← Джавами‘

Джавами‘ · id 37774

دروس الشيخ أسامة سليمان

أسامة سليمان

Полный текст (888 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

اعتراضات قوم نوح وقد كان الجدال بين نوح وبين قومه على النحو الآتي: الاعتراض الأول قالوا: يا نوح! إنك بشر والنبوة لا تكون في البشر، لو شاء الله أن يرسل نبياً لأرسل ملكاً. هذا هو الاعتراض الأول، ولذلك -إخوتي الكرام- أركز هنا على أمر هام إلا وهو بشرية الأنبياء والرسل، الأنبياء جميعاً بشر، ويترتب على هذه البشرية أنهم يمرضون، كما قال الله عن إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠]، وأنهم يبتلون، كما قال الله عن يوسف: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف:٤٢]، وأنهم يعملون، كما قال الله عن داود: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء:٨٠]، كل ذلك ثابت في حق الرسل، وأنهم يتزوجون، وأنهم يصابون، فلقد أصيب الحبيب محمد ﷺ يوم أحد بجرح في فمه فنزف الدم من فمه الطاهر ﵊، وشج رأسه وأخذ يمسح الدم من على وجهه ويقول: (كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم)، ويوم أن ذهب إلى أهل الطائف يدعوهم إلى العبادة والتوحيد، رموه بالحجارة وهددوه، وهذا هو حال الدعاة إلى الله في كل الأزمنة والعصور، يقذفون بالحجارة، ولكنهم يعطون رطباً جنياً كحال النخلة كما قال علماؤنا. هذا هو طريق الدعوة إلى الله، ليس مفروشاً بالورود، طريق الأنبياء والرسل، طريق البذل والعطاء، طريق التضحية بالنفس والمال والولد، طريق الأنبياء هو طريق الدعوة إلى الله ، خرج النبي ﷺ من الطائف والناس يرمونه بالحجارة، وزيد يتلقى كل حجر برأسه ليدافع عن رسول الله ﷺ ، حتى وصلت الحجارة إلى قدم الحبيب محمد فأدمت قدميه، والحديث ضعفه بعض العلماء وصححه البعض، خرج من الطائف والدم يسيل من قدمه وهو يقول: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الرحمين أنت ربي ورب المستضعفين إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي)، وكذلك كان في غزوة الأحزاب يوم أن تحالفت كل قوى الشرك -كما يحدث الآن- على ضرب الدولة الإسلامية في مدينة رسول الله. أرسل اليهود وفداً من بني النضير يجوب القرى ويجمع الموافقات لضرب المدينة المنورة، ضربة واحدة لا يقوم للإسلام بعدها دولة أبداً، فجمعوا عشرة آلاف مقاتل، بينما كل من في مدينة رسول الله ﷺ لا يصل عددهم إلى هذا الحد، فخرج النبي ﷺ بثلاثة آلاف، إذاً: لا توازن في القوى: عشرة مقابل ثلاثة، ولكن النصر لا يأتي بكثرة العدد؟! إن الذي يملك النصر هو رب العالمين سبحانه، ولذلك خرج النبي ﷺ واستشار أصحابه؛ لأنه لم يكن يوماً ينفرد بقرار، إن لم يكن في المسألة حكم شرعي فإنه يستشير أصحابه، ونزل على رأي سلمان وحفر خندقاً حول المدينة؛ ليحول بين قوة المشركين وبين دخول المدينة، ولم يكتف رسول الله ﷺ بإصدار الأمر بحفر الخندق وجلس يتابع عن بعد الذين أصدر لهم الأمر لأنه الإمام، يقول البراء بن عازب وجابر بن عبد الله: نظرنا إلى النبي ﷺ يوم غزوة الأحزاب والتراب يعلوا صدره ورأسه، وأخذنا ننفض التراب عن رأسه، وكان الصحابة لشدة الجوع يربطون حجراً على بطونهم، فكشف الحبيب عن بطنه فإذا بحجرين على بطن رسول الله، هم يربطون حجراً وهو يربط حجرين، وإذا بالحبيب ﷺ ينظر إلى وجوه أصحابه فيجد ألم الجوع في وجوههم فيقول (اللهم إن العيش عيش الآخره فاغفر للأنصار والمهاجرة فيجيبون: نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما حيينا أبدا). ويدخل النبي ﵊ ويتضرع إلى ربه والصحابة نيام: (اللهم يا مجري السحاب ويا منزل الكتاب اهزم الأحزاب)، فإذا بالله يرسل ريحاً على المشركين دون قتال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]. الاعتراض الثاني: أن الذين اتبعوه أراذل القوم، أي: ضعفاء فقراء، قال تعالى: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود:٢٧]، يا نوح! الذين يتبعونك حفنة، شرذمة خارجة عن الشرعية وخارجة عن الحكم، فلماذا لا يتبعك الأسياد؟! الاعتراض الثالث: أنكم تريدون أن تكونوا أفضل منا. الاعتراض الرابع: أن قوم نوح يريدون أن يكونوا سادة وأن يكون الباقون تبعاً لهم، وقد ذكر القرآن الكريم هذه المجادلات والمحاورات، قال سبحانه: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [هود:٣٢]، وذلك عند يأس نوح من إيمان قومه، فأوحى الله إليه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا

стр. 352

الاستهزاء والسخرية بالدعاة دأب المجرمين وعندما كان نوح يصنع السفينة بأمر من الله كان يجد الأذى من قومه، قال تعالى: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود:٣٨]، إذاً: سلاح السخرية من الموحدين سلاح قديم، كان في زمن نوح، فإذا مر بك أحد هؤلاء السفهاء يضحك على التزامك كلما أظهرت سنة لرسول الله، فتذكر قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣١]. قال سبحانه عن نوح: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ﴾ [هود:٣٨] يعني: جماعة، ﴿مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود:٣٨]. إن من أسباب الردة والخروج من الدين السخرية من شرع رب العالمين، أو التعريض بحديث لرسول الله ﷺ ليضحك الناس، وهذا دأب البطالين والسفهاء لا يجدون ما يضحكون الناس به إلا القرآن، وإلا السنة، يعرضون بحديث، أو بسنة، أو بقرآن؛ حتى يضحك الناس، وفي غزوة من الغزوات كان مع النبي ﷺ جماعة من المنافقين فرأوا حملة القرآن وهم في طريق العودة فقالوا لهم: ما نراكم إلا أرغبنا بطوناً، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء، فإذا بالوحي ينزل على رسول الله ﷺ : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]. وفي هذا العصر يكتب عربيد في أحد رواياته: الله في مدينتي مشرد طريد، الله في مدينتين تبيعه اليهود! الله سلعة عند هذا الكافر المرتد! وآخر يرسم كاريكاتير لرجل يركب الحمار، وتحت الحمار تسعة نسوة، ثم يكتب تحت الكاريكاتير هذا محمد وأزواجه التسعة! يسخر من سيد البشر محمد خاب وخسر، وتارة يسخرون من النقاب، وتارة من اللحية، ومن تقصير الثياب تارة، ومن صلاة الجماعة تارة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٢٩]، فإن ضحك عليك المجرمون فهنيئاً لك؛ لأنك على طريق الحق، ومن ضحك هنا بكى هناك ومن بكى هنا ضحك هناك، قال الله سبحانه: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين:٣٤ - ٣٦]، ضحكوا هنا على عباد الله، فبكوا هناك بكاءً شديداً، بل زادهم الله على ذلك سواد الوجه قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس:٣٨ - ٤٢]. ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود:٣٨]، يا نوح! أصبحت نجاراً بعد أن كنت نبياً رسولاً، يا نوح السفينة التي تصنعها متى ستسير؟ وأين الماء الذي ستسير عليه؟

стр. 353

نجاة نوح ﵇ والمؤمنين وهلاك الكافرين أوحى الله سبحانه إلى نوح بقوله: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود:٣٦ - ٣٧]، ثم جعل الله لنوح علامة يعرف بها قرب نزول العذاب، يقول ربنا سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود:٤٠] (التَّنُّورُ): هو مكان الخبز، (فَارَ التَّنُّورُ)، فهذه علامة على نزول العذاب، ثم أوحى الله إلى نوح أن: احمل في السفينة: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [هود:٤٠]، وكلمة (وَأَهْلَكَ) هنا: يدخل فيها الولد وتدخل فيها الزوجة، لكن الله قال: ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]. أيها الدعاة! لا تنتظروا إلى كثرة العدد فإن العدد لا يقدم ولا يؤخر، إن النبي قد يأتي يوم القيامة وليس معه أحد، مع أنه بلغ، وأقام الحجة، ولكن كما قال الله سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢]، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢١ - ٢٢]. يقول ربنا ﵎: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ [هود:٤١ - ٤٢]، أنزل الله الطوفان على الإنسانية في زمن نوح ولم ينج إلا عدد قليل، ثم أهلك الله الأرض ومن عليها، تقول بعض كتب التفاسير: إن الذين نجو مع نوح في السفينة اثنا عشر شخصاً، فالعبرة ليست بالكثرة، أرسل الله على الإنسانية طوفاناً من أعلى ومن أسفل، والله له جنود لا يعلمها إلا هو، اسمع إلى قول الله: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة:٥ - ٧] متتابعة، ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧]. أرسل الله الطوفان فأغرق جميع أهل الشرك والكفر ولم ينج إلا من آمن مع نوح. يقول الله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٢ - ٤٣] وهذا فيه إشارة إلى أن النسب الحقيقي هو نسب العقيدة والدين، نوح ينادي ربه ويقول: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود:٤٥]، فيقول الله له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:٤٦] هذا ولاء وبراء، أخوك الحقيقي هو من يحمل العقيدة التي تحملها، وإن كان أخوك لرحم وخرج عن دائرة الإيمان فهو ليس أخاك. يقول الله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾ [الممتحنة:٤]، ويقول النبي ﷺ : (أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله)، ولذلك يقول تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢]. أحبتي الكرام: إن مفتاح النصر لأمة الإسلام هو التضرع والدعاء لله ؛ لأن الله قادر، فإن كنا لا نملك شيئاً لإخواننا المسلمين الذي يعذبون الآن بيد إخوان القردة والخنازير فيجب علينا أن ندعو لهم: اللهم اربط على قلوبهم، وسدد رميهم، واجعل الدائرة على أعدائهم، اللهم اهلك عدوهم إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير، وأنت حسبنا. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 354

مخالفة النبي ﷺ لليهود الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: أحبتي الكرام! لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة أمره الله أن يستقبل المسجد الأقصى كقبلة، والنبي ﵊ كان لا يحب أبداً أن يشارك أهل الكتاب في شيء، كانوا لا يصلون في نعالهم وكان يصلي في نعله، وكانوا لا يغيرون البياض في لحاهم ورءوسهم، فكان النبي ﷺ يأمر الصحابة بالتغيير، ولما أرادوا دعوة الناس إلى صلاتهم قالوا: نشعل ناراً كما تفعل اليهود، أو يدقون ناقوساً كما تفعل النصارى، فأبى النبي ﷺ أن يدق الناقوس أو أن يشعل النيران حتى نزل الوحي بالأذان، فكان يحب أن يخالفهم في كل شيء، ونحن الآن نوافقهم في كل شيء، وإن أردت أن تعرف هذا الواقع فصوب النظر يميناً أو يساراً فستعلم أننا نتبعهم كما قال ﷺ : (شبراً بشبر، وذراعاً بذراع). لما أمره الله أن يستقبل المسجد الأقصى امتثل النبي ﷺ لأمر الله، وامتثل من معه لأمر الله، وكان الأمر على غير رغبتهم، ولكني أقول: متى كان للمؤمن رغبة أمام أمر الله؟ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، ولذلك الدرس الأول من الاتجاه إلى المسجد الأقصى هو: الامتثال الفوري لأمر الله حتى وإن خالف الهوى، فكان ﷺ يصلي إلى المسجد الأقصى وبعد أن ينتهي من صلاته يقلب بصره في السماء في أدب مع ربه سائلاً الله أن يحول القبلة إلى المسجد الحرام؛ لأن اليهود قالوا: محمد تبع قبلتنا وغداً سيتبع ديننا، وأخذوا يرجفون في المدينة، فأنزل الله عليه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤]، فاستدار النبي ﷺ ، وفي الحديث: أنه مكث ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، قال ابن حجر في فتح الباري: إن كانت ستة عشر فيكون تحويل القبلة في نصف رجب، وإن كانت سبعة عشر فيكون التحويل في نصف شعبان على اختلاف بين الرواة. استدار النبي ﷺ وصلى إلى المسجد الحرام، ووصل الخبر إلى اليهود وهم أساتذة في نشر الشائعات، قالوا: يا محمد ﷺ ! إن كانت القبلة خاطئة فلم صليت إليها؟ وإن كانت صحيحة فلم تركتها؟ ثم أخبرنا عن حكم أصحابك الذين ماتوا وهم يصلون إلى المسجد الأقصى، فأنزل الله رداً عليهم فقال سبحانه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٢]، لذلك هناك كتاب يحمل عنوان: برتوكولات حكماء صهيون، والصواب أن يسمى: برتوكولات سفهاء صهيون، لأن الذي سماهم سفهاء هو الله، قال سبحانه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾ [البقرة:١٤٢ - ١٤٣]، أي: المسجد الأقصى ﴿الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة:١٤٣] أي: اختباراً للإيمان، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] يعني: صلاتكم. والبخاري لفقهه العالي في كتاب الإيمان يبوب أبواباً، فيقول: باب إقامة الصلاة من الإيمان، باب إلقاء السلام من الإيمان، باب إطعام الطعام من الإيمان، باب اتباع الجنائز من الإيمان، أتدرون لماذا؟ ليجيب على المرجئة الذين قالوا: إن الإيمان قول بدون عمل، كما يقول بعض المسلمين اليوم إذا قيل له صل، فيقول: أنا لا أصلي لكن قلبي أبيض والحمد لله؛ لأن الإرجاء معناه: أن يؤخر العمل عن القول، فأراد البخاري أن يبين: أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان، واعتقاد بالقلب.

стр. 355

العلم مناط التكليف أحبتي الكرام! آخر درس -وهو هام جداً-: أنه كان في مسجد قبا جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ يصلون وما وصلهم خبر تحويل القبلة إلا في صلاة الفجر، يعني: أنهم صلوا العشاء والمغرب إلى القبلة القديمة: المسجد الأقصى، والقبلة قد تحولت إلى المسجد الحرام، لكن صلاتهم صحيحة؛ لأنهم يعذرون بعدم علمهم، ولم يأمرهم النبي ﷺ أن يعيدوا المغرب والعشاء، يقول ابن كثير: فالعلم مناط التكليف، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، ولذلك ما أمرهم بالإعادة. ولذلك لما قرأ عدي بن حاتم قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] فهم الآية فهماً خاطئاً، فأتى بخيط أبيض وأتى بخيط أسود ووضعهما تحت الوسادة، وجعل ينظر إلى الخيطيين فلا يميز فيأكل ويشرب، فظل يأكل ويشرب حتى تبين له الخيطان، فلما وصل ذلك إلى رسول الله ﷺ قال: (إنك رجل عريض القفا، وإنما هو بياض الفجر وسواد الليل) ولم يأمره بإعادة الصيام؛ لأن الله قال: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فالخطأ مرفوع عن أمة النبي محمد ﷺ . أحبتي الكرام! مخرج الأمة في العلم، ولا مخرج لنا إلا بالعلم، فتعلموا العلم الشرعي، عضوا عليه بالنواجذ؛ لأن المشكلة مشكلة عدم فهم للنصوص، فيوم أن نكون على علم لن تحدث الفرقة أبداً، ولن يحدث الاختلاف إلا بغياب نص أو بسوء فهم. أحبتي الكرام! وشهر شعبان من الأشهر المباركة التي كان يكثر من صيامها النبي ﷺ ، شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله، ونحن على مقربة من شهر القرآن، شهر الصيام، شهر النصر، شهر الفتوحات. فاللهم إنا ندعوك ونحن في شهر شعبان أن تمكن لدينك في الأرض، اللهم مكن لدينك في الأرض، اللهم مكن لدينك في الأرض. اللهم انصر عبادك المستضعفين في فلسطين، وانصر عبادك المستضعفين في أفغانستان، وانصر عبادك المستضعفين في كشمير، وانصر عبادك المستضعفين في البوسنة، وانصر عبادك المستضعفين في كل مكان، فأنت ربنا وأنت حسبنا، اللهم سدد رميهم، واجعل الدائرة على أعدائهم، اللهم أيدهم بجنودك فإنك على ما تشاء قدير. اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار. اللهم من أرادنا والإسلام بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا والإسلام بشر فاجعل كيده في نحره، وأهلكه كما أهلكت عاداً وثمود وفرعون. اللهم ارحم أطفال أفغانستان، وارحم نساء أفغانستان، وارحم شيوخ أفغانستان، برحمتك الواسعة يا أرحم الراحمين، إنك على ما تشاء قدير، اللهم سلط على عدوهم الأمراض الخبيثة، اللهم أهلكهم بدداً، وأحصهم عدداً ولا تبق منهم أحداً، اللهم جمد الدم في عروقهم إنك على ما تشاء قدير وأنت حسبنا ونعم الوكيل. اللهم إنا نعوذ بك من السلب بعد العطاء، ونعوذ بك من الذل بعد العز. اللهم مكن لدينك في الأرض. اللهم حرر الأقصى من الغاصبين، وحرر الأقصى من الظالمين، واكتب لنا فيه صلاة يا رب العالمين، فإنك على ما تشاء قدير. اللهم وفق الأمة لما تحبه وترضاه. اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا. اللهم ارحمنا إذا وارانا التراب، ارحمنا إذا فارقنا الأهل والأحباب، ارحمنا ونحن في القبور فراداً، وبيض وجوهنا عند سواد وجوه، وثبت أقدامنا على الصراط وأمنِّا عند الفزع الأكبر. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم اجعلنا من أهل القرآن، وارزقنا حب القرآن، وارزقنا فهم القرآن، وارزقنا نور القرآن، وارزقنا بركة القرآن، واستر عوراتنا بالقرآن، وبارك في أرزاقنا بالقرآن، واحفظ أعراضنا بالقرآن، اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك يا رب العالمين، اللهم علمنا من القرآن ما جهلنا، ذكرنا منه ما نسينا. وارزقنا علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، وجسداً على البلاء صابراً. ربنا لا تجعلنا فتنة للذين ظلموا ربنا إنك رءوف رحيم. اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 356

العاقبة للمتقين الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. وبعد: أحبتي الكرام! هناك بعض المعاني الهامة جداً التي نريد أن نبينها، منها: أنه في غزوة الأحزاب -كما بينا- كان الذي جمع قوى الشرك هم اليهود، فبعد إجلاء يهود بني النضير من المدينة حقدوا على دولة الإسلام، فانطلقوا يؤلبون الناس على الإسلام والمسلمين، وهذا يشير إلى أن اليهود هم خلف كل فساد يقع على الأرض، ولذلك يقول ربنا ﵎ في وصفهم: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨]، ويقول سبحانه: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧]، وقال ربنا سبحانه أيضاً في وصفهم: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة:١٠٩]. وهناك بعض ضعاف الإيمان يقولون: لو أن الحق مع المسلمين فلماذا لا ينصرهم الله؟ وهذا بلاء، وتمحيص، واختبار، ولكن ليعلم الجميع أن العاقبة للتقوى؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، فالنصر للرسل وللمؤمنين الذين هم أتباع الرسل ولا شك، ولكن ما معنى النصر؟ قد يكون النصر بالقتل، فإن الغلام الذي جاء في قصة أصحاب الأخدود قتل وانتصرت دعوته، فيوم أن كان الغلام يتردد على الساحر والراهب -كما في صحيح مسلم - وسمع من الراهب ما سمع، وآمن بما يقول الراهب، وفي نهاية الحديث أنه قال للملك الظالم: إنك لن تقتلني إلا إذا فعلت ما أمليه عليك، فقال الملك: ماذا تريد؟ فقال الغلام: اجمع الناس في صعيد واحد، ثم خذ سهماً من كنانتي، ثم قل: باسم الله رب الغلام، فإن فعلت ذلك فإنك قاتلي. هنا -أيها الإخوة الكرام- فعل الملك ما أملاه عليه الغلام، أمسك بالسهم وقال: باسم الله رب الغلام، وأطلق السهم فوقع في صدغ الغلام فوضع يده على صدغه فمات، فإذا بالحضور يقولون: آمنا بالله رب الغلام، فالغلام مات وانتصرت دعوته، فالنصر قد يأتي بعد الموت، وهذا مفهوم من مفاهيم النصر. وهذا زكريا ﵇ نبي قتله اليهود، ويحيى ﵇ كذلك قتله اليهود، والله يقول: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر:٥١]، إذاً: إذا كان القتل لا يعني نصراً فقتل زكريا ويحيى يعني هزيمة، والله يقول: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]. والله إذا أراد أمراً يسر له أسبابه، والعبد لا يعلم، ففرعون لما أخبر أنه سيولد في بني إسرائيل غلام سيكون على يده نهاية ملكه ماذا صنع؟ أصدر قانوناً بأن تتابع كل امرأة في بني إسرائيل، وهذا سلاح التحريات، فإذا وضعت ذكراً قتل، وإذا وضعت أنثى تركت، يقول ربنا في ذلك: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة:٤٩]، وفي هذه الظروف وفي هذه الشدة، وفي وسط هذا القتل ولد موسى ﵇، يا فرعون! إن كنت رباً كما تقول فامنع ميلاد موسى، وليس ذلك فحسب وإنما سيربى موسى في بيتك وتحت يدك ويستمد قوته منك، أي: أنه سيكون صاحب حسب وقوة في مصر؛ لأنه تربى في بيت فرعون. يقول الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧]. ولد موسى وامتثلت أمه لأمر الله فألقته في التابوت، فسار التابوت في البحر بأمر الله حتى وصل إلى الشاطئ، والتقطه آل فرعون، فتح الصندوق فإذا فيه غلام، فاصدر فرعون أمراً بقتله، قالت امرأة فرعون: لا تقتلوه. -والفراعنة كثيراً ما يمتثلون لأمر نسائهم، فنشأ موسى في هذه الظروف وتربى، وكان على يده نهاية فرعون، من الذي رباه؟ فرعون، نشأ تحت عين من؟ فرعون، إن الله إذا أراد شيئاً يسر له أسبابه.

стр. 357

اليهود وقلب الحقائق وكتمانها أحبتي الكرام: من دأب اليهود قلب الحقائق، كقصة الهيكل كما قلنا قبل، فالذي بنى المسجد الأقصى على الراجح هو داود ﵇، والذي جدد البناء ابنه سليمان، كما أن إبراهيم ﵇ هو رفع قواعد المسجد الحرام، وليس هو أول بأن له إنما هو الذي رفع قواعده، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة:١٢٧]، فالمسجد الحرام هو أول مسجد وضع في الأرض للناس، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٦]، وسليمان ﵇ أعاد بناء المسجد الأقصى، فلما أتم بناء المسجد الأقصى بنى قصر الملك الذي يسمى: الهيكل بجوار المسجد، وأخذ فيه مدة أطول من بناء المسجد كما يقول العلماء، واليهود يزعمون أن المسجد الأقصى مبني فوق الهيكل، يعني: أن الهيكل هدم وبني مكانه المسجد الأقصى، فهم يريدون أن يهدموا المسجد الأقصى لأجل أن يقيموا الهيكل بدلاً منه، إذاً قصة الهيكل وأنه مكان المسجد الأقصى كذب وافتراء، فيا من تريدون الهيكل احترموا صاحب الهيكل، ومن صاحب الهيكل؟ إنه سليمان، ولكن ماذا يقولون في سليمان؟ في توراتهم في سفر التكوين أو غيره يقولون: لقد كان ابن داود ساحراً دجالاً، يتهمونه بالسحر والدجل، ولذلك قال ربنا في هذا: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢]. ويقولون أيضاً: إن سليمان كان محباً للنساء، ويعشق النساء حتى إن محبته للنساء أنسته أن يبلغ الرسالة، ولذلك يسمونه بسليمان الحكيم ولا يعترفون بنبوته، فإن كانوا يريدون إقامة الهيكل فلماذا لا يوقرون صاحب الهيكل، لكنهم قوم لا خلاق لهم، يقول ربنا ﵎ عنهم: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٠٠]، وكلمة (كُلَّمَا) تفيد الاستمرار والتجديد، ذهب نيتنياهو فجاء باراك، ذهب باراك فجاء شامير الإرهابي الذي قتل أبناءنا تقتيلاً، وبالأمس سحقت مدن كاملة في فلسطين، والأمة تكتفي بشعارات الشجب والاستنكار والمؤتمرات التي تصدر وصايا، ونتائج، ومقترحات. يا عباد الله! إن هذه الدماء أمانة في أعناقنا سنسأل عنها بين يدي الله . أحبتي الكرام! في قصة نوح أردت أن أركز على معنى واحد، وهو أن سلاح نوح كان الدعاء، لم يكن مع نوح قنابل، ولا صواريخ، ولا أسلحة دمار شامل، ولا أسلحة كيماوية، ولا نووية، إنما كان مع نوح سلاح الدعاء، قال تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:١٠] فكانت الإجابة: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر:١١ - ١٢]. ثم بعد أن أهلك الله من في الأرض: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ [هود:٤٤]، وهذا الأمر من الله إلى الأرض والسماء: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود:٤٤]، (غِيضَ الْمَاءُ) يعني: جف الماء، وعندما تفتح أبواب السماء بالماء والأرض تتفجر عيوناً فكم هي المدة التي تحتاج إليها الأرض من أجل أن يجف الماء؟ إنها تحتاج لفترة طويلة، لكن الله قال: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود:٤٤] يعني: جف، فالذي أمر الأرض أن تجف هو الله، والذي أمر السماء أن تفتح هو الله، فهو قادر على كل شيء. ولعل هذا البلاء خير للأمة حتى تستيقظ من غفوتها وتعود إلى ربها وتتضرع في سجودها، فقد جاء في الأثر: أن العبد قد يدعو ربه والإجابة تتأخر، فتقول الملائكة: يا رب! عبدك فلان -وليس هذا اعتراضاً، وإنما الملائكة تعرف أن هذا العبد صالح- فيقول الله : أجلوا مسألته فإني أحب أن أسمع صوته، فالله قد يريد بنا البلاء حتى يعود الناس إلى الله .

стр. 358

قصة موسى وفرعون

стр. 359

هجمة علماني على الشريعة المطهرة في الأسبوع الماضي وقع في يدي كتاب يحمل عنوان: (الفاشيون والوطن)، مؤلفه علماني صرف، معروف بعلمانيته، اسمه السيد القمني وأنا لا أعرف من هذا القمني، لما تقرأ في الكتاب تجد فيه طعناً مباشراً في سنة رسول الله، وطعناً مباشراً في دين رب العالمين، وسأعطيكم نموذجين فقط من كلامه، يقول: وحد الرجم حد تستنكره الطباع وترفضه المجتمعات وتأباه النفوس، لذلك ينبغي أن يلغى ذلك الحد من دين رب العالمين! يريد أن يلغي حد الرجم، وأحاديث الرجم متواترة صحيحة، والنبي قد رجم ماعزاً والغامدية، وعمر رجم، والصديق رجم، وتواتر حد الرجم، ولم ينكر الرجم إلا الخوارج؛ بل إن الرجم في التوراة: لما زنا رجل يهودي بامرأة يهودية وقرءوا في توراتهم فوجدوا أن حدهما الرجم، قالوا: هيا بنا إلى محمد ﷺ لعلنا نجد عنده تخفيفاً. قالوا: يا محمد ﷺ ! ما عقوبة الزاني المحصن عندكم؟ قال لهم: كما هي عندكم، قالوا: عندنا التعزير -يعني: ليس عندنا الرجم- وكان عبد الله بن سلام واقفاً، فقال ﷺ : ائتوني بالتوراة. فأتوه بها فقام القارئ ووضع يده على نص الرجم، فقال ابن سلام: ارفع يدك، فإذا بحد الرجم، ولذلك قال ربنا: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة:٤٣] (حُكْمُ اللَّهِ): الرجم، جاء القمني ليقول: لا رجم. الثانية: يقول: الطلاق كان قديماً يقع بالتلفظ؛ لأنه لم يكن هناك وثائق توثق الطلاق، أما الآن فأقول: إذا تلفظ الرجل بالطلاق على زوجته فلا ينبغي أن يقع إلا إذا وثق عند مأذون، وهذا طعن في الشريعة، ويقول: إن السنة جمعت بعد مدة طويلة، لذلك لا نأمن في نقلها؛ لأن الذين نقلوها رجال يصيبون ويخطئون ولا عصمة إلا للقرآن، أما السنة فليس لها عصمة، يريد أن يرد الناس إلى مصدر واحد، ولذلك يقول ربنا ﵎ في أمثال هؤلاء: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:١١٨]. أسأل الله ﵎ أن يردنا إلى الإسلام رداً جميلاً، وأن يحفظ لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأن ينجينا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يرزقنا الإخلاص في القول العمل، وفي السر والعلن، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 360

وثيقة حرمات لا حدود بعد أن أكمل الله تعالى هذا الدين، وأتم نعمته على المسلمين اقترب أجل النبي ﷺ ، فكانت خطبة الوداع التي تضمنت جملة عظيمة من الأحكام، وكانت وثيقة حفظ لحرمات المسلمين، ومن هذه الحرمات حرمة الدماء والأموال والأعراض، وبيَّن ﷺ فيها أن كل أمور الجاهلية موضوعة، ومن ذلك الربا، فمن تعامل به بعد ذلك محقت بركة رزقه، فإنه سبحانه قد أعلن حربه على من تعامل به، وشواهد الزمان تصدق ذلك.

стр. 361

خطبة الوداع وما احتوتها من وثيقة حرمات الحمد لله رب العالمين ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة:٧]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، يغني فقيراً، ويفقر غنياً، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، مستو على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، تنزه عن الزوجة والولد: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين والملأ الأعلى إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الإخوة الكرام الأحباب! ينبغي أن يكون الكلام موافقاً لمقتضى الحال، ونحن في هذه الأيام المباركة ينبغي علينا أن نعيش مع الحج؛ ولذلك سيتعلق الحديث بخطبة النبي محمد ﷺ ، المعروفة عند العلماء بخطبة الوداع، أبلغ خطبة عرفها التاريخ، وأجمع خطبة جمعت فأوعت على جبل عرفة، وفي يوم التاسع من ذي الحجة، وبين المسلمين بعد أن أكمل الله الدين، وأتم النعمة، وجاء الحق وزهق الباطل، وارتفعت راية التوحيد بعد أن أخرجوا من مكة أذلاء رغم إرادتهم، عادوا مرفوعي الرأس، قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء:٨١]، وشعارهم: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]. شاء الله أن يرى النبي محمد ﷺ جهود ثمرة الدعوة في هذه اللحظات، فإلى أذن الدنيا نقول: وثيقة حرمات لا حقوق، إن كانت منظمات العالم تدعي اليوم أن هناك منظمات لحقوق الإنسان فنحن نقول: هي وثيقة حرمات وليست حقوقاً، يصدرها نبينا ﷺ للدنيا بأسرها، نعيش مع بعض ملامحها ونتم في اللقاء القادم إن شاء الله.

стр. 362

حرمة الدماء يقول ﵊: (اسمعوا عني فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)؛ لأنه استشعر اقتراب الأجل، والأدلة على ذلك ذكرها علماء السيرة من وجوه عديدة، فقال للناس وهو يؤدي النسك: (اسمعوا عني فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)، وقال لـ معاذ بن جبل حينما أرسله إلى اليمن: (يا معاذ! لعلك لا تلقاني بعد عامي هذا)، فهنا يقول: (اسمعوا عني فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا. إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)، حرمة الدماء، وحرمة الأموال، وحرمة الأعراض. ثم قال لهم: (ألا إن كل شيء من الجاهلية تحت قدمي موضوع، ألا إن كل دم من دماء الجاهلية موضوع تحت قدمي، ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب)، ثم قال: (استوصوا بالنساء خيراً، فإنكم استحللتم فروجهن بأمانة الله)، ثم بين حق الزوج على زوجته وحق الزوجة على زوجها، ثم أصدر الأمر الخاتم: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي). أيها الأحباب الكرام! وكل كلمة في هذه الخطبة تحتاج إلى لقاء، لكننا سنعيش مع اثنين من عناصرها: حرمة الدماء، وأكل الربا؛ وذلك لأننا نرى الاستهانة بأمر الدماء في هذا الزمن، ونبينا ﷺ بين أن دم المسلم دم لا يجوز أن يهدر بحال فقال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة). فالأول: القاتل: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٩]، ويوم أن ضاع هذه المعيار من الأرض استهين بأمر الدماء، فلو علم القاتل أنه سيقتل إذا قتل لكف يده عن قتل أخيه، وأول جريمة قتل وقعت على الأرض نعيش معها من خلال سورة المائدة، ثم ننظر إلى أحوال الأمة، فكل يوم نسمع ونرى بأعيننا موت الآلاف من الموحدين في بقاع الأرض، لم؟! بأيدي من؟ ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨]، القتلى أطفال صغار، والنبي ﷺ عندما أرسل أصحابه إلى غزوة مؤتة أمرهم: ألا يقتلوا طفلاً ولا شيخاً وألا يقتلعوا شجرة من جذورها، وألا يهدموا صومعة على عابد أو متنسك، هذا هو الإسلام، أما هؤلاء فأباحوا دماء المسلمين. يقول ربنا في سورة المائدة: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا﴾ [المائدة:٢٧]، الآيات تعلمنا منهجاً ألا وهو: الستر؛ لأن الأسماء لم تذكر في الآيات، فالقصص القرآني حق لا خيال كما يقول البعض، أو كما يقول أهل الكتاب: تعلمه من سابقيه، شبهات ألقوها في الآونة الأخيرة لا تصدر إلا من ضعاف العقول، يقولون: تعلم القرآن من ورقة بن نوفل، ومن بحيرى الراهب، وكان متزوجاً بأكثر من امرأة، وهذا يدل على أنه كان مزواجاً، هذه شبهات ركيكة لا ينبغي أن نلتفت إليها؛ لأن هؤلاء يقولون أقوالاً هم يعلمون أنها باطلة، فإن نبينا ﷺ تزوج خديجة وعمره لا يتجاوز خمساً وعشرين سنة، وبقيت معه خديجة ﵂، وبعث إلى الناس وعمره أربعون، وظلت معه في مكة مدة العهد المكي ثلاث عشرة سنة، إذاً: من خمس وعشرين إلى ثلاث وخمسين لم يجمع زوجة على خديجة بل ظل زوجاً لامرأة واحدة، وبعد أن هاجر تزوج لأسباب دعوية، فهل بعد ثلاث وخمسين سنة يفكر الرجل أن يكون مزواجاً؟! أين كانت القوة في حال شبابه؟ ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٧٨] حتى قال أحدهم: القرآن محرف، والدليل: أنه جاء بكلمة (الصَّابِئُونَ) مرفوعة، وجاء بكلمة (الصَّابِئِينَ) منصوبة، فهذا تعارض، ثم أخذ يدلل على إلاهية من يزعم أنه إله بأدلة من وحي الخيال. يقول: قال الله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]، وقال عن ابن مريم ﵇: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ﴾ [آل عمران:٤٩]، فاشترك في الخلق عيسى مع الله، إذاً: هو إله، الله يخلق وهو يخلق. فيا عبد الله! أما تتوقف لحظة مع نفسك. إن الله يخلق من عدم، وابن مريم كان يخلق بأمر الله من وجود، لذلك قال: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ [آل عمران:٤٩]، والله هو الذي خلق الطين، ثم قال: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٤٩]، فلا يمكن أن نقول: إن معجزات عيسى ﵇ التي أيده الله بها دليل على أنه الله، هل يكون هذا عاقلاً بحال؟! ومع ذلك تسربت هذه الأقوال إلى بعض شبابنا الآن وطرحو

стр. 363

حرمة المال وأحكام الربا وفي آخر الوصية التحذير من الربا، فقد صحح علماء الحديث فيه أحاديث، منها ما صححه العلامة الألباني: (الربا أكثر من ستين باباً، أيسرها كأن ينكح الرجل أمه)، وحديث: (درهم ربا أشد من ست وثلاثين زنية) انظر -يا عبد الله- إلى حرمة الربا، لذلك قال النبي ﷺ : (ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي)، وعادة البنوك أن تحارب الله ورسوله، والله يقول: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩]، ونحن الآن نرفع شعار الربا، ونقبل التعامل مع الربا في بيوعنا المتعددة: بيع العينة، بيع الملابسة، بيع المنابذة، بيع النجش، أو استبدال ذهب بذهب مع سداد الفرق، وكان آخر التعاملات التي ذاعت في وسطنا منذ أيام وصرحت بها الفتوى الدينار العراقي الأمريكي الجديد، فبعض الإخوة يأتون بملايين الدينارات أو بالآلاف، ويضاربون عليها إلى الوقت الذي يكون لها فيه سعر، فهل هذا مشروع يا عباد الله؟! إن أقل حكم فيه أنه بيع غرر غير معلوم القيمة، وليس له قوة شرائية تحوله إلى سلعة، وإنما أنت الآن تضارب على سعره بعد أن يكون له قيمة، لكننا تركنا الثوابت فتخبطنا يميناً ويساراً.

стр. 364

تعريف الربا لغةً واصطلاحاً الربا: هو الزيادة لغة، أما اصطلاحاً: فهو الزيادة عن أصل الدين مقابل المدة، أعطيتك ألف جنيه تسدد في الموعد المحدد، فإن جاء الموعد المحدد ولم تسدد فإن أي انتظار بعد ذلك بفائدة، والبنوك لا تفعل إلا ذلك، والله يقول: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]، لم يقل: إن كان ذو عسرة فحملوه بالفوائد، بل الأمر المضحك أن رجلاً اقترض مبلغاً من بنك ربوي وعجز عن السداد، فظلوا يحسبون عليه فوائد إلى أن أصبحت الفوائد أكبر من المبلغ الذي اقترضه، فهم قد يسمونها فوائد أو عائداً؛ لأن من سمات أهل الضلال أن يسموا الأشياء بغير اسمها: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥].

стр. 365

المخرج من الربا والحد من انتشاره إننا نريد إسقاط هذه التعاملات عن الواقع المؤلم الذي نعيشه، والذي دخل فيه الربا إلى غالب بيوت المسلمين، كذلك التأمين الزراعي لأريافنا، والتعاملات في القروض أو في الضمان البنكي إلى غير ذلك، فماذا نصنع؟ وما المخرج مما نحن فيه؟ إن من آخر الأحكام التي نزلت على النبي ﵊ أحكام الربا، كما قال بذلك علماء علوم القرآن، فآخر الأحكام نزولاً هي آيات الربا في سورة البقرة، والربا ذكر في سورة البقرة والروم والنساء وآل عمران، وأكثر الآيات تهييجاً وترهيباً قول ربنا سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥]. قال قتادة: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً، علامة له على أنه آكل للربا، وجاء في البخاري في كتاب التعبير عن سمرة: (أن النبي ﷺ رأى رجلاً يسبح في بحر دم؛ كلما وصل إلى شاطئ البحر ألقم حجراً في فمه فيبلع الحجر، ويعود مرة ثانية ويسبح في بحر الدم) يسبح في بحر دم لأن غالب الربا يكون في الذهب والفضة، أي: في اللون الأحمر؛ ولذلك التعاملات في سوق الذهب تحتاج إلى ضبط شرعي؛ لأن غالب التعاملات تخالف الشرع، وفي حياتنا اليوم بيع الذهب بالتقسيط دون التقابض في مجلس العقد، وتبديل القديم بالجديد مع دفع الفرق، فكلها تعاملات ربوية. جاء بلال إلى النبي ﷺ بتمر جيد، فنظر النبي ﷺ إلى التمر وقال: (يا بلال! أوكل تمر خيبر هكذا؟) أي: في جودته، (قال: لا يا رسول الله: إنما هذا تمر جيد استبدلناه بتمر رديء)، يعني: نعطيهم عدداً من التمر الرديء، ويعطوننا بدلاً عنه تمراً جيداً (قال: هذا عين الربا يا بلال!)، لذلك: (التمر بالتمر والفضل ربا). أيها الإخوة الكرام! إن ربا الفضل والنسيئة والتحذير من آكل الربا وبيان عقوبته هو الأصل الثاني في خطبة النبي ﷺ : (ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي هذا)، لكننا اليوم نصر على أن نخرج الربا من تحت قدم النبي ﷺ ليحكم تعاملاتنا في بقاع الأرض.

стр. 366

مقارنة بين ربا الجاهلية وربا اليوم أيها الإخوة الكرام الأحباب! إن كانت المنظمات العالمية تفتخر بأن لها وثائق لحقوق الإنسان؛ فقد أصدر النبي محمد ﷺ وثيقة حرمات المسلم على المسلم في حجة الوداع، ونعيش مع بند من بنود هذه الخطبة، ألا وهو قول النبي ﵊: (ألا وإن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب)، فما هو ربا الجاهلية؟ لنعقد مقارنة بين ربا الوقت المعاصر وربا الجاهلية، وبذلك سنظلم ربا الجاهلية؛ لأننا في ربانا فقنا الجاهلية كما فقنا الجاهلية في تبرجنا، فربنا قال: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، فتبرج الجاهلية أن المرأة كانت تلبس جلباباً، وتظهر جزءاً يسيراً من رقبتها أو صدرها فقط، هذا هو تبرج الجاهلية، لكن اليوم إن نظرت يميناً ويساراً ستجد المرأة لا تلبس شيئاً، فهي كاسية وفي ذات الوقت عارية، إن لبست تلبس ما يجسد العورة المغلظة، فنحن الآن نتمرغ في جاهلية تفوق الجاهلية الأولى في بعض صورها، وليس معنى ذلك: أن المجتمع الجاهلي لا يفهم شيئاً، لكن فيه جاهلية، كما قال النبي ﷺ لـ أبي ذر الغفاري عندما عير صحابياً بلونه فقال له: يا ابن السوداء! فقال له الرسول ﷺ : (إنك امرؤ فيك جاهلية)، على قدم إسلامه، وكبر سنه لا يزال يعاني من آثار الجاهلية، فرغم تقدم الحضارات وتقدم المدنية إلا أنها ما زالت تتمرغ في وحل الجاهلية. من بعض المعاملات الحديثة نظام الفيزا بنك ونظام تمليك العمارات قبل أن تكتمل، كأن تبيع السمكة في الماء، أو الطير في الهواء، فهذا يسمى عند العلماء: بيع الغرر أو بيع الجهالة أو بيع المعدوم، ومعناه: بيع ما لا تملك، كأن تقول: أنت -إن شاء الله- ستحصل على الدور العشرين، وهو لا يزال في الدور الأرضي، فتكتب العقد على الدور العشرين، ويدفع هو ثمناً مقدماًً أو يتعاقد معك، هل عاين ما سيحصل عليه؟ هل تم البناء في الفعل؟ هل ملكت هذه السلعة حتى تتحكم أو تمتلك البيع؟ فلا يجوز أن تبيع إلا ما تملك، ولابد أن تملك قبل أن تبيع، فصور الربا تتعدد في كثير من معاملاتنا، فقد يحتاج هذا الرجل إلى سلعة، وليس معه الثمن، والآخر معه أموال، فالذي معه أموال يشتريها له ويقسطها، فيذهب الاثنان معاً إلى تاجر الجملة فيحصل على السلعة نقداً، ثم يقسطها على المشتري تقسيطاً، هل الذي باع السلعة ملكها؟ ما ملكها، كل الذي فعله أنه وسط المال ورابى، يعني: زاد على أصل المبلغ الذي حصله. أما ربا الجاهلية في أبسط صوره فهو أنه كان الرجل يقرض الرجل مبلغاً من المال، ويحدد له أجلاً للسداد، فإذا جاء الأجل المحدد ولم يستطع المدين أن يسدد ما عليه يمهله الدائن مقابل إضافة مبلغ آخر، وكلما تأخر المدين كبل بفائدة، وقد كانوا في الجاهلية الأولى يحملون المدين مبلغاً طفيفاً، لكن ربا اليوم فوائد مركبة، كلما تأخر أكثر زاد المبلغ، والبعض يقول: في نظام الفيزا بنك يحصل العميل على مبلغ من المال، فإن سدده في المدة التي يحددها البنك فلا فوائد عليه، وإن تعسر عن السداد يتحمل فوائد، فيقول العميل: أنا سأسدد في المدة المحددة. ف الجواب أنت قبلت شرط الربا، وهو أنك إذا تأخرت ستتحمل فائدة إضافية، وهذا هو عين الربا؛ ولذلك في الحديث: (يأتي على أمتي زمان من لم يأكل فيه من الربا يصبه من غباره)، فغبار الربا قد عم الجو، وأصبح يسود العالم أجمع في التعاملات الربوية.

стр. 367

التدرج الشرعي في تحريم الربا إن المتأمل في آيات القرآن الكريم يجد أن الربا كالخمر في تحريمه، ويسميه العلماء التدرج في التشريع، والتدرج في التشريع ليس معناه: أن نأخذ بالتدرج في الأحكام، فإن الحكم الآن قد استقر في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩]، فهذه آخر الآيات نزولاً في الربا. وانظر إلى التدرج في تحريم الربا، فقد حرم الربا في المدينة ولم يحرم في مكة، شأنه شأن الخمر، لكن بعض الناس يمر على آية تعتبر مرحلة من مراحل التحريم ويجعلها حكماً، فهؤلاء يتخبطون في فهم النصوص، مثلاً: الجهاد له مراحل تدرج في فرضه، فلا ينبغي أن نأتي إلى مرحلة من مراحله ونجعلها حكماً، كذلك حكم الخمر حرام، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠]، وهي آخر آية نزلت في الخمر، فإن استدل مستدل بقوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:٤٣]، نقول له: هذه مرحلة من مراحل التحريم؛ لأن النفوس البشرية لا تحتاج إلى قهرها مرة واحدة، بل لا بد من التدرج، وهكذا حدث التدرج في الربا في سورة الروم، ثم في سورة النساء، ثم في سورة آل عمران، ثم ختمت بسورة البقرة. ففي سورة الروم: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٩]، وليس هذا نصاً بالتحريم، إنما هو لفت الانتباه إلى بشاعة الربا، أي: تحريك القضية في العقول. ثم جاءت سورة النساء لتبين أن الربا حرم في شريعة اليهود، فالربا محرم في كل الشرائع السماوية، قال الله سبحانه: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء:١٦١]، فاليهود هم أكلة الربا. ثم جاءت بعد ذلك سورة آل عمران التي يستدل البعض بها الآن -وهو خطأ- بعمد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠]، فيقولون: إن الله حرم الربا إذا كان أضعافاً مضاعفة، أما إن لم يكن أضعافاً مضاعفة فهو حلال. يقول علماء الأصول: إذا كان الكلام يقر واقعاً فليس له مفهوم مخالفة، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء:٣١]، فرجل قال: سأقتل ولدي، لكنني لن أقتله خشية إملاق، سأقتله من غنى! فيبيح لنفسه أن يقتل، ويعلق النص على قضية خرجت مخرج الغالب، وعلى هذا المنوال فهم البعض في قوله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣]، فلا يفهم أن القانون الوضعي يحرم الزنا أكثر من القرآن؛ لأن القرآن قال: ﴿وَلا تُكْرِهُوا﴾ [النور:٣٣]، فهو كلام خرج مخرج الغالب، وكقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء:٢٣]، قالوا: هي بنت الزوجة، فإن كانت في الحجر تحرم، وإن لم تكن في الحجر لا تحرم، نقول: بل تحرم أيضاً، لكنه ذكر (فِي حُجُورِكُمْ)؛ لأن غالب الربائب يكن في الحجر. فالمرحلة الثالثة في تحريم الربا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠]. فجاءت الآية الرابعة في سورة البقرة، وهي آخر آية نزلت على النبي ﷺ في تحريم الربا، يقول: الله : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٥]، ثم جاءت الآية: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦]، فحدثوني عن رجل تعامل بالربا ولم تذهب بركة تجارته، وسبحان الله، لما تحدثنا عن الربا انهالت الأسئلة في التعاملات التي سادت في معاملتنا المعاصرة.

стр. 368

ذكر ما تعمله البنوك الربوية مع عملائها بنوك الإسكان -مثلاً- تعطي الشاب شقة بفائدة مقدراها ٣% ربا، و ١٧% ربا، وفي حالة الإيداع في البنوك الربوية إن أودعت مبلغاً تعطيك فائدة مقدارها ٨%، وفي حالة الإقراض إن اقترضت منها تحصل منك على فائدة مقدارها ١٨%، إذاً: في حالة الإيداع ٨%، وفي حالة الإقراض ١٨%، الفرق ١٠%، هذا هو عمل البنوك، استغلال لحاجة المسلم في حالة إقراضه وأخذ الأموال من المودع؛ ولذلك اجتمع في جدة (٣٣) عالماً مسلماً وأصدروا بياناً بحرمة فوائد البنوك الربوية؛ وذلك ليردوا على من أباحها دون أن يتقي الله ، فإنه إن لم تكن فوائد البنوك ربا فما هو الربا يا عبد الله؟! كذلك بنوك الائتمان الزراعي تعطي الفلاحين في القرى أسمدة بالأجل، فإن تعسر عن السداد ألزموه بفوائد مركبة، يعني: الزيادة مقابل عدم السداد، هذا هو عين الربا. أما صندوق الزمالة في النقابات المهنية فإنهم يأخذون منك مبلغاً من المال ويضعونه في البنوك بفوائد، وعند استلامك لمرتبك أو حدوث مصيبة لك يعطونك مبلغاً إما أن يكون أكثر أو أقل من الإيداع. كذلك مصلحة التأمينات في كل النقابات، والتأمينات التي نراها الآن: التأمين على الحياة، والتأمين ضد خطر الوفاة، بل إن بعض المطربين أمن على الحنجرة، وعلى الأحبال الصوتية، كذلك التأمين على التجارة، والتأمين ضد خطر الحريق، وعقد التأمين عقد غرر وجهالة في أصله، فالعلماء أفتوا ببطلان عقد التأمين، حيث تلتزم شركة التأمين بدفع مبلغ من المال للمؤمِّن في حال وقوع الضرر، والإسلام يلزم الذي تسبب في الضرر بالضمان، لكن في التأمين الذي تسبب لا يدفع شيئاً، والذي يدفع هو شركة التأمين، وإما أن تعطيك مبلغاً من المال أو لا تعطيك، وإما أن تعطيك أقل، فالمبلغ الذي ستأخذه مجهول، فعقد التأمين فيه أربعة عناصر حرمته: فيه عقد غرر، فيه ربا نسيئة، فيه أن الضمان على شركة التأمين وليس على المتسبب في الضرر. معاملات حديثة كثيرة في حياتنا نقبلها وهي عين الربا، ففي سوق الذهب مثلاً يذهب الرجل أو المرأة إلى بائع الذهب ويعطيه الذهب القديم فيزنه، ثم يأخذ منه ذهباً جديداً ويدفع الفرق، وهذا ربا؛ لأن المعاملة تكون يداً بيد، ومثلاً بمثل، فأنت عليك أن تبيع الذهب القديم وتقبض ثمنه، ثم تشتري بالثمن ذهباً جديداً، هذا هو التعامل؛ فاستبدال ذهب بذهب مع دفع الفرق يسمى ربا الفضل، كما في الحديث: (الذهب بالذهب والفضل ربا، والفضة بالفضة والفضل ربا، والشعير بالشعير والفضل ربا، والتمر بالتمر والفضل ربا، والملح بالملح والفضل ربا، والبر بالبر والفضل ربا)، وإن اختلفت الأجناس فبع كيفما شئت، ولذلك اسمع إلى حديث النبي ﷺ : (لعن الله آكل الربا، ومؤكله، وشاهديه، وكاتبه)، فالجميع في اللعنة سواء، فأين نحن من شرع ربنا في تعاملاتنا أيها الإخوة الكرام؟!

стр. 369

البيوع المحرمة لابد أن ننظر إلى أنواع البيوع المحرمة، منها: بيع النجش، وبيع النجش هو المزايدة في الوكالات، والمزايدة حلال في أصلها، والصورة المحرمة هي أن صاحب الوكالة يشجع على البيع بخمسة لا يبيعون ولا يشترون؛ فيدخل الأول المزاد ويقول: سأشتريها بعشرين جنيهاً، وهو لا يشتري ولا يبيع، وإنما يرفع السعر على أخيه المسلم، وفي آخر الأمر يقبض من صاحب الوكالة أجرته، هذا هو بيع النجش وهو حرام. كذلك بيع العينة حرام، وبيع العينة مثلاً أن رجلاً يحتاج إلى مبلغ من المال، وأصحاب الأموال -كما تعلمون- يخشون أن تخرج النقود فيصابون ببرد، فلابد أن يستدفئوا بأموالهم، والمكروب يسعى إلى تفريج كربه، لكن لابد أن يعمل مشروعاً، فيقابل أحد هؤلاء الذين يحتالون على شرع الله، فيقول: أنا أعرف طريقة تحصل بها على المال دون مشقة، عليك أن تذهب إلى تاجر سيارات وتشتري منه ما تحتاج ثم تحرق السلعة ببيعها ممن اشتريتها منه بسعر أقل، يعني: يشتري منه السيارة بعشرين ألف، ويبيعها له هو بعشرة آلاف أو خمسة عشر ألف، وكأنه أخذ الخمسة عشرة ألفاً بعشرين ألفاً ووقع على إيصالات مقابل السداد لعشرين ألفاً، ثم يبيعها له، هذا هو بيع العينة، فإن باعها إلى غيره سماه العلماء التورق، وهو أن أحصل على السلعة، وأنا لا أريد سلعة وإنما أريد مالاً، ثم أبيع السلعة من تاجر آخر لا من نفس التاجر، وأقل الأقوال فيه الكراهة، لكن ابن القيم في إعلام الموقعين ذهب إلى حرمته؛ لأن الأعمال بالباعث والإرادة، وهو لم يرد سلعة، وإنما أراد مالاً. وأساتذة الاحتيال على شرع الله حرم الله عليهم الصيد في يوم السبت، قال تعالى: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف:١٦٣]، واشتاقوا لأكل السمك، ورأوا السمك بأعينهم يخرج فوق سطح الماء في يوم السبت، وباقي أيام الأسبوع يختفي السمك، فربطوا الحيتان من رءوسها في يوم السبت، وجعلوا طرف الحبل عندهم في بيوتهم بحيث إذا مر السبت لم يصطادوا، حتى إذا كان يوم الأحد جذبوه، يعني: قيدوا حركة السمك في يوم السبت وقالوا: نحن لم نصطد يوم السبت، فماذا صنع الله بهم؟ مسخهم إلى قردة، يقول ربنا سبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة:٦٥]. لذلك داروين اليهودي الأصل نظر إلى هذه القضية في الكتب السماوية فعلم أن أجداده قد مسخوا قردة وخنازير، فوضع نظرية تسمى: نظرية النشوء والارتقاء، وفحواها أن الإنسان كان في الأصل قرداً، ثم تطور إلى أن أصبح إنساناً، فـ داروين عنده عقدة من القرود؛ وذلك لأن جده قرد، فوصف البشرية بأنها كلها قرود. فالمهم أن نتقي الله في شرائنا وفي بيوعنا، فإذا اشتريت قميصاً واشترط عليك البائع ألا تفتح القميص، فيعطيك إياه في الكيس دون فتح، وتدفع دون أن تنظر إليه فإن هذا لا يجوز؛ لأنه يشترط في البيع أن تعاين السلعة معاينة واضحة، فلا تشتر المجهول. وهكذا يترتب على عدم تطبيق شرع الله المشاكل، البيع والشراء لابد أن يكون لأجل معلوم، وبسعر معلوم، ولا تشتري دون أن تحدد السعر، وأن تشتري ما يملكه البائع، فهذه كلها تعاملات في حياتنا دخلها الربا دون قصد أو بقصد، فالله الله في تعاملاتكم، عضوا على سنة رسولكم ﷺ بالنواجذ، فقد قال: (ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي).

стр. 370

فضل الأيام العشر الأولى من ذي الحجة وأحكام الأضحية هذه الأيام المباركة قال عنها النبي ﷺ كما في حديث ابن عباس: (ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيها من هذه الأيام العشر -أي: العشر الأوائل من ذي الحجة- قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بأهله وماله فلم يرجع من ذلك بشيء). والمقصود: أن العمل الصالح في هذه الأيام المباركة يضاعف أجره، وكلمة العمل الصالح عامة تجمع كل العمل الصالح، فالصيام من العمل الصالح، وقراءة القرآن من العمل الصالح، وقيام الليل من العمل الصالح، والذكر من العمل الصالح، والتكبير من العمل الصالح، والإنفاق من العمل الصالح، ففي هذه الأيام المباركة لابد أن نضاعف الأعمال الصالحة، (فما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيها من هذه الأيام العشر)، وكفى أن نعرف أن في هذه الأيام يوم عرفة، وهو خير يوم طلعت فيه شمس العام، روى مسلم في صحيحه عن أبي قتادة قول النبي ﷺ : (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر سنة ماضية وسنة باقية)، فأي مسلم لا يحرم نفسه من هذا الفضل الكبير. أما نسك الأضحية ففي يوم النحر أو أيام التشريق، والمعنى: أن الأضحية تذبح بعد صلاة العيد، فمن ذبحها قبل الصلاة لا تجزئ، فإنما هو لحم قدمه لأهله، وعليه أن يذبح مرة أخرى، ولا يجزئ أن يقدم الغني مالاً بدلاً من الأضحية؛ لأن المقصود إراقة الدماء؛ ولذلك سمي بيوم النحر، وفي الحديث: (ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين) وضع رجله الطاهرة على صفاحهما وذبح الأول بيده وقال: (اللهم إن هذا عن محمد وعن آل محمد)، وذبح الثاني عن فقراء المسلمين من أمة النبي ﷺ ، ثم جاء في حديث آخر: (أن السيدة عائشة وزعت اللحوم ولم يبق في بيتها إلا كتف، فلما سألها النبي ﷺ قالت: يا رسول الله! ذهبت كلها ولم يبق إلا كتفها. قال: يا عائشة! بل بقيت كلها، ولم يذهب إلا كتفها)، ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦]، فيا ليتنا نعيش هذا المعنى. ويجزئ في الأضاحي من الضأن الذي له من ستة أشهر، ومن الماعز ماله سنة، ومن الإبل ماله خمس سنين، ومن البقر ماله سنتان، ولا يجزئ من الأضاحي العوراء البين عورها، ومن باب أولى العمياء، ولا العضباء التي كسر أحد قرونها، ولا الهزيلة ولا المريضة، ولا الجرباء كما قال العلماء، أي: أن الأضحية لابد أن تكون سليمة؛ لأنك تقربها إلى الله ، فينبغي أن تقرب من طيب مالك، قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]. والمركز الإسلامي يقوم على هذه النسك بفضل الله سبحانه، والفقير -كما تعلمون- لا يأكل اللحم إلا في عيد الأضحى، فقد قرر المركز أنه من أراد أن يذبح أضحية يتوجه إلى قسم الصدقات، ويحصل على إيصال يسمي فيه ما يريد من ذبح أضحية؛ لأن ذبح الأضحية له شروط، وإذا أراد أن يتصدق بمبلغ يسير لشراء لحم للفقراء والمساكين فهذا أمر آخر. ففي هذه الأيام المباركة ينبغي أن نضاعف الأعمال الصالحة، فقد كان ابن عمر إذا دخل السوق في العشر الأوائل من ذي الحجة كبر فيكبر الناس لتكبيره، فيرتج السوق بالتكبير، قال تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٣٤]. فما أحوجنا أن نعود إلى ربنا، وأن نجدد التوبة والاستغفار، وأن نندم على فعل المعاصي، فلا ندري هل يمتد بنا الأجل لنشهد العشر الأول مرة أخرى أم أن أعمارنا قصيرة، فإن الآجال بيد الله، فكم من غال واريناه التراب، وكم من صديق فارقنا، وهكذا الدنيا. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا. نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار. اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا. اللهم إنا نسألك يا ربنا! عيشة رضية، وميتة سوية، ومرداً غير فاضح. اللهم إنا نسألك أن تستر عوراتنا. اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا. اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك. اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا. اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا وقرارنا. اللهم يا مثبت القلوب! ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مصرف القلوب! صرف قلوبنا إلى طاعتك. اللهم إنا نعوذ بك من السلب بعد العطاء، ومن الذل بعد العز. اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين بقوتك يا قوي يا متين. اللهم انصر عبادك المستضعفين في فلسطين، اللهم انصر عبادك المستضعفين في فلسطين. اللهم أرنا في اليهود آية فإنهم لا يعجزونك يا رب العالمين. اللهم ارزقنا قب

стр. 371

الدروس المستفادة من قصة ابني آدم قصص القرآن الكريم فيها العبر والدروس والعظات، لا يلحظها إلا صاحب العقل والقلب السليمين، وايم الله ما من أمة هلكت بعذاب الله إلا وكانت المعاصي هي السبب الرئيسي في إزالتها، وأول ذنب عصي الله به في السماء والأرض هو الحسد، فهو سبب كل بلاء يقع على وجه الأرض، وقصة قتل ابن آدم لأخيه خير دليل على ذلك.

стр. 372

ما يستفاد من قصة ابني آدم الحمد لله رب العالمين، الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة:٩]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:٣] خلقنا من عدم، وأطعمنا من جوع، وكسانا من عري، وهدانا من ضلال، وعلمنا من جهل ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٨]. وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، والملأ الأعلى إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة الكرام الأحباب! قصتنا اليوم: الدروس المستفادة من قصة ابني آدم. القصة وردت في سورة المائدة، وفيها دروس وعبر كثيرة؛ والمؤمن يتعظ بحال السابقين: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١]. فأصحاب العقول هم الذين يستنبطون العبر والعظات، ويتعظون بحال غيرهم حينما يُذكّرون، يقول الله : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾ [المائدة:٢٧ - ٣١]، والغراب من الفواسق الخمس التي تُقتل في الحل والحرم بنص حديث النبي ﷺ ، فالله أرسل فاسقاً ليعلّم فاسقاً، قال تعالى: ((فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ)) أي: جثة أخيه المتغيرة بالموت لكراهتها ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة:٣١].

стр. 373

تلاوة الآيات التي فيها قصة ابني آدم على اليهود دليل على صدق رسول الله ﷺ القصة أيها الأحباب! خطاب للنبي محمد ﷺ : ((وَاتْلُ عَلَيْهِمْ)) مأمور من الله أن يتلو على من حوله جميعاً ما أوحاه الله إليه، فالتلاوة على اليهود تبيّن صدق رسول الله ﷺ ؛ لأن قصة ابني آدم وردت في التوراة، ووردت في الإنجيل، وجاء القرآن مهيمناً على الكتب السابقة، فلو أن أهل الكتاب عقلوا قليلاً لعلموا أن ما جاء به رسول الله ﷺ يصدّق ما في أيديهم إن كانوا يعقلون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤].

стр. 374

وجه عدم الاعتناء بالأسماء التي لا تؤثر في مضمون القصص في القرآن إن القرآن له منهج يختلف عن الكتب السابقة في قصصه، فمن منهج القرآن عدم الاعتناء بالأسماء التي لا تؤثر في مضمون القصة، وفي الكتب السابقة ذكر أسماء ابني آدم، ومما يدل على أن القرآن لا يعتني بما لا يؤثر في القصة قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ [القصص:٢٠] ما هو اسم الرجل؟ اسم الرجل لا يؤثر، أصحاب الكهف كم عددهم؟ عددهم لا يؤثر، قال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف:٣٩] من هم أصحابه في السجن؟ هذا لا يؤثر. فالقرآن منهجه عدم الاعتناء بالأسماء طالما أنها لا تؤثر في مضمون القصة، كذلك عدم الاعتناء بالأرقام والصفات، ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة:٧٣] ببعض البقرة برأسها أو بذيلها أو بقدمها بأي جزء منها لا يؤثر، والله قال لموسى ﵇: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه:١٢] ما صفة النعلين؟ ما طولهما؟ ما طبيعتهما؟ لا يؤثر، فهذا يعلمنا أن نعتني بما يؤثر. قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ [المائدة:٢٧] ففي كتب السابقين: قابيل وهابيل، ولم يثبت عندنا نص صحيح من رسولنا ﷺ في شأن اسمي ابني آدم. والإسرائيليات معناها باختصار: القصص التي جاءتنا من كتب السابقين، وهي على ثلاثة أقسام، إما أن تكون الإسرائيليات توافق شرعنا فهذا نقبله، فقصة الأبرص والأقرع والأعمى من قصص السابقين، وقصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً من قصص السابقين، وقصة غلام أصحاب الأخدود من قصص السابقين، وهذه القصص جاءت على لسان نبينا محمد ﷺ ، فهذا هو القسم الأول من الإسرائيليات. القسم الثاني: إسرائيليات تعارض ما عندنا من الشرع، ترد ولا تقبل. القسم الثالث: إسرائيليات مسكوت عنها عندنا، يقول في حقها النبي ﷺ : (لا نصدقهم ولا نكذبهم). فهذا هو منهجنا في تلقي الإسرائيليات، أما الإسرائيليات التي تصطدم مع شرعنا فكثيرة وعديدة، الأمر الذي دفع بعض علمائنا إلى أن يفند للإسرائيليات مصنفات: الإسرائيليات في كتب التفاسير، الإسرائيليات والموضوعات في التفاسير للشيخ أبي شهبة؛ لأنك تقرأ أن داود ﵇ في كتب التفاسير أحب زوجة رجل من جنوده، فأراد أن يتخلص من زوجها فجعله في مقدمة الجيش؛ لأنه أراد أن ينفرد بها! فهل هذا يليق بنبي؟ لا يمكن أن يُقبل. وتقرأ أن يوسف ﵇ خلع سرواله، وهم بامرأة العزيز ليزني بها ويقع عليها، لولا أن رأى جبريل يعض على يده على هيئة أبيه، فهل تقبل هذا يا عبد الله؟! لا تقبله، حتى وإن ذكر عند ابن كثير والطبري والقرطبي لا يُقبل، فهذه الإسرائيليات مرفوضة؛ لأنها تسللت إلى كتب التفاسير فسماها العلماء الدخيل في التفسير، أي: الذي يصطدم مع أصول شرعنا، فلا نقبل بحال أن يُقدح في عصمة نبي، كذلك يقولون: إن النبي ﵊ ذهب إلى بيت زيد بن حارثة ليسأل عنه، فخرجت زينب بنت جحش، فرفعت الجلباب عن قدميها وعن ساقها، فنظر النبي ﷺ إلى حسن ساقها، فوقعت في نفسه، فأمر زيد أن يطلقها لينفرد بها، هل هذا يقبل في حق رسول الله ﵊؟ وبعض الناس حاطب ليل يجمع دون تمييز. فيا عبد الله! إن الأمة الإسلامية مستهدفة، فقد وضع لها الأعداء إسرائيليات موضوعات مكذوبات تصطدم مع ما في شرعنا.

стр. 375

تقرب العبد بأجود ما يملك لربه دون ما سواه قال تعالى: ((إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا)) ما العلة من تقديم القربان؟ روى الطبري بسند ضعيف عن السدي: أن آدم كان يُنجب من زوجته في كل بطن ولداً وجارية، ولا تتزوج الجارية الولد التي ولدت معه، وهذا الأمر أيضاً في كتب السابقين، ففي شرعنا رواه الطبري في تفسيره وفيه ضعف؛ إذ إن المسافة بين السدي راوي الحديث وبين قصة ابني آدم لا يستقيم معها القبول؛ لذلك نكتفي بما ورد في القرآن وبما صح عن النبي ﷺ . قال تعالى: ((قَرَّبَا قُرْبَانًا)) والقربان إلى الله ، فهذا قرب قرباناً، وهذا قرب قرباناً، وعلامة قبول القربان بنص القرآن: أن تنزل نار من السماء فتأخذ القربان الذي تقبّله الله، فعمد الصالح إلى أجود ما يملك، فهذه علامة الصلاح أن يجعل العبد لربه خير ما يملك، وبعض طلاب العلم يقول: أنا لن أذهب إلى الدروس إذا لم يكن عندي وقت، ولن أحصل على العلم إلا لو تفرغت في وقت. وأحد السائلين يقول: يا شيخ! أنا مدرس للدروس الخصوصية والحمد لله، وأدرس مجموعات كثيرة، مجموعة تلو مجموعة، وليس عندي وقت للصلاة، فهل يجوز أن أجمع الظهر والعصر والمغرب والعشاء بعد صلاة العشاء؟ أقول: هذا رجل يريد للشرع أن يوافق هواه، جحدري جيفة بالليل وحمار بالنهار، يريد للشرع أن يوافق أعماله، كلا، إنما ينبغي أن تستقيم حركة الحياة على حساب شرع الله. فلو أننا نظرنا في ظروف كل واحد منا لاختلفت، فنحن يا عباد الله! لا بد أن نجعل لله ما نحب في أوقاتنا، وفي أولادنا، فإن ولد الواحد منا إذا جاء بنسبة ٩٩% دفع به للطب والصيدلة والهندسة، وإن جاء بمجموع ضعيف وكان الولد غير متفوق في دراسته دفع به لحفظ القرآن وتعليمه؛ ليقرأ القرآن للناس ويأخذ مقابلاً: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل:٦٢] فليس هذا من صفات المؤمنين، بل من صفات المؤمنين أن يقدموا أفضل ما يملكون لربهم . أخرج البخاري في صحيحه في كتاب العلم باب التناوب في طلب العلم: قال عمر بن الخطاب: تناوبت أنا وجار لي من الأنصار، قال له عمر: أنت تسمع الحديث من رسول الله يوماً وتبلغني ما سمعت، وأنا أتخلف عن السوق يوماً وأسمع وأبلغك ما سمعت. هذا معناه: التناوب في طلب العلم، لكن أن تجعل الأوقات كلها للدنيا ولا وقت للعلم ولا لرضا ربك سبحانه! فإن هذا يا عبد الله! لا يستقيم، فإن ابن آدم الصالح عمد إلى أجود ما يملك فقربه إلى الله، وفي الصحيحين قال ﷺ : (غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني ثلاثة: رجل ملك بضع امرأة ولم يبن بها)، أي: أنه عقد الزواج، لكنه لم يدخل عليها، (ورجل بنى داراً ولم يرفع سقفها)؛ لأنه يريد أن يسكن الدار فهذا يشغله عن أمر الجهاد (ورجل ملك خلفات)، أي: ماعز (وينتظر نتاجها) وما في بطنها. فغزا هذا النبي على بركة الله، وقد بدا له النصر بعد صلاة العصر، وكان في شريعته لا يجوز أن يقاتل بالليل إذا غربت الشمس، فبعد أن اقترب من الفتح اقتربت الشمس من الغروب، فتوجه إلى الشمس قائلاً: أنتِ مأمورة وأنا مأمور، أنتِ مأمورة بالغروب بأمر الله سبحانه، وأنا مأمور بالجهاد في سبيل الله سبحانه، اللهم أمسكها علينا -احبسها- فلا تغيب، حتى يكتمل لنا الفتح، فأخّر الله الشمس عن الغروب، والحديث في الصحيحين، فلما فتح ما أراد جمع الغنائم من المعركة التي كان فيها، وكانت تنزل نار من السماء لتأخذ هذه الغنائم؛ لأن الغنائم لم تحل إلا لأمة رسول الله ﷺ : (وأحلت لي الغنائم)، فالغنائم في شرع السابقين حرام، فنزلت النار لكنها امتنعت عن أخذ الغنائم، وهذا معناه في شرعهم: أن في الغنائم سرقة، أي: أن أحداً من الجنود الذين اتبعوه تسلل إلى الغنيمة، وأخذ منها بغير وجه حق، وفي الحديث: أن النبي ﵊ سمع أصحابه يقولون: (يا رسول الله! هنيئاً لفلان الجنة فقد مات في أرض المعركة، ولم يترك شارداً ولا وارداً ولا أحداً من المشركين إلا أجهده، فقال ﷺ اسمعوا يا من تأكلون أموال الأمة سحتاً وظلماً! (إن الشملة التي أغلها -أخذها من غنائم الحرب بغير حق- لتشتعل عليه الآن ناراً)، هذا غل شملة، فما بالك فيمن يسخّر السيارات والوظائف لمصالحه الشخصية؟! فما بالك بمن يسرق الملايين من حقوق الكادحين؟! ما بالك يا عبد الله؟! ماذا سيقول لربه؟ إن الشملة التي غلها: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١]، أي: يوم القيامة يحمل فوق رأسه ما غل، فالذين يغلون العمارات كيف يحملونها؟! لما رأى يوشع أن النار لم تنزل إلى الغنائم قال لأتباعه: فليخرج من كل قبيلة قائدها ويصافحني، فالتصقت يده بيد رجلين من ال

стр. 376

عدم إدراك الحق بسبب الذنوب وفي القصة يا إخواني: أن الذنوب تعمي صاحبها عن إدراك الحق، فالولد العاصي القاتل لم يدرك بفهمه وبنور بصيرته كيف يواري سوءة أخيه، فنحن نستفيد من الآية: أن الذنوب تعمي صاحبها عن إدراك الحقائق، قال تعالى: ﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [يوسف:٥٨] عرفهم بنور طاعته، وأنكروه بظلمة معصيتهم، فالمؤمن يرى بنور ربه سبحانه، يفرق الله له بين الحق والباطل، قال تعالى: ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ [المائدة:٢٧]، وانظروا إلى منهج القرآن: ((مِنْ أَحَدِهِمَا))، ((مِنَ الآخَرِ)) فيه عدم الاعتناء بالأسماء ﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة:٢٧] ما ذنبي إن لم يتقبل الله قربانك يا عبد الله؟! يجب أن تراجع نفسك وتحاسبها على عدم قبول القربان، أو يجب أن تسألني ما الذي تسبب في قبول قرباني عند الله؟ والمؤمن يستفيد من المواقف، فلا يمر عليها سلبياً، لا بد أن ينتفع. ففي صحيح مسلم أن رجلاً يمشي في الصحراء، سمع صوتاً في السماء ينادي سحابة: اسق زرع فلان، لو أن واحداً منا لأكثر من الأسئلة: من فلان؟ ما الزرع؟ وهذا لا يعنيه، ولذلك جل النظريات العلمية المعاصرة نتيجة فكر المحلل، والمحلل هو الذي يتأثر بالمواقف والأحداث، أي: أن التفاحة حينما سقطت على رأس قانون الجاذبية قال: لماذا سقطت إلى أسفل ولم ترتفع إلى أعلى؟ فاكتشف قانون الجاذبية الأرضية؛ وذلك لأنه ينظر إلى الأمور بفكر المحلل، لا بفكر المشاهد، وفرق بين من يحلل ومن يشاهد، فأنت مأمور أن تحلل المواقف بما يستقيم مع عقيدتك. فهنا كان ينبغي على العاصي أن يسأل، لكن انظر إلى الجواب (( لَأَقْتُلَنَّكَ)) فهل جزاء الذي تقبل الله منه قربانه أن يقتل؟! يقول سلفنا: وأول ذنب عُصي الله به في السماء والأرض هو الحسد، ففي السماء كان حسد إبليس، وفي الأرض كان حسد ابن آدم لأخيه. فالحسد مدمّر للعلاقات الإنسانية، وهو سبب كل بلاء يقع على وجه الأرض، ففي الحسد بغض المحسود وتتبع النعمة وتمني الزوال كما يقول ابن القيم ﵀، فما الذي دفع إخوة يوسف إلى أن يطرحوا يوسف في البئر؟ إنه الحسد، وما الذي منع أهل الكتاب من قبول نبوة النبي محمد ﵊؟ إنه الحسد، فقد كانوا يتربصون انتظار النبي ﷺ ، وينتظرون بعثته إلى أن جاء من ذرية إسماعيل، ولم يأت على هواهم، وكانوا يتمنون أن يكون من ذرية يعقوب، ولذلك يقول ربنا: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٤٦] أي: يعلمون أنه الصادق ﷺ .

стр. 377

ضرورة تذكير من يتجرأ على حدود الله ثم توجه الصالح للطالح بالوعظ، وهذا درس مهم في القصة، أن الذي يتجرأ على الحدود ينبغي أن تذكره بالله، فمنهج القرآن ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٨] وهنا تذكره بالله ، أي: إن كنت تقياً فأنا أذكّرك بتقواك، اتق الله! واحفظ حدود الله! فابن آدم الصالح وقف واعظاً يذكر أخاه بالله كحال صاحب الجنتين مع أخيه الصالح. قال له: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٢٨ - ٢٩]، لكن الوعظ لا ينفع إلا من أنار الله بصيرته، فقد يخطب إلى الصباح، لكنه لا يتأثر بخطب ولا مواعظ: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]، فالقلوب إذا أصابها العمى لا ينفعها الوعظ والإرشاد، واعلم أن الوعظ ينفع في كل مقام ومجال، فحديث الغار ذكر الرجل الذي انفرد بابنة عمه وجلس إلى شعبها الأربع كما يجلس الرجل إلى زوجته، امرأة يريد أن يزني بها وقد فوضت أمرها إلى الله، وأغلق الأبواب وكل المنافذ، ووعظته في لحظة الصفر فقالت: اتق الله! ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فماذا كانت النتيجة؟ قام من عليها وتذكر ربه ، فالقلوب بيد من؟ بيد علام الغيوب، فلا تقل: لا أمل في الوعظ، فهذا شعار السلبية الذي لا نقبله، إنما ازرع الكلمات واترك النتيجة لرب البريات، فالله هو الهادي إلى سواء السبيل. وهكذا قام واعظاً، لكن نور البصيرة قد انطفأ عند العاصي ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ [المائدة:٣٠]، أول جريمة قتل تقع على سطح الأرض: قتل الأخ لأخيه، يا له من عار! يا له دمار! يا له من بلاء شديد لآدم وحواء ﵉.

стр. 378

الخسران وعدم الفلاح بسبب المعاصي قال تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٣٠]. يشير هذا إلى أن المعصية نتيجتها الخسران وعدم الفلاح، فوقف حائراً بعد قتل أخيه ماذا يفعل بجسده؟ والعبد بعد موته تتغير رائحة جسده، وتخرج منه رائحة كريهة، فلا بد للحضور أن يواروا جسده التراب، فوقف حائراً ماذا يفعل؟ وهذا ينتصر لرأي من قال: إن ابني آدم من صلبه لا كما قال بعض المفسرين: إنهما ليسا من صلبه، نقول: هما من صلبه؛ لأنه لا يعرف كيف يواري سوءة أخيه، أما في بني إسرائيل فقد كانت مواراة الجسد: الأرض، وكان ذلك معروفاً عندهم ومقرراً في شرعهم. قال تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾ [المائدة:٣١]، هذا هو المبعوث الأول في القرآن الكريم من غير البشر، بعث الله هدهداً، بعث الله نملة، هنا بعث الله غراباً، فهناك من بعثهم الله من غير الآدميين ليعلموا بني آدم. قال: ﴿غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة:٣١]. تروي بعض كتب التفسير: أن غراباً قتل غراباً، وأنه واراه في الأرض، وهي قصة ليس عندنا ما يثبتها أصلاً، فنص القرآن يقول: بعث الله غراباً، ولا يقول: بعث الله غرابين، إذاً نكتفي بما ورد عندنا في كتاب ربنا، أن الغراب جاء فبحث في الأرض، فنظر ابن آدم فقال: ((يَا وَيْلَتَا)) ينادي ويلته، وكأنه يقول: يا أيها الويل! تعال لابن آدم الذي قتل أخاه ظلماً وعدواناً بلا ذنب ولا جريمة ولا قصاص.

стр. 379

تحمل من ابتدع بدعة وزر من عمل ببدعته يا خيبة الإنسان! حينما يكون أدنى من الغراب. قال: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة:٣١]، لكنه بعد فوات الأوان، فقد قال ﵊: (لا تقتل نفس ظلماً)، وكل النفوس التي تُقتل بعد هذه الواقعة على الأرض على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل. وفي القصة انظروا إلى شر البدعة السيئة، فمن ابتدع في الإسلام بدعة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة:٣١]، اختلف العلماء في ندمه، فقالوا: من النادمين على فراق أخيه، ولم يكن من النادمين على فعله. وقال آخرون: من النادمين على أنه لم يكن كالغراب في تورية جسده؛ لأن من شروط التوبة الصحيحة أن يندم صاحبها على ما فعل، وندم ابن آدم لم يكن توبة، وإلا لِم لم يتقبّل الله منه؟ مع إيماننا أن القاتل له توبة. لكن انظر إلى عِظم خطورة الحسد، وإلى السنة السيئة، وظلمة البصيرة، ووعظ العبد الذي أترف وأسرف على نفسه. فهذه دروس مستفادة من قصة ابني آدم. أسأل الله سبحانه أن يبصّرنا بالقرآن، وأن يرزقنا حب القرآن، ونور القرآن، وعطاء القرآن، وفهم القرآن.

стр. 380

العلامات التي يعرف بها حسن خاتمة العبد وسوءها أيها الأحباب الكرام! إن من علامات حسن الخاتمة للعبد: أن يوفقه الله للطاعة، وأن يقبضه على الطاعة، ومن علامات سوء الخاتمة للعبد: أن يموت على معصية، وأن يصر على معصيته. وابن القيم في الجواب الكافي يقص علينا قصصاً من الذين أسرفوا على أنفسهم، فيقول: حضر الموت لرجل كان قد أسرف على نفسه في تجارته، فلا يعرف إلا التجارة في وكالته، يبيع بالمزاد ويعقد الصفقات، ويزايد على الصفقات بين الناس من الفجر إلى غروب الشمس، فلا يعرف الصلاة، ولا يعرف دروس العلم، ولا يعرف القرآن، ولا الحدود الشرعية، كل همه التجارة. فحضره الموت، فقام من حوله يذكره بالله، فقالوا له: يا عبد الله! من كان آخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله دخل الجنة، فاذكرها قبل موتك، فنظر إليهم وهو يقول: من يشتري مني باثنين أو ثلاثة؟ فمات على ما انشغل به، فمن انشغل بشيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه. وفي حديث البخاري: أن النبي ﷺ قال: (لا تخمّروا رأسه، ولا تحنّطوه -لا تطيبوه- وكفّنوه في إحرامه، فإنه يُبعث يوم القيامة ملبياً)، وهذا معناه كما قال العلماء: أن من مات على شيء بُعث عليه. فمن مات على معصية بُعث على معصيته، ومن انشغل بشيء في دنياه انشغل به عند موته. وقص علينا ابن القيم أيضاً: أنه حضرت الوفاة لموسيقار، كانت حياته كلها في الموسيقى، وعند الموت قال له الناس: يا عبد الله! من كان آخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله، وأخذوا يذكرونه بكلمة التوحيد، فنظر إليهم وقال لهم: تن تن. يدندن عند موته، هذا معناه: أنه انشغل أيضاً بالموسيقى، فمن انشغل بشيء مات عليه، ومن انشغل بالصلاة مات وهو يذكر الله، ومن انشغل بالقرآن مات وهو يردد آيات الله سبحانه، وفرق بين هذا وذاك، وشتان بين الخبيث والطيب.

стр. 381

شهادة الناس للميت بحسن عمله أو سوء عمله إن من الواجب عليّ، بل من اللازم والوفاء بالعهد لرجل كان يحفظ القرآن، وهو الشيخ عبد اللطيف إمام هذا المسجد الذي كان يصلي بنا المغرب والعشاء، ويتلو من آيات ربنا ذهاباً وإياباً، نفتقد الآن صوته وحضوره، لقد كان يصلي معنا الجمعة والفروض، وكنا نحترم قدومه، فنجلس في درس العلم حتى يأتي، ويُعطي الإشارة إلى المؤذن أن يقيم الصلاة، وهذا هو الأدب، فلا يجوز لأحد من الحضور أن يأمر بإقامة الصلاة إلا الإمام حتى وإن تأخر نصف ساعة، وكان البعض ينظر إلى أن الشيخ عبد اللطيف تأخر، لكن أحداً لا يستطيع أن يقول: أقم الصلاة، وهذا أدب رفيع تعلمناه ولا شك في هذا، لكنني أقول لحضراتكم: أحسب أن القرآن سيشفع له عند ربه، أحسب ذلك ولا أزكيه على الله، فالرجل كان حافظاً لكلام ربه مع كبر سنه، وكان يقرأ من التوبة والأنفال والأنعام والنساء والأعراف ذهاباً وإياباً في كتاب ربه، فكان يحب القرآن وأهله ويتقرب إليهم. روى البخاري في صحيحه: (أن النبي ﷺ كان يجلس مع أصحابه، فمرت عليه جنازة فقال الصحابة: من الميت؟ فلما عرفوه قالوا: كثير الصلاة، الصيام، حسن الخلق، حافظ للقرآن، مقيم لحدود الله فقال النبي ﷺ : وجبت، ثم مرّت جنازة أخرى، فذكره الصحابة بسوء خلقه، وبتضييعه للفروض، وبأكله للحرام، فقال النبي ﷺ : وجبت، فقال الصحابة: يا رسول الله! ما وجبت؟ قال: أما الأول فذكرتموه من حسن خلقه ومن كثرة صلاته وصيامه، ومن اتقائه لربه فوجبت له الجنة، وأما الآخر فذكرتموه من سوء خلقه ومن تعديه لمحارم ربه، فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض). أيها الأحباب الكرام! إن المسلم بعد موته يترك أثراً طيباً. قال إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء:٨٤]، إن مات إنما يموت واقعاً بين الناس، لكنه يترك بين الناس أثراً طيباً وسيرة طيبة. أسأل الله سبحانه بفضله وكرمه وعفوه ورضاه أن يغفر له، اللهم اغفر له وارحمه، اللهم اغفر له وارحمه، اللهم اغفر له وارحمه، اللهم شفّع قرآنه فيه، وشفّع صلاته فيه، اللهم كن له تحت أطباق الثرى خير أنيس لوحشته، وخير جليس لوحدته، اللهم ثبته بالقول الثابت عند سؤال الملكين، اللهم نقّه من خطاياه كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسله من خطاياه بالماء والثلج والبرد، اللهم إنك عفو كريم حليم تحب العفو فاعف عنه. اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، وأمّنا في أوطاننا، وبدّلنا من بعد خوفنا أمناً، ومن بعد ضيقنا فرجاً، ومن بعد عسرنا يسراً، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا وقرارنا. اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم اغننا بحلالك عن حرامك، واكفنا بفضلك عمن سواك، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، اللهم إنك عفو تحف العفو فاعف عنا. ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وارزقنا عند الاحتضار شهادة، وارزقنا بعد الموت جنة ونعيماً، اللهم ول أمورنا خيارنا، يا رب! لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، يا رب! لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، علّمنا من القرآن ما جهلنا، ذكّرنا من القرآن ما نُسّينا، ارزقنا حب القرآن، وفهم القرآن، ونور القرآن، وعطاء القرآن، بيّض وجوهنا بنور القرآن، احفظ أعراضنا ببركة القرآن، بارك لنا في أرزاقنا ببركة القرآن، اجعلنا من أهل القرآن يا ربنا! اجعلنا ممن يحل حلاله ويحرم حرامه. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. آمين آمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 382

فاصبر صبراً جميلاً الصبر نصف الإيمان، لذا حض الإسلام عليه، وبين فضله وأهميته، والجزاء المترتب عليه لمن تخلق به، فبالصبر تعلو الدرجات، وتنفك الأزمات، وتغفر السيئات، وتزيد الحسنات، وهو أنواع: صبر على طاعة، وصبر عن معصية، وصبر على المكاره، ولا بد من الصبر في مواجهة الأعداء الذين يطعنون في ثوابت الدين وأصوله، فمع الصبر واليقين ينجلي الصباح ويقترب النصر، وتعود إلى الأمة عزتها وقوتها.

стр. 383

علاقة الصبر بالإيمان الحمد لله رب العالمين، الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون، خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة في قرار مكين، ثم خلق النطفة علقة سوداء للناظرين، ثم خلق العلقة مضغة بقدر أكلة الماضغين، ثم خلق المضغة عظاماً كأساس لهذا البناء المتين، ثم كسا العظام لحماً هي له كالثوب للابسين، ثم أنشأه خلقاً آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين، ثم إنكم بعد ذلك لميتون، ثم إنكم يوم القيامة تبعثون. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه، يقلبها كيف شاء وحسبما أراد، فاللهم يا مثبت القلوب! ثبت قلوبنا على دينك. وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الإخوة الكرام الأحباب! لا يزال الحديث مع سورة المعارج، وتوقفنا عند قول الله سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾ [المعارج:٥ - ٧]. حديثنا اليوم عن الصبر، عن أنواعه ومعناه، وأقسامه كما بينها العلماء، ثم نتأمل في سيرة الأنبياء والمرسلين؛ للنظر كيف كانت حياتهم في الصبر على الشدائد عند نزول المكروه. فالإيمان نصفان: نصفه صبر، ونصفه شكر. فمن الناس من يعبد الله في حال السراء، فإن نزل به مكروه انقلب على وجهه فخسر الدنيا والآخرة، كما قال ربنا سبحانه: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر:١٥ - ١٦] أي: ضيّق عليه الرزق، ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلاَّ﴾ [الفجر:١٦ - ١٧] مقاييس فاسدة من العبد، فإنه ليس غنى الغني دليلاً على رضا الله، وليس فقر الفقير دليلاً على سخط الله، فإن الله يعطي الدنيا لمن أحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب. لذلك إبراهيم ﵇ دعا ربه قائلاً: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة:١٢٦] وأتبعها بقوله: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:١٢٦] أي: لا ترزق إلا من آمن بالله واليوم الآخر، فقال الله له: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:١٢٦].

стр. 384

تعريف الصبر الصبر لغة: هو الحبس. والصبر اصطلاحاً: هو حبس النفس، إما على طاعة، أو عن معصية، أو على مقدور الله. وعلى هذا قسم العلماء الصبر إلى ثلاثة أقسام، والآية تقول: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥]، والصبر الجميل كما يقول العلماء: أن يكون صاحب المصيبة بين الناس ولا يدرون من هو؛ لأنه لا يشكو مصيبته إلا لربه، لا ملل ولا ضجر ولا شكوى لمخلوق أبداً، يكون بيننا صاحب مصيبة لكننا لا نعرفه؛ لأن علاقته بربه سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦] فهو يصبر ولا يشعر به أحد، هذا هو الصبر الجميل. يقول الله لنبيه محمد ﷺ آمراً إياه بالصبر في أكثر من موضع: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥]. ويقول: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم:٤٨]. ويقول: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨]. ويقول: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل:١٢٧].

стр. 385

أقسام الصبر

стр. 386

الصبر على الطاعة الصبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: الصبر على الطاعة، والصبر على الطاعة مهم؛ لأن الطاعة فيها مشقة على النفس، فتحتاج إلى صبر: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥]. فالذي يزيل الغطاء عن رأسه في هذا البرد، ويستيقظ قبل الفجر بساعة أو ساعتين، ويتوضأ بالماء البارد ويخرج لصلاة الفجر في هذا الجو، يصبر على الطاعة. والذي يُخرج من خزائن ماله صدقة ماله أو زكاة ماله، وينفق على الفقراء والمساكين وطلبة العلم، ويدعم المشروعات الخيرية، فهذا يصبر. والتي ترى نفسها في غربة حينما ترى التبرج قد ساد وعم، والولاية والرئاسة أصبحتا للهابطات السافرات، فيتقدم أهل السفه، ويتأخر أهل العلم، وحينما يشار إليها بالبنان: من هذه؟ والناس تنظر إليها لحجابها ولعفافها وتؤذى، وربما تؤذى بقول سفيه أو بكاريكاتير هابط، فهذه تصبر. والذي يُضيّق عليه في رزقه، ويلقى من مكان إلى آخر؛ لأنه لا يريد شيئاً إلا تقوى الله، واتباع سنة محمد ﷺ ، فيضطهد في رزقه ويُضيّق عليه في ماله وولده، فهذا يصبر. وحينما تكون الأولوية والقيادة كما قال النبي ﷺ في زمن انقلاب المعايير والمقاييس للكع بن لكع: (يوسد الأمر إلى الأصاغر، ويتراجع الأكابر، وينطق الرويبضة) يصبر المؤمن أو لا يصبر؟ يصبر. قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم:٤٨]. وقال سبحانه: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ [المزمل:١٠]. فاصبر يا أخي! على طاعة ربك سبحانه.

стр. 387

الصبر عن المعصية الثاني: الصبر عن المعصية، أي الصبر عن المحرمات والبعد عنها وعدم اقترافها، فالشهوات مع الشيطان، ومع النفس الأمارة بالسوء، ومع أصدقاء السوء، كلهم يحيطون بالإنسان، ويريدون منه أن يقترف المعصية، فبعدك عنها صبر؛ لذلك ربنا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ [آل عمران:٢٠٠] أي: عن المعصية، ﴿وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران:٢٠٠] أي: على الطاعة، ﴿وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠]، فأكثروا من فعل الخيرات، واصبروا وصابروا ورابطوا.

стр. 388

الصبر على مقدور الله الثالث: الصبر على مقدور الله، وله عند العلماء أربع مقامات: المقام الأول: السخط، فمن الناس من يستقبل المقدور بسخط وعدم قبول وعدم رضا، ويشكو الخالق إلى المخلوق، ويُحاسب ربه، ويسأل: يا رب! لماذا فعلت بي هذا؟ ولم اخترتني من بين العباد؟ يُحاسب ربه ولا يقبل مقدور الله في نفسه، فيتسخط على قدر الله، إما بالقلب وإما باللسان، وإما بالجوارح، فالسخط بالقلب عدم الرضا عن قضاء الله، والسخط باللسان القول، والسخط بالجوارح كشق الجيب ونتف الشعر وأفعال الجاهلية التي لا ينبغي لمسلم أبداً أن يكون عليها. المقام الثاني بعد السخط: الصبر. المقام الثالث: الرضا. المقام الرابع: الشكر، وهذا حال المتقين، عند حلول المصيبة لا يصبر ويرضى فقط وإنما يشكر، كحال الصحابية التي قطع لها إصبع فإذا بها تشكر الله، وتقول: إن حلاوة الأجر أنستني مرارة الصبر. الله أكبر! شكر عند نزول المصيبة؟ نعم؛ لأنها تعلم أن المصيبة إما لرفع الدرجات وإما لتخفيف الذنوب والسيئات: ﴿وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧].

стр. 389

نماذج من صبر الأنبياء والصالحين عند النوازل روى البخاري في صحيحه: (دخلت فاطمة على أبيها وقد اشتد به مرض الموت) يصبر في حال المرض. يقول ربنا عن أيوب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤] لم يتضجر أيوب ﵇ أبداً، فإن الله يقول: ((إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً)) على بلاء الله في جسده. قال: (فوجدت فاطمة النبي ﷺ وقد ثقل) أي: اشتد به الوجع؛ لأنه يوعك كما يوعك رجلان منا؛ لعظم أجره ولعلو منزلته ﷺ ، فقالت فاطمة: (وا كرب أبتاه! فنظر إليها قائلاً: لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة!)، لا كرب عليه؛ لأنه سينتقل من الحياة الدنيا إلى الآخرة، إلى الفردوس الأعلى، إلى رضوان الله، فإذا بها تنادي بصوتها وتقول: (يا أبتاه! أجاب رباً دعاه، يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه، يا أبتاه! إلى جنة الفردوس مثواه، فلما أدخلوا النبي محمد ﷺ في التراب وأهالوه عليه، بكت وهي تقول لـ أنس: يا أنس! أطابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله؟ قال: والله ما طابت، ولكنه أمر الله . وانظر إلى حياة نبي الله يعقوب، إذ إن الصبر متعدد الأنواع، قال تعالى على لسان يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦] حينما قال لأولاده: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً﴾ [يوسف:١٨] والمقابل: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف:١٨] صبر جميل لا تضجر معه ولا ملل، ولا شكوى إلا إلى الله ، أخذوا منه يوسف أحب أبنائه إليه، وحب الأبناء فطري، والعبد لا يملك معه شيئاً، فهو قد أحب يوسف ولا اختيار له في هذا الحب، أخذوا يوسف من يعقوب ﵇ بعد العهود والمواثيق، ووضعوه في الجب وحيداً، طفل لا اختيار له، ولم تأخذهم به رحمة، وهو الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم كما قال النبي ﵊. قال تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ [يوسف:١٦]، جاءوا عشاءً؛ لأن الكذاب كذبه في العادة يبدو على وجهه، ويستحيل أن يداري الكذب، لذلك يقول عبد الله بن سلام: (لما نزل النبي ﷺ المدينة نظرت إلى وجهه فعرفت أنه ليس بوجه كذاب). قال تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ [يوسف:١٦]، والدموع متعددة، فهناك دمعة النفاق، وهناك دمعة الحزن، وهناك دمعة الخوف، وهناك دمعة بكاء المجاورة، وكل دمعة لها مذاق وطعم خاص وحرارة مختلفة، قال تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٦ - ١٧] فقال لهم أبوهم يعقوب: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف:١٨] وهكذا رأى يعقوب بنور البصيرة. ويمر الزمان، ويدخلون على يوسف بعدما فعلوا ما فعلوا ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [يوسف:٥٨] فقد رآهم يوسف بعين البصيرة، فالمؤمن يرى بنور البصيرة، والعاصي قد ران على قلبه الذنوب والمعاصي. ذكر البخاري حادثة الإفك، وهذا أيضاً يحتاج إلى صبر في العرض وفي الجسد وفي الرزق وفي الاضطهاد وفي الإيذاء القولي وفي الإيذاء المعنوي، فربما يتهمك الناس ظلماً فاصبر، وربما تذهب ضحية قضية وأنت لست مذنباً فاصبر، فإن مع العسر يسراً وبعد الضيق فرجاً، ومحك الإيمان هو الصبر على المكروه. لما حدث في المدينة ما حدث وتجلجلت بحادثة الإفك، وصل الأمر إلى أذن عائشة فعلمت به، وبعد مدة زمنية ذهبت إلى بيت أبيها، تقول أمنا عائشة: (فظللت أبكي حتى انقطعت الدموع من عيني وظننت أن البكاء سيفلق كبدي، فجاءها النبي ﷺ يقول لها: يا عائشة! إن كنت قد اقترفت من ذلك شيئاً فتوبي إلى الله، وإن كنت بريئة فسيبرئك الله، قالت: يا أبي! أجب رسول الله، قال: ما أقول يا ابنتي؟ قالت: يا أمي أجيبي رسول الله، ثم قالت: إن قلت لكم: إني صادقة كذبتموني، وإن قلت: إني اقترفت من ذلك شيئاً اتهمت نفسي بشيء لم أرتكبه، إنما شأني وشأنكم كشأن يعقوب مع أولاده، لا أقول لكم إلا كما قال لهم: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨]) عند ذلك جاء الوحي ببراءة عائشة ﵂ من فوق سبع سماوات. ومن الصبر أيضاً: الصبر في طلب العلم، قال الخضر لموسى ﵇: ﴿إِنَّكَ لَنْ ت

стр. 390

ضرورة الصبر في مواجهة الطاعنين في ثوابت ديننا يا عبد الله! ما أحوجنا اليوم إلى الصبر، ربما يقول أحد: نفد الصبر يا شيخ! أقول: لم ينفد الصبر، بل سنصبر، مع تآمر المتآمرين سنصبر، ومع كيد الماكرين سنصبر، ومع انتهاك حرمات دولة الإسلام سنصبر، ومع الطعن في السنة سنصبر، وسنرد كيد الكائدين إلى نحورهم. هناك طعن في السنة ليل نهار، طعن في الثوابت، وطعن في الأمور التي أجمعت عليها الأمة، وآخر أمر نسمعه سب علني على شبكة الإنترنت من عالم يدعي أنه عالم، كان يخطب في الجيزة على مرأى ومسمع من الناس، وتنقل له الشاشات اللقاء في برنامج أسماء الله الحسنى، وأخيراً سقط النقاب عن وجهه؛ لأنه قد تشيع، فقال في أبي بكر وعمر كلاماً لا يمكن أن يقال، فلا نقول إلا كما قال المؤمنون: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]. هناك طعن في ثوابت الدين وفي الأمور المتفق عليها، وهي طعون عجيبة وغريبة، لا يقولها من عنده أدنى علم. يقال: النقاب في حق الإسلام جريمة، ولا يقول هذا إلا سفيه أو رجل ممسوخ العقل أو قد غاب وعيه، لمصلحة من؟ ولحساب من؟ أقل الأقوال فيه عند الفقهاء أنه مكرمة يا عبد الله! بل الوجوب فيه الراجح؛ بل في زمن الفتنة يجب على المرأة أن تغطي وجهها؛ وآخر أمر تقام برامج على الشاشات والإذاعات المسموعة، وأمور لا ينبغي أبداً أن تتداول بين الأمة.
следующие страницы →