← Акыда

Акыда · id 37776

شرح الحموية - يوسف الغفيص

يوسف الغفيص

Полный текст (264 стр.). Показаны 246–264 · переход к 251.

стр. 246

المقصد الرابع: بيان صلة نفاة متكلمة الصفاتية بمتكلمة الجهمية والمعتزلة الأوائل المقصد الرابع: وهو صلة نفاة متكلمة الصفاتية بمتكلمة الجهمية والمعتزلة الأوائل الذين ذمهم السلف. الإشكال في باب الأسماء والصفات لم يقع كثيراً بقول المعتزلة والجهمية وإن كانوا هم الأصل في هذا الباب؛ لأن قول المعتزلة -وبخاصة أئمة المعتزلة- وقول الجهمية قد علم تميزه عن قول أهل السنة والجماعة، وحصل بين أئمة السلف وبين أئمة الجهمية والمعتزلة ما هو معروف من الرد والاختلاف والتمايز، ولم ينتسب أئمة الجهمية والمعتزلة لأهل السنة أو شيء من طرقهم، فهم مباينون للسلف في الانتماء وفي الحقيقة العلمية، ومن هنا لا يكون في قولهم ذاك الإشكال الكثير. لكن لما جاء متكلمة الصفاتية ممن اشتغلوا بشيء من النفي -وأخصهم ثلاث طوائف: الكلابية، والأشعرية، والماتريدية- اتفقوا على ذم المعتزلة والجهمية، حتى إن أكثر ما تراه في كتب الماتريدية والأشاعرة وما نقل عن كتب الكلابية -بل ما في كتب بعض الكلابية كـ الحارث بن أسد المحاسبي - في الغالب أنه ردود مفصلة على المعتزلة. كذلك انتسب متكلمة الصفاتية -في الجملة- لأهل السنة، وهم -في الجملة- يثبتون أصول الصفات -وإن كانوا يختلفون في القدر الذي يثبتونه- والغالب عليهم الانتساب لأحد الأئمة الأربعة في الفقه، وكثير من أئمتهم يعظمون مذهب السلف تعظيماً صريحاً كما هي حال الأشعري وأمثاله .. فلهذه الأسباب ولغيرها أيضاً وقع اشتباه كثير في هذه المذاهب المتأخرة، فتأثر بها طوائف من الفقهاء وبعض الصوفية، بل وشاعت في المتكلمين الذين ينتسبون للسنة والجماعة، والذين يفرضون أنهم مفارقون مباينون لطريقة المعتزلة. وقد عني المصنف كثيراً بالتحقيق في هذا المقصد والتوسط فيه والعدل؛ فقال ﵀: وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس مثل أكثر التأويلات التي يذكرها أبو بكر بن فورك وأمثاله هي بعينها تأويلات بشر المريسي الذي ذمه السلف .. إلخ. بمعنى أن هؤلاء الطوائف الثلاث ومن وافقهم، وإن كانوا قد خالفوا المعتزلة مخالفة حقيقية في بعض المسائل إلا أنهم فيما نفوه وتأولوه قد أخذوه عن الجهمية والمعتزلة، بمعنى أنه ليس في نفس الأمر في هذا الباب إلا أحد ثلاثة مذاهب، وهي المذاهب التاريخية الأولى: إما مذهب أهل السنة، أو مذهب المعطلة النفاة الجهمية والمعتزلة، أو مذهب المشبهة .. هذه هي المذاهب المعتبرة في هذا الباب من حيث الحقيقة العلمية ومن حيث الحقيقة التاريخية، أما من حيث الحقيقة العلمية فإن الحقيقة العلمية لا تخرج عن هذه الفروضات الثلاث: التشبيه، أو النفي الصريح، أو الإثبات مع التنزيه عن التشبيه كما هي طريقة أهل السنة. وأما الواقع التاريخي الأول فإنه في التاريخ الأول كان الأصل زمن الصحابة إلى آخر زمن التابعين هو قول أهل السنة والجماعة، ثم ظهرت مقالة التعطيل، ثم ظهرت مقالة التشبيه. واستقر الأمر على هذه المقالات الثلاث، حتى جاء متكلمة الصفاتية ومال بعضهم كـ محمد بن كرام السجستاني إلى طريقة التشبيه، ومال جمهورهم إلى شيء من الجمع بين طريقة أهل السنة المحضة وبين طريقة التعطيل؛ ولهذا أثبت الأشعرية بعض الصفات ونفوا البعض الآخر؛ ولهذا يكونون فيما نفوه أو تأولوه فرعاً عن المعتزلة والجهمية؛ ولهذا لا يذم الأشاعرة المعتزلة فيما يتفقون معهم على نفيه، إنما فيما تثبته الأشاعرة، فيصير المذهب الأشعري وأمثاله ملفقاً من قول أهل السنة وقول المعتزلة. وهذا الوصل موضع هام عند المصنف وهو يقع في قوله: وهذه التأويلات .. إلخ. وقيمة هذا الوصل: أنه كما أن السلف اتفقوا على ذم الجهمية والمعتزلة -بل حتى الأشاعرة يذمون المعتزلة والجهمية- كذلك الأشاعرة بسبب هذه الصلة مستحقون لنفس هذا الذم في الجملة.

стр. 247

المقصد الخامس: أصناف المنحرفين عن سبيل السلف قال المصنف: والمنحرفون عن سبيلهم ثلاثة أصناف -أي: عن سبيل السلف-: الأول: أهل التخييل: وهم الذين فرضوا نصوص الكتاب والسنة تخييلاً للجمهور، واختصوا الحقيقة العلمية بمن سموهم الحكماء -يعنون الفلاسفة- وهذه طريقة المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متفقه ومتصوف ومتكلم. وقد ظهر المتفلسفة الذين انتسبوا للإسلام بعد علماء الكلام، وكان من أولهم -إن لم يكن هو أولهم كما تذكر بعض الكتب والمصادر: إن أول من تكلم بالطريقة الفلسفية المحضة في التاريخ الإسلامي هو- يعقوب بن إسحاق الكندي، لكن لم يكن له ذاك الشأن المشهور، إنما اشتهر هذا النمط من كلام أبي نصر الفارابي وأبي علي بن سينا. والمتفلسفة في الجملة ينقسمون إلى قسمين: إما نظارية محضة أي يستعملون الطرق الفلسفية النظرية كما هي طريقة أبي الوليد بن رشد وغيره من المتفلسفة، أو عرفانية يستعملون الطرق الباطنية العرفانية التي تنبني على التصوف والإشراق، كما هي طريقة كثير من هؤلاء، وبخاصة الذين انتسبوا إما إلى التشيع وإما إلى التصوف، فإن الباطنية المتفلسفة ينتسبون في الظاهر إلى أحد مذهبين: إما التشيع كما هو شأن أئمة الإسماعيلية والنصيرية، أو إلى التصوف كما هي طريقة أهل وحدة الوجود وأمثالهم كـ ابن عربي وابن سبعين .. إلخ، أو طريقة ابن سينا في بعض أحواله. فالباطنية إذاً: إما باطنية شيعة أو باطنية صوفية. وهم في الحقيقة متفلسفة، وبخاصة في طبقة الأئمة منهم، وإن كان قد ينتسب للإسماعيلية من لا يعرف شيئاً اسمه الفلسفة، بل ربما كان أعرابياً ساذجاً، لكن من حيث أئمة المذهب تراهم متفلسفة أو مقلدة لسلفهم المتفلسفة أصحاب الإشارات والرموز، وهي طريقة تجريدية بعيدة عن الطرق الفلسفية النظرية. وبعض هؤلاء المتفلسفة الذين انتسبوا للإسلام يستعمل كلا المذهبين: المذهب العرفاني والمذهب النظري؛ فيؤمنون بكلا الطريقين كما هو حال ابن سينا؛ فإنه يستعمل الطريقة العرفانية تارة، فتراه إشراقياً تجريدياً غنوصياً، وتراه في بعض كتبه وأحواله نظرياً عقلانياً، بل إنه في كتابه المشهور الإشارات والتنبيهات ركبه من هذه الطريقة وهذه الطريقة، وصرح ابن سينا في غير موضع من كتبه أنه يؤمن بكلا الطريقين. كما تأثر بالمنهج الذي صنعه ابن سينا الغزالي في ميزان العمل، فقد ذكر أن مذهبه ثلاثة: مذهب الجدل بالطريقة الكلامية، ومذهب اليقين بالطريقة الصوفية، ومذهب الإرشاد بطريقة الوعظ بالزواجر والدواعي. هذا الصنف الأول وهم أهل التخييل، وهم ملاحدة زنادقة في الجملة، وهم من حيث الحقائق التي توصلوا إليها هي حقائق فلسفية منقولة، إما عن أرسطو كما هي في الطرق النظرية الغالبة أو عن غيره من الفلاسفة المثاليين، إما عن أفلاطون أو عن غيره. هذا هو الصنف الأول، وكما أسلفت أنه تأخر ظهوره من حيث التاريخ عن المتكلمين، وهؤلاء اتفق المسلمون على ذمهم، وصنف حتى أئمة الكلام في الرد عليهم، ومن ذلك كتاب أبي حامد الغزالي كتابه مقاصد الفلاسفة، ثم تهافت الفلاسفة وقد جزم الغزالي بكفر الفلاسفة في ثلاثة مسائل: مسألة إنكار المعاد الجسماني، والقول بأن الله لا يعلم الجزئيات وإنما يعلم الكليات، والقول بقدم العالم. والمصنف هنا يقول: وهم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من المتفقه. وهو يشير بهذا إلى بعض المتفلسفة الذين اشتهروا بشيء من الفقه كما هو حال أبي الوليد بن رشد صاحب كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد فإنه متفقه على مذهب الإمام مالك، وإن كان فيلسوفاً أكثر ما اشتهر بمسألة الفلسفة، وبخاصة الفلسفة الأرسطية المنسوبة لـ أرسطو طاليس؛ لأنه من أكثر من دافع عنه وانتصر لطريقته. ومتصوف كما هو حال ابن عربي وابن سبعين والتلمساني وأمثالهم، فإن هؤلاء وإن عرفوا بالتصوف إلا أن حقائقهم العلمية مبنية على مقدمات فلسفية محضة، بل نظرية وحدة الوجود قد نص أرسطو في بعض كتبه على أنها نظرية فلسفية، وكتب كثيراً في الرد عليها كما ذكر ذلك ابن سينا، وكما ذكر ذلك شيخ الإسلام ﵀. الصنف الثاني: وهم أهل التأويل. وهم الغالب على علماء الكلام، وإن كان ليس كل متكلم هو من أهل التأويل، بل من المتكلمين مشبهة كـ هشام بن الحكم، أو مجسمة كـ محمد بن كرام وأتباعه، لكن جمهور المتكلمين هم من أهل التأويل، وبخاصة أئمة الجهمية والمعتزلة وعامة الأشاعرة والماتريدية، وهم الذين عني المصنف وقصد الرد عليهم؛ لظهور الإشكال في طريقتهم وبخاصة لما انتسب قوم من أصحابها إلى أهل السنة والجماعة، كما هو حال الأشعري وعامة أصحابه. الصنف الثالث: وهم أهل التجهيل. وهذه ليست طائفة مختصة معينة، وإنما هو قول في الصفات شاع في كثير من الطوائف المتأخرة، فاستعمله طائفة من الأشاعرة، واستعمله طائفة من الصوفية، وبعض المنتسبين للسنة من الفقهاء ممن لم يحقق مذهب السلف؛ لأن جمهور الأشاعرة قرروا فيما نفوه من الصفات أن مذهب السلف فيه هو التفويض، وهو الذي يسميه المصنف تجهيلاً.

стр. 248

المقصد السادس: النقل عن أهل الإثبات بمعنى أن المصنف نقل عن أعيان أئمة السلف ما يدل على إثبات الأسماء والصفات، وهذا نقل يقصد حقيقته قصداً تاماً، ولكنه نقل بعد ذلك عن بعض الفقهاء وبعض الصوفية وبعض المتكلمين ليقرر أن ما قرره المتأخرون من الأشاعرة من الاختصاص الحنبلي في هذه المسألة ليس كذلك، وأن الإثبات وبخاصة لمسألة العلو والصفات الخبرية شائع في جنس طوائف المثبتة من المتكلمين والصوفية والفقهاء. هذا مقصود المصنف من هذا النقل؛ ولهذا ليس كل من نقل عنه المصنف فإنه يلتزم صحة ما نقل عنه، أو أنه يعتبر قول هذا الذي نقل عنه في سائر الموارد كما هو معروف في نقله عن الباقلاني أو عن أبي المعالي الجويني أو عن أبي الحسن الأشعري إلى غير ذلك.

стр. 249

المقصد السابع: الجمع بين العلو والمعية المقصد السابع: عناية المصنف بعد هذه النقولات بالجمع بين العلو والمعية؛ وهو يقرر أنه ليس في شيء من نصوص الكتاب والسنة تعارض، وليس في شيء من نصوص الكتاب والسنة ما يعارض العقل، بمعنى: أن النصوص لا تعارض بينها من حيث النص مع النص، ولا تعارض بين النصوص والدلائل العقلية الصحيحة. وأخص ما شغب به كثير من أهل التأويل على السلف: مسألة المعية، حيث قال السلف في المعية العامة: إن الله مع خلقه بعلمه وإحاطته، وفي المعية الخاصة قالوا: بنصره وولايته وتأييده. فيبين المصنف أن هذا ليس من باب تأويل المعية، وأن المعية لا تناقض علو الرب ، فالله هو العلي الأعلى، وهو فوق سماواته مستوٍ على عرشه بائن عن خلقه، وهو مع سائر خلقه بعلمه وإحاطته، ومع أوليائه بنصره وتأييده. وذلك لأن لفظ مع في العربية لا يستلزم الحلول والذاتية، بل هو لمطلق المقارنة والمصاحبة، وهذه المقارنة والمصاحبة قد تكون مماسة، أو قد تكون علمية، أو قد تكون نصراً وتأييداً بحسب السياق، وسياقها في القرآن يمتنع أن يكون يقصد به المماسة والذاتية والحلول؛ لأنه في حق الرب سبحانه. إذاً هي مفسرة في المقامين: إما بالعلم والإحاطة أو بالنصر والتأييد، وإن كانت قد تستعمل في الذاتية والمماسة والحلول بين المخلوقات، كما إذا قيل مثلاً: عقلي معي أو يدي معي أو كتابي معي. فقد يكون مماساً حالاً كما هو في مسألة العقل، أو مماساً كما هو في مسألة: كتابي معي. لكن هذه الفروضات ليست لازمة في مسألة المعية، حتى بين المخلوقات؛ فإن العرب تقول: ما زلنا نسير والقمر معنا. ومع ذلك لم يلزم أن يكون حالاً أو مماساً، وإذا كان هذا متحققاً في المخلوقات بعضها مع بعض في معيتها فهو في حق الخالق من باب أولى.

стр. 250

المقصد الثامن: غلط المخالفين في تسمية وعقيدة أهل الحديث عقيدة أهل السنة والجماعة لا تتلقى إلا من كتب أهل السنة والجماعة، وأوصاف أهل السنة والجماعة لا تتلقى إلا من كتب أهل السنة والجماعة؛ ذلك أن المخالفين طعنوا في اسم أهل السنة فسموهم -كما هو شأن الجهمية مثلاً- حشوية مشبهة، والرافضة تسميهم نواصب وهلم جرا من التسميات التي هي من العدوان والبغي على أئمة السنة والحديث من فقهاء الإسلام وأئمتهم. وكذلك عقيدة أهل السنة التي ذكرها كثير من المتكلمين غير معتبرة، بل عقيدتهم تؤخذ من الكتب المصنفة في عقيدتهم، وهي العقيدة المذكورة في الكتاب والسنة؛ وذلك أن كتب المقالات كالمقالات لـ أبي الحسن الأشعري - مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين - أو الملل والنحل للشهرستاني، أو الفَرق بين الفِرق للبغدادي، أو المحصل للرازي أو اعتقادات فرق المسلمين والمشركين وإن كانت تذكر ما تسميه اعتقاد أهل السنة، على أحد حالين: إما أن أصحابها يذكرون قول أهل السنة بشيء من التفصيل، ولكنهم يقصدون بأهل السنة الأشاعرة كما هو شأن البغدادي في كتابه الفَرق بين الفِرَق؛ فإنه خصص مقالة أهل السنة وشرحها شرحاً مفصلاً، لكنه يقصد بها عقيدة الأشاعرة. أو أنهم أحياناً يذكرون قول أهل السنة وهم يعنون الأئمة لكنهم يجملونه إجمالاً شديداً كما هو شأن أبي الحسن الأشعري في كتاب المقالات. أو أنهم يضيفون إلى السلف أو إلى بعضهم ما يعلم أنه غلط عليهم، كما هو شائع في هذه الكتب التي صنفت في المقالات، وصنفها قوم من أئمة الكلام، كما هو شأن الشهرستاني في كتابه الملل والنحل. ولهذا اعتبر الشهرستاني وأمثاله -وإن كانوا من أعلم الناس بالمقالات- من أجهل الناس بمقالات أهل السنة والحديث. إذاً: عقيدة أهل السنة تتلقى من الكتب المصنفة في عقيدة أهل السنة، وقد ذكر المصنف في رسالته هذه كثيراً منها، أو من الكتب المتأخرة بعد ذلك ككتب شيخ الإسلام ابن تيمية وأمثالها.

стр. 251

المقصد التاسع: بيان الأصناف الممكنة في باب الأسماء والصفات يذكر المصنف الأقسام الممكنة في باب الأسماء والصفات، فيذكر ستة أقسام، على كل قسم طائفة من أهل القبلة. وهو لا يقصد بهذا أن كل طائفة التزمت قسماً ورفضت غيره، وإن كان هذا يقع فإن أهل السنة التزموا الإثبات مع التنزيه عن التشبيه، لكن بعض طرق الوقف -الذي هو التفويض- يستعمله بعض من يستعمل التأويل. وهذه الأقسام الستة هي: قسمان ينفيانه، وقسمان يتوقفان، وقسمان يثبتان. ثم فصل المصنف ﵀ هذه الأقسام التي أجملها. فقال: قسمان يقولان على ظاهرها، ثم إما يجعلون ظاهرها التشبيه وإما يجعلونه الإثبات مع التنزيه عن التشبيه، كما هي طريقة أهل السنة. وقسمان يقولان: ليست على ظاهرها، وقسمان يتوقفان. ثم ذكر أن القسمين اللذين ينفيان ظاهر النصوص إما أنهم ينفون اللفظ والمعنى أو أنهم ينفون المعنى ويتوقفون في اللفظ، ولهذا كانت أقسام المفوضة في كلام المصنف ثلاثة: القسمان الواقفان -وهذا صريح أنهم مفوضة- والقسم الثاني من القسمين اللذين ينفيان ظاهرها، إما أنهم ينفون الظاهر لفظاً ومعنى، أو ينفون المعنى ويسكتون عن اللفظ.

стр. 252

المقصد العاشر: النظر في حال المخالفين أشار المصنف في ختام الرسالة إلى النظر في حال المخالفين، فقد بين في أول رسالته أنهم في قول مختلف، وذكر نقلاً عن الرازي في كتابه أقسام اللذات لما قال: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن. ونقل عن الشهرستاني في كتابه نهاية الإقدام: لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائر ... على ذقن أو قارعاً سن نادم وكذلك نقل عن أبي المعالي الجويني. فبين أن هؤلاء قد استولت عليهم الحيرة، وأنهم لم يحققوا في هذا الباب شيئاً من العلم؛ لأنهم أعرضوا عن محل التحقيق والعلم في هذا الباب وهو الكتاب والسنة، فهم يُذمون من هذا الوجه، ويُطعن على مذهبهم كثيراً، ويبين أنه مذهب مخالف للقرآن والحديث، ومخالف لإجماع السلف. ولكنهم من جهة أخرى، ينظر إليهم بعين القدر والرحمة؛ فإنه يترفق بهم؛ فإن القوم أوتوا ذكاءً ولم يؤتوا زكاءً، وأوتوا عقولاً ولم يؤتوا فهوماً تناسب الفهم الصحيح في كتاب الله وسنة نبيه. ولهذا يمكن أن يقال: إن هذا إشارة إلى أن طالب العلم ينبغي له أن يفرق في هذا المقام بين المقالة وقائلها، وأن الحكم الذي تأخذه المقالة كما إذا قيل القول بخلق القرآن كفر كما تواتر عن السلف، لكن ليس كل من قال: القرآن مخلوق من المعتزلة وغيرهم يقال: إنه كافر، وليس معنى هذا الكلام أنه يمتنع تكفير الأعيان عند السلف؛ وإلا لما كان كفراً حقيقياً، وإنما المقصود أنه لا تلازم بين المقالة وقائلها؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الواحد من أهل الصلاة لا يكون كافراً في نفس الأمر إلا إذا كان ما يظهره من الصلاة ونحوها على جهة النفاق. وقال: إن بعض مقالات الجهمية الكفرية وقع فيها بعض من له إيمان معروف من هذه الأمة الذين لم يتبين لهم حقيقة هذه المقالة، وقال: والإمام أحمد وإن تواتر عنه تكفير الجهمية إلا أنه لم يشتغل بتكفير كل من قال بقولهم، بل قد صلى خلف من يقول بخلق القرآن ودعا له واستغفر له. يقصد: المعتصم العباسي؛ فإنه كان من القائلين بخلق القرآن حتى إنه نصره بالسيف، ولكن الإمام أحمد لم ير أنه قد تحقق فيه حكم هذه المقالة الكفرية. فالقاعدة: أنه ثمة فرق بين المقالة وقائلها. وفي هذا الباب للمصنف رسالة لطيفة في المجلد الثالث، وهي شرحه لحديث الافتراق، وقد ذكر فيها بعض القواعد في مسألة أهل القبلة، وتبديع المخالف للسلف، وهل يقال بكفرهم أو لا يقال، وبين غلط بعض الفقهاء الذين كفروا أهل البدع، واحتجوا بظاهر قوله ﷺ : (كلها في النار إلا واحدة) حيث ففهموا من هذا الجزم لهم بالنار، أو فهموا من هذا أنهم كفار، فبين أن كلا الفهمين غلط، فإنه لا يجزم لسائر المخالفين للسلف بالنار باعتبار سائر أعيانهم، ولا يجزم لهم باعتبار سائر أعيانهم بالكفر، بل جمهورهم على الإسلام وإن كانوا ظالمين لأنفسهم بتقصيرهم في تحقيق الحق واتباعه وطلبه والاجتهاد فيه. وإن كان يقع في بعض الطوائف من هو من أهل الزندقة كما هو حال غلاة الصوفية أو غلاة الجهمية أو الشيعة المؤلهين لـ علي، والذين قتلهم علي ﵁، عندما ظهر بعضهم في زمنه.

стр. 253

شرح الحموية [٢٢] ذكر أهل العلم من أهل السنة والجماعة جملة قواعد في باب الأسماء والصفات تعين على فهم هذا الباب وضبطه، وتعين في الرد على المخالفين في هذا الباب من أهل البدع، وهي قواعد مأخوذة من نصوص الكتاب والسنة، ومن أقوال الأئمة رحمهم الله تعالى.

стр. 254

قواعد في باب الأسماء والصفات نشير هنا إلى بعض القواعد في باب الأسماء والصفات بصورة مختصرة، من باب إتمام الفائدة. وهي عشر قواعد من أخص القواعد في هذا الباب:

стр. 255

القاعدة الأولى الأولى: أن الله موصوف بالنفي والإثبات عند أهل السنة، وأن جمهور الإثبات في الكتاب والسنة أو على طريقة السلف إثبات مفصل، وغالب النفي الغالب أنه نفي مجمل، فمن ذلك الإثبات المفصل لأسماء الله في القرآن: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الحشر:٢٢] ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] ومن الإثبات المفصل في الصفات قوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩] ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] .. إلى غير ذلك. فالإثبات المفصل والنفي المجمل هو الغالب على الطريقة القرآنية النبوية طريقة أهل السنة والجماعة، ولكن يقع في القرآن إثبات مجمل ونفي مفصل، ومثاله في الأسماء قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف:١٨٠] وفي الصفات وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] أي: الوصف الأكمل. ومثال النفي المفصل في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] وقوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] لكن ينبه إلى أن ما يقع من النفي المفصل فإنه يتضمن ثبوت كمال الضد؛ لأن النفي المحض -أي: الذي لا يتضمن أمراً ثبوتياً- ليس بشيء، فلا يكون كمالاً، بل يكون في جمهور الموارد نقصاً ينزه الله تعالى عنه؛ ولهذا كل نفي مفصل في القرآن فإنه يتضمن ثبوت كمال الضد، فقوله: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] أي: لكمال عدله، وقوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] أي: لكمال حياته وقيوميته وهلم جرا.

стр. 256

القاعدة الثانية الثانية: أن القول في الصفات كالقول في الذات، فكما أن الله سبحانه له ذات لا تشابه الذوات، وهو منزه في ذاته عن خلقه، وذاته ثابتة له بإجماع المسلمين بل بإجماع عامة بني آدم الذين يقرون بوجود الرب ، فإن القول في صفاته كالقول في الذات؛ لأن الصفات مناسبة وتابعة للذات. وهذه القاعدة يرد بها على الجهمية والمعتزلة الذين أثبتوا الذات المنزهة عن الذوات، ونفوا الصفات لأنها تستلزم أن تكون كصفات المخلوقين، فيقال: كما أثبتم لله ذاتاً لا تشابه الذوات يلزم أن يكون له صفات لا تشابه الصفات؛ فإن القول في الصفات فرع عن القول في الذات.

стр. 257

القاعدة الثالثة الثالثة: أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر. وهذه القاعدة يرد بها على نفاة متكلمة الصفاتية من الأشعرية ونحوهم الذين أثبتوا بعض الصفات ولم يروا فيها تشبيهاً، ونفوا بعض الصفات ورأوا في إثباتها تشبيهاً أو تجسيماً أو حدوثاً أو نحو ذلك. فهذه القاعدة تدل على أن القول في الصفات واحد، فمن قال: إن غضب الله يؤول بالإرادة؛ لأن الغضب من صفات المخلوقين. قيل: والمخلوق يتصف بالإرادة. فإذا قال: إرادة تثبت لله ليست كإرادة المخلوقين، قيل: وغضبه ليس كغضبهم .. وهلم جرا.

стр. 258

القاعدة الرابعة الرابعة: أنا نعلم ما أُخبرنا به من أسماء الله وصفاته من وجه دون وجه، فنعلمها من حيث المعاني؛ فإنا نعلم معنى السميع والبصير والعليم والحكيم، ونعلم معنى الرضى والغضب والسمع والقدرة والخلق .. إلخ، لكن لا نعلمها من وجه آخر، وهو: كيفية الصفات. كما قال مالك ﵀: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. فلا تلازم بين العلم بالمعنى والعلم بالكيفية؛ لأن العلم بالكيفية ممتنع؛ لأن الله سبحانه لا يحاط به علماً.

стр. 259

القاعدة الخامسة الخامسة: أن لفظ الظاهر صار فيه إجمال واشتراك، فإذا قيل: هل ظاهر النصوص مراد أو ليس مراداً؟ قيل: إن قصد بالظاهر المعنى اللائق بالله فإن ظاهر النصوص مراد، وإن قصد بالظاهر التشبيه فإن هذا المعنى يعلم أن الرب سبحانه منزه عنه، ولكن لا يسلم ولا يجوز أن يجعل هذا المعنى الباطل هو ظاهر النصوص؛ لأنه يلزم منه أن يكون ظاهر القرآن كفراً، وهذا مما ينزه كتاب الله عنه.

стр. 260

القاعدة السادسة السادسة: أن ما علم ثبوته في الكتاب والسنة يثبت، وما علم نفيه ينفى، وما لم يرد بلفظه إثبات ولا نفي من الألفاظ المجملة الحادثة فإنه يتوقف فيه. وإذا كان كذلك فلا يعني هذا أنك لا تنفي نقصاً عن الله إلا إن كان النص القرآني صرح به، فإن هذه قاعدة -كما قال شيخ الإسلام - لم يلتزمها أحد من أهل السنة، بل ولا أحد من الطوائف، فإن القول بأن الله منزه عن الجهل صحيح وبدهي عند المسلمين، لكن التصريح بنفي الجهل لم يرد في القرآن أو السنة، مع أنه منفي عن الله . إذاً: القاعدة: أن صفات الكمال المنصوص عليها في القرآن كل ما يقابلها ويضادها فإنه يعلم أن الرب منزه عنه، فلما وصف نفسه بالعلم دل على أنه منزه عن الجهل .. وهلم جرا. وإن كان النص تارة يصرح ببعض هذه الأضداد، كقول النبي: (إن ربكم ليس بأعور) فإن الله موصوف بالبصر، ومع ذلك قال النبي ﵌: (إن ربكم ليس بأعور) مع أن من وصف بالبصر على جهة الكمال، فإنه يعلم أنه منزه عن ذلك. أما اللفظ الذي لم يرد ولكنه من الألفاظ الحادثة المجملة التي تحتمل حقاً وباطلاً؛ فإن طريقة السلف في هذا أنهم يتوقفون في اللفظ، ويستفصلون في المعنى، فإن كان صواباً قبل، وإن كان باطلاً رد، أما اللفظ فإنه يتوقف فيه من حيث الأصل، وإن كان مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم لا بأس به عند المناظرة كما قرره المصنف؛ وذلك كلفظ الجهة والجسم ونحوها.

стр. 261

القاعدة السابعة السابعة: وهي قاعدة فاضلة في هذا المقام، وهي من أخص موارد الغلط عند المخالفين، وهي أن الاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم التماثل في الحقيقة عند الإضافة والتخصيص. وبعبارة أخرى: أن الاشتراك في الاسم المطلق ليس هو التشبيه الذي نفته النصوص في مثل قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ذلكم أن الله وصف نفسه بالرضا فقال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩] وأضاف صفة الرضا إلى المخلوقين فقال: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩] وقال: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] وقال تعالى عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء:٥٨] وقال عن عبده: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:٢] وقال عن نفسه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٤٣] وقال عن رسول الله ﵌: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] وهلم جرا. فهذا التوارد الذي تراه في القرآن في الاسم المطلق ليس هو التشبيه الذي نفته النصوص، وإلا للزم أن يكون القرآن متناقضاً؛ إذا كان قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] يعني: أنه لا يوصف الله بصفة ثبت اشتراك بينه وبين المخلوق في اسم الصفة المطلق؛ فيلزم من هذا أن يكون القرآن متناقضا؛ لأنه نفى التشبيه وأثبته. وإنما الاشتراك في الاسم المطلق ليس هو التشبيه الذي نفته النصوص؛ لأن الاشتراك في الاسم المطلق ليس له وجود خارجي، إنما وجوده وجود ذهني، والوجود الخارجي من شرطه: الإضافة والتخصيص والتعيين. فإذا قلت: محبة. فهل فهمت أي محبة هنا؟ هل هي محبة الولد لأبيه، أو الأب لابنه، أو الزوج لزوجته، أو هي محبة المؤمن لربه، أو محبة الرب لعبده المؤمن، إذاً: هي لفظة مجردة لا تخصيص فيها ولا إضافة ولا تعيين؛ فإذا أضفت فقلت: محبة المؤمنين لربهم. أو قلت: محبة الله لعبده. أو قلت: محبة زيد لعمر. فعند الإضافة والتخصيص يكون معنى المحبة في المقامات الثلاثة مختلفاً، والماهية والحقيقة مختلفة. إذاً: من طرق الرد على المخالف أن يقال: إن نعيم الجنة الذي وصفه الله في الكتاب أو في ما جاء في السنة النبوية في كثير من الأسماء يشترك مع نعيم الدنيا، ففي الجنة خمر وفي الدنيا خمر، لكن خمر الجنة ليس كخمر الدنيا؛ لأن الله ذم خمر الدنيا بل سماه رجساً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة:٩٠] وهذا مجمع عليه بين المسلمين، فبالضرورة أن خمر الآخرة ليس مثل خمر الدنيا مع أن الاسم واحد، وكذلك الماء وغيره من الأسماء التي ذكرت في الدنيا وذكرت نعيم الآخرة. فمثلما: حصل اشتراك في الاسم المطلق بين الخمر والخمر ولم تتماثل الحقيقة، فمن باب أولى إذا أضيفت صفة إلى الله وجاء اسمها في حق العبد ألا تكون الصفة كالصفة. أي: إذا كان الاشتراك في الاسم المطلق لم يستلزم التماثل في الماهية والحقيقة بين المخلوقات كخمر الدنيا وخمر الآخرة فبين الخالق والمخلوق من باب أولى. إذاً: من ينفي بعض صفات الله كالغضب والرضا ونحوه من الأشاعرة بحجة أن المخلوق يتصف بها أو أن إثباتها يستلزم تشبيهاً يقال: ما قولكم في علم الله؟ ألم تثبتوا لله علماً يليق به مع أن للمخلوق علماً، وأثبتم لله قدرة مع أن للمخلوق قدرة، بل ثبوت صفة القدرة للمخلوق أعرف وأشهر من ثبوت صفة الغضب، ومع ذلك قالوا: إن قدرة الباري ليس كقدرة المخلوق، فيقال: فكذلك الغضب والرضا .. وهلم جرا. فإن كان النافي من المعتزلة والجهمية الذين ينفون كل الصفات كذلك قيل: أنتم أثبتم لله وجوداً مع أن المخلوق موجود، فحصل اشتراك في اسم الوجود، فإما أن تكون ماهية الوجود واحدة وهذا يعلم امتناعه، فإن الله واجب الوجود والمخلوق ممكن الوجود، ومعلوم بالضرورة العقلية والفطرية أن ثمة تبايناً بين وجود الخالق ووجود المخلوق مع الاشتراك في اسم الوجود. فالقول في العلم وغيره كالقول في الوجود، فإن قلتم: إثبات العلم يستلزم أن يكون كعلم المخلوق، قيل: لم لم يلزم ذلك في اسم أو في صفة الوجود؟ إذاً الأشاعرة يرد عليهم بما يثبتونه من الصفات، ومن ينفي كل الصفات يرد عليه بصفة الوجود التي لا يستطيع أحد أن ينفك عنها. وهذا هو السبب في عناية شيخ الإسلام بتقرير قاعدة الوجود والفرق بين أنواع الوجود، وأن الاشتراك باسم الوجود المطلق لم يستلزم التماثل في ماهية وجود الخالق ووجود المخلوق؛ لأنه يتحقق به إبطال لمذهب أصناف المخالفين.

стр. 262

القاعدة الثامنة الثامنة: وهي قياس الأولى في حق الله. وهي أن كل كمال ثبت للمخلوق لا نقص فيه بوجه من الوجوه فالخالق أولى به .. وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] وقد سماه من سماه من أهل السنة لما ذكروا الموقف من القياس بقياس الأولى. فإن الكلام صفة كمال في المخلوق لا نقص فيه بوجه من الوجوه من حيث هو صفة، وإن كان بعض المخلوقين قد يستعمل هذه الصفة في الكفر، والدليل على أنه كمال: أن الله أبطل ألوهية العجل لكونه ليس متصفاً به: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف:١٤٨] فدل على أن عدم اتصافه بالكلام دليل على نقصه، وأن الإله الحق يتصف بالكلام، وكذلك في قول إبراهيم ﵇: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ [مريم:٤٢] حيث استدل إبراهيم على بطلان ألوهية الأصنام بكونها لا تسمع ولا تبصر. فبما أن الكلام والسمع والبصر والإرادة والقدرة كمالات في المخلوق فالخالق أولى بها، ولكنها في حقه ليست كالصفات التي يتصف بها المخلوق. وقلنا: لا نقص فيه بوجه من الوجوه؛ لأن بعض الصفات هي كمال في المخلوق لكنه كمال إضافي وليس كمالاً مطلقاً، أي: أنه كمال بشري، أي: أن الصفة عند تجريدها لا يمكن أن يقال عنها: إنها كمال، لكنها صارت كمالاً باعتبار حال بني آدم. إذاً الكمال الذي إذا اتصف به المخلوق فالخالق أولى به هو: ما كان في المخلوق من الكمال المطلق، وليس المقصود بالمطلق التام، وإنما الذي هو كمال حتى في مقام التجريد، كصفة الإرادة. فإن الإرادة صفة كمال، سواء أضيفت إلى أي شيء. وحتى لا تفهم هذه القاعدة خطأ توضح الفرق بين الكمال المطلق والكمال الإضافي في المخلوق؛ حيث إن بعض الناس إذا سمع هذه القاعدة قال: الشخص الذي يأكل ويشرب أكمل من الشخص الذي لا يأكل ولا يشرب، بل الذي لا يأكل ولا يشرب يكون فيه علة؛ إذاً: الأكل والشرب صفة كمال! فنقول: الأكل والشرب كمال إضافي وليس كمالاً مطلقاً، بمعنى أنه عند التحقيق يعتبر نقصاً .. لماذا؟ لأن طبيعة تركيب الإنسان الجسمانية ينبني بقاؤها على مسألة الأكل فلو لم يأكل ويشرب لانتهى، وهذا نقص في بني آدم، ولهذا كانت الملائكة كما يقول شيخ الإسلام: كانت الملائكة صُمْد. وفي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢] في أشهر التفسيرين عند السلف أن الصمد: السيد، ولكن جاء في رواية عن ابن عباس صححها شيخ الإسلام ونصرها وصوبها وقال: إنها لا تعارض الرواية الأخرى عن ابن عباس والقول الآخر عند السلف أن الصمد: هو الذي لا جوف له. وقال: إن هذا كمال يتصف الله به؛ لأن التجويف نقص. ولهذا ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة لما خلق الله آدم تركه في الجنة ما شاء أن يتركه فجعل إبليس يطوف به -أي: يدور حوله- فرآه أجوف -أي: مجوف الداخل، بمعنى أنه يحتاج لقانون الأكل والشرب والشهوة .. الخ- قال: فلما رآه أجوف؛ عرف أنه خلق خلقاً لا يتمالك؛ ولهذا يأتي الشيطان الإنسان من هذه البوابة كثيراً. فالمقصود: أن الأكل والشرب وإن قيل: إنها كمال في الإنسان إلا أنه كمال إضافي، أي: أن حقيقتها نقص من حيث التكوين الخلقي الأساسي، وفرق بين الكمال الذي هو كمال حتى في حال تجريده وإطلاقه، وبين الكمال الإضافي.

стр. 263

القاعدة التاسعة التاسعة: وهي قاعدة أعم من الأولى وأقوى، وهي منبنية على حقيقة عقلية قاطعة، وإن كانت الأولى كذلك، لكن هذه أقوى وأطرد، وأيضاً تتضمن هذه القاعدة إبطال مذهب المخالف. وهي محك النزاع بين السلف ومخالفيهم من نفاة الصفات، وهي: أن ثبوت أحد الوصفين المتقابلين يستلزم العلم بنفي الآخر، وأن نفي أحد المتقابلين يستلزم العلم بثبوت الآخر. ومثالها: أن العلم باتصاف الله بالعلم يستلزم انتفاء الجهل، والمنفي هنا ليس هو محل خلاف بين المسلمين، فإذا أردت أن تبطل مذهب المخالف تستعملها على طريقة العكس: أن العلم بانتفاء أحد الوصفين المتقابلين يستلزم العلم ضرورة بثبوت الآخر، فتقول للمعتزلة: لما اتفقنا أن الله منزه عن الجهل لزم أن يكون موصوفاً بالعلم. لما اتفقنا أن الله منزه عن العجز لزم أن يكون موصوفاً بصفة القدرة .. وهلم جرا. إذاً: العلم بثبوت أحد الوصفين المتقابلين يستلزم العلم بنفي الآخر، فهذه القاعدة لا يخالف فيها أحد، لكن المصنف يستعمل عكسها للإثبات، يستعمل عكسها، وهو أن العلم بنفي أحد الصفتين يستلزم العلم بثبوت الصفة الأخرى المقابلة، لأن القاعدة تقبل الانعكاس الاطرادي، فهو يستدل بأنه ما دام المخالف يسلم بأن العلم بثبوت الصفة يستلزم نفي ضدها فإن الفرض العقلي الضروري يلزم منه صحة العكس أيضاً؛ لأن القاعدة منبنية على عدم الجمع بين المتقابلين. فمن قال: إن العلم بثبوث أحد الوصفين يستلزم نفي الوصف المقابل؛ لزمه بالضرورة العقلية القاطعة أن يسلم بأن نفي أحد الوصفين يستلزم العلم بثبوت الآخر المقابل، فإن صفة الكمال دائماً يقابلها ويضادها صفة النقص، فإذا علمنا تنزه الباري عن صفات النقص لزم أنه متصف بصفات الكمال. فهذه القاعدة قاعدة اطرادية وهي مبنية على قبضة قوانين العقل، وهو قانون: عدم الجمع بين النقيضين، وهو المذكور في مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] فإنهم خلق أنفسهم ممتنع، وخلقهم من غير شيء كذلك ممتنع، إذاً: لزم بالضرورة العقلية أن يكون الله هو الذي خلقهم. وقد اهتم بقاعدة التقابل هذه شيخ الإسلام كثيراً، فقد أشار إليها في الرسالة التدمرية في القاعدة السابعة، وشرحها في كتبه شرحاً مطولاً، وهي محك الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة.

стр. 264

القاعدة العاشرة العاشرة: أن القول بنفي الصفات أو ما هو منها في كثير من الموارد هو فرع عن تقرير مسألة الكيفية. فالسلف -كما تقدم- يفرقون بين العلم بالصفة من حيث معناها وبين العلم بها من حيث كيفيتها، والمخالفون لهم يزعمون أن إثبات الصفة يستلزم التشبيه، فيقال: هذا مبني على أن العلم بالصفة يستلزم العلم بكيفيتها، أما من فرق بين المقامين والتزم أن العلم بالمعنى لا يستلزم العلم بالكيفية لم يرد عليه هذا الإشكال، وهذا معنى قول المصنف: أن كل معطل ممثل، وكل ممثل معطل. إذاً: المخالف في كثير من الأحوال جاء من ظن التلازم بين العلم بالمعنى والعلم بالكيفية، حيث أنه يظن أنه إن أثبت المعنى لزم أن يثبت العلم بالكيفية، ثم يبحث في الكيفية فلا يعرف إلا كيفيةً يختص بها المخلوق، فينفي الكيفية وينفي تبعاً لها المعنى الذي ظنه ملازماً لهذه الكيفية. ومن هنا كان التفريق أصلاً في هذا الباب، سواء في تحقيق مذهب السلف أو في الرد على المخالف. هذا محصل الإشارة لهذه القواعد، ونسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا هداةً مهتدين، وأن يرزقنا حسن القول والقصد والعمل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.