← Джавами‘

Джавами‘ · id 37774

دروس الشيخ أسامة سليمان

أسامة سليمان

Полный текст (888 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الصبر على الطاعة الصبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: الصبر على الطاعة، والصبر على الطاعة مهم؛ لأن الطاعة فيها مشقة على النفس، فتحتاج إلى صبر: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥]. فالذي يزيل الغطاء عن رأسه في هذا البرد، ويستيقظ قبل الفجر بساعة أو ساعتين، ويتوضأ بالماء البارد ويخرج لصلاة الفجر في هذا الجو، يصبر على الطاعة. والذي يُخرج من خزائن ماله صدقة ماله أو زكاة ماله، وينفق على الفقراء والمساكين وطلبة العلم، ويدعم المشروعات الخيرية، فهذا يصبر. والتي ترى نفسها في غربة حينما ترى التبرج قد ساد وعم، والولاية والرئاسة أصبحتا للهابطات السافرات، فيتقدم أهل السفه، ويتأخر أهل العلم، وحينما يشار إليها بالبنان: من هذه؟ والناس تنظر إليها لحجابها ولعفافها وتؤذى، وربما تؤذى بقول سفيه أو بكاريكاتير هابط، فهذه تصبر. والذي يُضيّق عليه في رزقه، ويلقى من مكان إلى آخر؛ لأنه لا يريد شيئاً إلا تقوى الله، واتباع سنة محمد ﷺ ، فيضطهد في رزقه ويُضيّق عليه في ماله وولده، فهذا يصبر. وحينما تكون الأولوية والقيادة كما قال النبي ﷺ في زمن انقلاب المعايير والمقاييس للكع بن لكع: (يوسد الأمر إلى الأصاغر، ويتراجع الأكابر، وينطق الرويبضة) يصبر المؤمن أو لا يصبر؟ يصبر. قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم:٤٨]. وقال سبحانه: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ [المزمل:١٠]. فاصبر يا أخي! على طاعة ربك سبحانه.

стр. 387

الصبر عن المعصية الثاني: الصبر عن المعصية، أي الصبر عن المحرمات والبعد عنها وعدم اقترافها، فالشهوات مع الشيطان، ومع النفس الأمارة بالسوء، ومع أصدقاء السوء، كلهم يحيطون بالإنسان، ويريدون منه أن يقترف المعصية، فبعدك عنها صبر؛ لذلك ربنا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ [آل عمران:٢٠٠] أي: عن المعصية، ﴿وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران:٢٠٠] أي: على الطاعة، ﴿وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠]، فأكثروا من فعل الخيرات، واصبروا وصابروا ورابطوا.

стр. 388

الصبر على مقدور الله الثالث: الصبر على مقدور الله، وله عند العلماء أربع مقامات: المقام الأول: السخط، فمن الناس من يستقبل المقدور بسخط وعدم قبول وعدم رضا، ويشكو الخالق إلى المخلوق، ويُحاسب ربه، ويسأل: يا رب! لماذا فعلت بي هذا؟ ولم اخترتني من بين العباد؟ يُحاسب ربه ولا يقبل مقدور الله في نفسه، فيتسخط على قدر الله، إما بالقلب وإما باللسان، وإما بالجوارح، فالسخط بالقلب عدم الرضا عن قضاء الله، والسخط باللسان القول، والسخط بالجوارح كشق الجيب ونتف الشعر وأفعال الجاهلية التي لا ينبغي لمسلم أبداً أن يكون عليها. المقام الثاني بعد السخط: الصبر. المقام الثالث: الرضا. المقام الرابع: الشكر، وهذا حال المتقين، عند حلول المصيبة لا يصبر ويرضى فقط وإنما يشكر، كحال الصحابية التي قطع لها إصبع فإذا بها تشكر الله، وتقول: إن حلاوة الأجر أنستني مرارة الصبر. الله أكبر! شكر عند نزول المصيبة؟ نعم؛ لأنها تعلم أن المصيبة إما لرفع الدرجات وإما لتخفيف الذنوب والسيئات: ﴿وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧].

стр. 389

نماذج من صبر الأنبياء والصالحين عند النوازل روى البخاري في صحيحه: (دخلت فاطمة على أبيها وقد اشتد به مرض الموت) يصبر في حال المرض. يقول ربنا عن أيوب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤] لم يتضجر أيوب ﵇ أبداً، فإن الله يقول: ((إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً)) على بلاء الله في جسده. قال: (فوجدت فاطمة النبي ﷺ وقد ثقل) أي: اشتد به الوجع؛ لأنه يوعك كما يوعك رجلان منا؛ لعظم أجره ولعلو منزلته ﷺ ، فقالت فاطمة: (وا كرب أبتاه! فنظر إليها قائلاً: لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة!)، لا كرب عليه؛ لأنه سينتقل من الحياة الدنيا إلى الآخرة، إلى الفردوس الأعلى، إلى رضوان الله، فإذا بها تنادي بصوتها وتقول: (يا أبتاه! أجاب رباً دعاه، يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه، يا أبتاه! إلى جنة الفردوس مثواه، فلما أدخلوا النبي محمد ﷺ في التراب وأهالوه عليه، بكت وهي تقول لـ أنس: يا أنس! أطابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله؟ قال: والله ما طابت، ولكنه أمر الله . وانظر إلى حياة نبي الله يعقوب، إذ إن الصبر متعدد الأنواع، قال تعالى على لسان يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦] حينما قال لأولاده: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً﴾ [يوسف:١٨] والمقابل: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف:١٨] صبر جميل لا تضجر معه ولا ملل، ولا شكوى إلا إلى الله ، أخذوا منه يوسف أحب أبنائه إليه، وحب الأبناء فطري، والعبد لا يملك معه شيئاً، فهو قد أحب يوسف ولا اختيار له في هذا الحب، أخذوا يوسف من يعقوب ﵇ بعد العهود والمواثيق، ووضعوه في الجب وحيداً، طفل لا اختيار له، ولم تأخذهم به رحمة، وهو الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم كما قال النبي ﵊. قال تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ [يوسف:١٦]، جاءوا عشاءً؛ لأن الكذاب كذبه في العادة يبدو على وجهه، ويستحيل أن يداري الكذب، لذلك يقول عبد الله بن سلام: (لما نزل النبي ﷺ المدينة نظرت إلى وجهه فعرفت أنه ليس بوجه كذاب). قال تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ [يوسف:١٦]، والدموع متعددة، فهناك دمعة النفاق، وهناك دمعة الحزن، وهناك دمعة الخوف، وهناك دمعة بكاء المجاورة، وكل دمعة لها مذاق وطعم خاص وحرارة مختلفة، قال تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٦ - ١٧] فقال لهم أبوهم يعقوب: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف:١٨] وهكذا رأى يعقوب بنور البصيرة. ويمر الزمان، ويدخلون على يوسف بعدما فعلوا ما فعلوا ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [يوسف:٥٨] فقد رآهم يوسف بعين البصيرة، فالمؤمن يرى بنور البصيرة، والعاصي قد ران على قلبه الذنوب والمعاصي. ذكر البخاري حادثة الإفك، وهذا أيضاً يحتاج إلى صبر في العرض وفي الجسد وفي الرزق وفي الاضطهاد وفي الإيذاء القولي وفي الإيذاء المعنوي، فربما يتهمك الناس ظلماً فاصبر، وربما تذهب ضحية قضية وأنت لست مذنباً فاصبر، فإن مع العسر يسراً وبعد الضيق فرجاً، ومحك الإيمان هو الصبر على المكروه. لما حدث في المدينة ما حدث وتجلجلت بحادثة الإفك، وصل الأمر إلى أذن عائشة فعلمت به، وبعد مدة زمنية ذهبت إلى بيت أبيها، تقول أمنا عائشة: (فظللت أبكي حتى انقطعت الدموع من عيني وظننت أن البكاء سيفلق كبدي، فجاءها النبي ﷺ يقول لها: يا عائشة! إن كنت قد اقترفت من ذلك شيئاً فتوبي إلى الله، وإن كنت بريئة فسيبرئك الله، قالت: يا أبي! أجب رسول الله، قال: ما أقول يا ابنتي؟ قالت: يا أمي أجيبي رسول الله، ثم قالت: إن قلت لكم: إني صادقة كذبتموني، وإن قلت: إني اقترفت من ذلك شيئاً اتهمت نفسي بشيء لم أرتكبه، إنما شأني وشأنكم كشأن يعقوب مع أولاده، لا أقول لكم إلا كما قال لهم: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨]) عند ذلك جاء الوحي ببراءة عائشة ﵂ من فوق سبع سماوات. ومن الصبر أيضاً: الصبر في طلب العلم، قال الخضر لموسى ﵇: ﴿إِنَّكَ لَنْ ت

стр. 390

ضرورة الصبر في مواجهة الطاعنين في ثوابت ديننا يا عبد الله! ما أحوجنا اليوم إلى الصبر، ربما يقول أحد: نفد الصبر يا شيخ! أقول: لم ينفد الصبر، بل سنصبر، مع تآمر المتآمرين سنصبر، ومع كيد الماكرين سنصبر، ومع انتهاك حرمات دولة الإسلام سنصبر، ومع الطعن في السنة سنصبر، وسنرد كيد الكائدين إلى نحورهم. هناك طعن في السنة ليل نهار، طعن في الثوابت، وطعن في الأمور التي أجمعت عليها الأمة، وآخر أمر نسمعه سب علني على شبكة الإنترنت من عالم يدعي أنه عالم، كان يخطب في الجيزة على مرأى ومسمع من الناس، وتنقل له الشاشات اللقاء في برنامج أسماء الله الحسنى، وأخيراً سقط النقاب عن وجهه؛ لأنه قد تشيع، فقال في أبي بكر وعمر كلاماً لا يمكن أن يقال، فلا نقول إلا كما قال المؤمنون: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]. هناك طعن في ثوابت الدين وفي الأمور المتفق عليها، وهي طعون عجيبة وغريبة، لا يقولها من عنده أدنى علم. يقال: النقاب في حق الإسلام جريمة، ولا يقول هذا إلا سفيه أو رجل ممسوخ العقل أو قد غاب وعيه، لمصلحة من؟ ولحساب من؟ أقل الأقوال فيه عند الفقهاء أنه مكرمة يا عبد الله! بل الوجوب فيه الراجح؛ بل في زمن الفتنة يجب على المرأة أن تغطي وجهها؛ وآخر أمر تقام برامج على الشاشات والإذاعات المسموعة، وأمور لا ينبغي أبداً أن تتداول بين الأمة.

стр. 391

ضرورة الإعداد لتمكين الأمة وعزتها والصبر على ذلك أيها الإخوة الكرام الأحباب! يقول الله لنبيه ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾ [المعارج:٥ - ٧] وينبغي ألا نغفل عن المنهج أبداً، جاء رجل إلى النبي ﷺ وسأله عن الساعة: (متى الساعة؟ قال له: وماذا أعددت لها) فهذا الذي ينبغي أن ننشغل به. امرأة رأت في منامها أنها ترضع القمر، فقال المفتي: إنه ظهور المهدي، وهكذا أقوال ما أنزل الله بها من سلطان، وهناك كتب في السوق تستهوي العامة، ولا ينبغي أن تستهوي طالب العلم. فينبغي أن ننشغل بما أعددنا ليوم القيامة، قال ﷺ : (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها) ربما يقول قائل: أغرس الفسيلة في الأرض وأنا لا أضمن أن أحصد ثمرتها؛ لأن القيامة ستقوم والدنيا ستنتهي، فلم أغرس الفسيلة؟ الجواب ضع الفسيلة واترك أمرها إلى الله ، هذا هو المنهج القويم. قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾ [المعارج:٦ - ٧] فكل آت قريب. وقال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١]. وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]. إن ما يحدث الآن من إنتاج لكتب أو أشرطة على حسب رغبة المستمعين، تتحدث في أمور غيبية ليس لها من الله برهان، ويستهويها الناس، هناك حديث عن المهدي، وعن المسيح الدجال وعن عذاب القبر، ولا بأس بذلك، لكن لا يكون هو الشغل الشاغل؛ لأنه لابد أن تتعلم العلم النافع الذي تصلح به حركة الدنيا. كما أن منهج التغيير عندنا واضح، فإننا لم نرَ ﷺ جمع الصحابة في مكة، ورفع الأعلام، وهتفوا في مظاهرة: يسقط أبو جهل وعاشت الكعبة، وكل يردد خلفهم، ماذا صنعنا من المظاهرات؟ تظاهروا لأجل فلسطين وقد انتهت المظاهرات والقتل لا يزال مستمراً، أخبروني متى كانت المظاهرات وسيلة فعالة لدفع حرب أو لحفظ دم؟ القوى الوطنية ستجتمع في القاهرة، وبالأمس يعبرون عن الشجب والاستنكار، مسلم ملتزم وبجواره شيوعي ومن خلفه علماني وعن يساره امرأة متبرجة ترفع العلم وتقول: بالروح بالدم. خبتِ وخسرتِ. فأسلوب المظاهرات هذا الذي نراه لا يقره شرع، وكفاكم مزايدة باسم الدين، كفاكم أن تركبوا هذه المزايدات باسم الإسلام، إن المظاهرة ليست من وسائل التغيير في شرعنا، إنما في شرعنا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]، فهل سيغير الواقع امرأة متبرجة تظهر شعرها وثديها، وتلبس البنطال الذي يجسد العورة، وترفع الشعار وتهتف وهي لا تصلي لله؟! هل يمكن أن تقف بجوارها أنت وتدعمها في مسيرة واحدة؟! يا عبد الله! كفانا أن ننجرف خلف التيار الخادع، يقولون لنا: دول أوروبا عبرت بالمظاهرات، لكننا نحن لا نعرف أسلوب المظاهرات في شرعنا إنما نعرف الإعداد، والإعداد معناه: العلم بالقرآن والسنة وبفهم سلف الأمة. لابد من صنع الرجال، وصنع الرجال يحتاج إلى وقت ومثله صنع السلاح، فكما أن هناك مصانع للسلاح كذلك هناك مصانع لصنع الرجال، قال تعالى: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ [الأحزاب:٢٣] من هم الرجال؟ لا يصنع الأبطال إلا في مساجدنا الفساح في روضة القرآن في ظل الأحاديث الصحاح شعب بغير عقيدة ورق يذريه الرياح من خان حي على الصلاة يخون حي على الكفاح نعم، قال بنو إسرائيل لنبيٍ لهم: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٦] كما أننا نقول: بالروح بالدم لا نريد أن نقاتل، نريد أن نغير الواقع، قالوا: ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة:٢٤٦] وقد قال لهم نبيهم: أخشى أن يكتب عليكم القتال فلا تقاتلوا، ومعلوم أن الشعارات لا تصنع أمماً، ومع ذلك هتفوا بالقتال ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا﴾ [البقرة:٢٤٦]. فيا عبد الله! إن لم تستطع أن تجاهد النفس في قيام الليل، وصلاة الفجر، والصبر على الطاعة، والصبر عن البعد عن المعصية، فإنك كذاب إن قلت: أصبر في ميدان الجهاد؛ لأن أدنى أمر لم تصبر عليه وأنت في أمن وأمان. قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾ [المعارج:٦ - ٧]، نعم، نرى أن النصر للإسلام قريب، وأن التمكين لدين رب العالمين قريب، ولكن قبل الفجر لابد من سواد الليل، وقبل الوضع لابد من ألم المخاض، وقبل التمكين لابد من الغربلة؛ حتى يميز الله الخبيث من الطيب: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُ

стр. 392

إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً يصور الله سبحانه أهوال يوم القيامة في كتابه تصويراً في غاية الدقة والتعبير، لعل العبد حين يسمع أو يعي هذا التصوير يترك صفات الجزع والبخل والإعراض، ويكتسب صفات الخير والبر؛ حتى تكون سبباً في نجاته يوم القيامة، وفوزه برضا الله وجنته.

стр. 393

وقفات وتأملات في سورة المعارج الحمد لله رب العالمين، الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ، خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة في قرار مكين، ثم خلق النطفة علقة سوداء للناظرين، ثم خلق العلقة مضغة بقدر أكلة الماضغين، ثم خلق المضغة عظاماً كأساس لهذا البناء المتين، ثم كسا العظام لحماً فهي كالثوب للابسين، ثم أنشأه خلقاً آخر، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين وفي الآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الإخوة الكرام الأحباب! نواصل الحديث مع سورة المعارج، وقد انتهينا عند قول الله : ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ * كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى * إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج:٥ - ٣٤]. هذه الآيات تتحدث عن يوم القيامة: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج:٦ - ٧]، وكما قلت قبل ذلك: كل آت قريب: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ﴾ [النحل:١]، ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، فمما لا شك فيه أنه قريب؛ لأنه آت، وما مضى من زمن الدنيا بالنسبة لما بقي فيها قليل؛ لذلك يقول النبي ﷺ : (بعثت أنا والساعة كهاتين، وقرن بين السبابة والوسطى). والحديث له مفهوم عند بعض العلماء: إذا قارنت بين السبابة والوسطى تجد أن الوسطى تزيد عن السبابة بربع عقدة فقط، فما مضى من عمر الدنيا هو هذا القدر، وما بقي فيها تلك الزيادة. إذاً: لم يبق منها إلا اليسير؛ ولذلك الساعة بعد النبي ﷺ وليس بعده نبي؛ لذلك في حديث البخاري: (أنه كان يبيت عند زينب بنت جحش ﵂، فقام فزعاً بالليل وقد تغير وجهه وهو يقول: لا إله إلا الله! ويل للعرب من شر قد اقترب، لقد فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج هكذا، وحلق بين السبابة والإبهام، فقالت زينب: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم. إذا كث

стр. 394

تصوير القرآن العظيم ليوم القيامة وما يتقدمه من أحداث أيها الإخوة الكرام الأحباب! إن الحديث عن القيامة في القرآن الكريم جاء متعدداً: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج:٦ - ٧]، ثم جاءت العلامات: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج:٨]. أولاً: عبر عن القيامة في القرآن باليوم العظيم، وباليوم العسير، يقول ربنا سبحانه: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر:٨ - ١٠]. وعبر عنه في قوله: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٤ - ٦]. فالقرآن الكريم صور لنا مشاهد القيامة كأننا نراها رأي العين، يشيب فيها الولدان، فالولد الصغير الرضيع يقول الله في حقه: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل:١٧]، من شدة الهول والفزع، تصل فيه القلوب إلى الحناجر فلا تعود إلى مستقرها ولا تخرج من الأفواه، يقول ربنا سبحانه: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر:١٨]. ويقول سبحانه في وصفه أيضاً: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]. عندما أصبنا بزلزال في التسعينات كان كل الناس يجري، ربما يترك ولده وينزل، وربما يترك زوجته وينفض، ومن لطائف هذا الأمور أن زوجة رفعت قضية طلاق على زوجها بعد الزلازل، فسألوها عن سبب ذلك. قالت: لأنه أخذ التلفاز وتركني، أي: أن كل الذي شغله هو التلفاز، وترك الولد والزوجة. إخوتي الكرام! زلزال القيامة يختلف: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١]، ترى الناس فيه سكارى، وزلزال التسعينات كان الناس فيه حيارى، وفرق بين السكارى والحيارى. كذلك تذهل فيه المرضعة عما أرضعت، في زلزال التسعينات تأخذ ولدها وتفر به وتنزل من الطابق التاسع، أما زلزال الآخرة فتترك الرضيع من هول ما رأت، تذهل عما أرضعت. ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ [الحج:٢]، قبل الموعد المحدد لنزوله من شدة الخوف والفزع، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢].

стр. 395

مآل السماوات يوم القيامة تصوير القيامة في القرآن الكريم جاء في أكثر من موضع، لكن ما يهمنا هنا هو الانقلاب الهائل الذي يحدث في هذا الكون الآمن، فما بالك أيها المخلوق الضعيف؟! ما هو مآل السماء، ومآل الأرض، ومآل الجبال، ومآل البحار، ومآل الشمس، والنجوم، والقمر، والوحوش؟ اسمع إلى قول الله عن السماء والأرض: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤]. ويقول سبحانه: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]. وجاء في البخاري أن النبي ﷺ قال: (رب العالمين يأتي يوم القيامة وقد حمل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، وينادي في خلقه: أين ملوك الأرض؟ أنا الملك يقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦]) فلا يجيب أحد، يا ملوك الدنيا! سيزول ملككم ولا يبقى إلا ملك الحي سبحانه؛ لذلك هارون الرشيد في مرض موته وهو يحتضر نظر إلى السماء، وقال: يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه. الله أكبر! أما السماء فقد جاء في حقها آيات: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج:٨] أي: كالرصاص المذاب. وكذلك تتشقق: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان:٢٥]. ويقول ربنا في هذا: ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن:٣٧]. ويقول ربنا سبحانه: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٣ - ١٦]، هذه النفخة الأولى في الصور هي نفخة الاضطراب الكوني وتدميره، تتشقق السماء وتنفطر وتصبح واهية كالرصاص المذاب.

стр. 396

مآل الجبال والبحار والنجوم والشمس والقمر والوحوش قال تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج:٩]، الجبال مآلها كما يقول ربنا: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النبأ:٢٠]، أي: أن الجبال الراسية الثابتة تسير، وتصبح ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة:٥]، والعهن: هو الصوف المصبوغ الذي يطير في الهواء، تتحرك الجبال من مكانها، وتصبح كثيباً مهيلاً، وتسوى الأرض، يقول ربنا في ذلك: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا﴾ [طه:١٠٥ - ١٠٦] أي: يذر الأرض ﴿قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٦ - ١٠٧]، لا انخفاضاً ولا ارتفاعاً. أما البحار فتشتعل نيراناً على أهل الأرض، أما النجوم فتتناثر وتتساقط ويذهب ضوءها، والقمر ينخسف، والشمس تكور، والوحوش تحشر، والموءودة تسأل، يقول الله: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَّا لا وَزَرَ﴾ [القيامة:٧ - ١١]. أي: لا مفر من الله إلا إليه؛ لذلك فروا إلى الله. إخوتي الكرام! يحدث انقلاب في الكون بالنفخة الأولى في الصور، والذي ينفخ في الصور هو إسرافيل ﵇، ينفخ النفخة الأولى فيدمر الكون، عند ذلك تشخص الأبصار، أي: لا تنظر إلا إلى اتجاه واحد، وتصل القلوب إلى الحناجر. يقول الله في هذا: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر:١٨]. إن القرآن الكريم يتحدث عن هذا الانقلاب في الكون، فنقول نحن لأنفسنا: ماذا نفعل ونحن ضعفاء؟

стр. 397

حال الإنسان ومآله مع نفسه ومع غيره يوم القيامة قال تعالى: ﴿وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج:١٠]، يقابل القريب قريبه، وابن العم يقابل ابن عمه، والأب يقابل ابنه، والزوجة تقابل زوجها، والصديق يقابل صديقه، فهل يلتفتون إليه؟ لا، كأنهم لا يعرفونه، ينشغل كل بحاله، فانشغل بنفسك، وأعد لهذه الساعات، قال النبي ﷺ : (يحشر الناس حفاة عراة غرلاً -يعني: غير مختونين- فقالت عائشة: يا رسول الله! يرى النساء عورة الرجال ويرى الرجال عورة النساء؟ قال: يا عائشة الأمر أكبر من ذلك، قال تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧])، فهب لو أن رجلاً يقف أمام السكة الحديدية، وجاء القطار من خلفه مسرعاً، التفت فوجده، فقيل له: كلم ابن عمك بجوارك، هل يكلمه؟ لا؛ لأن الهلاك يلحق به، ولو وقفت أمامه امرأة عارية لا ينظر إليها؛ لأنه يشتغل بما هو أهم من ذلك، فانظر إلى القرآن كيف يصور النتيجة يوم القيامة، يقول ربنا سبحانه: ﴿وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج:١٠] أي: لا يسأل قريب قريباً، لا يسأل صديق صديقه، كل ينشغل بحاله وبنفسه قال: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج:١١]، رغم أنه يراه ويعرفه، لكنه لا يهتم إلا بحاله. قال: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ﴾ [المعارج:١١]، يود الكافر العاصي الذي انشغل بهذه الدنيا ورتع فيها يميناً وشمالاً، وظلم وتجبر ونسي ربه وضيع حدوده، وكلمة (المجرم) تأتي بمعان عديدة في القرآن الكريم، قد تأتي بمعنى الكافر، وقد تأتي بمعنى العاصي الظالم، وقد تأتي بمعنى المنافق. قال: (يود) والود عمل من أعمال القلوب، قال: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج:١١]، فيا لها من مصيبة كبيرة إن سألت من يجمع المال من حرام: لماذا تجمع المال؟ يقول: أريد أن أؤمن مستقبل الأولاد بعد موتي، أبني العمارات، وأشتري السيارات والعقارات؛ حتى أورث بعد موتي. وأول من يضحي به يوم القيامة هم الأولاد، فيا لها من معادلة مقلوبة ومنكوسة: ﴿لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج:١١]، يا رب! خذ أبنائي ونجني من عذابك فلا يقبل منه، قال تعالى: ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ﴾ [المعارج:١٢]، الصاحبة بمعنى: الزوجة التي كانت في حضن دافئ، زوجها يوم القيامة يضحي بها! قال: ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ﴾ [المعارج:١٢]، فيا من تبحثون عن اسم العائلات! يقول تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]. قال: ﴿وَفَصِيلَتِهِ﴾ [المعارج:١٣]، أي: عائلته ﴿الَّتِي تُؤْويهِ﴾ [المعارج:١٣]، التي ينضم إليها ويتشرف بها، يوم القيامة يقول: يا رب! خذ الأبناء، خذ الزوجة، خذ العائلة. قال تعالى: ﴿وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ﴾ [المعارج:١٤] خذ كل من أعرفه ونجني من عذابك، فيقول الله سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج:١٥ - ١٨]، هذه (لَظَى) ملتهبة، تأخذ الأعضاء الظاهرة والباطنة؛ حتى قال بعض المفسرين: تحرق فروة الرأس، ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُوا﴾ [المعارج:١٥ - ١٧] النار تدعو إلى نفسها: تعال يا من أعرضت عن كتاب الله وعن سنة رسول الله! تعال يا من ضيعت حياتك في المعاصي! ﴿تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج:١٧ - ١٨]، أي: جمع المال وجعله في وعاء، وظل يعدد المال، ولا يؤدي حق الله فيه، جمع المال كل ليلة، وإذا خرج منه جنيه يظن أن في خروجه الفقر، قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة:٢٦٨].

стр. 398

مكانة الدنيا عند المؤمنين نحن ننظر إلى الدنيا نظرة مختلفة، ولابد أن ننظر إليه كأننا فيها غرباء: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) بالله عليك لو أنك من الزيتون، وذهبت إلى الإسكندرية هل ستكون فيها غريباً؟ كذلك هذه الأرض هل تعمر فيها طويلاً؟ هل تخطط لسنوات؟ نحن هنا نخطط ل (٢١٠٠م)، ول (٢٢٠٠م) فهل هذا هو فعل الغرباء؟ ندب النبي ﷺ الصحابة للإنفاق في غزوة تبوك، وهي من الغزوات المهمة في دراستها، إذ إن النبي ﵊ لم يكن يخبر أصحابه بالجهة التي سيقاتلون فيها، إلا في هذه الغزوة، وذلك لسببين: الأول: العدو هم الروم وهم كثر، والمسافة طويلة جداً آلاف الكيلو مترات. الثاني: الجو حار؛ لذلك قال المنافقون: ﴿لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ [التوبة:٨١]. لما ندبهم النبي ﷺ لتجهيز جيش العسرة أتى عثمان بن عفان بماله وجهز ثلث الجيش، ثلث جيش العسرة جهزه عثمان من ماله، حتى قال النبي ﷺ في حقه: (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم)، أما الصديق فأتى بكل ماله، وأما عمر يقول: راودتني نفسي أن أسبق الصديق، ما سبقته أبداً، فقلت: اليوم أسبقه، فأسرعت إلى بيتي وأحضرت نصف مالي، وتركت النصف لأهلي، فجئت بنصفه إلى النبي ﷺ ، ووضعته بين يديه، وجاء الصديق يحمل مالاً، فقال رسول الله ﷺ : (يا عمر! ما أبقيت لأهلك؟ قال: جئت بنصفه وتركت النصف يا رسول الله! فجاء الصديق فقال له النبي ﷺ : وأنت يا أبا بكر؟! قال: جئت بكل مالي وتركت لهم الله ورسوله) فيا له من يقين وإيمان! هل يقبل ذلك أحد؟ يعني: حينما يقال لك: ائتني بنصف مالك أو بربع مالك يا عبد الله! هل تفعل هذا؟ لا والله الذي لا إله غيره، لكنه اليقين، ولذلك يقول في حقه صاحب الحلية: هو الصديق الملقب بـ العتيق، صاحب النبي ﷺ في الحضر والأسفار، ورفيقه بعد الموت في الروضة المحفوفة بالأنوار، المنز ل فيه من عالم الأسرار: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة:٤٠] ﵁.

стр. 399

ذكر صفات الإنسان وصفات المؤمنين في سورة المعارج يذكر الله صفات الإنسان، فيقول: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج:١٩]. ويقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤]. ويقول: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا﴾ [العصر:١ - ٣] استثناء. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج:١٩]، ذكر فيها الهلع، وفسرتها الآيات التي بعدها على التو: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج:٢٠] أي: إذا أصيب بمرض أو بفقر أو بفقد حبيب أو مال أو صديق يجزع، ولا يصبر على قضاء ربه، قال: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج:٢١] أي: إذا نزل به الفرج ومنع المال. فيستثني سبحانه ويقول: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج:٢٢ - ٢٣] فإن أردت أن تنظر في دين عبد انظر إلى صلاته، فإن ضيع الصلاة كان لغيرها أضيع. أقول: إن حال سلفنا الصالح كان عجباً والذي نفسي بيده، منهم من قال عن نفسه: مكثت أربعين سنة أصلي الفجر بوضوء العشاء، قد يقول قائل: هذا مخالف للسنة، لكن نقول: يا عبد الله! هذا معان من ربه، وفعله ليس للأسوة، أما النبي ﵊ حينما يفعل يفعل ليشرع؛ لذلك سأل العلماء سؤالاً مهماً: أيهما أفضل في الأضحية: البدنة أم الكبش؟ فقال جمهور العلماء: البدنة يعني: الإبل، وقالت المالكية: الكبش؛ لأن النبي ﷺ ضحى بكبشين أملحين، فاتباع النبي ﷺ هو الأولى، وقال جمهور العلماء: البدنة أولى بدليل حديث البخاري في فضل الجمعة والتبكير إليها: (من راح في الساعة الأولى إلى الجمعة فكأنما قرب بدنة -فبدأ بالبدنة- ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة) فقدم في الحديث البدنة، والنبي ﷺ ضحى بكبشين؛ لأنه أسوة، فإنه ربما لا يمتلك الفقير إلا ثمن الكبش، عند ذلك يضحي كما ضحى النبي ﷺ ، أما إن استطاع أن يذبح بدنة فهذا هو الأولى ولا شك في هذا، وهذا قول الجمهور. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج:٢٣] أي: يحافظون عليها في أوقاتها فلا يضيعون صلاة في جماعة، بل يؤدونها وقد استكملوا الشروط والأركان والسنن بخشوع. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج:٢٤]، الصدقة والزكاة مقدار كل واحدة منهما معلوم، لا يبخسون الناس حق الله ، قال: ﴿لِلسَّائِلِ﴾ [المعارج:٢٥] الذي يسأل، ﴿وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٥]، الذي يكف عن السؤال، يحسبه الجاهل غنياً من التعفف، تعرفه بسيماه؛ لذلك ربنا يقول: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج:٣٦] أي: من الهدي ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦]، والقانع: الذي يقتنع بحاله ولا يسأل الناس، والمعتر: الذي يسألهم، فأطعموا من يسأل ومن لا يسأل، وإياك أن تطعم من يسأل وتترك من لا يسأل. يقول ربنا : ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج:٢٤] وكلمة (حق) تشير إلى أن للفقير في مال الغني حقاً، فأنت حينما تعطيه لا تعطيه فضلاً منك، إنما هو حق لابد أن يأخذه؛ لذلك قاتل أبو بكر المرتدين حينما منعوا الزكاة، فلو أن المجتمع يؤدي زكاة ماله لما وجد فيه الفقراء، ولا الذين بدون زوجات، والحالات التي تعرض ليلاً ونهاراً تجعلنا نبكي دماً بدلاً من الدموع؛ وذلك لأن الأغنياء يحبسون ما أعطاهم الله . قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المعارج:٢٦ - ٢٧]، خائفون وجلون يخشون عذاب ربهم ، إذ ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ [المعارج:٢٨]. ومن صفاتهم: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المعارج:٢٩]، حفظ الفرج عما حرم الله، والمحرمات متعددة، فلا يضعون فروجهم إلا فيما أحله الله من الزوجة أو ملك اليمين، أي: الأمة، أما ما سوى ذلك فحرام، واستدل العلماء من هذه الآية بحرمة نكاح اليد، لا يقربون بفروجهم ما حرم الله، لا يقربون دبراً ولا امرأة في حيض، ولا أي شيء حرمه الله، وذلك كما قال تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المعارج:٣٠]. ثم قال: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ [المعارج:٣٢]

стр. 400

المنهجية الصحيحة في مواجهة أعداء الأمة أيها الأحباب الكرام! منهجنا ثابت وواضح ومعروف لا نغير فيه ولا نبدل، فلسنا مع التخريب والمظاهرات بحال، قلناها ونقولها مراراً: لا لحساب أحد، وإنما هو شرع ربنا نوضحه ونبينه، ونقول: إن الشرع قد ألزمنا أساليب شرعية للتغيير والتعبير عن الرأي، وليس منها مظاهرات تدعو إلى التكسير والتخريب والاختلاط بين الغث والسمين، والمزايدة بشعارات واهية، يرفعها من يركب الموجة، ويحسب على التيار أو المجموع، فاتقوا الله! فدعوتكم أمانة، ودينكم أمانة، ومسجدكم أمانة، فنحن لا نملك لإخواننا في فلسطين أو في العراق إلا أن ندعو أولاً، قد يقول قائل: ماذا يصنع الدعاء، وقد مللنا من الدعاء؟! أقول لك: اتق الله، فالدعاء يحرق الصخور ويحطم الشرك والكفر: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:١٠]، ما زاد نوح على ذلك وما قام بمظاهرة، فكان جواب ربه: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١١ - ١٢]. وفي حديث الثلاثة الذين دخلوا الغار، فأطبق على باب الغار صخرة، ماذا صنعوا؟ هل حطموها بمعول أو بفأس؟ هم في ظلام دامس، وعلى باب الغار صخرة يعجزون عن تحريكها حتى وإن جاءوا بأكبر الآلات، ماذا صنعوا يا عباد الله؟! قالوا: هيا بنا نتذكر أعمالنا الصالحة ونتوسل إلى الله بها، لعله يفرج عنا ما نحن فيه، فقام الأول وقال: يا رب! إنك تعلم ولا يعلم سواك أنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت باراً بهما، وكنت في كل ليلة آتيهما بغبوق اللبن فأسقيهما قبل أن يناما، فيناما بعد أن يشربا، ففي ليلة تأخرت وجئت بغبوق اللبن فوجدتهما نائمين، والصغار عند قدميَّ يتضاغون، فأبيت أن أسقي أبنائي حتى يشرب أبوي، فلما استيقظا في موعدهما أعطيتهما فشربا، ثم سقيت أبنائي بعدهما. يا قوم! يأتي الزوج بالفاكهة ويدخل بها على الزوجة، فيضعها في الجيب، أو يخبئها وراء الظهر حتى لا ترى الأم؛ لأنه يأخذ التعليمات الشفوية المشددة: لا تدخل على أمك إلا بإذني، أمي لا أبرها إلا بإذن زوجتي، يا قوم! ماذا حدث لنا؟! قال: اللهم إن كنت تعلم -والله يعلم- أني فعلت ذلك لأجل وجهك وابتغاء مرضاتك؛ ففرج يا رب! عنا ما نحن فيه. فتحركت الصخرة، والذي حركها هو الله، الصخرة تتحرك بالدعاء يا قوم! هذا الدعاء من عبد أخلص لله. رب عبد فينا لا نلتفت إليه يقول: يا رب! عليك بأعداء الدين، فيحطمهم الله وهو قادر. أما الثاني فقال: يا رب! إنك تعلم أنه كان عندي أجير يعمل بالأجرة، ففي يوم ترك أجره دون أن يأخذه، فأخذته ونميته واستثمرته له، فجاء بعد مدة يقول: يا عبد الله! تركت عندك أجراً منذ زمن، قلت: انظر إلى هذا القطيع من الأنعام هو لك، قال: أتهزأ بي؟ قلت: استثمرته لك. فيا من تأكلون حق الأجير! اتقوا الله في أنفسكم، يا من تستعبدونهم بغير وجه حق! اتقوا الله في أنفسكم. قال: فأخذ القطيع، فيا رب! إن كنت تعلم أني فعلت ذلك لأجلك ففرج عنا ما نحن فيه، فتحركت الصخرة مرة ثانية دون أن يمسها أحد. فجاء الدور على الثالث، يقول العلماء: والثالث أفضلهم؛ لأنه لو لم تتحرك لما خرجوا، إذ إن المكان لا يتسع للخروج. قال: يا رب! إنك تعلم أنه كانت لي ابنة عم وكنت أحبها، فجاءتني يوماً تسألني فأبيت أن أعطيها حتى تمكنني من نفسها، فلما جلست بين شعبها الأربع كما يجلس الرجل إلى زوجته قالت: يا عبد الله! اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانتفضت من عليها خوفاً منك يا رب! وتائباً إليك، فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك ففرج عنا ما نحن فيه، فتحركت الصخرة فخرجوا بإذن الله. إذاً: الدعاء يحرك الصخر، أما أنا وأنت إن كنا معهم في الغار، وقلنا: يا رب! فرج عنا ما نحن فيه فربما أتت صخرة فوق صخرة؛ وذلك بفعل ذنوبنا، فنحن نقول: يا رب! انصرنا، لكننا لا نجد أعمالاً صالحة نتوسل بها إلى الله. فلا تغتر بمظاهرة جماهيرية، هي غثاء كغثاء السيل، والذي نفسي بيده لا عقيدة ولا التزام بمنهج ولا التزام بحدود، إنما هي فقاقيع تطير في الهواء. منهجنا في هذا المسجد ثابت وواضح وبيّن. الأمر الأول: ندعو، الأمر الثاني: ندعم بالوسائل الشرعية، كمقاطعة السلع، ومقاطعات المنتجات؛ وكالدعم المادي إن أمكننا ذلك، هذا ما نملكه إلى بعض الوسائل المشروعة الأخرى. أيها الإخوة الكرام! أما حرية النعيق وحرية الصراخ ولطم الخدود وتمزيق التماثيل وحرق الصور، هذه أمور صنعها أعداؤنا لنا؛ لنفرغ فيها الشحنة، ويقع بعضنا في بعض وهم يشاهدون، فلا تغيير للواقع، أخبروني ماذا صنعت المظاهرات لأي قضية على وجه الأرض؟ وماذا حصدنا بها؟ أقول هذا احتساباً لله ، ودفعاً لشبهة زرعت في بعض الرءوس. اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم مكن لدينك في الأرض يا رب العالمين! اللهم انصر عبادك المستضعفين في فلسطين، وانصر عبادك المستضعفين في العراق، اللهم أيدهم بنصرك يا قوي يا متين! اللهم عليك بأعداء دينك

стр. 401

مقومات الشخصية اليهودية في القرآن الكريم أيها الإخوة الكرام الأحباب! معرفة العدو لا يمكن لنا أن نتعرف عليه على سبيل الثقة واليقين إلا من كتاب ربنا : ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ [النساء:٤٥]، ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، ، فصفات ومقومات الشخصية اليهودية في القرآن الكريم واضحة بينة، حتى إن بعض المتخصصين أخذ رسالة دكتوراة في صفات بني إسرائيل في القرآن، أو مقومات الشخصية اليهودية من القرآن، وحينما نقول من القرآن فهو الكتاب الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢]، فما هي صفات هذه الشخصية؟ إن تتبعنا بالحصر لن ننتهي، ولكننا سنأخذ نماذج لها.

стр. 402

الإلحاد في العقائد أولاً: الإلحاد في العقائد، وكلمة الإلحاد في العقائد تعني الانحراف، واللحد: هو المكان المائل الذي يفتح في الأرض ليدفن فيه الميت، فالإلحاد يعني: الميل والانحراف، فعقيدتهم في الله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤]. ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]. وقالوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠]، وقالوا: إن الله خلق الأرض والسماوات في ستة أيام ثم تعب، فأراد أن يستريح فاستراح يوم السبت، وربنا يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، فعقيدتهم في الله عقيدة إلحاد وتحريف. أما عقيدتهم في الجنة: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١]، أي: أن أي دعوة ليس عليها برهان دعوة ساقطة، ربما يقول قائل: فلان كذا، يتهمه ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة:١١١]، فلابد أن تقيم البرهان على كل دعوة، ولو سرنا بهذا المنهج لاستقامت الحياة دائماً وأبداً، شخص يقول: سمعت فلاناً يقول: كذا عن فلان، فلا بد أن تقول له: هل عندك دليل؟ ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١]، فلان من الخوارج، فلان مرجئي، فلان اعتزالي وهكذا تهم، بعضنا يتهم بها البعض، أين البرهان والدليل؟ وأين الكلام الواضح البين؟ كما أنه محظور أن تقذف، لكن إذا قذفت لابد من أربعة شهود، ولو أننا سرنا على منهج هذه الآية فقط لاستقامت الحياة في تعاملاتنا، يقول الله تعالى لليهود والنصارى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة:١١١] في قولكم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة:١١١] فهذه أماني: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة:١١١]. أما عقيدتهم في النار: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة:٨٠]، سندخل النار مدة أربعين يوماً فقط، وهي مدة عبادتهم للعجل، صنعوا العجل وعبدوه من دون الله، يقول الله لهم: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٨٠]. أما عقيدتهم في الملائكة، فقد قالوا لرسولنا ﷺ : لو نزل عليك ميكائيل لآمنا بك، أما جبريل عدونا اللدود، نحن نبغضه؛ فأنزل الله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩٧].

стр. 403

تحريف الكلم عن مواضعه ثانياً: من صفات هذه الشخصية أيضاً: أنها تحرف الكلم عن مواضعه، يقول ربنا في حقهم: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء:٤٦]، فقد قال الله لهم: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة:٥٨]، على هيئة معينة ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة:٥٨]، فحرفوا في الفعل والقول، دخلوا على مقاعدهم ولم يدخلوا سجداً وقالوا: حنطة! لذلك هم أساتذة التحريف في الدنيا، يقول الله سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩]. أورد العلامة ابن حزم في كتابه القيم (الأدلة العقلية في تحريف التوراة)، منها: أن التوراة بها أماكن لم تسم بهذه الأسماء أيام نزول التوراة، مثال هذا: أن هذا الحي يسمى (الزيتون). قبل خمسمائة سنة ماذا كان اسمه؟ كانت أرضاً صحراء ليس فيها منازل ولا زيتون، فإن جاء رجل وقال: مررت بالزيتون منذ ألف سنة. كاذب أم صادق؟ سنقول: كذاب (١٠٠%)، فحين تحدثنا التوراة عن أسماء أماكن موجودة الآن، وسميت بهذه الأسماء بعد نزول التوراة بآلاف السنين، هل هذا كلام صدق أم كذب؟ الجواب كذب. إذاً: ابن حزم يستدل بالأدلة العقلية في تحريف التوراة فضلاً عن الأدلة النقلية، والأنبياء معصومون اصطفاهم الله وجعلهم للناس أسوة: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، فهل أقتدي برجل منحرف في سلوكه؟ اقرأ عن أنبياء الله في التوراة، بل العجب في سفر التكوين والأسفار الخمسة التي عندهم أن نبياً شرب الخمر فأخذت عقله وزنى ببنتيه زنا محارم، يعني: نبي يزني ولا يزني بامرأة أجنبية، وإنما يزني ببنتيه بالصغرى ثم بالكبرى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:٥].

стр. 404

السعي في الأرض فساداً ثالثاً: من صفاتهم كما قال ربنا: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة:٣٣]، أي فساد في الأرض من خلفه اليهود، أقسم لكم بالله أن ما يحدث الآن على الواقع الذي نعيشه من خلفه اليهود، هم الذين يحركونه لمصالح ولأغراض، فينشغل الناس بالعراق كما هو حادث، وينصرفون عن فلسطين فيبيدونها ويهجرون أهلها وينفردون بها في غيبة المسلمين عن إدراكها، فهذا أمر مقصود، ودولتهم مرسومة من النيل إلى الفرات، فهو مخطط معروف ومكتوب، وقد صرح بيجن تصريحاً يضر بسياستهم، برر ذلك بقوله: اطمئنوا. فإن العرب لا يقرءون، وإذا قرءوا لا يحسنون الفهم، وإذا فهموا لا يحسنون العمل. هذا تحليل رجل يهودي للشخصية المسلمة، فنحن ينبغي علينا أيضاً أن نحلل تلك الشخصية: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة:٣٣]، فبيوت الأزياء العالمية يهودية، وكل الموديلات التي يلبسها البنات المسلمات اليوم صناعة يهودية، ولعبة كرة القدم صناعة يهودية، اسمع ولا حرج. دخلت امرأة مسلمة إلى سوق اليهود في المدينة يسمى سوق بني قينقاع، وكانت منتقبة، فراودها يهودي على أن تكشف الوجه فقط فأبت، فربطوا آخر ثوبها بمقدمته. يعني: ذيل الجلباب ربطوه بمقدمة الجلباب بحيث إذا قامت بدت العورة، وهذا يبين لك أنهم يريدون لعورات المسلمين أن تبدو، وهذا ما نجحوا فيه الآن، فالعورات الآن تبدو دون ربط للمقدم بالمؤخر. فلما قامت المرأة انكشفت عورتها فصرخت بأعلى صوتها؛ لأنها حرة يا أخي! أما التي تظهر العورة هذه ليست بحرة ولا عفيفة، ألا تغار؟ ألا تستحي من شكلها ومن مظهرها؟ فصرخت بأعلى صوتها، وكان بجوارها رجل مسلم. ما قال مثل جحا يقول: صباح الخير يا جاري. أنت في حالك وأنا في حالي، وأنا مالي، الضرب عنده هناك، أما أنا فمالي وله، هذه مشكلته، اعلم أن الأدوار تتوالى، وصراعنا صراع وجود لا صراع حدود، ولا هي مشكلة نزع أسلحة، إن المقصود السيطرة على بلاد المسلمين ومقدراتهم. ولن يرحم التاريخ من تخاذل، والذي نفسي بيده سيكون العار في سجلاته، وسيقص التاريخ أن هناك جيلاً بطن الأرض كان أفضل له من ظهرها؛ وذلك لأن التخاذل ليس من شيم المسلمين أبداً، أعيش كريماً وبحرية أفضل من أن أعيش ذليلاً، ولذلك هب ذلك المسلم على اليهودي فقتله في الحال دفاعاً عن العرض: (من مات دون عرضه فهو شهيد) عند ذلك اجتمع اليهود فقتلوه؛ لأنه لا يستطيع أن يقتله بمفرده؛ لأن الله قال في حقهم: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤]، هذه طبيعة اليهود. اجتمعوا عليه فقتلوه، ووصل الخبر إلى النبي ﷺ ، فجهز جيشاً وذهب إلى بني قينقاع، وأدبهم وأجلاهم عن المدينة بعد أن لقنهم درساً في احترام أعراض المسلمين، ولا تفهم اليهود إلا هذه اللغة، لغة السك على الدماغ، لا يعرفون سواها، أما أن تقول لي: محاورة محاورة، فكم لنا من سنوات ونحن نحاور؟ وسنظل نحاور إلى متى؟ فدائرة المفاوضات ومائدة المائدة طالت جداً، أنا لا أعرف ما هي هذه المائدة؟ هؤلاء هم اليهود ولن يكونوا يوماً بخلاف ما قال الله.

стр. 405

تشديد اليهود على أنفسهم بكثرة جدالهم وسؤالهم رابعاً: من صفاتهم: أن الله أمرهم أن يذبحوا بقرة، وذلك عندما قتل فيهم رجل، والذي قتله واحد منهم، وأراد أن يلفق التهمة بغيره، وهذا يعطيك مؤشراً إلى أنهم يقتلون ويتقبلون العزاء، يقتلون ويذبحون ويرفعون الشعارات الكاذبة، أي: أن فعلهم يختلف عن قولهم، وهذا ما صنعه ذلك الرجل، قتل عمه ثم ذهب إلى موسى ﵇ يقول له: عمي قتل، فمن الذي قتله؟ فأوحى الله إلى موسى ﵇ أن يأمرهم بذبح بقرة: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] أي: الآمر لكم هو الله، لكنهم يهود: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة:٦٧] أتمزح معنا يا موسى! وهل يجوز لموسى أن يمزح في أمر الله، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ [البقرة:٦٧]، فكانت الإجابة: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [البقرة:٦٧ - ٦٨] ولم يقولوا: ادع لنا ربنا، ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [البقرة:٦٨] أنت ﴿يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ﴾ [البقرة:٦٨] خير الأمور أوسطها ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة:٦٨ - ٧٠]، هذا يشير إلى أنهم قوم جدل ومراء وكثرة سؤال بغير حق، فالله أمرهم أن يذبحوا (بقرة) جاءت نكرة في سياق الشرط وأفادت العموم، فأي بقرة كانت تجزئ، لكنهم شددوا فشدد الله عليهم ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة:٧١] أي: سالمة من العيوب، ﴿قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة:٧١] الآن جاء بالحق، وقبل ذلك جاء بالباطل؟! ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٧١]، فأمرهم الله أن يأخذوا جزءاً من البقرة ويضربوا القتيل به ففعلوا، فأحياه الله بعد موته وأخبر عن قاتله، فيا لها من مؤامرات ودسائس!

стр. 406

قساوة قلوب اليهود وسفاهتهم وحقدهم على المسلمين خامساً: يقول ربنا في وصفهم أيضاً: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤]، فقلوب اليهود أقسى من الحجارة، والذي نفسي بيده نرى طفلاً يرضع لا يملك أن يدافع عن نفسه فيطير رأسه، وامرأة يدفنونها حية ثم يخرجونها هكذا أمام الناس، ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨]، وهم السفهاء الذين قال الله في حقهم: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ [البقرة:١٤٢]، وهم الذين قال الله في شأنهم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة:٥]، فضرب لهم مثلاً بالحمار حتى نتعظ ونأخذ الدروس والعبرة. أيها الإخوة الكرام! مقومات الشخصية اليهودية في كتاب رب البرية يحتاج منا إلى سعة دراسة وإلى تحقيق؛ حتى نعلم العدو. اللهم إنا نسألك يا ربنا! أن تنصرنا عليهم. إنك على كل شيء قدير.

стр. 407

الأسئلة

стр. 408

شروط الجهاد في سبيل الله لاسترداد أرض مغصوبة السؤال سمعت من أحد الإخوة أنه ليس لنا جهاد في أرض العراق ما لم ترفع راية الإسلام، بل على العراق وحده الجهاد في سبيل استرداد وطنه، ولا نملك إلا الدعاء، فهل لنا جهاد في العراق، أم الدعاء لهم بالنصر فقط؟ الجواب الحقيقة هذه مسألة خطيرة جداً؛ لأني أسمع كثيراً من الأصوات ترددها الآن، الجهاد في الإسلام له شروط: أولاً: أن يكون تحت راية واضحة ومرفوعة على أرض العراق، ونحن مع العراق لا شك، لكنني كسلفي موحد أجاهد تحت هذه الراية، لا أملك هذا. ثانياً: لابد أن يكون للمسلمين دولة ولها خليفة يبايعه الناس، ويرفع راية الجهاد، عند ذلك يجب عليك أن تدخل تحت الراية، فلا يلزمك الجهاد أبداً، وإنما هو فرض عين على من بداخل البلاد، وهذا قول العلماء، أما أنت فتصنع ما تستطيع أن تصنعه وأنت في بلدك، أما أن تخرج دون راية واضحة ودون إعداد عدة ودون أن يكون هناك دولة للمسلمين ترفع راية الإسلام فهذا لا يجوز، ولا أريد أن أحبط أو أثبط، لكن ينبغي أن نعرف معرفة اليقين أن نظام العراق نظام بعثي يقوم على حزب البعث الذي أسسه ميشيل عفلق فضلاً عن تشيع بعضهم، وهذا كله ليس معناه أن نتخلى، لكني أريد أن أقول: إن الراية راية عمية، ليست هي الراية التي يجب علينا أن نجاهد تحتها، وعلى ذلك لابد أن ننصر إخواننا في العراق بالدعاء، وبكل ما نملك من وسائل، أما أن تقول: إن الجهاد فرض عين، وعلي أن أذهب، هذا كلام غير مقبول، والله تعالى أعلم.

стр. 409

حكم القنوت في الصلوات الخمس بسبب احتلال أرض العراق السؤال هل نقنت في الصلوات الخمس الآن بعد احتلال العراق من الأمريكان؟ الجواب نعم. هذه نازلة حلت ببلد مسلم، فيجوز أن نقنت في الفروض الخمس؛ لأن النبي ﷺ ظل شهراً كاملاً يقنت في الفروض الخمس على رعل وذكوان، وهما قبيلتان قتلتا حفظة القرآن، والقنوت يا إخواني! في النازلة فقط، وأجد البعض إذا قنت في الظهر يقول: اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، يقول دعاء قنوت الوتر، ودعاء القنوت يكون في النازلة، وأن تسمي النازلة باسمها، والله تعالى أعلم.

стр. 410

ما يلزم من قذف المحصنات وقد أدركهن الموت السؤال كيف يكون التكفير عن ذنب قذف المحصنات إذا كان قد مر على ذلك سنون والشخصيات غير موجودة؟ الجواب الحقيقة قذف المحصنات الغافلات المؤمنات ذنب عظيم يحتاج منك إلى توبة وإقلاع وندم، أما إن كان القذف لشخصيات غير موجودة فيكفيك أن تتوب بينك وبين الله، وأن يتوب الله عليك، والله يوم القيامة يرضيهم عليك طالما حسنت توبتك، ولشيخنا ابن عثيمين في شرح رياض الصالحين قولاً مثل هذا، فلترجع إليه، والله أعلم.

стр. 411

حكم ضرب الأمريكان ودول الخليج وبعض الدول العربية للعراق عند غزوه الكويت السؤال هل يكون العراق العدو المشترك لأهل الصليب والمسلمين؟ وهل لأمريكا أن تضرب العراق من الكويت مع سكوت العرب المسلمين؟ الجواب الحقيقة مثل هذه المسائل لا يجوز المتاجرة بها، فهرمجدون أظهروا المهدي والمسيح الدجال بعد اقتراب الساعة، هذا الكلام المستهلك الذي لا يتحدث فيه إلا من يريد أن يروج لكتاب أو يزايد بقضية، لا يا عبد الله! هذا ليس طريق منهج السلف الصالح، ربما يقول قائل: صدام هو الذي يسمى في هرمجدون بـ السفياني، وفي صحيفة أبي نعيم كلام خطير ليس عليه أدلة، أن هذه الحرب مقدمة للملحمة، وسينتصر فيها كذا، ويحمل النصوص ما لا تتحمل، ما أنزل الله بذلك علماً، ولا ثبت عن نبينا ﷺ ، أما قولك: إن أمريكا تضرب العراق من الكويت، فهي مسألة لا يختلف عليها اثنان، ولا ينتطح فيها كبشان أو عنزان، مسألة واضحة أنت تفهمها وأنا أفهمها، فاجعلها هكذا مفهومة، ماذا أقول يا عبد الله؟! فنسأل الله العافية.

стр. 412

التشجيع على محاربة عملة الدولار وغيرها من عملات الكفار السؤال لو أننا سحبنا الودائع التي بالدولار واستغنينا عنه ولم نطلبه، فأنا معي عشرون ألف جنيه لا أحولها إلى دولار، ولا أطلب هذه العملة أبداً ولا أتعامل بها، ماذا سيحدث لهذه العملة؟ الجواب هذا رجل على الفطرة والله، الطلب عليها يقل، وبالتالي سعرها يقل، وبالتالي يتدهور الدولار، فهذه وسيلة، لكن كل واحد منا يقول: غير الجنيه واجعله دولاراً، فعلى المسلم أن يدعم اقتصاد بلد مسلم وعملة بلد مسلم، أما أن تقول: أنا لا أحمل إلا دولاراً يا عبد الله هذه من الأمور التي لا ينبغي أبداً أن تخفى علينا، فهي ألف باء المسائل الاقتصادية. والمعروف أن اليورو بثمانية جنيهات، والدولار بستة جنيهات، بعض إخواننا في هذين اليومين كان يشتري الدولار بخمسة وأربعين جنيهاً ويضعه وديعة، ثم يقبضه ليكسب، فمنهم من كسب مائة ألف بضربة واحدة عند ارتفاع سعر الدولار، وهو بذلك، يدعم اقتصاد عدوه، وهذه مصيبة كبيرة، لا يجوز ذلك يا عبد الله! قاطع هذه العملة لينخفض الطلب عليها حتى يتدهور السعر، وحينما يتدهور السعر ربما يقوم الشعب الأمريكي بنفسه بمظاهرة على رئيسه لتدهور الحالة الاقتصادية، فيقتلونه بأيديهم، فالأمور تحتاج منا إلى سعة أفق. أخبرني أحد الأشخاص أن شركة (بيبسي كولا) تراجعت مبيعاتها إلى ستين مليون جنيه في السنة الماضية بسبب المقاطعة التي حصلت، وفي إحصائية في مركز صغير كمركزنا أيضاً يشير إلى مثل هذا المعنى، تراجع في مبيعات الشركة على هذا النحو، فلا ينبغي أبداً أن نغفل عن مثل هذا الأسلحة، والله تعالى أعلم.

стр. 413

المقصود من قوله تعالى: (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية)) السؤال قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٢]، هل معنى هذا أن الله نجى الله جسد فرعون في زمنه فقط، أم أن جسده إلى الآن موجود، وهل فرعون هو رمسيس الثاني، أم لا؟ الجواب الحقيقة أن الله أمر البحر فألقى جسد فرعون؛ حتى يتحقق اليهود من موته، وبعض الكتب تقول: إن فرعون هو رمسيس الثالث، وهذا التحقيق ليس عندنا فيه يقين، ولا ندري أين كان لما أنجاه الله ببدنه بعد موته وهلاكه.

стр. 414

حقيقة المومية المنسوبة لفرعون السؤال هل المومية الموجودة الآن هي لفرعون أم لا؟ الجواب تحتاج إلى تحقيق تاريخي أيضاً، والله تعالى أعلم.

стр. 415

حكم خروج المرأة إلى المسجد واضعة المكياج في وجهها تحت النقاب السؤال هل يجوز أن تأتي المرأة المنتقبة إلى المسجد وتضع المكياج في وجهها؟ الجواب الحقيقة جاءتني أكثر من شكوى من هذا الموضوع، أن بعض الملتزمات يخرجن إلى المسجد بطريقة غير شرعية، إذا خلعت النقاب تجد فيها ألوان الطيف السبعة، ما هذه المصيبة؟! تتقي الله ؛ لأن هذا لا يستقيم مع الزينة التي تلبسها. كذلك جاءتني شكوى أن بعضهن يأتين بطريقة سافرة أكثر من التبرج، يعني: منتقبة، لكنها تلبس النقاب بطريقة استفزازية، لا يا أمة الله! لا ينبغي أن يكون اللباس لباس زينة، فاتقي الله في نفسك، هذا شيء لا يرضي الله . وبغضِّ النظر عن أصابع اليد والوجه، نحن نقول: ملابس المرأة ينبغي أن تكون مطابقة للشرع، وألا تكون على هذا النحو، والله تعالى أعلم.

стр. 416

حكم الوشم السؤال ما حكم الوشم؟ الجواب حرام (لعن الله الواشمة والمستوشمة).

стр. 417

الأمور التي تساعد على الإقلاع عن الذنب تماماً السؤال كيف أتوب إلى الله توبة نصوحاً وعدم الرجوع إلى المعاصي مرة أخرى، والاعتصام منها، والثبات على الإيمان؟ الجواب التوبة إلى الله تكون بالندم والعزم والإقلاع، لكن يبدو أنك على ذنب كبير وتعود إليه، هذا السؤال أفهم منه هذا، ويبدو أنك لا زلت تسكن في أرض المعصية، يعني: قد تكون في كلية الآداب مثلاً، وتقول: وقعت في جريمة مع صديقة لي في الفرقة الثالثة، وأريد أن أتوب إلى الله، وما دامت هي بجوارك في مدرج المعصية تراودك، سنة أو شهراً أو شهرين فإنك ستقع في الآخر، فعليك أن تنقل من آداب القاهرة إلى آداب عين شمس، واترك أرض المعصية؛ فمن شروط التوبة إلى الله أن تقلع عن أرض المعصية الإقلاع التام، والله تعالى أعلم.

стр. 418

حكم نهي الوالدين لابنتهما عن التستر والحجاب السؤال أهلي يرفضون أن ألبس النقاب الآن، ويقولون لي: بعد أن تتزوجي البسيه، وخطيبي يخيرني بينه وبين النقاب، وأمي كذلك تقول لي: إن النقاب سيوقفك عن العمل، أما أنا فأريد أن أرتديه، ولكن إذا حدث إذا قدر الله حرباً في مصر أريد أن أكون من المجاهدين، فكيف سأجاهد وأنا بالنقاب، وكيف أثبت عليه؟ الجواب لا. لا نريدك أن تجاهدي، أين سيذهب الرجال إذا خرج النساء؟ جهادك يكون في بيتك، فحسن تبعلك لزوجك وتربية أولادك التربية السلفية الصحيحة على المنهج هو جهادك، وجهادك هو الحج كما قال ﷺ . لا ينبغي للأب والأم أن يمنعا البنت من لبس النقاب أبداً، هذا أمر بمعصية، ولا يجوز للبنت أن تسمع الأمر في معصية الله ، والذي يزوج البنات هو الله ، فلا ينبغي أن نقول: كشف الوجه سيأتي بالعريس، الذي يذلل العريس ويأتي به هو رب العالمين ، وحينما تسجدين وتدعين ربك أن يرزقك الزوج الصالح هذا هو الطريق، والله تعالى أعلم. نكتفي بهذا القدر لضيق الوقت. بارك الله فيكم، وجزاكم الله خيراً، ولا تنسوا إخوانكم من الدعاء. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 419

وقفة مع سورة الإنسان ذكر الله في سورة الإنسان فضل إطعام الطعام والإنفاق مما يحبه الإنسان ابتغاء وجه الله ﵎، وأن من فعل ذلك سيكون جزاؤه الجنة، يتنعم فيها بالحرير والحور العين وأنواع الفواكه والأطعمة وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وينجيه سبحانه ويقيه شر يوم القيامة.

стр. 420

تفسير قوله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً) الحمد لله رب العالمين الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة في قرار مكين، ثم خلق النطفة علقة سوداء للناظرين، ثم خلق العلقة مضغة بقدر أكلة الماضغين، ثم خلق المضغة عظاماً كأساس لهذا البناء المتين، ثم كسا العظام لحماً هي له كالثوب للابسين، ثم أنشأه خلقاً آخر، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ. وأشهد أن نبينا ورسولنا سيدنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الغرِّ الميامين اصطفاه الله على الأنبياء والمرسلين. ثم أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإنكم لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، وإنها لجنة أبداً أو لنار أبداً. أيها الإخوة الكرام! نواصل الحديث مع سورة الإنسان في اللقاء الأول، وفي اللقاء الثاني أقف وقفة لا بد منها دفاعاً عن أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأنه قد طفح الكيل، ففي الأجهزة المرئية والمسموعة، بل وفي المناهج التي تدرس على أبنائنا في المرحلة الإعدادية سب واضح بيِّن لأصحاب النبي محمد ﷺ . فكان لا بد من وقفة؛ لعل من استطاع أن يبلغ أو استطاع التغيير أن يغير، فهذا واجبنا تجاه أصحاب نبينا ﷺ . يقول الإمام الطحاوي في العقيدة الطحاوية: ونبغض من أبغض أصحاب رسول الله؛ لأن حبهم إيمان وإحسان، وبغضهم كفر وعصيان. وسأؤجل الحديث عن هذه القضية إلى اللقاء الثاني، وأقرأ على مسامعكم من كتاب الدراسات الاجتماعية الذي يدرس على الصف الثاني الإعدادي في مصر ما سطر وكتب في شأن عثمان ﵁، وفي شأن معاوية ﵁، وفي شأن عمرو بن العاص ﵁، وهؤلاء هم أصحاب النبي ﵊ الأعلام، وقد حذر من سبهم أو التعريض بهم أو الدخول في الخلاف الذي وقع بينهم، فهي فتنة طهر الله منها أيدينا، فعلينا أن نطهر منها ألسنتنا، كما قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عن أصحاب رسول الله. توقفنا عند قول الله سبحانه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ [الإنسان:٨]، أي: على حب الطعام، والدليل أنه على حب الطعام: قول الله ﵎: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة:١٧٧]، وأفضل الصدقة أن تتصدق وأنت شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولذلك كان الربيع بن خثيم من السلف إذا جاء سائل يطرق بابه، قال: أعطوه سكراً؛ فإن الربيع يحب السكر، فكان يختار ما يحب لينفقه للسائلين والمساكين واليتامى، فيخرج ما يحبه لربه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]. وقال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة:١٧٧]، أي: مع حاجته له، ومع رغبته فيه، ومع ذلك يتصدق به لربه . يختار أصحاب الحاجات: (مسكيناً) وقد عرفنا المسكين في اللقاء السابق، (ويتيماً)، اليتيم: هو من مات أبوه. والذي أعاد البسمة إلى وجوه اليتامى هو سيد البشر محمد ﷺ ، فقد نشأ يتيماً حيث مات أبوه وهو في بطن أمه؛ فقال له ربه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى﴾ [الضحى:٦]، ثم قال له: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى:٩]. فالمسح على رأس اليتيم عبادة، وكفالة اليتيم عبادة، فهل تريد أن تكون بجوار رسول الله ﷺ في الجنة؟ أي شرف ومنزلة؟ ومن منا لا يرغب في هذه المكانة؟ اسمع إلى حديث رسول الله ﷺ الذي يقول فيه: (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة، وقرن بين السبابة والوسطى)، انظر إلى هذا الشرف! فإن أي كافل يتيم يقف في الجنة بجوار رسول الله، فيا له من شرف! فاطرق أبواب اليتامى، ولذلك لما أنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء:١٠]، شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ ، والآية فيها زجر وتهديد ووعيد شديد لمن يأكل أموال اليتامى، وقد كان من كان عنده يتيم في حجره يعزله بماله بمأكله بملبسه، فلم يخالطه؛ فأنزل الله سبحانه فيه رفعاً للحرج: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُ

стр. 421

تفسير قوله تعالى: (إنما نطعمكم لوجه الله) قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾ [الإنسان:٩]، أي: إنما نطعمكم ابتغاء وجه الله سبحانه، وطلباً لرضا الله، ولا نريد منكم أن تكافئونا على هذا الإطعام، ولا أن تشكرونا بين الناس، لا نريد منكم جزاءً لنا، ولا شكوراً عند الناس، ((إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ))، وهذا هو الإخلاص. ولذلك يوم أن يتحقق الإخلاص في قلوبنا تكون الأعمال اليسيرة كثيرة، فكم من عمل صغير عظمته النية، وكم من عمل كبير حقرته النية، ولذلك قالوا: كم من قتيل بين الصفوف الله أعلم بنيته. اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل. والإخلاص هو طريق الخلاص، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، وكان السلف يتحرون الإخلاص في كل أعمالهم، حتى إنهم كانوا يؤدون الأعمال ولا يعرفها أحد من البشر، ولا تعرف إلا بعد موتهم، فبعد الموت يكتشفون أن فلاناً كان يقوم على رعاية فلان، أما في حال حياته فكان يخفي عمله بينه وبين ربه. دخل عمر بن الخطاب ﵁ إلى أرض معركة بعد أن وضعت الحرب أوزارها يتعرف على القتلى من المسلمين، فوجد رجلاً مسلماً وقع شهيداً، فنادى على الحضور: من يعرفه؟ فقلبوه، وإذا بالكل لا يعرفه، فبكى عمر وقال: ما ضره أن عمر لا يعرفه، يكفي أن الله يعرفه. فلا يقدم ولا يؤخر أن يعرفك الناس، ولكن لا بد أن تبتغي بعملك وجه الله، لا أن يقال عنك: العالم العلامة، والحبر الفهَّامة، وأستاذ الأساتذة، فإن كانت نيتك أن تتعلم علماً لتماري به العلماء، أو تجادل به السفهاء، أو لتلفت أنظار الناس إليك؛ فعملك حابط يا عبد الله! فابكِ على عملك وعلى نفسك، وكن على خوف بعد العمل الصالح ألا يتقبله الله ، وألا يكون عملك كما قال : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣]. وقال : ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧]. وقال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ [الإنسان:٩ - ١٠]، قال ابن عباس في قوله: (عبوساً): ضيقاً، وقال في قوله: (قمطريراً): طويلاً، وهذا اختيار الحافظ ابن كثير ﵀. ولذلك تعبس فيه الوجوه، ويتقلص فيه الجبين، من شدة هوله، ولذلك ربنا يقول في هذا الشأن: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر:١٠].

стр. 422

تفسير قوله تعالى: (فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسروراً) ثم قال تعالى: ﴿فَوَقَاهُمْ اللَّهُ﴾ [الإنسان:١١]، دفع عنهم، ﴿شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً﴾ [الإنسان:١١] في وجوههم، ﴿وَسُرُوراً﴾ [الإنسان:١١] في قلوبهم؛ لأن النظرة تكون للوجه، والسرور للقلب، (كان ﷺ إذا سرَّ استنار وجهه كأنه القمر)، فسرور القلب على التوِّ والفور يعطي نضرة في الوجه؛ كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]. فقوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ [الإنسان:١١]، فجزاهم حسن الظاهر بنضرة الوجه، وجزاهم حسن الباطن بسرور القلب، وكل إنسان يسعى إلى السرور، وكل إنسان يبحث عن السعادة، فجامع المال يظن أن في المال السعادة، والذي يسعى إلى الملك والمنصب والكرسي يسعى إلى تحقيق السعادة، والذي يريد الولد يسعى لتحقيق السعادة، فهل السعادة في كثرة المال؟ وهل السعادة في كثرة الولد؟ وهل السعادة في تحقيق الملك والمنصب؟ وهل حقق المال السعادة لـ قارون؟ قال : ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص:٧٦]، يعني: مفاتيح الخزائن يعجز جماعة الرجال عن أن يحملوها، فما بالك بالخزائن؟ ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص:٧٩]، يركب المراكب الفارهة، والحرس عن يمينه وعن يساره، والطبل يدق بين يديه، والعلم يرفع فوق رأسه زينة وبهرجة، والناس ينقسمون إلى قسمين: قسم ينظر ويقول: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩]، وهؤلاء هم طلاب الدنيا، ينظرون إلى الأغنياء فيقولون: يا ليت لنا مثل ما عندكم، فيا عبد الله! لا تتمن هذا، فعنده الكثير الذي يخفى عليك من الهم والمرض، لكنك لا تعرف، ورغم وجود المال فالمال لا يسعد، يقول ربنا سبحانه: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ [القصص:٨١ - ٨٢]، ثم قالوا: ﴿لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾ [القصص:٨٢]. وهل حقق الملك السعادة لفرعون؟ قال حاكياً عنه: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١]، فكان له ملك مصر، وكل الناس يأتمرون بأمره، ولذلك أرسل الله كل نبي إلى قومه، إلا موسى أرسله إلى فرعون، كما قال تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ [طه:٢٤]؛ لأنه في ذلك الوقت كانت الرعية في مصر تأله فرعون، قال : ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف:٥٤]، لذلك لما أغرق الله فرعون قال له: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٢]، آية لكل ظالم، وكما قال: ﴿وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] أجراها الله من فوقه، والجزاء من جنس العمل، وقد قال قائلهم الظالم للموحدين: لو نزل ربكم لحبس معكم في زنزانة؛ فابتلاه الله بأن كان على طريق الإسكندرية الصحراوي، فدخل بسيارته في سيارة تحمل أسياخ حديد، فقطع الحديد جسده إرباً إرباً، قال : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم:٤٢]، والقصاص في هؤلاء يكون فيه عبرة وعظة لغيرهم، فحدثني عن أي ظالم لم يكن فيه عبرة وعظة لعباد الله سبحانه؟ فالظلمة وأصحاب المعاصي حياتهم تنتهي بكارثة لا شك، فهذا يقتل زوجته التي تزوجها زواجاً عرفياً، ثم يقتل مدير أعماله، ثم يقتل نفسه؛ ليكون عبرة لمن كان على شاكلته، وهذه هي النهاية، فحياتهم رخيصة، لكن حياة المؤمن غالية، لها ثمن عند الله ، هذه هي نهاية العصاة، يموتون كالجيف، والله لا يرضى عنهم، والناس تلعنهم بما قدموا، وبما كسبت أيديهم، ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢]، اعتبروا يا شباب! فيا من تبحث عن الشهرة ويا من تبحث عن المال، ليست السعادة في المال ولا الشهرة، واسمع إلى قول ربك: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧]، يا لها من حياة! فحياة المؤمنين وحياة الذين يسجدون آناء الليل وأطراف النهار حياتهم هنيئة سعيدة.

стр. 423

تفسير قوله تعالى: (وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً) قال سبحانه: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ [الإنسان:١٢]، الصبر: هو حبس النفس على طاعة الله، أو حبس النفس عن معصية الله، أو حبس النفس على أقدار الله المؤلمة، فهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: أن تصبر على الطاعة. الثاني: أو تصبر عن المعصية. الثالث: أو تصبر على قدر الله. والأقدار إما أن تكون مؤلمة، وإما أن تكون ملائمة، وفي الصبر على القدر المؤلم الخير الكثير، (إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه -أي: بعينيه- فصبر عوضته الجنة)، هذا الجزاء لأنه صبر على قضاء ربه سبحانه. وبعد غزوة حنين أخذ النبي ﷺ يقسم الغنائم بين أصحابه، ومن الناس من إذا أعطيته رضي، وإن لم يعط يسخط، ويطعن فيك، ويقول: هذا عمل لا يراد به وجه الله ، فإن أعطيته فأنت نعم الرجل، وإن لم تعطه فأنت بئس الرجل وهكذا. فأعطى النبي ﵊ الأقرع بن حابس مائة من الإبل، والأقرع بن حابس كان حديث عهد بكفر، وأعطى من أعطى ومنع من منع؛ لحكمة ولعلة؛ فقال رجل: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله! فوصل ذلك إلى سيد البشر ﵊، فأمسك بالرجل وقال له: (ويلك! إن لم أعدل فمن يعدل، رحم الله أخي موسى! لقد أوذي بأكثر من ذلك فصبر)، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾ [الأحزاب:٦٩]، فلابد أن تصبر على الطاعة، وتصبر عن المعصية، وتصبر على أقدار الله المؤلمة. وهكذا تصبر على مجتمعك، فربما إذا كنت ملتزماً يسخر منك الكثير، ويعرضون بك في الكاريكاتيرات، ويعرضون بك في الأفلام والمسلسلات، ويسخرون من الذين آمنوا، ويقولون: أتعرف صاحب اللحية هذا؟ إنه يأخذ بدلاً مادياً بطول اللحية، ثلاثة آلاف جنيه شهرياً للحية، وخمسة آلاف جنيه لتقصير الثياب، وألف جنيه للسواك. فهؤلاء يا عبد الله لا يتورعون في أن يتمضمضوا بأعراض الموحدين ليل نهار، وكلما نزلت إلى الصلاة سخروا منك، قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣١]. يقول ربنا: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ [الإنسان:١٢]. والذي علمنا الصبر في مجال الطاعات والبعد عن المعاصي، والصبر على أقدار الله المؤلمة هو سيد البشر ﵊، أرسلت إليه ابنته تقول له: (يا أبت! إن ابني يحتضر الآن، فأريد أن تأتي، فأرسل إليها مع الرسول يقول لها: مرها أن تصبر وأن تحتسب، فحلفت أن يأتي، فجاءها وأخذ الولد على صدره وروحه تقعقع، فسكب الدموع حزناً عليه، فقال له أحد الصحابة: ما هذا يا رسول الله؟! قال: تلك رحمة يجعلها الله في قلب من شاء من عباده). قال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ [الإنسان:١٢]، لم يلبسوا الحرير في الدنيا فلبسوه في الآخرة؛ لأنهم التزموا حدود الله، والتزموا قول الرسول ﷺ : (لا تلبسوا الحرير، ولا تأكلوا في آنية الذهب والفضة؛ فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة)، فكانوا لا يأكلون في آنية الذهب والفضة، ولا يلبسون الحرير، فكان جزاؤهم: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج:٢٣] ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان:٢١]، وفي الآية الأخرى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الكهف:٣١]، ففي الآخرة يحلون من الذهب والفضة، ويلبسون الحرير؛ لأنهم لم يلبسوها لتحريم الله لها، فيا من تلبس دبلة الخطوبة من ذهب أو من فضة، إن كانت من ذهب فهي حرام، وإن كانت من فضة فليست من هدي المسلمين، وإنما هي من هدي أهل الكتاب؛ فالتزم شرع الله سبحانه، لأنهم كانوا يعتقدون أن الدبلة كلما كانت في الإصبع فإنها تتصل بعرق في القلب، ووجودها دليل على الحب، فإذا خلعت الدبلة خلع معها الحب، وهذا كلام لا ينبغي أن يصدقه عاقل، فالإسلام أباح للرجل أن يتزوج من أربع نسوة، فإن تزوج بأربع فأين يلبس الدبل الأربع؟ فهذا تقليد لأهل الكتاب لا ينبغي أن نسير خلفه.

стр. 424

تفسير قوله تعالى: (متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً) قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ﴾ [الإنسان:١٣]، والاتكاء: هو التمكن، أو هو التربع، والأريكة لا تطلق إلا على السرير المزين بالستائر، ولا تسمى أريكة إلا إذا زين السرير، ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً﴾ [الإنسان:١٣]. وفي الحديث: (إن الجنة سجسج، لا حر فيها ولا برد)، (سجسج) أي: ليس فيها برد مؤلم، ولا حر مفزع، وإنما كالمدة بين طلوع الفجر إلى شروق الشمس، لا حر فيها ولا برد. قال تعالى: ﴿لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً﴾ [الإنسان:١٣]، أي: لا يرون فيها حراً ولا برداً، وإنما هو جو يناسب النعيم الذي هم فيه.

стр. 425

تفسير قوله تعالى: (ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلاً) قال تعالى: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا﴾ [الإنسان:١٤]، تظلل الأشجار على أهل الجنة مع هذا الجو. قال تعالى: س ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان:١٤]، إذا نظر إلى غصن يريد أن يأخذ منه ثمرة أو فاكهة في الجنة يتدلى فوق رأسه فيأخذه، وإذا كان مضطجعاً يتدلى إليه، وإذا كان جالساً يأتيه، ولذلك ربنا يقول: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:٢٣]، يأخذ منها فلا يمنع أيديهم شوك، ولا يمنعهم شيء، ولذلك قال: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً * عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنثُوراً * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً﴾ [الإنسان:١٣ - ٢٢]. وللحديث بقية إن شاء الله. أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم.
следующие страницы →