← Акыда

Акыда · id 37776

شرح الحموية - يوسف الغفيص

يوسف الغفيص

Полный текст (264 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

استخدام السلف للدلائل العقلية وهنا مسألة يحسن التنبيه إليها: وهي أن المصنف يستعمل طريقة الترتيب والمناظرة في عرضه، وقد كان بعض أئمة السلف تارةً يستعملون هذا، وهذا رد على من قال: إن مذهب السلف لا يستعمل الدلائل العقلية. فإن السلف لم يذموا الدلائل العقلية إنما ذموا علم الكلام، وهذا لا يعني أن علومهم مبنية على العقل، لكن لأن العقل لا يعارض الشرع، فإنه لا يذم، ولهذا لا نجد أن السلف ذموا الدلائل العقلية بإطلاق، إنما قد يذمون دليلاً معيناً عقلياً، لكن العبارة المتواترة عن السلف هي ذم علم الكلام، وعلم الكلام هو عبارة عن أدلة مفروضة من العقل لكنها ليست كل الدلائل العقلية، مثلما قد يقال: إن بعض الأحاديث أحاديث موضوعة، فتضاف إلى النبي ﷺ ، وهي في حقيقتها ليست من كلامه، فكذلك الأدلة الكلامية حقيقتها أنها ليست دلائل عقلية؛ فإن العقل الصحيح لا يدل عليها ولا يصححها. وسنرى فيما بعد أن أخص الدلائل الكلامية المستعملة عند جميع الطوائف بلا استثناء لا تخرج عن ثلاثة أدلة من الترتيب العقلي الكلامي: دليل التركيب، والأعراض، والاختصاص. ومن الأمثلة على استخدام السلف للدلائل العقلية: أن الإمام أحمد قال لـ ابن أبي دؤاد: يا أحمد! القرآن مخلوق .. أهذا من الدين أم ليس من الدين؟ فقال ابن أبي دؤاد: هو من الدين. قال: هذا الدين أعرفه النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو لم يعرفوه؟ فقال ابن أبي دؤاد: بل قد عرفوه -طبعاً لا يستطيع أن يقول: لم يعرفوه- فقال له الإمام أحمد: أين هو من كلامهم؟ يعني: أين في كلام النبي ﷺ أو أصحابه وخاصة الخلفاء أن القرآن مخلوق؟ فانقطع ابن أبي دؤاد وانتهى المجلس. فلما كان من الغد قال ابن أبي دؤاد: يا أبا عبد الله! أقلني -يعني: أقلني عن الجواب الأول- فقال الإمام أحمد: أقلتك. قال: لم يعرفوه. قال: دين لم يعرفه النبي ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي جئت لتعرفه أنت؟! فانقطع ثانيةً. فلما كان المجلس الثالث قال ابن أبي دؤاد: يا أحمد! -يعني الإمام أحمد - القرآن غير مخلوق .. أهذا من الدين؟ أراد أن يستعمل نفس المناظرة .. فقال الإمام أحمد: من الدين. قال: عرفه النبي وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو لم يعرفوه؟ قال: عرفوه. قال: أين هو في كلامهم؟ قال الإمام أحمد: اسكت ونسكت. ما معنى هذا الجواب؟ معناه أن كلمة: القرآن غير مخلوق هي نفي لإثبات؛ فقصد الإمام أحمد وأئمة السنة نفي بدعة طرأت، حيث إن هذه البدعة تقول: القرآن مخلوق. فنفاها الأئمة بقولهم: القرآن غير مخلوق. فقوله: اسكت ونسكت أي: لا تقولوا القرآن مخلوق حتى لا ننفي ما قلتم؛ فإنه إذا لم يقع هذا الإثبات المعتزلي الجهمي لم يحتج أئمة السنة إلى نفي شيء لم يقع، فيبقى الناس على معتقد القرآن، أي: على ما صرح به في القرآن وهو: أن القرآن كلام الله كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣].

стр. 37

شرح الحموية [٣] طريقة السلف الصالح ﵏ أسلم وأعلم وأحكم من طريقة الخلف في باب الصفات، وفي غيره من الأبواب؛ فإنه يستحيل أن يكون السلف غير عالمين وغير قائلين بالحق في باب الصفات، بل إنهم قالوا بالحق ونطقوا به وبينوه فلا يجوز اعتقاد غير ما اعتقدوه وبينوه للأمة.

стр. 38

القرون الثلاثة المفضلة كانوا عالمين بالحق قائلين به قال المصنف ﵀: [ثم من المحال أيضاً أن تكون القرون الفاضلة]. بعد أن انتهى المصنف ﵀ من الصحابة أراد جمع القرون الثلاثة الفاضلة: الذين هم الصحابة والتابعون وتابعو التابعين، هذه هي القرون الثلاثة الفاضلة التي شهد لها النبي ﷺ بالخيرية كما في حديث عمران بن حصين في الصحيحين. [القرن الذي بعث فيه رسول الله ﷺ ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم كانوا غير عالمين وغير قائلين في هذا الباب بالحق المبين؛ لأن ضد ذلك إما عدم العلم والقول، وإما اعتقاد نقيض الحق وقول خلاف الصدق، وكلاهما ممتنع]. أي: يمتنع ضرورةً أن يكون الصحابة أو حتى التابعون قد قالوا بالباطل أو كتموا الحق في هذا الباب، خاصة أن التابعين عرف تصريحهم كثيراً في هذا الباب؛ لظهور البدعة المعارضة لمذهب الصحابة ﵃ المتلقى عن نبيهم ﷺ .

стр. 39

السلف يفرقون بين العلم بثبوت الصفة وبين معرفة كيفيتها [أما الأول: فلأن من في قلبه أدنى حياة وطلب للعلم، أو نهمة في العبادة، يكون البحث عن هذا الباب والسؤال عنه، ومعرفة الحق فيه أكبر مقاصده وأعظم مطالبه؛ أعني: بيان ما ينبغي اعتقاده لا معرفة كيفية الرب وصفاته]. قوله: لا معرفة كيفية الرب وصفاته بمعنى: أن ثمة فرقاً بين القول في ثبوت أسماء الله وصفاته وتقرير القول في ذلك، وبين القول في كيفية صفات الباري وكيفية أفعاله، فإن القاعدة التي ذكرها مالك وغيره مطردة في هذا الباب: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وقد كان السلف ﵏ يفرقون بين العلم بثبوت الصفة وقيامها بذات الله ومعرفة معناها، وبين معرفة كيفيتها، فالكيف مجهول؛ لأن الله لا يحاط به علماً، ولا يعرف كيفية صفاته ولا كيفية أفعاله، وإنما تثبت صفاته وأفعاله، وإذا قيل: إنها تثبت. فمعناه من جهة ما يليق بذات الباري، وليست كما يليق بالمخلوقين. وهذا بدهي في عقيدة المسلمين، وإن كان المخالفون كثيراً ما يعارضون هذا البدهي.

стр. 40

الاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم التماثل في الحقيقة عند الإضافة والتخصيص ومحل الإشكال عند الطوائف: أنهم وجدوا أن الصفات التي وصف الله بها نفسه في القرآن، أو وصفه بها النبي ﵌ في كثير من الموارد -وليس دائماً- تضاف إلى المخلوقين، قال الله تعالى عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء:٥٨] وقال عن عبده: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:٢] وقال تعالى عن نفسه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٤٣] وقال عن نبينا ﵌: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] بل قال في آية واحدة: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩] ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] فهذا الاشتراك الذي حصل هو مثار الغلط. يقول شيخ الإسلام ﵀: ومحل الإشكال الذي عرض لعامة النظار من المتكلمين وغيرهم أن الاشتراك في الاسم المطلق يستلزم التماثل في الحقيقة عند الإضافة والتخصيص. قال: وهذا مما يعلم بالعقل والشرع بطلانه. فالمتكلمون ظنوا أن الاشتراك في الاسم المطلق يستلزم التماثل في الحقيقة عند الإضافة والتخصيص. وهذا الظن وهم محض؛ لأن الاسم المطلق الذي وقع به الاشتراك هو كلي لا وجود له في الخارج، ولا يوجد في الخارج إلا المتعينات المضافات المخصصات، بمعنى أنه إذا قيل: يد. فإن هذه الكلمة كلمة مطلقة لم تضف إلى أحد بعينه، فهذا هو الاسم المطلق، وهذا الكلي في الذهن لا يقع في الخارج إلا مضافاً مخصصاً. ولهذا نجد أن المخلوقات -ولله المثل الأعلى- لا يستلزم اشتراكها في الاسم المطلق تماثلها عند الإضافة والتخصيص، بمعنى أنك تقول: رأس الجمل ورأس البعوض، فترى أن الماهية بعد الإضافة مختلفة، فماهية هذا غير ماهية هذا، وشكل هذا غير شكل هذا، فإذا كان الاختلاف بعد الإضافة والتخصيص يطَّرد في المخلوقات فمن باب أولى أن يكون الاختلاف بين الخالق والمخلوق، فلا يكون سمعه سبحانه كسمع المخلوق، ولا بصره كبصرهم، ولا رحمته كرحمتهم، ولا غضبه كغضبهم، ولا رضاه كرضاهم وهلم جرا؛ ولهذا كان ليس كمثله شيء مع أنه موصوف بهذه الصفات؛ لأنها لا تماثل صفات المخلوقين.

стр. 41

الحق في باب الأسماء والصفات محصور فيما أجمع عليه السلف [وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر، وهذا أمر معلوم بالفطرة الوجودية فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضي -الذي هو من أقوى المقتضيات- أن يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة في مجموع عصورهم؟! هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق، وأشدهم إعراضاً عن الله، وأعظمهم إكباباً على طلب الدنيا والغفلة عن ذكر الله تعالى، فكيف يقع في أولئك؟ وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه فهذا لا يعتقده مسلم ولا عاقل عرف حال القوم]. أي: أنه يمتنع أن يكون الحق في الأسماء والصفات لم يعرف تقريره إلا من واقع كلام المتكلمين، سواء قصد بالمتكلمين هنا القدماء منهم كالجهمية والمعتزلة المتقدمة، وهذا يكاد يكون يعلم تأخره وتعذره، لكن بالمقابل فإن كثيراً من الفقهاء يرون أن تقرير مسألة الصفات والأفعال المتعلقة بذات الباري وتحقيقها وقع في كلام المتأخرين من المتكلمين، ولهذا قال من قال بأن الأشعرية هم أنصار أصول الدين، وهم الذين قرروا المعرفة في مسألة أصول الديانة. وهذا لا شك أنه غلط محض، وإن كان يقع في مذهب الأشعرية ما هو من الصواب إلا أنه ليس لهم اختصاص فيه، بمعنى أن الصواب الذي قالوه موجود في كلام السلف وليس لطائفة متأخرة لا الأشعرية ولا الحنبلية ولا الشافعية ولا المالكية ولا الحنفية ولا غير هذه الطوائف اختصاص بشيء من الحق، فإن الحق في هذا الباب محصور فيما قرره أئمة السلف ﵏ وأجمعوا عليه. ولشيوع مثل هذه التوهمات صار بعض الفضلاء من أهل العلم الكبار يضطرب قولهم في هذا، فتجد أن النووي ﵀ قد يقع له بعض هذا الوهم في مثل هذه المسائل، فتجده يقول: وللعلماء مسلكان في هذه النصوص -يعني نصوص الصفات-: التفويض -أو تارة يقول: التوقف- وهو مسلك السلف، والتأويل وهو مسلك أصحابنا المتكلمين. ولا شك أن هذا التقرير غلط، فإن السلف ليسوا مفوضة، والحق ليس في هذا المسلك ولا هذا المسلك، بل في مسلك السلف الذي هو: إثبات المعنى وتفويض الكيفية، فالكيف مجهول والمعنى معلوم كما قرره مالك وغيره. [ثم الكلام في هذا الباب عنهم أكثر من أن يمكن سطره في هذه الفتوى وأضعافها يعرف ذلك من طلبه وتتبعه]. أي: هو مبسوط في كتب السنة المسندة، وهي التي نقلت ألفاظ السلف بأعيانهم وتصريحهم في مسائل الأسماء والصفات كالسنة للخلال وعبد الله بن أحمد، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي، والإبانة لـ ابن بطة، والشريعة للآجري، وكتاب التوحيد لـ ابن خزيمة.

стр. 42

امتناع أن يكون الخالفون أعلم من السالفين [ولا يجوز أيضاً أن يكون الخالفون أعلم من السالفين]. لا يجوز أن يكون الخالفون -أياً كان هذا الخالف، سواء كان من الجهمية أو المعتزلة أو غيرهم- أعلم من السالفين؛ فإن هذا ممتنع بالعقل والشرع؛ لأن هذا الخالف -أو الخلفي- إن كان أخذ الحق من القرآن والحديث لزم أن يكون الصحابة قد أطبقوا على عدم فهم القرآن والحديث في مسائل أصول الدين، وهذا ممتنع؛ لأن الله وصفهم بالعلم ووصفهم بالإيمان، ورضي عنهم ورضوا عنه، فهذا يدل على أنهم محققون لدينهم. أو أن هذا الخلفي حقق هذا العلم بدلائل عقلية أو دلائل فلسفية أو كلامية أو أياً كانت صبغتها فهذا يعلم أنه افتيات على كتاب الله وسنة نبيه، وأنه يعلم بالضرورة هنا أنه يمتنع أن يكون الحق في غير ما قاله الله ورسوله.

стр. 43

ظهور علم الكلام والعلوم الفلسفية سبب الخلاف في باب الأسماء والصفات الناظر في التاريخ العلمي عند المسلمين في المعرفة الإلهية، وبخاصة في مسألة الأسماء والصفات يجد أن فيها إشكالاً عريضاً، مع أن الحق فيها من جهة القرآن والحديث ومذهب السلف واضح تماماً؛ لكن لأنه دخل على المسلمين أسباب، فقد كانت أسباب البدعة التي نشأ عنها مذهب الخوارج في الغالب فتناً طرأت وتكاد تنتهي، بخلاف الفتنة التي ركِّبت عليها هذه المسائل عند المخالفين للسلف؛ فإنها أسباب علمية. فقد ظهر عند المسلمين علم الكلام والعلوم الفلسفية، أما الفلسفة فكانت قبل الإسلام، ونقلت نقلاً إلى المسلمين، وأما العلم الكلامي فليس هناك علم اسمه علم الكلام قبل الإسلام، فهو علم وُلِّد عند طائفة من المسلمين وهو المشكِل، ولهذا تجدهم يحدون هذا العلم ويضبطونه بأنه الاستدلال على العقائد الإيمانية بالدلائل العقلية .. وهذا حد باطل؛ لأن العقائد التي قررها المتكلمون مخالفة للعقائد المنصوص عليها في القرآن والحديث، وإن كانوا أحياناً -كما تقدم- قد يصيبون شيئاً من الحق، لكن لا يختصون بإصابته. ولهذا كان هذا العلم من أسوأ العلوم التي انتشرت عند المسلمين بسبب الاشتغال بالفلسفة، وقد أدى هذا إلى ظهور المتكلمين المتفلسفة الذين وصلوا إلى منحى خطير في تقريرهم لمسائل الإسلام، وظهور التصور الفلسفي على يد ابن عربي وابن سبعين والعفيف التلمساني والصدر القونوي وأمثال هؤلاء من غلاة المتصوفة الذين قرروا التصوف الفلسفي، والذي قابله التصوف النظري العقلي الذي ذكره ابن رشد وأمثاله. [كما قد يقوله بعض الأغبياء]. هذا الوصف من المصنف لقائل هذه المقالة ليس من باب التهكم؛ بل لأن المقالة التي نقلها عنه مقالة متناقضة في العقل، أي: فيها تأخر عقلي، وإذا كان في المقالة تأخر عقلي فإن المعنى يناسب هذا الوصف.

стр. 44

تناقض مقالة: طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم [ممن لم يقدر قدر السلف، بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها من أن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم]. هذه مقالة متناقضة؛ لأن السلامة نتيجة والعلم مقدمة، بمعنى أن العلم يورث السلامة، فإذا قيل: إن مذهب السلف أسلم -أسلم عند الله وأسلم اعتقاداً- لزم أن يكون مبنياً على علم صحيح، وإذا قيل: إن مذهب الخلف أعلم. لزم أن يكون أسلم؛ لأن من حقق العلم فقد أصاب السلامة في دينه وأصاب مقصود الله ومراده ، أما القول بأن مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم فإن هذا تناقض. وبهذا يتبين أن هذه المقالة متناقضة تماماً، فهو أعطى النتيجة للسلف وأعطى المقدمة للخلف، وإلا فإن مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم، وما خالفه يمتنع أن يكون أسلم ويمتنع أن يكون أعلم وأحكم؛ فمن هنا وصف المصنف هذه المقالة بأنها مقالة بعض الأغبياء. وقد شاع ذكر هذه الجملة في كلام كثير من متأخري المتكلمين ومن وافقهم من أصحاب الأئمة. وسبب قولنا: ومن وافقهم من أصحاب الأئمة؛ هو أن المتأخرين من المتكلمين كالأشعرية -مثلاً- هم باعتبار إمامهم -أعني: أبا الحسن الأشعري - أو حتى أتباعه ينتسبون لأحد المذاهب الأربعة، فجمهور الأشعرية إما شافعية من جهة النسبة الفقهية أو مالكية، وفيهم طائفة من الحنفية، فهؤلاء صاروا يطلقون هذه العبارة أو ما هو بمعناها من أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم.

стр. 45

مواقف المخالفين من مذهب السلف وبهذا يتحصل أن طوائف المخالفين على صنفين في موقفهم من مذهب السلف: الأول: وهو صنف الغلاة منهم، وهؤلاء لا ينتحلون مذهب السلف ولا يصوبونه ولا يجوزونه، وهذا هو شأن غلاة أهل البدع كالجهمية وأئمة المعتزلة، ومن تكلم في هذا الباب على طريق التبع من الشيعة وغيرهم، وإنما يخص ذكر الجهمية والمعتزلة لأنهم أخص من تكلم في هذا الباب .. فهذا الصنف: ليس من شعارهم انتحال مذهب السلف، ولا تصويبه ولا تجويزه. الثاني: وهم جمهور المتأخرين من المتكلمين الذين انتسبوا للأئمة في الفقه، وهؤلاء يعلمون أن مذهبهم مخالف لمذهب السلف، ولكنهم يجوزون في هذا الباب -أعني: في باب الأسماء والصفات- طريقتهم التي اتخذها أصحابهم المتكلمون، واتخذها من وافقهم من الفقهاء، ويجوزون في نفس الأمر الطريقة التي ظنوا أنها هي طريقة السلف، فترى أن الأشعري يثبت جملةً من الصفات ويتأول جملةً منها، وأصحابه في الجملة على هذا المنهج، وإن كانوا يختلفون معه في قدر ما يثبت وقدر ما يتأول، ولكنهم يرون أن السلف كانوا مفوضين في هذا الباب، وبخاصة ما يتعلق بمحل التأويل عندهم، أي: أن الصفات التي يصحح الأشعرية أنها ثابتة لله حقيقة يرون أن السلف كذلك كانوا يثبتونها حقيقة كالعلم والسمع والبصر. وإذا جاء القول فيما تتأوله الأشعرية كالصفات الفعلية عند جميع الأشعرية، أو كالصفات الخبرية عند متأخريهم قالوا: إن السلف في هذا الباب كانوا يفوضون ويرون أنه يصح في هذا النوع إما التفويض -ويقولون: إنه مذهب للسلف- وإما التأويل. وموجب هذا التجويز عند الأشاعرة أنهم اعتقدوا عدم ثبوت الصفات الفعلية في نفس الأمر، أو الصفات الخبرية عند متأخريهم بعد طبقة أبي المعالي الجويني، فلما اعتقدوا انتفاء الصفة في نفس الأمر أصبحوا بين حالين: إما أن السياق القرآني فيها يثبت على ظاهره أي: بلا إثبات معنى؛ ولهذا يقولون: وقد كان السلف يجرونها على ظاهرها. ولكن لفظ الظاهر -كما يقرر شيخ الإسلام ﵀ في كتبه- صار لفظاً فيه إجمال. فالقصد: أنهم يصفون مذهب السلف فيما يدخلون فيه التأويل بأنه مذهب تفويض في هذا النوع. ثم هم يرون أن هذا التفويض ليس واجباً وإنما هو جائز، وإذا كان جائزاً فمعناه أنه يجوز في هذا النوع من الصفات التأويل والتفويض؛ ولهذا انتهى المذهب الأشعري إلى صيغة فيها توفيق -باعتبار رأيهم- بين مذهبهم ومذهب السلف؛ لأنه لم يكن من شعارهم في الأصل عدم تجويز مذهب السلف كما كان شأن الجهمية والمعتزلة؛ لأن إمامهم كان ينتسب لأهل السنة. وهذا من باب التناقض الذي وقع فيه الأشاعرة، حيث إنهم جوزوا طريقتهم، وجوزوا التفويض الذي نسبوه للسلف، وقد كان مبنى الطريقة التي انتحلوها في الصفات الفعلية التي أطبق عليها جميع الأشعرية مبني على مسألة تعارض العقل والنقل. وغلطهم من جهة أخرى: أن علماء الأشاعرة إذا تكلموا في مذهب السلف قرروا أن مذهب السلف كان هو التفويض، وعن هذا التقرير الذي ذكره متكلمة الأشعرية ذهبت طائفة من فقهاء المذاهب الأربعة إلى أن مذهب السلف في الصفات الفعلية على وجه الخصوص -وربما وقع في غيرها- هو التفويض. وهذه النسبة -أي: نسبة التفويض إلى السلف- نسبة حادثة، وقد كان المعتزلة الأوائل يعلمون أن مذهب الأئمة الذي عارضهم، وحصلت بسببه المناظرة بينهم وبين السلف كما في زمن الإمام أحمد وغيره أنه لم يكن تفويضاً، وإنما كان النزاع في ثبوت صفات الله أو عدم ثبوتها، أي: هل أن الرب متصف بالصفات أو ليس متصفاً بالصفات. فهذا الوهم الأشعري الذي فيه نوع تلطف مع مذهب السلف هو الذي أوجب -كما يقرر شيخ الإسلام ﵀ خطأ كثير من فضلاء الفقهاء؛ لأنهم رأوا أن كثيراً من الأشعرية في كتبهم لا يطعنون على السلف، وإن كانوا يقررون مخالفتهم، ولكنهم يفرضون في هذا الباب صحة هذا القول أو هذا القول، وهذا نقيده في مسألة الصفات. وإذا قيل هذا فهذا ليس حكماً على جميع أعيان الأشعرية، بل هو حكم مجمل، أي: هذا هو محصل المذهب في الجملة، وإلا فإن بعض علماء الأشاعرة كـ أبي الفتح الشهرستاني في بعض كتبه، ومحمد بن عمر الرازي في بعض كتبه، وأبي المعالي الجويني في بعض كتبه يبينون أن طريقتهم تختلف مع طريقة السلف في نفس الأمر، وأنه يتعذر الجمع بين الطريقتين، ولكن هؤلاء لا يلتزمون هذا القول، بمعنى أنهم يقررونه تارة ويقررون نقيضه تارة أخرى. إذاً: المخالفون للسلف في باب الصفات في موقفهم من مذهب السلف على صنفين: الأول: لا ينتحلون مذهب السلف ولا يصوبونه ولا يجوزونه، بل يرونه باطلاً وتشبيهاً وضلالاً، وهذا هو شأن الجهمية والمعتزلة. الثاني: وهو الغالب على الأشعرية، وإن كان بعض أعيان الأشعرية -كما سلف- تارةً ينزعون إلى طريقة الجهمية والمعتزلة، وكذلك الماتريدية؛ فإن طريقتهم مركبة من الصنف الأول والصنف الثاني، فبعض علماء الماتريدية ينزع إلى الصنف الأول فيحاكي طريقة الجهمية والمعتزلة في ذم مذهب السلف، وبعض فضلاء -وإذا قلنا فضلاء فباعتبار الغلاة في المذهب - ومقتصدة هؤلاء الماتريدية ينزعون إلى الصنف الثاني. إذاً الصنف الثاني -وهم الذين يجوزون مذهب السلف- هم أئمة الأشعرية كـ أبي الحسن والقاضي أبي بكر بن الطيب، وأئمة الكلابية وأمثال هؤلاء. أما متأخرة الأشعرية والماتريدية فإن طريقتهم تنزع إلى الصنف الأول تارة والصنف الآخر تارة. فهذا موجب هذه المقالة، وهي محصلة على الصنف الثاني، فهم يقولون: أسلم؛ لأنهم ظنوا أن مذهب السلف التفويض، وطريقة الخلف أعلم وأحكم؛ لأن هذه الآيات التي اعتقدوا عدم دلالتها على الصفات اشتغلوا هم -يعنون الخلف من أصحابهم- بتأويلها إلى معان يرونها ويظنونها مناسبةً لله ، أي: مناسبة في التأويل لكلام الله ، كقولهم في الاستواء مثلاً: الاستواء فعل فعله بالعرش صار به مستوياً. وفي قوله ﷺ : (ينزل ربنا) قالوا: ينزل أمره أو تنزل رحمته أو ينزل ملك من ملائكته. فمثل هذا التأويل هو الذي قصدوا فيه أن الخلف الذين تكلموا به أعلم وأحكم؛ من جهة أنهم صرفوا اللفظ إلى معنىً مناسب، في حين أن السلف سكتوا عن تعيين هذا المعنى المناسب، ويرون أن السلف والخلف من أصحابهم يتفقون على عدم ثبوت الصفات في نفس الأمر. وهذا غلط شديد من علماء الأشاعرة على السلف، فإن السلف ﵏ لم يكونوا من أهل التفويض، بل طريقة التفويض طريقة حادثة بعد انقراض عصر القرون الثلاثة الفاضلة، وهي طريقة متناقضة في العقل كما سيأتي التنبيه إليه، ولكونها متناقضة -أعني: طريقة التفويض- في العقل فضلاً عن بطلانها في الشرع لم يستعملها أئمة المعتزلة فضلاً عن أئمة السلف.

стр. 46

ذم شيخ الإسلام لقائل هذه المقالة [وإن كانت هذه العبارة إذا صدرت من بعض العلماء قد يعني بها معنىً صحيحاً] هذه الجملة الصواب فيها أنها زيادة من أحد النساخ في كلام شيخ الإسلام، وموجب هذه الإضافة أن المصنف قال: كما يقوله بعض الأغبياء. وقد تقدم سبب هذا الوصف، لكن لكون هذه العبارة أو ما هو في معناها يطلقها كثير من فضلاء الفقهاء، وفضلاء أصحاب الحديث المتأخرين، وطائفة من المتكلمة الذين يعنون بامتداح مذهب السلف أحياناً كـ أبي حامد الغزالي؛ فإنه كثيراً ما يمتدح مذهب السلف في كتبه، وإن كان يخرج عنه كثيراً، سواء في مسائل الصفات أو في مسائل الأحوال والإرادات والتصوف. فلما كان لهؤلاء مقام في العلم وفي الفقه معروف، أضاف بعض النساخ هذا الحرف فقال: وإن كانت هذه العبارة إذا صدرت من بعض العلماء قد يعني بها معنىً صحيحاً. فهم كتبوها كاعتذار، والحق أنها ليست لـ شيخ الإسلام، وهي ليست في محلها، فإن معنى هذا الاعتذار أن شيخ الإسلام إنما ذم قائل هذه المقالة إذا لم يكن من العلماء، وهذا لا يلتزمه المصنف، فهو يقول: وقد صارت مقالة أبي الحسن الأشعري وأمثاله مزلة أقدام لكثير من فضلاء أهل العلم. وثناؤه ﵀ على كثير ممن وقعوا في هذه الأغلاط معروف، حتى إنه أثنى على أبي محمد بن حزم ثناءً شديداً في كثير من كتبه مع أنه في شرح الأصبهانية قال: وأبو محمد بن حزم وأمثاله قد قالوا مقالات في مسائل الصفات مقالاتُ كثير من المعتزلة خير منها، ومقالته في كثير من الموارد تقارب مقالة المتفلسفة. إذاً: كون هذا القائل من العلماء هذا لا يعني شيئاً كثيراً؛ لأن المصنف -أعني: شيخ الإسلام - لا يصف من قال هذه المقالة بأنه خارج عن صفة العلماء، فقد يكون عالماً فقيهاً أصولياً له اشتغال بعلم الحديث .. إلخ، لكن يبقى أن قوله غلط. ومن المعلوم أن كثيراً من فقهاء الشافعية، وفقهاء المالكية، وفقهاء الحنفية، بل وطائفة من الحنابلة وقعوا في مثل هذه الأغلاط والمقالات مع أن مقامهم في العلم مجمع عليه، ولا أحد من أهل العلم والمحققين ينازع في أن لهم مقاماً معروفاً في العلم، لكن يبقى أن قولهم غلط وافتيات على مذهب السلف. فلهذا هذه العبارة ليست بشيء، وواضح من نظمها وتركيبها أنه ليس عليها طابع شيخ الإسلام ﵀، خاصةً أن شيخ الإسلام ذكر هذا المعنى في كتبه كثيراً ولم يعتذر هذا الاعتذار.

стр. 47

علاقة مذهب الخلف بمذهب المتفلسفة [فإن هؤلاء المبتدعين الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة ومن حذا حذوهم على طريقة السلف]. تقدم أن شيخ الإسلام ابن تيمية ضمن هذا الكتاب إشارات دقيقة جداً، فهو يقول: الخلف من المتفلسفة. مع أن المتفلسفة أظهر في الضلال من المعتزلة، والذين قالوا هذه المقالة لا يقصدون بالخلف المعتزلة، إذاً هم من باب أولى لا يقصدون المتفلسفة، وإنما يقصدون أصحابهم من متكلمة الأشعرية وأمثالهم الذين انتسبوا للسنة والأئمة، وعظموا مذهب السلف في الجملة. فكيف يقول شيخ الإسلام هنا: فإن هؤلاء المبتدعين الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة؟ نقول: لم يفضل طريقة المتفلسفة في مسألة الإلهيات بالتمام أحد من علماء الأشاعرة حتى الغلاة منهم، بل طعنهم وتصنيفهم في الرد على طوائف المتفلسفة مشهور، من ذلك ما صنفه وكتبه القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني، وكذلك الشهرستاني في مصارعة الفلاسفة، وأبو حامد الغزالي في تهافت الفلاسفة، ومحمد بن عمر الرازي له تصنيف، وإن كان الرازي هو أخص الأشعرية تعلقاً ببعض مقالات المتفلسفة، ولا سيما مقالات الحسين بن عبد الله بن سينا، فإنه ينقل عنه كثيراً، وإن كان يعترض عليه، لكنه تارةً يصوب بعض مقالاته؛ وهو مشغوف به. لكن لأن الغلط في باب الإلهيات، وبخاصة في باب الأسماء والصفات الذي محصله نفي صفات الله بالجملة عموماً كما هو مذهب الجهمية والمعتزلة، أو نفي ما هو من الصفات ولو الصفات الفعلية وحدها -مركب على الدلائل الفلسفية؛ فباعتبار أن هذه المذاهب نتيجة من نتائج الفلسفة وصف المصنف مذهب الخلف بأنه مذهب المتفلسفة، ولهذا قال: من المتفلسفة ومن حذا حذوهم. لأن الجهمية أخذوا دليلهم من المتفلسفة، وكذلك المعتزلة، بل حتى الأشعرية؛ فإنهم أطبقوا على نفي ما يسمونه حلول الحوادث وهي الصفات الفعلية، وهذا الدليل نفسه دليل فلسفي، بل هو عند التحقيق نفس المذهب، ولكنه مقرب للشريعة كثيراً، وفيه أحرف من الإسلام كثيرة، لكن أصل المادة فيه مادة أرسطية، وقد كان لـ أرسطو طاليس كلام في مسألة الوجود الإلهي، فقد كان يثبت العلة والمعلول، والمحرك الذي لا يتحرك، وإنما تتحرك المعلولات على طريقة الترقي والصدور حركة شوقية .. وهذا المذهب هو الذي استعمله ابن سينا وأمثاله. فمذهب الأشاعرة الذي انتهى إلى امتناع اتصاف الله بصفة فعلية -أي: صفة تتعلق بالقدرة والمشيئة- هو نفس مفهوم نفي الحركة الذي كانوا أرسطو ينفيه ويقول: المحرك الذي لا يتحرك؛ فإن مقصود أرسطو بقوله: لا يتحرك ليس نفي الحركة الجسمانية بالضبط، فإن الحركة بالمفهوم الفلسفي العام هي: كل ما يتعلق بالقدرة والمشيئة. فقول أرسطو: لا يتحرك. هو نفس المحصل الذي دخل على الأشعرية في نفيهم لكل الصفات الموجبة لتعلق الشيء بفعل الرب ومشيئته وقيام الأفعال به؛ ولهذا لم يثبتوا إلا الصفات اللازمة، أما الصفات الفعلية فقد اتفقوا على نفيها سواءً فوضوها أو تأولوها. فحتى المذهب الأشعري عند التحقيق مولد -لا نقول: منقول؛ حتى يكون العرض دقيقاً- من أحد المذاهب الفلسفية.

стр. 48

أصناف المذاهب التي دخلت على المسلمين في مسائل الإلهيات والمذاهب التي دخلت على المسلمين في مسائل الإلهيات صنفان: الأول: صنف مولد، أي: أنه مركب من دلائل فلسلفية ومقدمات عقلية ومقاصد شرعية، بمعنى: أنه ليس منقولاً نقلاً محضاً صريحاً، لكنه مركب في تكوينه وترتيبه من مقدمات فلسفية هي أساس فيه، ومقاصد شرعية عامة، ومقدمات عقلية؛ من المقاصد الشرعية العامة، مثلاً: أن الله منزه عن التشبيه والتمثيل. وهذه هي مقالات المعتزلة، ويشاركهم فيها الأشاعرة والماتريدية، وإن كان قرب المعتزلة إلى الفلسفة أكثر بكثير من قرب الأشاعرة. الثاني: وهي المقالات المنقولة من الفلسفة نقلاً صريحاً، فهي ليست مولدة إنما منقولة بالتمام، وهي المقالات التي تبناها من يسمون بالفلاسفة الإسلاميين أو فلاسفة الإسلام كـ ابن سينا، وأبي نصر الفارابي، وأبي الوليد بن رشد، وباطنيتهم الغلاة كـ المبشر بن فاتك، وأبي يعقوب السجستاني صاحب الأقاليد الملكوتية وأمثال هؤلاء، فإن مقالات هؤلاء مقالات منقولة، بمعنى: أنها أحرف فلسفية منقولة على التمام، وفي الغالب أنها تنقل عن أرسطو. إذاً: قال شيخ الإسلام: من المتفلسفة ومن حذا حذوهم لأنه يعتبر أن كل المذاهب الكلامية -معتزلة أو أشعرية أو ماتريدية- مركبة في نتائجها على مقدمات متلقاة من الفلسفة، وأنه لولا هذه المقدمات الفلسفية لما انتهوا إلى هذه المذاهب، وهذه الشهادة التي قالها شيخ الإسلام في هؤلاء لا تختص به ﵀، فإن أبا الحسن الأشعري لما رجع عن الاعتزال صرح في بعض كتبه أن دليل المعتزلة في الصفات منقول عن الفلاسفة. وإذا كان الأشعري صرح في كتبه أن دليل المعتزلة -وهو دليل الأعراض- دليل فلسفي، وصرح الشهرستاني وغيره أن مذهب المعتزلة في الصفات مذهب فلسفي؛ وإذا كانت حقيقة مذهب الأشاعرة أنه جزء من مذهب المعتزلة؛ لأنهم نفوا طائفة من الصفات وأثبتوا طائفة، إذاً: يصح أن نقول: إن المذهب الأشعري أيضاً جزء من المذهب الفلسفي. ومن العجب أن أبا الحسن الأشعري وصف دليل الأعراض بأنه دليل فلسفي، حتى إنه منعه في بعض كتبه، ثم هو نفسه يستعمله في بعض كتبه التي بنى عليها المذهب! حيث إن كتب الأشعري على صنفين: الأول: كتب انتمائية يقصد بها بيان انتمائه واتجاهه، كالرسالة إلى أهل الثغر، والإبانة. الثاني: كتب قصد بها تقرير المذهب على التفصيل كاللمع والموجز .. وهذه الكتب استعمل فيها دليل الأعراض. فهو يمنع هذا الدليل في بعض كتبه، لكي لا يلتزمه العامة، لكنه يعتقد أنه في نفس الأمر دليل صحيح، ومثله كذلك أبو حامد الغزالي، حيث منعه في بعض كتبه، واستعمله عند الترتيب العقدي للمذهب. وجمهور الأشاعرة يصرحون بصحة الدليل، مع قولهم أنه دليل فلسفي عند المعتزلة، وهذا بسبب إدخالهم بعض التغييرات في مقدماته.

стр. 49

شرح الحموية [٤] اعتمد النفاة للصفات على أدلة عقلية محضة تخالف الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة، ونسبوا إلى السلف عقائد لم تكن من عقيدتهم ومنهجهم، ولأجل اعتماد النفاة على أدلة عقلية نجد أنهم متناقضون فيما يقررونه في عقيدتهم في الصفات، وهذا التناقض هو الذي قادهم إلى الحيرة والاضطراب في آخر الأمر، ورد كل طائفة منهم على الأخرى، وبهذا يعلم بطلان مذاهب المتكلمين، وأن المذهب الحق هو مذهب أهل السنة والجماعة المأخوذ من الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة.

стр. 50

سبب مقالة: طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم قال المصنف ﵀: [إنما أُتُوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف: هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] وأن طريقة الخلف: هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات]. موجب هذه المقالة التي تقول: طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم أن أصحابها كانوا يعتقدون انتفاء الصفات في نفس الأمر، وكانوا يعظمون السلف في الجملة، ويرون ظاهر القرآن على إثباتها، فقالوا: إن السلف كانوا ينفونها في نفس الأمر -أي: يعتقدون عدم ثبوت الصفات الفعلية- لكن موقفهم من آيات القرآن التفويض -أي: لا يتكلمون في معانيها لا إثباتاً ولا نفياً، ويعتقدون انتفاء المعنى الظاهر- والخلف تأولوها كما سلف، فهذا الظن الفاسد -الذي هو جهل وغلط على السلف- هو الذي أوجب هذه المقالة. وبهذه الطريقة -طريقة الأشعرية- يكون الفرق بين السلف وعلماء الأشاعرة هو أن علماء الأشاعرة ذكروا التأويل والسلف لم يذكروا التأويل، ويبقى أن الطائفتين في فهم الأشعرية اتفقوا على نفي الصفات الفعلية، وهذا غلط شديد على السلف، فإن السلف كانوا يثبتون الصفات الواردة في كتاب الله سواء كانت صفات لازمة أو صفات فعلية.

стр. 51

نظرية المجاز في اللغة والخلاف فيها أما مسألة المجاز فقد تكلم فيها أصناف: الأصوليون، وأهل اللغة العربية -وهم الأصل في هذا- والمتكلمون في كتبهم، أما جمهور الأصوليين فإنهم يحكون أن الجمهور على إثبات المجاز في القرآن، وكذلك بعض المفسرين الذين يميلون إلى هذه الطرق يقولون كذلك، وبعض المتكلمين في كتبهم أيضاً يحكون هذا، وإن كانوا يحكون عن طائفة من المتكلمين عدم ثبوت المجاز.

стр. 52

حقيقة موقف شيخ الإسلام من نظرية المجاز من المعلوم أن شيخ الإسلام ﵀ من أشد من تكلم وطعن في مسألة المجاز، وقال: إن القرآن ليس فيه مجاز. وقد تكلم بعض المعاصرين في هذه المسألة، وقال: إن شيخ الإسلام يتناقض؛ فإنه تارةً يطلق في كتبه عبارة المجاز فيقول: وهذا من المجاز اللغوي، وهذا من مجاز اللغة. مع أن له رسائل ومواضع من كلامه يصرح فيها بإبطال المجاز؛ وبعضهم فرض هذا حتى في ابن القيم، مع أن ابن القيم ﵀ -في الجملة- تبعٌ لـ شيخ الإسلام. والصحيح أن القول في المجاز يقع على جهتين: الأولى: المجاز باعتباره من عوارض الألفاظ. الثانية: المجاز باعتباره من عوارض المعاني. والذي أنكره شيخ الإسلام، واشتد في دفعه وإبطاله هو المجاز باعتباره من عوارض المعاني، أما إذا كان من عوارض الألفاظ فهذا يقال: إنه مجرد اصطلاح، وهذا هو الذي جعل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أحياناً يستعمل هذا الحرف، فيقول: وهذا من مجاز اللغة، وفُسر هذا بالمجاز. وجعل ابن القيم يقول هذا كثيراً أحياناً. مثلاً: القول بأن عبارة: رأيت أسداً يخطب. من باب مجاز اللغة .. هذا كاصطلاح لا بأس به، كما أنك تقول: جاء زيد. جاء: فعل ماض، وزيد: فاعل. فإنه لا أحد يستطيع أن يقول لك: هات دليلاً على أن امرؤ القيس سمى زيداً فاعلاً، وأن هذا حال، أو تمييز، أو مفعول به؛ فإن هذه اصطلاحات، وقطعاً أنه لا مشاحة في الاصطلاح، ولا يمكن أن شيخ الإسلام يعارض في اصطلاح لغوي؛ لأن عندنا اصطلاحات شرعية ما عارض فيها لا شيخ الإسلام ولا غيره. كذلك الصيغ المستعملة في علم الحديث، مثلاً: هذا مقطوع، وهذا منقطع، وهذا مرسل، وهذا موقوف، وهذا إسناد صحيح، وهذا إسناد حسن .. هذه اصطلاحات ما تكلم بها الصحابة، لكن لا يمكن لأحد أن يقول: أين تصريح الصحابة بها؟ إذاً: لم يكن شيخ الإسلام ﵀ ينكر المجاز كاصطلاح من عوارض الألفاظ، وإنما وقع نقده واعتراضه عليه باعتباره من عوارض المعاني. وقد يقول قائل: إننا نرى شيخ الإسلام ﵀ في رده لنظرية المجاز ينكرها أحياناً حتى من جهة اللغة الاصطلاحية اللفظية المحضة، فهو يقول مثلاً: ولم يذكر هذا التقسيم أئمة اللغة الكبار كـ الخليل بن أحمد والأصمعي وأمثالهم ويقول: وهذا التقسيم لألفاظ العربية إلى حقيقة ومجاز لم يتكلم به أحد من السلف، ولا أحد من أئمة العربية المتقدمين ويقول: وأصحاب هذا التقسيم لم يذكروا له حداً صحيحاً، فإن المشهور عندهم أن الحقيقة: هو اللفظ الذي وضع في معنىً واستعمل له، والمجاز: هو اللفظ الذي استعمل في غير ما وضع له، وهذا يستلزم العلم بالوضع والاستعمال، قال: أما الاستعمال فهو استعمال أهل اللسان، وهم العرب، قال: فهذا يحفظ، ولكن أين العلم بالوضع؟ وهذا نقد قوي في كلام شيخ الإسلام للمجاز، حيث إنهم يقولون: إن الحقيقة هو اللفظ المستعمل فيما وضع له، والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له. فلابد إذاً أن نعرف الوضع ونعرف الاستعمال. ومن المعلوم أن الاستعمال هو استعمال العرب، لكن الوضع وضع من؟ ولهذا اعتنى علماء المعتزلة الذين دافعوا عن مسألة المجاز ببيان أصل اللغة .. هل هي قياسية، أو سماعية، أو أنها علِّمت لآدم، وكيف اختلف لسان البشر .. إلخ. فـ شيخ الإسلام ﵀ -أحياناً- يعترض على مسألة المجاز حتى من الوجه الاصطلاحي اللفظي، وهذا من باب النقد الاستتباعي؛ بمعنى أنه إذا أراد أن يبطل المجاز باعتباره من عوارض المعاني فإنه يقول: لو أن شخصاً قصد إلى إبطال المجاز جملة وتفصيلاً حتى كاصطلاح، فإن هذا ممكن، فهو يريد أن يصل إلى أن المجاز كما أنه غلط من جهة كونه من عوارض المعاني كذلك يمكن إبطاله من جهة كونه من عوارض الألفاظ والاصطلاح، ومن المعلوم أنه إذا استطيع دفع المجاز باعتباره اصطلاحاً لفظياً فمن باب أولى أنه يمكن دفعه باعتباره من عوارض المعاني. فهو أراد أن يجوز إبطال المجاز حتى كاصطلاح لفظي ليتحقق بطريقة الأولى إبطاله باعتباره من عوارض المعاني. والنتيجة أن شيخ الإسلام ليس لديه موقف حاسم من المجاز كاصطلاح لفظي، وإن كان أحياناً ينقده استتباعاً، إنما موقفه الخاص من المجاز باعتباره من عوارض المعاني.

стр. 53

علاقة المعتزلة بنظرية المجاز في اللغة فإن المعتزلة -وهم أخص من نظم نظرية المجاز في اللغة، وكثير منهم أساطين في العربية- نفوا الصفات بدلائل كلامية مولدة من الفلسفة، فلما انتهوا من النفي وانتهى مذهب المعتزلة إلى أن الرب سبحانه يمتنع قيام الصفات به، رأوا أن نصوص القرآن تعارض النتيجة التي قرروها، فلما وصلوا إلى هذا وهم قوم يسلمون بالقرآن وأنه حق؛ تأولوه حتى لا يعارض النتيجة التي انتهوا إليها.

стр. 54

نقد أدلة مذهب المعتزلة

стр. 55

اعتماد المعتزلة على أدلة مجملة في الكتاب ولهذا نستطيع أن نقول: إن المعتزلة لم يستدلوا على نفي صفة واحدة -وهم ينفون سائر الصفات- بدليل مفصل من الكتاب أو السنة، بل دلائلهم المفصلة دلائل كلامية متلقاة عن الفلاسفة، وغاية ما يستدلون به من القرآن على مذهبهم آيات مجملة كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ففي الآية نفي التشبيه، وهذا صحيح، أن الله منزه عن الشبيه والمثيل. لكن يبقى ما هو حد التشبيه .. ؟ هذا هو محل النزاع.

стр. 56

حقيقة أدلة المعتزلة في نفي الرؤية قد يقول قائل: إننا نرى أن المعتزلة نفوا الرؤية، واستدلوا لنفيها بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] وهذان الدليلان دليلان تفصيليان فكيف نقول: إن المعتزلة لم يستدلوا بدليل تفصيلي في أي صفة مع أن هذين الدليلين مبسوطان في كتبهم؟ نقول: بغض النظر عن كون الاستدلال بهذين الدليلين من القرآن غلطاً، ولكن هب جدلاً أن الآيتين تدلان على نفي الرؤية؛ فإن غاية ما يمكن أن يقال: إن في الآيتين نفياً للرؤية؛ لا تدركه هذا نفي، لن تراني هذا نفي. فلو فرضنا جدلاً أن في الآيتين نفياً للرؤية فهل المعتزلة تنفي الرؤية؟ الجواب: المعتزلة تنفي الرؤية نفي امتناع، بمعنى أنها تقول: إن الرؤية ممتنعة على الله. والذي في القرآن أقصى ما يمكن أن يدل عليه هو النفي فقط، ومن المعلوم أن المنفي لا يلزم أن يكون ممتنعاً؛ فإن الشيء قد ينفى وهو ليس ممتنعاً، لكن لعدم ثبوت سنده، وإذا كان يتعلق بالله سبحانه لعدم مشيئته. إذاً: الشيء ينفى إما لكونه ممتنعاً في ذاته أو لكونه لم يشأه الله، والقرآن إنما نفى فقط، فلو كان المعتزلة يقفون عند القرآن المفصل لقالوا: الرؤيا منفية، والله أعلم هل تصح أو لا تصح؟ لكنهم لم يقفوا عند هذا، بل قالوا: الرؤية ممتنعة؛ مع أن الامتناع درجة أقوى من النفي المطلق، فهم قالوا قولاً أخص مما دل عليه ظاهر القرآن الذي لو فرض جدلاً أنه يدل على قولهم؛ وهذا يدل على أن المذهب زاد على الدلالة القرآنية. ومن هنا نقول: إن المعتزلة لا دليل لهم تفصيلي من القرآن في كل مسائل الصفات. إذاً: لما رأى القوم معارضة القرآن لنتيجتهم -التي هي نفي الصفات- أرادوا تأويل القرآن إلى قولهم، فجاءوا بنظرية المجاز هذه، وهذا هو الذي جعل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يهاجم مسألة المجاز بقوة، فهم قالوا: إن جميع ما ورد في صفات الباري هو من باب المجاز، ومن قواعدهم التي قرروها في المجاز: إن المجاز يصح نفيه. وبهذا قرروا أنه ليس في القرآن دليل واحد على إثبات صفة واحدة؛ لأن كل الآيات من باب المجاز، والمجاز يصح نفيه .. ولا شك أن هذا من الطعن في القرآن. ولو فرض جدلاً صحة نظرية المجاز كنظرية لغوية فإن تطبيقها في مسائل الصفات ممتنع، وهذا له تفصيل آخر ليس هذا مقامه. لكن المهم فهمه هو سبب قصد شيخ الإسلام ﵀ قصداً شديداً إلى رد مسألة المجاز.

стр. 57

الأصول التي اعتمد عليها مذهب المعتزلة المحصل من هذا: هو أن المعتزلة ركبوا مذهبهم من أصلين: الأصل الأول: وهو الذي حصلوا به المذهب، وهو الدلائل الكلامية. الأصل الثاني: وهو الذي تأولوا به القرآن، وهو النظرية المجازية. ولهذا لو قال قائل: إن مذهب المعتزلة وكذا الأشاعرة -فيما يوافقون فيه المعتزلة كباب الصفات الفعلية- محصل بفهم لغوي، وقد عرف كثير من المعتزلة بالحذق في اللسان العربي، فهم فهموا القرآن بحسب كلام العرب؛ ولهذا لا يؤاخذون في قولهم؛ فإننا نقول: هذا الترتيب من جهة النظام العلمي غير صحيح؛ لأن المعتزلة أولاً رتبوا المذهب وحصلوه وانتهت نتيجته عندهم قبل النظر في المسألة اللغوية، فهم رتبوه ترتيباً عقلياً، حيث بنوه على دليل الأعراض، أما القضية اللغوية فقد استدعوها بعد انتهاء المذهب إلى نفي الصفات، لدرء التناقض بين المذهب والقرآن، فتأولوا القرآن بالمجاز. إذاً: لم يتكون مذهب المعتزلة بدلالة اللغة، إنما بدليل عقلي، وأخص الدلائل التي اعتبرتها المعتزلة دليل الأعراض وهو دليل عقلي فلسفي يقوم على مقدمات فلسفية، بل ألفاظه -أصلاً- لم تعرف عند العرب بنفس المقاصد التي قصدها المعتزلة، وسيأتي إن شاء الله ذكره. المهم: أن ما يشيعه الكثير من أن مذهب المعتزلة مذهب بني على فهم لغوي في القرآن لمسألة الصفات .. هذا غلط محض، فإن المعتزلة إذا أرادوا تقرير المذهب في كتبهم فإنهم يدخلون من جهة الدلائل الكلامية، وإذا انتهى تقرير المذهب يبقى المعارضة القرآنية للنتيجة، فيستدعون هنا مسألة اللغة عبر نظرية المجاز. وهذا حتى لا يقول قائل -كما يقول البعض ممن يتكلم في هذا أو يصنف في هذا، ولا سيما بعض الباحثين من المعاصرين-: أن السلف فهموا آيات الصفات من خلال لسان العرب، والمعتزلة فهموا آيات الصفات من خلال لسان العرب؛ فإن هذا غلط محض، فإن المعتزلة لم تستخدم اللسان العربي إلا كجواب عن معارضة القرآن لنتيجتهم التي حصلوها تحصيلاً كلامياً فلسفياً.

стр. 58

كذب المعتزلة والأشاعرة على طريقة السلف [فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها: نبذ الإسلام وراء الظهر. وقد كذبوا على طريقة السلف]. قد كذبوا على طريقة السلف لما قالوا: إن طريقة السلف هي التفويض، هكذا قال الأشاعرة، وقد كان المعتزلة يقولون: السلف مجسمة. وكلمة مجسمة تدل على أن السلف في فهم المعتزلة كانوا يثبتون إثباتاً حقيقياً، ولو كان السلف في فهم المعتزلة مفوضة لما قالوا عنهم مجسمة.

стр. 59

سبب خطأ الأشاعرة في فهم طريقة السلف [وسبب ذلك: اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة]. قوله: اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر، أي: اعتقادهم أن الله لا يتصف بالصفات الفعلية، فلما اعتقدوا بالشبهات التي تلقوها عن المعتزلة وأمثالهم أن الله لا يتصف بالصفات الفعلية قرروا أن مذهب السلف فيها هو التفويض، ومذهب الخلف فيها هو التأويل.

стр. 60

فساد الأدلة العقلية التي اعتمد عليها أهل البدع [التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر -وكان مع ذلك لابد للنصوص من معنى- بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى، وهي التي يسمونها طريقة السلف، وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع تكلف، وهي التي يسمونها طريقة الخلف، فصار هذا الباطل مركباً من فساد العقل والكفر بالسمع]. أما فساد العقل فلأن الدلائل التي استعملها هؤلاء لنفي الصفات دلائل فاسدة بالعقل كما أنها فاسدة بالشرع؛ ولهذا من قواعد شيخ الإسلام: أن كل دليل عقلي يستدل به مبتدع على قول؛ فإن الدلائل العقلية نفسها تدل على بطلان هذا الدليل فضلاً عن الدلائل الشرعية. ولهذا من الخطأ القول بأن الدليل العقلي يرد بالدليل السمعي وحده، بل يرد بالدليل العقلي الصحيح والدليل السمعي؛ لأن العقل لا يعارض السمع.

стр. 61

كل من استدل بدليل سمعي على بدعة فإن ذلك الدليل يدل على رد بدعته من المعلوم أن من استدل بدليل سمعي على بدعة فإن الدليل السمعي -وهذه حقيقة بدهية- لا يدل على بدعته؛ لكن شيخ الإسلام يقول: وقد تأملت عند التحقيق واطرد الأمر عندنا في ذلك أن كل من استدل بدليل سمعي على بدعة؛ فإن هذا الدليل السمعي نفسه يدل على نقيض بدعته .. وهذا ما يسمى بقلب الدليل. مثال ذلك: أن من أخص أدلة المعتزلة على نفي الرؤية: قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] فهنا طريقتان للرد عليهم: إما أن يقال: إن الدليل لا يدل على نفي الرؤية .. وهذا بدهي وواضح. وإما أن يقال -وهذا الذي يستعمله شيخ الإسلام وبعض المحققين من أهل العلم-: إن الدليل نفسه يدل على إثبات الرؤية؛ لأن الله نفى الإدراك ولم ينف الرؤية، والإدراك قدر زائد على الرؤية، فإن من يرى الشيء لا يلزم أن يدركه. فلما نفى القدر الزائد دل على ثبوت ما دونه؛ لأنه لو كان المعنى من أصله منتفياً لما احتيج إلى نفي القدر الزائد. وقد قال رجل لـ ابن عباس: إن الله يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] ويقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] قال له ابن عباس: يا هذا! ألست ترى السماء؟ قال: بلى. قال: أتدركها كلها؟ قال: لا. قال: فالله أعظم. فكل من يبصر من بني آدم اليوم يرون السماء حقيقةً، لكن لا أحد من بني آدم يقول: إنه يدرك كل السماء على ماهيتها. وكذلك يرون الشمس لكن لا يدركونها إدراكاً حقيقياً، ففي هذه الآية قال الله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] لأن الله يرى ولا يدرك، وهذا من كماله، بخلاف المخلوقات؛ فإنها ترى وتدرك. وقد يقال: الشمس لا ندركها. فنقول: لكنها تقبل الإدراك، فأنت ترى البعيد فلا تدرك أهو امرأة أو رجل، لكن هذا البعيد الذي تراه الآن ولا تدركه يقبل الإدراك، بخلاف الباري سبحانه فإنه يرى ولا يدرك، كما أنه يُعلم ولا يحاط به علماً.

стр. 62

أنواع الأدلة العقلية التي اعتمد عليها مخالفو السلف [فإن النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات وهي شبهات]. هنا قاعدة: وهي أن المذاهب المخالفة للسلف رتبت مذاهبها ترتيباً قبلياً من النصوص، بمعنى: أن المذهب بني على دلائل كلامية خاصة، ثم بعد ذلك نظروا في النصوص فربما وفقوا بين بعض النصوص، أو تأولوا بعض النصوص، أو فوضوا بعض النصوص؛ حسب اختلاف المذاهب في هذا، ولكن يبقى أن المذهب -الذي نقول أنه مخالف للسلف- كأساس بني على أدلة يسمونها الدلائل العقلية، وهي دلائل على صنفين:

стр. 63

أدلة عقلية تفصيلية الأول: تفصيلي، بمعنى: أنه يستدل به بعض أعيان المذاهب، ولا يستدل به البعض الآخر، فمن يرى أنه يؤيد المذهب يستعمله، ومن لا يراه كذلك لا يستعمله وهذا يختلف اجتهادهم فيه. مثلاً: في مسألة الصفات الفعلية عند الأشاعرة نجد أن الرازي يستدل بأدلة كثيرة فيها غير الأدلة التي أحياناً يستعملها الجويني، والأدلة التي يستعملها الجويني قد تختلف عن الأدلة التي يستعملها القاضي أبي بكر بن الطيب وأمثاله. فهذه الأدلة التفصيلية ليس لها ذاك الاهتمام في المذهب عند أصحابها، بمعنى أن بطلان هذا الدليل لا يوجب عندهم بطلان المذهب؛ فكل مذهب بل كل كتاب من كتب المتكلمين فيه أدلة تفصيلية، هذه الأدلة ليس لها ذاك الاعتبار عندهم؛ ولهذا نجد أنه يستدل بها بعض أعيانهم وبعض أعيانهم يردون عليه، فـ الرازي مثلاً يبطل أدلة الجويني ويأتي هو بأدلة جديدة. وهذه المسألة ليس لها ذاك الاهتمام، لأن هذا الدليل التفصيلي ضمن أدلة، فإذا صح الدليل أو لم يصح يبقى المذهب موجوداً، فإنه إذا أبطل الدليل رقم تسعة من أدلة الرازي في فهم الأشاعرة فإن هذا لا يعني إبطال المذهب؛ فإن عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول.

стр. 64

أدلة عقلية رئيسية الثاني: وهو الأدلة التي تعتبر معاقد المذاهب، بمعنى أنه إذا أبطل هذا الدليل بطل المذهب حتى عند أصحابه. وهذا النوع من الأدلة عند من خالف السلف في الأسماء والصفات ممن انتسب إلى القبلة، هي في الجملة ترجع إلى ثلاثة أدلة أصول، وغيرها أدلة تفصيلية مرتبة عليها، ليس لها ذاك الاعتبار الكبير عند أصحابها، فضلاً عن غيرهم.

стр. 65

الأدلة العقلية الرئيسية التي اعتمد عليها مخالفو السلف

стр. 66

دليل الأعراض أخص هذه الأدلة: دليل الأعراض. وهذا الدليل استدل به المعتزلة، وكذلك الأشاعرة، والماتريدية، واستدل به كذلك المشبهة كـ هشام بن الحكم ومحمد بن كرام السجستاني. وقد يقول قائل: كيف يستدل بدليل واحد أقوام يختلفون في المذهب كالأشاعرة والمعتزلة، بل يتناقضون؛ فإن المعتزلة خلاف المشبهة، فكيف نقول: إن المشبهة كـ هشام بن الحكم يستدل بدليل الأعراض، والمعتزلة النفاة يستدلون بدليل الأعراض مع أن هذا مذهبه هو التشبيه وهذا مذهبه التعطيل، وبينهما نسبة تضاد. نقول: إن الخلاف يرجع إلى طريقة ترتيب المقدمات في الدليل، يعني كل مذهب يرتب مقدمات تختلف عن المذهب الآخر، فيلتزم نتائج تختلف عن نتائج الآخر، فيبقى أن الدليل بوجه عام يقال: هو دليل الأعراض، ولكن يختلف الترتيب في المقدمات والنتائج. مثلاً: المعتزلة يقولون: إن الصفات أعراض، وأن الأعراض لا تقوم إلا بجسم، والأجسام متماثلة ولا تخلو من الحوادث، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث؛ لامتناع حوادث لا أول لها. والنتيجة من هذا أنهم قالوا بنفي الصفات. فهم جعلوا كل ما يقوم بالذات صفة سواء كان لازماً أو متعلقاً بالقدرة والمشيئة. فلما جاء أبو الحسن الأشعري قال: هذا دليل فلسفي. ثم التزمه بعد أن غير في مقدمته، فقال: العرض عندنا ليس الشيء اللازم، إنما الذي يعرض ويزول، أما اللازم فلا إشكال فيه. ومن هنا أثبت أبو الحسن الأشعري الصفات اللازمة؛ لأنها عنده لا تسمى أعراضاً، فهو قد حصر العرض فيما يعرض ويزول. وهو الشيء الذي يتعلق بالقدرة والمشيئة، ومن هنا نفى الأشعري وجميع أصحابه الصفات الفعلية. أما محمد بن كرام فهو يقول: إن دليل الأعراض يقود إلى إثبات الجسم، وبذلك أثبت الجسم لله وهلم جرا. إذاً: دليل الأعراض هو أكثر الأدلة شيوعاً في المخالفين. وقد ذم كثير من فضلاء أهل العلم والفقهاء وبعض فضلاء المتكلمين هذا الدليل، ولكن الذين ذموه -في الغالب- لم يسلموا من تأثيره، وهذا إذا تكلمنا في غير من حقق في مذهب أهل السنة، وإلا فإن السلف قد ذموا هذا الدليل، وكذلك أتباعهم ذموا هذا الدليل ولم يتأثروا به، لكن من كان من الفقهاء له تأثر بأقوال المتكلمين فإنه قد يذم هذا الدليل مع أن نتيجة المذهب الذي يلتزمه مبنية على نفس هذا الدليل. وبعبارة ممكن أن نلخصها: إن هناك تناقضاً أو عدم توافق بين الموقف النظري والموقف التطبيقي عند أكثر المتأخرين من المتكلمين، فهم يذمون شيئاً ومع ذلك يقعون في نفس ما ذموه أو في تأثير من تأثيره. إذاً: دليل الأعراض: هو أنهم جعلوا الصفات أعراضاً، ورتبوا هذا على أن الأعراض ما يقابل الجوهر، وهذا عند المعتزلة، أو العرض ما يعرض ويزول ولا يبقى زمنين عند الأشاعرة .. وهذا الكلام ليس قضية لغوية من لغة العرب، ولا قضية شرعية منصوص عليها في القرآن. وهذا يدلنا على أن هذه المذاهب كونت تكويناً في الأصل فلسفياً، لكن بحكم إسلامية أصحابها، وانتسابهم للقبلة -ولا شك أن الأشعرية من أهل الإسلام- استدلوا بمقاصد شرعية عامة، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥]. وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] حيث قالوا: إن الأحد هو المنزه عن حلول الحوادث وهلم جرا. هذا الدليل هو أشهر الأدلة، وهذا الدليل -كما تقدم- إذا أبطل عند المعتزلة بطل مذهبهم، وإذا أبطل عند الأشاعرة بطل مذهبهم، حيث إن المذهب في حقيقته مرتب على هذا الدليل.

стр. 67

دليل التخصيص الدليل الثاني: وهو دليل التخصيص. وهو دليل أشار إلى أصله ابن سينا في كثير من كلامه، واستعمله بعض الأشعرية الذين لهم اضطراب أو تطور كثير في المذهب، وأخص من استعمله أبو المعالي الجويني. وهو مقارب لدليل الأعراض، ونتيجته المحصلة: أن الصفات الفعلية تنتفي عن الله؛ لأن التخصيص هو -أي: التخصيص بالقصد المعين- المميز للحوادث، والرب منزه عن حلول الحوادث .. وعلى هذا الترتيب. وهذا الدليل ضيق في الغالب ليس له انتشار واسع.

стр. 68

دليل التركيب الدليل الثالث: وهو الدليل الذي استعمله من يسمون بالفلاسفة الإسلاميين، وهو دليل التركيب، وهذا هو الذي بسطه ابن سينا في كتبه: كالإشارات والتنبيهات، وإن كان ابن سينا رجلاً له انتظامان في الفلسفة: الأول: انتظام عقلي نظري. الثاني: انتظام صوفي إشراقي، أي: أنه تارةً يكون كذا وتارةً يكون كذا. وهو في كتبه مرة على هذا التصنيف ومرة على هذا التصنيف. ومثال هذا: أن من أشهر كتب ابن سينا الإشارات والتنبيهات، هذا الكتاب مركب من الفلسفة النظرية والفلسفة الإشراقية، ولهذا يتكلم في مقامات العارفين كلاماً صوفياً إشراقياً، ويتكلم في مسائل التجريد كلاماً نظرياً عقلياً أحياناً. وفي كتابه الشفاء يستعمل -في الغالب- الطريقة الأرسطية، وإن كان أحياناً يدخل عليه الكلام في مسائل الإشراق والتصوف؛ ولهذا لما صنف كتاب الشفاء -وهو أكبر كتبه الفلسفية- قال: وما أودعناه في هذا الكتاب فهو جرياً على عادة المشائين وأما الحق الذي لا جمجمة فيه فهو ما أودعناه في الحكمة المشرقية يقصد الطريقة الصوفية. المهم: أن دليل التركيب هو المستعمل عند ابن سينا، وأبي نصر الفارابي، وأبي الوليد بن رشد .. إلخ. فهؤلاء المتفلسفة الذين انتسبوا للإسلام هم الذين استعملوا دليل التركيب. وهو دليل يقارب دليل الأعراض في النتيجة لكنه أغلى، أي: دليل غال في النتيجة؛ ولهذا أصحابه يبالغون في تعطيل الباري عن الصفات والأفعال. ولهذا كان مذهب ابن سينا -صاحب هذا الدليل- أن وجود الله وجود مطلق مجرد عن الصفات الثبوتية، وإنما يوصف بالسلوب والإضافات والمركبات، وهذا تعطيل لصفات الباري . وابن سينا هذا ليس له مقام يعرف، فقد كان إسماعيلي المذهب، باطني النشأة، ثم دخل في الفلسفة، واشتد قوله فيها، حتى أتى بمقالات الملاحدة الأرسطية وغيرها على طريقة معروفة في كتبه. المهم: أن هذه الأدلة الثلاثة هي معاقد الاستدلال عند المخالفين للسلف في بناء مذاهبهم التي عطلوا بها صفات الله أو عطلوا بعضها، وهذه هي التي قصدها المصنف في قوله: على أمور عقلية. إذاً: الأمور العقلية صنفان: ١ - صنف تفصيلي: وهذا لا عبرة به كثيراً؛ لأن أصحابه أنفسهم يتعارضون فيه. ٢ - صنف هو معقد المذاهب، وهو ثلاثة أدلة: التخصيص، الأعراض، التركيب.

стр. 69

ما يلزم من يقول: طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم [والسمع حرفوا فيه الكلم عن مواضعه]. حرفوا فيه الكلم عن مواضعه بما سموه تأويلاً. [فلما ابتنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين الكاذبتين]. المقدمة الأولى: اعتقادهم انتفاء الصفات في نفس الأمر أو انتفاء بعض الصفات. المقدمة الثانية: اعتقادهم أن الدلائل العقلية التي تأولوا بها النصوص هي المحققة للحق في هذا الباب،. وإذا كان هذا القول في أصحاب المقالة الأولى - طريقة السلف أسلم .. إلخ - التي قالها من قالها من الأشعرية ومن وافقهم فالمقدمتان: الأولى: انتفاء الصفات في نفس الأمر. الثانية: أنهم اعتقدوا أن السلف كانوا مفوضة وأن الخلف تأولوا هذه النصوص. [كانت النتيجة استجهال السابقين الأولين واستبلاههم]. وذلك لأنهم جعلوا مذهبهم مذهب تفويض، فهم يقرءون القرآن ولا يعرفون معناه كما وصف الله بذلك قوماً: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] أي: إلا قراءة. [فاعتقاد أنهم كانوا قوماً أميين بمنزلة الصالحين من العامة لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي، وأن الخلف الفضلاء حازوا قصد السبق في هذا كله. ثم هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة، بل في غاية الضلال]. قوله: ثم هذا القول أي: قوله بأن مذهب السلف أسلم لكونه تفويضاً، ومذهب الخلف أعلم وأحكم لكونه تأويلاً. وإذا كان المصنف سيصل إلى نتيجة هي أن هذا القول واضح الفساد والامتناع -وهو قول فضلاء الأشاعرة- فمن باب أولى قول غلاة الأشاعرة، فمن باب أولى قول المعتزلة، فمن باب أولى قول المتفلسفة. فمن دقة عرض شيخ الإسلام أنه إذا أراد النقد أو المعارضة لمذاهب متسلسلة قصد أقربها إلى الحق فأبطله بالعقل والسمع؛ لأنه إذا تبين أن أقربها إلى الحق وأفضلها باطل سمعاً وعقلاً فمن باب أولى ما فوقه. فهو ﵀ كثيراً ما يقصد إبطال طريقة من يسميهم بفضلاء الأشاعرة؛ ليتحقق بطريقة الأولى بطلان طريقة غلاة الأشاعرة، ليتحقق بطريقة الأولى الثانية بطلان مذهب المعتزلة، وبطريقة الأولى كذلك بطلان طريقة الجهمية الغالية، ثم بطلان مذهب المتفلسفة.

стр. 70

تناقض مقالة: طريقة السلف ... مع حال الخلف [كيف يكون هؤلاء المتأخرون لا سيما والإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين الذين كثر في باب الدين اضطرابهم، وغلظ عن معرفة الله حجابهم، وأخبر الواقف على نهاية إقدامهم بما انتهى إليه أمرهم حيث يقول: لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائر ... على ذقن أو قارعاً سن نادم]. يقول المصنف: كيف يقال هذا القول مع أننا نجد أن أئمة الخلف هؤلاء -يعني: أئمة الأشاعرة- صرحوا في كتبهم بأن طريقتهم لم توصلهم إلى حق؟

стр. 71

اضطراب الشهرستاني وحيرته فـ الشهرستاني قال في مقدمة كتابه: نهاية الإقدام: وقد طلب مني من طاعته غنم وإجابته حتم أن أكتب له ما تحصل عندنا في هذا الباب، ولعمري لقد استسمن ذا ورم. ثم قال كلاماً وأنشأ بعده أو تقلد هذين البيتين في مقدمة كتاب نهاية الإقدام، فقال: لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائر ... على ذقن أو قارعاً سن نادم وقد رد عليه من رد من أصحاب السنة، فقال: لعلك يا أستاذ ما زرت أحمداً ... رسول الهدى المبعوث من آل هاشم أي: لو أنه أتى لمعين مذهب السلف لأصابه. فإن الشهرستاني قطعاً لم يفهم مذهب السلف؛ لأنه شرح مذهب السلف في كتابه الملل والنحل شرحاً غلطاً، بل من العجب أنه خالف جمهور أصحابه وقال: إن السلف كان منهم مشبهة! وهذا القول لا يقوله جمهور الأشاعرة، ولهذا وإن كان كتابه الملل والنحل من أكبر كتب المقالات وأوسعها، لكنه من أجهل الكتب بتحصيل مذهب السلف.

стр. 72

اضطراب الرازي وحيرته [وأقروا على أنفسهم بما قالوه متمثلين به أو منشدين له فيما صنفوه من كتبهم كقول بعض رؤسائهم: نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذىً ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]. ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه:١١٠] ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي]. هذا الكلام لـ محمد بن عمر الرازي، وهو عمدة المتأخرين من الأشاعرة. وهو في كتابه أقسام اللذات وهو مخطوط لم يطبع. وهذه النتيجة وقعت لخلق من الأشعرية وغيرهم -وبخاصة الأشاعرة- حيث يتبين لهم أن المسلك الكلامي الذي سلكوه ليس صواباً، فيميلون إلى تعظيم الطريقة المأثورة عن سلف الأمة، وإن كانوا في الجملة لا يهتدون إليها -أي: إلى تفاصيلها- عند التحقيق، وهذا الذي وقع فيه أبو المعالي الجويني في رسالته النظامية، ويقع في كلام محمد بن عمر الرازي في مثل هذا السياق، وكذلك في كلام أبي حامد الغزالي؛ فإنه رجع إلى مذهب أهل السنة باعتبار أنه تبين له أن الحق في طريقة السلف، وإن كان لم يصب التعريف، وربما قصد مقاصد في مسائل الأحوال والتصوف وأضافها إلى مقامات الأئمة، ولا سيما من عرفوا بالعبادة من متقدمي أئمة السلف واشتهروا بها. فهذا لا يحصل به أن هؤلاء رجعوا إلى مذهب أهل السنة رجوعاً متحققاً من جهة تقرير المسائل، وإن كانوا يذكرون رجوعهم ويتبين لهم أن ما سلكوه غلطاً، لأنهم لا يهتدون إلى مذهب السلف على التفصيل، بل يهتدون إليه مجملاً، وربما اهتدوا إلى مذهب يفارق المذهب الذي كانوا عليه يظنون أنه مذهب السلف، مثل ما وقع لـ أبي المعالي الجويني في الرسالة النظامية؛ فإنه ذكر أن التأويل محرم وأن الصواب ما عليه سلف الأمة، والتزم مذهب السلف لكن ظن أن مذهب السلف هو التفويض.

стр. 73

اضطراب الجويني وحيرته [ويقول الآخر منهم: لقد خضت البحر الخضم، وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لفلان، وها أنا أموت على عقيدة أمي]. هذا النقل لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني، وهو من كبار أئمة الأشعرية، وقد تقدم أنه ممن مال بالمذهب الأشعري عن طريقة المتقدمين لكثرة عناية الأشاعرة في زمنه بمسألة الرد على أصناف المخالفين، بما في ذلك بعض الطوائف الفقهية وبخاصة الحنابلة، وقد صنف كتباً من أخصها كتاب الشامل، وكتاب اللمع، وكتاب: الإرشاد إلى قواطع الأدلة وكما يظهر من وسم هذا الكتاب أن الجويني يقرر في هذا الكتاب قواطع من الأدلة، ولهذا استعمل الجزم الصريح في هذا الكتاب. ثم في الرسالة النظامية رجع عن أكثر ما قرره في هذا. ففي الرسالة النظامية رجع في مسألة الصفات عن التأويل إلى التفويض، وفي مسألة القدر رجع عن مسلك الأشعرية في مسألة الكسب، وأن العبد له إرادة مسلوبة التأثير، إلى قول مركب من قول أهل السنة وقول المعتزلة ونزعة فلسفية، فصار قوله في الجملة قولاً مركباً، ليس سلفياً محضاً وليس معتزلياً محضاً وليس فلسفياً محضاً، إنما فيه تركيب من أوجه كثيرة، مع بقية بقيت عليه من قول أصحابه.

стр. 74

اضطراب الغزالي وحيرته [ويقول الآخر منهم: أكثر الناس شكاً عند الموت أصحاب الكلام]. هذه الجملة نسبت لـ أبي حامد الغزالي صاحب الإحياء، وهو من تلاميذ أبي المعالي الجويني. وغرض المصنف من هذه النقولات أن يبين أن هذه المذاهب الكلامية قد شهد أصحابها على فسادها. والملاحظ أن هذه النقولات هي عن متأخري الأشعرية، والموجب لهذا أن مقصود المصنف بالرد كان هذا الصنف من المتكلمين، ولكن هذا لا يعني أنه لا يوجد في كلام غيرهم ممن هم أشد منهم غلطاً في هذا الباب كالمعتزلة وغيرهم ما هو من جنس هذا.

стр. 75

من دلائل بطلان مذاهب المتكلمين رد كل طائفة منهم لمقالة الأخرى من الدلائل على بطلان مذاهب المخالفين: أن الطائفة الواحدة من المتكلمين تقع في إبطال مقالة الطائفة ودلائلها المقابلة لها، مع أن مذهبهم مبني على قاعدة واحدة، هي القاعدة الكلامية. بمعنى أن الأشاعرة يحكمون على مذهب المعتزلة بالفساد، والمعتزلة يحكمون على مذهب الأشاعرة بالفساد، مع أن المادة الكلامية واحدة! بل أخص من هذا أن البغداديين من المعتزلة يفارقون البصريين من المعتزلة في تقرير كثير من الدلائل والمسائل، وبين هذين الطائفتين تنازع كثير، ومن ذلك ما صنفه أبو رشيد النيسابوري في مسائل الخلاف بين البصريين والبغداديين من المعتزلة. وكذلك نجد ما هو أخص من هذا: وهو أن أعيان أئمة البصريين من المعتزلة أو أعيان أئمة البغداديين من المعتزلة يقع التعارض بين الشيخ وتلميذه، فمثلاً: أبو الهذيل العلاف منظر مدرسة المعتزلة، كان من أصحابه أبو إسحاق النظام - إبراهيم بن سيار النظام - ومع ذلك وقع بين أبي الهذيل العلاف وأبي إسحاق النظام نزاع شديد في طريقة تحصيل المذهب على طريقتين متناقضتين. بل ما هو أخص من هذا، وهو: أنه في كلام الواحد من أعيان أئمة المتكلمين الكبار اضطراب كبير في كثير من المسائل، كما تقدم في حال أبي المعالي الجويني، فإنه يقرر في كتب مقامات ويقرر في بعض الكتب الأخرى ما يناقض هذه المقامات، وكما تقدم معنا في كلام أبي الحسن الأشعري أيضاً مع قربه من أهل السنة والجماعة، وكذلك ما يقع في كلام بعض أعيان المعتزلة .. وهلم جرا. وفي المتفلسفة الأمر أشد؛ ولهذا نجد أن أبا الوليد بن رشد يتناقض كثيراً، وكذلك ابن سينا في كتبه يتناقض كثيراً، فهو مرة يمتدح الطريقة العقلية ويصححها، ومرة يشير إلى الطعن عليها ويصحح طريقة التصوف والعرفان .. وهلم جرا. إذاً: الناظر في مقالات هؤلاء باعتبار طوائفهم أو باعتبار الطائفة الواحدة بين أصحابها، أو باعتبار الواحد منهم، يجد أن في كلامهم تناقضاً كثيراً، ولا شك أن التناقض دليل على الفساد، ولهذا كان من الدلائل على أن القرآن من عند الله أنه ليس فيه اختلاف: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] ولا يرى شيء من ذلك فيما يتعلق بمذهب السلف. وهنا تظهر النتيجة من هذا، وهو أنه ليس هناك طائفة من طوائف المخالفين للسلف إلا وبين أصحابها نزاع كثير في تقرير الدلائل والمسائل. وهذا قدر واسع جداً، ولا يرى شيء من ذلك يقع في كلام أئمة السلف، فإنهم متفقون في الدلائل ومتفقون في المسائل، وإذا قيل: إنهم متفقون في الدلائل فهذا لا يعني أن كل دليل يستدل به إمام يلزم أن يكون هذا الدليل مستعملاً عند سائر الأئمة، ولكن الذي يلزم أنه ما من مسألة من مسائل أصول الدين إلا وفيها أدلة أجمع السلف على الاستدلال بها، ويكون ثبوت المسألة وتحققها بهذه الأدلة المجمع عليها. وبعض الأئمة يجمعون مع الاستدلال بالنصوص الصريحة الاستدلال بشيء من الظواهر التي قد لا يسلم بها بعض الأئمة، فهذا الاختلاف ليس من باب الاختلاف في الدلائل عند السلف؛ لأن هذا الاختلاف إنما يكون اختلافاً من جنس اختلاف المتكلمين لو كانت المسائل لا تثبت إلا بهذه الأدلة التي يقع فيها شيء -أحياناً- من النزاع. إذاً السلف مذهبهم مذهب متفق من جهة دلائله ومسائله، أما المخالفون فمذهبهم ليس متفقاً لا من جهة دلائله ولا من جهة مسائله؛ وبهذا يعلم أن دلائل المعتزلة التي يذكرها بعض أعيانهم يمكن أن يذكر الرد عليها من كلام بعض أعيان المعتزلة الآخرين، فضلاً عن كلام الأشاعرة على المعتزلة، فضلاً عن كلام السلف على المعتزلة. وكذلك بعض كلام الأشاعرة يمكن رده بكلام بعض أعيانهم، وإن كان هذا المقام إذا ذكر لا يلزم بالضرورة أن يكون مطرداً، فإنك قد ترى بعض الأدلة التي تتفق عليها طائفة من الطوائف فتحصل بها مذهباً، وترى بعض المسائل تتفق عليها الطائفة وتحصل بهذه النتيجة اتفاقاً يضافون وينتسبون إليه، كالأصول الخمسة التي التزمها المعتزلة في الجملة، ولكن لهم في طرق تقريرها طرق مختلفة. فالقصد: أن هذه الدلائل يدخلها التعارض كثيراً، وهذا هو مقصود المصنف ﵀ من ذكر هذا المقام، وهو: تقرير أن المخالفين للسلف هم في قول مختلف يؤفك عنه من أفك، أي: أنهم مختلفون فيما بينهم متناقضون في تقرير أقوالهم، وإن كانوا أحياناً يطلقون في كتبهم كثيراً من الإجماع، بل تجد بعضهم يقول: أجمع المسلمون على كذا. ولا يكون هذا صحيحاً في نفس الأمر. ومن الأمثلة على ذلك: أن الجويني كثيراً ما يقول في كتبه: والدليل على ذلك إجماع المسلمين. مع أن القول الذي حكى فيه الإجماع ليس إجماعاً للمسلمين، بل ولا إجماعاً لأهل السنة والمنتسبين إليها، بل ولا إجماعاً للأشعرية وحدها. ومن أمثلة نقله للإجماع قوله: أن وجوب النظر على المكلفين إجماع عند المسلمين. مع أن هذا لم توجبه طائفة بعينها بإجماعها، حتى مَنْ هم أخص من تكلم بمسألة النظر وهم المعتزلة، وعن المعتزلة دخل القول بمسألة وجوب النظر على الأشاعرة، حتى قال أبو جعفر السمناني: القول في إيجاب النظر في مذهبنا -يعني مذهب الأشعرية- بقية بقيت فيه من مذهب المعتزلة. فأصلاً القول بإيجاب النظر هو مبني على أصول القدرية نفاة القدر، ولهذا لا يمكن إثباته على أصول الكسبية الأشعرية مثبتة القدر الغالية في إثباته، ولكن حتى المعتزلة أصحاب النظر طائفة من أئمتهم لا يوجبونه، ويرون أن المعرفة تقع ضرورية، ومن هؤلاء الجاحظ الكاتب المعتزلي المعروف، وثمامة بن الأشرس، وأبو إسحاق البلخي وجماعة من أكابر علماء المعتزلة؛ والخلاف بين الأشعرية في عدم إيجاب النظر مشهور. فالقصد: أن ما يقع في بعض كتب المتكلمين من دعوى الإجماع هذا لا يلتفت إليه، فإنهم من أجهل الناس بالإجماع.
следующие страницы →