادوا يقتلونني ويفتكون بي استضعافاً، ولكن الله سلّم.
ولما علم موسى صدق أخيه قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾ [الأعراف:١٥١]، وفي سورة طه لما عاد موسى من ميقات ربه، قال له ربه: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه:٨٥]، والسامري بماذا أضلهم؟ ﴿أَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [طه:٨٨]، أي: صوت، فلما رجع موسى ورأى حال قومه من عبادتهم للعجل ألقى الألواح وأخذ بلحية أخيه، فقال أخوه: ﴿يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾ [طه:٩٤]، فهارون كان له لحية، وفي هذا دليل على أن اللحية من صفات الأنبياء والمتقين، أما نحن اليوم فنجد عندنا من يقول: إن حلق اللحية لمصلحة الدعوة يجوز، فاخسأ وادخل الجحر، قل: أنا ضعيف، أنا مستكين، لكن أن تقول: أحلق اللحية لأجل مصلحة الدعوة! فمصلحة الدعوة بريئة منك، وما رأينا في سلفنا من الصحابة والتابعين وتابعيهم رجلاً حليقاً أبداً، ففي مكة -في مرحلة الاستضعاف وقريش تؤذيهم- ما اجتمع النبي ﷺ بأصحابه وقال: احلقوا اللحى لأجل مصلحة الدعوة! إن هؤلاء القوم يتخبطون، وعندهم الغاية تبرر الوسيلة، فيركبونها وإن لم تكن مشروعة، وقد ركبوها مراراً وتكراراً.
стр. 23
تحريف بني إسرائيل للتوراة
ثم عاد موسى ﵇ من ميقاته بعد أن أوحى الله إليه بالتوراة، وكتب له الألواح بيده، فقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٤٥]، فالتوراة فيها حكم الله، والتوراة بشّرت بسيد البشر محمد ﷺ ، ويا ليتهم يقرءونها، لكنهم حرّفوا الكلام عن مواضعه وهم يعلمون، وجحدوا النعمة وهم يستيقنون، ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤]، لذلك حينما زنى رجل يهودي بامرأة يهودية فالحد عندهم في التوراة كالحد عندنا، ألا وهو الرجم، فجاء اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: (يا محمد ﵊ كيف تجدون حكم الزاني عندكم؟ فقال لهم النبي ﵊: وما عندكم أنتم؟ قالوا: عندنا التعذيب والجلد، أي: لم يقولوا بالرجم، قال: فأتوني بالتوراة، فجاءوا بالتوراة فقرأ أحدهم فوضع يده على حكم الرجم، وعبد الله بن سلام كان حبراً من أحبارهم يعرف مداخل التوراة ومخارجها، فقال: ارفع يدك يا خبيث، فقرأ رسول الله ﷺ في التوراة أن حكم الزاني المحصن الرجم، فأنزل الله في القرآن: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة:٤٣])، فالتوراة فيها حكم الله، لكن القوم حرفوا الكلم عن مواضعه، ووضعوا فيها ما لذ وطاب، وابن حزم الأندلسي ومن قبله فيلسوف يهودي يسمى اسبنوزا -لعنوه وطردوه من معابدهم- أثبتوا لهم أن التوراة بعد موت موسى قد حرفت، وأدلة تحريفها واضحة للأعمى الذي لا يرى، وللأصم الذي لا يسمع، فهي واضحة كالشمس في وضح النهار، وهل هناك كتاب ينزل من السماء فيه أن نبياً يزني بابنته إلا في توراة اليهود؟! وهل هناك شرع ينزل من السماء يدعو إلى الزنى والفاحشة إلا في توراة اليهود؟! لكن القوم ليس عندهم حياء ولا كرامة، ولهذا أقول: لما عاد موسى ﵇ ووجد القوم يركعون ويسجدون للعجل أخذه الغضب، وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره من لحيته، ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح، وظل ينكر عليهم ويعظهم، وأرادوا أن يتوبوا إلى الله، لكن ماذا كانت توبتهم؟ هذا ما سنبينه في الخطبة الثانية إن شاء الله.
أقول هذا القول، وأستغفر الله.
стр. 24
توبة بني إسرائيل من عبادة العجل
الحمد لله رب العالمين، ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر:٣]، لا إله إلا الله رب العرش الحليم، كل يوم هو في شأن، يرفع أقواماً ويضع آخرين، يغني فقيراً ويفقر غنياً، ويصح مريضاً ويمرض صحيحاً، سبحانه وتعالى عما يشركون.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله.
أما بعد: فوعظهم موسى ﵇ موعظة بليغة، فأرادوا أن يتوبوا إلى الله من عبادتهم العجل، فاختار موسى منهم سبعين رجلاً، من أعبدهم وأزهدهم، ومن الذين لم يعبدوا العجل، ليذهبوا معه إلى الطور وليعتذروا إلى ربهم ويتوبوا إليه مما صنع القوم، قال تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف:١٥٥]، أي: جاء موسى مع السبعين من خيارهم، وانظروا إلى خيارهم ما إن سمعوا الكلام من الله إلى موسى، وأنار جبل الطور بكلام رب العالمين، ودخل موسى في حوار مع ربه، فإذا بهم يقولون: ﴿يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:٥٥]! وهم خيار اليهود، عند ذلك تزلزل بهم الجبل، ونزلت عليهم صاعقة من السماء فأماتتهم جميعاً عن بكرة أبيهم إلا موسى ﵇، وظل موسى يقول لربه: يا رب ماذا أقول لبني إسرائيل؟ يا رب أتوسل إليك بإيماني بك، وبدعوتي إليك، بحبي إياك أن تحيي لي هؤلاء القوم مرة أخرى، وظل موسى يتضرع إلى الله ويتوسل إليه بعمله الصالح، فأحيا الله له السبعين مرة ثانية، وكان الواحد منهم يحييه الله بعد الآخر، فالأول أحياه الله ثم ينظر إلى الثاني فيحييه الله، والثاني ينظر إلى الثالث وهكذا، حتى أحياهم الله جميعاً، فيا ليت القوم يتعظون، ويا ليت القوم يعتبرون، لكن اليهود هم اليهود في كل زمن وحين.
لكن لمن نقول ومن يسمع؟ ما زلنا على دائرة المفاوضات مع هؤلاء القردة والخنازير، ولا زلنا نبحث عن السلام معهم، وهم قتلة الأنبياء، وهم الذين ألحدوا في العقائد.
يا قوم إن اليهود هم اليهود، فلم يتغيروا أبداً، قال الله في وصفهم: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤].
كانت قصة عجل بني إسرائيل هي موضوع اللقاء، وللحديث بقية إن شاء الله.
وختاماً أقول: كفانا عبثاً بدين ربنا، ولعباً بالفتوى والأحكام الشرعية الثابتة المستقرة بنصوص قطعية الثبات والدلالة، أي: أنه لا مجال للاجتهاد فيها.
إنه من أيام نوقش في المجلس القومي في تونس الحقوق المدنية للمرأة ومن ضمن ما طرح فيه أن الرجل الذي يتزوج بالمرأة الثانية يعرض نفسه للعقوبة التي تصل إلى السجن أو العقوبة المادية، نسأل الله العافية، فربنا أحل وهم يحرمون، فكيف يليق بكم أن تناقشوا شرع ربكم؟! الأمر الثاني الذي طُرح للمناقشة: لا بد من مساواة المرأة مع الرجل في الشهادة، بل في كل الأمور، لأن هذا من صميم المساواة، وربنا يقول: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة:٢٨٢]، فهل هم عمش؟ وهل عندهم عمى حتى ما نظروا إلى هذه الآية؟! ما قرءوها؟ لكن القوم من متى يقرءون القرآن؟ القوم نبراسهم العلمانية هناك يرضعون من عصارتها، لكن الله قيض من عباده من وقف ورد كيدهم إلى نحورهم.
فيا قوم! كفاكم عبثاً بدين الله، وكفاكم اجتراء على ثوابت الشرع المقررة بالكتاب والسنة، فإن ذلك لن يكون في مصر ولن يكون أبداً، ولن تصبح مصر علمانية، ولن تصبح مصر بلد العلمانيين، إنما نقول لهم: إن مصر ستظل دائماً بشبابها وبإيمانها وبعقيدتها السلفية نبراساً يُحتذى به.
أسأل الله سبحانه أن يمكن لدينه في أرضه، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم عليك باليهود ومن هاودهم، نسألك نصراً لدينك في مشارق الأرض ومغاربها.
اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وأمّنا في أوطاننا، اللهم أبدلنا من بعد خوفنا أمناً، ومن بعد ضيقنا فرجاً، ومن بعد عسرنا يسراً، نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات، نسألك حبك وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك.
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، اللهم علمنا من القرآن ما جهلنا، وذكرنا من القرآن ما نُسّينا، نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات، اللهم استر عوراتنا، وأمّنا في بيوتنا، وأمّنا في أوطاننا.
اللهم عليك باليهود فإنهم لا يعجزونك، اللهم انصر الإسلام في كل بقاع الأرض، اللهم عليك بهم وبمن يكيد بدينك.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم يا مثبت القلوب ثبّت قلوبنا على دينك، اللهم استر عوراتنا، اللهم اغننا بحلالك عن حرامك، واكفنا بفضلك عمّن سواك، اجعل ثأرنا على من ظلمنا، لا تجعل مصيبتنا في ديننا، لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا وقرارنا.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم اهدنا واهد بنا، اللهم ارزقنا قبل المو
стр. 25
من أحكام الحج
تعتبر حجة الوداع التي أداها النبي ﷺ بياناً عظيماً واضحاً لمناسك الحج، إذ نقل لنا الصحابة الكرام صفة حجته فيها وأداء المناسك منسكاً منسكاً، فهديه ﷺ في ذلك هو ما يلزم المسلم أن يتبعه في أداء المناسك، كما أن خطبته ﷺ في يوم عرفة حوت جملة عظيمة من الأحكام وتقرير الحقوق وحفظ الحرمات والوصية بالنساء.
стр. 26
فرض الحج في السنة التاسعة من الهجرة
الحمد لله رب العالمين، الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:٣].
خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة في قرار مكين، ثم خلق النطفة علقة سوداء للناظرين، ثم خلق العلقة مضغة بقدر أكلة الماضغين، ثم خلق المضغة عظاماً كأساس لهذا البناء المتين، ثم كسا العظام لحماً هي له كالثوب للابسين، ثم أنشأه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين، ثم إنكم بعد ذلك لميتون، ثم إنكم يوم القيامة تبعثون.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، يغني فقيراً ويفقر غنياً، ويعز ذليلاً ويذل عزيزاً، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، مستو على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيف شاء وحسبما أراد، فاللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك.
وأشهد أن نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك خيراً يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، والملأ الأعلى إلى يوم الدين.
أما بعد: فحديثنا -بحول الله وفضله وتوفيقه- يدور حول حجة النبي ﷺ المسماة بـ (حجة الوداع)، لما فيها من الدروس والعبر.
ففي العام التاسع من هجرته ﵊ فرض عليه الحج، وهذا تحقيق العلامة ابن القيم؛ لأن من قال: إن الحج على التراخي ظن أن الحج فرض في العام السادس، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: والراجح أن الحج فرض في العام التاسع، ولم يحج النبي ﵊ في ذات العام؛ لأنه أرسل الصديق ﵁ ليحج بالناس وأرسل معه علياً ينادي في الناس: (ألاَّ يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان)؛ لأن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراة، ويقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، وكانت صلاتهم عند البيت كما قال ربنا سبحانه: ﴿مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال:٣٥]، أي: صفيراً وتصفيقاً.
ولذا يريد أتباع بعض الطرق المنحرفة في زمننا أن يحيوا ما كان عليه المشركون، فإذا أرادوا أن يذكروا الله ذكروه بالطبل والتصفيق، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً.
стр. 27
استشعار النبي ﵊ في العام العاشر بقرب أجله وأدلة ذلك
وفي العام العاشر شعر النبي ﵊ باقتراب أجله، فخرج ﵊ لخمس ليال بقين من ذي القعدة -وهذا ما قرره صاحب الرحيق المختوم، ورجحه ابن حجر في فتح الباري- وأذن في الناس ﵊ وأعلن أنه قاصد مكة لأداء الحج، فجاء الناس إليه من كل فج عميق، ليأتموا بسيد البشر ﷺ في هذه الحجة، إذ إن النبي ﵊ قد شعر باقتراب أجله كما ذكرنا، والأدلة على ذلك كثيرة، ومنها: أنه قال للناس في خطبة جامعة هي أعظم خطبة في تاريخ البشرية المسماة بـ (خطبة الوداع): (اسمعوا عني فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)، وكذلك أيضاً وهو يرمي الجمرات في أيام التشريق قال لهم: (خذوا عني مناسككم فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا).
وبعد أن أتم خطبة الوداع مباشرة على عرفة أنزل الله عليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، فبكى عمر بن الخطاب ﵁، فتعجب الصحابة من بكائه، فقال: يا قوم! وهل بعد الكمال إلا النقصان، وكان النقصان الذي توقعه عمر هو موت الحبيب محمد ﷺ .
وفي أيام التشريق أيضاً أنزل الله على نبيه ﵊: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣]، قال ابن عباس: أرى أن الله ينعى محمداً لأمته، كيف ذلك؟ قال: ألم تقرءوا قول الله: ((فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ))، والاستغفار دائماً يكون في ختام الشيء، فأرى أن هذه السورة هي ختام حياة النبي محمد ﷺ .
ولما أرسل ﵊ معاذاً إلى اليمن في العام العاشر من الهجرة قال له: (يا معاذ! لعلك لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك تمر بقبري، فبكى معاذ وقال: فداك أبي وأمي يا رسول الله)، فكل هذه الأدلة تشير إلى أن النبي ﵊ قد استشعر اقتراب أجله.
стр. 28
إحرام النبي ﵊ قارناً من ذي الحليفة
وقد اختلفت كتب السيرة في عدد الذين اجتمعوا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، والراجح أنهم يزيدون عن مائة ألف، ومن يرى هذه الأعداد الكبيرة من الحجاج مع النبي يدرك أنه ﷺ استطاع أن يؤسس دولة بتأييد ربه سبحانه في مدة وجيزة جداً، لا تزيد عن ثلاث وعشرين سنة، ومعلوم أن أعمار الأمم تقاس بمئات السنين.
وفي ذي الحليفة اغتسل نبينا ﷺ ، وذو الحليفة ميقات أهل المدينة، ولكل بلد ميقات مكاني للحج والعمرة، لا يجوز لمن قصد البيت أن يمر على الميقات دون إحرام، وإلا لزمه فدية إلا أن يعود إليه، فوقِّت لأهل اليمن: يلملم، ولأهل نجد: قرن المنازل، ولأهل الشام: الجحفة، ولأهل العراق ذات عرق، وهكذا لكل بلد ميقات، قال النبي ﵊: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن)، أي: أن هذه المواقيت المكانية لأهل هذه البلاد أو من يمر عليها، ولذلك لا يجوز لأي حاج مصري أن يمر على (رابغ) الموازية للجحفة دون إحرام، ولا يجوز أن يقول: أنا قاصد جدة فينزل بها ثم يحرم منها، فجدة ليست ميقاتاً إلا لأهلها.
وبعد أن اغتسل النبي ﷺ في ذي الحليفة طيبته أمنا عائشة ﵂، حتى إنها قالت بعد أن طيبته: إني لأرى وبيص المسك من مفارق ولحية النبي ﷺ ، ثم أحرم ﵊ بحج وعمرة، أي: أنه حج قارناً؛ لأنه ساق الهدي، لكن إن جاءت نصوص تقول: إنه حج متمتعاً أو مفرداً؛ نقول: هناك سوء فهم للنص، وسوء الفهم للنصوص الشرعية يسبب لنا مشاكل كثيرة.
ولنتأمل هذا النموذج: كاتب علماني يكتب كفراً تحت عنوان: الرجم ليس من دين الإسلام في شيء! يعني: أن رجم الزاني ليس من دين الإسلام، وفي صلب المقالة يكتب فيقول: لأن القرآن بين أن حد الزاني الجلد، ونبينا ﷺ قد قال: إن حد الزاني هو الرجم، إذاً: تعارض القرآن مع قول رسول الله -هذا فهمه- فلا شأن لقول رسول الله أمام القرآن! ثم تجرأ إلى الكفر فقال: إن النبي ﷺ لا يملك أن يشرع للأمة! هكذا قال ذلك الرجل، إذاً: فمن الذي يشرع، أهو أنت؟! وماذا تقول في قول الله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]؟ وماذا تقول في قول الله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] إن النبي ﷺ حينما يشرع للأمة لا يشرع من عنده وإنما يشرع بوحي من الله.
إن هذا الكلام معناه: أن السنة لا يمكن أن تستقل بالتشريع، بمعنى: أنه ﷺ لا يملك أن يحرم أو أن يحلل، لذا أقول له: هل يجوز لك أن تتزوج على المرأة عمتها أو خالتها فتجمع بين المرأة والعمة أو تجمع بين المرأة والخالة؟ لا شك أنه لا يجوز بنص السنة لا بنص القرآن، أيضاً: هل يجوز للرجل أن يلبس الذهب في يده والقرآن يقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف:٣٢]؟ إن الذهب حرام على الرجال بالسنة المطهرة، ولذا فإن السنة يمكن أن تقيم حكماً شرعياً مستقلاً كما يقول علماء الفقه والأصول؛ لأن النبي ﷺ قال: (أوتيت القرآن ومثله معه، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض)، فالرجم من الإسلام، وقد رجم النبي ﵊ والصحابة؛ واقرأ في البخاري الأحاديث المتواترة في رجم الزاني، لكن الأعجب أن يقول: لا شأن لنا بـ البخاري ولا بالسنة، فيكفينا القرآن! هكذا كتب ذلك الرجل، ولا أدري أين علماء الأمة ليقولوا له ولأمثاله: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم، أما يكفي طعناً في القرآن والسنة في زمننا هذا، والطامة أن هذا الرجل يحمل لقب: (المفكر الإسلامي)، نسأل الله العافية.
إن سوء الفهم للنصوص الشرعية سبب انشقاق وخروج بعض الفرق الضالة والمنحرفة، كالخوارج والمعتزلة وغيرهم.
وعلى كل فنبينا ﵊ قد حج قارناً، لكن إن جاء نص يقول: إنه قد حج متمتعاً؛ فمعنى ذلك: أنه قد جمع بين العمرة والحج في سفر واحد، أي: أنه ما أنشأ للعمرة سفراً وللحج سفراً، وإنما قرن بين الحج والعمرة في سفر واحد، وأما رواية: أنه حج مفرداً؛ فمعناها: أنه أتى بأعمال الحج المفرد، إذ لا فرق بين القارن والمفرد، فالقارن يسعى سعياً واحداً، والمفرد يسعى سعياً واحداً، وكلاهما يطوف طواف قدوم وطواف إفاضة وطواف وداع؛ وكأن المفرد والقارن عليهما سعي وثلاثة أنواع من الطواف، إذ لا فرق بينهما في المناسك إلا أن القارن عليه هدي، والمفرد ليس عليه هدي، فهذا هو الفرق الوحيد بينهما.
стр. 29
بيان ما فعله النبي ﵊ منذ دخول مكة إلى يوم عرفة
دخل ﵊ مكة صباحاً (فجراً) وطاف بالبيت سبعة أشواط وسعى بين الصفا والمروة، ثم أمر أصحابه أن يتحللوا، أي: أن يتمتعوا، فترددوا فقال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة)، فعلم الصحابة أن أفضل النسك هو التمتع، فتحللوا وظل الحبيب محمد ﷺ على إحرامه إلى اليوم الثامن من ذي الحجة المعروف بيوم التروية؛ لأنه ساق الهدي معه، ثم توجه إلى منى قبل الزوال في الثامن، وصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر قصراً دون جمع، ولما صلى الفجر وأشرقت الشمس في اليوم التاسع توجه إلى عرفة ونزل بنمرة ﵊، ثم بعد الزوال -أي: عند الظهر- ضربت له خيمة ببطن الوادي، وقام يخطب في الناس خطبة الوداع، هذه الخطبة التي أرسى فيها قواعد وأسساً عظيمة، والتي تعتبر ميثاقاً لحقوق الإنسان، ولذا أقول: إن كانت منظمات العالم تضع مواثيق لحقوق الإنسان فنحن نقول: إن نبي البشرية محمداً ﷺ قد وضع وثيقة حرمات لا وثيقة حقوق، واسمعوا إلى ما قاله النبي ﵊ لأكثر من مائة ألف بعد الزوال في يوم عرفة الذي هو أفضل يوم طلعت فيه شمس العام: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا إن كل أمر من أمور الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، ألا إن كل دم من دماء الجاهلية موضوع، وأول دم أضعه دم ربيعة بن الحارث، ألا وإن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي)، وعلماء السوء في زمننا اليوم يريدون لربا الجاهلية أن يعود، يريدون أن يأخذوه من تحت قدم رسول الله ﷺ ، فيعيدوه إلى حياة الناس! ثم قال ﵊: (وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب، استوصوا بالنساء خيراً فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، إن لكم عليهن: ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهون، فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم: كسوتهن ورزقهن)، ثم قال ﷺ : (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي)، ثم قال للناس من حوله: (إنكم ستسألون عني يوم القيامة فماذا أنتم قائلون؟ فعلت الأصوات تقول: نشهد أنك بلغت الرسالة يا رسول الله، فرفع السبابة إلى السماء ينكتها إلى الأرض قائلاً: اللهم هل بلغت اللهم فاشهد اللهم هل بلغت اللهم فاشهد)، ونحن نشهد أنك بلغت الرسالة يا رسول الله، ونصحت الأمة، وتركتها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها.
ثم بعد أن أدى ﵊ خطبة الوداع التي بين وقرر فيها حرمة الدماء والأموال والأعراض، وحرمة الربا، والوصية بالنساء، هذه المرأة التي يجعلونها اليوم كسلعة رخيصة في يد أعدائها، وطالبوا بالمساواة بينها وبين الرجل، وفي سبيل ذلك أجازوا لها أن تخطب الجمعة! وعينوها قاضية! وهكذا أقحموها في كل ميادين الحياة العملية بحجة المساواة، والذي خلق الذكر والأنثى يقول: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران:٣٦]، وقد ذكرت قبل أن هناك كثيراً من الأحكام الفقهية يختلف فيها الذكور عن الإناث، منها: أن بول الصبي -قبل أن يفطم- ينضح، وبول الجارية يغسل؛ لحديث أم قيس عند البخاري: (أنها جاءت بولدها للنبي ﷺ وهو صغير ليحنكه ويباركه، فوضعه النبي ﵊ على حجره فبال عليه، فأمر النبي ﷺ بماء ونضحه)، وقال: (بول الصبي ينضح وبول الجارية يغسل)، وهذا من أول لحظة، وأيضاً: إن كان المولود ذكراً فيعق عنه بشاتين وعن الأنثى شاة واحدة، وليس معنى هذا: أننا نفرق بينهما في الحقوق والواجبات، بل لا نفعل ذلك إلا بنص، قال الله : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤]، وعليه فإن أردت أن تتبع الأحكام الشرعية التي تختلف فيها الإناث عن الذكور فستجدها كثيرة.
والنبي ﵊ في حجة الوداع أمام هذا الحشد الكبير ما نسي أن يوصي بالمرأة، لعظم حقها ورفعة شأنها في الإسلام، ولنا مع هذه الوصية وقفة إن شاء الله تعالى، ولما أنهى خطبته أمر بلالاً أن يؤذن، فأذن وأقام فصلى الظهر ركعتين، ثم أمره فأقام وصلى العصر ركعتين، أي: أنه صلى الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين، ولم يفصل بينهما بصلاة، وهذه هي السنة؛ لأن البعض قد يتنفل بعد الظهر أو قبل العصر، وهذا خلاف فعل النبي ﷺ ، وبعد أن صلى الظهر والعصر بأذان وإقامتين ظل في عرفة إلى أن غاب قرص الشمس، ولذلك يقول الفقهاء: إن ترك الحاج عرفة قبل غروب الشمس يلزمه دم؛ لأنه ترك واجباً، والوقوف بعرفة بجزء من الليل واجب، والوقوف
стр. 30
توجه النبي ﵊ إلى مزدلفة ثم منى
ثم بعد أن غاب قرص الشمس تحرك النبي ﵊ إلى مزدلفة؛ ليبيت فيها ويصلي المغرب والعشاء جمع تأخير، والمبيت في مزدلفة واجب من واجبات الحج، فإذا تركه الحاج يلزمه دم، وهكذا فالواجبات يجبرها الدم، أما الأركان فلا يجبرها شيء، وإنما لابد من أدائها، كطواف الإفاضة، والوقوف بعرفة، والإحرام، وسعي الحج، فإن ترك الحاج ركناً فسد حجه وعليه أن يحصِّل الركن وإن كانت المدة الزمنية طويلة، أما إن ترك واجباً فيلزمه دم، كأن يترك طواف الوداع، أو المبيت بمنى، أو المبيت بالمزدلفة، أو رمي الجمرات، أو أحرم بعد الميقات، فهذه كلها واجبات، يلزم من ترك أحدها دم.
ثم صلى النبي ﵊ الفجر في مزدلفة، ومكث فيها حتى أسفر جداً -أي: حتى بدا الصبح- ثم توجه إلى منى في يوم النحر ورمى جمرة العقبة الكبرى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ولما أتم الرمي ذهب إلى المنحر وأتى بمائة بدنة، ونحر بيده الطاهرة ثلاثاً وستين بدنة، ثم أمر علياً أن ينحر الباقي، وفي هذا إشارة إلى أن موت النبي ﵊ كان لثلاث وستين سنة، ولما أتم علي نحر المائة أخذ من هذه البدن جزءاً وصنعه وأكل منه ﵊، ثم توجه إلى البيت فطاف طواف الإفاضة ولم يسع ﷺ ، لأنه قد حج قارناً، ثم عاد إلى منى في أيام التشريق ليرمي الجمرات حتى اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، ثم بعد أن أتم أعمال الحج عاد إلى المدينة ليواصل رحلة الجهاد في سبيل الله.
أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 31
التحذير من السنن السيئة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فإن حجة الوداع تنطوي على كثير من الدروس والعبر، ولعل هذا هو موضوع اللقاء القادم إن شاء الله تعالى، فنعيش مع بيان أحكامها من حيث حرمة الدماء التي حرمها الله سبحانه، حيث إن أول جريمة قتل وقعت على الأرض كانت في زمن آدم ﵇، والنبي ﷺ يقول: (لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل)، فكل نفس مظلومة تقتل على الأرض في ميزان ابن آدم الأول، فأي ميزان هذا الذي يسع لهذه الدماء التي تموت ظلماً بغير حق! وهكذا يشير الحديث إلى كل من ابتدع شيئاً في دين الله، فكل من قلده في بدعته في ميزان سيئاته، ولذلك فإن سيئات كل المتبرجات في ميزان قاسم أمين الذي نادى بتحرير المرأة من الحجاب إلى الخلاعة والعري، ومن فرط إعجابنا بشخصيته أننا أعددنا له مسلسلاً حتى يكون أسوة للمفكرين! وليتخلصوا من قيد الشرع، كما قال أحدهم بعد أن مضى رمضان: رمضان ولى هاتها يا ساقي مشتاقة تسعى إلى مشتاق أي: هات الخمر.
بالأمس كنت سجين عبادة ويوم العيد تداؤب العشاق وقال النبي ﷺ : (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)، فانظروا إلى فضل من سن سنة حسنة في الإسلام، وانظروا إلى خطورة من سن سنة سيئة في الإسلام، ولذلك فإن أعمال الأمة في ميزان سيد البشر محمد ﷺ ؛ لأنه هو الذي أرشدها إلى الحق ودلها على الخير.
أسأل الله أن يبلغنا حج بيته.
اللهم اكتب لنا حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وعملاً صالحاً متقبلاً.
اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.
اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، وجلاء همنا وغمنا، ونور أبصارنا، اللهم علمنا من القرآن ما جهلنا، وذكرنا من القرآن ما نسينا.
اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، واكفنا بفضلك عمن سواك.
اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا وقرارنا.
اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك.
اللهم إنا نعوذ بك من السلب بعد العطاء، ونسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ارزقنا -يا رب- قبل الموت توبة، وعند الاحتضار شهادة، وبعد الموت جنة ونعيماً.
اللهم بيض وجوهنا عند سواد وجوه، اللهم ثبت أقدامنا على الصراط، اللهم أمنا عند الفزع الأكبر.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم مكن لدينك في الأرض يا رب العالمين.
اللهم إن ليل المسلمين قد طال فاجعل له فجراً يعز فيه أهل طاعتك، ويهدى فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، اللهم انصر المستضعفين في كل مكان، وانصر عبادك المستضعفين في فلسطين، اللهم اربط على قلوبهم، وسدد رميهم، واجعل الدائرة على عدوهم، اللهم أرنا في اليهود آية، فإنهم لا يعجزونك يا جبار السماوات والأرض، نسألك أن ترينا في اليهود آية، اللهم شتت شملهم، وفرق جمعهم، اللهم اجعل عيشهم كداً، وصب عليهم العذاب صباً فإنك على كل شيء قدير، وأنت حسبنا ونعم الوكيل.
اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بشر فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، وأهلكه كما أهلكت عاداً وثمود وفرعون.
رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء.
آمين آمين آمين.
وآخر دعوانا: أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 32
أخطاء تقع في الحج
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: فإن أحكام الحج مهمة جداً؛ لأن الذي يذهب إلى موسم الحج يجد الجهل واضحاً بيناً بين المسلمين، فقد يترك المسلم ركناً أو واجباً، ولا يعلم أنه يلزمه الذبح أو الفدية، ويجهل الفرق بين الهدي والفدية، فهذه كلها أمور لابد أن توضح، وهي مسئولية الدعاة، ومن أبسط هذه الأمور التي قد يجهلها المسلم في الحج: أن يجهل أن النوم العميق ناقض للوضوء، فقد ينام رجل بجوارك في الحرم ساعات، فإذا أذن المؤذن وأقيمت الصلاة قام وكبر تكبيرة الإحرام! وآخر قد يطوف شوطاً أو شوطين فيتعب فيترك ويقول: يكفى هذا، والله يتقبل، والمهم النية! إنه قلب للمقاييس في الحج، وظهور للبدع هناك؛ ولذلك أقول: المسئولية جسيمة على طلاب العلم وعلى الدعاة، فعليهم أن يتقوا الله سبحانه في تعليم الناس مناسك الحج، وأن يجيبوا عن أسئلة الناس في ذلك، وقد سألني سائل وقال: أنت قلت: إن الواجب يجبر بدم، فأين يذبح هذا الدم وأين يوزع؟ فقلت: إن ترك الحاج واجباً من واجبات الحج يلزمه فدية دم، فيذبحه ويوزعه داخل حدود الحرم، وليس له وقت معين، بينما الهدي آخر وقته الزماني هو آخر أيام التشريق، وعليه فالهدي له وقت زماني، أما الفدية فمتى ما استطعت، يعني: إن لم تستطع الآن فربما تستطيع بعد يوم أو يومين أو ثلاثة.
وإن لم يتبين له أنه ترك واجباً إلا بعد سنة أو سنتين فيرسل المبلغ المالي إلى السعودية، وهناك يقوم من يشتري له فيذبحه ويوزعه داخل حدود الحرم، وهذا إذا كان مستطيعاً، وإلا: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦]، لكن إن لم يستطع أن يصوم في مكة فيصوم العشرة أيام كاملة في بلده.
ولا يجوز للحاج أن يأكل من الفدية، لأنها كالنذر تماماً، بينما يجوز له أن يأكل من الهدي، قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦]، والقانع هو: الذي لا يسأل الناس، فهو قانع بحاله، والمعتر هو: الذي يسأل، وعليه فمعنى الآية: فكلوا منها وأطعموا الذي يسأل والذي لا يسأل، الفقير السائل وغير السائل.
وأخرى: حاضت ورحلت مع الركب ولم تطف طواف الوداع بعد، فالعلماء على أنها ترحل مع الركب ولا شيء عليها؛ لأن الذي منعها من طواف الوداع هو الحيض، بينما لو أن رجلاً لم يطف طواف الإفاضة وطاف طواف الوداع، ثم رحل مع الركب، فإن ذلك يجزئه؛ لأنه يجوز له أن يجمع بين طواف الإفاضة وطواف الوداع بطواف واحد.
أيضاً: لو أن رجلاً غابت عليه الشمس يوم الثاني عشر من ذي الحجة في منى، ثم ترك منى بعد أن رمى الجمرات بعد الزوال؛ فلا يجوز له ذلك؛ لأنه لابد له أن يبيت بمنى، لكن إن رمى وتعجل فعليه أن يرحل من منى قبل غروب الشمس.
كذلك: لو أن رجلاً جاء من عرفة إلى المزدلفة، لكن لم يصل إلى مزدلفة إلا بعد الفجر، يعني: أنه لم يبت في مزدلفة، فليس عليه شيء؛ لأن الذي عاقه عن الوصول إلى مزدلفة مبكراً هو الزحام، والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥].
وآخر: طاف للإفاضة من داخل حجر إسماعيل، ثم عاد إلى بلده، ثم سأل فقال: طفت من داخل الحجر شوطاً أو شوطين، فما حكم ذلك؟ نقول له: إن طفت طواف الوداع من دخل حجر إسماعيل يلزمك دم، وإن كان الطواف للقدوم فكذلك يلزمك دم، وإن كان الطواف تطوعاً فليس عليك شيء، وإن كان الطواف للإفاضة فيلزمك أن تعود لتطوف ثم تذبح فدية؛ لأنك ربما قد جامعت زوجتك؛ ولأن طواف الإفاضة ركن لا يجبره دم.
كذلك لابد أن يعرف الحاج أنه بعد الإحرام يلزمه أن يجتنب محظورات الإحرام، فلا يتطيب، ولا يأخذ من أظفاره، ولا يغطي رأسه، فإذا أراد أن ينام بالبطانية فلا يضعها فوق رأسه، أو كما يفعل بعض الجهلة فيضع منديلاً فوق رأسه، فإن ارتكب أحد محظورات الإحرام لزمه الفدية، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، فإن لم يستطع فليطعم ستة مساكين.
وأما النظارة الشمسية فليس فيها شيء؛ لأنه ثبت أن من السلف من كان يضع فوق رأسه شيئاً يحتمي به من حرارة الشمس.
وتعجب عندما تسمع فتوى لبعض العلماء يقول فيها بجواز ذبح الهدي قبل يوم النحر! ومعلوم أن الذبح يكون يوم عشرة، وهو من أعمال يوم النحر (اليوم العاشر)، بالإضافة إلى رمي جمرة العقبة والحلق والطواف، وعليه فهي أربعة أعمال في يوم النحر: رمي فحلق فذبح فطواف، فإن قدم واحدة على الأخرى فلا حرج، أما أن يقدم أحدها إلى اليوم الذي قبل فلا، ويحصل بالطواف -طواف الإفاضة- التحلل الأكبر، ويحصل بالرمي والذبح التحلل الأصغر.
وهنا: لو أن رجلاً رمى جمرة العقبة ثم ذبح ثم حلق، ولم يطف للإفاضة، أي: أنه أخر الطواف إلى آخر ذي الحجة، وهذا لا مشكلة فيه، ولكنه جامع زوجته، فيلزمه دم (فدية شاة)، لكن إن جامع
стр. 33
الأسئلة
стр. 34
حكم الزواج من فتاة رضعت أمها من أم الخاطب
السؤال
شاب يريد أن يتزوج من فتاة، مع العلم أن أم هذه الفتاة قد رضعت من أم هذا الشاب، فهل يجوز الزواج؟
الجواب
لا يجوز؛ لأنه خالها من الرضاعة، والله تعالى أعلم.
стр. 35
حكم من ترك أكثر من واجب في الحج
السؤال
ما الحكم فيمن ترك أكثر من واجب، هل تلزمه فدية واحدة أم لكل واجب تركه فدية؟
الجواب
يلزمه لكل واجب تركه فدية، فلو أنه ترك طواف الوداع والمبيت بمنى لزمه فديتان، والله تعالى أعلم.
стр. 36
حكم التكاسل عن أداء الواجب
السؤال
ما حكم التكاسل عن أداء واجب في أي عبادة؟
الجواب
لا يجوز أن يتكاسل العبد عن أداء الواجب في العبادة، سواء في عبادة الحج أو غيرها، والحنابلة عندهم: أن من ترك واجباً متعمداً بطلت العبادة، فيقولون في كتاب العدة: من تعمد ألا يقول: رب اغفر لي بين السجدتين فصلاته باطلة؛ لأن قول: رب اغفر لي ثلاثاً واجب عندهم، ومن تعمد ترك التشهد الأوسط في الصلاة فصلاته باطلة، أما التحقيق العلمي: هل هو راجح أم مرجوح؛ فهذه مسألة أخرى، وإنما المقصود أن نبين خطورة الترك المتعمد للواجب في أي عبادة.
стр. 37
محل الاضطباع والرمل في الطواف
السؤال
في أي نوع من أنواع الطواف يكون الاضطباع، وما هو الرمل، ومتى يكون؟
الجواب
لا يكون الاضطباع إلا في طواف القدوم أو طواف العمرة، وطواف القدوم للقارن والمفرد، وطواف العمرة للمتمتع، وكيفية الاضطباع: أن يكشف الحاج الكتف الأيمن عند بداية الطواف، ولا يكشفه قبل أن يشرع في الطواف، يعني: لا يكشفه من عند الإحرام؛ لأن من الخطأ أن يكشف عاتقه الأيمن من عند الإحرام، وعند السعي بين الصفا والمروة، وكذلك في عرفة ومنى! ويكون الاضطباع في السبعة الأشواط كلها، وأما الرمل فهو: إسراع المشي مع تقارب الخطى، ويكون في الثلاثة الأشواط الأولى من طواف القدوم أو طواف العمرة، أو عند السعي بين الصفا والمروة، لكن الآن يصعب على الحاج أو المعتمر أن يرمل لأنك لا تكاد تجد لقدمك موضعاً على الأرض لشدة الزحام، فأنت تمشي حسب استطاعتك، وأخيراً: ليس على المرأة اضطباع ولا رمل.
стр. 38
حكم الرمل لمن معه امرأة
السؤال
معي أمي، ويكون أحياناً من الممكن الرمل في الطواف أو السعي، فكيف أرمل وهي معي؟
الجواب
ليس عليك شيء؛ لأن الفتوى تقول: تابع الضعيف ضعيف، فالنبي ﷺ قد رخص للضعفاء بأن يتركوا مزدلفة بعد منتصف الليل، أي: بعد الساعة الثانية، فيذهبون إلى منى ولا ينتظرون إلى الفجر في مزدلفة، وعليه فمن كان معه ضعيف فليخرج معه، وذلك على اعتبار أن تابع الضعيف ضعيف، فيأخذ ذات الحكم.
стр. 39
حكم زيارة مسجد قباء ومقبرة البقيع وغيرها من المواطن، وحكم التكلف في أداء بعض المشاعر التي يحول دونها الزحام
السؤال
ما حكم بعض المسلمين الذين يصرون على زيارة أماكن تسمى بـ (المزارات)، وكذلك القتال من أجل أماكن معينة؟
الجواب
تجد بعض المسلمين في الحج يحرصون على الذهاب إلى المزارات! وهذه المزارات هي: مسجد قباء، ومقبرة البقيع، وشهداء أحد، ومسجد القبلتين وغيرهما، وكل هذا ما أثر عن الرسول ﷺ ، إلا مسجد قباء ففيه حديث صحيح، والبقيع بجوار المسجد النبوي، وما سوى ذلك فلا، كصعود جبل الرحمة يوم عرفة، فتجد القتال عليه من المسلمين! مع أن النبي ﷺ ما صعد هذا الجبل وما أمر بصعوده، ولذا فليس من السنة أبداً أن نفعل هذا، كذلك يظن البعض أنه لابد أن تكون الركعتان بعد الطواف خلف مقام إبراهيم حتى في وقت الزحام، مع أن فتوى اللجنة الدائمة تقول: إن الحرم كله مقام في حال الزحام، لأنه لا يمكن أن يصلي كل الطائفين خلف المقام، وأيضاً: القتال الشديد على تقبيل الحجر الأسود، فهذه أمور ينبغي أن نوضحها للناس حتى يكون حجهم مقبولاً.
стр. 40
حكم من أتى بعمرة في أشهر الحج ثم عاد إلى عمله وحج مفرداً بعد ذلك
السؤال
رجل يعمل في السعودية، وعمل عمرة في شوال، ثم عاد إلى عمله وحج مفرداً بعد ذلك، فهل يلزمه هدي أم لا؟
الجواب
عليه هدي؛ لأنه أوقع العمرة في أشهر الحج ولم يغادر السعودية، لكن لو أنه غادر السعودية إلى مصر مثلاً، ثم خرج من مصر حاجاً مفرداً فليس عليه دم.
وكذلك: لو أن رجلاً مدرساً من مصر -مثلاً- جاء له عقد عمل في جدة، فتوجه إلى جدة وما أراد عمرة ولا حجاً، ثم بعد أن وصل إلى جدة بدا له أن يعتمر، فهل عليه فدية لتركه الإحرام من الميقات؟ ليس عليه شيء؛ لأنه قصد جدة ولم يقصد مكة، ولم ينو عمرة ولا حجاً، بخلاف الذي خرج من بلده وهو قاصد، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →