← Акыда

Акыда · id 37776

شرح الحموية - يوسف الغفيص

يوسف الغفيص

Полный текст (264 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أقوال أهل العلم في مسائل الرؤية قال المصنف ﵀: [وهو كلام عربي حقيقةً لا مجازاً، وهذا يعلمه من عرف حقائق معاني القرآن، وأنها متواطئة في الغالب لا مشتركة، وكذلك قوله ﷺ : (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه، فلا يبصق قبل وجهه الحديث) حق على ظاهره، فهو سبحانه فوق العرش، وهو قبل وجه المصلي، بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات، فإن الإنسان لو أنه يناجي السماء أو يناجي الشمس والقمر لكانت السماء والشمس والقمر فوقه، وكانت أيضاً قبل وجهه، وقد ضرب النبي ﷺ المثل بذلك، ولله المثل الأعلى، ولكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا وإمكانه، لا تشبيه الخالق بالمخلوق، فقال النبي ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيرى ربه مخلياً به)]. في هذه الرؤية من جهة حكمها عند أهل السنة ثلاث مسائل:

стр. 212

الاختلاف في رؤية المؤمنين لربهم في عرصات القيامة وفي الجنة الأولى: رؤية المؤمنين لربهم في عرصات القيامة وفي الجنة: وهذه مجمع عليها، وفيها نصوص متواترة في الكتاب والسنة، وهي محل النزاع مع الجهمية والمعتزلة، والأشعرية في الجملة -ولا سيما المتأخرين منهم- يقولون: يرى لا في جهة .. وهذا يقوله من ينفي العلو من الأشعرية ويثبتون الرؤية، مع أن التحقيق أن ثبوت العلو في العقل والشرع أظهر من ثبوت الرؤية؛ ولهذا بنت المعتزلة نفي الرؤية على نفي العلو، وأخذه المتأخرون من الأشاعرة عنهم -أعني: نفي العلو- ولكنهم رأوا أن الأشعري وأئمة أصحابه يصرحون بمسألة الرؤية فتابعوهم، فصار قولهم مركباً من قول أئمتهم وقول المعتزلة. فالقصد: أن المتأخرين من الأشاعرة يقولون: يرى لا في جهة. وهذا يقوله بعض شراح الحديث وبعض الفقهاء من أصحاب الأئمة، وهو قول قاله طائفة من متكلمة الأشاعرة، وحقيقته يرجع إلى قول المعتزلة عند التحقيق كما ذكره أبو حامد الغزالي وغيره. وهذه المسألة -مسألة رؤية المؤمنين ربهم في عرصات القيامة وفي الجنة- هي مسألة النزاع الكبرى بين السلف والمخالفين، فقد تواترت النصوص وأجمع السلف على أن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم لا يضامون في رؤيته في عرصات القيامة وفي الجنة.

стр. 213

الاختلاف في رؤية الكفار والمنافقين لربهم في عرصات القيامة الثانية: رؤية الكفار والمنافقين لربهم في عرصات القيامة، وهذه المسألة مسألة نزاع بين أهل السنة أنفسهم، وشيخ الإسلام يقول: إنه لم يحفظ عن الصحابة فيها تصريح. وظواهر النصوص فيها بعض التردد، ولهذا ذهب طائفة من أهل السنة إلى أن الكفار من أهل الكتاب والمنافقين وغيرهم لا يرونه، وهذا هو ظاهر قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] وطائفة من أهل السنة قالوا: إنه يراه المنافقون وغبرات من أهل الكتاب، كما جاء في ظاهر بعض النصوص في السنة في الصحيح وغيره. وطائفة قالوا: إنه يراه سائر الكفار، وهذه الرؤية ليست رؤية النعيم التي تقع للمؤمنين. وطائفة توقفوا. وعلى كل هذه المسألة النزاع فيها قوي، وإن كان ظاهر مذهب السلف كما قال شيخ الإسلام: ظاهر كلام كثير من أئمة السلف، وهو الذي عليه الجمهور من أصحاب أحمد: أن الكفار لا يرون ربهم بحال. وكأن شيخ الإسلام يميل إلى هذا القول في الجملة، وإن لم يصرح بنصرته.

стр. 214

الاختلاف في رؤية النبي ﵊ لربه ليلة المعراج الثالثة: رؤية النبي ﵌ لربه ليلة المعراج .. هل رأى ربه أو لم يره؟ آثار الصحابة في هذا جاءت على نوعين: الأول: عن طائفة من الصحابة أن النبي ﷺ رأى ربه بفؤاده كما جاء ذلك صحيحاً عن ابن عباس وأبي ذر وغيرهما ﵃. وجاء عن بعض الصحابة ذكر الرؤية مطلقة، وهذا جاء حتى عن ابن عباس ﵄ أنه قال: رآه. الثاني: عن طائفة من الصحابة كـ عائشة، فقد صرحت كما في الصحيحين من حديث مسروق عن عائشة ﵂ قالت: من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. ولكن بالقطع: أن الذي كانت عائشة ﵂ تصرح بنفيه هو الرؤية البصرية، والذي صرح ابن عباس ﵄ وطائفة من الصحابة بإثباته هو الرؤية القلبية، ولم -كما نص شيخ الإسلام - يصح عن واحد من الصحابة أنه صرح بإثبات الرؤية البصرية؛ ومن هنا نزع شيخ الإسلام ﵀ إلى أن الصحابة في نفس الأمر ليس بينهم اختلاف، فإن الذي نفته عائشة ﵂ ليس هو الذي أثبته ابن عباس ﵄ ومن معه، فإن عائشة ﵂ نفت الرؤية البصرية؛ ولهذا استدلت بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] وابن عباس صرح برؤية الفؤاد فقال: رآه بفؤاده. والرواية الأخرى المطلقة عن ابن عباس تحمل على المقيدة، وعلى هذه الطريقة يكون مذهب الصحابة منضبطاً أنه لم تقع الرؤية البصرية. لكن هل يقال: أنه رآه بفؤاده أو لا يقال ذلك؟ هذه مسألة اجتهاد. لكن طائفة من أهل العلم يرون أن الخلاف بين الصحابة على حقيقته، وأنه ليس من باب الخلاف اللفظي، بل هو خلاف حقيقي، ومعتبر هؤلاء ما جاء من تصريح بعض الصحابة بإطلاق الرؤية. وقد وردت عن الإمام أحمد ﵀ نصوص في هذا: فجاء عنه إثبات رؤية الفؤاد، وجاء عنه ذكر الرؤية مطلقاً، وجاء عنه التوقف. وشيخ الإسلام ﵀ لا ينتصر للمشهور عند متأخري الحنابلة من أن الرواية عن أحمد مختلفة، بل يقول: إن أحمد كـ ابن عباس، أي: أن الرواية عنه ترجع إلى معنىً واحد، فإن التوقف ليس حكماً يصار إليه، وأن الإطلاق يضاف إلى التقييد، فيكون الثابت عن أحمد إثبات رؤية الفؤاد. والمشهور في كلام المتأخرين من أهل العلم -كما يذكره القاضي عياض وغيره- إثبات رؤية البصر، بل القاضي عياض يقول: إن جمهور أهل السنة على إثبات أن النبي ﷺ رأى ربه ببصره. وشيخ الإسلام ﵀ يقول: إن أكثر أهل السنة على إثبات رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج لكنه لا يعني بها الرؤية البصرية، فإنه شاع في كلام أئمة السلف إثبات رؤية الفؤاد التي أثبتها ابن عباس ومن معه من الصحابة. فإذا قيل: إن جمهور أهل السنة على إثبات رؤية الفؤاد .. قيل: هذا صحيح، أما إذا قيل -كما هي طريقة بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي ومالك -: إن جمهور أهل السنة على إثبات الرؤية البصرية .. فهذا غلط، فإنه لم يصح عن صحابي هذا التصريح، وكذا جمهور أئمة السلف على هذا المعنى. أما من حيث الراجح في المسألة: فإن الراجح أن النبي ﷺ لم ير ربه ليلة المعراج ببصره؛ لأن هذه مسألة سمعية الدليل فيها يكون مقصوراً على الدلالة القرآنية والدلالة النبوية كسائر مسائل الشريعة وأصول الدين، وليس في القرآن ما يدل على أن النبي ﷺ رأى ربه ببصره ليلة المعراج، وكذلك ليس في السنة ما يدل على أن النبي ﷺ رأى ربه ببصره ليلة المعراج، وعند عدم الدلالة لا يجوز إثبات شيء لا يعلم، فضلاً عن كون ظاهر القرآن والسنة يدلان على أن النبي ﷺ لم ير ربه. إذاً لم يدل دليل من القرآن أو السنة على أن النبي ﷺ رأى ربه ببصره، وعند عدم الدليل يلزم عدم إطلاق القول، أي: لا يقال إن النبي ﷺ رأى ربه ببصره، فضلاً عن كون ظاهر الدلالة القرآنية والنبوية تدلان على أن النبي ﵌ لم ير ربه ببصره، بمعنى أن ظاهر النصوص يدل على النفي. ومن الآيات القرآنية الدالة على هذا النفي، قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١] فلو كان النبي ﷺ رأى ربه في معراجه لكان الامتنان والإشادة والثناء بذكر رؤية الباري أولى من ذكر رؤية الآيات .. ولهذا كانت رؤية الباري في الجنة هي أعظم نعيم أهل الجنة: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] قال: (فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى وجهه الكريم) كما في حديث صهيب في الصحيح. فإن قال قائل: إن الله تفضل عليه بالزيادة فيما بعد. قيل: هذا خبر عما سيصير له، وأيضاً هذا تكلف في توجيه الآية، ثم إن مما يدل على عدمه ما جاء في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨] وهذا بعد انتهاء الأمر، فإنه لم يذكر سبحانه أنه رأى ربه، بل قال: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨] فدل على أنه لم يقع له ﷺ أن رأى ربه ببصره في معراجه. إذاً قوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨] دليل على أن الذي وقع له هو رؤية الآيات، وهذا هو الذي ورد في السنة كما في حديث أبي ذر وغيره في الصحيحين لما قال النبي ﷺ : (ثم ظهرت لمستوىً أسمع فيه صريف الأقلام) فهذا هو غاية ما وصل إليه ﵌، ولم ير ربه ببصره. أما أن يقال: رآه بفؤاده .. فهذا لا إشكال فيه. وكذلك في السنة ما جاء في الصحيح من حديث أبي ذر، عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لـ أبي ذر: (لو رأيت النبي ﷺ لسألته. قال: عم كنت تسأل؟ قال: هل رأى ربه؟ فقال: أما إني سألته فقال: رأيت نوراً) وجاء في وجه آخر عند مسلم من رواية عبد الله بن شقيق نفسه أن أبا ذر قال: (سألته فقال: نور .. أنى أراه؟) إذاً مرةً نقل مسلم من حديث عبد الله بن شقيق عن أبي ذر: (نور .. أنى أراه؟) ومرةً نقل: (رأيت نوراً) فقوله: (رأيت نوراً) دليل على أنه لم ير ربه حقيقةً ببصره، وهذا النور -والله أعلم- هو المذكور في حديث أبي موسى الثابت في الصحيح: (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) فلعل هذا النور -والله أعلم- نور الحجاب. وأما قوله: (نور .. أنى أراه؟) فمعناه: أن النور حال دون رؤيته. ومن أهل العلم من يرى أن الروايتين في صحيح مسلم كلاهما محفوظ، ومن أهل العلم من يرى أن أحدهما ليس محفوظاً، وهذا هو الذي مال إليه الإمام أحمد في بعض أجوبته. وأما من يستدل بثبوتها بما جاء عن معاذ بن جبل وغيره في المسند وغيره أن النبي ﷺ قال: (رأيت ربي في أحسن صورة ...) فهذه كانت رؤيةً مناميةً، وليس المقصود بها رؤية المعراج.

стр. 215

إثبات الرؤية ليس معارضاً للعقل [فقال له أبو رزين العقيلي: (كيف يا رسول الله! وهو واحد ونحن جميع؟ فقال النبي ﷺ : سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، هذا القمر كلكم يراه مخلياً به وهو آية من آيات الله، فالله أكبر) أو كما قال النبي ﷺ ]. وهذا استدلال عقلي، على أن إثبات الرؤية ليس معارضاً للعقل، فهذا القمر كل الناس يروه، ولا يتزاحمون ولا يتضامون في رؤيته، فالله أعظم.

стр. 216

تناقض المعتزلة في مسألة الرؤية [وقال: (إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر) فشبه الرؤية بالرؤية، ولم يكن المرئي مشابهاً للمرئي]. فمن زعم أن أحاديث الرؤية من أحاديث التشبيه فقد كذب، فهي أحاديث محفوظة عن النبي ﷺ ، وقد تقدم أنه رواها نحو ثلاثين من الصحابة، والتشبيه الذي فيها: (كما ترون القمر) إنما هو تشبيه للرؤية بالرؤية وليس تشبيهاً للمرئي بالمرئي. ومن العجب تناقض المعتزلة في هذا: كيف يقولون إن هذا تشبيه وهم يقولون: إن الله لم يخلق أفعال العباد، وأن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه؟! أليس إضافة الخلق الحقيقي إلى العبد هو من باب التشبيه؟ ولهذا قال أهل السنة: إن المعتزلة مشبهة في باب أفعال العباد، فإنهم جعلوها من خلقهم فشبهوا الله بخلقه، حيث جعلوا العبد يخلق أفعاله كما أن الله هو الفاعل لأفعاله، وكما أنه سبحانه هو الخالق للعباد الذين خلقوا أفعالهم عند المعتزلة. إذاً قول المعتزلة: إن العبد يخلق فعل نفسه .. هو نوع من التشبيه لله الخالق للعباد أنفسهم، والخالق لمفعولاته كالسموات والأرض وغيرها.

стр. 217

الكلام عن لفظ الظاهر [وناجوه كل يراه فوقه قبل وجهه كما يرى الشمس والقمر، ولا منافاة أصلاً. ومن كان له نصيب من المعرفة بالله والرسوخ في العلم بالله؛ يكون إقراره للكتاب والسنة على ما هما عليه أوكد. واعلم أن من المتأخرين من يقول: مذهب السلف إقراره على ما جاءت به، مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد، وهذا اللفظ مجمل فإن قوله: ظاهرها غير مراد. يحتمل أنه أراد بالظاهر نعوت المخلوقين وصفات المحدثين؛ مثل أن يراد بكون الله قِبَل وجه المصلي أنه مستقر في الحائط الذي يصلي إليه، وإن الله معنا ظاهره أنه إلى جانبنا ونحو ذلك، فلا شك أن هذا غير مراد.]. لفظ الظاهر من جهة اللغة قد لا يكون مجملاً، فإن له دلالة متعينة من جهة اللغة في الجملة، وهو وإن لم يرد ذكره في الكتاب والسنة في مقام الأسماء والصفات، إلا أنه قد ورد ذكره في القرآن في سياق آخر، كقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام:١٢٠] لكنه باستعمال المستعملين له صار فيه إجمال، والقاعدة عند أهل السنة والجماعة: أن كل لفظ مجمل حادث فإنه لا يطلق إثباتاً ولا نفياً من جهة لفظه، وأما من جهة معناه فإنه يستفصل فيه. وبهذا يظهر أن الإجمال قد يكون أصلياً في اللفظ، وقد يكون دخله الإجمال من جهة الاستعمال، وإن كان من جهة الأصل ليس مجملاً، والاعتبار بحال اللفظ عند دخوله في هذا العلم أو في هذا الباب أو في هذا المقام، وليس باعتبار أصله اللغوي الذي قد يطلق على معنىً متعين. ومن هنا: احتاج هذا القول إلى التفصيل؛ ولهذا أطلق من أطلق من المتأخرين أن مذهب السلف هو إجراء النصوص على ظاهرها، وأطلق بعضهم أن نصوص الصفات لا تجرى على ظاهرها، فهذا يقال بحسب المقصود من هذا اللفظ. أما إذا قيل: إن مذهب السلف إجراء النصوص على ظاهرها، وهذا الاستعمال فسر بأن الظاهر هو الصفات اللائقة بالله .. فهذا المقصد صحيح -أي: هذا المعنى صحيح- واللفظ من حيث هو في الجملة مناسب لا إشكال فيه. لكن إذا قيل: إن مذهب السلف أن ظاهر النصوص ليس مراداً، فقيل: لم؟ فقيل: لأن ظاهر النصوص إثبات الصفات، ومذهب السلف أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها النصوص .. قيل: هذا غلط لفظاً ومعنىً، فإن السلف يثبتون الصفات في نفس الأمر. وأما من قال: إن ظاهر النصوص ليس مراداً عند السلف؛ لأن ظاهرها التشبيه، والسلف ليسوا مشبهة. قيل له: أما أن السلف ليسو لمشبهة فهذا صحيح، وأما قوله: إن ظاهر النصوص التشبيه .. فهذا غلط على النصوص، ولا يجوز أن يقال: إن ظاهر النصوص هو التشبيه؛ وتبعاً لذلك لا يجوز أن يقال: إن ظاهر النصوص ليس مراداً. فهذا الإطلاق -وهو إطلاق السلب والنفي- لا يصح بحال، سواء فسر الظاهر بالتشبيه، فيكون المعنى صحيحاً واللفظ ليس صحيحاً، أو فسر الظاهر بإثبات الصفات فيكون الغلط من جهة اللفظ وجهة المعنى.

стр. 218

التفويض ليس هو مذهب السلف [ومن قال: إن مذهب السلف أن هذا غير مراد فقد أصاب في المعنى]. قوله: فقد أصاب في المعنى لأن هذه المعاني تشبيه، فأصاب في المعنى من هذا الوجه. [لكن أخطأ القول بإطلاق القول بأن هذا ظاهر الآيات والأحاديث، فإن هذا المحال ليس هو الظاهر على ما قد بيناه في غير هذا الموضع، اللهم إلا أن يكون هذا المعنى الممتنع صار يظهر لبعض الناس، فيكون القائل لذلك مصيباً بهذا الاعتبار، معذوراً في هذا الإطلاق. فإن الظهور والبطون قد يختلف باختلاف أحوال الناس، وهو من الأمور النسبية، وكان أحسن من هذا: أن يبين لمن اعتقد أن هذا هو الظاهر أن هذا ليس هو الظاهر؛ حتى يكون قد أعطى كلام الله وكلام رسوله حقه لفظاً ومعنى. وإن كان الناقل عن السلف أراد بقوله: الظاهر غير مراد عندهم. أن المعاني التي تظهر من هذه الآيات والأحاديث مما يليق بجلال الله وعظمته، ولا يختص بصفة المخلوقين، بل هي واجبة لله أو جائزة عليه جوازاً ذهنياً، أو جوازاً خارجياً غير مراد .. فهذا قد أخطأ في ما نقله عن السلف أو تعمد الكذب؛ فما يمكن أحد قط أن ينقل عن واحد من السلف ما يدل -لا نصاً ولا ظاهراً- أنهم كانوا يعتقدون أن الله ليس فوق العرش، ولا أن الله ليس له سمع ولا بصر ولا يد حقيقة. وقد رأيت هذا المعنى ينتحله بعض من يحكيه عن السلف، ويقولون: إن طريقة أهل التأويل هي في الحقيقة طريقة السلف. بمعنى: أن الفريقين اتفقوا على أن هذه الآيات والأحاديث لم تدل على صفات الله ، ولكن السلف أمسكوا عن تأويلها، والمتأخرون رأوا المصلحة في تأويلها لمسيس الحاجة إلى ذلك، ويقولون: الفرق بين الطريقين أن هؤلاء قد يعينون المراد بالتأويل وأولئك لا يعينون لجواز أن يراد غيره]. هذا القول في التحصيل لمذهب السلف، والفرق بينهم وبين المخالفين لهم: لا شك أنه تحصيل باطل، وإن كان قد شاع عند طائفة من متكلمة الصفاتية. أما أئمة الجهمية والمعتزلة: فإنهم كانوا يعلمون أن الفرق بينهم وبين السلف ليس من جهة تعيين التأويل، بل من جهة إثبات الصفات أو عدم إثباتها؛ ولهذا قد يقال: إن المعتزلة من هذا الوجه أعلم بحال مذهب السلف من كثير من متأخري المتكلمين من الأشاعرة ونحوهم، من جهة أن المعتزلة يدرون أن الخلاف بينهم وبين السلف متحقق في إثبات الصفات أو عدم إثباتها، لا في مسألة تعيين التأويل؛ ولهذا كان المعتزلة الذين أدركوا زمن السلف يصفون مذهب السلف بالتشبيه والتجسيم وأمثال ذلك؛ مما يدل على أنهم يعلمون أن السلف كانوا مثبتةً في نفس الأمر للصفات. وكلام السلف في إثبات الصفات متواتر في كتب السنة وغيرها، بل نص عليه حتى أرباب الكلام من المعتزلة وغيرهم: أن مذهب أهل السنة والحديث إذ ذاك كان على الإثبات. ومن هنا كان هذا التحصيل تحصيلاً باطلاً، وإن كان صاحبه قصد فيه التقريب بين طريقته التي أضافها إلى السنة والجماعة -كما هو حال جمهور الأشاعرة الذين ينتسبون إلى السنة والجماعة- وبين طريقة السلف الأوائل، فإنه من المعلوم أن السلف الأول ﵏ من أئمة السنة والحديث عند سائر أجناس الطوائف أنهم ليسوا من أهل التأويل. وإن كان بعض المتكلمين قد أضاف بعض أعيان السلف إلى التأويل، لكن من حيث جملة السلف فإنه متفق عليه بين جميع الطوائف أن السلف لم يشتغلوا به كمذهب يطرد لهم. فلما كان متحققاً أن السلف ليسوا من أهل التأويل صار القول على طريقتين: الأولى: طريقة قدماء المتكلمين، وهي أن السلف مثبتة للصفات، وأن النزاع بينهم وبين مخالفيهم في إثبات الصفات أو عدمه. الثانية: طريقة كثير من متكلمة الصفاتية، بل عليها جمهورهم، وهي أن السلف لا يثبتون الصفات في نفس الأمر، وإذا قلنا: لا يثبتون الصفات .. فالمقصود: الصفات التي ينفيها من ينفيها من متكلمة الصفاتية، أما الصفات التي يثبتها متكلمة الصفاتية فإنهم يقولون: إن السلف كانوا يثبتونها. فهذا التحصيل وإن قصد به أصحابه التقريب بين طريقة السلف وطريقتهم، وفيه ميل إلى مذهب أهل السنة في الجملة إلا أنه يتضمن غلطاً على السلف في مذهبهم، وهو غلط متحقق من جهة أن السلف كانوا مثبتةً للصفات وليسوا مفوضة. [وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف. أما في كثير من الصفات فقطعاً مثل أن الله تعالى فوق العرش، فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم -الذي لم يحك هنا عشره- عَلِم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما اعتقدوا خلاف هذا قط، وكثير منهم قد صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك]. وهذا متحقق مطرد في مذهب السلف، وهو موجود في كتب السنة المسندة موصولاً بالأسانيد إلى أعيان أئمة السنة والحديث مع اختلاف أمصارهم وأعصارهم، كلهم يصرحون بإثبات صفات الله، ويردون على المعتزلة والجهمية نفاة الصفات، وهذا التواتر لا تختص به كتب السنة والحديث كما أشار إليها المصنف، بل ذكره حتى أئمة ومتكلمة الصفاتية في بعض الصفات كصفة العلو وأمثالها، فإن ابن كلاب -مثلاً- في كتاب الصفات استدل على ثبوت هذه الصفة بدلائل مفصلة من الكتاب والسنة والعقل والفطرة.

стр. 219

إثبات متقدمي الأشاعرة للصفات الخبرية [والله يعلم أني بعد البحث التام، ومطالعة ما أمكن من كلام السلف، ما رأيت كلام أحد منهم يدل -لا نصاً ولا ظاهراً، ولا بالقرائن- على نفي الصفات الخبرية في نفس الأمر]. يشير المصنف هنا إلى الصفات الخبرية؛ لأن المتأخرين من متكلمة الصفاتية ينفون الصفات الخبرية كالوجه واليدين وأمثالها، وهذا هو الذي قرره أبو المعالي الجويني في كتبه والأشاعرة من بعده، وكذلك أبو منصور الماتريدي الحنفي مع تقدمه على هؤلاء ومقارنته للأشعري في الزمان، فهؤلاء نفاة للصفات الخبرية مع أن أبا الحسن الأشعري وأبا محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، وأبا بكر بن الطيب الباقلاني، وكذا ابن فورك -في المجرد - يقع في كتبهم إثبات ما هو من الصفات الخبرية كالوجه واليدين. والمتأخرون من الأشاعرة ومن يوافقهم في هذا الباب -باب الصفات الخبرية- يقولون: إن مقصود الأشعري وأمثاله بهذا الإثبات هو إجراء اللفظ على ظاهره، مع اعتقاد أن الصفة في نفس الأمر منتفية. ولهذا قال المصنف ﵀: والله يعلم أني بعد البحث التام، ومطالعة ما أمكن من كلام السلف ما رأيت كلام أحد منهم ما يدل -لا نصاً ولا ظاهراً ولا بالقرائن- على نفي الصفات الخبرية في نفس الأمر. لأنه ليس النزاع مع المتأخرين -من متكلمة الصفاتية ومن هو على طريقتهم- في إطلاق ألفاظها أو سياقاتها القرآنية، إنما النزاع في إثبات الصفة في نفس الأمر؛ ولهذا قرر بعض متأخري الأشعرية أن الأشعري في كتبه التي ذكر فيها الوجه واليدين وأمثال ذلك أنه يطلق ألفاظها ويتوقف في تعيين المراد بها، ولكنه لا يجعل المعنى المتبادر مقصوداً فيها .. وهذا من جنس طريقة التفويض التي أضافوها إلى السلف، مع أن هذا التقرير ليس صحيحاً؛ لأن الأشعري وأئمة أصحابه كانوا ينصون على إبطال قول المعتزلة الذي ينفي هذه الصفات، ويصرحون بإثباتها تصريحاً بيناً، ولو كان الخلاف بينهم وبين المعتزلة في تعيين التأويل لما اشتغلوا بهذا التقرير، وظاهر في كتب الأشعري أنه لم يشتغل كثيراً بمسألة الفرق بينه وبين المعتزلة من حيث تعيين التأويل، لأن هذه ليست هي المسألة الأصل، بل المسألة الأصل: ثبوت الصفة أو عدم ثبوتها. إذاً: باب الصفات الخبرية هو باب مختص؛ لأن متأخري المتكلمين نفوه تبعاً لقدماء المتكلمين من المعتزلة وأمثالهم، وخالفوا طريقة سلفهم من أئمة متكلمة الصفاتية، فضلاً عن مخالفتهم لطريقة السلف. ثم لو فرض جدلاً: أن الأشعري لم يقصد تحقيق الإثبات فيها؛ فإن النتيجة: أن الأشعري قد غلط في باب الصفات الخبرية، وغلطه في هذا ليس مما يصار إليه، بمعنى: أن المعتبر في لزوم الاتباع ليس هو اختصاص الأشعري أو غيره، وإنما هو ما كان عليه جماعة السلف ﵏ الذين نص الأشعري في كتبه على أنه تبع لهم، وأنه قاصد لمذهبهم. وقد تواتر في كتب السنة عن أئمة السلف ﵏ إثبات الصفات الخبرية على ظاهرها، والقول في هذه الصفات -كالوجه واليدين وأمثالها- كالقول في بقية الصفات؛ فأي لازم يدعيه المتأخرون من متكلمة الصفاتية على مثبتة الصفات الخبرية هو نفسه اللازم الذي قرره وادعاه أئمة الجهمية في سائر الصفات -الصفات الخبرية وغيرها معها-.

стр. 220

لا يلزم لإثبات إجماع السلف على إثبات الصفات النقل عن كل واحد منهم إثبات كل صفة من الصفات [بل الذي رأيته أن كثيراً من كلامهم يدل -إما نصاً وإما ظاهراً- على تقرير جنس هذه الصفات، ولا أنقل عن كل واحد منهم إثبات كل صفة]. فهو لا يلتزم أن ينقل عن كل واحد من الأئمة النصوص الصريحة في إثبات كل صفة من الصفات القرآنية والنبوية؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يلتزم هذا في مسألة من المسائل، فإن الإجماع لا يعلم ويستقر -كما هو معلوم- بهذه الطريقة، ولو كان الإجماع لا ينعقد إلا إذا صرح كل إمام بعينه بذكر كل مسألة بعينها من مسائل الصفات بالاطراد لكان ممتنعاً؛ ولهذا انعقد الإجماع على مسائل مع أنها لم تنقل منصوصة عن كل إمام بعينه، فباب الصفات مثله. وهذا إنما قاله المصنف لأن بعض المعترضين من المتكلمة يقولون: أكثر هذا الباب إنما صرح به أحمد وأمثاله من أئمة الحديث، وأما فلان وفلان فليس لهم تصريح بهذا الباب. فالمصنف يقول: إنه ليس هناك إمام من أئمة السلف نقل عنه حرف واحد يدل على نفي شيء من الصفات سواء الصفات الخبرية أو الفعلية أو غيرها، بل المنقول عن جميعهم التصريح بإثبات الصفات، والطعن والرد على المعتزلة، وموافقة الجماعة؛ ولهذا لا يوجد في كتب أهل العلم المعتبرة أحد من أهل العلم حكى الخلاف بين أئمة السلف، بل حتى جماهير المتكلمين من المعتزلة والجهمية والأشعرية يقرون: أن السلف كانوا على قول واحد في هذا الباب. وإنما زعم الخلاف بعض المتأخرين ممن لا يعتبر قوله في هذا الباب كـ أبي الفتح الشهرستاني وأبي محمد بن حزم؛ فإن أبا محمد بن حزم مع سعة علمه وفقهه إلا أن قوله في باب الصفات ليس معتبراً؛ لأنه اختلط عليه هذا الباب اختلاطاً شديداً، بل كما قال شيخ الإسلام في شرح الأصفهانية: إنه قارب قول المتفلسفة، وقول كثير من المعتزلة في هذا الباب خير من قوله. فالمقصود: أنه متحقق عند جمهور الطوائف فضلاً عن أهل السنة أن السلف كان لهم قول واحد مطرد في هذا الباب. فهذا القول الواحد المطرد من المتحقق بالدلائل، وصريح كلام السلف أنه هو إثبات الصفات، وأن هذا المذهب لا يختص بـ أحمد ﵀ أو غيره من أعيان أئمة الحديث، وإن كان بعض أئمة الحديث كـ أحمد له من الاختصاص بالرد والتقرير ما يقع مثله في سائر مسائل أصول الدين أو حتى مسائل الشريعة. [بل الذي رأيته أنهم يثبتون جنسها في الجملة; وما رأيت أحدا منهم نفاها. وإنما ينفون التشبيه، وينكرون على المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه؛ مع إنكارهم على من ينفي الصفات أيضاً.]. وهذا التصريح المتحقق في كلام السلف -أنهم ينكرون على المعطلة من الجهمية والمعتزلة، وينكرون على المشبهة- دليل على أن مذهبهم ليس هو التشبيه، ودليل على أن مذهبهم ليس هو نفي الصفات في نفس الأمر أو نفي شيء منها؛ وبهذه القاعدة -وهي: أن السلف وسط بين أهل التعطيل وأهل التشبيه- يعلم أن ما قرره كثير من متأخري المتكلمين هو من الغلط على السلف. [كقول نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها. وكانوا إذا رأوا الرجل قد أغرق في نفي التشبيه من غير إثبات الصفات قالوا: هذا جهمي معطل. وهذا كثير جداً في كلامهم]. وهذا متواتر؛ ولهذا لم يكن كلامهم في تأويلات القوم، بل كان جمهوره يقع في نفيهم للصفات؛ فإن ذم السلف للمعتزلة والجهمية في نفيهم الصفات أظهر من ذمهم لاشتغالهم بمسألة التأويل التي هي تبع لمسألة نفي الصفات.

стр. 221

شرح الحموية [١٩] تكلم أهل البدع وطعنوا في أهل السنة قديماً وحديثاً، وأطلقوا عليهم الألقاب الشنيعة، فوصفوهم بأنهم نواصب، وبأنهم مجبرة، وشكاك، ومشبهة، وحشوية ونوابت، وكل هذه الألقاب إنما أطلقوها كذباً وافتراءً وزوراً وبهتاناً؛ فإن أهل السنة هم أصحاب الحق، المتبعون للكتاب والسنة، وهم برآء مما يطعن به فيهم أهل البدع والمحدثات.

стр. 222

إطلاق أهل البدع الألقاب الشنيعة على أهل السنة قال المصنف ﵀: [فإن الجهمية والمعتزلة إلى اليوم يسمون من أثبت شيئاً من الصفات مشبهاً -كذباً منهم وافتراءً- حتى إن منهم من غلا ورمى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم بذلك، حتى قال ثمامة بن الأشرس -من رؤساء الجهمية-: ثلاثة من الأنبياء مشبهة: موسى حيث قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف:١٥٥] وعيسى حيث قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] ومحمد ﷺ حيث قال: (ينزل ربنا)]. ثمامة بن الأشرس النميري من علماء المعتزلة وأعيانهم المعروفين، كان من أصحاب أبي الهذيل العلاف، وقول المصنف هنا: من رؤساء الجهمية أي: باعتبار نفيه للصفات، فقد كان السلف ﵏ يسمون كل معطل للصفات جهمياً، وإن كان مذهبه في كثير من الأصول كالقدر والإيمان وأمثالها يفارق مذهب جهم بن صفوان من حيث الحقيقة العلمية. [وحتى إن جل المعتزلة تدخل عامة الأئمة: مثل مالك وأصحابه، والثوري وأصحابه، والأوزاعي وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد وغيرهم في قسم المشبهة. وقد صنف أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن درباس الشافعي جزءاً سماه تنزيه أئمة الشريعة عن الألقاب الشنيعة ذكر فيه كلام السلف وغيرهم في معاني هذا الباب، وذكر أن أهل البدع كل صنف منهم يُلقِّب أهل السنة بلقب افتراه -يزعم أنه صحيح على رأيه الفاسد- كما أن المشركين كانوا يلقبون النبي ﷺ بألقاب افتروها].

стр. 223

تسمية الروافض لأهل السنة نواصب [فالروافض تسميهم نواصب]. تسميهم نواصب أي: قد نصبوا العداء لآل بيت النبي ﷺ .

стр. 224

تسمية القدرية لأهل السنة مجبرة [والقدرية يسمونهم مجبرة]. يسمونهم مُجْبِرة باعتبار قول أهل السنة في أفعال العباد، وقد كانت القدرية تقول: إن الله لم يخلق أفعال العباد -وهذا متفق عليه بين القدرية من المعتزلة وغيرهم- ثم تنازعوا أيقال: إن العبد يخلق فعله أم يسكت في هذه المسألة؟ وهذا في الحقيقة نزاع لفظي بين القوم، لأن الحقيقة العلمية للفريقين واحدة، وهي أن العبد يخلق فعل نفسه، لكن بعض أئمة المعتزلة تلكأ عن إطلاق هذا الحرف. وقد ذكر الأشعري في مقالاته الخلاف بينهم، وذكر القاضي عبد الجبار بن أحمد في كتبه الخلاف بين أصحابه في هذا. فصاروا يسمون السلف الذين أثبتوا أن الله هو الخالق لأفعال العباد جبريةً، وهذا فرع عن كون المخالفين للسلف في باب القدر قد ضلوا من جهة أنهم ظنوا أن الحق في هذا الباب لا يصح إلا في فرضين فقط: إما أن يكون العبد هو الخالق لفعله، وإما أن يكون مجبوراً على فعله .. فهذا الظن في مسألة القدر هو الذي أوجب أن يقع الجمهور من أهل الكلام وأمثالهم في أحد هذين القولين، فترى أن المعتزلة قدرية في هذا الباب، ووافقهم على ذلك جمهور الشيعة الإمامية بعد المائة الثالثة. وترى أن الجهم بن صفوان ومن تبعه على هذا القول، ومن تقلد هذا القول بنوع تخفيف كما وقع فيه الأشعري في آخر أمره، فإن الأشعري لما ترك المعتزلة، وأعلن توبته من الاعتزال كان قول المعتزلة من حيث القواعد العقلية متحققاً في نفس أبي الحسن، ولكنه رجع عن هذا القول من حيث الصورة العلمية التامة؛ بمعنى: أن القول الذي كان عليه أيام اعتزاله: أن الله لم يخلق أفعال العباد -كما تقوله المعتزلة- وأن العبد هو الخالق لفعله. فلما رجع عن اعتزاله رجع عن هذا القول، لكن كانت الحقيقة العلمية -التي انبنى عليها هذا القول عند أبي الحسن - ثابتةً لم تتزلزل. وهذه الحقيقة تنبني على القول في مسألة الإرادة، وهي تنبني على مسألة -أصلها نظرية فلسفية- صدور الأثر عن مؤثرين، فإن جمهور هؤلاء -جبريةً كانوا أو قدرية- نقلوا المقالة الفلسفية المشهورة: أن الأثر الواحد لا يصدر عن مؤثرين. ومن هنا قال جبريتهم: إن الأثر من جهة الله، وأن العبد مجبور. وقال قدريتهم: إن الأثر من جهة العبد. وإذا كان الأثر من جهة العبد لم يكن الله قد شاء أفعال العباد وأرادها .. ! وبهذا يتبين أن غلط الطوائف في مسألة القدر ليس غلطاً من جهة النصوص، وهذه القضية ينبغي أن تؤكد، ولربما ينبغي أن تشاع في أوقاتها المناسبة حتى مع غير طلبة العلم المتخصصين، وهي أن الطوائف المنحرفة عن مذهب السلف -عن مذهب أهل السنة والجماعة- لم يكن موجب انحرافهم وخطأهم الذي وقعوا فيه: أنه اشتبهت عليهم دلالات من النصوص ففهموها فهماً -أي: من نصوص القرآن والسنة- وفهمها السلف فهماً آخر، فإن هذا تقرير ينبني على الجهل بحقيقة هذه المذاهب. أي: أن هناك فرقاً بين الخلاف الفقهي، كاختلاف مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد والزهري والثوري .. إلخ، والذي يقع فرعاً عن النظر في دلائل الشريعة؛ ولهذا لا ينكر على أحد من المسلمين اتخذ مذهباً من المذاهب الأربعة أو غيرها وقلده لكونه ليس من أهل الاجتهاد، وليس من أهل إمكان النظر كعوام المسلمين الذين يقلدون الشافعي لكونهم من أهل الأمية العلمية، حيث لا يستطيعون النظر في الأدلة وتحصيل المسائل، أو من يقلد من أهل الإسلام أبا حنيفة ﵀، أو أحمد بن حنبل .. إلخ، وإن كان طالب العلم الذي لديه قدر من النظر والإمكان ينبغي له أن يلاحظ الراجح من الأقوال، سواء كان الراجح قولاً للشافعية أو قولاً الحنفية أو قولاً المالكية .. إلخ. وإنما صح اعتبار كل مذهب في الجملة، وإن كان بعض الأقوال يعلم أنها مخالفة للنصوص، وذلك بسبب عدم ثبوت الدليل عليها عند إمام ما، كأن يكون أبو حنيفة لم يثبت عنده دليل في مسألة ما، وثبت هذا الدليل عند مالك .. وهلم جرا في أسباب خلاف الفقهاء. لكن في مسائل أصول الدين: فإن دلائلها الشرعية متواترة يمتنع عليها الخلاف، ويمتنع فيها الخلاف. ففي مسألة الصفات -مثلاً- الدلائل الشرعية متواترة على إثبات الصفات، وليس في شيء من النصوص ذكر لمبدأ التشبيه الذي اتخذه هشام بن الحكم وأمثاله، ولا لمبدأ النفي والتعطيل الذي اتخذه من اتخذه من المعتزلة والأشعرية وكذلك في مسألة القدر الدلائل الشرعية صريحة في أن العباد فاعلون لأفعالهم حقيقة، بل إن الضرورة الحسية القاطعة تقود إلى أن العبد ليس مجبوراً، فإن كل من فعل فعلاً يرى من نفسه القدرة على هذا الفعل والقدرة على تركه؛ ولهذا من حكمة الشريعة: أنه إذا لم يصل الأمر إلى حد الجبر لكن تخلف تمام القدرة البشرية سقط التكليف؛ ولهذا لم يكلف الصبي في دين الإسلام إلا إذا بلغ، مع أنه قبل البلوغ لديه قدرة أن يصلي أو لا يصلي، ومع ذلك إن صلى قبل بلوغه فهذا من أدب الإسلام الذي يؤمر به، ويضرب عليه لعشر كما جاء في حديث عمرو بن شعيب، لكن لا يمكن أن يقال: إن الصبي إن ترك الصلاة قبل بلوغه يكون آثماً، ولهذا إذا مات الصبي قبل البلوغ فهو من أهل الجنة؛ لأنه اتفق أهل السنة على أن صبيان المسلمين في الجنة. إذاً: الشريعة لم تكلف الصبي إلا بعد بلوغه؛ لنقص تمام القدرة والإرادة والانضباط فيها عندهم. كذلك النائم رفع عنه التكليف، وفي حديث عمران: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب). إذاً: التكليف في الشريعة مرتبط بثبوت القدرة على وجه صحيح، لا يدخله النقص والكلفة التي تؤثر في إمكان العمل، أو يكون فيه مشقة متناهية في تحقيقه؛ مما يدل على أن مسألة الجبر مسألة ممتنعة، أي: أنه من الممتنع أن يكون الله قد جبر العباد على أفعالهم ويعاقبهم على معاصيهم؛ لأن هذا ليس من عدل الله، والعبد بالحس والفطرة يدرك أنه مختار، وأنه يستطيع أن يفعل هذا ويستطيع أن يترك هذا .. وهلم جرا سواء، كان الفعل خيراً أو شراً. فمذهب الجبر: مذهب يعلم بطلانه بالضرورة الحسية والعقلية والفطرية، فضلاً عن الحكم الشرعي. كذلك المذهب القدري -الذي يقول: إن العبد هو الخالق لأفعاله- مذهب يدل على فساده العقل والفطرة والشريعة، من جهة أن الله هو الخالق للعبد، وهو الخالق لإرادة العبد ولقدرته، فإذا كان هو الخالق للعبد وما فيه من القوى التي يتحصل بها الفعل؛ فمن تمام ذلك أن يقال: إنه هو الخالق لأفعال العباد. وكونه سبحانه هو الخالق لأفعال العباد، وأنها بمشيئته وإرادته لا يعني القول بأن العبد ليس فاعلاً حقيقة، بل العبد فاعل على الحقيقة، ولا تعارض بين المقامين لا في العقل ولا في الشرع. إذاً: مخالفة هذين المذهبين -المذهب القدري والمذهب الجبري- ليست فرعاً عن إشكال من النصوص، بل لقد جاءت تحت بعض القواعد الفلسفية التي دخلت على المسلمين أيام الترجمة، كقاعدة: إن الأثر الواحد لا يصدر عن مؤثرين، أي: إما أن يكون الأثر من الله أو من العبد .. وعن هذه الشبهة الفلسفية التي دخلت على الجهمية والجبرية ومن بعدهم من الأشاعرة، ودخلت على المعتزلة والقدرية المتكلمة، رجح هؤلاء أثر العبد، ورجح هؤلاء الأثر من جهة الخالق. أما قول أهل السنة والجماعة فليس هذا القول ولا هذا القول، بل هو على قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩] فمشيئة العبد تابعة لمشيئة الله ، فقد وصف الله العباد بالإرادة، ووصفهم بالمشيئة: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨] ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢] فأثبت لهم إرادةً ومشيئةً، ووصف سبحانه أن إرادتهم ومشيئتهم تابعة لمشيئته وقضائه وقدره. فالمقصود: أن هذه المذاهب المخالفة للسلف في أصول الدين إنما يفرق القول فيها عن القول في الخلاف الفقهي؛ لأن الخلاف الفقهي كالخلاف بين الحنابلة والمالكية والحنفية .. إلخ نشأ عن نظر في دلائل الشريعة، بخلاف الخلاف في أصول الدين كالصفات والقدر؛ فإن المخالف للسلف وأهل السنة ليس خلافه معتبراً بالنصوص، وإنما معتبر ببعض القواعد التي زعموها قواعد عقلية، وهي قواعد ملخصة من الفلسفة: كدليل الأعراض، والتركيب، والتخصيص في مسائل الصفات، وكدليل التأثير في مسائل القدر .. وهلم جرا؛ وقد حظيت نظرية التأثير بدراسة مستفيضة في كتب المعتزلة والأشاعرة؛ لأنها هي المحك عندهم في هذا الباب.

стр. 225

تسمية المرجئة لأهل السنة شكاكاً [والمرجئة تسميهم شكاكاً]. تسميهم شكاكاً؛ لأن جمهور السلف جوزوا الاستثناء في الإيمان، فتقول: فلان مؤمن إن شاء الله، أو تقول: أنت مؤمن إن شاء الله .. وهلم جرا، وكان المرجئة يمنعونه ويرونه شكاً. وموجب هذا: أن المرجئة يرون أن الإيمان واحد لا يزيد ولا ينقص، ومن هنا امتنع الشك فيه .. وهذا صحيح إن كانت المقدمة صحيحة، ومن هنا امتنع الاستثناء فيه .. وهذا ليس بصحيح. أما امتناع الشك فإن الشيء الواحد لا يجوز أن يتردد فيه، ولكنه من حيث المقدمة خطأ، فإن قول المرجئة: بأن الإيمان واحد. غلط؛ فإن الإيمان وهو مركب من قول وعمل واعتقاد، وهو يزيد وينقص كما تواترت بذلك النصوص واتفق عليه السلف، على صريح القرآن في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤] وكقوله: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦] إلى غير ذلك، فالتصريح بزيادة الإيمان جاء في آيات كثيرة في القرآن. ثم لو فرض جدلاً أن الإيمان واحد فهل الاستثناء فيه هو الشك؟ الجواب: لا؛ لأنه يجوز حتى في الأمور المقطوع بها ذكر مشيئة الله -أي: تعليقها بمشيئة الله- كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧] فقوله: إن شاء الله مع أن هذا الوعد متحقق الوقوع. والسلف ﵏ يستثنون في الإيمان لغرضين: الأول: من جهة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، والإيمان المطلق هو الإتيان بالواجبات والانتهاء عن المعاصي، فهذا الإيمان المطلق الذي هو امتثال الأمر والانتهاء عن النهي لا يجزم به أحد لنفسه؛ ومن هنا صار الاستثناء مناسباً في هذا المقام. الثاني: أن الخاتمة لا يعلمها إلا الله . فلهذين الغرضين صار الاستثناء مناسباً. والأشعري وكثير من أصحابه يستثنون في الإيمان على طريقة ابن كلاب، لكنهم وإن وافقوا السلف في الاستثناء إلا أن تعليل الاستثناء عند ابن كلاب والأشعري ليس هو التعليل الذي كان عليه السلف، فإن ابن كلاب والأشعري يستثنون في الإيمان باعتبار الموافاة، والموافاة ليست هي مسألة ختم الأعمال التي كان بعض السلف يقصدها باستثنائه. فإن ختم الأعمال من جهة أن العبد لا يدري بما يختم له، أما مسألة الموافاة -وهي من مقالات عبد الله بن سعيد بن كلاب، وأخذها عنه الأشعري - فمقصودهم بها: أن إيمان العبد الصحيح هو الذي يوافي به الله، أي: إن كان في قدر الله وعلمه أنه يموت كافراً فإن إيمانه الأول ليس إيماناً صحيحاً، وإن كان في علم الله أنه يموت مؤمناً فكفره الأول ليس كفراً، فالكفر هو ما وافى العبد به ربه، والإيمان هو ما وافى العبد به ربه. وهذا التفسير للكفر والإيمان لا شك أنه مخالف للسلف؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: وما علمت أحداً من السلف علل الاستثناء في الإيمان بمثل ما ذكره عبد الله بن سعيد وتبعه عليه الأشعري ومن وافقه من أصحابه.

стр. 226

تسمية الجهمية لأهل السنة مشبهة [والجهمية تسميهم مشبهة]. والجهمية تسميهم مشبهة لأن الجهمية نفاة للصفات، وأهل السنة مثبتة للصفات، والجهمية هم أتباع جهم بن صفوان الترمذي المقتول، والذي كان من أئمة الكلام، وهو الذي أظهر مقالة التعطيل.

стр. 227

تسمية أهل الكلام لأهل السنة حشوية ونوابت .. [وأهل الكلام يسمونهم حشوية ونوابت وغثاء وغثرا إلى أمثال ذلك، كما كانت قريش تسمي النبي ﷺ تارة مجنوناً، وتارةً شاعراً، وتارةً كاهناً، وتارةً مفترياً.]. هذا ليس حكماً في سائر أهل الكلام، وإنما هو قول غلاة المتكلمين، وإلا فمن المتكلمة من لا يسمي أهل السنة كذلك، كفضلاء متكلمة الأشعرية كـ أبي الحسن وفضلاء أصحابه. فالمقصود بأهل الكلام هنا: أي غلاتهم، كمتكلمة الجهمية، والمعتزلة، وغلاة متكلمة الماتريدية، وغلاة متكلمة الأشعرية. وأهل الكلام: ليسوا طائفة مختصة كما أن المعتزلة مدرسة مختصة، والأشاعرة مدرسة مختصة. بل هي إضافة إلى هذا العلم -علم الكلام-. وهم أصناف في الناس: فمنهم الجهمي، ومنهم المعتزلي، ومنهم الماتريدي .. إلخ. وهذا العلم علم مولد في المسلمين، بمعنى أنه لم يعرف قبل الإسلام كالفلسفة، ومن هنا صار ابن سينا وأمثاله لا يعدون في المتكلمين، بل يعدون في المتفلسفة؛ لأنهم نقلة للفلسفة ولم يشتغلوا بالرد عليها. أما المتكلمون فإنهم في الجملة ممن رد على المتفلسفة من الإسلاميين -أو من انتسب للإسلام- أو من قبلهم، فمن أغراض المتكلمين التي قصدوها في علمهم هذا: الرد على كثير من مقالات الفلاسفة كالقول بقدم العالم وغيره؛ ولهذا صنف كثير من المتكلمة في هذا، فكان لـ واصل بن عطاء بعض التصانيف في هذا، ولـ أبي الهذيل العلاف، وإبراهيم بن سيار النظام، ولـ أبي علي الجبائي .. وأمثال هؤلاء من أئمة المعتزلة تصانيف في هذا الباب، وكذلك أئمة الأشعرية صنفوا في الرد على المتفلسفة، كالمصارعة للشهرستاني، وتهافت الفلاسفة لـ أبي حامد الغزالي، وكذلك تصنيف القاضي أبي بكر بن الطيب .. وأمثالهم في هذا الباب. ولربما صح أن يقال: إن ردهم في الجملة مما يحمدون عليه من جهة أنهم قصدوا إبطال الكفر المحض، وإن كان كثير من ردهم قاصراً عن التحقيق، بل إنهم في كثير من ردهم التزموا كثيراً من التعطيل لمسائل الصفات وغيرها بسبب ما ادعوه من الرد؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: وهم يحمدون في الجملة فيما قصدوا إبطاله من مقالات الفلاسفة الكفرية المناقضة لدين المسلمين كالقول بقدم العالم ونحوه، قال: وإن كان يقع في ردهم ما هو من التقصير والقصور، بل والتزام بعض الحقائق المناقضة لما علم مجيء الرسل به ضرورة، كالقول في إثبات صفات الرب وأمثال ذلك .. فهذا مما يعتدل القدر فيه في هؤلاء المتكلمين. وينبه إلى أن هذا العلم المشهور في تعريفه -كما هو في كتب المتكلمين أنفسهم، أو فيمن صنف في المعارف وحال التاريخ كـ ابن خلدون في مقدمته- أنه الاستدلال على العقائد الإيمانية بالدلائل العقلية، بل إن ابن خلدون وهم وهماً أشد من هذا، حيث قال: إن علم الكلام هو علم يقصد به الاستدلال على عقائد أهل السنة بالدلائل العقلية .. وهذا كحقيقة علمية مجردة غلط أساسي عند ابن خلدون؛ لأن المؤسس لهذا العلم لم ينتسب أصلاً للسنة والجماعة، وهم علماء الجهمية والمعتزلة، والأشاعرة تبع لهم، سواء من حيث الحقيقة العلمية أو من حيث التاريخ، فإن إمام الأشعرية -وهو أبو الحسن الأشعري - متأخر عن جمهور متكلمة المعتزلة والجهمية. فهذا العلم أصلاً لم ينشأ في قوم ينتسبون للسنة، فضلاً عن كونهم يحققونها ويصيبونها. وهو علم -أعني: علم الكلام- مذموم عند أئمة السلف، وهذا متواتر عنهم، والذي ذمه ليس هم علماء الحديث فقط، بل ذمه غيرهم من أئمة الفقهاء كذلك، حتى إن كل إمام من الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - نقل عنهم أحرف كثيرة في ذم هذا العلم، بل حتى عن أصحابهم كـ محمد بن الحسن وأبي يوسف واللذان هما أخص أصحاب أبي حنيفة. ولهذا: تأول المتكلمون الذين انتسبوا لهؤلاء الأئمة في الفقه هذا الذم لما عرفوه، كما هو واضح في كلام أبي حامد الغزالي، حيث قال: وأما ما جاء عن الشافعي -وهو لابد أن يلاحظ كلام الشافعي، أي: لا يتجاوزه، بحكم أنه ينتسب إليه، فهو شافعي في الفقه وأصوله، بل إنه يزعم أن طريقته في أصول الدين لا تناقض طريقة الشافعي - من ذم علم الكلام فإنما لما فيه إذ ذاك من الألفاظ المجملة الحادثة كلفظ الجوهر والعرض وأمثالها، وكان هذا مناسباً لما هم عليه من ظهور السنة. أما في من بعدهم فلما اختلط الحق مع كثير من مقالات المناقضين لدين الإسلام أوجب أن يكون هذا العلم مما يقصد إلى بيانه وضبط الاعتقاد به، وإن كان فيه مفسدة استعمال الألفاظ الحادثة المبتدعة كلفظ الجوهر والعرض. ثم ذكر الغزالي مثالاً يستدل به على تحصيله، فقال: كما إن لبس ثياب الكفار منهي عنها، وهي من التشبه المنهي عنه في الشريعة. لكن إذا صال الكفار على مصر من أمصار المسلمين، ولم يكن دفع شوكتهم إلا بالغدر بهم بلبس ثيابهم -حتى يستطيع بعض العين من المسلمين أن يدخل في صفهم أو يعرف أخبارهم- فلبس ثيابهم هنا هو مصلحة شرعية يقصد إليها من قبل الشارع. هذا التقرير من أبي حامد لو صح مبناه لكان دقيقاً وصحيحاً علمياً، لكن مبناه على أن السلف -كـ الشافعي وغيره- إنما ذموا علم الكلام لما فيه من الألفاظ الحادثة فقط، وهذا خطأ، فإن السلف ذموا هذا العلم لما اشتمل عليه من المعاني الباطلة، وإن كان هذا الذم متضمناً ذم الألفاظ، ولهذا قال شيخ الإسلام في درء التعارض: وذم السلف لعلم الكلام إنما كان لما اشتمل عليه من المعاني الفاسدة، وإن كان يدخل في هذا الذم ما فيه من الألفاظ الحادثة. وقال في موضع آخر: وذم السلف لعلم الكلام لما فيه من المعاني أعظم من ذمهم لما فيه من حدوث الألفاظ. إذاً: ذم السلف هذا العلم الكلامي لغرضين: الأول: لما اشتمل عليه من المعاني الباطلة. الثاني: لما فيه من الألفاظ المبتدعة. ومن هنا كان جواب الغزالي عن أحد الغرضين فقط، وهو غرض الألفاظ، أما غرض المعاني فإن الغزالي لم يستطع الجواب عنه ولا يستطيع أن يجيب عنه؛ لأن قضية المعاني قضية لزومية لا يمكن الانفكاك عنها ولا التعليل بخلافها. وإنما قرر شيخ الإسلام ﵀ أن السلف ذموا علم الكلام لما اشتمل عليه من المعاني الباطلة؛ لأنك ترى هذا حقيقةً، فإنه لو لم يكن في هذا العلم إشكال إلا من جهة الألفاظ لما تضمن حقائق علمية تعارض الحقائق القرآنية، ولكانت النتيجة العقلية أن يتضمن أحرفاً وألفاظاً ليست هي الألفاظ الشرعية القرآنية النبوية فقط، لكن هذا العلم أوجب نفي الصفات، والقرآن -كما قرره أئمة السنة والجماعة- جاء بإثبات الصفات، بل كما نص عليه أئمة الكلام أنفسهم من المعتزلة وغيرهم لما قالوا: تعارض العقل والنقل .. فإنهم قصدوا بالعقل الدلائل الكلامية. وبهذا يتبين أن هذا العلم معارض لما جاء في الكتاب والسنة، حتى بشهادة أصحابه الذين قرروا قانون التعارض بين العقل والنقل، وكان جواب علماء السنة: أن العقل ليس معارضاً للنقل؛ وهذه قاعدة مطردة: أنه ليس هناك حكم شرعي في أي رسالة نبوية -وبخاصة في أكمل الشرائع وهي الشريعة المحمدية- يعارض شيئاً من الحقائق أو القوانين العقلية، ومن ظن التعارض فقد وقع له وهم يناسب عقله المعين، ولهذا لا يمكن أن يتفق العقلاء في أمة من الأمم أو طائفة من الطوائف على دلائل عقلية -زعموها- معارضة لأخبار أو تشريعات نبوية. وترى أن الكفار الذين كفروا بما جاء به النبي ﵌ في منتهى حالهم يقولون: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠] فقولهم: لو كنا نسمع أي: الحكم الشرعي أو النبوة الشرعية والاستجابة للنبي ﷺ الذي كان يدعوهم إلى التوحيد والإيمان، أو نعقل أي: لو استعملنا حتى العقول لانقدنا إليه؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] فقدم العقل على السمع والبصر، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج:٤٦]. فترى دائماً أنه في القرآن عند ذكر المعتبرات في التحصيل يقدم العقل على غيره من الحواس؛ لأنه أقوى القوى الإدراكية وأنظمها، ولهذا تميز به الإنسان عن بقية الحيوان، فإن البهائم تسمع وتبصر لكنها لا تعقل، وهذه تقرر ولا سيما في هذا العصر كثيراً؛ لكثرة من يتكلم بدعوى أن العقل يعارض النقل، التعارض بين الإسلام في كذا والقضية العقلية .. ليس هناك أي مسألة خبرية أو تشريعية يتعارض فيها الخبر الشرعي مع العقل أو الحكم الشرعي مع العقل، إلا أن يكون هذا الشيء الذي قيل إنه شرعي؛ ليس شرعياً في الحقيقة، كأن يكون حديثاً موضوعاً على النبي ﷺ ، فيظن من يظن أنه حديث وهو يعارض قوانين عقلية منضبطة. أما ما علم أنه شرعي من جهة ثبوته ودلالته فإنه لا يمكن أن يعارض شيئاً مما انضبط في العقل، بل يكون العقل هنا وهماً وليس عقلاً صحيحاً.

стр. 228

الكلام عن القتال الذي وقع بين الصحابة [قالوا: فهذه علامة الإرث الصحيح والمتابعة التامة، فإن السنة هي ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، اعتقاداً واقتصاداً وقولاً وعملاً؛ فكما أن المنحرفين عنه يسمونهم بأسماء مذمومة مكذوبة -وإن اعتقدوا صدقها بناءً على عقيدتهم الفاسدة- فكذلك التابعون له على بصيرة الذين هم أولى الناس به في المحيا والممات باطناً وظاهراً. وأما الذين وافقوه ببواطنهم وعجزوا عن إقامة الظواهر، والذين وافقوه بظواهرهم وعجزوا عن تحقيق البواطن، والذين وافقوه ظاهراً وباطناً بحسب الإمكان، فلابد للمنحرفين عن سنته أن يعتقدوا فيهم نقصاً يذمونهم به، ويسمونهم بأسماء مكذوبة -وإن اعتقدوا صدقها- كقول الرافضي: من لم يبغض أبا بكر وعمر فقد أبغض علياً؛ لأنه لا ولاية لـ علي إلا بالبراءة منهما. ثم يجعل من أحب أبا بكر وعمر ناصبياً بناءً على هذه الملازمة الباطلة التي اعتقدها صحيحة أو عاند فيها وهو الغالب]. أي: أن تحصيل إضافة أهل السنة إلى النصب هو من هذا الوجه: أنه من لم يبغض أبا بكر وعمر فإنه لم يوال علياً ﵃ .. وهذا التلازم ليس صحيحاً، فإن الموالاة ليس من شرطها بغض أبي بكر وعمر ﵄. وننبه هنا إلى أن ما وقع بين الصحابة ﵃ في مسألة القتال، ينبغي أن يؤخذ كما أخذه السلف ﵏، وهو أن الصحابة في اقتتالهم في مسألة الجمل وصفين -وفي صفين على الوجه الخصوص لظهور الفتنة فيه أكثر- كانوا مجتهدين، وقد ثبت في الصحيحين من حديث عمرو بن العاص أن النبي ﵌ قال: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر) وباتفاق أهل السنة أن علياً ﵁ كان أولى بالحق من غيره، وأنه خليفة من الخلفاء الراشدين، وأن خلافته خلافة شرعية. ولكن من عارضه من الصحابة -كـ معاوية وغيره- كانوا مجتهدين أيضاً، واجتهاد هؤلاء لا يقدح في خلافة علي ﵁، كما أن فاطمة ﵂ عندما حصل لها تخلف عن بيعة أبي بكر لم يشكل ذلك على صحة خلافة أبي بكر ﵁ .. وهلم جرا. والواجب: الكف عن الطعن في مقاصدهم، بل يحسن الظن بسائر الصحابة لأنهم عدول خيار، بل هم خير هذه الأمة وأفضلها بعد نبيها، وإذا دخل الطعن فيهم دخل الطعن في دين الإسلام ضرورة؛ لأنهم هم الذين رووا الشريعة، وهم الذين حدثوا بأحاديث الرسول ﵌؛ ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة كما يذكر المصنف في الرسالة الواسطية: ومن أصولهم سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب النبي ﷺ . ومسألة الترجيح بينهم ليست هي مسألة الطعن، ولهذا كان السلف يقولون بما دلت عليه الدلائل من أن علياً ﵁ أولى بالحق من غيره. ثم إنه مما يعلم: أن القتال الذي وقع بين الصحابة في صفين جمهور العسكرين -عسكر الشاميين والعسكر الذي كان مع علي - ليسوا من الصحابة، بل كما قال ابن سيرين بإسناد يقول شيخ الإسلام عنه: إنه من أصح الأسانيد على وجه الأرض: أنه لم يدخل في القتال في يوم صفين إلا بضع وثلاثين صحابياً. فكان جمهور العسكرين من مسلمة الفتوح العمرية من أهل العراق وغيره. وهذا الذي يقرر هنا ينبغي أن يضبط بكلام أهل السنة، ولا يلتفت إلى كثير مما ذكره الإخباريون وأهل التاريخ في كتبهم، وإن كان منهم من عرف بالعلم كـ ابن جرير الطبري مثلاً، فإنه في تاريخه لم يلتزم أن لا يذكر إلا ما صح، بل ذكر ذكراً مطلقاً ولم يلتزم صحة ما ذكره في سائر كتابه.

стр. 229

وجوب العدل في نقل المقالات وأخذهم بالشريعة لا بحظ النفس [وكقول القدري: من اعتقد أن الله أراد الكائنات، وخلق أفعال العباد فقد سلب من العباد الاختيار والقدرة، وجعلهم مجبورين كالجمادات التي لا إرادة لها ولا قدرة. وكقول الجهمي: من قال إن الله فوق العرش فقد زعم أنه محصور، وأنه جسم مركب محدود، وأنه مشابه لخلقه]. هذه كلها ليست لزومات عقلية، بل لزومات حسية، ولهذا قال أهل السنة: إن كل معطل ممثل. فهذه اللزومات لزومات على ما يعرفونه من حال المخلوقين، والله منزه عن حال المخلوقين. [وكقول الجهمية المعتزلة: من قال إن الله علماً وقدرةً فقد زعم أنه جسم مركب]. هذا مبني على التشبيه، وإلا من عرف الله حق معرفته، وعرف أن الله ليس كمثله شيء لم يلزم عنده في إثبات صفات الباري سبحانه هذه اللوزام التي هي لوازم لما عرفه من المحدثات المخلوقات. [وأنه مشبَّه؛ لأن هذه الصفات أعراض، والعرض لا يقوم إلا بجوهر متحيز، وكل متحيز جسم مركب أو جوهر فرد]. هذا هو دليل الأعراض المشهور عند المعتزلة. والجوهر الفرد هو الجزء من المادة الذي لا يقبل الانقسام. [ومن قال ذلك فهو مشبه لأن الأجسام متماثلة. ومن حكى عن الناس المقالات وسماهم بهذه الأسماء المكذوبة -بناءً على عقيدته التي هم مخالفون له فيها- فهو وربه والله من ورائه بالمرصاد، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله]. قوله: ومن حكى عن الناس. أي: أن من يحكي المقالات في هذا المقام فإنه لابد له من العدل؛ لأن ذكر العقيدة هنا أياً كان معتقدها هو من باب الشهادة، والله يقول: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦] وقد جاء في حديث بريدة في السنن: (القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة) قال شيخ الإسلام ﵀: فإذا كان هذا يقع في من يقضي بين الناس في أموالهم ودمائهم، فهو من باب أولى يقع في من يقضي بين الناس في مقاصدهم وعقائدهم التي يدينون الله بها. ولهذا يجب على طالب العلم أن يعتدل في ذكر أقوال الناس، حتى لو كان القائل من أهل البدع، فإنه لا يزاد في قوله، بل يذكر قوله كما ذكره هو، ولا يفترى على أحد من خلق الله ولو كان من أهل البدع المخالفين لأهل السنة والجماعة. ولهذا لم يكن من طريقة أهل السنة والجماعة أنهم يؤاخذون غيرهم بالمثل في مسائل الأحكام التي هي من أحكام الجور كما هي طريقة بعض المتكلمين الذين لما ذكروا مسألة التكفير قالوا -كما ذكره بعض الأشاعرة-: نكفر من كفرنا، أما من لم يكفرنا فلا نكفره فإن هذا ليس من باب العدل. وترى أن الصحابة ﵃ قد كفرتهم الخوارج كما في زمن علي بن أبي طالب ﵁، ومع ذلك لم يذهب الصحابة إلى تكفير الخوارج من باب المقابلة. فهذا الباب لا يؤخذ بحظ النفس وإنما يؤخذ بالشريعة. ولا يجوز أن يضاف إلى أحد من عباد الله ما هو من الأقوال المخالفة لصريح الكتاب والسنة، إلا إذا علم أنه يقول بهذا القول، وأما أخذُ الناس بالظن فهو كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] فهذا من الإثم الذي لا يجوز أن يعتبر في هذا المقام. وليس من شرط الإنسان -أقصد: أنه ليس من شرط إيمانه وديانته وصحة مذهبه- أنه يعرف تفاصيل عقائد أعيان الخلق، وإذا كان النبي ﵌ -وهو إمام هذا الدين، وسيد المرسلين- يقول الله تعالى له: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١] وكذلك الصحابة ﵃، فقد كان المنافقون الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] ومع ذلك لم يكن جميع الصحابة يعرفون المنافقين بأعيانهم، وهذا معروف في السنة؛ حيث خص النبي ﷺ حذيفة ﵁ بأسماء المنافقين. والمقصد من هذا: أن طالب العلم لا ينبغي له أن يكون من مقاصده الأساسية أن يتتبع فلاناً وفلاناً ماذا يقول وماذا يعتقد، وماذا يقصد وماذا يريد، بل يأخذ الناس بظاهرهم، كما قال عمر ﵁ كما ثبت عنه في صحيح البخاري: إنه لما كان رسول الله كان الوحي ينزل، وأما اليوم فقد انقطع الوحي، وإنَّا آخذوكم بظاهركم. فهكذا ينبغي لطالب العلم ألا يتقحم ما ليس له به علم. وبالمقابل: هذا لا يعني أن طالب العلم يعرض عن البدعة أو عن أهلها، فلا يقع له بيان أو رد أو تحذير، فإن هذا مقام آخر، لكن العدل واجب في هذا المقام، وطالب العلم أخص مقاصده أن يشتغل بتحصيل العلم الشرعي من حفظ كلام الله وكلام رسوله والتفقه فيهما، والاشتغال بعباداته الشرعية التي شرعها الله ورسوله .. هذا هو أخص مقصد لطالب العلم ينبغي أن يلازمه في نفسه وأن يربي عليه غيره. وأما أن يكون العلم غرضاً للتتبعات فهذا ليس من المقاصد الفاضلة.

стр. 230

شرح الحموية [٢٠] انقسم الناس في نصوص الصفات إلى ستة أقسام: قسم يجريها على ظاهرها اللائق بالله تعالى، وقسم يجريها على ظاهرها ويجعل هذا الظاهر من جنس صفات المخلوقين، وقسم ينفون الظاهر ويتأولونها ويعينون المراد، وقسم ينفون الظاهر ويقولون: إن الله أعلم بما أراد بها، وقسم يتوقفون ويقولون: يجوز أن يكون ظاهرها هو المراد اللائق بالله، ويجوز أن لا يكون هو المراد، وقسم يتوقفون عن ذلك كله، والصواب في ذلك: هو إثبات ما أثبتته النصوص لله تعالى من الصفات على الوجه اللائق به سبحانه.

стр. 231

أقسام الناس في نصوص الصفات قال المصنف ﵀: [وجماع الأمر: أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام، كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة]. المصنف في ختم رسالته قصد بعد ذكره لبعض القواعد والمقاصد في هذه الرسالة إلى ختم هذه الرسالة بأقسام أهل القبلة في نصوص الصفات، فذكر أن القائلين في هذا الباب لا يخرجون عن ستة أقسام، وهذه الأقسام منها ما يكون مختصاً ببعض الطوائف، ومنها ما يكون قولاً يقع ذكره عند بعض الطوائف، وقد يقع ذكر غيره أو تجويز غيره، فقوله هنا: وجماع الأمر أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام، وأن كل قسم منها عليه طائفة من أهل القبلة .. لا يفيد أن كل من وقع في قسم من الطوائف فإنه يمنع غيره، أو لا يشتغل بغيره، كما أنه لا يفيد أن كل قسم من هذه الأقسام تختص به طائفة من الطوائف بإطلاق. وإن كان إذا قيل: إن هذا لا يلزم .. فلا يعني هذا أنه ليس واقعاً، بمعنى: أن كثيراً من هذه الأقسام التي ذكرها المصنف تختص بها بعض الطوائف كالقسم الذي ذكر فيه: إجراءها على ظاهرها اللائق بالله ، وذكر أن هذا هو الذي عليه أهل السنة .. فهذا القسم يختص به أهل السنة والحديث بتحقيقه وتطبيقه. لكن فيما يتعلق -مثلاً- بقسم التفويض من هذه الأقسام؛ فإنه لا تختص به طائفة اختصاصاً مطرداً، بل يذكره من يذكره من الفقهاء، والصوفية، ويجوزه من يجوزه من المتكلمين، ويرجع إليه من يرجع من المتكلمين .. وهلم جرا. ولهذا قد توجد بعض الطوائف من حيث الجملة -ليس بالضرورة من حيث الاطراد- يجوزون أكثر من قسم، كتجويز أكثر الأشعرية مسألة التأويل مع مسألة التفويض، مع أن المصنف جعل التأويل قسماً وجعل التفويض قسماً آخر.

стр. 232

القائلون بإجراء نصوص الصفات على ظواهرها [قسمان يقولان: تجرى على ظاهرها. وقسمان يقولان: هي على خلاف ظاهرها. وقسمان: يسكتون. أما الأولون فقسمان: أحدهما: من يجريها على ظاهرها ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين .. فهؤلاء المشبهة، ومذهبهم باطل أنكره السلف، وإليه يتوجه الرد بالحق]. مذهب التشبيه ليس قدره في الاشتباه والشيوع كمذهب التأويل، وأخص من تكلم بالتشبيه قوم من متقدمي الرافضة كـ هشام بن الحكم، وهشام بن سالم وأمثالهما، ثم رجع جمهور الرافضة عن هذا المذهب إلى ما يقارب مذهب المعتزلة، وتلقوا عنهم في هذا الباب، ثم وقع في التشبيه كثير من متأخري المتكلمين كـ محمد بن كرام السجستاني وأصحابه، ومذهب هؤلاء يقارب مذهب التشبيه الذي كان عليه هشام بن الحكم، وإن لم يكن مثله. وقد وقع بعض الفقهاء من أصحاب الأئمة في زيادة في الإثبات، فهؤلاء ليسوا مشبهةً، ولكنهم ليسوا على طريقة أهل السنة والحديث المحضة، وهم خير من محمد بن كرام وأمثاله، كما أن محمد بن كرام وأمثاله من المجسمة أقرب إلى طريقة أهل السنة من طريقة أئمة المشبهة كـ هشام بن الحكم وأمثاله. [الثاني: من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله كما يجري ظاهر اسم العليم والقدير والرب والإله والموجود والذات ونحو ذلك، على ظاهرها اللائق بجلال الله، فإن ظواهر هذه الصفات في حقه المخلوق إما جوهر محدث، وإما عرض قائم به. فالعلم والقدرة والكلام والمشيئة والرحمة والرضا والغضب ونحو ذلك في حق العبد أعراض، والوجه واليد والعين في حقه أجسام، فإذا كان الله موصوفاً عند عامة أهل الإثبات بأن له علم وقدره، وكلاماً ومشيئة]. المقصود بأهل الإثبات هنا: أي من يثبت أصول الصفات وإن لم يلتزم إثبات سائر الصفات، وبهذا دخل فيه أهل السنة كما هو متحقق، ودخل فيه متكلمة الصفاتية كالأشعرية والكلابية والماتريدية وأمثالهم، أي: من يصحح مبدأ الإثبات مقابل من يلتزم تحقيق النفي كما هي طريقة الجهمية وأئمة المعتزلة. [وإن لم يكن ذلك عرضا يجوز عليه ما يجوز على صفات المخلوقين، جاز أن يكون وجه الله ويداه صفات ليست أجساماً يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين]. الذي عليه أهل الإثبات من أهل السنة ومتكلمة الصفاتية: أن لله علماً وقدرةً وإرادةً، وهي ليست كصفات المخلوقين، فكذلك يقال: في الوجه واليدين، ليست هي أجساماً كصفات المخلوقين، أي: بجسميتها المخلوقة التي تليق بالمخلوق، وإن كان لفظ الجسم لا يطلق إثباتاً ولا نفياً في حق الله تعالى. وهذا من باب الأصل المعروف: أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، وهذا يتوجه به الرد على متكلمة الصفاتية الذين أثبتوا بعض الصفات ونفوا بعضها. [وهذا هو المذهب الذي حكاه الخطابي وغيره عن السلف، وعليه يدل كلام جمهورهم وكلام الباقين لا يخالفه، وهو أمر واضح]. قوله: وعليه يدل كلام جمهورهم لا يعني أن طائفة من السلف تخالف هذا المذهب، بل مقصوده: أن التصريح شاع عند جمهورهم، وإن لم يلزم من ذلك أن كل تفصيل في الصفات صرح به كل معين من أعيانهم. [فإن الصفات كالذات، فكما أن ذات الله ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس المخلوقات، فصفاته ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقات. فمن قال: لا أعقل علماً ويداً إلا من جنس العلم واليد المعهودين. قيل له: فكيف تعقل ذات من غير جنس ذوات المخلوقين؟! فمن المعلوم أن صفات كل موصوف تناسب ذاته وتلائم حقيقته، فمن لم يفهم من صفات الرب -الذي ليس كمثله شيء- إلا ما يناسب المخلوق فقد ضل في عقله ودينه.]. كل هذا الاستدلال من باب أن القول في الصفات كالقول في الذات وهذا يقع به الرد على نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة، بمعنى: أنهم كما أقروا بأن لله ذاتاً لا تشابه الذوات، أي: لها اختصاصها اللائق بها فكذلك صفاته تكون مناسبة لذاته. [وما أحسن ما قال بعضهم إذا قال لك الجهمي: كيف استوى أو كيف ينزل إلى السماء الدنيا، أو كيف يداه ونحو ذلك، فقل له: كيف هو في ذاته؟ فإذا قال لك: لا يعلم ما هو إلا هو، وكنه الباري تعالى غير معلوم للبشر. فقل له: فالعلم بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفية الموصوف، فكيف يمكن أن تعلم كيفية صفة لموصوف لم تعلم كيفيته، وإنما تعلم الذات والصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي لك؟!]. إذاً: السؤال عن كيفية الصفات فرع عن العلم بحقيقة الذات، وإذا كان متحققاً بضرورة العقل والشرع أنه لم يقع لأحد من خلق الله أنه يحيط بالله علماً بكيفية صفاته وكيفية ذاته؛ فإن القول في كيفية الصفات هو قول في كيفية الذات؛ أي: أن القول في هذه الصفات فرع عن القول في الموصوف فيها. [بل هذه المخلوقات في الجنة قد ثبت عن ابن عباس أنه قال: ليس في الدنيا من ما في الجنة إلا الأسماء، وقد أخبر الله تعالى أنه لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين، وأخبر النبي ﷺ أن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فإذا كان نعيم الجنة -وهو خلق من خلق الله- كذلك فما ظنك بالخالق ]. هذا من باب قياس الأولى، ووجهه هنا: أن الجنة فيها نعيم يتفق في بعض الموارد من حيث الاسم المطلق مع نعيم الدنيا، ويكون متواطئاً -ليس مشتركاً اشتراكاً لفظياً- من حيث المعنى الكلي، مع أن الحقيقة والماهية مختلفة، فإذا كان كذلك في هذا النعيم وهو مخلوق من مخلوقات الله؛ فبين الخالق والمخلوق من باب أولى، بمعنى: أن الاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم التماثل في الحقيقة عند الإضافة والتخصيص بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، فمن باب أولى بين صفات الله وصفات خلقه التي وقع فيها اشتراك في الاسم المطلق كالعلم والقدرة والسمع والبصر والرضا والغضب وأمثال ذلك. وهذا من أقوى الأوجه في الرد على المخالف الذي يزعم أن إثبات الصفات يستلزم أن تكون أعراضاً كالصفات القائمة بالمخلوقين أو نحو ذلك، وكل من التزم بأن الإثبات يدل على التشبيه لما يراه واقعاً في المخلوقين من الاتصاف بهذه الصفات أو ما هو منها قيل له: هذا لو كان صحيحاً للزم اطراده بين المخلوقات نفسها من باب أولى؛ فيكون نعيم الجنة مماثلاً في الماهية والحقيقة لنعيم الدنيا .. وهو ليس كذلك بإجماع المسلمين. [وهذه الروح التي في بني آدم قد علم العاقل اضطراب الناس فيها، وإمساك النصوص عن بيان كيفيتها، أفلا يعتبر العاقل بها عن الكلام في كيفية الله تعالى مع أنا نقطع أن الروح في البدن، وأنها تخرج منه وتعرج إلى السماء، وأنها تسل منه وقت النزع كما نطقت بذلك النصوص الصحيحة]. وهذا مثل آخر، وهو مثل عقلي تام، أي: تام الدلالة والتحقيق، من جهة أن الروح قد اتفق على وجودها بنو آدم. وأيضاً: من البدهي أن لها صفات ولها اختصاصاً، ومع ذلك فإن كيفية هذه الروح وكيفية صفات هذه الروح لا نعلمها، وإذا كان هذا متحققاً في الروح -وهو: أنا نعلم وجودها، ونعلم أن لها من الصفات ما يناسبها، وما هو من صفات الروح تشترك من حيث الاسم المطلق مع ما هو من صفات الأجسام والأبدان؛ ومع ذلك لا نعلم كيفية الروح ولا كيفية صفاتها- فمن باب أولى أن يتعلق هذا بالخالق، فإن علمنا بصفات الروح لم يوجب أن نعلم كيفية هذه الصفات، كذلك -من باب أولى- علمنا بصفات الله لا يوجب علمنا بكيفيتها. [لا نغالي في تجريدها غلو المتفلسفة ومن وافقهم حيث نفوا عنها الصعود والنزول والاتصال بالبدن والانفصال عنه وتخبطوا فيها حيث رأوها من غير جنس البدن وصفاته، فعدم مماثلتها للبدن لا يمكن أن تكون هذه الصفات ثابتة لها بحسبها، إلا أن يفسروا كلامهم بما يوافقوا النصوص، فيكونون قد أخطئوا في اللفظ وأنى لهم بذلك؟! ولا نقول: إنها مجرد جزء من أجزاء البدن كالدم والبخار مثلاً، أو صفة من صفات البدن والحياة، وأنها مختلفة الأجساد، ومساوية لسائر الأجساد في الحد والحقيقة كما يقول طوائف من أهل الكلام]. أي: أن الذين تكلموا في هذا الباب من النظار -نظار المتفلسفة والمتكلمة- في الجملة على طريقتين: الأولى: وهي طريقة المتفلسفة، والذين اتخذوا في الروح مبدأ التجريد، أي: جعلوا وجودها وجوداً مجرداً عن التركيب، وهذا قول لا دليل عليه على أقل تقدير، فإن الله تعالى لما ذكر الروح قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] فالقول في ماهية الروح لم يتكلم أئمة السلف ﵏ فيه، أما القول بإثبات وجودها، وأن لها صفات تناسبها .. فهذا أمر متحقق مجمع عليه بين السلف. الثانية: وهي طريقة المتكلمين، فقد جعلوها جزءاً جسمانياً له صفات الأجسام وحقائق الأجسام ولوازم الأجسام، وهذا أيضاً قول لا دليل عليه. إذاً: من حيث الأصل كلا القولين -أعني قول المتفلسفة بالتجريد، أو قول المتكلمة بالجسمانية- أقل ما يقال فيهما: أنهما قولان لا دليل عليهما؛ فإن إدراك ثبوت الوجود وإدراك ثبوت الصفات لا يستلزم إدراك ثبوت الماهية والكيفية، فإن الماهية لا تدرك إلا بالمشاهدة أو بالقياس، والمشاهدة للروح لم تقع، والقياس لم يقع؛ لأنه لم يوجد في الواقع إلا الأجسام، والأجسام لا تناسب القياس على الروح. ومن هنا صار هذا القول من القول بغير علم، ومن هنا لا ينبغي الاشتغال بتفصيل مسألة الروح وماهيتها، بل يتوقف كما هو أدب القرآن: ﴿قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥]. وهنا ينبه إلى أن بعض المتكلمين الأشاعرة وبعض الفقهاء من أصحاب الأئمة الذين تكلموا في مسألة الروح -عند تفسير القرآن، أو عند تفسير بعض النصوص النبوية التي ذكرت الروح- أن الوهم يقع لكثير منهم في مقابل قول المتفلسفة، فتراهم يقولون: وذهبت المتفلسفة إلى القول بتجريدها عن الصفات، وأنها وجود مطلق مجرد عن الصفات الثبوتية. بل إن بعض المتكلمين المنتسبين للسنة والجماعة وبعض الفقهاء من أصحاب الأئمة ال

стр. 233

القائلون بنفي ظواهر نصوص الصفات [وأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها، أعني: الذين يقولون: ليس لها في الباطن مدلول، هو صفة الله تعالى قط]. هؤلاء هم الذين يقولون بنفي الصفات في نفس الأمر أو ينفون ما هو منها، ونفاة الصفات مطلقاً: هم الجهمية وأئمة المعتزلة، ونفاة ما هو من الصفات: هم جمهور متكلمة الصفاتية الذين ينفون الصفات الفعلية، وغلاتهم ينفون الصفات الخبرية. [وأن الله لا صفات له ثبوتية، بل صفاته إما سلبية وإما إضافية وإما مركبة منهما]. هذه طريقة غلاة هذين القسمين، وهم نفاة الصفات في نفس الأمر، الذين يقولون: إنه ليس له صفة ثبوتية في نفس الأمر، بل صفاته إما سلبية -والسلب هو النفي- كقولهم: ليس متكلماً أو ليس سميعاً أو ليس بصيراً، أو تارة ينفون بعض الألفاظ المجملة بالتصريح على خلاف ما هو معروف عند السلف من عدم التصريح بنفي أو إثبات .. وهلم جرا. وإما إضافية الصفات الإضافية: كقول المتفلسفة مثلاً: إنه مبدأ الأشياء، وأنه علة الأشياء، فالقول في المبدأ والعلة يعد من الصفات الإضافية. وإما مركبة منهما المركب منهما كقول المتفلسفة: إنه عاقل ومعقول وعقل. [أو يثبتون بعض الصفات وهي الصفات السبعة]. أو يثبتون بعض الصفات هذا هو النوع الثاني في نفاة الصفات، وهم الذين يثبتون بعضها وينفون بعضها، وهم متكلمة الصفاتية كالكلابية والأشعرية والماتريدية وأمثالهم. وهي الصفات السبعة. أي: الصفات التي استقر عليها المتأخرون من الأشاعرة، وعليها الماتريدية في الجملة، وهي: الحياة والكلام والبصر والسمع والإرادة والعلم والقدرة. [أو الثمانية]. وهي الصفات السبع المتقدمة، مع صفة البقاء كما هي طريقة طائفة من الأشعرية. [أو الخمسة عشر]. كما ذكره الشهرستاني عن طائفة من متكلميهم، وهي الصفات الثمان، ثم يختلفون فيما يزيدون عليها. وثمة غير ذلك كما هي طريقة الأشعري إمام المذهب، وأبي بكر بن الطيب الباقلاني الذين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة. [أو يثبتون الأحوال دون الصفات]. كما هي طريقة خلق من المعتزلة، وأخص من تكلم بها من المعتزلة هو أبو هاشم الجبائي، فإن أبا هاشم الجبائي كغيره من المعتزلة ينفي الصفات، ولكنه أثبت الأحوال. فإن العلم -مثلاً- كصفة مختصة بالله يقال فيه: إن لله علماً هو صفة تليق به. لكن المعتزلة تنفي هذه الصفة مع اتفاقها على أن الله عليم. أي: أنهم يثبتون الاسم وحكم الصفة -أي: الحكم المتعلق بها وهو أن الله يعلم أحوال العالم- لكنهم ينفون الصفة من جهة قيامها بالذات. فجاء أبو هاشم الجبائي وأثبت مع حكم الصفة، والاسم الحال -وهو العالمية-، فهو يجعلها حالاً وليست صفة. وجمهور المعتزلة لا ثبت هذه الأحوال، إنما أثبتها أبو هاشم الجبائي ابن أبي علي الجبائي، وتبعه عليها خلق من المعتزلة، وطائفة من متكلمة الصفاتية من الأشعرية وغيرهم كـ القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني ومن وافقه من متكلمة الأشعرية وبعض الفقهاء من أصحاب الأئمة الذين وافقوا القاضي أبا بكر على إثبات مسألة الأحوال تبعاً لـ أبي هاشم الجبائي. لكن ينبه إلى أن بعض الفقهاء كـ أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي يثبت مسألة الأحوال، ولكن الأحوال التي يثبتها ابن عقيل ليست هي الأحوال التي أثبتها أبو هاشم والباقلاني وأمثالهما من المتكلمة، وإن كان ابن عقيل أيضاً يسميها الأحوال أو الإضافات. [ويقرون من الصفات الخبرية بما في القرآن دون الحديث]. الصفات الخبرية كالوجه واليدين وأمثالها. [على ما قد عرف من مذهب المتكلمين. فهؤلاء قسمان:]. موقف قدماء متكلمة الصفاتية من الصفات الخبرية فيه تفصيل، فهم من حيث الجملة -كـ ابن كلاب والأشعري والباقلاني وابن فورك -يثبتون ما هو من الصفات الخبرية، لكن بعضهم خير من بعض في هذا: فمنهم من يثبت الصفات الخبرية القرآنية دون النبوية، ومنهم من يثبت القرآنية وما هو من النبوية .. وهلم جرا. [قسم يتأولونها ويعينون المراد، مثل قولهم: استوى بمعنى استولى، أو بمعنى: علو المكانة والقدر، أو بمعنى: انتهاء الخلق إليه إلى غير ذلك من معاني المتكلمين.]. فيجمعون بين نفي الصفة وبين تأويل النص، أي: أنهم يجمعون بين نفي الصفة في نفس الأمر وبين تأويل النص الذي ورد في إثباتها .. وهذا هو أصله مذهب الجهمية والمعتزلة. [وقسم يقولون: الله أعلم بما أراد بها، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجة عما علمناه]. وهذا القسم يقع في كلام متكلمة الصفاتية من أصحاب أبي الحسن وأمثالهم، الذين لا يعينون التأويل وإن كانوا يجزمون بانتفاء الصفة في نفس الأمر، والمقصود بالصفة هنا: الصفة التي ينفونها؛ لأنه تقدم أنهم يثبتون شيئاً من الصفات وينفون شيئاً آخر.

стр. 234

القائلون بالوقف [وأما القسمان الواقفان: فقوم يقولون: يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال الله، ويجوز ألا يكون المراد صفة الله ونحو ذلك .. وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم]. يفصل المصنف هنا طريقة التفويض، فعلى طريقته هنا يُضاف إلى التفويض: من يعتقد انتفاء الصفة التي فوضها في نفس الأمر، لكنه يفوض اللفظ أو يفوض النص من حيث تعيين المراد، فلا يعين المراد بالنص. والقسم الثاني -وهو المذكور في قوله: وأما القسمان الواقفان-: فهم الذين يجوزون الظاهر ويجوزون عدمه، أي: يجوزون ثبوت الصفة ويجوزون نفيها ولكنهم يفوضون. والفرق بين القسم الثاني من التقسيم الثاني وبين هذا التقسيم يقال فيه: إن الأول مفوض للفظ نافٍ للمعنى، وهذا القسم هو المقصود بقوله: وقسم يقولون: الله أعلم بما أراد بها، لكن نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية فهؤلاء مفوضة للفظ نافية للمعنى الظاهر منه، يعني: ينفون الصفة التي دل عليها النص، لكن تعيين المراد يقفون فيه. والثاني يجوز كلا الأمرين، يعني: يجوز ثبوت الصفة ويجوز عدم ثبوتها، وهذا القسم هو المقصود بقوله: فقوم يقولون: يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال الله، ويجوز ألا يكون المراد صفة الله ونحو ذلك . ثم قال: وقسم يمسكون عن هذا كله، ولا يزيدون على تلاوة القرآن .. وهؤلاء لا يشتغلون بمسألة التجويز من أصلها، وهذا هو الفرق بينهم وبين القسم الذي قبلهم. إذاً صار المفوضة ثلاثة أقسام: الأول: وهم من يفوض اللفظ دون المعنى، بل يجزم بنفي المعنى ويفوض اللفظ عن تعيين المراد به. وهو القسم المذكور في القسمين الذين ينفون الصفة في نفس الأمر. الثاني: وهم الذين يفوضون اللفظ والمعنى، مع تجويز ثبوت الصفة وعدم ثبوتها. الثالث: وهم الذين يفوضون اللفظ والمعنى، لكنهم لا يشتغلون بمسألة تجويز المتقابلين -أي: ثبوت الصفة وعدم ثبوتها-. والقسم الأول في التفويض -وهو تفويض اللفظ ونفي المعنى- هو الذي يستعمله متكلمة الصفاتية فيما نفوه من الصفات حينما يقولون: إن طريقة السلف في هذه الصفات -أي: الصفات الفعلية التي اتفق متكلمة الصفاتية على نفيها، وأعني بمتكلمة الصفاتية الطوائف الثلاث في هذا المقام: الكلابية، الأشعرية، الماتريدية .. - هي التفويض. ومقصودهم بهذا أنهم مفوضة للفظ مع نفي الصفة في نفس الأمر. والقسم الثاني: وهو الذي اشتغل به كثير من الفقهاء ممن لم يعرف حقيقة مذهب المتكلمين ولا حقيقة مذهب السلف، فلم يتأثر تأثراً بيناً بأحد المذهبين. والطريقة الثالثة: وقعت في كلام بعض أعيان الصوفية وغيرهم. [وقوم يمسكون عن هذا كله ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات.]. يعني: لا يشتغلون بتجويز المتقابلين، فيفوضون اللفظ والمعنى تفويضاً مطلقاً؛ ولهذا كان أشدهم في التفويض القسم الثالث، وهم الذين يفوضون اللفظ والمعنى ولا يشتغلون بالتجويز بوجه ما. [فهذه الأقسام الستة لا يمكن أن يخرج الرجل عن قسم منها]. لا يمكن أن يخرج الرجل عن قسم منها هذا هو النتيجة العلمية هنا، وليس المقصود: أن هذه الأقسام الستة هي عبارة عن ست طوائف منضبطة مطردة، بل إن بعض الفقهاء وبعض المتكلمين يستعملون أكثر من طريقة من هذه الطرق الست التي ذكرها المصنف، وإن كان بعض هذه الطرق اطرد قوم على تحقيقه والتزامه كاطراد المعتزلة -وبخاصة أئمة المعتزلة والجهمية- في مسألة التأويل، وكاطراد أئمة السلف على الإثبات اللائق بجلال الله.

стр. 235

الطريق الحق في باب الأسماء والصفات [والصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها: القطع بالطريقة الثابتة كالآيات والأحاديث الدالة على أن الله فوق عرشه، ويعلم طريقة الصواب في هذا وأمثاله -بدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك- دلالةً لا تحتمل النقيض، وفي بعضها قد يغلب على الظن ذلك مع احتمال النقيض، وتردد المؤمن في ذلك هو بحسب ما يؤتاه من العلم والإيمان ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]. ومن اشتبه عليه ذلك أو غيره فليدع بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا قام يصلي من الليل قال: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون؛ اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) وفي رواية لـ أبي داود أنه كان يكبر في صلاته ثم يقول ذلك. فإذا افتقر العبد إلى الله ودعاه، وأدمن النظر في كلام الله وكلام رسوله وكلام الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين انفتح له طريق الهدى، ثم إن كان قد خبر نهايات إقدام المتفلسفة والمتكلمين في هذا الباب، وعرف أن غالب ما يزعمونه برهاناً هو شبهة]. الطريق الأول: هو أن يدعو الله أن يوفقه للحق .. وهذا من باب ما يشير به المصنف ﵀ إلى أن المتكلمين غلب عليهم مسألة الانتصار لمذاهبهم، ولم يكثروا من الالتفات إلى مسألة التبين في هذا الحق الذي زعموه حقاً، فكثرة الالتفات إلى الانتصار تعمي الناظر في هذا الباب عن تحقيق الحق ومعرفته، ولهذا تراهم -أعني: المتكلمين- مقلدةً محضةً في هذا الباب، يقلد بعضهم بعضاً، ومن خالف في هذا فإنه ينزع إلى طريقة أخرى، فإن أبا المعالي الجويني لما خالف سلفه من الأشعرية نزع إلى طريقة قوم سلفه خير منهم وهم المعتزلة .. وهلم جرا. كذلك الرازي لما خالف أصحابه في كثير من المسائل نزع إلى كثير من كلام ابن سينا وأمثاله ممن كلامهم شر من كلام أصحابه .. وهلم جرا. فتعيين المصنف لمسألة الالتفات إلى الشرع من حيث العلم -أي: النظر في نصوص الكتاب والسنة- ومن حيث القصد بالإخلاص والطلب -الإخلاص لله سبحانه، والطلب أي: طلب التوفيق منه- ولهذا كان من أدبه ﷺ مع ربه: أنه يدعو بهذا الدعاء الذي ذكر المصنف. ولهذا ينبغي لطالب العلم في المسائل التي يقع فيها اضطراب -أحياناً- أو اختلاف شديد أن يلتفت إلى مقام الإخلاص والطلب، ولا يفرض أن هذا الاضطراب يُعرف الحق فيه من غيره بمحض الاختصاص والالتفات إلى السبب العلمي، فإن النظر في الكتب والمراجعة ليس بالضرورة أنه يفيد توفيقاً، وإن كان سبباً شرعياً صحيحاً، لكن ليس بالضرورة أنه يختص بنفسه ويستقل بنفسه في التحصيل. ولهذا لابد من التفات طالب العلم في مقام الاختلاف -وبخاصة في مقام الاضطراب في بعض القضايا- إلى مسألة غير مسألة النظر والمراجعة، وهي: مسألة الإخلاص والطلب، أي: أنه يطلب من الله سبحانه ويسأله أن يوفقه للخير، كما في دعاء النبي ﵌ هذا. ثم قال المصنف: ثم إن كان قد خبر نهاية إقدام المتفلسفة لأنه أشار إلى شيء من ذلك فيما نقله عن الرازي والشهرستاني والجويني وغيرهم، وعرف أن القوم ليس لهم علم في هذا الباب محقق لا عقلي ولا شرعي. ثم قال: وعرف أن غالب ما يزعمونه برهاناً هو شبهة. يقصدون بالبرهان القياس اليقيني، وذلك لأن المنطق الأرسطي قسم القياس إلى خمسة أقسام: ١ - القياس البرهاني، وهم يعدونه أصدق القياسات، وأنه يقيني النتيجة. ٢ - القياس الجدلي. ٣ - القياس الخطابي. ٤ - القياس الشعري. ٥ - القياس السفسطي. فزعم كثير من المتكلمين أن دلائلهم برهانية .. يرد عليه بأن هذه دعوى، وليس كل مبطل سمى قوله برهاناً يجب أن يكون في نفس الأمر برهاناً، كما أن من سمى قوله إصلاحاً من المنافقين لم يلزم في نفس الأمر أن يكون مصلحاً: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة:١١ - ١٢] فهذا المقام -وهو مقام العلم والعمل- لا يؤخذ بالدعوى والألفاظ؛ ولهذا قال المصنف عن برهانهم: هو شبهة أي: شبهات وأوهام من العقل. ومما يدل على هذا أن المتفلسفة كـ ابن رشد -مثلاً- وصف أدلة المتكلمين بأنها بريئة من البرهان، وأنها أقاييس جدلية كما ذكر ذلك في رده على أبي حامد الغزالي، فهو وابن سينا وأمثالهما من المتفلسفة يطعنون في دلائل المعتزلة والمتكلمين كالأشعرية وغيرهم، ويصفونها بأنها دلائل جدلية لا تفيد يقيناً وقطعاً. وبالمقابل: فإن المتكلمين من المعتزلة والأشعرية وأمثالهم طعنوا في أدلة المتفلسفة كـ ابن سينا وابن رشد وأمثالهم، ووصفوها بأنها أدلة ليست يقينية. ثم إن أبا محمد بن حزم يطعن في أدلة الطائفتين -في أدلة المتكلمين وأدلة المتفلسفة- ويزعم أن ما يقرره في باب الصفات هو المقول بالقياس البرهاني. فترى أن كل طائفة تخالف السلف في هذا الباب تدعي أن قولها هو القول البرهاني، وأن قول الطائفة الأخرى التي هي من جنسها في هذا العلم: كالمتكلمين بعضهم مع بعض، والمتفلسفة بعضهم مع بعض، يرى كل طائفة منهم أن قول مخالفيهم من أصحابهم ليس قولاً برهانياً. ولهذا لما ذكر ابن رشد أصناف الناس ذكرهم على هذا الوجه، فقال: إن أخص الطوائف الكلامية هي الأشاعرة، وأما المعتزلة فلم يصلنا شيء من كتبهم في هذه الجزيرة -يعني: الأندلس- ولكن الظن أنهم من جنس الأشعرية. ثم انتهى إلى أن دلائل الأشعرية ومثلها دلائل المعتزلة -على فرضه- دلائل جدلية، وأن الحق البرهاني مخصوص بقول الحكماء -يعني: المتفلسفة-. ثم مال إلى أن ما قرره ابن سينا ليس برهانياً، إنما هو عرفان وإشراق وتصوف في كثير من الموارد. وبهذا يظهر أن الطعن يتردد بين الطوائف في مسألة البرهانية واليقينية. ومن الأمثلة على ذلك أيضاً: أن ابن حزم سفه أدلة المتكلمين والمتفلسفة، ثم ذكر بعض الأدلة وسماها أدلة برهانية عقلية؛ مع أن هذا الدليل عند التحقيق مأخوذ إما من المتكلمين، أو من المتفلسفة، أو مبني على القانون الأرسطي في المنطق الذي يشترك في معرفته والأخذ به كثير من أهل الفلسفة وأهل الكلام، بل إن ابن حزم وصف بعض الأدلة بالبرهانية، وهي دلائل قد قررها قبله علماء الأشاعرة، لكنه غير في بعض ألفاظها وفي بعض ترتيبها، وإلا الدليل من حيث الحقيقة العلمية هو نفسه الدليل الذي ذكره بعض أئمة الأشعرية أو المعتزلة. فمن هنا: يعرف أن كثيراً من هذا المقام مقول بالدعوى وليس بالتحقيق العلمي.

стр. 236

تنبيهات على كتب محمد عابد الجابري [ورأى أن غالب ما يعتمدونه يؤول إلى دعوى لا حقيقة لها، أو شبهة مركبة من قياس فاسد]. كثير من المتكلمين يقرر أدلته لكن قد لا يلتزم بلفظ البرهان كثيراً، فهذا الاطراد في نسبة ابن رشد وفي نسبة أبي محمد بن حزم أنبه فيه إلى كتب شاعت في هذا العصر، وهي كتب محمد عابد الجابري المغربي، فإن له تصنيفاً في دراسة التراث، نقد العقل العربي، وقد أخرج فيه بعض الكتب، من أخص هذه الكتب تكوين العقل العربي وبنية العقل العربي. والشاهد: أن بعض الشباب قد يتأثرون بهذه الكتب، ويظنون أنها دراسة عميقة متكاملة. وقد قسم هذا الرجل التراث الإسلامي الماضي -سواء سني أو كلامي أو فلسفي، مشرقي أو مغربي .. الخ- إلى ثلاثة أقسام: ١ - القسم البياني: وهو الذي يعتمد على البيان. ٢ - القسم العرفاني. ٣ - القسم البرهاني. ومن وهم هذا الكتاب -وربما قد تكون نزعة تعصب- أنه أدخل في المعرفة البيانية أهل السنة -المذاهب الفقهية الأربعة- والمعتزلة، والأشاعرة .. إلخ. ثم أدخل في القسم العرفاني فلاسفة المشرق، أي: أنه جعل رموز فلاسفة المشرق عرفانيين -أي: إشراقيين غنوصيين- كـ ابن سينا، وأبي نصر الفارابي، ومن باب أولى السهروردي وأمثالهم. وهو يريد من هذا أن ينتهي إلى أن أرقى معرفة بالتراث هي المعرفة البرهانية. ثم زعم أن البرهان يقع في فلسفة ابن رشد التي ليست عرفانية كفلسفة ابن سينا -أي: إشراقية غنوصية صوفية- أو في نظريات ابن حزم التي قابلت نظريات المتكلمين المشارقة. فجعل البرهان يقع في العرض المغربي عموماً، سواء عند ابن رشد كفلسفة أو عند ابن حزم كنظر. وهذا التقسيم من حيث الحقائق العلمية المجردة تقسيم ساذج، يعني عليه إشكالات علمية مطولة، من أخص الإشكالات: أنه فرض أن ابن سينا والمشارقة من الفلاسفة عرفانيون فقط، مع أن ابن سينا وكثيراً من فلاسفة المشرق كان لديهم المذهب العرفاني والمذهب النظري الذي يستعمله ابن رشد، يعني: لا يؤمنون بالمذهب الواحد. حتى إن ابن سينا لما صنف الشفاء قال: وما أودعناه في هذا الكتاب فهو جرياً على عادة المشائين -يعني: أرسطو وأتباعه- وأما الحق الذي لا جمجمة فيه فهو ما أودعناه في الحكمة المشرقية. فكان ابن سينا ينظِّر تارةً بالطريقة الإشراقية العرفانية، وتارةً بالطريقة العقلية النظرية. وكذلك ما يتعلق بـ ابن حزم؛ فإنه بالغ في برهانية أدلته، وإن كان معتبره في هذا أن ابن حزم يسمي أدلته برهانية، وابن رشد يسمي أدلته برهانية فهذا ليس كذلك، لأن هذه مجرد دعوى، والمحقق يعرف أن جمهور أدلة ابن حزم التي ذكرها في مسائل الإلهيات على وجه الخصوص ملخص من دلائل المعتزلة على وجه الخصوص، ولكن ابن حزم رتب بعض الألفاظ وقربهما للشرع، ووصف الدليل بالبرهانية؛ حتى إنه لتقارب الدليل بينه وبين المعتزلة صارت نتيجة مذهبه في الصفات من جنس مذهب المعتزلة؛ وهذا يصرح به ابن حزم في كتبه كالفصل ونحوه. المقصود: أن هذه الكتب -أعني: كتب الجابري - تحمل أوهاماً علمية واضحة، ومن لم يكن عارفاً بهذه الكتب الكلامية والفلسفية ككتب ابن سينا أو ابن رشد أو المعتزلة والأشاعرة قد لا يكون له إمكانية واضحة لمعرفة النقد العلمي الذي يتوجه لهذه الكتب، فضلاً عن كونه لم يلتزم -بل هو بعيد كثيراً عن هذا- نصرة مذهب أهل السنة، وهذا نقد آخر، لكن هو أيضاً منتقد حتى من حيث الحقائق العلمية المجردة المرتبة.

стр. 237

دعوى الإجماع عند المعتزلة والأشاعرة [أو قضية كلية لا تصح إلا جزئية، أو دعوى إجماع لا حقيقة له، أو التمسك في المذهب، والدليل بالألفاظ المشتركة]. أو دعوى إجماع بمعنى أن الإجماع الذي يذكره المعتزلة في كتبهم أو الأشاعرة في كتبهم لا يلتفت إليه؛ لأنهم يعنون بالإجماع هنا إجماع طائفتهم، مع أن كثيراً مما قال فيه المعتزلة أو الأشاعرة: إنه إجماع عند طائفتهم، عند التحقيق نجد أن المعتزلة لم تجمع أو أن الأشعرية لم تجمع، بمعنى أنه قد يقول: وقد أجمع أصحابنا -يعني: الأشاعرة- مع أن الأشعرية عند التحقيق قد اختلفوا، ومن ذلك ما حكاه كثير من متأخري الأشعرية أن أصحابهم أجمعوا على نفي الصفات الخبرية في نفس الأمر، مع أن قدماءهم كانوا يثبتونها.

стр. 238

ضرورة معرفة الحق مفصلاً [ثم إن ذلك إذا ركب بألفاظ كثيرة طويلة غريبة عن من لم يعرف اصطلاحهم أوهمت الغر ما يوهمه السراب للعطشان ازداد إيماناً وعلماً بما جاء به الكتاب والسنة، فإن الضد يظهر حسنه الضد، وكل من كان بالباطل أعلم كان للحق أشد تعظيماً وبقدره أعرف إذا هدي إليه.]. وكل من كان بالباطل أعلم كان للحق أشد تعظيماً هذا هو غرض المصنف من نقضه لهذه المذاهب والمناهج. ولكن هنا ينبه: إلى أنه وإن كانت المعرفة بالباطل معرفة رد وإنكار ودفع فاضلة، إلا أنه لا شك أن الأصل هو معرفة الحق بتفصيله، وهنا ينبه إلى أنه في هذا المقام -وبخاصة في مقام الاعتقاد- من الغلط أن يشتغل طالب العلم بمعرفة تفاصيل المناهج المخالفة للسلف، وهو لم يحكم تفاصيل مذهب السلف .. فإن الأصل: معرفة مذهب السلف إجمالاً ثم تفصيلاً، ثم بعد ذلك يعرف مذهب المخالف إجمالاً ثم تفصيلاً إن أمكنه ذلك؛ ولهذا كان علماء السنة من أولهم إلى آخرهم يشتركون في معرفة مذهب السلف على التفصيل، لكن لم يكن جميعهم على معرفة بالأقوال المخالفة على التفصيل؛ بل منهم من اشتغل بمعرفة تفصيلها والرد عليه، ومنهم من عرفها معرفةً مجملة ولم يكن له اختصاص بمعرفة كثير من تفاصيلها. وإن كان ما وقع عليه المصنف -أعني: شيخ الإسلام ﵀ من دراسته لكتب المتفلسفة والمتكلمة وغيرهم -لا شك- مما يحمد له ويثنى عليه به، ولا يجوز لأحد أن يقول: إن السلف الأول لم يشتغلوا هذا الاشتغال؛ لأن لكل مقام ما يناسبه، فقد كان في زمن السلف ﵏ لم تختلط السنة بالبدعة، فكانت البدعة متميزة عن السنة، وكان المبتدعة إذ ذاك كالخوارج أو الجهمية أو المعتزلة مناقضين لأئمة السنة، ولا ترى أشد مناقضة من كون الخوارج قاتلوا الصحابة، وفي زمن الأئمة كان أئمة المعتزلة كـ ابن أبي دؤاد وأمثاله يفتون بقتل كبار أئمة السنة. لكن فيما بعد لما جاء متكلمة الصفاتية وأمثالهم، وانتسبوا للسنة، وانتسب خلق منهم كـ الأشعري لـ أحمد بن حنبل .. إلخ صار هناك اضطراب واختلاط، ولم تتميز السنة عن البدعة عند كثير من الفقهاء وأهل العلم، ومن هنا: كان هذا الاشتغال بالتفصيل هو التحقيق الموافق لمذهب السلف.

стр. 239

من لم يدخل في علم المنطق فهو في عافية [فأما المتوسطون من المتكلمين: فيخاف عليهم ما لا يخاف على من لم يدخل فيه، وعلى من قد أنهاه نهايته، فإن من لم يدخل فيه فهو في عافية، ومن أنهاه فقد عرف الغاية]. علم المنطق من لم يدخل فيه فهو في عافية، ومن حققه وأتقنه عرف ما فيه من الحسن في بعض المسائل أو الترتيبات، وما فيه من الوهم والغلط في بعض المقامات. وأما الذي يخاف فيه: وهو أن يكون الناظر له بعض الفهم لعلم الكلام أو بعض الفهم لقواعد المنطق، فهذا العلم الكلامي غالباً ما يؤثر في المعاني والعلم، والمنطق الذي يأخذ منه أخذاً يسيراً في الغالب أنه يتوهم أثره من جهة أنه يتوهم الاتقان والترتيب للأدلة، وهو ليس كذلك.

стр. 240

النظر إلى أهل الكلام يكون من وجهين [فما بقى يخاف من شيء آخر، فإذا ظهر له الحق هو عطشان إليه قبله. وأما المتوسط فيتوهم بما يتلقاه من المقالات المأخوذة تقليداً لمعظمة هؤلاء. وقد قال بعض الناس: أكثر ما يفسد الدنيا نصف متكلم، ونصف متفقه، ونصف متطبب، ونصف نحوي .. هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان. ومن علم أن المتكلمين -من متفلسفة وغيرهم- في الغالب لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك، يعلم الذكي منهم والعاقل أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة، وأنه حجته ليست ببينة وإنما هي كما قيل فيها: حجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقاً وكل كاسر مكسور ويعلم العليم البصير بهم أنهم من وجه مستحقون ما قاله الشافعي ﵁]. يعني: النظر في أهل الكلام وأمثالهم هو من وجهين عند المصنف: الأول: مستحقون لما قاله الأئمة فيهم، كقول الشافعي: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من أعرض عن كتاب الله وسنته وأقبل على الكلام. الثاني: وهو من نظر إليهم بعين القدر، وذلك من جهة أن القوم ضلوا وقد أوتوا ذكاءً ولم يؤتوا زكاءً، وأوتوا عقولاً ولم يؤتوا فهوماً وتحقيقاً في هذه المقامات الشرعية الفاضلة، فمن هذا يقع لهم مقام الرحمة، وهناك يقع لهم مقام العلم. ودائماً طالب العلم بنظره ينظر بعين العلم تارةً وبعين الرحمة تارة، وهذا هو منهج الأنبياء، وهو منهج من آتاه الله علماً اختص به، كما في قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ [الكهف:٦٥] فالناس يصلحهم مقام الرحمة والرفق، فإن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه، وفي الصحيح: (إن الله رفيق يحب الرفق) وفي الصحيح: (من يحرم الرفق يحرم الخير كله) وهم كذلك يحتاجون إلى العلم؛ فإن الرفق إذا لم يكن بعلم كان تسهيلاً لضلال الخلق، ولم يكن منعاً لضلالهم. [حيث قال: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من أعرض عن كتاب الله وسنته وأقبل على الكلام. ومن وجه آخر: إذا نظرت إليهم بعين القدر -والحيرة مستولية عليهم، والشيطان مستحوذ عليهم- رحمتهم وترفقت بهم، أوتوا ذكاءً وما أوتوا زكاءً، وأعطوا فهوماً وما أعطوا علوماً، وأعطوا سمعاً وأبصاراً وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون]. لا يعني إيراد هذه الآية أن المصنف يقصد أن المتكلمين يدخلون في مسألة الجحد، ولكن من باب القياس، فإن الكفار الذين آتاهم الله سمعاً وأبصاراً وأفئدةً ما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم .. إلخ، فهذا من باب القياس لا من باب أن المصنف يجعل حكم المتكلمين كحكم الكفار. وهذا التحصيل الأخير من المصنف يقع به لطالب العلم: أن من يشتغل بالنزعات العقلانية في هذا العصر يعرف أنه مهما حاول النظر والتحصيل فإن في القصص الماضية عبرة، وذلك من جهة أنك إذا نظرت إلى أئمة الكلام وقرأت في بعض سيرهم، أو نظرت في بعض كتبهم؛ تحقق لك أن كثيراً منهم كانوا على درجة بالغة من الذكاء والعقل، إلا أن النهاية التي حصلوها نهاية ساذجة بشهادتهم على أنفسهم، كما قال الرازي: نهاية إقدام العقول عقال ... . وكما في قول الشهرستاني: لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... . فتجد أن هذه الشهادات من قوم نظروا وتوسعوا، ومن يتقحم هذا المسلك العقلاني في هذا العصر هم أولى بأن تكون نتيجتهم دون أو مقاربة للنتيجة التي تحصل عليها من تقحم هذا المسلك في زمن سبق، مع أنه يحافظ على الحقيقة التي تقدم ذكرها كثيراً، وهي: أن العقل لا يعارض النقل. [ومن كان عليماً بهذه الأمور تبين له بذلك حذق السلف وعلمهم وخبرتهم حيث حذروا عن الكلام ونهوا عنه، وذموا أهله وعابوهم، وعلم أن من ابتغى الهدى في غير الكتاب والسنة لم يزدد من الله إلا بعداً. فنسأل الله العظيم أن يهدينا صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين .. آمين. والحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على محمد خاتم النبيين وآله وصحبه أجمعين].

стр. 241

شرح الحموية [٢١] تضمنت الرسالة الحموية لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مقاصد عديدة، وهي: بيان إسناد مقالة السلف، وبيان إسناد مقالة التعطيل، وبيان معتبر القول في الاسماء والصفات عند أهل السنة وغيرهم من الطوائف، وبيان صلة نفاة متكلمة الصفاتية بمتكلمة الجهمية والمعتزلة الأوائل، وبيان أصناف المنحرفين عن سبيل السلف، والنقل عن أهل الإثبات، والجمع بين العلو والمعية، وبيان غلط المخالفين في تسمية وعقيدة أهل السنة، وبيان أصناف الناس في الأسماء والصفات، والنظر في حال المخالفين.

стр. 242

المقاصد التي تضمنتها الرسالة الحموية تضمنت هذه الرسالة عدة مقاصد، أهمها:- المقصد الأول: بيان إسناد مقالة السلف. المقصد الثاني: بيان إسناد مقالة التعطيل وحال أصحابها. المقصد الثالث: معتبر القول في هذا الباب عند السلف والطوائف الكلامية. المقصد الرابع: صلة نفاة متكلمة الصفاتية بمتكلمة الجهمية والمعتزلة الأوائل في ما وقعوا فيه من النفي والتأويل، وأثر هذا الاتصال في كثير من الفقهاء من أصحاب الأئمة وبعض الصوفية. المقصد الخامس: أصناف المنحرفين عن سبيل السلف في هذا الباب. المقصد السادس: النقل عن جملة المثبتة من أهل السنة أئمة السلف وأئمة أصحابهم ومحققي الفقهاء وبعض المتكلمة والصوفية؛ مما يقرر شيوع مذهب الإثبات، ولو في أصول الصفات. المقصد السابع: الجمع بين علو الرب ومعيته، والرد على من زعم أن قول السلف في المعية هو من باب التأويل الذي نهوا عنه. المقصد الثامن: غلط المخالفين في تسمية وعقيدة أهل السنة. المقصد التاسع: الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها. المقصد العاشر: النظر في حال المخالفين يقع بنظرين: نظر من جهة العلم، ونظر من جهة القدر.

стр. 243

المقصد الأول: بيان إسناد مقالة السلف حيث ابتدأ المصنف ﵀ رسالته بتقرير مقدمات، وقد تضمنت هذه المقدمات نتائج قطعية من جهة ثبوتها ومن جهة دلالتها، وهذه النتائج إنما كانت قطعيةً لأنها انبنت على مقدمات قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وهذه المقدمات وما تحصل عنها من النتائج هي مقدمات نظرية، ويمكن أن نقول بعبارة أخرى: هي أوجه من النظر الشرعي والعقلي يتحصل بتحصيلها لزوماً صحة مذهب السلف، وبطلان مذهب المخالفين لهم. وأما صحة مذهب السلف فيتحقق ذلك من جهة أن المصنف ﵀ قرر أن نبوة محمد ﵌، وما أنزله الله عليه من الكتاب والحكمة .. من جهته هدياً، ومن جهته رسالةً سماوية .. متفق عليه وقطعي بين المسلمين. ثم يقول: فهذا القرآن الذي هو قطعي الهداية عند المسلمين، وهذه السنة النبوية التي هي قطعية الهداية عند المسلمين، لا بد أن يكون القول في أصول الدين قد تضمنه القرآن والسنة؛ ويمتنع أن يكون القرآن الذي نزل هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان، ويمتنع أن تكون السنة النبوية التي هي خير هدي كما في قوله ﷺ : (أما بعد .. فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد) تركا باب أصول الدين بغير إحكام .. وهذا القطع ضروري. ثم يقول المصنف: وقد اتفق المسلمون -حتى المخالفون للسلف كالمعتزلة والأشاعرة .. إلخ- على أن القول في صفات الله وأفعاله من القول في أصول الديانة، فإذا كان من أصول الدين بإجماع المسلمين فإن أصول الدين قد علم أن النبي ﷺ جاء ببيانها وإحكامها ضرورةً، وكذلك القرآن بين هذا الباب أتم البيان، وإذا فرض خلاف ذلك فإنه يعني: أن من أخص أصول الدين -وهو القول في صفات الله وأفعاله- ما لم يبينه الله في كتابه ولا بينه النبي ﵌ في سنته. وترى أن هذا التحصيل تحصيل قطعي، فإذا تحقق أن هذا من القول في أصول الدين، وأن أصول الدين محكمة في الكتاب والسنة لزم من ذلك ألا يكون الناس محتاجين في هذا الباب -ولا في غيره، لكن في هذا الباب آكد- إلى شيء لم يتضمنه الكتاب والسنة، لا من جهة الدلائل ولا من جهة المسائل، بل هذا الباب دلائله ومسائله مقررة في الكتاب والسنة؛ لأنه أصل من أصول الدين. وإذا كان متقرراً عند المسلمين أن النبي ﵌ علّم المسلمين الآداب العامة كآداب الأكل والشرب وأمثالها، وله في هذا سنة معروفة، فمن باب أولى أن يكون ﵌ قد علمهم وبين لهم، وأحكم القول في باب أسماء الرب وصفاته، والذي من خالف ما بعث به النبي ﷺ في هذا الباب فإنه يقع إما في تعطيل الرب عن صفات الكمال، أو في تشبيه الخالق بالمخلوق .. وكلا القولين من مقالات الكفار والملاحدة، بل كان جمهور المشركين لا يقعون في خطأ صريح في هذا الباب، بمعنى أنه كان -من حيث الجملة- مُقَرَاً به، وهذا يتعلق بجنس مسألة الربوبية لا بتحقيق تفصيلها؛ لأن القول في الصفات هو من القول في ربوبية الله تعالى. فإذا كان هذا متحققاً فإن النبي ﵌ ألقى هذا البيان لأصول الدين -ومن أخص أصول الدين القول في الأسماء والصفات- وتلقاه عنه أصحابه، ومن هنا يعلم قطعاً بالتسلسل العلمي العقلي: أن الصحابة ﵃ كانوا محكمين للحق في باب الأسماء والصفات؛ لأنهم تلقوا من الكتاب وعن نبيهم ﵌، وقد تحقق بالضرورة العقلية والشرعية أن القرآن والسنة فيهما البيان؛ فيلزم أن يكون الصحابة قد تلقوا هذا البيان والإحكام. وفرض خلاف ذلك يلزم منه: أن يكون الصحابة إما أنهم لم يفهموا الحق، وإما أنهم قصدوا الإعراض عنه. وكلا الوصفين ممتنع في حق الصحابة؛ لأن الله وصفهم بالعلم والإيمان؛ مما يدل على أنهم محققون لهذا المقام وأمثاله. وقد علم تحقيق الصحابة ﵃ لأصول الإسلام، وهذا مستفيض متفق عليه بين جمهور الأمة إلا من شذ من الرافضة ونحوهم ممن طعنوا في جمهور أصحاب النبي ﷺ إلا نفراً منهم. وإذا كان الصحابة قد أحكموا هذا الباب وعرفوه؛ فيلزم أن يكون التابعون قد تلقوا ذلك عن الصحابة وأخذوا عنهم، وعدم ذلك إما أن يكون سببه: أن الصحابة كتموا الحق الذي علموه، أو أن التابعين أطبقوا على عدم الفهم أو الإعراض عن الأخذ عن الصحابة في هذا الباب .. وكل من هذه الفروضات يعلم امتناعها. وفي آخر زمن التابعين حدثت مقالة التعطيل، واتفق الأئمة إذ ذاك على إنكارها وردها، ثم بعد ذلك ظهرت مقالة التعطيل، وظهرت مقالة التشبيه، وكان موقف الأئمة الذين تلقوا عن التابعين من مقالة التعطيل ومقالة التشبيه موقفاً واضحاً متحققاً، وهو ذمهم لهؤلاء وهؤلاء، وأنهم وسط بين المعطلة والمشبهة. فهذا التسلسل الإسنادي يعلم به: أن مقالة أهل السنة والحديث يتلقاها بعضهم عن بعض؛ ولهذا لما جاء المتأخرون منهم -كـ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وتكلموا في هذا الباب فإن الكلام الذي قرروه منصوص عليه في كتب السنة المسندة، كالكتب التي عينها المصنف وذكرها في رسالته كالسنة لـ عبد الله بن أحمد، ولـ ابن أبي عاصم وأمثالهما .. فهذا من جهة إسناد مقالة السلف؛ ولهذا تراه متسلسلاً، حيث أخذ كل أئمة عمن قبلهم من أئمة السنة والحديث، فتلقى الصحابة عن نبيهم، وتلقى التابعون عن الصحابة، وتلقى من بعد التابعين عن التابعين، ومن بعدهم عمن قبلهم، وهلم جرا، فتجده إسناداً متسلسلاً يحكون الاتفاق على هذا الباب ولا يذكرون في قولهم شيئاً من الخلاف.

стр. 244

المقصد الثاني: بيان إسناد مقالة التعطيل ثم عني المصنف بعد ذلك ببيان إسناد مقالة التعطيل -أي: نفي الصفات التي أظهرها الجهمية والمعتزلة- فقال: إن أول من تكلم بالتعطيل في هذا الباب هو الجعد بن درهم، ثم قتل، ثم أظهر مقالته الجهم بن صفوان الترمذي، وقتل أيضاً، ولكنه أشاعها بعض الشيء فانتشرت هذه المقالة ونسبت إليه. ثم تكلم عن أئمة المعتزلة، مبيناً أنهم وافقوا مقالة جهم في الجملة، وإن كانوا يختلفون مع الجهم بن صفوان في مسألة الأسماء وبعض مسائل هذا الباب، لكنهم يتفقون معه على نفي الصفات. فهذه المقالة إذاً منتهاها من حيث الإسناد العلمي عند المسلمين هو الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وأمثالهما، حتى ولو قلت: إن منتهى هذه المقالة هو بعض أئمة المعتزلة، وأن طريقة المعتزلة مستقلة عن طريقة جهم كما يفرضها بعض النظار، فأيضاً حتى أئمة المعتزلة الذين تكلموا في هذا الباب ليسوا ممن لهم قدم صدق عند الأمة أو عرفوا بالتحقيق أو السنة والأثر، بل كانوا على خلاف مع أئمة السنة والحديث، ولهم طعن عليهم. فهذا الأخذ عرف وتحقق؛ ولهذا اتفق أئمة السلف على ذم الجهمية والمعتزلة إذ ذاك، وعرفوا ببدعتهم عند جمهور المسلمين، حتى من الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة ومن متكلمة الصفاتية: كالكلابية والماتريدية والأشعرية، فإن جميع هذه الطوائف الفقهية والكلامية اتفقوا على ذم الجهمية والمعتزلة؛ وهذا يدل على أن إسناد هذه المقالة ومنتهاها -أعني: مقالة التعطيل- قوم قد أجمع السلف، والفقهاء من بعدهم، وأهل السنة والمنتسبون إليها على ذمهم والطعن فيهم؛ ولهذا لا ترى للمعتزلة قدم صدق محفوظة أو ثناء معروف، وإن كانوا قد يشتغلون ببعض المعارف التي يحسنونها أو يجيدون في بعض الأبواب في أصول الفقه وغيره، لكن هذا لا يكون مطرداً، فضلاً عن أن يكون لهم اختصاص أو تحقيق في باب أصول الدين. فهذا في الجملة هو الإسناد المتحقق. وفيما يتعلق بما بعد ذلك، فإن المصنف يذكر إسناداً يذكره بعض أهل الأخبار، وهو من جهة تلقي الجعد لهذه المقالة، وهو إسناد تارةً يوصل ببعض اليهود وتارةً يوصل ببعض المتفلسفة إلخ. والمتحقق عند النظار من أهل السنة وغيرهم: أن مقالة التعطيل المحضة -وهي نفي أسماء الرب وصفاته أو حتى نفي الصفات نفياً تاماً- مقالة مأخوذة عن قوم من المتفلسفة، سواء صح الإسناد الذي يصلهم ببعض أعيان اليهود أو غيرهم أو لم يصح، فهذا إسناد تاريخي قد لا يكون له ذاك الاعتبار الكثير، لكن باعتبار الحقيقة العلمية فإن هذه المقالة بتمامها -أعني: مقالة التعطيل- على طريقة أئمة الجهمية وأئمة المعتزلة لا شك أنها ليست مقالة لها أصل في الكتاب والسنة، ولا في العقل ابتداءً، فهي ليست مقالة شرعية؛ لأن الكتاب والسنة لم يذكرا هذه المقالة، وليست كذلك مقالة لها ذكر في العقل ابتداءً أو قبول في العقل ابتداءً. والدليل على هذا الكلام: أنه لما جاء المتفلسفة المحضة -أي: الذين نقلوا الفلسفة نقلاً محضاً كـ ابن سينا وأبي نصر الفارابي وأمثالهما، وهم غير أهل الكلام- انتهوا في باب الأسماء والصفات إلى قريب من هذه المقالة، بل إنهم يكادون يتفقون على النتيجة مع أئمة الجهمية وأئمة المعتزلة في مسألة الصفات. وأبو نصر الفارابي وابن سينا يصرحون أن هذه المقالة مقالة منقولة عن طريقة أرسطو وأمثاله من الفلاسفة الذين قبل الإسلام. فالمهم: أن هذا الإسناد ينتهي إلى أعيان اتفق جمهور المسلمين على الطعن عليهم، والطعن عليهم لا يختص بأهل السنة وحدهم، بل حتى جمهور الفقهاء وجمهور الصوفية وجمهور متكلمة الصفاتية يطعنون على أئمة المعتزلة والجهمية، إن لم يكن هذا مذهب لسائرهم، ومن المتحقق بطريقة المتفلسفة الذين انتسبوا للإسلام كـ ابن سينا وغيره أن هذه المقالة بتنظيمها هي مقالة فلسفية، وإن كان المعتزلة وقربوها بعض التقريب إلى مقاصد الإسلام؛ ولهذا أصبحت بطريقة المعتزلة مقالةً مولدة. ولهذا تجد أن المعتزلة خاصة -أعني: أئمة المعتزلة- ينتهون إلى نفي الصفات نفياً تاماً كالانتهاء الذي ينتهي إليه ابن سينا، لكن ابن سينا يستعمل الطريقة الفلسفية المحضة، في حين أن المعتزلة يقربون الطريقة إلى الإسلام، ويستعملون بعض المقدمات الشرعية المجملة، وبعض المقدمات العقلية العامة، وإن كانوا لا يستغنون عن المقدمات الفلسفية، وترى هذا متحققاً في دليل الأعراض الذي استعمله المعتزلة لنفي الصفات، فإنه بالمقارنة بينه وبين دليل التركيب الذي استعمله ابن سينا لنفي الصفات؛ نجد أن كلا الدليلين على طريقة ونمط واحد. ومحصل هذا: أن مقالة التعطيل مقالة ينتهي إسنادها إلى نظريات فلسلفية منقولة ليس عليها أثرة شرعية، بل ولا أثرة عقلية مبتدعة -أي: ابتدعها العقل دون الالتزام بقوانين فلسفية معينة-. ولهذا لا تجد أن الأدلة الكبار التي تستعملها المعتزلة بل حتى الأشعرية -وإن كان هذا مقصداً يأتي التنبيه إليه- إلا وهي تتضمن بعض القوانين الفلسفية التي كان يستعملها أئمة الفلاسفة قبل الإسلام كـ أرسطو وغيره، وإن كان يُعلم أن الإسلاميين الذين تكلموا بهذه المقالات التي كان يتكلم بها أئمة الفلسفة لم يوافقوا أئمة الفلسفة موافقةً مطلقة، ولكن مقالاتهم محصلة من طريقة أولئك. ولهذا انتهى ابن سينا إلى إثبات مسألة الوجود المطلق بشرط الإطلاق، والتزم تقرير التجريد في كتبه تقريراً مطولاً، وانتهى إلى عدم إثبات الصفات الثبوتية مطلقاً، وإنما يقع عنده إثبات صفات السلوب أو الإضافات أو المركبات. وهذا الأسلوب وإن كان غلب عليه النمط الفلسفي إلا أن النتيجة المعتزلية الأولى عند أبي الهذيل العلاف وأبي إسحاق النظام وأمثالهما، ومن باب أولى عند جهم بن صفوان والجعد بن درهم هي من حيث النتيجة واحدة، وإن كان تقرير المتفلسفة كـ ابن سينا أخذ الحروف الفلسفية، في حين أن المتكلمين كأئمة الجهمية وأئمة المعتزلة صارت حروفهم مولدة من أنماط فلسفية وأنماط لغوية الخ. فمن هنا يتحصل: أن هذا الإسناد ينتهي إلى قوم ممن عرف كفرهم وإلحادهم وهم المتفلسفة، وهذا انقطاع صريح في مقالة التعطيل.

стр. 245

المقصد الثالث: بيان معتبر القول في باب الأسماء والصفات عند أهل السنة والطوائف المقصد الثالث في كلام شيخ الإسلام ﵀، وهو: معتبر القول في باب الأسماء والصفات عند أهل السنة والطوائف. أما عند أهل السنة والجماعة: فإن هذا الباب يُحكم بالكتاب والسنة كما قال الإمام أحمد: نصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﵌ لا يتجاوز القرآن والحديث. فدلائل الكتاب والسنة هي الحاكمة في باب الأسماء والصفات، وإن كان ينبه في هذه الدلائل إلى مسألتين: الأولى: أن دلائل الكتاب والسنة ليست دلائل خبرية محضة كما زعمه كثير من غلاة المتكلمين، وعن هذا قالوا: تعارض العقل والنقل؛ ولهذا يصنف غلاتهم الدلائل النقلية السمعية القرآنية النبوية بأنها دلائل خبرية محضة مبنية على صدق المخبر. ومقصودهم بأنها خبرية محضة: أي أنها لم تتضمن ترتيباً أو تصحيحاً عقلياً، وإنما تصحيحها من جهة أن الذي تكلم بها كالنبي ﷺ أو جاءت في القرآن الذي قد علم لزوم صدقه. وهذا الطعن في دلائل القرآن قد نبه شيخ الإسلام إلى أنه قد استعمله كثير من غلاة المتكلمين بالتصريح، قال: وهو حال عامتهم وإن لم يفصحوا به. والحق أن دلائل الكتاب والسنة وإن كانت دلائل خبرية من جهة أنها قرآن وحديث يروى عن النبي ﵌، وهي دلائل شرعية -ولا شك- في سائر مواردها، لكنها ليست خبريةً محضةً في سائر الموارد، وإذا قلنا: ليست خبريةً محضة في سائر الموارد؛ بمعنى: أنها ليست مبنية على صدق المخبر فحسب، ولهذا ترى أن من دلائل الكتاب والسنة ما يصححه ويقبله من لم يدخل دين الإسلام ويؤمن بصدق نبوة النبي ﵌. ففي القرآن استعملت الأدلة الخبرية المحضة، أي: التي يخبر بها الرب في كتابه، أو يخبر النبي عن ربه ببعض الصفات السمعية المقصورة على ورود السمع. مثلاً: أخبر في القرآن في سبعة مواضع أنه استوى على العرش، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فهذه الآية وأمثالها من آيات الاستواء يقال: إنها دليل خبري محض. أي: ليس له ترتيب عقلي سابق؛ بمعنى أن العقل لا يمكن أن يدرك هذه الصفة قبل ورود الشرع بها، وإن كان العقل بعد ورود الشرع بالصفة لا يمكن أن يقع في معارضته أو مخالفته. كذلك ما ورد عن النبي ﵌ في الصحيحين من حديث أبي هريرة حيث قال: (ينزل ربنا ﵎ إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر ...) فهذا أيضاً دليل نبوي خبري محض، ومعنى قولنا: خبري محض أنه لولا أن النبي ﵌ أخبر بنزول الله إلى السماء الدنيا لما كان لأحد أن يصل إلى ذلك. لكن فيما يتعلق بعلو الرب ، فقد جاء ذكره في القرآن أكثر من ذكر الاستواء، ولكن الإيمان بأن الله بائن عن خلقه، وأنه علي عليهم، هذا حقيقة يقر بها العقل ابتداءً. كذلك الإيمان بأن الله سميع بصير .. هذه حقيقة يقر بها العقل ابتداءً، وإن كان الشرع جاء بها؛ ولهذا قد ترى في بعض الدلائل أو بعض الأخبار القرآنية إخبار عما يقر به العقل ابتداءً؛ فيكون خبر الشارع تقريراً وتحقيقاً وضبطاً لهذا المورد الذي يقر به العقل ابتداءً، وهي معاني الربوبية الأساسية الأولى، والتي فطر جمهور الخلق على الإقرار بها ومعرفتها، وتراها في آيات الله الكونية كثيرة. كذلك يقع في كثير من الدلائل القرآنية والنبوية ما هو من الترتيب العقلي، وإن كان الدليل من حيث هو قرآني، فهو دليل شرعي خبري؛ لكنه غير مقصور على مسألة التصديق المحضة -أي: تصديق المخبر- بل هو تصديق عقلي. مثال ذلك: في قوله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام:٧٥] فإبراهيم ﵇ هنا يريد مناظرة قومه الذين كانوا يشركون في الربوبية والألوهية على طريق الصابئة، حيث يرون أن الكواكب لها من التأثير في الحوادث السفلية شيء كثير، وأن الحوادث السفلية -كما هو رأي المتفلسفة- فرع عن أثر الكواكب العلوية. فناظرهم إبراهيم ﵇ كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٥ - ٧٦] فهذه الآية من حيث هي قرآن، لكن هل ألزم إبراهيم قومه هنا بكونهم يعتبرون صدقه أو يعتبرون نبوته أم بطريقة عقلية ملزمة لهم؟ الجواب: بطريقة عقلية ملزمة لهم، فإنه لما رأى الكوكب قال: هذا ربي. يعني: هذا الذي يؤثر في الحوادث، وليس مقصود إبراهيم ﵇ في هذه المناظرة المفروضة: أن هذا رب العالمين؛ لأن قومه -كما نص شيخ الإسلام كثيراً على هذا المعنى- ما كانوا يعدون الواحد من الكواكب هو رب العالمين، وإنما كانوا يعتبرون لكل نوع من الكواكب اختصاصاً ببعض الآثار السفلية، فالأمطار -مثلاً- فرع عن حركة الزهرة، والرياح فرع عن حركة كذا وهلم جرا. قال شيخ الإسلام: ولهذا كانوا يشركون في الربوبية كما أنهم يشركون في الألوهية. أي: لم يكونوا ينكرون أصل مسألة الربوبية من أصلها، وإنما كانوا يشركون فيها كما هو المعروف في كلام المتفلسفة بالترقي؛ ولهذا لما أخذ ابن سينا عن هؤلاء أثبت مسألة العقول العشرة والنفوس التسعة. ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٧٦ - ٧٨] ثم قال تعالى بعد ذلك: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:٨٣]. فهذه المناظرة من حيث هي آيات قرآنية يقال: إنها دلائل سمعية قرآنية نقلية؛ ولكن ترى أنها مستعملة بمقدمات عقلية، فالمسلمون يقرون بها باعتبار صدق المخبر وهي أنها قرآن من عند الله وهو أصدق القائلين، وباعتبارها مبنية على الترتيب العقلي كذلك؛ ولهذا يخاطب بها حتى الكفار. ولهذا إذا سمع الكفار بعض مثل هذه الصياغات القرآنية ربما أسلم الواحد منهم عن مثل ذلك، كما ثبت ذلك في قصة جبير بن مطعم -كما في صحيح البخاري -: لما أتى المدينة والنبي ﵌ يقرأ في صلاة المغرب بالطور، حتى قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]. فترى أن هذا القياس العقلي الضروري يدل على أن الله هو الخالق لهم؛ لامتناع أن يكونوا خلقوا من غير شيء، ولامتناع أن يكونوا هم خلقوا أنفسهم؛ فيلزم ضرورة أن الله هو الذي خلقهم. كذلك قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] هذا اعتراض من بعض الكفار على مسألة المعاد، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩] وهذا الخطاب للنبي قل للرد على المنكر وإن كان يستفيد منه ويتعظ به الجميع، لكن هو في الأصل هو رد على المنكرين: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩] بمعنى أن الله خلق الخلق من العدم، فمن باب أولى أن يعادوا إذا كانوا رميماً، وهذا من القياس العقلي الضروري. وهكذا القرآن تضمن كثيراً من ذلك، وهذا هو مقصود شيخ الإسلام لما قال: إن كثيراً من غلاة المتكلمين يقولون: إن دلائل القرآن والحديث دلائل خبرية محضة. أي: ليس فيها تقرير عقلي، بل هي مجرد أخبار تصديقية، والحق أن القرآن والحديث بعضه خبري محض وبعضه خبري تصديقي من جهة المخبر به، لكنه من جهة ترتيب المقدمات فيه يكون عقلياً، أي: يخاطب سائر العقول. وهذا يتعلق بكوننا نقول: إن مذهب السلف هو اعتبار هذا الباب -بل وغيره- بالكتاب والسنة، وقد ترى أحياناً أنه يقال: هذا الباب معتبر بالكتاب والسنة والإجماع. وأحياناً يقال: هذا الباب معتبر بالكتاب والسنة، ولا فرق بين الأمرين؛ لأن الإجماع لا بد أن يكون عن نص من الكتاب أو السنة. هذا هو معتبر أهل السنة في هذا الباب؛ ولهذا لو قيل: ما موقف أهل السنة من العقل؟ قلنا: لم يبطل القرآن مسألة العقل من أصلها، فإن بعض دلائله -كما أسلفت- مركبة على الطريقة العقلية، وقد اعتبر الله مسألة العقل، فهو أخص المدارك للوصول إلى الإيمان، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] فقدم المدرك العقلي على مدرك السمع والبصر، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الحج:٤٦]. وفي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف:١٨٥] والنظر وإن كان بالبصر إلا أنه يرجع إلى المدرك العقل

стр. 246

المقصد الرابع: بيان صلة نفاة متكلمة الصفاتية بمتكلمة الجهمية والمعتزلة الأوائل المقصد الرابع: وهو صلة نفاة متكلمة الصفاتية بمتكلمة الجهمية والمعتزلة الأوائل الذين ذمهم السلف. الإشكال في باب الأسماء والصفات لم يقع كثيراً بقول المعتزلة والجهمية وإن كانوا هم الأصل في هذا الباب؛ لأن قول المعتزلة -وبخاصة أئمة المعتزلة- وقول الجهمية قد علم تميزه عن قول أهل السنة والجماعة، وحصل بين أئمة السلف وبين أئمة الجهمية والمعتزلة ما هو معروف من الرد والاختلاف والتمايز، ولم ينتسب أئمة الجهمية والمعتزلة لأهل السنة أو شيء من طرقهم، فهم مباينون للسلف في الانتماء وفي الحقيقة العلمية، ومن هنا لا يكون في قولهم ذاك الإشكال الكثير. لكن لما جاء متكلمة الصفاتية ممن اشتغلوا بشيء من النفي -وأخصهم ثلاث طوائف: الكلابية، والأشعرية، والماتريدية- اتفقوا على ذم المعتزلة والجهمية، حتى إن أكثر ما تراه في كتب الماتريدية والأشاعرة وما نقل عن كتب الكلابية -بل ما في كتب بعض الكلابية كـ الحارث بن أسد المحاسبي - في الغالب أنه ردود مفصلة على المعتزلة. كذلك انتسب متكلمة الصفاتية -في الجملة- لأهل السنة، وهم -في الجملة- يثبتون أصول الصفات -وإن كانوا يختلفون في القدر الذي يثبتونه- والغالب عليهم الانتساب لأحد الأئمة الأربعة في الفقه، وكثير من أئمتهم يعظمون مذهب السلف تعظيماً صريحاً كما هي حال الأشعري وأمثاله .. فلهذه الأسباب ولغيرها أيضاً وقع اشتباه كثير في هذه المذاهب المتأخرة، فتأثر بها طوائف من الفقهاء وبعض الصوفية، بل وشاعت في المتكلمين الذين ينتسبون للسنة والجماعة، والذين يفرضون أنهم مفارقون مباينون لطريقة المعتزلة. وقد عني المصنف كثيراً بالتحقيق في هذا المقصد والتوسط فيه والعدل؛ فقال ﵀: وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس مثل أكثر التأويلات التي يذكرها أبو بكر بن فورك وأمثاله هي بعينها تأويلات بشر المريسي الذي ذمه السلف .. إلخ. بمعنى أن هؤلاء الطوائف الثلاث ومن وافقهم، وإن كانوا قد خالفوا المعتزلة مخالفة حقيقية في بعض المسائل إلا أنهم فيما نفوه وتأولوه قد أخذوه عن الجهمية والمعتزلة، بمعنى أنه ليس في نفس الأمر في هذا الباب إلا أحد ثلاثة مذاهب، وهي المذاهب التاريخية الأولى: إما مذهب أهل السنة، أو مذهب المعطلة النفاة الجهمية والمعتزلة، أو مذهب المشبهة .. هذه هي المذاهب المعتبرة في هذا الباب من حيث الحقيقة العلمية ومن حيث الحقيقة التاريخية، أما من حيث الحقيقة العلمية فإن الحقيقة العلمية لا تخرج عن هذه الفروضات الثلاث: التشبيه، أو النفي الصريح، أو الإثبات مع التنزيه عن التشبيه كما هي طريقة أهل السنة. وأما الواقع التاريخي الأول فإنه في التاريخ الأول كان الأصل زمن الصحابة إلى آخر زمن التابعين هو قول أهل السنة والجماعة، ثم ظهرت مقالة التعطيل، ثم ظهرت مقالة التشبيه. واستقر الأمر على هذه المقالات الثلاث، حتى جاء متكلمة الصفاتية ومال بعضهم كـ محمد بن كرام السجستاني إلى طريقة التشبيه، ومال جمهورهم إلى شيء من الجمع بين طريقة أهل السنة المحضة وبين طريقة التعطيل؛ ولهذا أثبت الأشعرية بعض الصفات ونفوا البعض الآخر؛ ولهذا يكونون فيما نفوه أو تأولوه فرعاً عن المعتزلة والجهمية؛ ولهذا لا يذم الأشاعرة المعتزلة فيما يتفقون معهم على نفيه، إنما فيما تثبته الأشاعرة، فيصير المذهب الأشعري وأمثاله ملفقاً من قول أهل السنة وقول المعتزلة. وهذا الوصل موضع هام عند المصنف وهو يقع في قوله: وهذه التأويلات .. إلخ. وقيمة هذا الوصل: أنه كما أن السلف اتفقوا على ذم الجهمية والمعتزلة -بل حتى الأشاعرة يذمون المعتزلة والجهمية- كذلك الأشاعرة بسبب هذه الصلة مستحقون لنفس هذا الذم في الجملة.

стр. 247

المقصد الخامس: أصناف المنحرفين عن سبيل السلف قال المصنف: والمنحرفون عن سبيلهم ثلاثة أصناف -أي: عن سبيل السلف-: الأول: أهل التخييل: وهم الذين فرضوا نصوص الكتاب والسنة تخييلاً للجمهور، واختصوا الحقيقة العلمية بمن سموهم الحكماء -يعنون الفلاسفة- وهذه طريقة المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متفقه ومتصوف ومتكلم. وقد ظهر المتفلسفة الذين انتسبوا للإسلام بعد علماء الكلام، وكان من أولهم -إن لم يكن هو أولهم كما تذكر بعض الكتب والمصادر: إن أول من تكلم بالطريقة الفلسفية المحضة في التاريخ الإسلامي هو- يعقوب بن إسحاق الكندي، لكن لم يكن له ذاك الشأن المشهور، إنما اشتهر هذا النمط من كلام أبي نصر الفارابي وأبي علي بن سينا. والمتفلسفة في الجملة ينقسمون إلى قسمين: إما نظارية محضة أي يستعملون الطرق الفلسفية النظرية كما هي طريقة أبي الوليد بن رشد وغيره من المتفلسفة، أو عرفانية يستعملون الطرق الباطنية العرفانية التي تنبني على التصوف والإشراق، كما هي طريقة كثير من هؤلاء، وبخاصة الذين انتسبوا إما إلى التشيع وإما إلى التصوف، فإن الباطنية المتفلسفة ينتسبون في الظاهر إلى أحد مذهبين: إما التشيع كما هو شأن أئمة الإسماعيلية والنصيرية، أو إلى التصوف كما هي طريقة أهل وحدة الوجود وأمثالهم كـ ابن عربي وابن سبعين .. إلخ، أو طريقة ابن سينا في بعض أحواله. فالباطنية إذاً: إما باطنية شيعة أو باطنية صوفية. وهم في الحقيقة متفلسفة، وبخاصة في طبقة الأئمة منهم، وإن كان قد ينتسب للإسماعيلية من لا يعرف شيئاً اسمه الفلسفة، بل ربما كان أعرابياً ساذجاً، لكن من حيث أئمة المذهب تراهم متفلسفة أو مقلدة لسلفهم المتفلسفة أصحاب الإشارات والرموز، وهي طريقة تجريدية بعيدة عن الطرق الفلسفية النظرية. وبعض هؤلاء المتفلسفة الذين انتسبوا للإسلام يستعمل كلا المذهبين: المذهب العرفاني والمذهب النظري؛ فيؤمنون بكلا الطريقين كما هو حال ابن سينا؛ فإنه يستعمل الطريقة العرفانية تارة، فتراه إشراقياً تجريدياً غنوصياً، وتراه في بعض كتبه وأحواله نظرياً عقلانياً، بل إنه في كتابه المشهور الإشارات والتنبيهات ركبه من هذه الطريقة وهذه الطريقة، وصرح ابن سينا في غير موضع من كتبه أنه يؤمن بكلا الطريقين. كما تأثر بالمنهج الذي صنعه ابن سينا الغزالي في ميزان العمل، فقد ذكر أن مذهبه ثلاثة: مذهب الجدل بالطريقة الكلامية، ومذهب اليقين بالطريقة الصوفية، ومذهب الإرشاد بطريقة الوعظ بالزواجر والدواعي. هذا الصنف الأول وهم أهل التخييل، وهم ملاحدة زنادقة في الجملة، وهم من حيث الحقائق التي توصلوا إليها هي حقائق فلسفية منقولة، إما عن أرسطو كما هي في الطرق النظرية الغالبة أو عن غيره من الفلاسفة المثاليين، إما عن أفلاطون أو عن غيره. هذا هو الصنف الأول، وكما أسلفت أنه تأخر ظهوره من حيث التاريخ عن المتكلمين، وهؤلاء اتفق المسلمون على ذمهم، وصنف حتى أئمة الكلام في الرد عليهم، ومن ذلك كتاب أبي حامد الغزالي كتابه مقاصد الفلاسفة، ثم تهافت الفلاسفة وقد جزم الغزالي بكفر الفلاسفة في ثلاثة مسائل: مسألة إنكار المعاد الجسماني، والقول بأن الله لا يعلم الجزئيات وإنما يعلم الكليات، والقول بقدم العالم. والمصنف هنا يقول: وهم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من المتفقه. وهو يشير بهذا إلى بعض المتفلسفة الذين اشتهروا بشيء من الفقه كما هو حال أبي الوليد بن رشد صاحب كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد فإنه متفقه على مذهب الإمام مالك، وإن كان فيلسوفاً أكثر ما اشتهر بمسألة الفلسفة، وبخاصة الفلسفة الأرسطية المنسوبة لـ أرسطو طاليس؛ لأنه من أكثر من دافع عنه وانتصر لطريقته. ومتصوف كما هو حال ابن عربي وابن سبعين والتلمساني وأمثالهم، فإن هؤلاء وإن عرفوا بالتصوف إلا أن حقائقهم العلمية مبنية على مقدمات فلسفية محضة، بل نظرية وحدة الوجود قد نص أرسطو في بعض كتبه على أنها نظرية فلسفية، وكتب كثيراً في الرد عليها كما ذكر ذلك ابن سينا، وكما ذكر ذلك شيخ الإسلام ﵀. الصنف الثاني: وهم أهل التأويل. وهم الغالب على علماء الكلام، وإن كان ليس كل متكلم هو من أهل التأويل، بل من المتكلمين مشبهة كـ هشام بن الحكم، أو مجسمة كـ محمد بن كرام وأتباعه، لكن جمهور المتكلمين هم من أهل التأويل، وبخاصة أئمة الجهمية والمعتزلة وعامة الأشاعرة والماتريدية، وهم الذين عني المصنف وقصد الرد عليهم؛ لظهور الإشكال في طريقتهم وبخاصة لما انتسب قوم من أصحابها إلى أهل السنة والجماعة، كما هو حال الأشعري وعامة أصحابه. الصنف الثالث: وهم أهل التجهيل. وهذه ليست طائفة مختصة معينة، وإنما هو قول في الصفات شاع في كثير من الطوائف المتأخرة، فاستعمله طائفة من الأشاعرة، واستعمله طائفة من الصوفية، وبعض المنتسبين للسنة من الفقهاء ممن لم يحقق مذهب السلف؛ لأن جمهور الأشاعرة قرروا فيما نفوه من الصفات أن مذهب السلف فيه هو التفويض، وهو الذي يسميه المصنف تجهيلاً.

стр. 248

المقصد السادس: النقل عن أهل الإثبات بمعنى أن المصنف نقل عن أعيان أئمة السلف ما يدل على إثبات الأسماء والصفات، وهذا نقل يقصد حقيقته قصداً تاماً، ولكنه نقل بعد ذلك عن بعض الفقهاء وبعض الصوفية وبعض المتكلمين ليقرر أن ما قرره المتأخرون من الأشاعرة من الاختصاص الحنبلي في هذه المسألة ليس كذلك، وأن الإثبات وبخاصة لمسألة العلو والصفات الخبرية شائع في جنس طوائف المثبتة من المتكلمين والصوفية والفقهاء. هذا مقصود المصنف من هذا النقل؛ ولهذا ليس كل من نقل عنه المصنف فإنه يلتزم صحة ما نقل عنه، أو أنه يعتبر قول هذا الذي نقل عنه في سائر الموارد كما هو معروف في نقله عن الباقلاني أو عن أبي المعالي الجويني أو عن أبي الحسن الأشعري إلى غير ذلك.

стр. 249

المقصد السابع: الجمع بين العلو والمعية المقصد السابع: عناية المصنف بعد هذه النقولات بالجمع بين العلو والمعية؛ وهو يقرر أنه ليس في شيء من نصوص الكتاب والسنة تعارض، وليس في شيء من نصوص الكتاب والسنة ما يعارض العقل، بمعنى: أن النصوص لا تعارض بينها من حيث النص مع النص، ولا تعارض بين النصوص والدلائل العقلية الصحيحة. وأخص ما شغب به كثير من أهل التأويل على السلف: مسألة المعية، حيث قال السلف في المعية العامة: إن الله مع خلقه بعلمه وإحاطته، وفي المعية الخاصة قالوا: بنصره وولايته وتأييده. فيبين المصنف أن هذا ليس من باب تأويل المعية، وأن المعية لا تناقض علو الرب ، فالله هو العلي الأعلى، وهو فوق سماواته مستوٍ على عرشه بائن عن خلقه، وهو مع سائر خلقه بعلمه وإحاطته، ومع أوليائه بنصره وتأييده. وذلك لأن لفظ مع في العربية لا يستلزم الحلول والذاتية، بل هو لمطلق المقارنة والمصاحبة، وهذه المقارنة والمصاحبة قد تكون مماسة، أو قد تكون علمية، أو قد تكون نصراً وتأييداً بحسب السياق، وسياقها في القرآن يمتنع أن يكون يقصد به المماسة والذاتية والحلول؛ لأنه في حق الرب سبحانه. إذاً هي مفسرة في المقامين: إما بالعلم والإحاطة أو بالنصر والتأييد، وإن كانت قد تستعمل في الذاتية والمماسة والحلول بين المخلوقات، كما إذا قيل مثلاً: عقلي معي أو يدي معي أو كتابي معي. فقد يكون مماساً حالاً كما هو في مسألة العقل، أو مماساً كما هو في مسألة: كتابي معي. لكن هذه الفروضات ليست لازمة في مسألة المعية، حتى بين المخلوقات؛ فإن العرب تقول: ما زلنا نسير والقمر معنا. ومع ذلك لم يلزم أن يكون حالاً أو مماساً، وإذا كان هذا متحققاً في المخلوقات بعضها مع بعض في معيتها فهو في حق الخالق من باب أولى.

стр. 250

المقصد الثامن: غلط المخالفين في تسمية وعقيدة أهل الحديث عقيدة أهل السنة والجماعة لا تتلقى إلا من كتب أهل السنة والجماعة، وأوصاف أهل السنة والجماعة لا تتلقى إلا من كتب أهل السنة والجماعة؛ ذلك أن المخالفين طعنوا في اسم أهل السنة فسموهم -كما هو شأن الجهمية مثلاً- حشوية مشبهة، والرافضة تسميهم نواصب وهلم جرا من التسميات التي هي من العدوان والبغي على أئمة السنة والحديث من فقهاء الإسلام وأئمتهم. وكذلك عقيدة أهل السنة التي ذكرها كثير من المتكلمين غير معتبرة، بل عقيدتهم تؤخذ من الكتب المصنفة في عقيدتهم، وهي العقيدة المذكورة في الكتاب والسنة؛ وذلك أن كتب المقالات كالمقالات لـ أبي الحسن الأشعري - مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين - أو الملل والنحل للشهرستاني، أو الفَرق بين الفِرق للبغدادي، أو المحصل للرازي أو اعتقادات فرق المسلمين والمشركين وإن كانت تذكر ما تسميه اعتقاد أهل السنة، على أحد حالين: إما أن أصحابها يذكرون قول أهل السنة بشيء من التفصيل، ولكنهم يقصدون بأهل السنة الأشاعرة كما هو شأن البغدادي في كتابه الفَرق بين الفِرَق؛ فإنه خصص مقالة أهل السنة وشرحها شرحاً مفصلاً، لكنه يقصد بها عقيدة الأشاعرة. أو أنهم أحياناً يذكرون قول أهل السنة وهم يعنون الأئمة لكنهم يجملونه إجمالاً شديداً كما هو شأن أبي الحسن الأشعري في كتاب المقالات. أو أنهم يضيفون إلى السلف أو إلى بعضهم ما يعلم أنه غلط عليهم، كما هو شائع في هذه الكتب التي صنفت في المقالات، وصنفها قوم من أئمة الكلام، كما هو شأن الشهرستاني في كتابه الملل والنحل. ولهذا اعتبر الشهرستاني وأمثاله -وإن كانوا من أعلم الناس بالمقالات- من أجهل الناس بمقالات أهل السنة والحديث. إذاً: عقيدة أهل السنة تتلقى من الكتب المصنفة في عقيدة أهل السنة، وقد ذكر المصنف في رسالته هذه كثيراً منها، أو من الكتب المتأخرة بعد ذلك ككتب شيخ الإسلام ابن تيمية وأمثالها.
следующие страницы →