Полный текст (888 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ذم من يذهب مذهب تأويل الصفات
السؤال
تجادلت مع بعض الناس في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقوله: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ﴾ [القصص:٣٠]، وقوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات:٩٩] في قصة إبراهيم؟
الجواب
في الحقيقة هذا الموضوع المهم أنا أحزن تمام الحزن أن هناك جماعة تعمل في حقل الدعوة الإسلامية دعاتها الآن يقولون بالتأويل، ويقولون عن السلفيين: مجسدة، هذا الكلام نقل لي من أكثر من عضو من عندهم، فعقيدة السلف واضحة وضوح الشمس، وعقيدتنا في الأسماء والصفات هي عقيدة ابن حنبل ومالك وأبو حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وكل علماء الأمة من السلف، فالعقيدة الصحيحة: أننا نؤمن بأسماء الله وصفاته، ونفوض الكيف إلى الله، فنقول: الاستواء بمعنى العلو، قال : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، أي: علا، والاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، اليد معلومة، والكيف مجهول، فلله يد، لكنها ليست كيد البشر، قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
وهم يؤولون يد الله بقدرة الله، واستوى بمعنى استولى، ويؤولون الصفات ويحرفونها، ويقولون عنا: مجسدة، فهل الإمام مالك مجسد؟! فالتزم عقيدة السلف يا عبد الله! والذي يناقشك في هذا لابد أن يعلم أن للسلف عقيدة.
وحينما نقول: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، لو قلنا: إن (اليد) بمعنى القدرة، تصبح (بل قدرتاه)، وهل يجوز أن نثبت لله قدرتين؟ ولذلك لما جاء جهم بن صفوان رأس الجهمية إلى قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، قرأها: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) فأراد أن ينفي صفة التكلم، فجعل موسى هو المتكلم، فلما جاء إلى قول الله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]، ألقم حجراً؛ لأنه لا يدري ماذا يقول فيها؟ فالله يتكلم، وهل تريدون إلهاً لا يتكلم يا قوم؟! فالكلام كمال، والأبكم ناقص، ولله صفات الكمال، فهل المخلوق يتكلم والخالق لا يتكلم؟ نسأل الله العافية، فالكلام صفة ثابتة لله، لكننا نقول: الكلام معلوم، والكيف مجهول، هذه عقيدة السلف، أما عقيدة فرق الضلال: كالجهمية، والأشاعرة، والمعتزلة، والكرامية، وكل هذه الفرق فقد رد عليها ابن القيم في كتابه القيم الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة.
стр. 177
حكم قول الرجل لزوجته: أنت عليَّ حرام إن دخل ولدي البيت
السؤال
رجل على خلاف مع ولده، فقال لزوجته: أنت حرام علي إن دخل في غيابي، فما حكم ذلك؟
الجواب
نقول لك: كفر بإطعام عشرة مساكين، واتق الله في نفسك، وقولك لزوجتك: أنت محرمة عليَّ إن دخل الولد، فهذا تحريم ما أحل الله، ولا علاقة للزوجة بهذا الموضوع.
стр. 178
تقديم غسل الجنابة على الجماعة
السؤال
إذا كنت جنباً وقت حضور الجماعة، وليس هناك وقت للاغتسال، فهل لي أن أغتسل أم ماذا؟
الجواب
إذا كنت جنباً فلابد من الاغتسال، والوقت له أول وله آخر، فلابد أن تغتسل إذا حضر الماء، ولا تصل جنباً والماء موجود.
وإذا كان يتضرر من الغسل فيجوز أن يتيمم في هذه الحالة؛ لفعل عمرو بن العاص عندما أجنب وكان البرد شديداً فتيمم وصلى بأصحابه، وأقره النبي على فعله، قال عمرو: يا رسول الله! تذكرت قول الله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩].
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا.
стр. 179
اللحوم المسمومة
للعلماء مكانة في دين الإسلام، فالعلماء ورثة الأنبياء، وحراس الدين، ولكن للأسف انتشرت اليوم ظاهرة الطعن في العلماء واحتقارهم والاستهزاء بهم، وظهرت جماعات تقدس علماءها وتحتقر غيرهم، وهذا الأمر خطير جداً، فلحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في منتقصيهم معلومة، ومن تكلم فيهم بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب.
стр. 180
عاقبة آكل لحوم العلماء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، رفع شأن العلماء فقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١].
وقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر:٢٨].
وقال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩].
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل: (العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر) وقال: (فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب في ليلة البدر).
ثم أما بعد: فيا أيها الإخوة الكرام الأحباب! هناك ظاهرة خطيرة جدير بنا أن نقف عندها طويلاً، ألا وهي استباحة لحوم العلماء، وهذه الظاهرة يقع فيها بشكل مباشر كما هو معلوم المنافقون والعلمانيون وأعداء الدين، ولكن الأمر الذي يستحق المواجهة هو أن تنزلق أقدام بعض طلبة العلم إلى هذه الظاهرة، فتجد طويلب علم يبدأ بالمرحلة الأولى، وأول ما يبدأ يبدأ بتجريح العلماء، والتحذير من بعضهم، وعرض زلاتهم على الناس، ثم يتطور الأمر فيجرح أهل بيته وزوجته وأولاده، وهذا يعني أنه لا يريد بيان الحق وإنما يريد التجريح، ولأن المسألة خطيرة لاسيما في شباب الصحوة أو في بعضهم آثرت أن يكون هذا الموضوع: اللحوم المسمومة.
فهل رأيتم عاقلاً يتجرع لحماً مسموماً بيده؟ اسمعوا إلى قول الحافظ ابن عساكر ﵀، قال: اعلم أخي وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلني وإياك ممن يخشاه ويتقه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب.
وحدثوني عمن وقع في شيخ الإسلام ابن تيمية أو من جلد الإمام أحمد هل يعرفه الناس إلا نكرة في التاريخ، ولذلك من تتبع زلات العلماء وعرض بهم فتنه الله في دينه، ثم أمات قلبه قبل موته.
ولأن هذه الظاهرة تقع من بعض الناس بفعل بيان الحق فلابد أن نفرق بين أمرين: بيان الحق والتجريح، وهذا أمر مهم، وسأذكر أمثلة من واقعنا المؤلم الآن على هذه الظاهرة، وأنا لا أقصد أحداً بعينه، وإنما الكلام عام.
стр. 181
أسباب اختيار الموضوع
لقد اخترت هذا الموضوع لأسباب، وهي: أولاً: لمكانة العلماء في الإسلام، فالمتتبع للآيات القرآنية وللنصوص النبوية يجد أنها بينت أن للعلماء منزلة، فلقد أثنى الله على العلماء في كتابه، كما بين النبي ﷺ منزلة العلماء، ولذلك قالوا: إن أعراض العلماء حفرة من حفر النار، فعندما تنتهك عرض العالم وتنهشه فإنما تقذف بنفسك في حفرة من حفر النار.
ثانياً: لتساهل الكثير في تلك الظاهرة.
ثالثاً: إن بعض طلاب العلم لا يدركون خطورة هذه القضية.
رابعاً: عدم الفهم الصحيح لتلك القضية، فهم يخلطون بين بيان الحق وبين جرح العالم.
وقد سألني أخ فاضل في الباب أنه سمع لشيخ أشرطته منتشرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ على لسان الله -هذا في الشريط- فأثبت لله صفة اللسان، وهذا لا يجوز، وهو يخالف منهج أهل السنة، وأراد أن يقول اسم الشيخ، فقلت: لا تقل، إنما نبين الحق، ثم نتصل بالشيخ ونبين له أن هناك خطأ في الشريط الذي يحمل هذا العنوان، فإما أن تصححه، وإما أن تسحب الشريط من السوق، وإما أن تتصل بالشركة التي سوقته وتصحح هذا الخطأ، وإما أن تعتلي المنبر وتقول: هذه زلة لسان، ولاسيما أن هذا الداعية يعرف بأنه سلفي العقيدة، فلما تحدثنا مع بعض الإخوان من العلماء قالوا: لا يمكن أن يكون قد قصدها، وإنما هي سبق لسان، وبعض الناس يأخذ هذا السبق ويشهر به، ثم يحذر من اقتناء أشرطته، ويقول: إن هذا الرجل ليس على منهج السلف، وقد خرج عن الطريق، نعم أخطأ لا شك، ومن منا لم يخطئ؟ ولكن هل تعمد الخطأ؟ وهل روجع فيه؟ وهناك الآن من يلتمس هذه الأخطاء وينفخ فيها ويهولها، وبسبب هذا المنهج ضاع الكثير، فيقول مثلاً: الحافظ ابن حجر مؤول لبعض الصفات، وهذا صحيح، وفي شرحه فتح الباري أول بعض الصفات، وعلق على تأويله شيخنا العلامة ابن باز ﵀ على الهامش، وليس معنى ذلك أنني لا أقتني فتح الباري بحجة أن الحافظ مؤول، أو شرح مسلم للإمام النووي، أو بعض العلماء الذين زلوا في بعض المسائل، وبعض الناس يحذر منهم، فالمفروض أن الحكمة ضالة المؤمن، وحينما أستشهد بقول صحيح وهو لأهل البدع وموافق لمنهج السلف أقول في الهامش: وصاحب هذا القول أشعري المذهب، حاد عن الصواب في كذا، أو وهو مرجئ في مسألة كذا، غفر الله له.
فالنقل يكون مع التبيين، وعندما أقول لطلبتي: لا تقرأ لهذا ولا لهذا ولا تسمع لهذا فمن نسمع؟ فهؤلاء علماء الأمة وهم يعدون على أصابع اليد الواحدة، فهذا المنهج ضيع علينا الكثير والكثير.
وقد سألني بعض الإخوة: ما تقول في الشيخ فلان؟ قلت: رجل يبلغ دعوة الله، إن أخطأ بين خطؤه دون تجريح.
وهناك مدرسة تعظم الرجال، وتأخذ أقوال علمائها مسلمة، وتعلقها على الجدران، قال فلان كذا، وتقدس أقواله، وإذا تكلم أحد على أقوالهم تقوم الدنيا ولا تقعد، فهم يعظمون الرجال، ومنهج أهل السنة أنهم لا يعرفون الحق بالرجال، وإنما يعرفون الرجال بالحق.
هذه الأسباب التي دفعتني لاختيار هذا الموضوع.
стр. 182
خطورة اللسان
يقول النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته: (من ضمن لي ما بين لحييه وفخذيه ضمنت له الجنة).
والكثير منا يضمن ما بين فخذيه، ولكن من منا يضمن ما بين لحييه؟ يقول ابن القيم ﵀: كم من زاهد ورع متنسك عابد يصلي ويصوم ويسبح ويخشى الله إلا أنه لا يمر عليه يوم إلا زل لسانه في قدح أعراض الناس وفي تتبع عوراتهم وفي متابعة أخبارهم.
ولهذا قال ﷺ لـ معاذ: (وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم).
فهذا اللسان على صغر حجمه خطره كبير جداً، وإذا راقبت ما تقوله في اليوم والليلة وقيدت ما تتحدث به فستجد أنك تترك للسانك الحرية في تتبع العثرات.
قال الإمام الشافعي: العلماء هم الأولياء، والله يقول: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب).
وإمام أهل السنة ابن حنبل يروى أنه كان متكئاً من مرض، يعني: يجلس متكئاً، فذكر عنده عالم من العلماء فجلس واعتدل وقال: لا ينبغي أن يذكر عندنا العلماء وأنا جالس هذه الجلسة، فكان متأدباً حتى في غياب العلماء.
وقد قال محمد بن سيرين: علم بلا أدب كالنار بلا حطب.
ولننظر إلى حال طلبة العلم من السلف مع علمائهم حتى نتعلم الكثير من الأدب.
стр. 183
أسباب الوقوع في العلماء
أسباب هذه الظاهرة متعددة، منها: السبب الأول: الغيرة، فهذا العالم يحضر له الآلاف، وهذا يحضر له عشرات، وإن زادوا عن العشرة فالحمد لله، فيبدأ يغار.
وكما قال العلماء: إن العلماء يغارون من بعضهم، ويتناطحون كما تتناطح البهائم في زرائبها.
ولذلك فكلام الذين يتكلمون في بعضهم نسميه كلام الأقران، والقرين يعني: المعاصر، فتأخذ كلامه في قرينه بحذر، فكلام الأقران يطوى ولا يروى.
السبب الثاني: الحسد.
السبب الثالث: الهوى.
السبب الرابع: التقليد، فتجد أحد الناس يقول لك: لا تسمع لفلان، فإذا قلت له: هل سمعته؟ يقول: لا، أخبرني فلان أنه يقول كذا، فيقلد من ينقله له، وكثير من طلبة العلم لا يضبط السماع، ولا يسمع بتركيز، ويسمع ما يهوى أن يسمع، فينقل للعالم أقوالاً ما قالها، وينقل الثاني والثالث، ثم إن الدائرة تتسع، وإذا رجعت إلى العالم يقول: والله ما قلت، ويكون المصدر قد سمع خطأ، فالواجب عليك أن تراجع.
السبب الخامس: التعصب الأعمى الذي أضاعنا وأضاع الأمة، وأخطر جماعة الآن على الساحة هي الجماعة الحزبية التي تحزب أفرادها، فهم حزب واحد لا يسمعون إلا لبعضهم البعض، ويقدحون في علمائنا، فهذه الجماعة التي تدعو إلى الحزبية البغيضة هي أخطر على الأمة من أي شيء؛ لأنها تطعن في وحدة الأمة، ونحن جميعاً سواء، فتجد أحدهم يمشي ويقول: أنا أنصاري، أنا تبليغي، أنا سلفي، ثم يعقد جماعة وبيعة تحت الأرض ويقيم أسراً بالليل أو بالنهار، فيا عبد الله! أعلن عن نفسك، وليكن كلامك عاماً أمام الجميع، وأما أن تتكلم تحت الأرض فأنت حزبي ماكر، وهذا الكلام قد لا يعجب البعض.
وكم عانينا في قرانا من هؤلاء، وتخيلوا أنهم مرة عند محاضرة لعالم سلفي فصلوا الميكرفون وقطعوا السلك، وفي محاضرة في بلد بجوار الزقازيق أتوا بسيارة ووضعوها أمام المسجد؛ ليرتفع صوتها؛ حتى لا يخرج صوت المحاضر، فهؤلاء ناس يبغضون علماء الأمة، ولا ينتمون إلا لعلمائهم، ولا يحضرون إلا دروس بعضهم بعضا، وإن كان العالم لا ينتمي إلى جماعتهم فلا يسمعون له، فهذه جماعة خبيثة، فلنحذر من التعصب الأعمى لمذهب أو لجماعة وصدق من قال: جماعة واحدة لا جماعات، وصراط واحد لا عشرات، فجماعتنا جماعة واحدة، وأما تعدد الجماعات والولاء والبراء على أساسها فليس من ديننا في شيء فالمسلمون كلهم جماعة واحدة، والعمل الجماعي مطلوب، ولكنه في النور وليس في الظلام، وعلى غير أسماء، والولاء والبراء في عقيدة السلف لله ولرسوله.
السبب السادس: التعالم، ومعنى التعالم: أن البعض يبدأ في طلب العلم ثم يظن أنه قد بلغ أقصاه.
ومنها كره الحق، ومنها مخططات الأعداء.
стр. 184
الآثار المترتبة على الوقوع في العلماء
الأثر الأول: أن يرد الناس ما يقول من حق، فالمشركون حينما أردوا أن يطعنوا في الإسلام طعنوا في شخص النبي ﷺ ، وهذا يعطيك مؤشراً خطيراً، فإذا أراد أحد أن يهدم دعوة فإنه لا يطعن في الدعوة ولا فيمن يحملها ويبلغها، فإذا أرادوا أن يصرفوا الناس عن العالم طعنوا فيه، وقالوا: هذا عميل للصهيونية أو هذا رجل آكل للحقوق، أو أنه في بيته كذا وكذا، ويطعنون في علمه.
الأثر الثاني: جرح العالم تجريحاً لميراث النبي ﷺ ؛ لأنه يبلغ ميراث رسول الله ﷺ .
الأثر الثالث: أن ينصرف طلاب العلم عن مجلسه، وهذا حدث عندنا في القاهرة، وهذا صد عن سبيل الله، وأقسم بالله أن بعض الجماعات الحزبية إذا حضر في لقاءاتنا منهم شخص شطب من الجماعة وحوصر حصاراً اجتماعياً؛ لأن هذا الذي يحاضر ليس من جماعتهم، وهو عميل لنظامهم، ثم يكيلون له التهم العديدة المبيتة والمعدة سلفاً.
وإذا كان في بعض المحاضرات محاضرة لعالمهم بعد المتحدث الأول، فإنهم يجلسون في الطريق العام حتى ينتهي المتحدث الأول ثم يدخلون إلى محاضرهم، وهذه هي الحزبية البغيضة بعينها.
وهؤلاء يتتبعون زلات العلماء، ويظلون يروجون لهذا وهذا، وقد قابلت بعضهم فإذا بهم قد انتكسوا على أعقابهم، ولابد أن ينتكسوا؛ لأنهم دخلوا في الطريق الخطأ، فإذا حدثك أحد عن عيوب عالم فقل له: أمسك لسانك واتق الله في نفسك، ولا تنجرف مع التيار، وهل أنت تريد أن تنصح العالم أم تريد أن تفضحه؟ فهناك فرق بين النصيحة وبين الفضيحة، فانصح ولا تنقل، وليس معنى ذلك أن نعظم أو نقدس أقوال العلماء، وأن لا نرد على المخطئ خطأه، فلا تفهموني بهذه الطريقة، وإنما نبين أن من قال كذا فقد جانبه الصواب، والحق كذا، ولكن برأفة ورحمة وعدم تجريح أو تعريض.
الأثر الرابع: تقليل هيبة العالم في نظر العامة، فحينما يجرح العالم يفقد الهيبة التي كان الناس يحملونها له في صدورهم.
стр. 185
علاج ظاهرة الوقوع في العلماء
علاج هذه الظاهرة منها ما يتوقف على العلماء ومنها ما يتوقف على طلاب العلم:
стр. 186
الواجب على العلماء لعلاج هذه الظاهرة
فأما ما يتوقف على العلماء: أولاً: يجب على العلماء أن يبتعدوا بأنفسهم عن مواطن الشبهات، ولذلك قالوا: زلة العالم مضروب لها الطبل، فينبغي على العالم أن يبتعد عن مواطن الشبهات، ولذلك قال ﷺ : (على رسلكما إنها صفية).
وبعضهم يجمع النساء المتبرجات في المسرح ويحاضرهن! وهذا غريب، وهذه أول مرة نرى فيها هذا الكلام، وأحد الإخوة عرض سيدي لمثل هذه المحاضرة، وفيها البنت جالسة وواضعة رجل على رجل والعالم جالس أمامها، ويقولون: هو يبلغ يا شيخ! فيبلغ بهذه الطريقة! وبعض النساء تجلس تنظر إليه بإعجاب، وهذه فتنة يا عبد الله! فلا يستدرجك الشيطان لمثل هذه الفعلة، فمن قال لك: إن الغاية تبرر الوسيلة؟ فهذه ميكافللية.
وإذا قلت: نجعل للنساء مكاناً وللرجال مكاناً، بحيث لا تراني النساء وأنا أحاضر فسيقولون: هذه سلفية رجعية متزمتة متحجرة.
هذا هو الإسلام والدين يا عبد الله! لا أن يجلس أمام امرأة متبرجة ويحاضرها، فحاضرها عن الحجاب، وقل لها: شروط الحجاب ثمانية، فستقوم وتنصرف، وهنا قد يقول قائل: لابد أن يدخل لها أولاً حتى يأخذها، وأقول: أخاف أن تأخذه هي قبل أن يأخذها.
فهذا العمل ترخيص للعلم الذي يحمله، وهذا الكلام نقد عام وليس تجريحاً لأحد، وإنما هو منهج نبينه، فينبغي على العالم أن يبتعد عن مواطن الشبهات تماماً؛ لأنه يحمل دعوة، وتحركاته محسوبة تماماً.
ثانياً: أن يعمل بعلمه، لا أن يقول على المنبر أو في التلفزيون: الدخان حرام حرمه الله وأدلة التحريم كذا، ثم بعد الخطبة يطلب سيجارة أو يتحدث عن اللحية وإعفائها وهو حالق لها، فكيف سيؤخذ كلامه؟ وكيف يتحدث عن أمر لا يقوم هو به؟ وكيف يتحدث عن وجوب صلاة الجماعة وهو يصلي منفرداً؟ هذا ممن قال الله في حقه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]، فأين العقل؟ ثالثاً: أن يحذر من الاستدراج؛ لأن بعض الطلبة يضعون له السم في العسل، ويستدرجونه إلى ما يريدون، ويسترسلون أحياناً في السؤال، فليكن يقظاً منتبهاً، والبعض يعيد السؤال بشكل آخر حتى يزل العالم، وهدفه أن يحفر له حفرة ينزلق فيها.
رابعاً: أن لا يتعجل في الفتوى، بل يتريث ويدرس الموضوع والآثار المترتبة عليه وينظر إلى الواقع وإلى حال السائل، وهذا فهم عميق يحتاج إليه.
خامساً: أن يكون جريئاً في الحق، لا يخاف فيه لومة لائم، كالصحابة والتابعين، ومثل الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر الأسبق رحمه الله تعالى في عصرنا، فقد خرج رئيس الجمهورية محمد نجيب يوماً وأعلن أمام الجمهور وفي التلفاز وفي كل الوسائل أنه سيصدر قانوناً يسوي فيه بين الذكر والأنثى في كل شيء، وهذا الكلام يعارض الشرع تماماً، فلما سمع الشيخ محمد الخضر حسين ﵀ بهذا أرسل إليه قائلاً: إن لم تعتذر عما قلت علناً في الصحف والنشرات فسألبس كفني غداً وأذهب وكل من معي من العلماء إلى ميدان التحرير، فأرسلوا إليه يعتذرون سراً، فقال: لا أقبل إلا أن يكون الاعتذار أمام الناس جميعاً على صفحات الجرائد وفي الإذاعات المسموعة، فخرجت الصحف بالاعتذار، وأنها قد كذبت فيما قالت، وأن الصواب كذا، واعتذر محمد نجيب عما صرح به؛ لوقفة العالم الذي لا يتبع الهوى، ولا يصدر الفتوى حسب الطلب.
وفي عام ١٩٨٩م صدرت الفتاوى بأن ختان الإناث مشروع في الكتاب والسنة، وفي عام ٢٠٠٣م صدرت بأن ختان الإناث غير مشروع أيضاً في الكتاب والسنة، وفي أول سنة ١٩٩٨م صدرت الفتاوى بأن فوائد البنوك حرام بإجماع أهل العلم، وفي آخرها صدرت الفتاوى بأن فوائد البنوك حلال، فما هذا يا عبد الله؟ نسأل الله العافية.
فيجب أن تحترم علمك ولا تخف في الله لومة لائم، وقل الحق ولا تخش إلا الله ، ولا تحافظ على مقعدك أو على مكسبك المادي، ولا تبع دينك بدنيا غيرك، واعلم أنك إن قلتها مت وإن لم تقلها مت، فقلها ومت يا عبد الله! فالحق أبلج والباطل لجلج، وإذا سئلت عن النقاب، فلا تقل: ليس له أصل في شرع الله، وهو عادة جاهلية، وأنت أستاذ في التفسير، تقرأ كتب التفسير وتعلم ما في ابن كثير والطبري، فهل كان العلماء جهلة وأنت الذي تصحح لهم؟ فلابد للعالم أن يكون جريئاً.
ولما خرج مروان بن الحكم إلى صلاة العيد أخرج المنبر إلى المصلى، وهذا بدعة، فمن السنة أن يخطب الخطيب وهو واقف على الأرض، فلما رأى أبو سعيد المنبر في مصلى العيد ومروان بن الحكم يريد أن يعتلي المنبر ليخطب الناس أمسك به وقال: لقد غيرتم والذي نفسي بيده، يعني: يمسك ولي الأمر أمام الناس مراعاة للمصالح والمفاسد.
والعز بن عبد السلام سلطان العلماء لما خرج ولي الأمر يسير في الطريق العام والناس حوله قال له بصوت مرتفع: يا فلان! فقال: من المنادي؟ قال: أنا
стр. 187
الواجب على طلبة العلم تجاه هذه الظاهرة
أما ما يجب على طلبة العلم تجاه العلماء فهو: أولاً: أن يفرقوا بين التجريح الشخصي وبين إظهار الحق، فإظهار الحق لا بأس به، ولكن بدون تجريح، فالفرق بين هذا وهذا كبير.
ثانياً: أن يجلوا العلماء ويحترموهم ويعرفوا لهم قدرهم ويتقوا الله فيهم.
وقد كان الصحابي يأتي إلى بيت صحابي آخر ليسأله عن مسألة علمية فإذا وجده نائماً جلس على باب داره ينتظره حتى يخرج إليه، ولا يقلق راحة شيخه، وإنما كانوا على أدب جم في الطلب، ويوم أن ضاع هذا الأدب ضاعت هيبة العلماء وحدث ما ترونه الآن.
فظاهرة استباحة لحوم العلماء ظاهرة خطيرة، الأمر الذي دفع بعض علمائنا إلى أن يؤلف كتباً في هذه الظاهرة، ومنها لحوم العلماء مسمومة للدكتور ناصر العمر حفظه الله تعالى، والدكتور بكر أبو زيد له كتاب موقف علماء الأمة من الوقيعة في علماء الأمة، وكذلك الشيخ المقدم وغيره من علماء الأمة الذين صنفوا في هذه الظاهرة.
فإياك إياك أن تنجر إلى هذه الظاهرة، وتحذر من علماء الأمة، ولكن حث الناس على طلب العلم.
وبين الحق دون جرح، ودون غيبة أو نميمة.
أسأل الله سبحانه أن يطهر ألسنتنا، وأن يرزقنا علماً نافعاً وقلباً خاشعاً.
стр. 188
الأسئلة
стр. 189
كيفية التعامل مع أخطاء العلماء
السؤال
هل من الوقوع في العلماء أن نبين من نعلم وقوعهم في بعض البدع العقدية مثل الإرجاء؟
الجواب
لا ليس من الوقوع فيه، وقل: من قال كذا فقد أخطأ والصواب كذا، ولا تجرح وتحذر وتقول: هو مرجئ؛ لأن لازم المذهب ليس بمذهب، فربما يقول قائل قولاً هو قول المرجئة وهو ليس من المرجئة، فلا تصنف الناس إلى مرجئة ومعتزلة وخوارج، وبين الحق دون تجريح، وإن كان الأولى أن تتصل بمن قال حتى يصحح قوله، فإن أبى أن يصحح قوله فصححه أنت دون تجريح، وقد كان ﷺ يقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا)؟ فبين أن هذا الفعل أو القول بدعة، وأنك إنما تريد له الخير، دون تجريح لشخصه.
стр. 190
مدى صحة القول بأن اختلاف العلماء رحمة
السؤال
هل القول بأن اختلاف العلماء رحمة صحيح؟
الجواب
ليس بصحيح مع الإطلاق، فالاختلاف ليس رحمة على الإطلاق، وإنما إن أخذنا هذا القول ليكون منطلقاً للبحث عن الحق، فهذا هو الصواب.
стр. 191
القدوة السيئة في الالتزام
السؤال
ابنتي تدرس في كلية طب عين شمس وكان تقديرها قبل أن تلبس النقاب جيد جداً في كل سنة، وبعد أن لبست النقاب أصبحت تنجح بصعوبة، وتريد ترك الكلية بحجة أن التعليم للمرأة حرام، فما رأي الدين في ذلك؟
الجواب
هذه من الظواهر التي تؤلمنا كثيراً، فقبل الالتزام يكون الشاب أو الفتاة في الدراسة متفوقاً أو متفوقة تماماً، ومتقدماً على الجميع، ويضرب به المثل في التفوق، ثم بمجرد أن يلتزم أو أن تلتزم يعود إلى الوراء، ويقول: إني أطلب العلم، وينام إلى الساعة الثانية عشرة بحجة أنه يصلي الفجر ويجلس حتى الشروق يقرأ القرآن ويردد أذكار الصباح، فيكون نموذجاً سيئاً في الالتزام، فهذا معناه أنه يتأخر بالالتزام، فهذه كان تقديرها جيد جداً في كل سنة وبمجرد أن لبست النقاب أصبحت تنجح بصعوبة، فربط الأب بين النقاب وبين تأخرها، فهذه تعطي قدوة سيئة، وتقول للناس بلسان الحال لا بلسان المقال: إن النقاب سبب في التأخر، وقد ظنت بأنها ستتقدم.
وبعض الإخوة قبل التزامه كان يذهب إلى العمل الساعة الثامنة ويعود الساعة الثانية تماماً، وكان ملتزماً في حضوره وانصرافه بنسبة ١٠٠%، وبعد التزامه أصبح يذهب الساعة الثامنة ويرجع الساعة الثامنة وخمس دقائق، ويوقع في الدفتر الحضور والانصراف في وقت واحد، وهو يعطي بذلك نموذجاً سيئاً للالتزام، فقد كان قبل الالتزام يعمل ويعرق ويكسب ويأتي بما يكفيه وبعد الالتزام لا عمل ولا طلب الرزق، وإنما يعيش هكذا.
فهذه النماذج هي التي تعطي لأعدائنا فرصة لتهجم علينا.
فيا أيتها الأخت الفاضلة! اتق الله في نفسك، وكوني طبيبة للنساء؛ حتى نرسل لك الزوجات، أو طبيبة للأطفال؛ حتى نرسل لك الأبناء بدلاً أن ندفع الأبناء والزوجات إلى أطباء علمانيين لا يتقون الله ، وتعلمي هذا العلم، وادفعي عن الأمة الشر، وابتغ بعلمك وجه الله، ونفع الأمة.
والجامعة فيها اختلاط، والاختلاط حرام لا شك في هذا، لا يختلف في ذلك اثنان، ولكن لابد من مراعاة المصالح المترتبة على ذلك، بمعنى إن استطعت أن تعتزلي فاعتزلي، والمحاضرة التي ليس لك أن تحضريها فكلفي غيرك من أخواتك أن تتناوب معك في الحضور على قدر الاستطاعة، وهي مدة زمنية ستنتهي.
وأسأل الله أن يوفقك، وأن يدفعك إلى الأمام، وليس هذا إلا من حبنا لك.
стр. 192
حكم البول قائماً
السؤال
إذا تبول الرجل قائماً هل يجب عليه أن يزيل رذاذ البول الذي لا يراه، وكيف يزيله؟
الجواب
التبول قائماً مكروه إلا من عذر، والعذر: أن يجد في ساقه تعب لا يستطيع بسببه الجلوس، أو أن يكون في مكان بحيث إذا تبول وهو جالس أرتد عليه البول فيتبول من مكان مرتفع، كحديث حذيفة: (أتى النبي ﷺ سباطة قوم فبال وهو قائم).
وهذا حديث صحيح، ولكن هذا من عذر، وأما أن تتبول وأنت قائم بدون عذر فهذا لا يجوز أبداً، وهو من خوارم المروءة.
والله تعالى أعلم.
وكذلك شرب الماء يستحب الشرب جالساً، وليس على سبيل الوجوب.
стр. 193
حكم الإقامة في بلد لا يمكنك إقامة الدين فيه
السؤال
ما حكم الدين في إقامة المسلمين في بلاد الكفر، وما موقف الأخوات في فرنسا إذا ما طبق عليهن قانون الحجاب؟
الجواب
ينبغي عليها دون تردد أن تهجر هذا البلد؛ لأن البلد الذي يمنع فيه المسلم من إقامة فروض دينه ينبغي عليه أن يهجره، ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء:٩٧].
ومن هنا بين العلماء أن البلد الذي تمنع فيه من الصلاة يجب عليك أن تهجره لإقامة دينك، والحجاب كالصلاة، فالحجاب فرض، وشأنه شأن الصلاة، وقد أمر النبي ﷺ الصحابة بالهجرة إلى المدينة ومن قبلها إلى الحبشة؛ لأنهم كانوا يضطهدون في دينهم، وهذا كلام معروف، ومجمع البحوث أصدر بياناً نشرته الجرائد بهذا الذي أقول.
стр. 194
ما يحل للعاقد من زوجته المعقود عليها
السؤال
هل للزوج أن يأخذ من زوجته كل شيء قبل الدخول إلا الجماع؟
الجواب
يعني: أنت منتظر حتى تعقد وبعد هذا تأخذ كل شيء، خذ كل شيء إلا الخلوة.
стр. 195
ما يحق للخاطب والعاقد
السؤال
ما هو الحق الشرعي للخاطب والعاقد؟
الجواب
الخاطب ليس له حق، والعاقد بينا.
السؤال: هل العاقد يقبل يا شيخ! أيضاً؟ الجواب: العاقد يقبل مطمئناً، وبعض الأخوات يهدرن هذا الحق، فلا تدعه يلمس حتى يدها، واليوم بمجرد أن يخطب ويقرأ الفاتحة ويلبس الدبلة وهذا تقليد غير إسلامي تقول أم المخطوبة لبنتها: يا ابنتي أخرجي مع خطيبك قليلاً، وتمشي معه إلى الساعة الثانية في الليل، وتجلس تكلم خطيبها في التلفون من الساعة الرابعة إلى الساعة العاشرة.
نسأل الله العافية.
والخطيب ليس له حقوق على مخطوبته، بل هي ما زالت أجنبية عنه، وأما العاقد فهو زوجها، ولكن ليس له أن يختلي بها.
стр. 196
حكم قلة المهر
السؤال
شخص تزوج بخمسة عشر جنيهاً، هل قلة الصداق يكون استهزاء؟
الجواب
لا، (أقلهن مهوراً أكثرهن بركة)، والمعنى: أن المرأة إذا كان صداقها قليلاً كانت مباركة، وقد يكون المهر عيناً ومالاً، أو قرآناً، فيعلمها ما معه من القرآن، ولم نر في مجتمعنا أحداً قال لشاب: زوجتك ابنتي على ما معك من القرآن؟ واليوم الذهب بثمانين جنيهاً، والرجل يريد لابنته مائتي جرام بستة عشر ألفاً؛ لأن أختها تزوجت بمائتي جرام، وقد تزوجت أختها يوم أن كان الذهب بعشرة جنيه، ويريد لها أربع حجرات، وهناك بعض الناس يوصي بعضهم البعض باقتناء الدش من أجل أن يسمعوا كذا أو كذا.
وهذه الأمور ينبغي علينا أن نراعيها.
стр. 197
حكم منع الزوج من الزواج بأكثر من واحدة
السؤال
ما حكم منع الزوج من الزواج بأكثر من واحدة؟
الجواب
إذا كان الزوج يستطيع العدل فلا يمنع من التعدد بحال؛ لأن الله أباحه.
стр. 198
حكم اعتبار رضا الزوجة في التعدد
السؤال
إذا كانت الزوجة ليست راضية؟
الجواب
لم يشترط العلماء للتعدد موافقة الزوجة إلا إذا اشترطت في العقد أن لا يجمع عليها أخرى.
стр. 199
مدى صحة القول بأن عمرو بن العاص كان يرغم الناس على الدخول في الإسلام بحد السيف
السؤال
إذا كانت السماوات سبع فأين الأرضون السبع، وما صحة القول بأن عمرو بن العاص كان يرغم الناس على الدخول في الإسلام بحد السيف؟
الجواب
هذه شبهات رد عليها العلماء، فالسماوات سبع والأرضين سبع، ولكن بعض العلماء يقولون: إن الأرضين سبع إلى أسفل وأن السماوات إلى أعلى، وأن القشرة الأرضية مركز الكون.
وأما قولك: إن عمرو بن العاص أدخل الناس بحد السيف فهذا غير صحيح مطلقاً؛ لأن الله قال: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦]، وعمرو بن العاص كان صحابياً يتبع سنة النبي ﷺ ، ومن سنة النبي ﷺ أنه كان يدعو الناس إلى الإسلام، فإن أبوا دفعوا الجزية، فإن أبوا قاتلهم.
هذا والله تعالى أعلم، وللحديث بقية إن شاء الله.
стр. 200
المطهرات من الذنوب والمعاصي
الإنسان في حياته كثيراً ما يقع في الذنوب والمعاصي، ومن رحمة الله به أنه لم يغلق دونه باب التطهر والتحرر منها، وإنما جعل له سبحانه مطهرات ومكفرات ماحية لها، فعلى الإنسان أن يبتعد جهده عن الذنوب، وإن وقع في شيء منها بادر بغسلها بالتوبة والرجوع إلى ربه .
стр. 201
أحوال العباد حال خروجهم من الدنيا
الحمد لله رب العالمين، ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة:٧ - ٩].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:٣].
خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة في قرار مكين، ثم خلق النطفة علقة سوداء للناظرين، ثم خلق العلقة مضغة بقدر أكلة الماضغين، ثم خلق المضغة عظاماً كأساس لهذا البناء المتين، ثم كسا العظام لحماً فهي له كالثوب للابسين، ثم أنشأه خلقاً آخر، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٤ - ١٦].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، يغني فقيراً، ويفقر غنياً، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، قلوب العباد بين أصبعين من أصابعه يقلبها كيفما شاء وحسبما أراد، فاللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك.
وأشهد أن نبينا ورسولنا وشفيعنا وسيدنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين والملأ الأعلى إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: حديثنا اليوم بحول الله وفضله بعنوان: المطهرات من الذنوب والآثام، أسأل الله أن يطهرنا من المعاصي، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
إن العبد يخرج من هذه الدار الدنيا دار الغرور إما خبيثاً محضاً كحال المشركين فمآله إلى دار الثبور، وهي جهنم، يخلد فيها ولا يخرج منها؛ لأن من مات على الشرك لم يخرج من جهنم أبد الآبدين.
وإما أن يخرج منها طيباً محضاً فمآله إلى دار السرور الجنة، وهذا حال الأنبياء ومن سار على نهجهم برحمة الله وفضله، وإما أن يكون قد خلط عملاً صالحاً بآخر سيئاً كحالنا نحن، فيحتاج إلى ما يطهره قبل لقاء ربه .
стр. 202
أنواع المطهرات من الذنوب
ولقد قسم العلماء هذه المطهرات إلى عشرة مطهرات تطهر العبد، تسعة منها في الدنيا والآخرة، والعاشر إن دخل النار فإنه يدخلها للتطهير من ذنبه؛ لأن القاعدة تقول: لا يدخل الجنة مشرك ولا يخلد في النار موحد؛ لأن الله يقول: (أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله، وعمل من الخير ما يزن ذرة)، وهذا أمر هام؛ لأنه يفرق بين عقيدة أهل السنة وعقيدة الخوارج -وهي فرقة من فرق الضلال- حيث يقول أهل السنة: إن المسلم الموحد إن دخل النار فإنما يدخلها للتطهير من خبثه ولا يدخلها للخلود، وإنما يخلد في النار أهل الشرك والكفر، والنبي ﵊ يقول كما في حديث أبي ذر الصحيح: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، قال أبو ذر: وإن زنا وإن سرق يا رسول الله؟! قال: وإن زنا وإن سرق وفي الثالثة قال: وإن زنا وإن سرق رغم أنف أبي ذر).
يقول ابن حجر في فتح الباري: والمقصود عند بعض العلماء: أنه يدخل الجنة بعد أن يطهر من ذنوبه في النار.
والمطهرات العشر هي: التوبة النصوح، ثم الاستغفار، ثم الحسنات الماحية، ثم المصائب الدنيوية، ثم سكرات الموت، وضمة القبر، وكرب يوم القيامة، والشفاعات وعلى رأسها شفاعة الحبيب محمد ﷺ ، ثم عفو الله : ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران:١٢٩].
ولذلك قالوا: لا كبيرة إذا قابلك فضله، ولا صغيرة إذا قابلك عدله، والمقصود بهذا: إن فعلت الكبيرة ومت عليها وشاء الله أن يعفو عنك عفا عنك، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣].
وفي الصحيح: أن رجلاً قبل موته أمر أهله أن يحرقوه، ثم يأتوا بجسده إلى هواء شديد ويضعوا جسده أمام هذا الهواء حتى يوزع في أنحاء الأرض، ففعلوا الوصية، فأمر الله ذلك الجسد أن يجمع من كل مكان وقع فيه، ثم سأله: ما الذي حملك على هذا يا عبدي؟! قال: يا رب! استحييت أن أقف بين يديك، وأنا مذنب، فإذا بالله يقول: أشهدكم يا ملائكتي! أني قد غفرت له.
ويقول النبي ﷺ : (لا يدخل أحدكم الجنة بعمله).
ولا يدخلها إلا برحمة الله وبفضله.
إن الذنوب درن وخبث، وربنا يقول في هذا: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤].
فكل معصية تعصي الله بها تطبع في قلبك نكتة، فإن نظرت إلى امرأة متبرجة نكت في الحال في قلبك نكتة سوداء، وإن فعلت منكراً نكت في قلبك نكتة سوداء، كما قال الحبيب ﵊: (حتى تصير القلوب على قلبين: قلب أبيض كالصفاء)، وهو قلب المؤمن كما قال الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، (وقلب أسود منكوس).
ومرض القلوب أشد على العبد من مرض الأبدان؛ لأن مرض القلب يترتب عليه أن تخسر الآخرة، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١].
ومرض الدنيا لا يترتب عليه ذلك.
стр. 203
التوبة النصوح
المطهر الأول: التوبة النصوح، (والتوبة تجب ما قبلها)، كما قال النبي ﵊، ولابد أن نعلم أن كل المعاصي يغفرها الله حتى الشرك ما دام العبد في الدنيا، كما قال الله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣].
وأما في الآخرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
فيا أيها العبد العاصي! إنك في أيام بركة, فعد إلى ربك ، وطهر نفسك من دنس الذنوب والمعاصي قبل أن يأتيك ملك الموت فتنادي بأعلى صوتك: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]، تقول: رب! أعدني إلى الدنيا لأعمل صالحاً ولأصلي الجماعات ولأقرأ القرآن ولأذكرك ولآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠].
فعد إلى ربك، فالنفس قد يخرج ولا يعود، وقد يعود ولا يخرج، ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤].
وقد اشترط العلماء للتوبة شروطاً، وهي: الشرط الأول: أن يندم العاصي على معصيته.
الشرط الثاني: أن يقلع العاصي عن المعصية، فإن كنت مع أصدقاء سوء فاهجرهم، لأن ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧].
وكل الصداقات الزائفة في الدنيا تنقلب إلى عداوات يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة:١٦٦]، وقد كان هؤلاء الأتباع يهتفون في الدنيا بحياتهم ويقيمون لهم السرادق ويهتفون بحياتهم، وأما يوم القيامة فقد ﴿تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة:١٦٦ - ١٦٧].
وأول من يتبرأ منهم الشيطان الذي زين لهم المعاصي، وأضلهم عن ذكر ربهم، ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم:٢٢].
وفي سورة (ق) يقول ربنا سبحانه: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [ق:٢٧]، فقرينه الجني يقول: يا رب! أنا ما أطغيته، بل هو الذي ضل، فيقول الله لهما: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٨ - ٢٩].
الشرط الثالث: العزم على عدم العودة، فالعزم من عمل القلوب, فلا تقل: تبت، وأنت مصر على العودة إلى المعصية، فهذا استهزاء.
الشرط الرابع: رد المظالم إلى أهلها إن كانت حقوقاً لآدميين.
فإن توفرت هذه الشروط الأربعة في التائب فإن الله يبدل سيئاته حسنات، ولا ينبغي علينا أن نذكر العاصي بمعصيته، أو نفضحه بذنبه، فالمؤمن يستر وينصح، والمنافق يهتك ويفضح، ومن ثم يأمرنا ربنا بالإعراض عن الزانية والزاني إن تابا قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١٦].
فالكلام عن أخبار الفواحش لا يجوز شرعاً؛ لأن فيه إشاعة الفاحشة وتشهيراً بالعاصي على الملأ، وإنما ينبغي الأخذ بيد العاصي وستره، بحيث إذا عاد إلى ربه لا نذكره بمعصيته، ومن منا لم يعص الله؟ وما منا إلا من قد ستره الله ولم يفضحه، (ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)، وفي الحديث الصحيح أن رجلاً قد قتل تسعاً وتسعين نفساً، فهو سفاك، سفاح، ومتخصص في إهدار الدماء، فأراد أن يتوب إلى الله، فسأل عن أعلم أهل الأرض، وحسن السؤال نصف العلم، (قال: دلوني على أعلم أهل الأرض)، ولم يقل: أعبد وإنما قال: أعلم، (فدلوه على راهب)، ولكن الراهب ما كان عالماً، فأتاه فقال: (هل لي توبة؟ قال له: لا، ليست لك توبة، فقتله فأتم به المائة).
فقتل مائة نفس، وربنا في القرآن ما توعد أحداً بوعيد كما توعد الذي قتل نفساً مؤ
стр. 204
الاستغفار
المطهر الثاني: الاستغفار، والنبي ﵊ كان يستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة، ونوح قال لقومه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح:١٠ - ١٢].
وكل ذلك باستغفار الله ، فينبغي على العبد أن يكثر من استغفار ربه، ومن سمات الأتقياء الصالحين ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨].
فهم يطلبون المغفرة من الله.
وسيد الاستغفار أن تقول: (اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).
وليكن شعارك: إلهي لا تعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني وكم من زلة لي في البرايا وأنت علي ذو فضل ومن يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعف عني فطلب المغفرة يكون من الله، وفي آخر البقرة ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦].
وقد أخرج الإمام التقي الحافظ الزاهد ابن أبي الدنيا في كتابه الدعاء المستجاب -وقد زادت مصنفاته عن المائتين مصنف، وهو مؤدب أولاد الخلفاء في العهد العباسي- (منع بنو إسرائيل القطر من السماء فجاءوا إلى موسى ﵇ يقولون له: يا كليم الله! ادع لنا ربك أن ينزل الغيث، فدعا موسى ربه وهم يؤمنون خلفه -يقولون: آمين- ولكن الغيث لم ينزل، فأوحى الله إلى موسى: يا موسى فيهم عبد عصاني أربعين سنة مرة فأمره أن يخرج من بين صفوفهم).
فالله بسبب هذا العاصي حجب الماء، فنقول لأصحاب المعاصي الذين يحولون رمضان إلى منكرات وسهرات باطلة ويتنافسون على ما يقدمونه للناس من ضلال: اتقوا الله في خلقه، واتركوهم يعبدون ربهم، أما يكفيكم إضلال البشر في أحد عشر شهراً، حتى تكرسون الجهد وتضاعفون الضلالة في رمضان؟ (ونادى موسى على العبد العاصي: أيها العبد! اخرج من بين صفوف الناس، فلقد حرمنا الماء بسبب معاصيك، ووصل النداء إلى العبد بإذن الله، فعلم أنه هو المقصود، فطأطأ الرأس، وقال: يا رب! عبد عصاك الآن يستغفرك ويتوب إليك، رب استرني ولا تفضحني، فاطلع ربنا على صدق توبته وحسن استغفاره، فأوحى إلى موسى: أن ادع الله، وأمن الناس فنزل الماء مدراراً، فقال موسى لربه: العبد لم يخرج يا رب! قال: يا موسى! بسببه سقيتكم الماء، فقال موسى لربه: دعني أنظر إليه، فقال: يا موسى! لم أفضحه وهو عاص، فكيف أفضحه وهو تائب؟).
فالله يحب من العباد أن يستروا أصحاب المعاصي.
فالمطهر الثاني: الاستغفار ولاسيما في الثلث الأخير من الليل، عندما تنام العيون إلا عين الحي الذي لا ينام، فقم في ذلك الوقت، الذي (ينزل الله إلى السماء الدنيا وينادي: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟) كما قال النبي ﵊.
стр. 205
الحسنات الماحية
المطهر الثالث: الحسنات الماحية، يقول الحبيب ﷺ : (وأتبع السيئة الحسنة تمحها).
ويقول ربنا: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤].
ومن ثم شرعت الكفارات؛ لتطهر العبد من دنس المعاصي.
وقد قال بعض أهل العلم: إن جامع الرجل زوجته وهي حائض استحب له أن يكفر عن تلك المعصية بالتصدق بنصف دينار؛ لأن الصدقة تطهره من هذا الذنب، وكلما كان للذنب كفارة كانت الرحمة من الله، وهناك ذنوب عظيمة ليست لها كفارة، كاليمين الغموس، وهي الحلف بالله كاذباً ليأخذ حق أخيه، فهي ذنب عظيم ليست لها كفارة لعظمها، فإذا اختفت الكفارة فهذا يدل على أن الذنب عظيم، ومن فضل الله وكرمه علينا (أنه قد كتب الحسنات والسيئات، فمن هم بحسنة ولم يفعلها كتبت له حسنة فإذا فعلها كتبت له عشرا).
وفي الحديث الآخر: (اقرءوا القرآن فإن الله يأجركم على تلاوته).
وكل حرف بعشر حسنات، فإذا قرأت: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١ - ٢] فكم حسنة فيها؟ فإن أتممت البقرة فحدث ولا حرج عن أجر ربك .
وفي الحديث الآخر: (دخل رجل على رسول الله وقال: السلام عليكم، فقال النبي ﷺ : عشر حسنات، ثم دخل آخر وقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال النبي: عشرون، ثم دخل الثالث فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال النبي: ثلاثون).
وفي الحديث الآخر: (من صلى الفجر في جماعة وجلس يذكر الله في مصلاه حتى تشرق الشمس ثم صلى ركعتين كتبت له حجة وعمرة تامة تامة تامة).
فكم نفرط في الأجر؟.
في حديث أبي هريرة في كتاب الإيمان عند البخاري يقول ﷺ : (من صلى على جنازة ثم تبعها حتى يفرغ منها كتب له قيراطان، كل قيراط كجبل أحد.
فبكى أبو هريرة وقال: كم ضيعنا والله من قراريط).
وإن كان أبو هريرة ضيع قراريط فماذا ضيعنا نحن؟ والمسلمون منهم من تدخل الجنازة إلى المسجد ويظل ينتظرها خارج المسجد، لا يصلي فرضاً ولا نفلاً ولا على الجنازة، وإنما ينتظر خروجها ليتبعها، ولا يوجد شيء يمنعه أن يصلي الفرض والجنازة إلا إذا كان عنده حيض في زمن يحيض فيه بعض الرجال! نسأل الله العفو والعافية.
وجمع الحسنات يسير على من يسره الله عليه، ففي الحديث (كلمتان خفيفتان على اللسان حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم).
ولعل هذا الحديث هو دليل الشيخ حافظ حكمي صاحب كتاب معارج القبول على وزن العامل أو العمل أو صحائف الأعمال يوم القيامة، وقد قال النبي ﷺ عن عبد الله بن مسعود: (إن قدم عبد الله أثقل يوم القيامة عند الله في الميزان من جبل أحد).
فهذا دليل على أن قدمه توضع في الميزان، فإذاً العامل يوزن.
ويقول ربنا عن المجرمين: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥].
فلا يزن المجرم جناح بعوضة، فيؤتى بالرجل الطويل العريض ويوضع في الميزان فلا يزن عند الله جناح بعوضة.
ويوزن العمل، والدليل على هذا قوله ﷺ : (ثقيلتان في الميزان)، وصحائف الأعمال توزن بدليل حديث البطاقة، (إن الله يخرج للعبد تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل منها مد البصر فيظن أنه قد هلك، فتخرج له بطاقة فيها لا إله إلا الله، فتوضع في كفة والسجلات في كفة، فلا يثقل مع اسم الله شيء).
وهذا معناه: أن صحائف الأعمال توزن.
فإذا فعلت ذنباً فسارع بفعل طاعة، فإن الحسنة بعشرة أمثالها، كما قال ربنا سبحانه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ [الأنعام:١٦٠].
يقول ابن القيم: إن الله قال: (من جاء) ولم يقل: من فعل؛ لأنه ربما يفعل الحسنة ولكنه يبددها ويحبطها قبل لقاء الله، ثم يأتي مفلساً يوم القيامة، وقد يأتي بحسنات من صيام وحج وزكاة وأمر بالمعروف، ولكنه يأتي وقد شتم هذا وأكل مال هذا وقذف عرض هذا واغتاب هذا وفتن على هذا ووقع في عرض هذا، ولابد من القصاص، فهذا يأخذ من حسناته وهذا يأخذ من حسناته، فهو مسكين، يفعل الحسنات لغيره، فهو يصلي لغيره، حتى إذا انتهت حسناته أخذ من سيئاتهم وطرحت عليه، ثم طرح في نار جهنم.
نسأل الله العافية.
أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 206
المصائب الدنيوية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
المطهر الرابع: المصائب التي تنزل بالعبد المؤمن، فكل مصيبة تنزل بك فتصبر عليها، لأن الله يكفر بها من خطاياك، حتى الشوكة تدخل في قدمك تكفر الخطايا، وإذا تعددت المصائب على العبد فصبر عليها فليعلم أن هذا تمحيص وابتلاء، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٦].
فالمصائب التي تنزل على العبد يكفر الله بها من ذنوبه.
стр. 207
سكرات الموت
والمطهر الخامس: سكرات الموت، وهي كرب الموت وشدته، وأهوال الموت لم ينج منها أحد ولو نجا منها أحد لكان أحق بالنجاة منها الحبيب محمد ﷺ ، ففي صحيح البخاري أنه لما جاءه الموت ودخل في سكراته أمر عائشة أن تأتيه بإناء، فوضعوا الإناء بجواره، فكان يأخذ من الماء البارد ويصب على رأسه الطاهرة ويقول: (لا إله إلا الله إن للموت لسكرات، اللهم هون علي سكرات الموت).
(ودخل ابن مسعود عليه وهو يوعك وعكاً شديداً فقال: يا رسول الله! إنك لتوعك وعكاً شديداً، فقال: إني أوعك كما يوعك رجلان منكم، فقال ابن مسعود: ذلك لأن لك أجرين؟ قال: أجل).
فكلما اشتدت السكرات زاد الأجر.
وكما قال ابن تيمية شيخ الإسلام: حال الروح مع الجسد كحال الماء مع الإسفنجة، فالإسفنجة حينما تمتص الماء يكون الماء في كل أطرافها، وكذلك الروح تسكن في كل أنحاء الجسد، فعندما يأتي ملك الموت يجمعها من القدمين ومن الساقين إلى الفخذين ثم إلى البطن ثم إلى الصدر حتى تصل الحلقوم ثم إلى التراقي، ثم عند ذلك ينزعها ملك الموت لتفارق الجسد؛ لأن الموت عند العلماء هو مفارقة الروح للجسد، فإذا أراد ملك الموت أن ينزعها شعر العبد عند ذلك بشدة وبكرب شديد، ولذلك يقول ربنا: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [ق:١٩ - ٢٠].
стр. 208
ضمة القبر
المطهر السادس: ضمة القبر، للقبر ضمة لن ينحو منها أحد؛ لأن سعد بن معاذ سيد الأنصار الذي اهتز عرش الرحمن لموته كما عند البخاري ما نجا من ضمة القبر، وهذه الضمة يكفر الله بها من خطايا العبد المؤمن.
стр. 209
كرب يوم القيامة والشفاعات
ثم كرب يوم القيامة وساعات الانتظار تكفر الخطايا والذنوب.
ثم الشفاعات يشفع الله فيك من شاء، وسنتكلم عن الشفاعة بعد الجمعة إن شاء الله لأهميتها.
стр. 210
عفو الله
ثم عفو الله .
فإن مررت على هذا كله وشاء الله أن تدخل النار فإنك تدخلها للتطهير لا للخلود.
стр. 211
حال الأمة الإسلامية اليوم
إن المتأمل في واقع الأمة الإسلامية اليوم يجد أن الأمر قد تبدل، وأن المهانة قد علت على هذه الأمة التي هي ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠].
فلما دخل التحالف الشمالي الأثيم إلى أفغانستان المسلمة خلع النساء النقاب.
وإخوان القردة والخنازير لا يريدون لأي بلاد أن يكون فيه سمت إسلام أو نقاب أو لحية أو صلاة أو حكم بالشرع، مع أنه حتى البقر لها بلد تحميها، فالهندوس في الهند يعبدون البقر بحرية، وأما الإسلام فليس له الآن إلا الله رب العالمين، فكلما أرادت بلد أن تطبق شرع الله أو تلزم به الرعية اجتمع عليها إخوان القردة والخنازير، فهم لا يريدون أن يقوم للإسلام قائمة، وأنا أقول لهم: إن دين الله قادم، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧].
وبالأمس القريب أصدر جورج بوش اللعين الملعون عليه من الله ما يستحق قراراً لأتباعه أن يضعوا السودان والصومال واليمن على رأس خريطة ضرب دول العالم الإسلامي، والدور سيأتي تبعاً على الباقي يا عباد الله! أسأل الله سبحانه أن ينصر الإسلام ويعز المسلمين.
اللهم انصر دينك في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم مكن لدينك في الأرض يا رب العالمين.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.
اللهم إنا نسألك رفعة لراية التوحيد في ربوع العالم يا رب العالمين! وأن تمكن لدينك في الأرض يا رب! وأن تنتقم من الكفرة المشركين، وتمكن لعبادك المستضعفين.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم اعف عنا، وعلى طاعتك أعنا، ومن شرور خلقك -يا رب! - سلمنا.
اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين.
اللهم تقبل صلاتنا وصيامنا وقيامنا وسجودنا، واختم يا رب! بالباقيات الصالحات أعمالنا.
آمين آمين آمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 212
الشفاعة
من مطهرات الذنوب الشفاعة، وقد وجد في زماننا الآن من يتحدث عن عدم ثبوتها، وعندنا الآن حرية كفر لا حرية فكر، فهم يقولون: حرية فكر، ونحن نقول: حرية كفر وردة، فالآن من يريد أن يتحدث يتحدث في كل شيء، حتى وإن طعن في القرآن، أو في الصحيح المتواتر الثابت عن النبي ﵊، مع أن الشفاعة متواترة، يقول الشيخ التاؤدي ﵀: مما تواتر حديث من كذب ومن بنى لله بيتاً واحتسب ورؤية شفاعة والحوض ومسح خفين وهذي بعض فالشفاعة أحاديثها متواترة، ومنكر المتواتر كافر عند العلماء؛ لأن المتواتر يفيد العلم القطعي؛ لأنه رواه جمع عن جمع عن جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب، والشفاعة نقلت إلينا بالتواتر.
стр. 213
أقسام الشفاعة
الشفاعة تنقسم إلى قسمين: شفاعة في الدنيا، وشفاعة في الآخرة.
стр. 214
أقسام الشفاعة في الدنيا
شفاعة الدنيا تنقسم إلى قسمين: شفاعة مقبولة مأمور بها، وشفاعة مردودة محرمة.
فأما الشفاعة المقبولة فهي: أن تشفع لنصرة مظلوم على ظالم، أو أن تشفع لإيصال حق لصاحبه، أو أن تشفع لقضاء مصلحة لأخيك المسلم، وفي ذلك يقول ﷺ : (اشفعوا تؤجروا).
ويقول الله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء:٨٥].
وأما الشفاعة المردودة فهي الشفاعة لتعطيل حد من حدود الله، أو لنصرة ظالم على مظلوم، وقد حاول ذلك أسامة ﵁ يوم أن جاء يشفع للمرأة التي سرقت فقال: يا رسول الله! المرأة في مجتمعها لها حسب ونسب فلا تقم عليها الحد، فقال النبي ﷺ : (أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟! والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها).
فهذه شفاعة مردودة، ولذلك يقول ربنا: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء:٨٥].
وفي البخاري أن مغيثاً كان متزوجاً من بريرة، فأعتقتها السيدة عائشة، فأصبحت حرة لها أن تختار إما أن تظل مع زوجها وإما أن تخلع نفسها منه، فخلعت نفسها، وكان مغيث يحبها فكان يبكي خلفها، وكان النبي ﷺ يقول لعمه العباس: (ألا تعجب يا عم! من حب مغيث لـ بريرة ومن بغض بريرة لـ مغيث)، ولذلك قال النبي ﷺ : (يا بريرة! زوجك مغيث عودي إليه، قالت: يا رسول الله! أتشفع أم تأمر؟ قال: بل أشفع، قالت: إذاً: أنا لا أريده يا رسول الله!).
ففرقت المرأة بين الشفاعة والأمر، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦].
فإذا أمرت امرأة بالحجاب أو الرجل بإعفاء اللحية فليس لهما إلا أن يقولا: سمعنا وأطعنا، وينفذان الأمر دون مناقشة أو معرفة العلة.
يقول عمر للحجر الأسود: والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك.
فاتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، كما قال ابن مسعود.
стр. 215
أقسام الشفاعة في الآخرة
أما الشفاعة في الآخرة فقد قسمها العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية والطحاوي في الطحاوية وغيرهما إلى أنواع متعددة: شفاعة المقام المحمود، وهي الشفاعة الثابتة لنبينا ﵊؛ لقول ربنا سبحانه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩].
والشفاعة لإقامة الحساب أو للفصل بين العباد في الآخرة.
والشفاعة لأقوام تساوت حسناتهم وسيئاتهم وهم أهل الأعراف، فيشفع فيهم النبي ﷺ فيدخلون الجنة.
والشفاعة لأناس في النار فيخرجون منها بشفاعة خير الأنام ﷺ ، كما جاء في مسند الإمام أحمد: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)، أي: أنه يشفع لهم بعد دخولهم النار.
ويشفع لأناس في النار كـ أبي طالب، فينتقل من عذاب شديد إلى عذاب أقل مع بقائه في النار؛ لأنه مات على الشرك والكفر.
والشفاعة لأناس في الجنة ليرتقوا من درجة إلى درجة أرفع منها.
следующие страницы →