← Джавами‘

Джавами‘ · id 37774

دروس الشيخ أسامة سليمان

أسامة سليمان

Полный текст (888 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

حكم اشتراط المرأة في العقد ألا يتزوج زوجها بأخرى السؤال ما الحكم في عدم موافقة الزوجة الأولى على زواج زوجها بالثانية؟ الجواب إن اشترطت ذلك في عقد الزواج فلها ذلك، وإن لم تشترط فليس من حقها أن تمنعه؛ لأنها تمنعه من أمر شرعي.

стр. 317

حكم تهنئة أهل الكتاب بأعيادهم السؤال لنا جيران من أهل الكتاب، ودائماً يبدءوننا بالتهنئة في أعيادنا، فهل يجوز لنا أن نهنئهم في أعيادهم؟ الجواب لا يجوز أن تهنئهم بأعيادهم؛ لأن الله قال في وصف عباد الرحمن: ﴿لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:٧٢]، قال بعض المفسرين: هي أعياد الكافرين.

стр. 318

حكم زواج المسلم في بلاد الكفر من أجنبية لأجل الإقامة أو الجنسية السؤال ما حكم زواج المسلم المسافر في أوروبا من أجل الإقامة؟ الجواب لا يجوز ذلك، كأن يذهب إلى ألمانيا يريد أن يأخذ إقامة أو جنسية، فيتزوج بألمانية ربما قد تكبره بسنوات، وربما لا تعرفه أصلاً، وإنما المهم والغرض من الزواج الحصول على العمل، وليس الغرض من الزواج تحقيق الحكمة منه، ثم بعد فترة تأتي له الزوجة بأصدقائها ولا يستطيع أن يقول: لا، وإن رزق منها بولد سماه باسم أجنبي! فهل يقبل هذا مسلم عاقل؟! وهل يقبل مسلم عاقل بأن يبيع دينه بقليل من المال؟! والأعجب أيضاً: أن يذهب المسلم من بلده إلى بلاد الكفر ويعود وقد غيّر اسمه، ويعود ومعه زوجة أجنبية كافرة! إنه المسخ والعياذ بالله. وأخرى: جاءتها فرصة عمل في الكويت، وكان من شروط عقد العمل أن تكون متزوجة، فتزوجت رجلاً على الورق، ودفعت له مبلغاً من المال، دون أن يقربها أو يمسها! وكل هذا من أجل الحصول على المال.

стр. 319

حكم الوكالة في الزواج السؤال هل يجوز الزواج بالتوكيل؟ الجواب نعم، وذلك إذا رأى الرجل أن يوكل غيره في العقد له على فلانة، كما يجوز له أن يوكل غيره في طلاقها.

стр. 320

حكم جعل العصمة بيد الزوجة السؤال هل يجوز أن تكون العصمة بيد الزوجة؟ الجواب عند جمهور العلماء يجوز، ومعنى العصمة بيد الزوجة: أن الزوج في عقد الزواج قد وافق على أن يطلق الزوجة متى تطلب ذلك، ودليلهم: قول الله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف:١٩]، فوكلوا أحدهم في الشراء بالنيابة عنهم. إذاً: يجوز لي أن أوكل غيري في الطلاق، أما أن العصمة بيد الزوجة بمعنى: أن أمر تطليقها إليها، فتطلق الزوج فتقول: أنتَ طالق! فهذا خطأ، وهو من الخلط الإعلامي، وإنما العصمة معناها كما ذكرنا: أن تطلب منه الطلاق، فلا يجوز له أن يمتنع، بل يجب عليه أن يطلقها، وأن يستجيب لطلبها متى طلبت، والله تعالى أعلم.

стр. 321

حكم تزويج المرأة نفسها من غير ولي السؤال امرأة تزوجت زواجاً عرفياً عند محاميها، ولكنها لا تريد أن تخبر أبناءها؛ لأنهم سيرفضون ذلك، فهل من الممكن أن تعلن هذا الزواج لأبنائها؟ وكيف تخبرهم بذلك؟ وكيف يرضى الأبناء بهذا الزواج؟ الجواب هذا الزواج باطل؛ لعدم وجود الولي، وكان يجب على هذه المرأة قبل أن تقدم على الزواج أن تخبر أبناءها، أما أن تتزوج سراً ثم تحمل ثم يكون للأبناء أخ لا يعرفونه، وربما أنجبت بنتاً ثم تموت هذه الأم ولا يعرف الأبناء أن هذه أختهم فيتزوج الأخ من أخته! إن هذا تضييع واختلاط، فأرجو أن يكون هذا الموضوع على كل الألسنة، ألا وهو: شروط الزواج الإسلامي الأربعة، وجزاكم الله خيراً، وبارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 322

طلب العلم ومأساة الأمة العلم نبراس حضارة الأمم ومعيار ارتقائها وتطورها، وقد حث الإسلام على العلم والخروج في طلبه والترحال لتحصيله؛ لما فيه من فضل ورفعة في الدنيا والآخرة، وينبغي لطالب العلم أن يلتزم الأدب؛ إذ لا علم بلا أدب، وينبغي له أن يكون مقتدياً بالسلف الصالح في طلبهم العلم، شاحذاً همته، مخلصاً لله .

стр. 323

أهمية طلب العلم والخروج لطلبه الحمد لله رب العالمين، الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة في قرار مكين، ثم خلق النطفة علقة سوداء للناظرين، ثم خلق العلقة مضغة بقدر أكلة الماضغين، ثم خلق المضغة عظاماً كأساس لهذا البناء المتين، ثم كسا العظام لحماً فهي له كالثوب للابسين، ثم أنشأه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ند له، ولا مثيل ولا نظير له، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، يغني فقيراً، ويفقر غنياً، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام. وأشهد أن نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فاللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، والملأ الأعلى إلى يوم الدين. أما بعد: فأيها الإخوة الكرام الأحباب! لقاؤنا اليوم مع رحلة من رحلات العلم، بوّب عليها الإمام البخاري في صحيحه في كتاب العلم باباً سماه: باب: الخروج إلى طلب العلم. ومعناه: الارتحال لأجل طلب العلم، فهل رأيت في زمننا أحداً يرحل لطلب العلم الشرعي؟ الجميع يرحل لقوت الدنيا ولمتاعها ولطلب الرزق وسعة العيش، فهل رأيت إنساناً يرحل من طنطا إلى المنوفية لأجل طلب العلم وهي رحلة داخلية؟ فالرحلة لطلب العلم تنقسم إلى قسمين: رحلة داخلية -أي: داخل القطر الواحد- ورحلة خارجية، فيمكن أن ترحل من مصر إلى الشام كي تطلب العلم، وانظروا إلى فتور الهمم في زماننا، وإلى ما سنتحدث عنه اليوم كما أخرجه البخاري في صحيحه. أيها الإخوة الكرام! العلم هو أثمن درة، فمن رزقه الله علماً فهو مؤشر لحب الله له، ليس دليل حب الله لي أنه أعطاني أموالاً وعقارات وأولاداً ومناصب. هذا كذب؛ فإن الله يعطي الدنيا لمن أحب ولمن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب، فإن أحبك الله يسر لك طلب العلم، وليس العلم علماً نظرياً، ليس العلم أن تحفظ النصوص وتهز المنابر، بل العلم هو العمل، فكلما ازددت علماً ازددت لله خشية وعملاً وتواضعاً. لذلك قالوا: العلم ثلاثة أشبار، من حصل الشبر الأول تكبر، ومن حصل الشبر الثاني تواضع، ومن حصل الشبر الثالث علم أنه لا يعلم، فلا تكن أبا شبر، فصاحب الشبر الأول يتكبر، وصاحب الشبرين يتواضع، وصاحب الثلاثة الأشبار يعلم أنه لا يعلم. وكذلك قالوا: من دخل إلى العلم وحده خرج من العلم وحده. والمعنى: أنه لا بد لطالب العلم من شيخ، حدثوني عن عالم من السلف لم يكن له شيخ، أما الآن فكل منا يطلب العلم على طريقته، يقرأ الكتب ويتربى على الإنترنت والسيديهات والأشرطة ويكتفي بها. لا يا عبد الله! من كان شيخه كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه، فلا تأخذ العلم من صحفي -تربى على الكتب- ولا القرآن من مصحفي -قرأ القرآن دون أن يتلقاه على يد شيخ- قديماً كان الشيخ يلقن الطلبة القرآن تلقيناً. يعني: معظم القراء الذي نسمعهم لا يعرفون إدغاماً ولا غنة ولا مداً لازماً ولا مداً منفصلاً، ولكنهم يقرءون بالتلقي عن شيوخهم، ونحن لا نقول بهذا، وإنما نقول: لا بد من تلقي العلم على يد شيخ.

стр. 324

منزلة الأدب من العلم إن الإسلام علمنا كيف نحترم العالم في زمن ضاع فيه الأدب إلا من القليل. يقول ابن سيرين: علم بلا أدب كالنار بلا حطب. ولذلك المتأمل في نصوص القرآن الكريم يجد أن قضية الأدب احتلت مساحة كبيرة في القرآن؛ وذلك لأن الأدب مقدم على العلم. قالوا: فليكن أدبك دقيقاً، وعلمك ملحاً، فأنت حين تصنع الخبز تحتاج إلى الدقيق أكثر من الملح، كذلك نريد للأدب أن يكون دقيقاً، وللعلم أن يكون ملحاً، فإذا كان العلم بغير أدب فإنه لا قيمة له ولا وزن له. وانظر إلى قول موسى للخضر: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦]. هذه الآية تحمل مجموعة من الآداب: ١ - التواضع وهضم حق النفس: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ [الكهف:٦٦]، فموسى ﵇ تابع والخضر متبوع، لم يقل موسى: أنا أعلم منه وأنا كليم الله، وأنا أحد أولي العزم من الرسل. فانظر إلى التواضع قال: ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ [الكهف:٦٦]. ٢ - يقول موسى للخضر ﵇: أنا أريد أن أتعلم على يدك، فأنت عالم وأنا متعلم. ٣ - لا أريد أن تعلمني كل ما علمت، ولكن مما علمت، أي: أعطني شيئاً مما علمك الله. وهذا معناه: أن طالب العلم لا يمكن أن يصل إلى مرتبة العالم حتى يأخذ عن كل أحد. كذلك قال الله لعيسى ﵇: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦]، هذا هو السؤال، وكان الجواب المتوقع أن يقول: لم أقل، لكن انظروا إلى هذا الأدب: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة:١١٦ - ١١٧] إلى أن قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]، يا له من أدب! كل هذه الإجابة للتأدب مع الله سبحانه. كذلك فعلها يوسف مع إخوته عندما خرج من السجن، فليس لإخوة يوسف ذنب في قضية السجن، إنما السبب المباشر فيه هو امرأة العزيز، وإخوة يوسف كان لهم ذنب في إلقائه في الجب، فانظر يوم أن التقى مع إخوته بعد طول فراق، وبعد أن تأكد أنهم دبروا له المكيدة قال لهم: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف:٩٢]، ثم قال لهم بعد ذلك: إن الله أحسن إلي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو. فما علاقة الإخوة بالسجن، هذا معناه: أنه يذكر ما لا يؤرق الإخوة. لأنه لو قال: إذ أخرجني من الجب لذكرهم بفعلهم وهو لا يريد إزعاجهم، فذكر السجن دون أن يذكر الجب. وحتى نعرف سريعاً بصحيح الإمام البخاري نقول: كتاب البخاري مقسم إلى كتب، والكتب قسمها إلى أبواب: فبدأ بكتاب بدء الوحي، ثم كتاب الإيمان، ثم كتاب العلم، ثم كتاب الوضوء، ثم كتاب الغسل، ثم الحيض، التيمم، الصلاة، مواقيت الصلاة، وهكذا قسم الكتاب إلى كتب، ثم قسم الكتب إلى أبواب. وفقه البخاري في تبويبه، أي: أن عنوان الباب يدل على فقهه. إذاً: البخاري يضع حكماً فقهياً في هذا الباب من وجهة نظره، ثم يأتي بالأحاديث التي تترجم لهذا الباب. مثلاً: حديث الليلة وهو حديث أبي بن كعب ترجم له البخاري في كتاب العلم بباب: الخروج إلى طلب العلم، ثم أعاده مرة أخرى في باب آخر، وهو باب: من سئل أي الناس أعلم؟ أي: أن البخاري قد يعيد الحديث أكثر من مرة. واللطيف أنه يجعل للمتن عنواناً آخر أي: باباً مختلفاً؛ لأن هذا الحديث يمكن أن تؤخذ منه أحكام كثيرة.

стр. 325

سوء فهم النصوص الشرعية من المصائب التي ألمت بالأمة إن حفظ النصوص العلمية سهل، لكن الفهم أن تفهم عن الله وأن تفهم مراده. تقول: اللهم يا معلم آدم وإبراهيم! علمنا، ويا مفهم سليمان! فهمنا. ومصيبة الأمة الآن تتجسد في كلمة واحدة هي سوء الفهم، ومن صفات الخوارج أنهم يقتلون الموحدين، ويقومون بعمليات ضرب السياح والنسف والقتل، وتكفير عصاة المسلمين، واستحلال الدماء، وهجر المساجد، والصلاة في الصوامع، وتكفير المجتمع، هؤلاء فعلوا كل ذلك بسبب سوء الفهم؛ لذلك نحن أمرنا أن نفهم القرآن والسنة بفهم السلف قاطبة، فـ الشافعي وأحمد وأبو حنيفة ومالك وعلماء الأمة كـ ابن تيمية وابن القيم وابن عبد البر والبغوي وابن قدامة والنووي والشوكاني يقولون في مجلداتهم: أن ختان الذكور والإناث مشروع، وإنما الخلاف في الحكم: هل ختان الإناث مستحب أم واجب؟ فـ الشافعي على الوجوب، وأحمد في رواية على الوجوب، ومالك وأبو حنيفة على الاستحباب، ولم يقل أحد من علماء الأمة أنه غير مشروع. فيأتي أحد الناس ويهمل هذا الفهم، ويشذ ويخرج عن سلف الأمة، ويأتينا بفهم جديد، فإننا نقول له: شققت عصا الطاعة وخالفت الجماعة، وجئت بفهم جديد لمصلحة من؟ ولحساب من؟ فالكتب مليئة بالحكم الشرعي. عد إليها، هل أنت مالكي أم حنبلي أم شافعي أم حنفي؟ هذا إذا كنت تدعو إلى التمذهب، فإن قلت: أنا مذهبي كذا. فإن أئمة المذاهب الأربعة ذهبوا إلى أنه مشروع، واليوم ظهر مذهب جديد في عصرنا، هو مذهب الفتوى حسب الطلب، يعني: نأتي بفتوى واسعة حسب الأحوال، نسأل الله العافية. أقول هذا الكلام لأني وجدت أمراً عجيباً، ففي المجلد الواحد والعشرين من مجلدات دار الإفتاء المصرية نقلاً عن مجلة اللواء الإسلامي الصادرة في جمادى الآخر سنة (١٩٩٨م) أن الدكتور سيد طنطاوي سئل: ما حكم ختان الإناث في شرع الله؟ فأجاب: ختان الإناث مشروع بالكتاب والسنة، وقال: وتلك هي الأدلة. فعدد الأدلة من الكتاب والسنة، لكنه سبحان الله! في عام ٢٠٠٣م يأتي بفتوى أخرى، والله المستعان، فيا عبد الله! نحن أمرنا أن نفهم الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح.

стр. 326

الدعوة إلى الله لا تعرف أرضاً ولا زمناً أحبتي الكرام! إن البخاري جاء بحديث في باب: الفهم في العلم، ونفس الحديث أعاده في باب: الإمام يطرح المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من علم. فعن أبي بن كعب ﵁ قال: أن النبي ﷺ : (بينما موسى ﵇ قام واعظاً في بني إسرائيل)، يعظهم يذكرهم بالله؛ لأن الموعظة من أساليب الدعوة، والنبي ﵊ كان يعظ أصحابه بين الحين والآخر، ولا نقصر الموعظة على المساجد، فالنبي ﷺ كان يعظهم وهو على الدابة يركب الدابة: (يا معاذ!)، ويقول: (يا ابن عباس! أتدري ما حق الله على العباد؟)، (كان متكئاً فجلس)، (وخط خطاً واحداً، وخط خطوطاً متعرجة)، ففي كل مقام كان يعظ الناس، فالدعوة إلى الله لا تعرف أرضاً ولا وقتاً ولا زمناً، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ [نوح:٥]، دعوة شاملة في كل وقت، وقال تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩]، فيوسف وهو في السجن يدعو إلى التوحيد، كذلك إذا كنت طبيباً ودخل عليك مريض قل ما شئت؛ لأن المريض جاء لتكشف عليه ويستمع إليك وتعطيه الدواء، فاجعل له جلسة؛ لأنه صاحب حاجة، وصاحب الحاجة مستمع، وهذا ما صنعه يوسف مع صاحبيه في السجن: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٣٦]، فالسؤال كان عن تفسير رؤيا، فهل فسرها يوسف أولاً؟ ابداً، بدأ أولاً بالدعوة إلى الله. قال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٣٩ - ٤٠]، هذه كلها مقدمة قبل تفسير الرؤيا، وبذلك يكون قد فعل ما يجب عليه وهو أمر الدعوة إلى الله. مدرس دخل الفصل فكتب التاريخ الهجري قبل التاريخ الميلادي وقال لتلامذته: السلام عليكم ورحمة الله، ثم بدأ قبل أن يشرح بنقطة في العقيدة، أخذ يعلمهم أن الذي يُسأل هو الله، وأن لله واجباً عليهم هو حق العبادة، ثم بعد ذلك يأخذ في الشرح، يبدأ بالدعوة ويختم بالدعوة، إذا رأى طالباً حلق حلاقة قزع قال له: قم يا بني! هذه الحلاقة منهي عنها، وأنا أحبك وأريد الخير لك، فالنبي ﷺ نهى عن القزع، وهو أن تحلق جزءاً وتترك جزءاً آخر، والقزع سمت من لا خلاق له، وأنت مسلم من أبوين مسلمين، فاحذر يا بني أن أراك على هذه الطريقة. فإذا بالطالب يأتي في اليوم التالي وقد ترك القزع. فإذا رأيت أمراً يخالف الشرع وأنت في موطن سلطة ينبغي عليك أن تغير على حسب الطاقة، كذلك عند الأذان يوقف المدرس الشرح ويقول لتلامذته: رددوا النداء: قال ﷺ : (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول)، كذلك إذا كانوا لا يعرفون الصلاة يعلمهم في الفصل كيف يصلون؛ لأن المدرس أسوة وداعية إلى الله . فالدعوة إلى الله هي وظيفة الأمة؛ لأنها آخر الأمم؛ ولذلك لما قام موسى ﵇ يعظ بني إسرائيل ذكرهم أولاً بالله، وأنت تعلم من هم بنو إسرائيل -نعوذ بالله من أفعالهم- فقد فضحهم القرآن الكريم وبين صفاتهم وخصائصهم وما يدور بداخلهم، وبين إلحادهم في جانب الاعتقاد، وخلقهم مع ربهم وأنبيائهم بل مع الفرد، وهذا قول لا يختلف فيه اثنان ولا ينتطح فيه عنزان كما يقولون، فمن صفاتهم: أولاً: هم قساة قلوب، قال الله في وصفهم: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ [البقرة:٧٤]، فقلوب اليهود أقسى من الحجارة، والله سبحانه شبهها بالحجارة ولم يشبهها بالحديد؛ لأن الحديد إذا دخل النار لان، لكن الحجارة تزداد صلابة. كذلك قلوب اليهود. ثانياً: السعي في الأرض بالفساد، قال سبحانه: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة:٣٣]، فما من فساد في الأرض إلا وهم وراءه. كذلك قال الله في وصفهم: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة:٦٤]، وقال: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٠٠]، والمتتبع لصفات بني إسرائيل سيجعل لهم محاضرة مستقلة بل رسالة دكتور

стр. 327

تحري السؤال النافع والأدب فيه لما قام موسى يعظ بني إسرائيل قام إليه رجل منهم وسأله. يقولون: إن السؤال نصف العلم، والجواب هو النصف الآخر، وحينما يكون السؤال صحيحاً يكون الجواب صحيحاً، والسؤال مع الجواب له أحوال في القرآن والسنة، فقد يكون الجواب أكبر من السؤال، كما قال الله لموسى ﵇: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ [طه:١٧]، فكان الجواب أكبر من السؤال. قال: ﴿عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٨]، قال ذلك طمعاً في أن يقول له الله: وما هي المآرب الأخرى؟ أراد أن يطيل اللقاء مع الله فأطال الجواب. وقد يكون الجواب بخلاف السؤال؛ وذلك لأن السائل سأل عن أشياء لا ينبغي أن يسأل عنها، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ [البقرة:١٨٩]، فقال الله: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:١٨٩]، أي: كان ينبغي أن تسألوا عن حكمة الأهلة لا عن شكل الهلال، فالأحرى أن تسأل عن شيء تنتفع به؛ لذلك نهى الإسلام عن الأغلوطات وهي أشياء لم تقع في واقع الناس ويفترضها السائل من عنده كأن يقول: يا شيخ! ما حكم المسح على الرأس لرجل عنده أربعة رءوس؟ أو يقول: ما حكم الصائم الذي أكل وهو نائم؟ لذلك قام رجل إلى النبي ﷺ -الحديث في البخاري - قال: يا رسول الله! من أبي؟ فهل هذا سؤال بين مجموعة الصحابة؟ إذا لم يكن حذافة ماذا سيصنع بالجواب؟ لا شيء. غير أنه سيفضح أمه بأنها زانية، فاحمر وجه النبي ﷺ ، وغضب عمر غضباً شديداً، فقال: (أبوك حذافة)، فقام آخر وقال: وأنا من أبي يا رسول الله؟! فكبر عمر وأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١]، فينبغي للسائل أن يكون حكيماً ويختار الألفاظ المحددة الواضحة، ويسأل السؤال من أقصر الطرق. فلما سأل هذا الرجل موسى ﵇: من أعلم الناس؟ قال موسى ﵇: أنا، ولم يقل: أنا، والله أعلم، ويرد العلم إلى الله، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه. لذلك بوب البخاري لذلك باباً وقال: باب من سئل: أي الناس أعلم؟ يقول: فلان. والله أعلم.

стр. 328

الهمة العالية في طلب العلم والرحلة إليه لما عتب الله على موسى أوحى إليه: يا موسى! إن لي عبداً هو أعلم منك. قال: يا رب! كيف السبيل إليه؟ قال: عند التقاء مجمع البحرين، وعند انفلات الحوت من غلامك يوشع، عند ذلك: ﴿قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف:٦٠] فانظروا إلى الهمة في طلب العلم، يقول: سأظل أسير على قدمي سنوات متتالية حتى أصل إلى مجمع البحرين. روى البخاري تعليقاً: أن جابر بن عبد الله سمع أن النبي ﷺ قال: (يحشر الناس حفاة عراة غرلاً)، ما معنى غرلاً؟ يعني: غير مختونين، والختان شعار الحنيفية السمحة وعلم على دخولها، والله أمرنا أن نتبع ملة إبراهيم، وإبراهيم ﵇ اختتن، الحديث في البخاري ومسلم وأحمد ومالك المتفق عليه: (اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة، واختتن بالقدوم)، رواية مسلم: (بالقَدُوم)، وفي بعض روايات البخاري: (بالقدُّوم)، والقَدُوم: آلة النجار، والقَدُّوم: مكان في أرض الشام، والذي نريده من الحديث أن إبراهيم ﵇ اختتن، وهاجر اختتنت، والمسيح اختتن. إن الذين يقولون بعدم الختان للإناث الآن لا نفهم منهم إلا معنىً واحداً، وهو أنهم يريدون للفاحشة أن تنتشر؛ لأن عدم الختان معناه: انتشار الفاحشة. في الأدب المفرد للبخاري: تقول أم المهاجر: أسلمت أنا وجماعة من النسوة كبار، فأمر بنا عثمان بن عفان فاغتسلنا واختتنا. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الثاني والعشرين من الفتاوى: هل تختتن المرأة؟ فقال: نعم. ختان الإناث مشروع بالكتاب والسنة، ثم أورد حديث أم عطية الحسن بمجموع طرق يرتقي إلى الصحة. قال الشيخ الألباني: صحيح. وقال ابن حجر في الفتح: صحيح. وقال الهيثمي: صحيح. وقال الطبراني في الأوسط: صحيح. ثم قال ابن تيمية: ولأن نساء التتار والإفرنج لا يختتن، فتجد الزنا في وسطهن أكثر من النساء المسلمات. وإن الرجل كان يعير في العرب إن لم تكن أمه مختونة، فيقولون له: يا ابن القلفاء! والقلفاء غير المختونة، والأقلف: غير المختون. لذلك قال ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري: (ما رأيت داهية أدهى من هذا الأقلف) يعني: هرقل. فيا إخواني! لا داعي إلى أن نعقد لهذه المسألة المؤتمرات، وأن تطبع لها المنشورات، وأن تحتل هذه المساحة الكبيرة في هذا الوقت. لما سمع جابر بن عبد الله هذا الحديث سأل: من الذي سمعه من رسول الله ﵊؟ فقيل له: عبد الله بن أنيس. قال جابر: وأين هو؟ قيل له: في أرض الشام. وكان جابر يستطيع وهو في المدينة أن يقول: حدثني فلان أنه سمع عبد الله بن أنيس يقول: قال رسول الله، لكن جابر يريد أن يعلو بالسند، ولا يترك واسطة بينه وبين ابن أنيس فجمع المتاع وأعد العدة وأعد دابته ورحل من المدينة إلى الشام، وطرق الباب فقيل له: من؟ قال: جابر بن عبد الله صحابي النبي محمد ﷺ ؟ فعانقه عبد الله بن أنيس والحديث فيه مشروعية معانقة القادم من سفر. قال ابن أنيس: ماذا جاء بك يا جابر؟! قال: يا ابن أنيس! سمعت أنك سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يحشر الناس حفاة عراة غرلاً)، قال: نعم. سمعته بأذني هاتين، فعاد جابر يحدث به. انظروا إلى همة جابر في قطع المسافة من المدينة إلى الشام؛ حتى يروي الحديث بسند عال، أين هذه الهمم؟ هل نحن الآن نعطي فضل أوقاتنا للدعوة؟

стр. 329

التناوب في طلب العلم وعدم الاعتزاز بجمع حطام الدنيا نحن لسنا ضد أن يكون لك عمل تتكسب منه، لكن نحن ضد أن تكون جيفة بالليل حماراً بالنهار، كما جاء في الحديث، بالليل ينام العبد كالجيفة وبالنهار كالترس المعلق. أخرج البخاري في صحيحه في كتاب العلم باب: التناوب في طلب العلم، يقول عمر بن الخطاب: شغلتني التجارة عن سماع الرسول ﷺ ، ولي جار من الأنصار أيضاً فقلت له: هيا بنا نعقد اتفاقاً: أنا أتخلف عن السوق يوماً وأسمع الحديث، وأنت تتخلف عن السوق يوماً وتسمع الحديث. فالذي نريده أن تجعل لطلب العلم وقتاً، فالأسبوع سبعة أيام فاترك يوماً من الأسبوع لطلب العلم، فإن النبي ﷺ يقول: (ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب)، يعني: عندما يصل إلى المليون -ربنا يعافينا وإياكم من رحلة المليون إلا في رضاه يقول: أريد المليون الثاني، وإذا وصل إلى الثاني قال: الثالث. يقول العلماء: جامع المال كشارب ماء البحر، كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً، فجامع المال كشارب ماء البحر كلما أعد رصيداً أراد إضافة، وكلما أعد أراد حتى إذا جاءه الموت قال: يا ليتني! وقال: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨]، وأنت تسمع الآن أن فلان الملياردير مات، ماذا أخذ معه؟ (يتبع الميت ثلاثة: ماله وعمله وأهله، يرجع المال والأهل ويبقى العمل) ويأخذ الورثة المال، كل وارث يأخذ حفنة، وكل واحد منهم يقول: الله يرحمه ويحسن إليه لمدة أسبوع واحد فقط، وبعد ذلك ينسونه. لكنك لو تركت علماً تدارسه الأجيال من بعدك، ففي كل يوم نقرأ في تفسير ابن كثير ونقول: ﵀، ونقرأ في البخاري ونقول: ﵀، فـ البخاري مات سنة (٢٥٦) هـ يعني: في القرن الثاني، بيننا وبينه آلاف السنين، وما زلنا نترضى عليه ونترجم له بسبب العلم الذي تركه لنا، فانشغل بالعلم، واترك علماً ينفع الناس، ربِّ ولدك على العلم، وقل: يا ولدي! أريدك أن تصحح حديثاً، أو تعرف سبب نزول آية، لكننا يا إخوة لا نجد إلا همماً فاترة، فكل بلد فيها عجز تام في العلماء الشرعيين، فلماذا لا يكون هناك خمسة علماء أو عشرة أو عشرون يعرفون الأحكام الشرعية في الفروض وتوزيع الأنصبة؟ لأننا في الحقيقة فترنا عن طلب العلم وانشغلنا بالدنيا، وبجمع المال وتأمين المستقبل، مع أن المستقبل بيد الله ليس بيدي ولا بيدك، فإن أردت رفعة في الدنيا والآخرة فبالعلم.

стр. 330

فضل العلماء ورفعتهم في الدنيا والآخرة دخل البخاري إلى بلد، فنثروا عليه الدراهم والدنانير، فقالت أم لابنها: من هذا يا ولدي؟! قال: ذاك محمد بن إسماعيل البخاري يا أمي! قالت: يا ولدي! هذا هو الملك لا الملك قارون. فالعلماء هم ملوك الدنيا والآخرة، لما مات أحمد بن حنبل في بغداد شيع جنازته ألف ألف رجل أي: مليون، فانظر يا أخي في الله! إلى منزلة العالم بعد موته، ولذلك قطع موسى ﵇ هذه المسافات من أجل أن يطلب العلم على يد ذلك العبد الصالح الذي قال عنه جمهور العلماء: أنه كان نبياً، قال تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف:٦٠]، لذلك صدق من قال: الناس من جهة التمثيل أكفاء أبوهم آدم والأم حواءُ ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء وقدر كل امرئٍ ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء فخذ بعلم تعش حياً به أبداً الناس موتى وأهل العلم أحياء إن أهل العلم إن ماتوا ماتوا لكنهم أحياء؛ لقول النبي ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له). أيها الإخوة الكرام! ذكر الله فضل العلماء في كتابه، فقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، والعلم لا ينال براحة الجسد، وإنما ينال بجد واجتهاد وبلغة: أخي لن تنال العلم إلا بستة سأنبيك عن تفصيلها ببيان ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة وصحبة أستاذ وطول زمان كان الإمام أحمد يكتب كتبه وصحفه من محبرته فقيل له: يا إمام! متى تترك المحبرة؟ قال: مع المحبرة إلى المقبرة. والمعنى: لن أترك المحبرة حتى أحمل إلى المقبرة.

стр. 331

طلب العلم وملازمة العلماء في الصغر والكبر يقول البخاري: تعلموا العلم قبل أن تسودوا وبعد أن تسودوا، يعني: قبل أن تصبحوا أسياداً وبعد أن تصبحوا أسياداً. وقال بعضهم: قبل أن تتزوجوا؛ لأن الله قال: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف:٢٥]، والزواج بالفعل يجعلك تقل في طلب العلم رغم إرادتك، فابنك يريد كذا، والزوجة تريد كذا، وانشغال بالحياة الزوجية، وهذا مطلوب طبعاً بدون أدنى شك، فاطلب العلم قبل أن تصل إلى سن الزواج. فقوله: (قبل أن تسود) يعني: قبل أن تكون سيداً، فالمدير العام أعباؤه أكثر من أعباء الموظف الصغير؛ لأن المدير يمر على كل الأقسام ويحقق الحضور والإنصراف، ويسأل عن كل جنيه. فقبل أن تسودوا يعني: قبل أن تكونوا أسياداً فتزداد المهام الملقاة على عاتقكم. خشي البخاري أن يفهم أحد أن طلب العلم في الصغر فقط، فقال: وبعد أن تسودوا، يعني: اطلبوا العلم حتى في الكبر، ولنا في أبي هريرة أسوة، أسلم ﵁ سنة ٧هـ في عام فتح خيبر، فهو من آخر الصحابة إسلاماً، ولم يلازم النبي ﷺ إلا ثلاث سنوات وبضعة أشهر، وكان أكثر الصحابة بلاغاً لحديث رسول الله، فقد بلغ أكثر من (٧٠٠٠) حديث؛ وذلك لأنه في هذه المدة القصيرة استطاع أن يحصل ما لم يحصله غيره، قال ﵁: لازمت النبي ﷺ كظله. فيا عبد الله! شمر عن ساعد الجد، وابدأ في طلب العلم بالأولويات القرآن ثم السنة بفهم السلف الصالح، تعلم أصول الفقه وعلوم القرآن وأصول علم الحديث وعلم العقيدة ونحوها من العلوم ثم بعد ذلك تلقى العلم على يد شيخ. أيها الإخوة الكرام! أسأل الله سبحانه أن يرزقنا علماً نافعاً، اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، ونعوذ بك يا رب! من علم لا ينفع، اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، ونعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ودعوة لا يستجاب لها. آمين آمين آمين.

стр. 332

الأسئلة

стр. 333

وجوب الالتزام بشعائر الدين لمن أراد الجهاد في سبيل الله السؤال سمعت منك أبياتاً في مسجد قبل ذلك، أريد أن تذكرها؟ الجواب هذه الأبيات تتعلق بأناس يرفعون شعار الجهاد لكنهم يضيعون الجماعات، ويفرطون في الواجبات، ويرتكبون بعض المحرمات قال: لا بد من صنع الرجال ومثله صنع السلاح لا يصنع الأبطال إلا في مساجدنا الفساح في روضة القرآن في ظل الأحاديث الصحاح شعب بغير عقيدة ورق يذريه الرياح من خان حي على الصلاة يخون حي على الكفاح فالذي لا يستجيب لحي على الصلاة لن يستجيب لحي على الكفاح، وهذا واضح بين في كتاب ربنا في قصة طالوت وجالوت، لما كتب الله عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم رغم هتافاتهم ومظاهراتهم وأناشيدهم وأشعارهم، قال الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٦]، فهم الذين طلبوا أن يقاتلوا، ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا﴾ [البقرة:٢٤٦]. والله تعالى أعلم.

стр. 334

حكم التصوير الفوتوغرافي السؤال بوب البخاري في حكم التصاوير والمصورين، فهل يندرج تحت هذه الأحكام التي ساقها البخاري الذين يصورون بالكاميرات الفوتوغرافية؟ الجواب نعم. يندرجون بدون أدنى شك، فالتصوير حرام فوتوغرافي أو غير فوتوغرافي إلا لضرورة: بطاقة، جواز، سفر، شهادة، رخصة، فما سوى ذلك لا يجوز، فالتصوير للذكرى الخالدة لا يجوز، وهل من اللائق أن تضع صورة الممثل أو الممثلة على؟! بل إن البعض لا يتقي الله، في ليلة عرسه يأخذ الزوجة ويذهب إلى الأستوديو ويلتقط له صورة مع زوجته، ثم يأخذ الصورة ويبروزها ويضعها في الصالون، فيدخل الضيف ويقول: ما شاء الله! إنها جميلة! وزوجها الديوث في المطبخ يعد الشاي، نسأل الله العافية. فالتصاوير حرام بالجملة إلا للضرورة الشرعية، ومن قال: إن التصاوير هي التماثيل، فالنص واضح أن النبي ﷺ لما دخل عند عائشة وجد عندها ستارة فيها تصاوير، فجذبها ومزقها وجعلها تحت رأسه وسادة وقال: (إنها شغلتني عن صلاتي)، فالستارة كان بها تصاوير، فلا يجوز أبداً أن تصور ما فيه روح، فإن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون، يطالب المصور يوم القيامة بنفخ الروح فيما صوره وهو ليس بفاعل. طبعاً وأول ما وقع الشرك وقع عن طريق هذه التصاوير والتماثيل، فبعض المتصوفة -وأنا أعرفهم- يضع في بيته صورة لشيخه، فإذا أتاه كرب قال: يا مولانا! فرج الكرب، يكلم الصورة! وهناك رجل آخر وضع صورة لأبيه قد مات منذ عشرين سنة، وكان يقول للصورة: الله يرحمك يا أبي! ألا ترى ما الذي أنا فيه؟ يكلم الصورة! ومن تقاليدنا -للأسف- أن الرجل إذا التزم بشرع الله وأنزل صورة أبيه قال الناس فيه: هذا رجل لا يحب أباه؛ لأنه أنزل صورة أبيه، هذا دليل على عدم حبه لأبيه، فهذه التصاوير تجر علينا الوبال. لذلك إخوتي الكرام! أقول: نعم. ينطبق على التصاوير الفوتوغرافية ما ذكره البخاري في صحيحه.

стр. 335

مشروعية الزيادة في الدعاء السؤال أمرنا الرسول ﷺ أن نتعوذ بالله من أربع، فهل يجوز لنا أن نزيد بعدها بدعاء أو استغفار؟ الجواب نعم. يجوز؛ لأن الصلاة لغة بمعنى: الدعاء، والدعاء مطلوب في الصلاة، تأتي بالدعاء المسنون ثم تزيد ما تريد، اللهم إني أعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، ومن عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن شر فتنة المسيح الدجال، ثم إذا أردت أن تسأل الله حسن الخاتمة أو تسأله ما شئت فلا تحجر واسعاً، والله تعالى أعلم.

стр. 336

حكم أخذ الحق من المحاكم الوضعية إذا رفض الخصم شرع الله السؤال هل يجوز أخذ الحق من المحاكم الوضعية إذا رفض المختصم شرع الله؟ الجواب نعم. يجوز طالما رفض الشرع، وإذا كانت المحاكم الوضعية ستعطيك الحق فلا بأس في أن يأخذ حقه، مع عدم قبولك لهذا الحكم الوضعي وعدم إيمانك به.

стр. 337

حكم قص الشعر بالتدريج السؤال ما حكم قص الشعر بالتدريج من الجانب وليس بالطريقة الواضحة؟ الجواب الشعر لا بد أن يسوى كله مع بعضه البعض، لا تختلف بقعة عن بقعة.

стр. 338

الكتب النافعة والمحذرة من الصوفية السؤال أريد أن أهدي لأحد الصوفية شيئاً، فدلني أي الكتاب أهديه له؟ الجواب كتب كثيرة، من أفضلها: كتاب الفكر الصوفي للشيخ: عبد الرحمن عبد الخالق مجلد. وكتاب: حقيقة الصوفية، وكتاب: مصرع التصوف، وكتاب: هذه هي الصوفية للشيخ الوكيل، وحوار مع الصوفية، وكتب كثيرة جداً موجودة في السوق، ولعل الدكتور عمر بن عبد العزيز القرشي له كتاب طيب جداً في هذا المقام أنصحك أن تقرأه، اسمه: شبهات حول التصوف وهو مجلد، والدكتور عمر من مناقب كتابه أنه متخصص باحث، والباحث في عرضه يلتزم النقد العلمي، فالدكتور عمر رجل تدرب على كتابة الرسائل العلمية، فأنصحك أن تقرأ كتاب الدكتور عمر: شبهات حول التصوف.

стр. 339

وجوب حمل هم الدين وتغيير المنكر السؤال توجيه نصيحة لطلبة العلم والإخوة بحمل هم الدين، إذ كثر منهم من يرى المنكرات ولا يغير المنكر حتى بلسانه؟ الجواب هذه مصيبة كبيرة، لا بد للمسلم أن يكون هم الدين في قلبه، فإذا رأى منكراً يغيره بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا يغير المنكر بمنكر أشد، لكن ينبغي عليه أن تكون قضية الدين هي شغله وشاغله، والله تعالى أعلم.

стр. 340

معنى قوله ﷺ : (أن تلد الأمة ربتها) السؤال ما معنى: (أن تلد الأمة ربتها)؟ الجواب للعلماء فيها أقوال ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وهي كثيرة ومتعددة منها: أن يعامل الولد أمه معاملة الأمة، أي: إشارة إلى العقوق في آخر الزمان، أن تلد الأمة يعني: المملوكة، ربتها يعني: سيدتها. المعنى الثاني: انتشار الحروب وأن الأمة المملوكة تلد سيدها، وترى الحفاة العراة رعاة الشاة يتطاولون في البينان.

стр. 341

حكم صلاة من وضع السجائر أمامه وأخذ يصلي والنصيحة التي توجه إليه السؤال رجل دخل المسجد بالسجائر ووضعها أمامه أثناء الصلاة، فما حكم الصلاة، وكيف أنصحه؟ الجواب صلاته صحيحة بدون أدنى شك، لكن تنصحه أن هذا حرام، وأن هذا من أعمال الشيطان، وأن هذا تدمير للصحة والمال، فلا ينبغي أن تدخل بمحرم إلى بيت الله سبحانه، وأن تضع الحرام بين يديك وأنت تصلي، هذا لا يليق بك أبداً. إن هذه ظاهرة غريبة وعجيبة من إخواننا الذين نحبهم، بعض الناس طبعاً عندهم فلسفة، منهم من يقول: إن كان حراماً حرقها حلالاً شربها، يحاول أن يحلل لنفسه الأشياء، أقول: هل تجد عاقلاً يقول عند شرب السيجارة: باسم الله، وعند الانتهاء يقول: الحمد لله؟ لن تجد هذا؛ لأنه يعلم أن ما يتجرعه هو سم، بل إنه عند دخول المسجد يطفئها قبل دخوله، وإن دخل دورة المياه يشعلها؛ لأن مقرها الحمامات مع الخبث والخبائث. فحينما تجد شخصاً يشعل السيجارة كأنه يشعل في الأموال حريقاً، لو أخرجت الآن كبريتاً، وأشعلت بها نقوداً في يدي ماذا ستقولون؟ تقولون: الشيخ في عقله خلل، يشعل في الأموال النار! وكذلك الذي يشعل السيجارة، أتي برجل مدخن بعد أن مات، أخرجوا رئته وأخذوا يعصرونها، فخرج منها النيكوتين والقطران سائلاً أسود وإذا أتيت بشاشة تلفزيون بيضاء، وأتيت بمدخن وأمرته أن ينفخ الدخان على الشاشة فإنك ستجد الشاشة سوداء معتمة كذلك الدخان ينزل في الرئة ويغلق مسامها، فتجد المدخن لا يستطيع أن يتنفس إلا بجهد. هل رأيتم رجلاً عاقل يقتل نفسه بالتدرج؟ فالدخان يسبب السرطان في الحنجرة والرئة، وضرراً في الأحبال الصوتية، ومع ذلك إذا نصح المدخن بترك الدخان يقول: أنا لا أستطيع، أعرف أنها حرام لكن لا أستطيع. يا رجل! أليس لك إرادة؟ أليس لك عزيمة؟ فلا بد أن تقلع من الآن. إن علبه السيجارة قيمتها (٦. ٥) جنيهات، فإن كنت تدخن علبتين في اليوم ضيعت مالاً قدره (١٣) جنيهاً ولو ضربت (١٣) جنيهاً في ثلاثين يوماً كان مقدار المال المضيع (٣٩٠) جنيهاً، هذا للسجائر فقط، فما يأكل الأولاد؟ يا رجل! هذه إضاعة للمال. كذلك حين تركب سيارة تجد أحدهم يدخن بجانبك، فتقول: لو سمحت أطفئ السيجارة، فيقول: انزل إن لم يعجبك ذلك، أنا حر! انظر إلى أسلوب النقص، لست حراً إن لم تحترم حرية الآخرين، تلوث الجو والهواء وتقول: أنا حر؟ الذي يدخن بجوارك يؤذيك بنسبة ١٠٠% وكأنك تدخن أيضاً، فهذه مصيبة كبيرة، ومن الأشياء المضحكة أنهم يكتبون على علبة السجائر: التدخين ضار جداً بالصحة، بما أنه مضر للصحة لماذا تروجون بيعه؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. قام محاسب بإحصائية لما ينفقه العالم في السجائر، فوجد أنه ينفق بلايين الدولارات، ميزانية دولة كاملة تنفق في السجائر! فنحن نحتاج إلى حملة لدحض هذه المسألة، ونأخذ بيد المدخن شيئاً فشيئاً، ولا بأس أن يذهب إلى طبيب ويطهره ويأخذ بيده. في صلاة المغرب رأيت رجلاً أفطر عند أذان المغرب بسيجارة وهو يقول: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت. نسأل الله العافية.

стр. 342

معتقدات الشيعة الفاسدة وأباطيلهم السؤال كيف تحذر من الشيعة وهم يشهدون أن لا إله إلا الله؟ الجواب الحقيقة يا إخواني! هناك مسألة تسمى بخلط الأوراق بين المسلم السني السلفي والمسلم غير السني السلفي، فالشيعة فرقة ضالة، وقد سمعت للأسف بعض الذين يعملون في الحقل الإسلامي يهتفون في اجتماعاتهم ويقولون: مسلم سني مسلم شيعي أرضك أرضي دينك ديني فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون. هؤلاء يلبسون على الناس، لو قرأت في كتب الشيعة ومعتقداتهم فإنك تجد العجب العجاب، فالشيعة يسبون أبا بكر وعمر، ويحكمون على الصحابة بالكفر، ويتهمون عائشة بالزنا، ويقولون بتحريف القرآن الكريم، وأن القرآن الموجود بين أيدينا الآن ليس هو القرآن الحقيقي، ويقولون بعقيدة الرجعة، يعني: المهدي المنتظر عندهم اسمه: محمد بن الحسن العسكري، دخل سرداباً في سامراء عاصمة الخلافة العباسية بعد بغداد، كانت مدينة مهجورة، وفي عهد الخلافة العباسية زينوها وزخرفوها فسموها: (سر من رأى) يعني: سرت من رآها، وبعد أن خربت سموها: (ساء من رأى) يعني: ساءت من رآها، واختصاراً سموها: سامراء، يقولون: المهدي دخل السرداب في سامراء، وهم الآن ينتظرون أن يخرج كل يوم، ومعه المصحف الحقيقي. وتعتقد الشيعة بعقيدة البداء، ومعنى عقيدة البداء: أن الله كان لا يعلم ثم علم، وهذه الأشياء موجودة في معتقدات الشيعة الإسماعيلية. وقال بعضهم: إن الولاية الإمامة؛ لأنهم يقولون بعصمة الإمام، والخميني يقول: زيارة قبر الإمام عندنا تعدل حج البيت سبعين مرة. يعني: أفضل من حج البيت بسبعين مرة، والإمام عندهم معصوم، بل الإمامة أعلى من النبوة عندهم. ويقولون: إن الإمامة كانت للولد الأكبر من ذرية الحسن، فأعطوها للولد الأصغر، فلما سئلوا عن سبب ذلك قالوا: إن الله أعطاها للأكبر، ثم بدا له أن يغير رأيه. يعني: ربنا يغير رأيه عند الشيعة، هذه عقيدة البداء والرجعة ونكاح المتعة والتقية وحدث ولا حرج، والطعن في السنة والصحابة. لكن عند مداهمة العدو لأرض المسلمين يتحد المسلم مع الشيعي في الدفاع عن الأرض، هذا هو الواجب المفروض ولا شك في هذا، لا شك أننا في هذه الحالة نقول: الدفاع عن أرضنا واجب على الجميع، فقضية الدفاع شيء وقضية أن تكون عالماً بمعتقدك شيء آخر، أرجو أن يكون هذا واضحاً.

стр. 343

التحذير من منهج الصوفية في تلقي العلم السؤال قلت: لا ينبغي أن نتعلم الكتاب دون شيخ، فهل معنى ذلك: أننا لا نقرأ أي كتاب؟ الجواب لا. أنا أقول: اقرأ لكن راجع فهمك على يد شيخ، وهل أنا صوفي أقول بالعلم اللدني، أو العلم الذي ينزل من السماء، لا بخاري ولا مسلم ولا كتاب عقيدة؟ وهل نحن نأخذ العلم بالتجافي؟ هل أنتم لكم علم الورق ونحن لنا علم الخرق؟ أنتم لكم العلم الظاهر ونحن لنا العلم الباطن؟ هل أقول: حدثني قلبي عن ربي؟ قيل لرجل منهم: ألا ترحل لتسمع الحديث من عبد الرزاق في اليمن؟ قال: وما يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يتلقى من الخلاق؟ يعني: يتلقى العلم مباشرة من الله ، وهذا موجود الآن عندهم، يقول لك: بخاري من؟ مسلم من؟ كتب من؟ ابن كثير من؟ شيخهم العلم اللدني والعلم الباطن وعلم الفتوحات والإشراقات، ضلوا بها عن الطريق وأضاعوا بها العلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 344

حكم البيع والشراء في الموالد التي تشد إليها الرحال السؤال هل يجوز البيع والشراء في الموالد التي تشد إليها الرحال؟ الجواب لا يجوز.

стр. 345

حكم الطلاق عند الغضب والإكراه السؤال حكم الطلاق عند الغضب؟ وحكم الطلاق المكره؟ الجواب طلاق المكره لا يقع، والطلاق عند الغضب لا بد أن يعرف حد الغضب، فالغضب عند العلماء: ألا يشعر بما قال، وألا يشعر بما قيل له، تحدثه فلا يسمع ولا يعي ما يقول، ليس الغضب معناه: أن يصل إلى درجة الاستفزاز ثم يطلق، وهو يعي أن اللسان أخرج هذا اليمين، فالطلاق يقع. أما طلاق المكره فلا يقع، وهذه الفتوى هي التي جلد من أجلها الإمام مالك، لما سئل في مسجد النبي ﷺ : هل طلاق المكره يقع؟ فقال: طلاق المكره لا يقع. والمشكلة في ذلك: أن ولي أمر المدينة بايعه الناس بالإكراه، فطالما طلاق المكره لا يقع إذاً: بيعة المكره لا تقع، فأرسل إليه ولي الأمر وقال: يا مالك! عد إلى مجلسك وقل: بل طلاق المكره يقع، غيّر رأيك؛ لأنك تعرف كيف توليت أنا الإمارة. قال: لا يمكن أن أقول هذا، فأمر به ولي الأمر فجلدوه، فمحنة الإمام مالك في فتوى ليست فتوى حسب الطلب، وإنما فتوى شرعية يتقي الله فيها.

стр. 346

معنى تجديد الخطاب الديني والتحذير منه السؤال ما رأيكم في الدعوة الخبيثة إلى تجديد الخطاب الديني؟ الجواب تجديد الخطاب الديني مصطلح جديد ابتدعوه؛ ليقضوا به على المنهج الأصيل والأصولية والمرجعية، وهو كلام خبيث يريدون به أن نتنازل عن الثوابت، فكلمة التجديد كلمة حق أريد بها باطل.

стр. 347

حكم الدعاء بقولك اللهم إني أدعوك بنبيك السؤال من دعا: اللهم إني أدعوك بنبيك أن تشفيني؟ الجواب لا يجوز، المعنى الصحيح أن تقول: اللهم إني نسألك بحق إيماني بنبيك ﷺ .

стр. 348

فدعا ربه أني مغلوب فانتصر لقد خلق الله العباد حنفاء على التوحيد فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم من عبادة الله سبحانه إلى عبادة الأصنام والأحجار وغيرها من المعبودات الباطلة، وأول ما حصل الشرك في قوم نوح كان بتعظيمهم لبعض صالحيهم وتصويرهم صوراً لهم، ثم عبدت تلك الصور بعد فترة من الزمن، ثم أرسل الله الرسل ليقيموا الحجة على العباد، فكان نوح أول رسول إلى أهل الأرض، فدعا قومه إلى عبادة الله سبحانه بشتى الوسائل، واستمر ألف سنة إلا خمسين عاماً، حتى أخذ الله أهل الشرك من قومه بالطوفان بسبب إعراضهم عن دعوة نوح ﵇.

стр. 349

بيان سبب ظهور الشرك في قوم نوح ﵇ الحمد لله رب العالمين ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة:٧ - ٩]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:٣]، خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة في قرار مكين، ثم خلق النطفة علقة سوداء للناظرين، ثم خلق العلقة مضغة بقدر أكلة الماضغين، ثم خلق المضغة عظاماً كأساس لهذا البناء المتين، ثم كسا العظام لحماً هي له كالثوب للابسين، ثم أنشأه خلقاً آخر ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٤ - ١٦]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٢٠]، يغني فقيراً، ويفقر غنياً، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، مستو على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]. وأشهد أن نبينا ورسولنا وشفيعنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين والملأ الأعلى إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] ثم أما بعد: أحبتي الكرام! حديثنا بحول الله وتوفيقه وعونه يحمل عنوان: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) ربنا إنا مغلوبون فانتصر. أحبتي الكرام! نوح ﵇ أول رسول أرسله الله إلى البشرية، والبشرية كانت على التوحيد الخالص بعد آدم ﵇ عشرة قرون كما قال ابن عباس عند البخاري، عشرة قرون بين آدم ونوح على التوحيد وإفراد الله بالعبادة وحده لا شريك له، ولكن الشيطان أعلنها، وبينها، حينما أخذ على نفسه أن يضل العباد، فأمهله الله ، وقد قال النبي ﷺ فيما يرويه عن رب العزة: (إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم)، أي: عن صراط الله إلى الشرك وعبادة غير الله. بعد أن كان الناس على التوحيد حادوا عن طريق التوحيد إلى عبادة الأصنام، وبداية الأمر أن قوماً من الصالحين كان قوم نوح يعظمونهم، فلما ماتوا علقوا لهم صوراً في نواديهم، ثم جاء الجيل الثاني وحول الصور إلى تماثيل، ثم بعد ذلك عبدت التماثيل من دون الله ، ولذلك فإن الغلو في الصالحين هو طريق الشرك دائماً، وإن أردت أن تعرف فشدد النظر إلى ما يحدث عند الأعتاب والقباب، فستجد شركاً صريحاً واضحاً، فهذا ينادي صاحب القبر: اشفني، وتلك تنادي صاحب الضريح: ارزقني الولد، والله يقول سبحانه: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر:١٤]، فالذي يملك جلب النفع ودفع الضر هو الله وحده لا شريك له، فكانت بداية الشرك في الأمة تعظيم الصالحين، نقولها لكل من يغلو في حبهم فيطلب منهم المدد من دون الله ويطلب منهم الرزق من دون الله. فعندما ظهر الشرك في الأرض أرسل الله نوحاً ﵇ وهو أول رسول إلى أهل الأرض، كما قال النبي ﷺ ، ودعوة نوح هي دعوة جمي

стр. 350

صبر نوح ﵇ في دعوة قومه نوح ﵇ جاء إلى قومه ورغبهم، وحذرهم، وبشرهم، ورهبهم، وهذه طريقة الأنبياء كما قال سبحانه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [النساء:١٦٥]. وبعض الناس يقول: كفاكم حديثاً عن عذاب القبر، وعن القيامة والنار، حدثوا الناس في أمور واقعها. ونقول لهم: إن دعوة الأنبياء تقوم على الترغيب والترهيب، فماذا قال نوح لقومه؟ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ﴾ [نوح:١] ماذا قال لقومه؟ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، ثم قال لهم: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:٥٩]. أحبتي الكرام! وطريق الدعوة إلى الله غير ممهد، وينبغي لأصحاب الدعوات أن يعرفوا ذلك، فإن إجابة القوم: إعراض وسخرية وجدل. قال نوح: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ [نوح:٥]، فالدعوة إلى الله ليست منبراً، وليست محاضرة، وليست مقالة، وليست كتاباً، إنما الدعوة إلى الله تكون بالليل والنهار، بالسر والعلن. قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح:٥ - ١٤]، قال المفسرون: استخدم كل سبل الدعوة إلى الله: الدعوة الفردية والدعوة الجماعية، والدعوة الجهرية، والدعوة السرية، والدعوة بالليل والنهار، فلم يقصر ﵇ فقد مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له.

стр. 351

اعتراضات قوم نوح وقد كان الجدال بين نوح وبين قومه على النحو الآتي: الاعتراض الأول قالوا: يا نوح! إنك بشر والنبوة لا تكون في البشر، لو شاء الله أن يرسل نبياً لأرسل ملكاً. هذا هو الاعتراض الأول، ولذلك -إخوتي الكرام- أركز هنا على أمر هام إلا وهو بشرية الأنبياء والرسل، الأنبياء جميعاً بشر، ويترتب على هذه البشرية أنهم يمرضون، كما قال الله عن إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠]، وأنهم يبتلون، كما قال الله عن يوسف: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف:٤٢]، وأنهم يعملون، كما قال الله عن داود: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء:٨٠]، كل ذلك ثابت في حق الرسل، وأنهم يتزوجون، وأنهم يصابون، فلقد أصيب الحبيب محمد ﷺ يوم أحد بجرح في فمه فنزف الدم من فمه الطاهر ﵊، وشج رأسه وأخذ يمسح الدم من على وجهه ويقول: (كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم)، ويوم أن ذهب إلى أهل الطائف يدعوهم إلى العبادة والتوحيد، رموه بالحجارة وهددوه، وهذا هو حال الدعاة إلى الله في كل الأزمنة والعصور، يقذفون بالحجارة، ولكنهم يعطون رطباً جنياً كحال النخلة كما قال علماؤنا. هذا هو طريق الدعوة إلى الله، ليس مفروشاً بالورود، طريق الأنبياء والرسل، طريق البذل والعطاء، طريق التضحية بالنفس والمال والولد، طريق الأنبياء هو طريق الدعوة إلى الله ، خرج النبي ﷺ من الطائف والناس يرمونه بالحجارة، وزيد يتلقى كل حجر برأسه ليدافع عن رسول الله ﷺ ، حتى وصلت الحجارة إلى قدم الحبيب محمد فأدمت قدميه، والحديث ضعفه بعض العلماء وصححه البعض، خرج من الطائف والدم يسيل من قدمه وهو يقول: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الرحمين أنت ربي ورب المستضعفين إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي)، وكذلك كان في غزوة الأحزاب يوم أن تحالفت كل قوى الشرك -كما يحدث الآن- على ضرب الدولة الإسلامية في مدينة رسول الله. أرسل اليهود وفداً من بني النضير يجوب القرى ويجمع الموافقات لضرب المدينة المنورة، ضربة واحدة لا يقوم للإسلام بعدها دولة أبداً، فجمعوا عشرة آلاف مقاتل، بينما كل من في مدينة رسول الله ﷺ لا يصل عددهم إلى هذا الحد، فخرج النبي ﷺ بثلاثة آلاف، إذاً: لا توازن في القوى: عشرة مقابل ثلاثة، ولكن النصر لا يأتي بكثرة العدد؟! إن الذي يملك النصر هو رب العالمين سبحانه، ولذلك خرج النبي ﷺ واستشار أصحابه؛ لأنه لم يكن يوماً ينفرد بقرار، إن لم يكن في المسألة حكم شرعي فإنه يستشير أصحابه، ونزل على رأي سلمان وحفر خندقاً حول المدينة؛ ليحول بين قوة المشركين وبين دخول المدينة، ولم يكتف رسول الله ﷺ بإصدار الأمر بحفر الخندق وجلس يتابع عن بعد الذين أصدر لهم الأمر لأنه الإمام، يقول البراء بن عازب وجابر بن عبد الله: نظرنا إلى النبي ﷺ يوم غزوة الأحزاب والتراب يعلوا صدره ورأسه، وأخذنا ننفض التراب عن رأسه، وكان الصحابة لشدة الجوع يربطون حجراً على بطونهم، فكشف الحبيب عن بطنه فإذا بحجرين على بطن رسول الله، هم يربطون حجراً وهو يربط حجرين، وإذا بالحبيب ﷺ ينظر إلى وجوه أصحابه فيجد ألم الجوع في وجوههم فيقول (اللهم إن العيش عيش الآخره فاغفر للأنصار والمهاجرة فيجيبون: نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما حيينا أبدا). ويدخل النبي ﵊ ويتضرع إلى ربه والصحابة نيام: (اللهم يا مجري السحاب ويا منزل الكتاب اهزم الأحزاب)، فإذا بالله يرسل ريحاً على المشركين دون قتال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]. الاعتراض الثاني: أن الذين اتبعوه أراذل القوم، أي: ضعفاء فقراء، قال تعالى: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود:٢٧]، يا نوح! الذين يتبعونك حفنة، شرذمة خارجة عن الشرعية وخارجة عن الحكم، فلماذا لا يتبعك الأسياد؟! الاعتراض الثالث: أنكم تريدون أن تكونوا أفضل منا. الاعتراض الرابع: أن قوم نوح يريدون أن يكونوا سادة وأن يكون الباقون تبعاً لهم، وقد ذكر القرآن الكريم هذه المجادلات والمحاورات، قال سبحانه: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [هود:٣٢]، وذلك عند يأس نوح من إيمان قومه، فأوحى الله إليه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا

стр. 352

الاستهزاء والسخرية بالدعاة دأب المجرمين وعندما كان نوح يصنع السفينة بأمر من الله كان يجد الأذى من قومه، قال تعالى: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود:٣٨]، إذاً: سلاح السخرية من الموحدين سلاح قديم، كان في زمن نوح، فإذا مر بك أحد هؤلاء السفهاء يضحك على التزامك كلما أظهرت سنة لرسول الله، فتذكر قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣١]. قال سبحانه عن نوح: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ﴾ [هود:٣٨] يعني: جماعة، ﴿مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود:٣٨]. إن من أسباب الردة والخروج من الدين السخرية من شرع رب العالمين، أو التعريض بحديث لرسول الله ﷺ ليضحك الناس، وهذا دأب البطالين والسفهاء لا يجدون ما يضحكون الناس به إلا القرآن، وإلا السنة، يعرضون بحديث، أو بسنة، أو بقرآن؛ حتى يضحك الناس، وفي غزوة من الغزوات كان مع النبي ﷺ جماعة من المنافقين فرأوا حملة القرآن وهم في طريق العودة فقالوا لهم: ما نراكم إلا أرغبنا بطوناً، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء، فإذا بالوحي ينزل على رسول الله ﷺ : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]. وفي هذا العصر يكتب عربيد في أحد رواياته: الله في مدينتي مشرد طريد، الله في مدينتين تبيعه اليهود! الله سلعة عند هذا الكافر المرتد! وآخر يرسم كاريكاتير لرجل يركب الحمار، وتحت الحمار تسعة نسوة، ثم يكتب تحت الكاريكاتير هذا محمد وأزواجه التسعة! يسخر من سيد البشر محمد خاب وخسر، وتارة يسخرون من النقاب، وتارة من اللحية، ومن تقصير الثياب تارة، ومن صلاة الجماعة تارة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٢٩]، فإن ضحك عليك المجرمون فهنيئاً لك؛ لأنك على طريق الحق، ومن ضحك هنا بكى هناك ومن بكى هنا ضحك هناك، قال الله سبحانه: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين:٣٤ - ٣٦]، ضحكوا هنا على عباد الله، فبكوا هناك بكاءً شديداً، بل زادهم الله على ذلك سواد الوجه قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس:٣٨ - ٤٢]. ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود:٣٨]، يا نوح! أصبحت نجاراً بعد أن كنت نبياً رسولاً، يا نوح السفينة التي تصنعها متى ستسير؟ وأين الماء الذي ستسير عليه؟

стр. 353

نجاة نوح ﵇ والمؤمنين وهلاك الكافرين أوحى الله سبحانه إلى نوح بقوله: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود:٣٦ - ٣٧]، ثم جعل الله لنوح علامة يعرف بها قرب نزول العذاب، يقول ربنا سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود:٤٠] (التَّنُّورُ): هو مكان الخبز، (فَارَ التَّنُّورُ)، فهذه علامة على نزول العذاب، ثم أوحى الله إلى نوح أن: احمل في السفينة: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [هود:٤٠]، وكلمة (وَأَهْلَكَ) هنا: يدخل فيها الولد وتدخل فيها الزوجة، لكن الله قال: ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]. أيها الدعاة! لا تنتظروا إلى كثرة العدد فإن العدد لا يقدم ولا يؤخر، إن النبي قد يأتي يوم القيامة وليس معه أحد، مع أنه بلغ، وأقام الحجة، ولكن كما قال الله سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢]، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢١ - ٢٢]. يقول ربنا ﵎: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ [هود:٤١ - ٤٢]، أنزل الله الطوفان على الإنسانية في زمن نوح ولم ينج إلا عدد قليل، ثم أهلك الله الأرض ومن عليها، تقول بعض كتب التفاسير: إن الذين نجو مع نوح في السفينة اثنا عشر شخصاً، فالعبرة ليست بالكثرة، أرسل الله على الإنسانية طوفاناً من أعلى ومن أسفل، والله له جنود لا يعلمها إلا هو، اسمع إلى قول الله: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة:٥ - ٧] متتابعة، ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧]. أرسل الله الطوفان فأغرق جميع أهل الشرك والكفر ولم ينج إلا من آمن مع نوح. يقول الله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٢ - ٤٣] وهذا فيه إشارة إلى أن النسب الحقيقي هو نسب العقيدة والدين، نوح ينادي ربه ويقول: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود:٤٥]، فيقول الله له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:٤٦] هذا ولاء وبراء، أخوك الحقيقي هو من يحمل العقيدة التي تحملها، وإن كان أخوك لرحم وخرج عن دائرة الإيمان فهو ليس أخاك. يقول الله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾ [الممتحنة:٤]، ويقول النبي ﷺ : (أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله)، ولذلك يقول تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢]. أحبتي الكرام: إن مفتاح النصر لأمة الإسلام هو التضرع والدعاء لله ؛ لأن الله قادر، فإن كنا لا نملك شيئاً لإخواننا المسلمين الذي يعذبون الآن بيد إخوان القردة والخنازير فيجب علينا أن ندعو لهم: اللهم اربط على قلوبهم، وسدد رميهم، واجعل الدائرة على أعدائهم، اللهم اهلك عدوهم إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير، وأنت حسبنا. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 354

مخالفة النبي ﷺ لليهود الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: أحبتي الكرام! لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة أمره الله أن يستقبل المسجد الأقصى كقبلة، والنبي ﵊ كان لا يحب أبداً أن يشارك أهل الكتاب في شيء، كانوا لا يصلون في نعالهم وكان يصلي في نعله، وكانوا لا يغيرون البياض في لحاهم ورءوسهم، فكان النبي ﷺ يأمر الصحابة بالتغيير، ولما أرادوا دعوة الناس إلى صلاتهم قالوا: نشعل ناراً كما تفعل اليهود، أو يدقون ناقوساً كما تفعل النصارى، فأبى النبي ﷺ أن يدق الناقوس أو أن يشعل النيران حتى نزل الوحي بالأذان، فكان يحب أن يخالفهم في كل شيء، ونحن الآن نوافقهم في كل شيء، وإن أردت أن تعرف هذا الواقع فصوب النظر يميناً أو يساراً فستعلم أننا نتبعهم كما قال ﷺ : (شبراً بشبر، وذراعاً بذراع). لما أمره الله أن يستقبل المسجد الأقصى امتثل النبي ﷺ لأمر الله، وامتثل من معه لأمر الله، وكان الأمر على غير رغبتهم، ولكني أقول: متى كان للمؤمن رغبة أمام أمر الله؟ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، ولذلك الدرس الأول من الاتجاه إلى المسجد الأقصى هو: الامتثال الفوري لأمر الله حتى وإن خالف الهوى، فكان ﷺ يصلي إلى المسجد الأقصى وبعد أن ينتهي من صلاته يقلب بصره في السماء في أدب مع ربه سائلاً الله أن يحول القبلة إلى المسجد الحرام؛ لأن اليهود قالوا: محمد تبع قبلتنا وغداً سيتبع ديننا، وأخذوا يرجفون في المدينة، فأنزل الله عليه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤]، فاستدار النبي ﷺ ، وفي الحديث: أنه مكث ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، قال ابن حجر في فتح الباري: إن كانت ستة عشر فيكون تحويل القبلة في نصف رجب، وإن كانت سبعة عشر فيكون التحويل في نصف شعبان على اختلاف بين الرواة. استدار النبي ﷺ وصلى إلى المسجد الحرام، ووصل الخبر إلى اليهود وهم أساتذة في نشر الشائعات، قالوا: يا محمد ﷺ ! إن كانت القبلة خاطئة فلم صليت إليها؟ وإن كانت صحيحة فلم تركتها؟ ثم أخبرنا عن حكم أصحابك الذين ماتوا وهم يصلون إلى المسجد الأقصى، فأنزل الله رداً عليهم فقال سبحانه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٢]، لذلك هناك كتاب يحمل عنوان: برتوكولات حكماء صهيون، والصواب أن يسمى: برتوكولات سفهاء صهيون، لأن الذي سماهم سفهاء هو الله، قال سبحانه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾ [البقرة:١٤٢ - ١٤٣]، أي: المسجد الأقصى ﴿الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة:١٤٣] أي: اختباراً للإيمان، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] يعني: صلاتكم. والبخاري لفقهه العالي في كتاب الإيمان يبوب أبواباً، فيقول: باب إقامة الصلاة من الإيمان، باب إلقاء السلام من الإيمان، باب إطعام الطعام من الإيمان، باب اتباع الجنائز من الإيمان، أتدرون لماذا؟ ليجيب على المرجئة الذين قالوا: إن الإيمان قول بدون عمل، كما يقول بعض المسلمين اليوم إذا قيل له صل، فيقول: أنا لا أصلي لكن قلبي أبيض والحمد لله؛ لأن الإرجاء معناه: أن يؤخر العمل عن القول، فأراد البخاري أن يبين: أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان، واعتقاد بالقلب.

стр. 355

العلم مناط التكليف أحبتي الكرام! آخر درس -وهو هام جداً-: أنه كان في مسجد قبا جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ يصلون وما وصلهم خبر تحويل القبلة إلا في صلاة الفجر، يعني: أنهم صلوا العشاء والمغرب إلى القبلة القديمة: المسجد الأقصى، والقبلة قد تحولت إلى المسجد الحرام، لكن صلاتهم صحيحة؛ لأنهم يعذرون بعدم علمهم، ولم يأمرهم النبي ﷺ أن يعيدوا المغرب والعشاء، يقول ابن كثير: فالعلم مناط التكليف، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، ولذلك ما أمرهم بالإعادة. ولذلك لما قرأ عدي بن حاتم قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] فهم الآية فهماً خاطئاً، فأتى بخيط أبيض وأتى بخيط أسود ووضعهما تحت الوسادة، وجعل ينظر إلى الخيطيين فلا يميز فيأكل ويشرب، فظل يأكل ويشرب حتى تبين له الخيطان، فلما وصل ذلك إلى رسول الله ﷺ قال: (إنك رجل عريض القفا، وإنما هو بياض الفجر وسواد الليل) ولم يأمره بإعادة الصيام؛ لأن الله قال: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فالخطأ مرفوع عن أمة النبي محمد ﷺ . أحبتي الكرام! مخرج الأمة في العلم، ولا مخرج لنا إلا بالعلم، فتعلموا العلم الشرعي، عضوا عليه بالنواجذ؛ لأن المشكلة مشكلة عدم فهم للنصوص، فيوم أن نكون على علم لن تحدث الفرقة أبداً، ولن يحدث الاختلاف إلا بغياب نص أو بسوء فهم. أحبتي الكرام! وشهر شعبان من الأشهر المباركة التي كان يكثر من صيامها النبي ﷺ ، شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله، ونحن على مقربة من شهر القرآن، شهر الصيام، شهر النصر، شهر الفتوحات. فاللهم إنا ندعوك ونحن في شهر شعبان أن تمكن لدينك في الأرض، اللهم مكن لدينك في الأرض، اللهم مكن لدينك في الأرض. اللهم انصر عبادك المستضعفين في فلسطين، وانصر عبادك المستضعفين في أفغانستان، وانصر عبادك المستضعفين في كشمير، وانصر عبادك المستضعفين في البوسنة، وانصر عبادك المستضعفين في كل مكان، فأنت ربنا وأنت حسبنا، اللهم سدد رميهم، واجعل الدائرة على أعدائهم، اللهم أيدهم بجنودك فإنك على ما تشاء قدير. اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار. اللهم من أرادنا والإسلام بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا والإسلام بشر فاجعل كيده في نحره، وأهلكه كما أهلكت عاداً وثمود وفرعون. اللهم ارحم أطفال أفغانستان، وارحم نساء أفغانستان، وارحم شيوخ أفغانستان، برحمتك الواسعة يا أرحم الراحمين، إنك على ما تشاء قدير، اللهم سلط على عدوهم الأمراض الخبيثة، اللهم أهلكهم بدداً، وأحصهم عدداً ولا تبق منهم أحداً، اللهم جمد الدم في عروقهم إنك على ما تشاء قدير وأنت حسبنا ونعم الوكيل. اللهم إنا نعوذ بك من السلب بعد العطاء، ونعوذ بك من الذل بعد العز. اللهم مكن لدينك في الأرض. اللهم حرر الأقصى من الغاصبين، وحرر الأقصى من الظالمين، واكتب لنا فيه صلاة يا رب العالمين، فإنك على ما تشاء قدير. اللهم وفق الأمة لما تحبه وترضاه. اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا. اللهم ارحمنا إذا وارانا التراب، ارحمنا إذا فارقنا الأهل والأحباب، ارحمنا ونحن في القبور فراداً، وبيض وجوهنا عند سواد وجوه، وثبت أقدامنا على الصراط وأمنِّا عند الفزع الأكبر. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم اجعلنا من أهل القرآن، وارزقنا حب القرآن، وارزقنا فهم القرآن، وارزقنا نور القرآن، وارزقنا بركة القرآن، واستر عوراتنا بالقرآن، وبارك في أرزاقنا بالقرآن، واحفظ أعراضنا بالقرآن، اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك يا رب العالمين، اللهم علمنا من القرآن ما جهلنا، ذكرنا منه ما نسينا. وارزقنا علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، وجسداً على البلاء صابراً. ربنا لا تجعلنا فتنة للذين ظلموا ربنا إنك رءوف رحيم. اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
следующие страницы →